العالم البصير

العالم البصير

سيدي ومولاي.. حبيب الله ورسوله..

عندما نتأمل ما وصل إلينا من بحر علمك الواسع ندرك حقيقة مدى صدق قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا مدينة العلم، وعلى بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب)([1])

وندرك معها بعض تلك المظالم العظيمة التي ابتلاك الله بها.. والتي عبرت عنها بقولك، وأنت تخاطب كل تلك الجموع التي أعرضت عنك لتأخذ دينها من الطلقاء واليهود وتلاميذ اليهود.. ونسوك أنت.. مع أنك عمرت طويلا بينهم.. ومع أنك تربيت حياتك كلها في حضن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وكنت معه صباح مساء.. وكنت تتلقى علومه وتعرف منه أسرار كل ما يتنزل عليه.. وكانت علومك كلها من مشكاة النبوة الخالصة التي لم تتدنس بأي دنس.

لقد كنت تقول لهم مرغبا فيما عندك من العلم الخالص: (سلوني قبل أن تفقدوني، فو الّذي نفسي! بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين السّاعة، ولا عن فئة تهدي مائة وتضلّ مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها، ومناخ ركابها، ومحطّ رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلا، ومن يموت منهم موتا)([2])

وكنت تقول لهم: (سلوني عن كتاب الله، فو الله! ما نزلت آية من كتاب الله في ليل ونهار ولا مسير، ولا مقام إلاّ وقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلّمني تأويلها…)([3])

أذكر جيدا أنه عندما قلت هذا انبرى لك أحد الجاهلين بقدرك، وقال: يا أمير المؤمنين، فما كان ينزل عليه، وأنت غائب عنه؟

فأجبته بقولك: (كان يحفظ عليّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما كان ينزل عليه من القرآن، وأنا غائب عنه، حتّى أقدم عليه فيقرأنيه، ويقول: يا عليّ، أنزل الله بعدك عليّ كذا وكذا، وتأويله كذا وكذا، فيعلّمني تنزيله وتأويله)([4])

بل ورد في تفسير قوله تعالى:{لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَة} [الحاقة:12] أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لك عند نزولها: (سألت الله أن يجعلها أُذنك يا عليّ)، وقد استجاب الله دعاء نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وكنت تقول: (فما نسيت شيئاً بعد ذلك وما كان لي أن أنسى)([5])

بل إن سعيد بن المسيّب، وفي الزمن الذي تولى فيه الطلقاء، شهد لك بذلك، وكان يقول: (لم يكن أحد من الصحابة يقول: سلوني، إلاّ عليّ بن أبي طالب)([6])

ولذلك كنت تقول مخاطبا أصحابك: (لو تعلمون ما أعلم ممّا طوي عنكم غيبه، إذا لخرجتم إلى الصّعدات تبكون على أعمالكم، وتلتدمون على أنفسكم، ولتركتم أموالكم لا حارس لها ولا خالف عليها، ولهمّت كلّ امرئ منكم نفسه لا يلتفت إلى غيرها.. ولكنّكم نسيتم ما ذكّرتم، وأمنتم ما حذّرتم، فتاه عنكم رأيكم، وتشتّت عليكم أمركم، ولوددت أنّ اللّه فرّق بيني وبينكم، وألحقني بمن هو أحقّ بي منكم: قوم واللّه ميامين الرّأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحقّ، متاريك للبغي، مضوا قدما على الطّريقة، وأوجفوا على المحجّة، فظفروا بالعقبى الدّائمة، والكرامة الباردة) ([7])

لن أحدثك عن كل علومك.. فذلك مما لا أطيقه أنا ولا غيري.. ولهذا سأقتصر على بعض ما وصلنا من علومك التي ترتبط بنا وبواقعنا.. وهي أربعة علوم: علم القرآن، وعلم الاستشراف، وعلم المراتب والمنازل، وعلم الحقائق والمقاصد.

علم القرآن:

أما علم القرآن الكريم، فقد أخدته ـ سيدي ومولاي ـ بالسند العالي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم تمزج فيه لا كعب الأحبار، ولا عبد الله بن سلام.. بل كنت خالص التلمذة فيه على حبيبك ومربيك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

وقد رزقك الله مع تلك التلمذة عقلا وثابا للمعاني، وروحا كالمرآة الصافية التي تتجلى فيها الحقائق، لذلك كانت حقائق القرآن الكريم بين يديك تنهل منها ما تشاء.. ولهذا لا عجب أن تكون كل كلماتك من نبع القرآن الكريم الخالص.

لقد كنت ترى بعينيك ـ سيدي ـ كيف ترك المسلمون كتابهم المعجز الواضح البين، وراحوا إلى الأحبار والرهبان.. وراحوا قبلها وبعدها إلى كل صاحب جهل وهوى ليتعلموا على يديه حقائق القرآن، ونسوا أن القرآن الكريم لا يحتاج إلى كل ذلك.. فهو بذاته، ولمن تدبره ووعاه، كاف لتوضيح كل حقائق الوجود.. وما تزيده تلك التفسيرات إلا تعقيدا وتأويلا وتحريفا.

لقد كنت تنادي فيهم كل حين بالعودة إلى القرآن، وترك ذلك الفضول الذي لا يغنيهم شيئا.. وكنت تقول لمن رأيته يبحث في الله وفي حقائق الوجود بعيدا عن هدي القرآن ـ ناصحا وموصيا وواعظا ـ: (فما دلك القرآن عليه من صفته فاتبعه ليوصل بينك وبين معرفته، وائتم به، واستضئ بنور هدايته، فإنها نعمة وحكمة أوتيتها، فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين، وما دلك الشيطان عليه مما ليس في القرآن عليك فرضه، ولا في سنة الرسول وأئمة الهدى أثره، فكل علمه إلى الله عز وجل، فإن ذلك منتهى حق الله عليك)([8])

وكنت تخاطب من تصور أن الرسوخ في العلم هو معرفة عدد أصحاب الكهف أو أسماءهم، أو معرفة تفاصيل قصص الأنبياء بقولك: (اعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم الله عن الاقتحام في السدد المضروبة دون الغيوب، فلزموا الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فقالوا: آمنا به كل من عند ربنا، فمدح الله عز وجل اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق في حاله، ما لم يكلفهم البحث عنه منهم رسوخا، فاقتصر على ذلك، ولا تقدر عظمة الله على قدر عقلك، فتكون من الهالكين) ([9])

وكنت تنادي أولئك الغافلين الذين اغتبروا يالأخبار والآثار عن كل من هب ودب، وتركوا القرآن.. وتقول لهم في خطبة من خطبك العصماء: (نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بكتاب فصله، وأحكمه وأعزه، وحفظه بعلمه، وأحكمه بنوره، وأيده بسلطانه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ولا يخلقه طول الرد، ولا يفنى عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل أجر، ومن خاصم به فلج، ومن قاتل به نصر، ومن قام به هدي إلى صراط مستقيم. فيه نبأ من كان قبلكم، والحكم فيما بينكم، وخبر معاد كم، أنزله بعلمه وأشهد الملائكة بتصديق.. ففي اتباع ما جاءكم من الله الفوز العظيم، وفي تركه الخطأ المبين، قال: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى} [طه:123]، فجعل في اتباعه كل خير يرجى في الدنيا والآخرة، فالقرآن آمر وزاجر، حد فيه الحدود، وسن فيه السنن، وضرب فيه الأمثال، وشرع فيه الدين، إعذرا أمر نفسه وحجة على خلقه، أخذ على ذلك ميثاقهم، وارتهن عليه أنفسهم، ليبين لهم ما يأتون وما يتقون، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله سميع عليم)([10])

وقلت في خطبة أخرى: (عليكم بكتاب الله فإنه الحبل المتين، والنور المبين، والشفاء النافع، والري الناقع، والعصمة للمتمسك والنجاة للمتعلق، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تخلقه كثرة الرد، وولوج السمع من قال به صدق، ومن عمل به سبق)([11])

وقلت في خطبة أخرى: (واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضل، والمحدث الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدى، أو نقصان من عمى. واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لاحد قبل القرآن من غنى، فاستشفوه من أدوائكم واستعينوا به على لأوائكم، فان فيه شفاء من أكبر الداء، وهو الكفر والنفاق والغي والضلال، فاسألوا الله به، وتوجهوا إليه بحبه ولا تسألوا به خلقه، إنه ما توجه العباد إلى الله بمثله. واعلموا أنه شافع مشفع، وقائل مصدق، وإنه من شفع له القرآن يوم القامة شفع فيه، ومن محل به القرآن يوم القيامة صدق عليه، فإنه ينادي مناد يوم القيامة: ألا إن كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله، غير حرثة القرآن، فكونوا من حرثته وأتباعه، واستدلوه على ربكم، واستنصحوه على أنفسكم، واتهموا عليه آراء كم، واستعشوا فيه أهواءكم.. وإن الله سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن فإنه حبل الله المتين، وسببه الأمين، وفيه ربيع القلب، وينابيع العلم، وما للقلب جلاء غيره، مع أنه قد ذهب المتذكرون، وبقي الناسون والمتناسون) ‏([12])

وقد حدث الحارث الأعور عن سر حرصك على الدعوة للقرآن الكريم، وعلاقة الفتن بهجره، فقال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقلت: يا أمير المؤمنين إنا إذا كنا عندك سمعنا الذي نسد به ديننا، وإذا خرجنا من عندك سمعنا أشياء مختلفة مغموسة، لا ندري ما هي؟ قال: أو قد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أتاني جبرئيل فقال: يا محمد سيكون في أمتك فتنة، قلت: فما المخرج منها؟ فقال كتاب الله فيه بيان ما قبلكم من خير وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من وليه من جبار فعمل بغيره قصمه الله، ومن التمس الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، لا تزيفه الأهواء ولا تلبسه الألسنة، ولا يخلق عن الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء هو الذي لم تكنه الجن إذ سمعه، أن قالوا: { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ } [الجن:1-2]، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم، هو الكتاب العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)([13])

وفي خطبة أخرى قلت: (ثم أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفا مصابيحه وسراجا لا يخبو توقده، وبحرا لا يدرك قعره، ومنها جا لا يضل نهجه، وشعاعا لا يظلم ضوؤه، وفرقانا لا يخمد برهانه، وتبيانا لا تهد أركانه، وشفاء لا تخشى أسقامه، وعزا لا تهزم أنصاره، وحقا لا تخذل أعوانه، فهو معدن الايمان وبحبوحته وينابيع العلم وبحوره، ورياض العدل وغدرانه وأثا في الاسلام وبنيانه وأودية الحق وغيطانه وبحر لا ينزفه المستنزفون، وعيون لا ينضبها الماتحون ومناهل لا يغيضها الواردون، ومنازل لا يضل نهجها المسافرون وأعلام لا يعمى عنها السائرون، وآكام لايجوز عنها القاصدون، جعله الله ريا لعطش العلماء، وربيعا لقلوب الفقهاء، ومحاج لطرق الصلحاء، ودواء ليس بعده داء، ونورا ليس معه ظلمة، وحبلا وثيقا عروته، ومعقلا منيعا ذروته، وعزا لمن تولاه، وسلما لمن دخله، وهدى لمن أئتم به، وعذرا لمن انتحله، وبرهانا لمن تكلم به، وشاهدا لمن خاصم به، وفلجا لمن حاج به، وحاملا لمن حمله ومطية لمن أعمله، وآية لمن توسم، وجنة لمن استلام، وعلما لمن وعى وحديثا لمن روى، وحكما لمن قضى)([14])

لا يمكنني ـ سيدي ـ أن أعرض كل ما وصلنا من خطبك وأحاديثك الجميلة حول القرآن.. فهي كثيرة وممتلئة بالمعاني الرفيعة.. ولو أن الذين عاصروك.. أو الذين ابتعد بينك وبينهم الزمان أخذوا بكلماتك حوله.. وعاشوها وطبقوها.. لكان وضعنا الآن غير وضعنا.. لكنهم أهملوا الكتاب كما أهملوك.. وضيعوا الوصية بالكتاب، كما ضيعوا الوصية بك.

علم الاستشراف:

أما علم الاستشراف ـ سيدي ومولاي ـ فهو من العلوم التي ورثتها من حبيبك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. كما ورثتها بسبب صحبتك الطويلة وتدبرك العميق للقرآن الكريم.

فقد كنت بما آتاك الله من علم البصيرة تخبرهم بما سيحيق بهذه الأمة من أنواع البلاء والفتن.. وحينها سألك بعض أصحابك، فقال: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب؟!

فضحكت من قوله، وقلت له ـ وكان كلبيّا ـ: (يا أخا كلب، ليس هو بعلم غيب، وإنّما هو تعلّم من ذي علم، وإنّما علم الغيب: علم السّاعة، وما عدّده اللّه سبحانه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير} [لقمان:34]، فيعلم اللّه سبحانه ما في الأرحام: من ذكر أو أنثى، وقبيح أو جميل، وسخيّ أو بخيل، وشقيّ أو سعيد، ومن يكون في النّار حطبا أو في الجنان للنّبيّين مرافقا، فهذا علم الغيب الّذي لا يعلمه أحد إلّا اللّه، وما سوى ذلك فعلم علّمه اللّه نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم فعلّمنيه، ودعا لي بأن يعيه صدري، وتضطمّ عليه جوانحي) ([15])

وبما أن المهمة التي كلفت بها في هذه الأمة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي مواجهة التحريف والتبديل والتأويل لحقيقة الدين، فلذلك كثرت وصاياك في هذا، والتي حددت فيها أنواع الفتن، وأسبابها، ومواطنها، وبالغت في النصيحة في ذلك..

ومن ذلك قولك ـ سيدي ـ في تحذير العرب خصوصا من التبديل والتغيير، حتى لا يستبدل بهم غيرهم، فقد قلت في ذلك: (ثمّ إنّكم معشر العرب أغراض بلايا قد اقتربت، فاتّقوا سكرات النّعمة، واحذروا بوائق النّقمة، وتثبّتوا في قتام العشوة، واعوجاج الفتنة، عند طلوع جنينها، وظهور كمينها، وانتصاب قطبها، ومدار رحاها، تبدأ في مدارج خفيّة، وتؤول إلى فظاعة جليّة، شبابها كشباب الغلام، وآثارها كآثار السّلام، يتوارثها الظّلمة بالعهود، أوّلهم قائد لآخرهم، وآخرهم‏ مقتد بأوّلهم، يتنافسون في دنيا دنيّة، ويتكالبون على جيفة مريحة، وعن قليل يتبرّأ التّابع من المتبوع، والقائد من المقود، فيتزايلون بالبغضاء، ويتلاعنون عند اللّقاء) ([16])

وقد صدقتك الأيام في هذا، فالعرب اليوم.. وقبل فترة طويلة ركنوا إلى الدنيا وشهواتها، وتصارعوا على حطامها، وغيروا وبدلوا ونسوا كثيرا.

ثم رحت تصف الفتن وصفا دقيقا، وكأنك تشاهدها بعينك، فقلت: (ثمّ يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرّجوف، والقاصمة الزّحوف، فتزيغ قلوب بعد استقامة، وتضلّ رجال بعد سلامة، وتختلف الأهواء عند هجومها، وتلتبس الآراء عند نجومها، من أشرف لها قصمته، ومن سعى فيها حطمته، يتكادمون فيها تكادم الحمر في العانة، قد اضطرب معقود الحبل، وعمي وجه الأمر، تغيض فيها الحكمة، وتنطق فيها الظّلمة، وتدقّ أهل البدو بمسحلها، وترضّهم بكلكلها، يضيع في غبارها الوحدان، ويهلك في طريقها الرّكبان، ترد بمرّ القضاء، وتحلب عبيط الدّماء، وتثلم منار الدّين، وتنقض عقد اليقين، يهرب منها الأكياس، ويدبّرها الأرجاس، مرعاد مبراق، كاشفة عن ساق، تقطع فيها الأرحام، ويفارق عليها الإسلام، بريئها سقيم، وظاعنها مقيم)

ثم رحت تنصحهم بما ينبغي عليهم عند انتشار نيران الفتن، فقلت: (فلا تكونوا أنصاب الفتن، وأعلام البدع، والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة، وبنيت عليه أركان الطّاعة، واقدموا على اللّه مظلومين، ولا تقدموا عليه ظالمين، واتّقوا مدارج الشّيطان، ومهابط العدوان، ولا تدخلوا بطونكم لعق الحرام؛ فإنّكم بعين من حرّم عليكم المعصية، وسهّل لكم سبل الطّاعة)

وقد كنت داعية إلى مواجهة الفتن، وعدم السكون لها، أو السكوت عنها، وقد حدث أبو عطاء عن وصيتك في ذلك، فقال: خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب محزونا يتنفّس، فقال: كيف أنتم وزمان قد أظلّكم؟ تعطّل فيه الحدود، ويتّخذ المال فيه دولا، ويعادى أولياء اللّه، ويوالى فيه أعداء اللّه؟ قلنا: فإن أدركنا الزمان فكيف نصنع؟ قال: (كونوا كأصحاب عيسى عليه السّلام نشروا بالمناشير، وصلبوا على الخشب، موت في طاعة اللّه عزّ وجلّ خير من حياة في معصية اللّه) ([17])

ومن خطبك التي دللت فيها على المخرج من الفتنة، قولك ـ وأنت تخاطب أهل البصرة ـ: (من استطاع عند ذلك أن يعتقل نفسه على اللّه عزّ وجل فليفعل، فإن أطعتموني فإنّي حاملكم- إن شاء اللّه- على سبيل الجنّة، وإن كان ذا مشقّة شديدة، ومذاقة مريرة.. فبالإيمان يستدلّ على الصّالحات، وبالصّالحات يستدلّ على الإيمان، وبالإيمان يعمر العلم، وبالعلم يرهب الموت، وبالموت تختم الدّنيا، وبالدّنيا تحرز الآخرة، وبالقيامة تزلف الجنّة، وتبرّز الجحيم للغاوين، وإنّ الخلق لا مقصر لهم عن القيامة، مرقلين في مضمارها إلى الغاية القصوى قد شخصوا من مستقرّ الأجداث، وصاروا إلى مصاير الغايات، لكلّ دار أهلها، لا يستبدلون بها، ولا ينقلون عنها. وإنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر لخلقان من خلق اللّه سبحانه، وإنّهما لا يقرّبان من أجل، ولا ينقصان من رزق) ([18])

ثم رحت تنصحهم بكتاب الله.. والذي لم تخلو خطبة من خطبك ولا موعظة من مواعظك من الدعوة إليه، لأنك تعلم كيف ستئول علاقة المسلمين به، وكيف تغير معانيه، فقلت: (و عليكم بكتاب اللّه؛ فإنّه الحبل المتين، والنّور المبين، والشّفاء النّافع، والرّيّ النّاقع، والعصمة للمتمسّك، والنّجاة للمتعلّق، لا يعوجّ فيقام، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تخلقه كثرة الرّدّ، وولوج السّمع، من قال به صدق، ومن عمل به سبق)

حينها قام إليك رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن الفتنة، وهل سألت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عنها؟

فقلت له: إنّه لمّا أنزل اللّه سبحانه قوله: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون} [العنكبوت:1-2]، علمت أنّ الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرنا، فقلت: يا رسول اللّه، ما هذه الفتنة الّتي أخبرك اللّه تعالى بها؟ فقال: (يا عليّ، إنّ أمّتي سيفتنون بعدي)، فقلت: يا رسول اللّه، أو ليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين، وحيزت عنّي الشّهادة، فشقّ ذلك عليّ، فقلت لي: (أبشر فإنّ الشّهادة من ورائك)؟ فقال لي: (إنّ ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذا؟)، فقلت: يا رسول اللّه، ليس هذا من مواطن الصّبر، ولكن من مواطن البشرى والشّكر، وقال: (يا عليّ، إنّ القوم سيفتنون بأموالهم، ويمنّون بدينهم على ربّهم، ويتمنّون رحمته، ويأمنون سطوته، ويستحلّون حرامه بالشّبهات الكاذبة، والأهواء السّاهية؛ فيستحلّون الخمر بالنّبيذ، والسّحت بالهديّة، والرّبا بالبيع)، قلت: يا رسول اللّه، فبأيّ المنازل أنزلهم عند ذلك؟ أ بمنزلة ردّة أم بمنزلة فتنة؟ فقال: (بمنزلة فتنة)([19])

وفي كلمة أخرى من كلماتك النيرة التي وصلتنا ذكرت موقف مشعلي الفتن من القرآن الكريم، وهجرهم له، واحتقارهم لأهله، فقلت: (و إنّه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شي‏ء أخفى من الحقّ، ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على اللّه ورسوله، وليس عند أهل ذلك الزّمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حقّ تلاوته، ولا أنفق منه إذا حرّف عن مواضعه، ولا في البلاد شي‏ء أنكر من المعروف، ولا أعرف من المنكر، فقد نبذ الكتاب حملته، وتناساه حفظته. فالكتاب يومئذ وأهله طريدان منفيّان، وصاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يؤويهما مؤو. فالكتاب وأهله في ذلك الزّمان في النّاس وليسا فيهم، ومعهم وليسا معهم، لأنّ الضّلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا. فاجتمع القوم على الفرقة، وافترقوا على الجماعة، كأنّهم أئمّة الكتاب، وليس الكتاب إمامهم، فلم يبق عندهم منه إلّا اسمه، ولا يعرفون إلّا خطّه وزبره، ومن قبل ما مثّلوا بالصّالحين كلّ مثلة، وسمّوا صدقهم على اللّه فرية، وجعلوا في الحسنة عقوبة السّيّئة) ([20])

وفي خطبة أخرى رحت تذكر الفتن وأسبابها، فقلت: (ألا بأبي وأمّي! هم من عدّة أسماؤهم في السّماء معروفة، وفي الأرض مجهولة، ألا فتوقّعوا ما يكون من إدبار أموركم، وانقطاع‏ وصلكم، واستعمال صغاركم، ذاك حيث تكون ضربة السّيف على المؤمن أهون من الدّرهم من حلّه، ذاك حيث يكون المعطى أعظم أجرا من المعطي، ذاك حيث تسكرون من غير شراب، بل من النّعمة والنّعيم، وتحلفون من غير اضطرار، وتكذبون من غير إحراج، ذاك إذا عضّكم البلاء كما يعضّ القتب غارب البعير، ما أطول هذا العناء، وأبعد هذا الرّجاء؟ أيّها النّاس، ألقوا هذه الأزمّة الّتي تحمل ظهورها الأثقال من أيديكم، ولا تصدّعوا على سلطانكم فتذمّوا غبّ فعالكم، ولا تقتحموا ما استقبلتم من فور نار الفتنة، وأميطوا عن سننها، وخلّوا قصد السّبيل لها- فقد لعمري- يهلك في لهبها المؤمن، ويسلم فيها غير المسلم) ([21])

وفي خطبة أخرى رحت تذكر فتنة بني أمية، وما تجلبه للأمة من أنواع الانحراف في الدين والدنيا، فقلت: (إنّي أرى أهل الشام على باطلهم أشدّ اجتماعا منكم على حقّكم، واللّه لتوطؤنّ هكذا وهكذا- وضرب برجله على المنبر، حتى سمع صوته من في آخر المسجد، وقال-: ثمّ ليستعملنّ عليكم اليهود والنّصارى، حتّى تنفوا- يعني إلى أطراف الأرض- ثمّ لا يرغم اللّه إلّا بآنافكم) ([22])

وفي حديث آخر رحت تصف بعض مظاهر الفتن التي تنزل بهذه الأمة لإعراضها عن وصايا نبيه بالثقلين، فقلت: (إذا كان زعيم القوم فاسقهم، وأكرم الرجل اتّقاء شرّه، وعظّم أرباب الدّنيا، واستخفّ بحملة القرآن، وكانت تجارتهم الرباء، ومأكلهم أموال اليتامى، وعطّلت المساجد، وأكرم الرجل صديقه وعقّ أباه، وتواصلوا بالباطل، وقطعوا الأرحام، واتخذوا كتاب اللّه مزامير، وتفقّه الناس لغير الدّين، وأكل الرجل أمانته، وأوتمن الخونة، وخوّن الأمناء، واستعمل السفهاء، ورفعت الأصوات في المساجد، واتّخذت طاعة الله بضاعة، وكثر القرّاء، وقلّ الفقهاء، فعند ذلك توقّعوا ثلاثا: توقّعوا ريحا حمراء، وخسفا وزلازل، وأمورا عظاما) ([23])

ولم تكتف ـ سيدي ـ بتلك الأوصاف التي وصفت بها عصرك والعصور بعدك، وإنما رحت في خطبك الكثيرة تحلل أسبابها، وتعطي العلاج الناجع لها.

ومن ذلك خطبتك العظيمة المعروفة بـ (القاصعة) ([24])، والتي شخصت فيها الصراع بين المشروع الإلهي والمشروع الشيطاني.. والتي حذرت فيها من إبليس، وبينت أنه لن يغفل عن هذه الأمة كما لم يغفل عن غيرها من الأمم.. وأنه سيحرف دينها كما حرف سائر الأديان..

ومما ذكرته فيها قولك: (فاعتبروا بما كان من فعل اللّه بإبليس، إذ أحبط عمله الطّويل، وجهده الجهيد، وكان قد عبد اللّه ستّة آلاف سنة، لا يدرى أ من سني الدّنيا، أم من سني الآخرة؟ عن كبر ساعة واحدة.. فمن ذا بعد إبليس يسلم على اللّه بمثل معصيته؟ كلّا، ما كان اللّه سبحانه ليدخل الجنّة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا، إنّ حكمه في أهل السّماء وأهل الأرض لواحد، وما بين اللّه وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرّمه على العالمين)

ثم رحت تحذر من الوقوع في حبائل الشيطان، وخدمة مشروعة التحريفي، فقلت: (فاحذروا عباد اللّه عدوّ اللّه، أن يعديكم بدائه، وأن يستفزّكم بندائه، وأن يجلب عليكم بخيله ورجله. فلعمري لقد فوّق لكم سهم الوعيد، وأغرق إليكم بالنّزع الشّديد، ورماكم من مكان قريب، فقال: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين} [الحجر:39]، قذفا بغيب بعيد، ورجما بظنّ غير مصيب، صدّقه به أبناء الحميّة، وإخوان العصبيّة، وفرسان الكبر والجاهليّة، حتّى إذا انقادت له الجامحة منكم، واستحكمت الطّماعيّة منه فيكم، فنجمت الحال من السّرّ الخفيّ إلى الأمر الجليّ، استفحل سلطانه عليكم، ودلف بجنوده نحوكم، فأقحموكم ولجات الذّلّ، وأحلّوكم ورطات القتل، وأوطؤوكم إثخان الجراحة، طعنا في عيونكم، وحزّا في حلوقكم، ودقّا لمناخركم، وقصدا لمقاتلكم، وسوقا بخزائم القهر إلى النّار المعدّة لكم، فأصبح أعظم في دينكم حرجا، وأورى في دنياكم قدحا، من الّذين‏ أصبحتم لهم مناصبين، وعليهم متألّبين، فاجعلوا عليه حدّكم، وله جدّكم)

قم رحت ـ سيدي ـ تحذر من التعصب والعصبية، وما ينتج عنها من أحقاد الجاهلية وصراعاتها، فقلت: (فأطفئوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبيّة، وأحقاد الجاهليّة، فإنّما تلك الحميّة تكون في المسلم من خطرات الشّيطان ونخواته، ونزغاته ونفثاته، واعتمدوا وضع التّذلّل على رؤوسكم، وإلقاء التّعزّز تحت أقدامكم، وخلع التّكبّر من أعناقكم، واتّخذوا التّواضع مسلحة بينكم، وبين عدوّكم إبليس وجنوده، فإنّ له من كلّ أمّة جنودا وأعوانا، ورجلا وفرسانا، ولا تكونوا كالمتكبّر على ابن أمّه، من غير ما فضل جعله اللّه فيه، سوى ما ألحقت العظمة بنفسه، من عداوة الحسد، وقدحت الحميّة في قلبه من نار الغضب، ونفخ الشّيطان في أنفه من ريح الكبر، الّذي أعقبه اللّه به النّدامة، وألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة)

ثم رحت توبخهم، وتوبخ كل من وقع في شرك الشيطان، وراح يخدم مشروعه، فقلت: (ألا وقد أمعنتم في البغي، وأفسدتم في الأرض، مصارحة للّه بالمناصبة، ومبارزة للمؤمنين بالمحاربة، فاللّه اللّه في كبر الحميّة، وفخر الجاهليّة، فإنّه ملاقح الشّنئان، ومنافخ الشّيطان، الّتي خدع بها الأمم الماضية، والقرون الخالية، حتّى أعنقوا في حنادس جهالته، ومهاوي ضلالته، ذللا عن سياقه، سلسا في قياده، أمرا تشابهت القلوب فيه، وتتابعت القرون عليه، وكبرا تضايقت الصّدور به)

ثم رحت تصف مكامن الداء التي استخدمها الشيطان، وهم الكبراء والطغاة والسادة سواء كانوا من أهل السياسة أو من أهل العلم، فقلت: (ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم، الّذين تكبّروا عن حسبهم، وترفّعوا فوق نسبهم، وألقوا الهجينة على ربّهم، وجاحدوا اللّه على ما صنع بهم، مكابرة لقضائه، ومغالبة لآلائه، فإنّهم قواعد أساس العصبيّة، ودعائم أركان الفتنة، وسيوف اعتزاء الجاهليّة.. فاتّقوا اللّه ولا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا، ولا لفضله عندكم حسّادا، ولا تطيعوا الأدعياء الّذين شربتم بصفوكم كدرهم، وخلطتم بصحّتكم مرضهم، وأدخلتم في حقّكم باطلهم، وهم أساس الفسوق، وأحلاس العقوق.. اتّخذهم إبليس مطايا ضلال، وجندا بهم يصول على النّاس، وتراجمة ينطق على ألسنتهم، استراقا لعقولكم، ودخولا في عيونكم، ونفثا في أسماعكم، فجعلكم مرمى نبله، وموطئ قدمه، ومأخذ يده)

ثم رحت تذكرهم، وتذكر الأجيال من بعدهم بعواقب من خضع لمشروع الشيطان، ونسي وابتعد عن مشروع الرحمن، فقلت: (فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس اللّه وصولاته، ووقائعه ومثلاته، واتّعظوا بمثاوي خدودهم، ومصارع‏ جنوبهم، واستعيذوا باللّه من لواقح الكبر، كما تستعيذونه من طوارق الدّهر. فلو رخّص اللّه في الكبر لأحد من عباده، لرخّص فيه لخاصّة أنبيائه وأوليائه، ولكنّه سبحانه كرّه إليهم التّكابر، ورضي لهم التّواضع، فألصقوا بالأرض خدودهم، وعفّروا في التّراب وجوههم، وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين، وكانوا قوما مستضعفين، قد اختبرهم اللّه بالمخمصة، وابتلاهم بالمجهدة، وامتحنهم بالمخاوف، ومخضهم بالمكاره)

إلى آخر خطبتك الطويلة ـ سيدي ـ والتي لا نستطيع أن نفسرها بأكثر من قراءتها، وإعادة قراءتها كل حين لنعيش معانيها العظيمة.. ولتغرس فينا من قيم التواضع والعبودية ما يهزم مشروع الشيطان من جذوره.

لن أحدثك سيدي على ما وصلنا من إنبائك عن أخبار المستقبل، والتي صدقتها الأيام، لأن من قومي من لا يحب الحديث في هذه الأمور.

لكني فقط أريد أن أذكر لك حديثا من أحاديثك العجيبة التي رأيناها في زماننا رأي العين.. ورآها الكثير.. ولكن العيون العمي تغض أبصارها عن حديثك.. ولو كان حديثا لخصمك لأشاعوك، ولجعلوا منه نبوءة من النبوءات، ومكرمة من المكرمات.

فقد حدثتنا قبل تلك القرون الطويلة عن أولئك المجرمين الذين اكتوينا بنارهم.. فوصفتهم خير وصف وأصدقه، فقلت: (إذا رأيتم الرايات السود فالزموا الأرض فلا تحركوا أيديكم ولا أرجلكم، ثم يظهر قوم ضعفاء لا يؤبه لهم، قلوبهم كزبر الحديد، هم أصحاب الدولة، لا يفون بعهد ولا ميثاق، يدعون إلى الحق وليسوا من أهله، أسماؤهم الكنى ونسبتهم القرى، وشعورهم مرخاة كشعور النساء، حتى يختلفوا فيما بينهم، ثم يؤتي الله الحق من يشاء)([25])

إن هذا الحديث معجزة من معجزاتك سيدي، لمن يريد أن يعرف قدرك.. فكل كلمة فيه تدل على [داعش]، أو ما يسمونها [تنظيم الدولة الإسلامية]، فأول لفظة في نبوءتك الصادقة قولك: (لا يؤبه بهم): وهذا متحقق في الواقع، اذ أنه لم يأبه بهم أحد إلى أن اجتاحوا نصف العراق، وهزموا المسلحين في سوريا.. وقولك (قلوبهم كزبر الحديد)، تصف قسوة قلوبهم، وهي محل اتفاق، بل رآها العالم أجمع.. وقولك (هم أصحاب الدولة) هو الشفرة، والسر، والمعجزة، فهذا متحقق بشكل لا يمكن لأحد أن يخترعه قبل 1200 سنة.. وقولك (لا يفون بعهد ولا ميثاق) متواتر عنهم، وقصص نكثهم بالعهود وقتلهم الوسطاء والضيوف متواترة.. وقولك (يدعون إلى الحق وليسوا من أهله) متحقق أيضاً، ولذلك يغرون كثيراً من الناس، فيظنونهم أهل حق، والعلم بهم هش، لأن الناس يتبعون أشباههم.. وقولك (أسماؤهم الكنى ونسبتهم القرى)، منطبق تماما معهم، حيث نجدهم يسمون: أبو فلان البغدادي، أو فلان الشيشاني، أبو فلان الليبي، وهذا متحقق فيهم كلهم، وليس مجرد نسبة نادرة.. وقولك (وشعورهم مرخاة كشعور النساء) يصفهم بدقة..

فهذه ثمان صفات مجتمعة فيهم لا تجتمع في غيرهم([26]).. وهي مجرد نبوءة واحدة من نبوءاتك.. وما أكثرها.. وما أكثر عبرها.. وما أقل المعتبرين بها.

التحليل والتصنيف:

أما علم التحليل والتصنيف.. فهو عجيبة من عجائبك.. فأنت تصف الحقائق، وتقسمها تقسيما بديعا محيطا، وكأنك تراها مجسمة بين عينيك..

وقد وصلنا من تحليلاتك وتصنيفاتك ما يؤسس لمعارف وعلوم كثيرة.. ولو أن الأمة اهتدت بهديها واكتفت بها، لحافظت على أصالة دينها، وما وقعت في الكثير من الدجل الذي وقت فيه.

من ذلك قولك في وصف القلب، وما يتعلق به من صفات متضادة: (لقد علّق بنياط هذا الإنسان بضعة هي أعجب ما فيه وذلك القلب، وذلك أنّ له موادّ من الحكمة، وأضدادا من خلافها؛ فإن سنح له الرّجاء أذلّه الطّمع، وإن هاج به الطّمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ، وإن أسعده الرّضا نسي التّحفّظ، وإن غاله الخوف شغله الحذر، وإن اتّسع له الأمر استلبته الغرّة، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن عضّته الفاقة شغله البلاء، وإن جهده الجوع قعد به الضّعف، وإن أفرط به الشّبع كظّته البطنة، فكلّ تقصير به مضرّ، وكلّ إفراط له مفسد) ([27])

ومن ذلك تصنيفك لقوام الدنيا والدين، والذي عبرت عنه بقولك: (قوام الدّين والدّنيا بأربعة: عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلّم، وجواد لا يبخل بمعروفه، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلّم، وإذا بخل الغنيّ بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه) ([28])

ومن ذلك هذا التصنيف العجيب للإيمان وأركانه، والذي أجبت به عبادة بن قيس الذي سألك عنه، فقلت على البديهة: (الإيمان على أربعة أركان: الصّبر، واليقين، والعدل، والجهاد) ‏([29])

ثم رحت تبين أركان الصبر، فقلت: (والصّبر من ذلك على أربعة أركان: على الشوق، والشفقة، والزهد، والترقب، فمن اشتاق إلى الجنّة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النّار رجع عن الحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن ترقّب الموت سارع في الخيرات)

ثم رحت تبين أركان اليقين، فقلت: (اليقين من ذلك على أربعة أركان: على تبصرة الفطنة، وموعظة العبرة، وتأويل الحكمة بتبيّن العبرة، ومن تبيّن العبرة عرف السنّة، ومن عرف السنّة فكأنّما كان في الأولين، فاهتدى إلى التي هي أقوم)

ثم رحت تبين أركان العدل، فقلت: (العدل من ذلك على أربعة أركان: على غامض الفهم، وغمرة العلم، وزهرة الحكم، وروضة الحكم، فمن فهم فسّر جمل العلم، ومن علم شرع غرائب الحكم، ومن شرع غرائب الحكم دلّته على معادن الحلم فلم يضلّ. من حلم لم يفرّط في أمره، وعاش في النّاس حميدا)

ثم رحت تبين أركان الجهاد، فقلت: (الجهاد من ذلك على أربعة أركان: على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شدّ ظهر المؤمنين، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافقين، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن شنئ الفاسقين فقد غضب لله جلّ وعزّ، ومن غضب لله جلّ ثناؤه، له)

ثم خاطبت ابن قيس قائلا: (ذلك الإيمان يا ابن قيس ودعائمه وأركانه. أفهمت؟)، فلم يملك ـ وهو منبهر من حكمتك وعلمك وبديهتك وحضور حجتك ـ إلا أن يقول: (نعم، يا أمير المؤمنين، أرشدك اللّه فقد أرشدت)

ومن تلك التصنيفات ما ذكرته في بعض مواعظك في الحث على اغتنام الفرصة، وترك التسويف، حيث قلت: (إنما الدهر ثلاثة أيام- أنت فيما بينهن-: مضى أمس بما فيه فلا يرجع أبدا، فإن كنت عملت فيه خيرا لم تحزن لذهابه، وفرحت بما أسلفته فيه، وإن كنت قد فرّطت فيه، فحسرتك شديدة لذهابه وتفريطك فيه.. وأنت في يومك الذي أصبحت فيه من غد في غرّة! ولا تدري ولعلّك لا تبلغه؟ وإن بلغته لعلّ حظّك فيه في التفريط مثل حظّك في الأمس الماضي عنك! فيوم من الثلاثة قد مضى وأنت فيه مفرّط، ويوم تنتظره ولست أنت منه على يقين من ترك التفريط، وإنما لك من الثلاثة هو يومك الذي أصبحت فيه) ([30])

ومن تصنيفاتك البديعة المرتبطة بعلم النفس ذكرك للخصال التي يكشفها اللسان من حقيقة الإنسان، فقد قلت فيها: (أيها الناس، إن في الإنسان عشر خصال يظهرها لسانه: شاهد يخبر عن الضمير، وحاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يردّ به الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، وأمير يأمر بالحسن، وواعظ ينهى عن القبيح، ومعزّ تسكّن به الأحزان، وحامد تجلى به الضغائن، ومونق يلهي الأسماع)

ومنها هذا التنصيف المرتبط بالعلاقات الاجتماعية: (لا يكون الصّديق صديقا حتّى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته، وغيبته، ووفاته) ([31])

ومنها تصنيفاتك البديعة لمكارم الأخلاق، وهي تؤسس لعلم الأخلاق تأسيسا متينا قويا.. وقد أوصيت بها ابنك ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسن([32])، فقلت له: احذر من الأمور ثلاثا، وخف من ثلاث، وارج ثلاثا، ووافق ثلاثا، واستحي من ثلاث، وافزع إلى ثلاث، وشحّ على ثلاث، وتخلّص إلى ثلاث، واهرب إلى ثلاث، واهرب من ثلاث، وجانب ثلاثا، يجمع الله لك بذلك حسن السيرة في الدنيا والآخرة)

ثم رحت تفصل له في كل واحدة منها، وتبين له أسرار وصيتك المرتبطة بها.. ومن ذلك قولك في الخلال التي حذرت منها: (فأما الذي أمرتك أن تحذرها: فاحذر الكبر، والغضب، والطمع.. فأما الكبر: فإنه خصلة من خصال الأشرار، والكبرياء رداء الله عزّ وجلّ، ومن أسكن الله قلبه مثقال حبة من كبر أورده النار.. والغضب يسفّه الحليم، ويطيش العالم، ويفقد معه العقل، ويظهر معه الجهل.. والطمع فخ من فخاخ إبليس، وشرك من عظيم احتباله، يصيد به العلماء والعقلاء، وأهل المعرفة وذوي البصائر)

ومن ذلك قولك في الخلال التي طلبت منه الخوف منها: (خف اللّه، وخف من لا يخاف الله، وخف لسانك فإنه عدوّك على دينك، يؤمنك الله جميع ما خفته)

ومن ذلك قولك في الخلال التي طلبت منه الرجاء فيها: (ارج عفو الله عن ذنوبك، وارج محاسن عملك، وارج شفاعة نبيك صلى الله عليه وآله وسلم)

ومن ذلك قولك في الخلال التي طلبت منه الموافقة فيها: (وافق كتاب اللّه، ووافق سنة نبيك صلى الله عليه وآله وسلم، ووافق ما يوافق الحق والكتاب)

ومن ذلك قولك في الخلال التي طلبت منه الاستحياء منها: (استح من مطالعة الله إيّاك وأنت مقيم على ما يكره، واستح من الحفظة الكرام الكاتبين، واستح من صالح المؤمنين)

ومن ذلك قولك في الخلال التي طلبت منه الفزع منها: (افزع إلى الله في ملمّات أمورك، وافزع إلى التوبة في مساوي عملك، وافزع إلى أهل العلم وأهل الأدب)

ومن ذلك قولك في الخلال التي طلبت منه الشح عليها: (شح على عمرك أن تفنيه مما هو عليك لا لك، وشحّ على دينك ولا تبذله للغضب، وشحّ على كلامك إلّا ما كان لك ولا عليك)

ومن ذلك قولك في الخلال التي طلبت منه التخلص منها: (تخلّص إلى معرفتك نفسك وإظهار عيوبها ومقتك إياها، وتخلّص إلى تقوى اللّه، ثم تخلّص إلى إخمال نفسك وإخفاء ذكرك)

ومن ذلك قولك في الخلال التي طلبت منه الهرب منها: (اهرب من الكذب، واهرب من الظالم وإن كان ولدك أو والدك، واهرب من مواطن الامتحان التي يحتاج فيها إلى صبرك)

ومن ذلك قولك في الخلال التي طلبت منه مجانبتها: (جانب هواك وأهل الأهواء، وجانب الشر وأهل الشر، وجانب الحمقى وإن كانوا متقرّبين أو مشيخة مختصّين)

ومن ذلك ما ورد في وصيتك له بعد أن ضربك ابن ملجم، والتي قلت له فيها: (يا بني، احفظ عني أربعا وأربعا، لا يضرك ما عملت بهن شي‏ء) ([33])

ثم ذكرت له الأربع الأولى، فقلت: (إن أغنى الغنى العقل، وأكثر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الحسب حسن الخلق)

ثم ذكرت له الأربع الثانية، فقلت: (يا بني، وإيّاك ومصادقة الأحمق! فإنه يريد أن ينفعك فيضرك.. وإيّاك ومصادقة الكذّاب! فإنه يقرّب عليك البعيد، ويبعّد عليك القريب.. وإيّاك ومصادقة البخيل! فإنه يقعد بك عند أحوج ما تكون إليه.. وإيّاك ومصادقة الفاجر! فإنه يبيعك في نفاقه)

ومنها قولك في الأعمال وموجباتها والكرم الإلهي المرتبط بها: (من أعطي أربعا لم يحرم أربعا: من أعطي الدّعاء لم‏ يحرم الإجابة، ومن أعطي التّوبة لم يحرم القبول، ومن أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة، ومن أعطي الشّكر لم يحرم الزّيادة) ([34])

التحقيق والمقاصدية:

أما علم التحقيق والمقاصدية وما يتفرع منه من علوم، فكل خطبك ورسائلك تصب فيه.. ذلك أنك لا تتحدث في الرسوم، وإنما تتحدث في الحقائق.. الحقائق التي تعيشها وتراها، وتتلقاها من تعليم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن تدبر القرآن الكريم.

ولو أن الأمة أخذت بعلومك في هذا، لعرفت كيف تتعامل مع الدين، ولما ضيعت قيمه ومقاصده انشغالا بطقوسه ورسومه.

ومن كلماتك في هذا ـ سيدي ـ هذه الكلمات، بل هذه الجواهر المقاصدية العالية، والتي تشمل الدين كله: (فرض اللّه الإيمان تطهيرا من الشّرك، والصّلاة تنزيها عن الكبر، والزّكاة تسبيبا للرّزق، والصّيام ابتلاء لإخلاص الخلق، والحجّ تقربة للدّين، والجهاد عزّا للإسلام، والأمر بالمعروف مصلحة للعوامّ، والنّهي عن المنكر ردعا للسّفهاء، وصلة الرّحم منماة للعدد، والقصاص حقنا للدّماء، وإقامة الحدود إعظاما للمحارم، وترك شرب الخمر تحصينا للعقل، ومجانبة السّرقة إيجابا للعفّة، وترك الزّنا تحصينا للنّسب، وترك اللّواط تكثيرا للنّسل، والشّهادات استظهارا على المجاحدات، وترك الكذب تشريفا للصّدق، والسّلام أمانا من المخاوف، والأمانة نظاما للأمّة، والطّاعة تعظيما للإمامة) ([35])

ومن ذلك قولك في تعريف الإسلام: (لأنسبنّ الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي، الإسلام: هو التّسليم، والتّسليم هو اليقين، واليقين هو التّصديق، والتّصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل) ‏([36])

ومن ذلك ـ سيدي ـ قولك في أصناف المروءة، ومظاهرها، وشمولها للكثير من الشرائع والشعائر، وعدم اقتصارها على ما كانت العرب تفهم منها: (مروءة المرء المسلم مروءتان: مروءة في حضر، ومروءة في سفر.. وأما مروءة الحضر: فقراءة القرآن، ومجالسة العلماء، والنظر في الفقه، والمحافظة على الصلوات في الجماعات.. وأما مروءة السفر: فبذل الزاد، وقلة الخلاف على من صحبك، وكثرة ذكر اللّه عزّ وجلّ في كل مصعد ومهبط، ونزول وقيام وقعود)

ومن ذلك قولك للذين انشغلوا بالرسوم عن الحقائق، فتوهموا الاستغفار ألفاظا تردد لا سلوكا يشمل الحياة جميعا، فقد سمعت رجلا يقول: (أستغفر اللّه)، فقلت له: (ثكلتك أمّك! أ تدري ما الاستغفار؟ الاستغفار: درجة العلّيّين، وهو اسم واقع على ستّة معان: أوّلها: النّدم على ما مضى.. والثّاني: العزم على ترك العود إليه أبدا..و الثّالث: أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم، حتّى تلقى اللّه أملس ليس عليك تبعة.. والرّابع: أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها فتؤدّي حقّها.. والخامس: أن تعمد إلى اللّحم الّذي نبت على السّحت فتذيبه بالأحزان، حتّى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد.. والسّادس: أن تذيق الجسم ألم الطّاعة كما أذقته حلاوة المعصية.. فعند ذلك تقول: أستغفر اللّه) ([37])

ومن ذلك سيدي ما ورد في وصيتك لابنك محمد بن الحنفية، والذي شرحت له فيها من خلال القرآن الكريم شرائع الدين ومقاصدها([38]).

ومما جاء فيها قولك له: (يا بني، لا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كل ما تعلم؛ فإن اللّه تبارك وتعالى قد فرض على جوارحك كلها فرائض يحتجّ بها عليك يوم القيامة ويسألك عنها، وذكّرها ووعظها وحذّرها وأدّبها ولم يتركها سدى، فقال اللّه عزّ وجلّ: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا} [الإسراء:36]، وقال عزّ وجل: إ{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيم} [النور:15].. ثم استعبدها بطاعته فقال عزّ وجلّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون } [الحج:77]، فهذه فريضة جامعة واجبة على الجوارح)

ثم رحت سيدي تفصل في عبودية كل جارحة من الجوارح، بعد أن بينت من معاني قوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن:18] (يعني بالمساجد الوجه واليدين والركبتين والإبهامين)

فذكرت أن الله تعالى (خصّ كل جارحة من جوارحك بفرض ونصّ عليها، ففرض على السمع أن لا تصغي به على المعاصي، فقال عزّ وجل: {وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ}‏ [النساء: 140])، وغيرها من الآيات الكريمة التي ذكرتها في خطبتك.

وذكرت أن الله تعالى فرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرّم الله عزّ وجل عليه، فقال عزّ من قائل: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}[النور: 30])

وذكرت أن الله تعالى (فرض على اللسان الإقرار والتعبير عن القلب بما عقد عليه، فقال عزّ وجلّ: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إِلَيْنا}[البقرة: 136]، وقال عزّ وجل: {وقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}[النحل: 106]

وذكرت أن الله تعالى (فرض على القلب وهو أمير الجوارح، الذي به تعقل وتفهم، وتصدر عن أمره ورأيه، فقال عزّ وجل: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ}، وقال تعالى حين أخبر عن قوم أعطوا الإيمان بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم: {الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ‏}، وقال عزّ وجلّ: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ‏}، وقال عزّ وجل: {وإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ}

وهكذا رحت إلى كل الجوارح تذكر الفرائض المرتبطة بها، مستدلا على ذلك بالقرآن الكريم، والمعاني العظيمة التي حواها.

ثم ختمت وصيتك له بدعوته للقرآن الكريم، فهو الكتاب الذي حوى كل شيء، فقلت له: (فهذا ما فرض اللّه تبارك وتعالى على جوارحك، فاتق اللّه يا بني واستعملها بطاعته ورضوانه، وإيّاك أن يراك اللّه تعالى عند معصيته! أو يفقدك عند طاعته، فتكون من الخاسرين، وعليك بقراءة القرآن، والعمل‏ بما فيه، ولزوم فرائضه وشرائعه، وحلاله وحرامه، وأمره ونهيه، والتهجّد به، وتلاوته في ليلك ونهارك، فإنه عهد من اللّه تبارك وتعالى إلى خلقه، فهو واجب على كل مسلم أن ينظر كل يوم في عهده ولو خمسين آية. واعلم أنّ درجات الجنّة على عدد آيات القرآن، فإذا كان يوم القيامة يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق، فلا يكون في الجنّة بعد النبيين والصدّيقين أرفع درجّة منه)

وهكذا ـ سيدي ـ رحت ببصيرتك النافذة تفسر سبب ما كان عليه الأنبياء عليهم السلام من فاقة وحاجة مقارنة بالطواغيت والمجرمين، فقلت في خطبتك التي حذرت فيها من المشروع الشيطاني للإنسان: (و لقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون عليهما السّلام على فرعون، وعليهما مدارع الصّوف، وبأيديهما العصيّ، فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه، ودوام عزّه، فقال: أ لا تعجبون من هذين، يشرطان لي دوام العزّ وبقاء الملك، وهما بما ترون من حال الفقر والذّلّ، فهلّا ألقي عليهما أساورة من ذهب؟ إعظاما للذّهب وجمعه، واحتقارا للصّوف ولبسه، ولو أراد اللّه سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذّهبان، ومعادن العقيان، ومغارس الجنان، وأن يحشر معهم طيور السّماء، ووحوش الأرضين لفعل، ولو فعل لسقط البلاء، وبطل الجزاء، واضمحلّت الأنباء، ولما وجب للقابلين أجور المبتلين، ولا استحقّ المؤمنون ثواب المحسنين، ولا لزمت الأسماء معانيها، ولكنّ اللّه سبحانه‏ جعل رسله أولي قوّة في عزائمهم، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى، وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى)

ثم فسرت سر كون الأنبياء من ضعفة الناس، فقلت: (و لو كانت الأنبياء أهل قوّة لا ترام، وعزّة لا تضام، وملك تمدّ نحوه أعناق الرّجال، وتشدّ إليه عقد الرّحال، لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار، وأبعد لهم في الاستكبار، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم، أو رغبة مائلة بهم، فكانت النّيّات مشتركة، والحسنات مقتسمة، ولكنّ اللّه سبحانه أراد أن يكون الاتّباع لرسله، والتّصديق بكتبه، والخشوع لوجهه، والاستكانة لأمره، والاستسلام لطاعته، أمورا له خاصّة، لا تشوبها من غيرها شائبة، وكلّما كانت البلوى والاختبار أعظم، كانت المثوبة والجزاء أجزل)

ومثل ذلك رحت تفسر أسرار اختيار الله تعالى للأماكن التي يجب فيها الحج، فقلت معبرا بلسانك البليغ: (أ لا ترون أنّ اللّه سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم (صلوات الله عليه) إلى الآخرين من هذا العالم، بأحجار لا تضرّ ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فجعلها بيته الحرام، الّذي جعله للنّاس قياما. ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا، وأقلّ نتائق الدّنيا مدرا، وأضيق بطون الأودية قطرا، بين جبال خشنة، ورمال دمثة، وعيون وشلة، وقرى منقطعة، لا يزكو بها خفّ، ولا حافر ولا ظلف. ثمّ أمر آدم عليه السّلام وولده، أن يثنوا أعطافهم نحوه، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم، وغاية لملقى رحالهم، تهوي إليه ثمار الأفئدة، من مفاوز قفار سحيقة، ومهاوي فجاج عميقة، وجزائر بحار منقطعة، حتّى يهزّوا مناكبهم ذللا، يهلّلون للّه حوله، ويرملون على أقدامهم شعثا غبرا له. قد نبذوا السّرابيل وراء ظهورهم، وشوّهوا بإعفاء الشّعور محاسن خلقهم، ابتلاء عظيما، وامتحانا شديدا، واختبارا مبينا، وتمحيصا بليغا، جعله اللّه سببا لرحمته، ووصلة إلى جنّته)

ثم بينت أنه (لو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام، ومشاعره العظام، بين جنّات وأنهار، وسهل وقرار، جمّ الأشجار، داني الثّمار، ملتفّ البنى، متّصل القرى، بين برّة سمراء، وروضة خضراء، وأرياف محدقة، وعراص مغدقة، ورياض ناضرة، وطرق عامرة، لكان قد صغر قدر الجزاء، على حسب ضعف البلاء. ولو كان الأساس المحمول عليها، والأحجار المرفوع بها، بين‏ زمرّدة خضراء، وياقوته حمراء، ونور وضياء، لخفّف ذلك مصارعة الشّكّ في الصّدور، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب، ولنفى معتلج الرّيب من النّاس. ولكنّ اللّه يختبر عباده بأنواع الشّدائد، ويتعبّدهم بأنواع المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره، إخراجا للتّكبّر من قلوبهم، وإسكانا للتّذلّل في نفوسهم، وليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله، وأسبابا ذللا لعفوه)

وهكذا رحت تفسر أسرار العبودية المودعة في كل الشعائر، فقلت: (عن ذلك ما حرس اللّه عباده المؤمنين بالصّلوات والزّكوات، ومجاهدة الصّيام في الأيّام المفروضات، تسكينا لأطرافهم، وتخشيعا لأبصارهم، وتذليلا لنفوسهم، وتخفيضا لقلوبهم، وإذهابا للخيلاء عنهم، ولما في ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتّراب تواضعا، والتصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغرا، ولحوق البطون بالمتون من الصّيام تذلّلا، مع ما في الزّكاة من صرف ثمرات الأرض وغير ذلك إلى أهل المسكنة والفقر. انظروا إلى ما في هذه الأفعال من قمع نواجم الفخر، وقدع طوالع الكبر)

ثم ختمت حديثك عن هذه الحقائق العظيمة بالدروس العملية المرتبطة بها، فقلت: (فاللّه اللّه! في عاجل البغي، وآجله وخامة الظّلم، وسوء عاقبة الكبر، فإنّها مصيدة إبليس العظمى، ومكيدته الكبرى، الّتي تساور قلوب الرّجال مساورة السّموم القاتلة، فما تكدي أبدا، ولا تشوي أحدا، لا عالما لعلمه، ولا مقلّا في طمره)

وهكذا حذرت في وصاياك لكميل من الاغترار بظواهر العبادات دون التحقق بحقائقها، فقلت: (يا كميل، لا تغترّ بأقوام يصلّون فيطيلون، ويصومون فيداومون، ويتصدّقون فيحسبون أنهم موفّقون.. يا كميل، أقسم بالله لسمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن الشيطان إذا حمل قوما على الفواحش مثل: الزنا وشرب الخمر والربا، وما أشبه ذلك من الخنا والمآثم، حبّب إليهم العبادة الشديدة، والخشوع والركوع، والخضوع والسجود، ثم حملهم على ولاية الأئمة الذين‏ {يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ويَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ} [القصص: 41])


([1]) الترمذى (5/637، رقم 3723)، والحاكم (3/138، رقم 4639)، وغيرهما.

([2]) شرح الأخبار 1: 139، وقد روى الحاكم في المستدرك [رقم الحديث: (3394)] عن عامر بن واثلة، قال: سمعت علياًً قام، فقال: سلوني قبلأن تفقدوني، ولن تسألوا بعدي مثلي، فقام ابن الكواء فقال: من الذين بدلوانعمة الله كفراًً وأحلوا قومهم دار البوار؟، قال: منافقو قريش، قال: فمنالذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟، قال: منهم أهل حروراء)، قال الحاكم: هذا حديث صحيح عال.

([3]) الطبقات الكبرىٰ 2 / 338..

([4]) الاحتجاج: 139.

([5]) انظر: تفاسير: الطبري، والسيوطي، والرازي، وابن كثير، والقرطبي، والشوكاني، وغيرهم عند تفسيرهم للآية.

([6]) تاريخ دمشق 42 / 399، أُسد الغابة 4 / 22، الرياض النضرة 3 / 166.

([7]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(116)

([8]) نهج البلاغة: رقم 89.

([9]) نهج البلاغة: رقم 89.

([10]) تفسير العياشي ج 1 ص 7.

([11]) حلية الأولياء، 1 / 68.

([12]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(176)

([13]) آلاء الرحمن في تفسير القرآن، 38.

([14]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(198).

([15]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(116)

([16]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(151)

([17]) دستور معالم الحكم ومأثور مكارم الشيم: ص 113- 114.

([18]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(156)

([19]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(156)

([20]) نهج البلاغة: الخطبة رقم 147.

([21]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(187)

([22]) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي: ج 2 ص 591- 592 الخطبة رقم(325)

([23]) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي: ج 3 ص 436- 437 الخطبة رقم(116)

([24]) هي خطبة طويلة مملوءة بالمعاني، انظر: نهج البلاغة: الخطبة رقم(192)

([25]) رواه نعيم بن حماد، وقد ذكر الشيخ حسن بن فرحان المالكي أن إسناده حسن – بالقرائن – لاسيما مع تصديق الواقع له.

([26]) انظر: حديث علي بن أبي طالب في داعش، لحسن بن فرحان المالكي.

([27]) نهج البلاغة: الحكمة(108)

([28]) نهج البلاغة: الحكمة(372).

([29]) دستور معالم الحكم ومأثور مكارم الشيم، للقاضي القضاعي ص 114- 119 .

([30]) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي: ج 3 ص 255- 256 الخطبة رقم(66)

([31]) نهج البلاغة: الحكمة(134)

([32]) دستور معالم الحكم: ص 79- 82.

([33]) دستور معالم الحكم: ص 89- 90.

([34]) نهج البلاغة: الحكمة(135)

([35]) نهج البلاغة: الحكمة(252)

([36]) نهج البلاغة: الحكمة(125)

([37]) نهج البلاغة: الحكمة(417)

([38]) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي: ج 7 ص 204- 400.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *