الديباجة

الديباجة

سيدي يا أمير المؤمنين وولي المتقين وحبيب الله ورسوله..

هذه رسالتي إليك في ذكرى استشهادك التي مر عليها مئات السنين، ومع ذلك لا تزال حية عالقة بجبين التاريخ، وألما وحرقة في قلب كل حر على هذه الأرض..

 ماذا عساي أقول لك، وقد مر على استشهادك كل تلك السنين الطوال العجاف، ومر بنا فيها مئات المآسي والآلام والمصائب، وتخلفت أمتنا عن ركب الأمم، بعد أن استولى أصحاب الملك العضوض على زمام أمر الأمة، وملأوها بالدجل والخرافة والاستبداد.

لقد حولوا التوحيد الذي كنت تدعو إليه تجسيما.. والعدالة التي عشتها ورسمت معالمها جورا.. والعلم الذي ظللت طول عمرك تدعو إليه جهلا وخرافة..

ولم يكتفوا بذلك، بل راحوا إلى تلك القيم النبيلة التي عشت حياتك كلها تمثلها وتدعو إليها قيما مملوءة بالتناقضات.

لقد حول أبناء الملك العضوض بعدك الشخصية المسلمة التي وصفتها في موعظتك لهمام، والممتلئة بالسلام والمحبة والتواضع إلى شخصية ممتلئة بالعنف والبغض والكبرياء.. حتى صارت صورة المسلم لا تختلف عن صورة الوحش الكاسر، الذي لا ترى منه إلا أنيابه وشدته وحدته.

وكيف لا يحصل لنا ذلك سيدي.. وكيف لا يحيق بهذه الأمة ما نزل بها، وقد عزلتك، وعزلت معك أولئك السابقين الصادقين، وعزلت بعدهم سيدا شباب أهل الجنة، وأبناءهم من العترة الطاهرة، ليتولى أمرها الطلقاء وأبناء الطلقاء، وليعيثوا فيها ما شاءت لهم شياطينهم وأهواؤهم من ألوان الفساد.

في هذه الأيام أتذكر ضرارا.. ذلك الصاحب الوفي الذي استطاع أن يقهر كل المخاوف، وأن ينطق بصفاتك أمام ألد أعدائك، مثلما فعل مؤمن آل فرعون حينما راح يذب عن موسى عليه السلام..

 لقد قال في مجلسهم عندما طلبوا منه وصفك: (كان والله! بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من لسانه، يستوحش من الدنيا وزخرفها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير الدمعة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن ـ والله! ـ مع تقرّبه لنا وقربه منّا لا نكاد نكلّمه هيبة له، يعظّم أهل الدين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وإنّي أشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه ـ وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه ـ قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين وهو يقول: (يا دنيا غرّي غيري، إليّ تعرّضت أم إليّ تشوّقت؟ هيهات هيهات، قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك كبير، وعيشك حقير، آه! من قلّة الزّاد، وبعد السّفر، ووحشة الطّريق) ([1])

وعندما سئل بعد نعته هذا عن مقدار حزنه عليك، قال: (حُزن من ذُبحَ ولدها في حجرها فلا ترقَأ عبرتها، ولا يَسكُن حُزنها)

ونحن مثله ـ سيدي ـ لا يقل حزننا عن حزنه، وألمنا عن ألمه.. وكيف لا يكون حزننا وألمنا كذلك.. وقد عشنا المآسي بعدك، ولا زال نعيشها.. فكل تحريف وقع في الإسلام، وكل دم سفك فيه.. هو بسبب ذلك التهور الذي وقع فيه من عزلك وأبعدك، وعزل معك كل تلك الوصايا النبوية التي دعت إليك، واعتبرتك إماما قمت أو قعدت.. واعتبرت الحق معك.. بل يدورمعك حيثما درت.


([1]) لاستيعاب 3: 107، حلية الأولياء 1: 84.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *