الحاكم العادل

الحاكم العادل

في هذه الأيام تمر على خاطري ـ سيدي ـ ذكريات كثيرة ممتلئة بالجمال عن الفترة التي مثلت فيها الخلافة النبوية خير تمثيل، على الرغم من كل تلك الحروب التي أعلنت عليك.. وبالرغم من كل ذلك الشغب الذي أثير ضدك..

لقد عملت فيها بكل ما تتطلبه الخلافة من قيم العدالة والرحمة والإنسانية.. فوقفت في صف الفقراء والمستضعفين لتخلصهم من جشع المستكبرين، ولتضمن لهم العيشة الرغدة السعيدة المتناسبة مع كرامة الإنسان.. وما كان لك أن تفعل ذلك لولا تلك التربية النبوية والقرآنية التي غرست في نفسك، ومنذ صباك الباكر، كل قيم الزهد والعفاف والعدالة والرحمة.

لقد شهد لك بهذا العدو والصديق.. بل كان هذا هو سبب تلك المؤامرت التي حيكت ضدك، والتي ختمت بشهادتك.. فلم يكن للمستكبرين أن يتركوا سند المستضعفين دون أن يعلنوا عليه الحرب.

لقد قال فضيل بن الجعد، يذكر السبب الحقيقي لتلك الحرب التي أعلنت عليك: (آكد الأسباب في تقاعد العرب عن أمير المؤمنين، أمر المال، فإنه لم يكن يفضل شريفا على مشروف ولا عربيا على عجمي، ولا يصانع الرؤساء وامراء القبائل كما يصنع الملوك، ولا يستميل أحدا إلى نفسه، وكان معاوية بخلاف‏ذلك فترك الناس عليا والتحقوا بمعاوية)([1])

وذكر ابن عبد البر بعض مشاهد عدلك، فقال: (كان علي إذا ورد عليه مال لم يبق منه شيئا إلا قسمه، ولا يترك في بيت المال منه إلا ما يعجز عن قسمته في يومه ذلك، ويقول:يا دنيا غري غيري، ولم يكن يستأثر من الفي‏ء بشي‏ء، ولا يخص به حميما ولا قريبا، ولا يخص بالولايات إلا أهل الديانات والأمانات، وإذا بلغه عن أحدهم خيانة كتب إليه: (قد جاءتكم موعظة من ربكم، فأوفوا الكيل والميزان بالقسط، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين، بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ.. إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى نبعث إليك من يتسلمه منك)ثم يرفع طرفه إلى السماء فيقول:(اللهم إنك تعلم أني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك)([2])

وقال سيد قطب بعد تتبعه لأسباب انهيار العدالة في المجتمع الإسلامي عبر التاريخ: (لقد جاء علي ليدخل نظرية الإسلام في الحكم في قلوب القادة والناس من جديد، وليطبقها عمليا.. جاء ليأكل خبز الشعير الذي طحنته زوجته بيديه، ويختم على جرابه ويقول:(لا أحب أن آكل ما لا أعلم)…و ربما باع سيفه ليشتري بثمنه غذاء ولباس، وأبى أن يسكن القصور الزاهية الفخمة)([3])

وقال شبلي شميل ـ وهو أبعد الناس عن الدين ـ عندما قرأ عن عدالتك: (إن علي بن أبي طالب إمام بني الانسان ومقتداهم، ولم ير الشرق والغرب نموذجا يطابقه أبدا لا في‏الغابر ولا في الحاضر)([4])

وكل هذه الشهادات وغيرها لا يمكن أن تعبر عن حقيقتك، وحقيقة العدالة التي أقمتها ودعوت إليها، ورسمت معالمها.

البيعة.. لا الإكراه:

وكان أول غيث عدالتك ـ سيدي ـ أنك لم تتول على الناس إلا برضاهم، وبعد إلحاحهم في الطلب.. لقد ذكرت ذلك، فقلت: (فما راعني إلا والناس إلي كعرف الضبع، ينثالون علي من كل جانب، حتى لقد وطىء الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم.. فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون، كأنهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين} [القصص:83].. بلى! والله لقد سمعوها ووعوها، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها! أما والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز)([5])

هذه هي مقاصدك في تولي أمر المسلمين.. لا ما ذكر أعداؤك الذين نصبوا لك العداء.. والذين تصوروا لجهلهم بك أنك خرجت لأجل الدنيا، وأن زهدك لم يكتمل فيها([6]).

وكيف تفعل ذلك.. وقد عرض عليك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تتولى أمر المسلمين، وجاءك العباس وأبوسفيان، وطلبا أن يبايعاك بالخلافة، بعد أن تمت البيعة لأبي بكر في السقيفة.. وكان يمكنك أن تقبلها، وأن تجد من يعينك عليها، ويساندك فيها.. لكنك هربت من الفتنة..

لقد قلت مخاطبا لمن جاءك بذلك: (أيها الناس، شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرجوا عن طريق الـمنافرة، وضعوا تيجان الـمفاخرة. أفلح من نهض بجناح، أو استسلم فأراح، ماء آجن، ولقمة يغص بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه، فإن أقل يقولوا: حرص على الـملك، وإن أسكت يقولوا: جزع من الموت! هيهات بعد اللتيا والتي، والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة!)([7])

لقد ذكر المؤرخون كيف توافد عليك الناس من كل حدب وصوب.. وكيف جاءك المهاجرون والأنصار.. كلهم يرغب في أن تتولى أمر المسلمين.. وهم يقولون لك: يا أبا الحسن هلم نبايعك؟..

وكنت تقول لهم: لا حاجة لي في أمركم، فقالوا: ما نختار غيرك.. فاختلفوا إليك مرارا، وأصرّوا عليك إصرارا، واضطروك إلى القبول اضطرارا([8])..

فلم تجد إلا أن التكليف الشرعي أصبح ملزما لك بالقبول.. فقبلت.. فقد كنت تقول: (الواجب في حكم الله وحكم‏ الإسلام على المسلمين، بعدما يموت إمامهم، أو يقتل ضالّا أو مهديا، أن لا يعملوا عملا، ولا يقدموا يدا ولا رجلا قبل أن يختاروا لأنفسهم إماما عفيفا، عالما، ورعا، عارفا بالقضاء والسّنّة يجبي فيئهم ويقيم حجمهم، وجمعهم، ويجبي صدقاتهم)‏([9])، ولم يكن أحد من الناس تتوفر فيه هذه الصفات غيرك.

لكنك كنت تدرك جيدا صعوبة حمل الناس على المبادئ.. وكنت تدرك أكثر من ذلك مؤامرات الشيطان التي سيحيكها لك عن طريق أولئك الذين لم يفهموا الإسلام، ولا عرفوا مقاصده..

لقد عبرت عن ذلك، فقلت ـ عندما جاؤوا إليك بعد مقتل عثمان ـ: (دعوني والتمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول وإن الآفاق قد أغامت، والحجّة قد تنكّرت. واعلموا أنّي إن أجبتكم، ركبت بكم ما أعلم (أي طبقت فيكم الحق بلا تمييز) ولم أصغ إلى قول القائل، وعتب العاتب، وإن تركتموني، فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم، وأنا لكم وزيرا خير لكم منّي أميرا)([10])

وقد حصل كل ما ذكرته لأولئك الذين رغبوا في بيعتك.. ولذلك ذكرتهم قائلا: (والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها، وحملتموني عليها، فلما أفضت إليّ نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا، وأمرنا بالحكم به فاتّبعته، وما استنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاقتديته)([11])

وقد صدقك الكل في قولك هذا، لأنهم رأوا بأعينهم كيف أنك لم تتعرض لكل أولئك الذين توقفوا عن بيعتك.. فلم تتعرض لا لعبد الله بن عمر، ولا لغيره ممن رفضوا بيعتك ‏([12])..

بل إنك سيدي رفضت تلك البيعات الخاصة التي بويعت بها.. بل طلبت أن تبايع علانية وفي المسجد.. ليكون الخيار للناس فيها، يقبلون أو يرفضون..

لقد ذكر ابنك محمد بن الحنفية ذلك، قال: كنت مع أبي حين قتل عثمان، فقام فدخل منزله، وأغلق بابه، فأتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل، ولا بد للناس من إمام، ولا نجد (أو لا نعلم) اليوم أحداً أحق بهذا الأمر منك، لا أقدم سابقةً، ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: لا تفعلوا، فإني أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً.. فقالوا: والله، لا نعلم أحق بها منك.. لا والله، ما نحن بفاعلين حتى نبايعك.. قال: ففي المسجد، فإن بيعتي لا تكون خفياً، ولا تكون إلا عن رضا المسلمين.. فمن شاء أن يبايعني بايعني.. قال: فخرج إلى المسجد فبايعه الناس([13]).

لقد كنت ـ سيدي ـ تدرك المخاطر التي تنجر على بيعتك في المسجد.. وكنت تعرف المشاغبين وأصحاب القلوب المريضة.. لكنك مع ذلك أصررت أن تكون بيعتك علانية وفي المسجد ومن غير إكراه أحد.

لقد قال عبد الله بن عباس يذكر موقفه حينها: (فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يشغب عليه؛ وأبى هو إلا المسجد، فلما دخل دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم بايعه الناس)([14])

وقال أبو بشير العابدي: كنت بالمدينة حين قتل عثمان، واجتمع المهاجرون والأنصار، فيهم طلحة والزبير، فأتوا علياً فقالوا: يا أبا الحسن؛ هلم نبايعك.. فقال: لا حاجة لي في أمركم، أنا معكم فمن اخترتم فقد رضيت به، فاختاروا.. فقالوا: والله ما نختار غيرك؛ واختلفوا إليه بعد قتل عثمان مراراً، ثم أتوه في آخر ذلك، فقالوا له: إنه لا يصلح الناس إلا بإمرة، وقد طال الأمر.. فقال لهم: إنكم قد اختلفتم إلي وأتيتم، وإني قائل لكم قولاً إن قبلتموه قبلت أمركم، وإلّا لا حاجة لي فيه.. قالوا: ما قلت من شيء قبلناه إن شاء الله. فجاء فصعد المنبر، فاجتمع الناس إليه، فقال: إني قد كنت كارهاً لأمركم، فأبيتم إلا أن أكون عليكم؛ ألا وليس لي أمر دونكم، إلا أن مفاتيح مالكم معي، ألا وإنه ليس لي أن آخذ درهماً دونكم. رضيتم؟! قالوا: نعم.. قال: اللهم اشهد عليهم. ثم بايعوه على ذلك([15]).

وقد ذكر المؤرخون نص البيعة، وما تحمله من معان سامية، فقد ذكروا أن الذي كان يأخذ البيعة عمار بن ياسر، وأبو الهيثم بن التيهان، وهما يقولان: (نبايعكم على طاعة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم نف لكم، فلا طاعة لنا عليكم، ولا بيعة في أعناقكم. والقرآن إمامنا وإمامكم)([16])

المبادئ.. لا المصالح:

هكذا كانت بيعتك ـ سيدي ـ واضحة نقية شرعية.. ليس فيها إكراه ولا خداع ولا تكليف للرعية بما لا تطيق.. وهكذا كان الأمر بعد مبايعة الناس لك..

فقد كان يمكنك أن تمارس ما يمارسه غيرك من استعمال الوسائل المختلفة التي تهيئ لك أمرك، وتيسر عليك المضي في حكمك..

كان يمكنك في ذلك الحين الصعب أن تشتري أصحاب القلوب المريضة، والنيات الفاسدة، والانتهازيين ليتحولوا إلى صفك.. ولتستعملهم بعد ذلك كما تشاء.. لكنك لم تفكر أبدا في مصالحك الآنية.. وإنما كنت تفكر فقط في مبادئك وقيمك التي رباك عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

لقد ذكرت ذلك، فقلت: (أيّها النّاس: إن الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جنّة أوقى منه، وما يغدر من علم كيف المرجع، ولقد أصبحنا في زمان قد اتّخذ أكثر أهله الغدر كيسا، ونسبهم أهل الجهل إلى حسن الحيلة.. ما لهم؟! قاتلهم اللّه!. قد يرى الحوّل القلّب (البصير بتحولات الأمور وتقلباتها) وجه الحيلة ودونها مانع من أمر الله ونهيه، فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدّين)([17])

هذه هي سيرتك سيدي التي واجهت بها خصومك الكثيرين الذين عبر معاوية عنهم، فقال: (و الله لأغلبنّ بدنياي دين علي)

لكنك كنت تقول لمن يتهمك بقلة الحيلة والدهاء: (واللّه ما معاوية بأدهى منّي ولكنه يغدر ويفجر، ولو لا كراهية الغدر لكنت أدهى الناس، ولكن كلّ غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة، ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة! (والله ما استغفل بالمكيدة، ولا أستغمز بالشديدة)([18])

وكنت تقول: (و الله إني لأعلم بدائكم ودوائكم ولكن هيهات أن أصلحكم بخراب نفسي)

وكنت تقول: (أتأمروني أن أطلب النصر بالجور، واللّه لا أطور به ما سمر سمير وما أمّ نجم في السماء نجما)([19])

وكنت تقول: (اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شي‏ء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الأصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون‏ من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك)([20])

لقد توفرت لك ـ سيدي ـ فرص كثيرة لتقضي على ألد أعدائك، لكنك لم تفعل.. لا حبا لهم، ولا حرصا عليهم، وإنما حرصا على أخلاقك ومبادئك وقيمك.. لقد ذكر المؤرخون أنه بعد أن كثر القتل والقتال في صفّين علوت فوق التل، وناديت بأعلى صوتك: (يا معاوية.. علام يقتتل الناس؟ ابرز إليّ ودع الناس فيكون الأمر لمن غلب).. وكررت ذلك مرارا، فهاب معاوية منك.. وكيف لا يهاب، وهو يعلم ما فعل سيفك بأبطال العرب.. حينها خرج عمرو إليك..ولم يطل الأمر بسيفك حتى طعنه فصرعه، وحينها أدرك عمرو أنه لن يستطيع مواجهتك.. فراح يستغل تقواك وعفتك وحياءك.. فكشف عن عورته.. حينها لم تملك إلا أن تصرف وجهك عنه.. وتتركه يعود من حيث أتى.

أذكر جيدا أن بعضهم عاتبك حينها، وقال: (أفلت الرجل يا أمير المؤمنين)، فقلت: (تلقّاني بعورته، فصرفت وجهي عنه) ([21])

ولم تكن تكتفي بذلك لنفسك، بل كنت تكتب إلى عمالك قائلا: (فلا تغدرنّ بذمّتك‏، ولا تخيّسن بعهدك، ولا تختّلن عدوّك، فإنه لا يجترى‏ء على الله إلّا جاهل شقي، وقد جعل الله عهده وذمّته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، وحريما يسكنون إلى منعته، ويستفيضون إلى جواره فلا ادغال، ولا مدالسة، ولا خداع فيه، ولا يدعونّك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق، فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه، وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته، وإن تحيط بك من الله فيه طلبه)([22])

وهكذا كانت كتبك إلى عمالك، أو من وليته أي أمر من أمور المسلمين، فقد كانت كلها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ونصيحة للمؤمنين.. فقد كتبت لبعضهم تقول: (أمّا بعد، فإنّ المرء ليفرح بالشّي‏ء الّذي لم يكن ليفوته، ويحزن على الشّي‏ء الّذي لم يكن ليصيبه، فلا يكن أفضل ما نلت في نفسك من دنياك: بلوغ لذّة، أو شفاء غيظ، ولكن إطفاء باطل، أو إحياء حقّ. وليكن سرورك بما قدّمت، وأسفك على ما خلّفت، وهمّك فيما بعد الموت)([23])

وكتبت لآخر تقول: (و تمسّك بحبل القرآن واستنصحه، وأحلّ حلاله وحرّم حرامه، وصدّق بما سلف من الحقّ، واعتبر بما مضى من الدّنيا لما بقي منها، فإنّ بعضها يشبه بعضا، وآخرها لاحق بأوّلها، وكلّها حائل مفارق. وعظّم اسم اللّه أن تذكره إلّا على حقّ، وأكثر ذكر الموت، وما بعد الموت، ولا تتمنّ الموت إلّا بشرط وثيق، واحذر كلّ عمل يرضاه صاحبه لنفسه، ويكره لعامّة المسلمين، واحذر كلّ عمل يعمل به في السّرّ، ويستحى منه في العلانية، واحذر كلّ عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره، أو اعتذر منه.. ولا تجعل عرضك غرضا لنبال القول، ولا تحدّث النّاس بكلّ ما سمعت به، فكفى بذلك كذبا، ولا تردّ على النّاس كلّ ما حدّثوك به، فكفى بذلك جهلا.. واكظم الغيظ، وتجاوز عند المقدرة، واحلم عند الغضب، واصفح مع الدّولة، تكن لك العاقبة، واستصلح كلّ نعمة أنعمها اللّه عليك، ولا تضيّعنّ نعمة من نعم اللّه عندك، ولير عليك أثر ما أنعم اللّه به عليك. واعلم أنّ أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه وأهله وماله، فإنّك ما تقدّم من خير يبق لك ذخره، وما تؤخّره يكن لغيرك خيره، واحذر صحابة من يفيل رأيه، وينكر عمله، فإنّ الصّاحب معتبر بصاحبه) ([24])

وهكذا كانت رسائلك ـ وفي ذلك الجو الممتلئ بالفتن ـ دعوة للأخلاق، لأنك تربية من بعث ليتمم مكارم الأخلاق.. فقد كنت تشعر أن الله ما ابتلاك بما ابتلاك به من أنواع البلاء إلا ليقيم حجته على خلقك في أخلاقهم وتقواهم وتمسكهم بالقيم القرآنية في أحلك الأوقات وأشدها.

ولذلك كان في إمكانك سيدي ـ بعد أن توليت أمر المسلمين ـ أن توافق على ولاية معاوية، وتثبته على الشام، لتضمن ولاءه وولاء من تبعه لك.. لكنك لم تفعل.. ولم تسمع لمن نصحك بذلك.. لأنك تعلم أن الطلقاء أبعد الناس عن فهم الإسلام.. ومن كان كذلك لا يحق له أن يتولى أمر المسلمين.

لقد جاءك في تلك الأيام العصيبة المغيرة بن شعبة بعد مبايعته، فقال لك: (إن لك حق الطاعة والنصيحة، وإن الرأي اليوم تحرز به ما في غد، وإن الضياع اليوم تضيع به ما في غد، أقرر معاوية على عمله، وأقرر العمال على أعمالهم، حتى إذا أتتك طاعتهم وبيعة الجنود استبدلت أو تركت)، لكنك أبيت بشدة، وقلت: (لا أداهن في ديني، ولا أعطي الدنيئة في أمري)([25])

حينها عرض عليك المغيرة عرضا آخر، فقال: (فإن كنت أبيت عليّ فانزع من شئت واترك معاوية، فإنّ في معاوية جرأة، وهو في أهل الشام يستمع له ولك حجّة في إثباته.. إذ كان عمر قد ولّاه الشام)

لكنك قلت بكل قوة: (لا واللّه.. لا أستعمل معاوية يومين)

وفي موضع آخر، قال لك: إن أردت أن يستقيم لك الأمر، فاستعمل طلحة بن عبيد الله على الكوفة، والزبير بن العوام على البصرة، وابعث معاوية بعهده على الشام، فقلت له: أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه؟! قال: لا.. فقلت: لا يسألني الله عز وجل عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبداً {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً} [الكهف: 51]، لكن أبعث إليه، وأدعوه إلى ما في يدي من الحق، فإن أجاب فرجل من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وإن أبى حاكمته إلى الله([26]).

لقد كنت تعلم ما سيفعله بك.. وكنت موقنا تماما من غدره.. لكنك مع ذلك لم تداهنه.. لسبب بسيط عبرت عنه بقولك: (الوفاء لأهل الغدر غدر عند اللّه، والغدر بأهل الغدر وفاء عند اللّه)([27])

وعبرت عنه بقولك ـ بعد بيعتك ـ: (ذمّتي بما أقول رهينة، وأنا به زعيم، إنّ من صرّحت له العبر عمّا بين يديه من المثلات، حجزته التّقوى عن تقحّم الشّبهات، ألا وإنّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، والّذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة، ولتغربلنّ غربلة، ولتساطنّ سوط القدر، حتّى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم، وليسبقنّ سابقون كانوا قصّروا، وليقصّرنّ سبّاقون كانوا سبقوا. واللّه، ما كتمت وشمة، ولا كذبت كذبة، ولقد نبّئت بهذا المقام وهذا اليوم.. ألا وإنّ الخطايا خيل شمس، حمل عليها أهلها، وخلعت لجمها، فتقحّمت بهم في النّار.. ألا وإنّ التّقوى مطايا ذلل، حمل عليها أهلها، وأعطوا أزمّتها، فأوردتهم الجنّة، حقّ وباطل ولكلّ أهل، فلئن أمر الباطل لقديما فعل، ولئن قلّ الحقّ فلربّما ولعلّ، ولقلّما أدبر شي‏ء فأقبل)([28])

هذه هي التقوى والورع الذي رباك عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. والذي صحبك طول حياتك.. فلم تختر إلا الصراط المستقيم الذي لا يزيغ لا ذات اليمين، ولا ذات الشمال، كما عبرت عن ذلك بلسانك البليغ بقولك: (اليمين والشّمال مضلّة، والطّريق الوسطى هي الجادّة، عليها باقي الكتاب، وآثار النّبوّة، ومنها منفذ السّنّة، وإليها مصير العاقبة، هلك من ادّعى، وخاب من افترى، من أبدى صفحته للحقّ هلك، وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره.. لا يهلك على التّقوى سنخ أصل، ولا يظمأ عليها زرع قوم، فاستتروا في بيوتكم، وأصلحوا ذات بينكم، والتّوبة من ورائكم، ولا يحمد حامد إلّا ربّه، ولا يلم لائم إلّا نفسه)([29])

بل إنك ـ سيدي ـ لم تكتف بهذا السلوك لنفسك، وإنما رحت تبينه كتشريع يقوم عليه بنيان السياسة الشرعية في الإسلام، وكأنك كنت تعلم من سيخلفك على هذه الأمة، وكيف يزيح كل تلك المعاني السامية ليحل بدلها الأهواء والمصالح، ويلبسها لباس الدين والشريعة.

لقد عبرت عن ذلك بقولك في وصف من يتصدى للحكم بين الأمّة وليس لذلك بأهل: (إنّ أبغض الخلائق إلى الله رجلان: رجل وكله الله إلى نفسه، فهو جائر عن قصد السّبيل، مشغوف بكلام بدعة، ودعاء ضلالة، فهو فتنة لمن افتتن به، ضالّ عن هدي من كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به في حياته، وبعد وفاته حمّال خطايا غيره، رهن بخطيئته.. ورجل قمش جهلا، موضع في جهّال الأمّة، عاد في أغباش الفتنة، عم بما في عقد الهدنة، قد سمّاه أشباه النّاس عالما وليس به، بكّر فاستكثر من جمع، ما قلّ منه خير ممّا كثر، حتّى إذا ارتوى من ماء آجن، واكتثر من غير طائل، جلس بين النّاس قاضيا، ضامنا لتخليص ما التبس على غيره) ([30])

ثم وصفت هذا الجاهل المحتال المخادع، الذي لبس لباس الدين ليشوهه، وليقضي مصالحه من خلاله، فقلت: (فإن نزلت به إحدى المبهمات هيّأ لها حشوا رثّا من رأيه ثمّ قطع به، فهو من لبس الشّبهات في مثل نسج العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ؟ فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب، جاهل خبّاط جهالات، عاش ركّاب عشوات، لم يعضّ على العلم بضرس قاطع، يذرو الرّوايات ذرو الرّيح الهشيم. لا مليّ واللّه بإصدار ما ورد عليه، ولا أهل لما قرّظ به، لا يحسب العلم في شي‏ء ممّا أنكره، ولا يرى أنّ من وراء ما بلغ مذهبا لغيره، وإن أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه، تصرخ من جور قضائه الدّماء، وتعجّ منه المواريث) ([31])

وهكذا قلت، وأنت تحدد أسباب الفتن وجذورها: (إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله، ويتولى عليها رجال رجالا، على غير دين الله)([32])

لقد درس الصادقون من المحققين فعلك وقولك، وراحوا يقارنونه بسلوك من حاربك، وحارب مبادئك.. فلم يملكوا إلا أن يشيدوا بك، فأنت الممثل الحقيقي للمسلم الممتلئ بالصدق والعدالة..

ومن أولئك سيد قطب أثناء ذكره لأسباب انتصار البغاة المحرفين للعدالة على مشروعك، فقد قال: (إن معاوية وزميله عمراً لم يغلبا علياً لأنهما أعرف منه بدخائل النفوس، وأخبر منه بالتصرف النافع في الظرف المناسب. ولكن لأنهما طليقان في استخدام كل سلاح، وهو مقيد بأخلاقه في اختيار وسائل الصراع. وحين يركن معاوية وزميله عمرو إلى الكذب والغش والخديعة والنفاق والرشوة وشراء الذمم لا يملك على أن يتدلى إلى هذا الدرك الأسفل.فلا عجب ينجحان ويفشل، وإنه لفشل أشرف من كل نجاح. على أن غلبة معاوية على علي، كانت لأسباب أكبر من الرجلين: كانت غلبة جيل على جيل، وعصر على عصر، واتجاه على اتجاه. كان مد الروح الإسلامي العالي قد أخذ ينحسر. وارتد الكثيرون من العرب إلى المنحدر الذي رفعهم منه الإسلام، بينما بقي علي في القمة لا يتبع هذا الانحسار، ولا يرضى بأن يجرفه التيار. من هنا كانت هزيمته، وهي هزيمة أشرف من كل انتصار)([33])

ومنهم الدكتور طه حسين الذي قال مقارنا بينك وبين خصومك: (كان الفرق بين علي ومعاوية عظيماً في السيرة والسياسة، فقد كان علي مؤمناً بالخلافة ويرى أن من الحق عليه أن يقيم العدل بأوسع معانيه بين الناس، أما معاوية فإنه لا يجد في ذلك بأساً ولا جناحاً، فكان الطامعون يجدون عنده ما يريدون، وكان الزاهدون يجدون عند علي ما يحبون)([34])

وشهد لك بذلك عبد الرحمن الشرقاوي، فقال ـ واصفا لك ـ (الإمام عليّ رجل دولة بصير بسياسة أمور الرعية، ولكنه يريد أن يقيم سياسته على دعائم من مكارم الأخلاق، ولا يضيره ما يعاني وهو يشقّ الطريق الوعر إلى الحقيقة، ليقيم العدل، ويحقق للناس المساواة، ويدفع الظلم، ولو أنه عدل عن نهجه السوي لحظة، لتهدّمت قيم نبيلة، وانهارت مثل عليا.. الإمام عليّ يرى أن صلاح الغاية لا يتم إلّا بصلاح الوسيلة، وغايته مصلحة الأمة، وصلاحها، ولأن يخسر أمنه، وراحته، خير من أن يهدر قيمه.. ولأن يهدي به الله رجلا واحدا، خير له من الدنيا وما فيها.. الإمام علي استقى من منبع النبوّة، وتربّى بخلق النبوة، فكان رباني هذه الأمة)([35])

وهكذا قال قبلهما الجاحظ عندما قارن بينك وبين البغاة والظلمة: (كان عليٌّ لايستعمل في حربه إلا ماعدّله ووافق فيه الكتاب والسنة، وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنة، ويستعمل جميع المكايد، وجميع الخدع، حلالها وحرامها، ويسير في الحرب سيرة ملك الهند إذا لاقى كسرى، وخاقان إذا لاقى زنبيل، وفنغور إذا لاقى المهراج، وعليّ يقول: لاتبدؤوهم بقتل حتى يبدؤوكم، ولاتتبعوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح، ولا تفتحوا باباً مغلقاً)([36])

بل هكذا شهد لك غير المسلمين ممن بهرتهم عدالتك وزهدك وعفافك وكل شيء فيك، فقد قال الكاتب والأديب المسيحي جبران خليل جبران، يذكرك: (قتل علي في محراب عبادته لشدة عدله)([37])

الشورى.. لا الاستبداد:

وهكذا ـ سيدي ـ سرت في حكمك لرعيتك بعدما شاء الله أن تتولى أمر المسلمين برضاهم ورغبتهم.. فأنت لم تطبق فيهم إلا سنة حبيبك صلى الله عليه وآله وسلم الذي رباك على يديه.. والذي قال الله له: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين} [آل عمران:159]

لقد كانت هذه الآية الكريمة.. وكان تنفيذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها هو دستورك الذي سرت عليه في حياتك جميعا، وفي الفترة التي تنعمت فيها الأمة بحكمك لها.

لقد قلت معبرا عن سنتك في ذلك: (ألا وإن لكم عندي ألّا أحتجز دونكم سرا إلّا في حرب، ولا أطوي دونكم أمرا إلّا في حكم، ولا أؤخّر لكم حقا عن محله، ولا أقف به دون مقطعه)([38])

لا أزال أذكر جيدا تلك الفترة العصيبة التي قام فيها البغاة بإعلان بغيهم وتمردهم.. وحينها لم تصدر أمرا ملكيا، ولا قرارا رئاسيا، تفرضه على رعيتك فرضا، وتعاقب كل من يخالفه، مثلما فعل أعداؤك، ولا زالوا يفعلون.. وإنما رحت تخبرهم عما حصل، وتستشيرهم في الرأي المناسب.. وإن كان الله قد آتاك من العلم والحكمة والبصيرة ما يغنيك عن ذلك كله.

لقد ذكر الرواة الثقاة أنك جمعت في ذلك الحين من معك من المهاجرين والأنصار، ثم حمدت الله وأثنيت عليه، ثم قلت: (أما بعد فإنكم ميامين الرأي، مقاويل بالحق، أهل الحلم، مباركو الفعل والأمر، وقد أردنا المسير إلى عدوّنا وعدوّكم فأشيروا علينا برأيكم)

حينها قام عمار بن ياسر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (يا أمير المؤمنين إن استطعت ألّا تقيم يوما واحدا فافعل، اشخص بنا قبل استعار نار الفجرة واجتماع رأيهم على العدوان والفرقة، وادعهم إلى رشدهم، فإن قبلوا سعدوا، فإن أبوا إلّا حربنا فو الله إن سفك دماءهم، والجدّ في جهادهم لقربة عند اللّه)

وخاطبته حينها بقولك: (لله درّك يا عمّار. سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن عمارا ملئ إيمانا إلى مشاشه)، وكان عمار إذا استأذن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ائذنوا له)، فإذا دخل استقبله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (مرحبا بالطيب المطيب)

بعدها قام سعد بن قيس بن عبادة، فقال: (يا أمير المؤمنين.. عجّل بنا إلى عدوّنا، فو الله لجهادهم أحب إليّ من جهاد الترك والروم لإدهانهم في دين‏ الله، واستذلالهم أولياء الله من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان.. إذا غضبوا على رجل حبسوه أو ضربوه أو حرموه أو سيّروه (نفوه)، وفيئنا لهم في أنفسهم حلال، ونحن لهم فيما يزعمون قطين (أي رقيق وعبيد)

ثم قام سهل بن حنيف، فقال: (يا أمير المؤمنين. نحن سلم لمن سالمت وحرب لمن حارب، ورأينا رأيك، ونحن كفّ يمينك، وقد رأينا أن تقوم بهذا الأمر في أهل الكوفة، فتأمرهم بالشخوص، وتخبرهم بما صنع الله لهم في ذلك من الفضل، فإنهم هم أهل البلد وهم الناس، فإن استقاموا لك استقام لك الذي تريد وتطلب، وأما نحن صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فليس عليك منّا خلاف، متى دعوتنا أجبناك، ومتى أمرتنا أطعناك)([39])

وهكذا أحييت نفس ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر، حين استشار أصحابه في المسير إلى المشركين.. وحينها كانت نفس الإجابات، ونفس الصدق، ونفس العزيمة.

ولم تكتف سيدي بما أشير عليك لتتخذه ذريعة لسن القوانين التي تفرضها على رعيتك.. وإنما رحت تتيح لهم كل الحرية في المشاركة وعدم المشاركة.. فقد رأيت قوما لا يرغبون في الحرب، فقلت لهم: (خذوا عطاءكم، واخرجوا إلى الدّيلم)([40]).. أي إلى حدود البلاد لحماية ثغور المسلمين.

وأتتك جماعة، وهم يومئذ أربعمائة رجل ـ وكنت بحاجة شديدة إليهم ـ فقالوا: (إنا شككنا في هذا القتال على معرفتنا بفضلك، ولا غنى بنا ولا بك ولا المسلمين عمن يقاتل العدو، فدعنا لبعض الثغور فنكون به ثم نقاتل عن أهله)، فلم تملك إلا أن تتركهم، وما أرادوا، ثم وجهتهم إلى ثغر الري([41]).

هذه مجرد أمثلة بسيطة عن مشاركتك لرعيتك في الحكم، ولها أخوات كثيرات لا يمكن إحصاؤها.. حتى أنهم ـ وبسبب استشارتك لهم في كل محل ـ بالغوا في ذلك حتى قلت ـ مخاطبا لهم ـ: (أفسدتم عليّ رأيي حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب.. للّه أبوّهم! وهل أحد منهم أشدّ لها مراسا، وأقدم فيها مقاما منّي؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرفت على الستّين. ولكن لا رأي لمن لا يطاع)([42])

وقلت مخاطبا لهم غاضبا منهم: (أما والّذي نفسي بيده، ليظهرنّ هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنّهم أولى بالحقّ منكم، ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكم عن حقّي.. ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم رعيّتي، استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا، وأسمعتكم فلم تسمعوا، ودعوتكم سرّا وجهرا فلم تستجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا. أشهود كغيّاب، وعبيد كأرباب؟! أتلو عليكم الحكم فتنفرون منها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتتفرّقون عنها، وأحثّكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتّى أراكم متفرّقين أيادي سبا، ترجعون إلى مجالسكم، وتتخادعون عن مواعظكم، أقوّمكم غدوة، وترجعون إليّ عشيّة، كظهر الحنيّة، عجز المقوّم وأعضل المقوّم) ([43])

وكنت تقارن بأصحاب معاوية الذين يطيعونه في معصية الله، وتقول: (أيّها القوم الشّاهدة أبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة أهواؤهم، المبتلى بهم أمراؤهم، صاحبكم يطيع اللّه وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشّام يعصي اللّه وهم يطيعونه؟! لوددت واللّه أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدّينار بالدّرهم، فأخذ منّي عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم)([44])

لقد كنت تقول لهم هذا وغيره.. ولا أزال أذكر ذلك الموقف الذي أحترق كلما ذكرته، وينشق قلبي حزنا كلما خطر على بالي.. موقفك من (التحكيم) في صفّين، حين لاحت علامات النصر، ولم يبق بينك وبين هزيمة البغاة إلا القليل.. حينها دبر الشيطان للفئة الباغية حيلة التحكيم.. ورفع أصحاب معاوية المصاحف على الرماح داعين إلى كتاب الله.

في ذلك الحين رأيت أنت والثلة الصادقة معك أن تستمر الحرب، خاصة وأن الأشتر كان على مقربة من موقع معاوية.. لكن بعض من كان معك ممن لم يعرفوا منزلتك، خدعتهم تلك الحيلة.. فحاولت إقناعهم بكل ما أوتيت من حجج.. لكن الشيطان لعب بعقولهم.. وأصروا على مخالفتك.

حينها لم تملك إلا أن تتنازل لهم، لا قناعة بما قالوا.. وإنما رعاية لمبادئك التي تجعلك خاضعا لها حتى لو وقفت في وجه مصالحك..

لقد فعلت معهم مثلما فعل هارون عليه السلام عندما غلب على أمره مع بني إسرائيل الذين أبوا طاعتك، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91) قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)} [طه: 90 – 94]

لقد ذكر الحادثة بعض من حضرها، فقال: (كنت عنده حين بعث إلى الأشتر أن يأتيه، وقد كان الأشتر أشرف على معسكر معاوية ليدخله، فأرسل إليه علي يزيد بن هانى‏ء: أن ائتني.. فأتاه فبلغه فقال الأشتر: (ائت أمير المؤمنين فقل له: ليس‏ هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي. إني قد رجوت الله أن يفتح لي فلا تعجلني)، فرجع يزيد بن هانى‏ء إلى عليّ فأخبره، فما هو أن انتهى إلينا حتى ارتفع الرهج وعلت الأصوات من قبل الأشتر، وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق، ودلائل الخذلان، والإدبار على أهل الشام. فقال له القوم: واللّه ما نراك إلّا أمرته بقتال القوم. قال: (أرأيتموني ساررت رسولي إليه؟! أ ليس إنما كلّمته على رؤوسكم علانية وأنتم تسمعون؟)، قالوا: (فابعث إليه فليأتك، وإلّا فو الله اعتزلناك)، قال: (ويحك يا يزيد بن هانى‏ء. قل للأشتر أقبل إليّ فإن الفتنة قد وقعت)، فأتاه فأخبره، فقال الأشتر: ألرفع هذه المصاحف؟! قال: نعم. قال: أما واللّه لقد ظننت أنها حين رفعت ستوقع اختلافا وفرقة! إنها مشورة ابن النابغة- يعني ابن العاص- ثم قال ليزيد: ويحك! ألا ترى إلى ما يلقون؟ ألا ترى إلى الذي يصنع الله لنا؟ أينبغي أن ندع هذا وننصرف عنه؟! فقال له يزيد: أتحب أنك ظفرت ها هنا وأن أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يسلّم إلى‏ عدوّه؟. قال: سبحان اللّه! لا واللّه ما أحب ذلك. فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم فصاح فيهم: يا أهل الذلّ والوهن، أحين علوتم على القوم فظنّوا أنكم لهم قاهرون، ورفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها؟! قد واللّه تركوا ما أمر الله به فيها وتركوا سنّة من أنزلت عليه، فلا تجيبوهم أمهلوني فواقا (ما بين الحلبتين للناقة) فإني قد أحسست بالفتح.. قالوا: لا.. قال: فأمهلوني عدوة الفرس فإني قد طمعت في النصر.. قالوا: لا، إذن ندخل معك في خطيئتك.. قال: فحدّثوني عنكم- وقد قتل أماثلكم وبقي أراذلكم- متى كنتم محقّين؟ أحين كنتم تقتلون أهل الشام؟ فأنتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون؟ أم أنتم الآن في إمساككم عن القتال محقّون؟ فقتلاكم إذن الّذين لا تنكرون فضلهم وكانوا خيرا منكم، في النار.. قالوا: دعنا منك يا أشتر. قاتلناهم في الله وندع قتالهم في اللّه. إنّا لسنا نطيعك فاجتنبنا.. قال: خدعتم واللّه فانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم. يا أصحاب الجباه السود، كنّا نظن أن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوق إلى لقاء اللّه، فلا أرى فراركم إلّا إلى الدنيا من الموت، ألا فقبحا لكم، ما أنتم برائين بعدها عزّا أبدا، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون)([45])

في ذلك الحين أرسلت إلى معاوية كتابا تقول فيه: (من عبد الله أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد، فإن أفضل ما شغل به المرء نفسه اتّباع ما يحسن به فعله، ويستوجب فضله، ويسلم من عيبه، وإن البغي والزور يزريان بالمرء في دينه ودنياه.. فاحذر الدنيا! لا فرح في شي‏ء وصلت إليه منها، وقد علمت أنك غير مدرك ما قضى فواته. وقد رام قوم أمرا بغير الحقّ فتأوّلوا على الله تعالى، فأكذبهم، ومتّعهم قليلا ثم اضطرهم إلى عذاب غليظ، فاحذر يوما يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله، ويندم فيه من أمكن الشيطان من قياده ولم يحاده، فغرّته الدنيا واطمأن إليها. ثم إنّك دعوتني إلى حكم القرآن، ولقد علمت أنك لست من أهل القرآن، ولست حكمه تريد، واللّه المستعان. وقد أجبنا القرآن إلى حكمه ولسنا إياك أجبنا، ومن لم يرض بحكم القرآن فقد ضلّ ضلالا بعيدا)([46])

وبعد أن تم هذا رغم إرادتك.. أشار عليك أصحاب القلوب المريضة، بأن ترسل أبا موسى الأشعري، ليكون ممثلا لك، فقلت لهم: (قد عصيتموني في أول هذا الأمر فلا تعصوني الآن، إني لا أرى أن أولي أبا موسى الأشعري)

حينها قام أولئك المرضى، وقالوا: (لا نرضى إلا بأبي موسى)

فقلت لهم محتجا عليهم: (ويحكم! هو ليس لي بثقة! لقد فارقني وخذل الناس عنّي، ثم إنه هرب شهورا إلى مكة حتى أمنته، لكن هذا عبد الله بن عباس أولّيه ذلك)

حينها تحركت أمراض الجاهلية في أولئك الذين زعموا صحبتهم لك، وصاح صائحهم: (و الله لا يحكم فيها مضريان)([47])

وحين طرحوا هذا قلت لهم: (إن أبيتم ابن عباس، فالأشتر).. والأشتر قحطاني مثلهم.. لكنهم رفضوا، وقالوا: (وهل سعر الأرض، وهاج هذا الأمر، وأشعل ما نحن فيه إلّا الأشتر؟ لا نرضى بغير أبي موسى الأشعري.. فإنه حذّرنا ما وقعنا فيه)

حينها قلت لهم: (إن معاوية لم يكن ليضع لهذا الأمر أحدا هو أوثق برأيه في نظره من عمرو بن العاص، وإنّه لا يصحّ للقرشي إلّا مثله. فعليكم بعبد الله بن عباس فارموا به، فإن عمرو بن العاص لا يعقد عقدة إلّا حلها عبد الله، ولا يحلّ عقدة إلّا عقدها)([48])

لكنهم أصروا على عنادهم وكبريائهم.. ولم تجد إلا أن تنفذ لهم رغبتهم، مع علمك بما سيؤول إليه أمرهم.. لكنك لم تكن لتتنازل عن مبادئك في سبيل أي مصلحة من المصالح.

أما عدوك اللدود فرعون هذه الأمة.. فقد عمل مع أهل الشام بمثل ما عمل به سلفه فرعون، كما قال تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين} [الزخرف:54]، ولذلك لم يكن ليستشيرهم، وإنما كان يقابل كل من يتوسم فيه مخالفته له بقتله أمام الملأ، أو بدس السم له في العسل.

النظام.. لا الفوضى:

وهكذا ـ سيدي ـ كنت أحرص الناس على تطبيق سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في علاقتك مع رعيتك، وفي علاقة رعيتك بك.. لقد كنت حريصا على أن تبلغهم حقوقهم، كما كنت حريصا على أن تطلب منهم أداء واجباتهم.. وكنت أمينا في ذلك غاية الأمانة، منظما غاية التنظيم.

فعلى الرغم من كل أنواع البلاء التي عصفت بك، وبالزمن الذي توليت فيه، والذي هرعت فيه كل الشياطين لصدك عن أداء وظيفتك التي انتدبتك لها العناية الإلهية إلا أن الورع والتقوى والحكمة هي التي كانت تسوقك لكل كلمة تقولها، أو قرار تصدره.

لقد قلت مخاطبا رعيتك تبصرها بحقوقها وواجباتها: (أمّا بعد فقد جعل الله سبحانه لي عليكم حقّا بولاية أمركم، ولكم عليّ من الحقّ مثل الذي لي عليكم.. فالحقّ أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف، لا يجري لأحد إلّا جرى عليه، ولا يجري عليه إلّا جرى له، ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصا للّه سبحانه‏ دون خلقه، لقدرته على عباده، ولعدله في كلّ ما جرت عليه صروف قضائه، ولكنّه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضّلا منه وتوسّعا بما هو من المزيد أهله. ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها ويوجب بعضها بعضا، ولا يستوجب بعضها إلّا ببعض) ([49])

ثم شرعت توضح لهم العلاقة بين الراعي والرعية، والواجبات المنظمة لأدوار كليهما، فقلت: (و أعظم ما افترض الله سبحانه من تلك الحقوق حقّ الوالي على الرعيّة، وحقّ الرعيّة على الوالي، فريضة فرضها الله سبحانه لكلّ على كلّ، فجعلها نظاما لإلفتهم وعزّا لدينهم، فليست تصلح الرعية إلّا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلّا باستقامة الرعيّة، فإذا أدّت الرعيّة إلى الوالي حقّه وأدّى الوالي إليها حقّها، عزّ الحقّ بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على أذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء.. وإذا غلبت الرعيّة واليها أو أجحف الوالي برعيّته اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الإدغال في الدين، وتركت محاجّ السنن، فعمل بالهوى وعطّلت الأحكام، وكثرت علل النفوس؛ فلا يستوحش لعظيم حقّ‏ عطّل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذلّ الأبرار وتعزّ الأشرار، وتعظم تبعات الله سبحانه عند العباد)

ثم بينت لهم ما عليهم فعله لتستقيم الأمور، ولتنتظم الأحوال، فقلت: (فعليكم بالتناصح في ذلك، وحسن التعاون عليه، فليس أحد- وإن اشتدّ على رضا الله حرصه، وطال في العمل اجتهاده- ببالغ حقيقة ما الله سبحانه أهله من الطاعة له.. ولكن من واجب حقوق الله سبحانه على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم، والتعاون على إقامة الحقّ بينهم، وليس امرؤ- وإن عظمت في الحق منزلته، وتقدّمت في الدين فضيلته- بفوق أن يعان على ما حمله الله من حقّه، ولا امرؤ- وإن صغّرته النفوس، واقتحمته العيون- بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه)([50])

وقد كنت سيدي دائم التذكير لهم بحقوقهم ليطالبوا بها، كما كنت دائم التذكير لهم بواجباتهم ليؤدوها.. ومن كلماتك التي لا نزال نحفظها قولك: (أيّها الناس إن لي عليكم حقّا، ولكم عليّ حق، فأمّا حقّكم عليّ فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا.. وأمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم)([51])

هذه كلماتك سيدي.. ولا نعجب منها.. فقد كنت ملازما لحبيبك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكنت تحضر عقوده الاجتماعية التي يتعامل بها مع مختلف الأصناف، فاستننت به في ذلك، وجعلت ذلك سنة لمن يريد أن يحيي الخلافة الراشدة التي تسير على منهاج النبوة.

ولم يكن ما قلته ـ سيدي ـ مجرد كلمات، بل كانت حياتك كلها تنفيذا لها.. فأنت مع ما ابتليت به من أصناف الناكثين والقاسطين والمارقين إلا أنك لم تتجاوز ما تمليه عليك التقوى والأخلاق الرفيعة والمثل العليا التي رباك عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

لقد كنت مثالا حقيقيا حيا لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون} [المائدة:8]

لقد فسرت كلماتك وحكمك حياته هذه الآية الكريمة خير تفسير.. لقد كنت تقول: (أعدل الناس من أنصف من ظلمه)، وتقول: (أجور الناس من ظلم من أنصفه)، وتقول: (أعدل الناس من أنصف عن قوّة)، وتقول: (الاستصلاح للأعداء بحسن المقال، وجميل الأفعال، أهون من ملاقاتهم ومغالبتهم بمضيض القتال) ([52])

وهكذا أوصيت ابنك الحسن، فقلت له: (أوصيك بتقوى الله في الغنى والفقر.. وبالعدل على الصديق والعدوّ)، وقلت في وصية أخرى: (أوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها.. والعدل في الرضى والغضب) ([53])

ولهذا، فإنك قبل أن تواجه أي عدو من أعدائك بمبارزة أو غيرها كنت تقيم عليه الحجة أولا، وتدعوه إلى الحق، قبل أن تبادر إلى ما أمرك الله به من تكاليف.. حتى ذلك المشرك المتكبر عمرو بن ودّ العامري لم تبارزه إلا بعد أن أقمت عليه الحجة.

وهكذا فعلت قبل معركة الجمل.. حينما دعوت طلحة والزبير لتناقشهما، وتقيم الحجة عليهما، وقلت لهما: (لعمري لقد أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا!! لا تكونا { كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} [النحل:92]، ألم أكن أخاكما في دينكما تحرّمان دمي وأحرّم دماءكما: فهل من حدث أحل دمي)

حينها قال طلحة: (الانتظار على دم عثمان)، فقلت له مستغربا: (يا طلحة! أهو أنت من يطلب دم عثمان؟! فلعن الله قتلة عثمان.. يا طلحة، أتيت بامرأة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقاتل بها، وخبّأت امرأتك في البيت!)

ثم قلت لهما: (إنكما ممن أرادني وبايعني، فإن كنتما بايعتماني طائعين فارجعا وتوبا إلى الله من قريب، وإن كنتما بايعتماني كارهين، فقد جعلتما لي عليكما السبيل، بإظهاركما الطاعة، وإسراركما المعصية.. ولعمري ما كنتما بأحق المهاجرين بالتقية والكتمان، وإن دفعكما هذا الأمر من قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما، من خروجكما منه، بعد إقراركما به، وقد زعمتما أني قتلت عثمان، فبيني وبينكما من تخلّف عنّي وعنكما من أهل المدينة، ثم يلزم كل امرى‏ء بقدر ما احتمل، فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما فإن الآن أعظم العار، من قبل أن يجتمع العار والنار)

وقلت لهما: (استحلفا عائشة بحق الله وبحق رسوله على خصال أن تصدّق فيها: هل تعلم رجلا من قريش أولى مني باللّه ورسوله؟ وإسلامي قبل كافّة الناس أجمعين؟ وكفايتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفار العرب بسيفي ورمحي، وعلى براءتي من دم‏ عثمان، وعلى أني لم أستكره أحدا على بيعة، وعلى أنّي لم أكن أحسن قولا في عثمان منكما)([54])

وهكذا كنت ترسل بالحجة تلو الحجة لعدوك اللدود فرعون هذه الأمة عساه يتعظ، ويترك ما هو فيه من بغي وظلم.. لقد كتبت تقول له: (أما بعد.. فإن الله سبحانه قد جعل الدّنيا لما بعدها، وابتلى فيها أهلها، ليعلم أيّهم أحسن عملا، ولسنا للدنيا خلقنا، ولا بالسعي فيها أمرنا، وإنّما وضعنا فيها لنبتلى بها. وقد ابتلاني الله بك، وابتلاك بي، فجعل أحدنا حجّة على الآخر، فعدوت على الدّنيا بتأويل القرآن، فطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني، وعصيته أنت وأهل الشام بي، وألبّ عالمكم جاهلكم، وقائمكم قاعدكم. فاتّق الله في نفسك، ونازع الشيطان قيّادك، واصرف إلى الآخرة وجهك، فهي طريقنا وطريقك. واحذر أن يصيبك الله منه بعاجل قارعة تمسّ الأصل، وتقطع الدابر)([55])

وهكذا فعلت مع الخوارج.. فقد كنت تقيم عليهم الحجج، وتذكرهم بالله، وكان مما قلت لهم: (.. ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة (التحكيم)، وأخبرتكم أن طلب القوم إياها منكم دهن ومكيدة لكم، ونبّأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأني أعرف بهم منكم، عرفتهم أطفالا ورجالا، فهم أهل المكر والغدر، وإنكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم، فعصيتموني، حتى أقررت بأن حكّمت، فلما فعلت شرطت واستوثقت، فأخذت على محكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسّنّة، فنبذنا أمرهما، ونحن على أمرنا الأوّل. فما الذي بكم، ومن أين أتيتم؟)([56])

وقلت لهم: (يا هؤلاء.. إن أنفسكم قد سوّلت لكم فراق هذه الحكومة التي أنتم ابتدأتموها، وسألتموها وأنا لها كاره، فأبيتم عليّ إباء المخالفين، وعدلتم عنّي عدول النكداء العاصين حتى صرفت رأيي إلى رأيكم.. فلم آت لا أبا لكم حراما، واللّه ما خبلتكم عن أموركم، ولا أخفيت شيئا من هذا الأمر عنكم.. فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا والخروج عن جماعتنا، أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم، ثم تستعرضون الناس تضربون رقابهم، وتسفكون دماءهم إن هذا لهو الخسران المبين)([57])

وقلت لهم: (فإن أبيتم إلّا أن تزعموا أني أخطأت وضللت، فلم تضلّلون عامّة أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بضلالي، وتأخذونهم بخطئي، وتكفّرونهم بذنوبي، سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرّ والسقم، وتخلطون من أذنب بمن لم يذنب، وقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتل القاتل وورّث ميراثه أهله. وقطع السارق وجلد الزاني، ثم قسّم عليهما من الفي‏ء ونكحا المسلمات، فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذنوبهم، وأقام حق الله فيهم، ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام، ولم يخرج أسماءهم من بين أهله.. ثم أنتم شرار الناس، ومن رمى به الشيطان مراميه، وضرب به تيهه، وسيهلك فيّ صنفان: محبّ مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق، وخير الناس فيّ حالا النّمط الأوسط فالزموه..)([58])

و هكذا كان دورك مع الجميع، لا تأخذ بالظنة، ولا تغدر حتى بمن غدر بك.. أذكر جيدا ذلك الرجل الذي جاءك، فقال: (يا أمير المؤمنين: في أصحابك رجال قد خشيت أن يفارقوك فما ترى فيهم؟)، فقلت له: (إني لا آخذ على التهمة، ولا أعاقب على الظنّ، ولا أقاتل إلّا من قاتلني، وناصبني وأظهر لي العداوة، ولست مقاتله حتى أدعوه، وأعذر إليه، فإن تاب ورجع إلينا قبلنا منه، وهو أخونا، وإن أبى إلّا الاعتزام على حربنا استعنا عليه اللّه، وناجزناه)([59])

الحرية.. لا الإكراه:

وهكذا ـ سيدي ـ كنت أحرص الناس على حرية الناس.. فقد علمك القرآن الكريم، وعلمك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الحرية قيمة إنسانية عليا، وأن أكبر الجرائم مصادرتها تحت أي اسم من الأسماء.

لقد كنت تقول مخاطبا رعيتك، والأجيال معها: (لا تكن عبد غيرك، وقد جعلك الله سبحانه حرا)([60])

وكنت تقول: (أيها الناس.. إنّ آدم لم يلد عبدا، ولا أمة، وأن الناس كلهم أحرار)([61])

وكنت تقول لهم ـ وأنت تدعوهم للقتال في صفين ـ: (سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا في الأرض جبارين ملوكا، يتخذهم المؤمنون أربابا، ويتخذون عباد الله خولا)([62])

ولذلك كنت تنهاهم أن ينظروا إليك كما ينظرون إلى الجبابرة والطغاة، فيمتنعوا عن المطالبة بحقوقهم خوفا ورهبة.. لقد كنت تقول لهم كل حين: (فلا تكلّموني بما تكلّم به الجبابرة، ولا تتحفّظوا منّي بما يتحفّظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنّوا بي استثقالا في حقّ قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي، فإنّه من استثقل الحقّ أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ، أو مشورة بعدل، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلّا أن يكفي اللّه من نفسي ما هو أملك به منّي، فإنّما أنا وأنتم عبيد مملوكون لربّ لا ربّ غيره، يملك منّا ما لا نملك من أنفسنا، وأخرجنا ممّا كنّا فيه إلى ما صلحنا عليه، فأبدلنا بعد الضّلالة بالهدى، وأعطانا البصيرة بعد العمى) ([63])

وكنت تصحح لهم تلك المفاهيم التي أشاعها بعض الولاءة بينهم، فتقول: (إنّ من أسخف حالات الولاة عند صالح النّاس: أن يظنّ بهم حبّ الفخر، ويوضع أمرهم على الكبر، وقد كرهت أن يكون جال في ظنّكم أنّي أحبّ الإطراء، واستماع الثّناء، ولست- بحمد اللّه- كذلك، ولو كنت أحبّ أن يقال ذلك، لتركته انحطاطا للّه سبحانه عن تناول ما هو أحقّ به من العظمة والكبرياء.. وربّما استحلى النّاس الثّناء بعد البلاء، فلا تثنوا عليّ بجميل ثناء، لإخراجي نفسي إلى اللّه سبحانه وإليكم، من التّقيّة في حقوق لم أفرغ من أدائها، وفرائض لا بدّ من إمضائها) ([64])

ولم يكن ذلك مجرد مواعظ أو شعارات.. بل كانت حقيقة تسير بها في رعيتك.. فقد كنت تدعوهم لذكر مواقفهم وآرائهم في كل ما يرتبط بشؤون الدولة.. لقد كنت تقول لهم: (فلا تكفّوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أخطى‏ء، ولا آمن ذلك من فعلي، إلّا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به منّي فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لربّ لا ربّ غيره، يملك منّا ما لا، نملك من أنفسنا.. ولا تظنّوا بي استثقالا في حقّ قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي، فإنه من استثقل الحقّ أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه)([65])

وكنت تطالبهم بالمطالبة بحقوقهم، وقد روى المؤرخون أنك خطبت في الناس قائلا: (أيها الناس، هل فيكم أحد يدّعي قبلي جورا في حكم، أو ظلما في نفس أو مال، فليقم به أنصفه من ذلك؟)، فقام رجل من القوم فأثنى عليك ثناء حسنا، وأطراك، وذكر مناقبك، فقلت ردا عليه: (أيها العبد المتكلم، ليس هذا حين إطراء، وما أحب أن يحضرني أحد في هذا المحضر بغير النصيحة، واللّه الشاهد على من رأى شيئا يكرهه، فلم يعلمنيه، فإني أحب أن أستعتب من نفسي قبل أن تفوت نفسي)([66])

وكنت تقول لهم: (أيها الناس، أنا أحب أن أشهد عليكم، أن لا يقوم أحد فيقول: أردت أن أقول فخفت، فقد أعذرت فيما بيني وبينكم، اللهم إلّا أن يكون أحد يريد ظلمي، والدّعوى عليّ‏ بما لم أجن، أما إني لم أستحلّ من أحد مالا، ولم أستحلّ من أحد دما بغير حلّه، وجاهدت مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بأمر اللّه وأمر رسوله، فلما قبض اللّه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، جاهدت من أمرني بجهاده من أهل البغي، وسمّاهم لي رجلا رجلا، وحضّني على جهادهم وقال: (يا علي، تقاتل الناكثين وسمّاهم لي، والقاسطين وسمّاهم لي، والمارقين)، فلا تكثر منكم الأقوال، فإن أصدق ما يكون المرء عند هذا الحال)([67])

لقد كانت الحرية التي تؤمن بها، والتي وهبتها لرعيتك، كما تعلمت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي القيمة التي حاول أعداؤك استثمارها لضرب مشروع دولتك الإلهية، فقد روى المؤرخون أن الحجاج بن الضمّة دخل على معاوية في بداية تمرده عليك، فقال له: (إني أخبرك يا أمير المؤمنين إنك تقوى على عليّ بدون ما يقوى به عليك، لأن معك قوما لا يقولون إذا قلت، ولا يسألون إذا أمرت. وإن مع عليّ قوما يقولون إذا قال، ويسألون إذا أمر، فقليل ممّن معك خير من كثير ممّن معه)([68])

ولم تكن تلك الحرية التي أعطيتها لرعيتك، وتعاملت بها معها على أساسها خاصة بالمسلمين، بل شملت غيرهم أيضا من أهل الأديان، فقد كنت تقول: (لو استقامت لي الإمرة، وثنيت لي الوسادة لحكمت لاهل التوراة بما انزل الله في التوراة… ولحكمت لاهل الانجيل بما انزل الله في الانجيل.. ولحكمت لاهل القرآن بما انزل الله في القرآن)([69])

وفي الوقت الذي كان يردد فيه بعضهم قوله: (إذا دق بالناقوس اشتد غضب الرحمن عز وجل، فتنزل الملائكة، فتأخذ بأقطار الأرض)([70])، كنت تقول خلاف ذلك، وكنت تستمع من صوت الناقوس خلاف ما يستمع.

فقد حدث بعض أصحابك قال: بينا أنا أسير مع أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب في الحيرة إذا نحن بديراني يضرب بالناقوس، قال: فقال علي بن أبي طالب: يا حارث أتدري ما يقول هذا الناقوس؟ قلت: الله ورسوله وابن عم رسوله أعلم. قال: إنه يضرب مثل الدنيا وخرابه ويقول: لاإله إلا الله حقا حقا، صدقا صدقا، إن الدنيا قد غرتنا وشغلتنا واستهوتنا واسستغوتنا، ياابن الدنيا مهلا مهلا، يا ابن الدنيا دقا دقا، يا ابن الدنيا جمعا جمعا، تفني الدنيا قرنا قرنا، ما من يوم يمضي عنا، إلا وهي أوهى منا ركنا، قد ضيعنا دارا تبقى، واستوطنا دارا تفنى، لسنا ندري ما فرطنا، فيها إلا لوقد متنا)([71])

وهكذا كنت تسمح لهم بكل ما يمارسونه من شعائرهم من غير أن تضيق عليهم، بل من غير أن تظهر لهم أي حرج أو عتاب أو توبيخ..

وقد روى المؤرخون أن محمد بن أبي بكر كتب إليك يسألك عن رجل مسلم فجر بامرأة نصرانية، وعن قوم زنادقة فيهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد غير ذلك.. فرددت عليه: (أن أقم الحد فيهم على المسلم الذي فجر بالنصرانية، وادفع النصرانية إلى النصارى يقضون فيها ما شاؤوا)، ثم أمرته في الزنادقة أن يتركوا يعملون ما شاءوا([72]).

وهكذا روي أنك أتيت بهدية النيروز، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، اليوم النيروز، فقلت مازحا: (اصنعوا لنا كل يوم نيروزا)([73])

وروي أنك مررت على بعض المجوس، فراحوا يستقبلونك بحفاوة، فسألتهم: (ما هذه الدواب التى معكم؟ وما أردتم بهذا الذى صنعتم؟) فقالوا: (أما هذا الذى صنعنا فهو خلق منا نعظم به الأمراء. وأما هذه البراذين فهدية لك. وقد صنعنا لك وللمسلمين طعاما، وهيأنا لدوابكم علفا كثيرا)

حينها أجبتهم بقولك: (أما هذا الذى زعمتم أنه منكم خلق تعظمون به الأمراء فوالله ما ينفع هذا الأمراء، وإنكم لتشقون به على أنفسكم وأبدانكم، فلا تعودوا له. وأما دوابكم هذه، فإن أحببتم أن نأخذها منكم فنحسبها من خراجكم أخذناها منكم. وأما طعامكم الذى صنعتم لنا فإنا نكره أن نأكل من أموالكم شيئا إلا بثمن)

فقالوا لك متعجبين: (يا أمير المؤمنين، نحن نقومه ثم نقبل ثمنه)، فقلت لهم: (إذا لا تقومونه قيمته، نحن نكتفي بما دونه)، فقالو لك: يا أمير المؤمنين فإن لنا من العرب موالى ومعارف، فتمنعنا أن نهدى لهم وتمنعهم أن يقبلوا منا؟ فقلت لهم: (كل العرب لكم موال، وليس ينبغى لأحد من المسلمين أن يقبل هديتكم. وإن غصبكم أحد فأعلمونا)

لم يملكوا حينها إلا أن يقولوا: (يا أمير المؤمنين، إنا نحب أن تقبل هديتنا وكرامتنا)، فقلت لهم: (ويحكم، نحن أغنى منكم)([74])

وكنت ـ لما وهبك الله من رحمة وعدالة ـ تغضب إذا ما رأيت أي نوع من أنواع الأذى يصب على هؤلاء المخالفين لدينك، والذين يعيشون تحت سلطتك، وقد روى المؤرخون أنك مررت بشيخ نصراني مكفوف يسأل الناس، فقلت: (ما هذا)، فقالوا: (يا أمير المؤمنين نصراني)، فقلت غاضبا: (استعملتموه حتى إذا كبر، وعجز منعتموه)، التفت إلى مسؤولي بيت المال، وقلت: (أنفقوا عليه من بيت المال)([75])

ليس ذلك فقط، وإنما كنت تتعامل معهم بكل ما تقتضيه العدالة والرحمة من قيم، وقد روى المؤرخون أنّك افتقدت درعك، ثم وجدتها عند نصراني، فلم تأخذها منه، ولم تعاقبه على جرمه، وإنما ذهبت به إلى القاضي، ثم جلست إلى جانب خصمك، وقلت: إنها درعي لم أبع ولم أهب.. فقال القاضي للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟.. فقال النصراني: ما الدرع إلّا درعي، وما أمير المؤمنين بكاذب.. فالتفت القاضي إليك يسألك عن البينة، فضحكت، وقلت: ما لي بيّنة.. فلم يملك القاضي إلا أن يحكم للنصراني.

بعدها مشيت من غير أن تؤنب النصراني، أو تعاتب القاضي.. فإذا بالنصراني يخطو خطوات قليلة، ثم يعود قائلا: (أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه، أشهد أن هذا الدين على الحق، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن الدرع درعك يا أمير المؤمنين، سقطت منك ليلاً) ([76])

وقد روى لنا المؤرخون أنك قبل توليك أمر المسلمين وقفت موقفا لا يقل عن هذا، فقد روى ابن عباس قال:استعدى رجل على علي بن أبي طالب إلى عمر بن الخطاب، وكان علي جالسا في مجلس عمر بن الخطاب، فالتفت عمر إلى علي، فقال:قم يا أبالحسن، فاجلس مع خصمك.فقام علي، فجلس مع خصمه فتناظر، وانصرف الرجل، ورجع علي إلى مجلسه فجلس فيه، فتبين عمر التغير في وجهه، فقال له: يا أبا الحسن، مالي أراك متغيرا، أكرهت ما كان؟ قال:نعم، قال:و لم ذاك؟ قال:لأنك كنيتني بحضرة خصمي، فهلا قلت:قم يا علي فاجلس مع خصمك؟ فأخذ عمر رأس علي، فقبل بين عينيه، ثم قال: (بأبي أنتم، بكم هدانا الله، وبكم أخرجنا من الظلمات إلى النور)([77])

هذه بعض مواقفك سيدي، وهي لا تستغرب منك.. فأنت قد ربيت في حجر النبوة، وتأدبت بآداب القرآن الكريم.. وعرفت من قيم من الدين ما تخلف عنه غيرك.. ولذلك فأنت مثالنا الأعلى، كما أنك حجتنا الأسمى..

العدل.. لا الجور:

أتذكر جيدا ـ سيدي ـ في ذلك العالم الممتلئ بالجور والظلم، كل تلك التعاليم التي كنت تبثها بين رعيتك، والتي لا نزال نحن إليها، وإلى ما امتلأت به من قيم العدالة والإنسانية..

لقد كنت تردد عليهم ببيانك وفعلك ما دعا إليه القرآن الكريم من عدالة، فتقول لهم: (العدل أساس به قوام العالم).. وتقول لهم: (العدل ميزان الله الذي وضعه للخلق ونصبه لإقامة الحقّ).. وتقول لهم: (حسبكم دلالة على فضيلة العدل أن الجور الذي هو ضدّه لا يقوم إلّا به، وذلك أن‏ اللّصوص إذا أخذوا الأموال واقتسموها بينهم، احتاجوا إلى استعمال العدل في اقتسامهم، وإلّا أضرّ ذلك بهم) ([78])

وتقول لهم: (فاللّه عزّ وجلّ، جعل العدل قواما للأنام، وتنزيها من المظالم والآثام، وتسنية للإسلام).. وتقول: (عدل السلطان خير من خصب الزمان)، وتقول لهم: (الأرض لتزين في أعين الناس إذا كان عليها إمام عادل، وتقبح إذا كان عليها إمام جائر).. وتقول لهم: (عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة، قيام ليلها وصيام نهارها، وجور ساعة في حكم، أشدّ عند الله من معاصي ستين سنة) ([79])

وتقول لهم: (يجب على السلطان أن يلتزم العدل في ظاهر أفعاله لإقامة أمر سلطانه، وفي باطن ضميره لإقامة أمر دينه، فإذا فسدت السياسة ذهب السلطان، ومدار السياسة كلها على العدل والإنصاف، فلا يقوم سلطان لأهل الإيمان والكفر إلّا بهما، والإمام العادل كالقلب بين الجوارح تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده)([80])

وعندما سئلت: (أيّهما أفضل: العدل أو الجود؟)، أجبت سائلك بقولك: (العدل يضع الأمور مواضعها، والجود يخرجها عن جهتها. والعدل سائس عام، والجود عارض خاص، فالعدل أشرفهما)([81])

وفي أوّل خطبة ألقيتها بعد مبايعة الناس لك، قلت لهم: (أيها الناس الدنيا دار حق وباطل، ولكلّ أهل، ألا ولئن غلب الباطل فقديما كان وفعل، ولئن قل الحق فلربما ولعل، ولقلّما أدبر شي‏ء وأقبل، ولئن ردّ عليكم أمركم إنكم لسعداء. إن الله عزّ وجلّ أدب هذه الأمة بالسيف والسوط فاستتروا في بيوتكم، وأصلحوا ذات بينكم، فإن التوبة من ورائكم، وما عليّ إلّا الجهد، ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها، فتقحمت بهم إلى النار. ألا وإن‏ التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمّتها، فأوردتهم الجنّة، وفتحوا لهم أبوابا، ووجدوا ريحها وطيبها وقيل لهم: {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِين} [الحجر:46].. اليمين والشمال مضلّة والطريق الوسطى هي الجادة عليها يأتي الكتاب وآثار النبوّة، إن على الإمام الاستقامة، وعلى الرعية التسليم. ليس أمري وأمركم واحدا، وإني أريدكم للّه وأنتم تريدونني لأنفسكم! وأيم الله لأنصحن للخصم، ولأنصفنّ للمظلوم.. ذمّتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم، إن من صرّحت له العبر عمّا بين يديه من المثلّات، حجزته التقوى عن تقحّم الشبهات)([82])

ولم تكن تلك التعاليم مجرد كلمات، وإنما كانت أفعالا كلفتك عداوات كثيرة.. فالمستكبرون والانتهازيون الذين ملأوا جيوبهم من أموال المستضعفين وعرقهم لم يقبلوا منك ذلك.. فلذلك وقفت في خيارات صعبة بين إرضائهم أو إرضاء العدالة التي كلفك الله بها.

لكن تربية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لك.. وقرآن ربك الذي كان هاديك في كل حركة تقوم بها، وضعاك على الصراط المستقيم، ولم تبال بكل تلك المعارضات التي عارضت ما اقتضته العدالة.

أذكر جيدا موقفك من أولئك الذين استغلوا ما فعله مروان أيام عثمان من إعطاء من لا يستحق من أموال المسلمين.. فلم ترض بذلك، وصحت بعد توليك أمر المسلمين من غير تردد، ولا مداراة، ولا مداهنة: (ألا وإن كل ما أقطعه عثمان من مال الله مردود إلى بيت مال المسلمين، فإن الحق قديم لا يبطله شي‏ء، وو الله لو وجدته تفرّق في البلدان وتزوّج به النساء وملك به الإماء، لرددته! فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل، فالجور عليه أضيق، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم)([83])

بل قد حدث ابن عباس عن أن موقفك هذا لم يكن وليدا للولاية التي وليتها، وإنما كان سابقا معك، وما كان لك أن تسكت عن منكر قدرت على تغييره أو لم تقدر..

لقد ذكر ذلك الموقف، فقال: (شهدت عتاب عثمان لعلي يوما فقال له في بعض ما قاله: (نشدتك باللّه يا أبا الحسن، أن تفتح للفرقة بابا)، فقال علي: (أمّا الفرقة فمعاذ الله أن أفتح لها بابا، وأسهّل إليه سبيلا، ولكنّي أنهاك عمّا ينهاك الله ورسوله عنه، ألا تنهى سفهاء بني أمية عن إعراض المسلمين وأبشارهم، وأموالهم.. واللّه لو ظلم عامل من عمّالك حيث تغرب الشمس لكان إثمه مشتركا بينه وبينك)، قال ابن عباس، فقال عثمان: (لك العتبى، وافعل واعزل من عمّالي كل من تكرهه ويكرهه المسلمون)، ثم افترقا فصدّه مروان بن الحكم عن ذلك، وقال: يجترى‏ء عليك الناس فلا تفعل ولا تعزل أحدا. ففعل عثمان ما أوصاه به مروان، لا ما أوصاه)‏([84])

وهكذا سرت بين الرعية تأخذ للمظلوم حقه، وتعتبر ذلك مسؤوليتك، حتى لو انجر عن ذلك ما انجر من تعاون الظلمة والمفسدين عليك..

لقد كنت تردد كل حين بين رعيتك: (إنّ الله عزّ وجلّ أنزل كتابا هاديا يبيّن فيه الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا الشر. الفرائض أدّوها إلى الله سبحانه يؤدّكم إلى الجنة. إن الله حرّم حرما غير مجهولة، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشدّ بالإخلاص والتوحيد المسلمين، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده إلّا بالحق، لا يحلّ أذى المسلم إلّا بما يجب. بادروا أمر العامة.. اتّقوا الله عبادة في عباده وبلاده. إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم، أطيعوا الله عزّ وجلّ ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشرّ فدعوه، واذكروا إذ أنتم قليلون مستضعفون في الأرض..)([85])

وكنت تقول لهم، وكأنك تشجعهم على طلب الإنصاف من ظالميهم: (و أيم الله لأنصفنّ المظلوم من ظالمه، ولآخذنّ الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها)([86])

وكنت تقول لهم بكل قوة: (ما ضعفت ولا جبنت! فلأنقبنّ الباطل حتى يخرج الحق من خاصرته)، وتقول: (ظلم الضعيف أفحش الظلم)، وتقول: (الظلم في الدنيا بوار، وفي الآخرة دمار)، وتقول: (من ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده)، وتقول: (أقدموا على الله مظلومين، ولا تقدموا عليه ظالمين) ([87])

وكنت تقول لهم معبرا عن نفسك، وما تمتلئ به مواجيدك: (و اللّه.. لأن أبيت على حسّك السعدان مسهّدا، أو أجرّ في الأغلال مصفدا، أحبّ إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة، ظالما لبعض العباد، وغاصبا لشي‏ء من الحطام، وكيف أظلم أحدا لنفس إلى البلي قفولها، ويطول في الثرى حلولها.. واللّه لو أعطيت الأقاليم السبعة- بما تحت أفلاكها- على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته.. ما لعليّ ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى.. نعوذ باللّه من سبات العقل، وقبّح الزلل وبه نستعين)([88])

وقد سألك بعضهم: أي ذنب أعجل عقوبة؟ فقلت: (من ظلم من لا ناصر له، إلّا اللّه، وجاور النعمة بالتقصير، واستطال بالبغي على الفقير)([89])

وكنت تروي لهم: (أن الله تعالى قال: وعزّتي وجلالي، لا يجوزني ظلم ظالم، ولو كفّ بكف، ولو مسحة بكف، ونطحة ما بين الشاة القرناء إلى الشاة الجمّاء فيقتصّ الله للعباد بعضهم من بعض حتى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة ثم يبعثهم الله للحساب)

بل إنك كنت تعتبر (العامل بالظلم، والمعين عليه، والراضي به شركاء ثلاثة)([90])

وتعتبر (من أعان ظالما على ظلمه جاء يوم القيامة وعلى جبهته مكتوب آيس من رحمة اللّه)([91]) و(من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام)([92])

لقد شهد لك أعداؤك بذلك، وأنه لن يظلم عندك حتى ظالميك أنفسهم كانوا مطمئنين إلى عدالتك.. لقد روى المؤرخون أنه في الوقت الذي كدت أن تنتصر فيه على عدوك اللدود فرعون هذه الأمة.. في تلك الليلة قال معاوية لمستشاره عمرو بن العاص: (يا عمرو، إنما هي الليلة حتى يغدو علينا بالفيصل! فما ترى)، فقال عمرو: (إن رجالك لا يقومون لرجاله. ولست مثله! هو يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على‏ غيره. أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء، وأهل العراق يخافونك إن ظفرت بهم، وأهل الشام لا يخافون عليّا إن ظفر بهم)([93])

ومن تجليات عدلك ـ سيدي ـ قسمتك العادلة لمال الأمة، فلم تكن تعتبر المال مالك، تتحكم فيه كما تشاء، تصل به من تشاء، وتقطع من تشاء كما يفعل خصومك، وإنما كنت تعتبره مال الله، وأنك خليفة فيه، وأن من واجبك إعطاءه لمستحقيه من غير تفريق بينهم.

لقد سألك بعضهم أن تصله، فقلت له: (إنّ هذا المال ليس لي ولا لك، وإنّما هو في‏ء للمسلمين وجلب أسيافهم، فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظّهم، وإلّا فجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم)([94])

وقد حفظ لنا التاريخ من كتبك ما أرسلته إلى بعض ولاتك تقول له فيه: (انظر إلى ما اجتمع عندك من مال اللّه، فاصرفه إلى من قبلك (عندك) من ذوي العيال والمجاعة، مصيبا به مواضع الفاقة والخلّات (الحاجات) وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا)([95])

وكتبت لآخر تقول: (بلغني عنك أمر، إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك، وعصيت إمامك: إنك تقسّم في‏ء المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم، وأريقت عليه دماؤهم، فيمن اعتامك (اختارك) من أعراب قومك.. فو الذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لئن كان ذلك حقّا لتجدنّ لك عليّ هوانا، ولتخفّن عندي ميزانا، فلا تستهن بحق ربّك، ولا تصلح دنياك بمحق دينك، فتكون من الأخسرين أعمالا.. ألا وإنّ حق من قبلك وقبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفي‏ء سواء يردّون عندي عليه، ويصدرون عنه)([96])

وكتبت إلى آخر تقول: (إني أقسم باللّه صادقا، لئن بلغني أنك خنت من في‏ء المسلمين شيئا صغيرا أو كبيرا لأشدنّ عليك شدّة تدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر، ضئيل الأمر والسّلام)([97])

وقد كتبت إلى بعض عمالك تقول: (وإن عملك ليس لك بطعمة ولكنه في عنقك أمانة، وأنت مسترعى لمن فوقك. ليس لك أن تفتات في رعية، ولا تخاطر إلا بوثيقة، وفي يديك مال من مال الله عز وجل، وأنت من خزانه حتى تسلمه إلي، ولعلي ألا أكون شر ولاتك لك، والسلام)([98])

بل إن الله تعلى ابتلاك في ذلك بأقرب الناس إليك.. فقد جاءك أخوك عقيل من المدينة إلى الكوفة، وقال لك: (تأخّر العطاء عنّا، وغلاء السعر ببلدنا، وركبني دين عظيم، فجئت لتصلني)، فقلت له: (و الله ما لي مما ترى شيئا إلّا عطائي، فإذا خرج فهو لك)، فقال: (أشخوصي من الحجاز إليك من أجل عطائك؟ وماذا يبلغ مني عطاؤك؟! وما يدفع من حاجتي؟)، فقلت له: (هل تعلم لي مالا غيره؟ أم تريد أن يحرقني الله في نار جهنم في صلتك بأموال المسلمين؟ وما بقي من نفقتنا في ينبع غير دراهم مضرورة. واللّه يا أخي إني لأستحي من الله أن يكون ذنب أعظم من عفوي أو جهل أعظم من حلمي، أو عورة لا يواريها ستري، أو خلّة لا يسدّها جودي)

فلما ألحّ عليك لم تملك إلا أن قلت لبعض من حضر: (خذ بيد أخي عقيل وانطلق به إلى حوانيت أهل السوق، فقل له: دق هذه الأقفال. وخذ ما في هذه الحوانيت)

حينها قال عقيل: (أتأمرني أن أكسر صناديق قوم قد توكّلوا على الله وجعلوا فيها أموالهم، أتريد أن تتخذني سارقا؟!)

فقلت له: (أتأمرني أن أفتح بيت مال المسلمين فأعطيك أموالهم، وقد توكّلوا على الله وأقفلوا عليها، وأنت تريد أن تتّخذني سارقا.. أن آخذ من أموال المسلمين، فأعطيكها دونهم)

ثم قلت له: (إن شئت أخذت سيفي، وأخذت‏ سيفك، وخرجنا جميعا إلى الحيرة فإن بها تجّارا مياسير فدخلنا على بعضهم فأخذنا ماله)، فقال عقيل: (أو سارقا جئت؟)، فقلت له: (تسرق من واحد خير لك من أن تسرق من المسلمين جميعا)([99])

حينها لم يملك عقيل إلا أن قال لك: (و الله لأخرجنّ إلى رجل هو أوصل لي منك.. لآتيّن معاوية)، فقلت له بكل هدوء وتؤدة: (أنت وذاك، راشدا مهديا)

وقد ذكر المؤرخون أنه لما قدم على معاوية، رحّب به وقال: (مرحبا وأهلا بك يا عقيل بن أبي طالب، ما أقدمك عليّ؟!)، فقال: (قدمت عليك لدين عظيم ركبني، فخرجت إلى أخي ليصلني فزعم أنه ليس له مما يلي إلّا عطاؤه، فلم يقع ذلك مني موقعا، ولم يسدّ مني مسدا، فأخبرته أني سأخرج إلى رجل هو أوصل منه لي، فجئتك)، فازداد معاوية فيه رغبة، وقال للناس: (يا أهل الشام هذا سيد قريش وابن سيّدها، عرف الذي فيه أخوه من الغواية والضلالة، فجاءني، ولكني أزعم أن جميع ما تحت يدي لي، فما أعطيت فقربة إلى اللّه، وما أمسكت فلا جناح لي عليه)، ثم قال لعقيل: (يا عقيل بن أبي طالب: هذه مائة ألف تقضي بها ديونك، ومائة ألف تصل بها رحمك، ومائة ألف توسّع بها على نفسك)

فوقف عقيل، فقال: (صدقت، لقد خرجت من عند أخي على هذا القول، وقد عرفت من في عسكره، لم أفقد والله رجلا من أهل بدر ولا المهاجرين والأنصار، ولا واللّه ما رأيت في معسكر معاوية رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.. أيها الناس، إني أردت أخي عليّا على دينه فاختار دينه، وإني أردت معاوية على دينه، فاختارني على دينه)([100])

وقد ذكرت ـ سيدي ـ بعض ما حصل بينك وبين أخيك عقيل في بعض خطبك، فقلت: (والله لقد رأيت عقيلا وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعا، ورأيت صبيانه شعث الشعور، غبر الألوان من فقرهم، كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا، وكرر علي القول مرددا، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقا طريقتي، فأحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها، فقلت له: ثكلتك الثواكل، يا عقيل أ تئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه أتئن من الأذى ولا أئن من لظى وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها، ومعجونة شنئتها، كأنما عجنت بريق حية أو قيئها، فقلت: أصلة، أم زكاة، أم صدقة فذلك محرم علينا أهل البيت فقال، لا ذا ولا ذاك، ولكنها هدية. فقلت: هبلتك الهبول أعن دين الله أتيتني لتخدعني أمختبط أنت أم ذو جنة، أم تهجر والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها، على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها. ما لعلي ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى نعوذ بالله من سبات العقل، وقبح الزلل. وبه نستعين)([101])

الرحمة.. لا الشدة:

لم يكن كل ما سبق ـ سيدي ـ سوى نفحة من نفحات شخصك المليئ بالمكارم والمعاني السامية.. لكنها جميعا لا تساوي ما امتلأ به قلبك من رحمة.. فلذلك كان حكمك حكم رحمة، والرحمة فوق العدل.

لقد ورثت تلك الرحمة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي جعله الله رحمة للعالمين.. وعشت معه في صحبة المستضعفين تخدمهم، وتصبر على كل بلاء في صحبتهم، كما قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]

ولذلك كان أول أصحابك بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم أولئك المستضعفون.. وعندما توليت الحكم كنت معهم أيضا.. ووقفتم جميعا في وجه المستكبرين.

لقد كنت تعتبر العدل قاصرا إن لم يقف في وجه المظلومين والمتألمين والمستضعفين.. وكنت تقول: (أحسن العدل إعانة المظلوم)، وتقول: (إذا رأيت مظلوما فأعنه على الظالم)، وتقول: (ما من مؤمن يعين مؤمنا مظلوما، إلّا كان أفضل من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام، وما من مؤمن ينصر أخاه وهو يقدر على نصرته إلّا نصره الله في الدنيا والآخرة، وما من مؤمن يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته إلّا خذله الله في الدنيا والآخرة)([102])

وقلت في وصيتك للحسن والحسين قبل استشهادك: (أوصيكما بتقوى اللّه، وأن لا تبغيا الدّنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شي‏ء منها زوي عنكما، وقولا بالحقّ، واعملا للأجر، وكونا للظّالم خصما، وللمظلوم عونا) ‏([103])

وقلت لهم: (اللّه، اللّه في الأيتام! فلا تغبّوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم.. واللّه، اللّه في جيرانكم! فإنّهم وصيّة نبيّكم، ما زال يوصي بهم حتّى ظننّا أنّه سيورّثهم.. واللّه، اللّه في القرآن! لا يسبقكم بالعمل به غيركم) ([104])

وقد حذرتهم بشدة قبل استشهادك من أن يوقعوا العقوبة بمن لا يستحقها، فقلت: (يا بني عبد المطّلب، لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضا، تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلنّ بي إلّا قاتلي.. انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه، فاضربوه ضربة بضربة، ولا تمثّلوا بالرّجل؛ فإنّي سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إيّاكم والمثلة! ولو بالكلب العقور)

بل إنك تركت الأمر لأهلك، فإن شاءوا أن يعفوا عن القاتل فعلوا، وإن شاءوا القصاص فعلوا.. فقد قلت في وصيتك للحسنين: (إني مقبوض في ليلتي هذه ولا حق برسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فاسمعا قولي وعياه. أنت يا حسن، وصيّي والقائم بالأمر بعدي.. وأنت يا حسين، شريكه في الوصيّة، فأنصت ما نطق، وكن لأمره تابعا ما بقي، فإذا خرج من الدنيا فأنت الناطق بعده والقائم بالأمر.. وعليكما بتقوى اللّه، الذي لا ينجو إلّا من أطاعه، ولا يهلك إلّا من عصاه، واعتصما بحبله وهو الكتاب العزيز، الذي‏ {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد} [فصلت:42]) ([105])

ثم قلت مخاطبا ابنك الحسن: (إنك وليّ الأمر بعدي، فإن عفوت عن قاتلي فذاك، وإن قتلت فضربة مكان ضربة، وإيّاك والمثلة! فإن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عنها ولو بكلب عقور.. واعلم أن الحسين وليّ الدم معك يجري فيه مجراك، وقد جعل اللّه تبارك وتعالى له على قاتلي سلطانا كما جعل لك، وإن ابن ملجم ضربني ضربة فلم تعمل فثنّاها فعملت؛ فإن عملت فيه ضربتك فذاك، وإلّا فمر أخاك الحسين وليضربه أخرى بحق ولايته، فإنها ستعمل فيه.. وإيّاك أن تقتل بي غير قاتلي؛ فإن اللّه عزّ وجل يقول: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } [الزمر:7])

وهكذا كان من وصاياك لبعض أصحابك قولك: (أنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك فإنك إن لم تفعل تظلم)([106])

ولهذا فقد كثرت وصاياك لولاتك وغيرهم برعاية المظلومين والمستضعفين، وقد كتبت في عهدك إلى مالك الأشتر: (ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق. يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل، ويؤتي على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم ووليّ الأمر عليك فوقك، واللّه فوق من ولّاك)([107])

وقلت له: (إيّاك ومساماة الله في عظمته، والتشبّه به في جبروته، فإن الله يذلّ كل جبّار، ويهين كل مختال، وإيّاك والإعجاب بنفسك، والثقة بما يعجبك منها، وحبّ الإطراء، فإنّ ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين)([108])

وقلت له فيه: (وليكن أبعد رعيتك منك، وأشنأهم عندك، أطلبهم لمعايب الناس فإن في الناس عيوبا، الوالي أحق من سترها، فلا تكشفن عما غاب عنك منها، فإنما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك. أطلق عن الناس عقدة كل حقد، واقطع عنك سبب كل وتر، وتغاب عن كل ما لا يضح لك، ولا تعجلن إلى تصديق ساع، فإن الساعي غاش، وإن تشبه بالناصحين) ([109])

وقلت له فيه: (ولا يكونن المحسن والمسي‏ء عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه. واعلم أنه ليس شي‏ء بأدعى إلى حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيفه المئونات عليهم، وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم. فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا. وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده) ([110])

وقلت له فيه: (ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، واجتمعت بها الألفة، وصلحت عليها الرعية. ولا تحدثن سنة تضر بشي‏ء من ماضي تلك السنن، فيكون الأجر لمن سنها، والوزر عليك بما نقضت منها) ([111])

إلى آخر كتابك له، والذي يمثل الفقه السياسي الإسلامي بأجمل صوره، وأرفع قيمه.

وهكذا كتبت لآخر تقول: (إذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة، أو مخيلة، فانظر إلى عظم ملك الله فوقك، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإنّ ذلك يطامن إليك من طماحك، ويكفّ عنك من غربك، ويفي‏ء إليك بما غرب عنك من عقلك)([112])

وكتبت إلى آخر تقول: (أما بعد، فإن دهاقين أهل بلدك شكوا منك غلظة وقسوة، واحتقارا وجفوة، ونظرت فلم أرهم أهلا لأن يدنوا لشركهم، ولا أن يقصوا ويجفوا لعهدهم، فالبس لهم جلبابا من اللين تشوبه بطرف من الشدة، وداول لهم بين القسوة والرأفة، وامزج لهم بين التقريب والإدناء، والإبعاد والإقصاء)([113])

وكتبت إلى آخر تقول: (فدع الإسراف مقتصدا، واذكر في اليوم غدا، وأمسك من المال بقدر ضرورتك، وقدم الفضل ليوم حاجتك. أ ترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبرين وتطمع- وأنت متمرغ في النعيم، تمنعه الضعيف والأرملة- أن يوجب لك ثواب المتصدقين وإنما المرء مجزي بما أسلف وقادم على ما قدم، والسلام)([114])

وكتبت إلى آخر تقول: (أما بعد، فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم، وأسد به لهاة الثغر المخوف. فاستعن بالله على ما أهمك، واخلط الشدة بضغث من اللين، وارفق ما كان الرفق أرفق، واعتزم بالشدة حين لا تغني عنك إلا الشدة، واخفض للرعية جناحك، وابسط لهم وجهك، وألن لهم جانبك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة، والإشارة والتحية، حتى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك، والسلام)([115])

ولهذا كنت تنهى عمالك أن يحتجبوا عن رعيتهم، أو يضعوا العوائق بينهم وبين الوصول إليهم، وقد كتبت في عهدك إلى مالك الأشتر تقول: (أما بعد.. فلا تطولن احتجابك عن رعيتك، فإنّ احتجاب الولاة عن الرّعية شعبة من الضّيق وقلّة علم بالأمور، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما تواري عنه الناس به من الأمور، وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب. وإنما أنت أحد رجلين: إمّا امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق، ففيم احتجابك من واجب حقّ تعطيه، أو فعل كريم تسديه، أو مبتلى بالمنع، فما أسرع كفّ الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك! مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤونة فيه عليك من شكاة مظلمة، أو طلب إنصاف في معاملة)([116])

وكتبت إلى آخر تقول: (ولا يكن لك إلى الناس سفير إلّا لسانك، ولا حاجب إلّا وجهك، ولا تحجبنّ ذا حاجة عن لقائك بها، فإنها إن زيدت عن أبوابك في أول وردها، لم تحمد فيما بعد على قضائها)([117])

هذه بعض تجليات عدلك، كما حفظته لنا الدواوين، وإلا فإنه يستحيل على أي كان أن يسجل حقيقته، وكيف يطيق ذلك.. وأنت القرآن الناطق.. وأنت تربية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وأنت الصراط المستقيم.


([1])  شرح نهج البلاغة: 1/488.

([2])  الاستيعاب: 3/48.

([3])  العدالة الاجتماعية في الاسلام لسيد قطب.

([4])  انظر الإمام علي صوت العدالة الانسانية، 1/70.

([5])  نهج البلاغة، خطبه 3 ص 48.

([6])  ومنهم ابن تيمية الذي قال في كتابه [الخلافة والملك: ص28]: (ويستفاد من هذا أن مافعله عثمان وعلي من الاجتهاد الذي سبقهما بما هو أفضل منه أبوبكر وعمر، ودلت النصوص وموافقه جمهور الأمه على رجحانه، وكان سببه افتراق الأمه لايؤمر بالاقتداء بهما فيه، إذ ليس ذلك سنة الخلفاء، وذلك أن أبابكر وعمر ساسا الأمه بالرغبه والرهبه وسلما من التأويل في الدماء والأموال، وعثمان غلب الرغبه وتأول في الأموال، وعلي غلب الرهبه وتأول في الدماء، وأبوبكر وعمر كمل زهدهما في المال والرياسه، وعثمان كمل زهده في الرياسه، وعلي كمل زهده في المال)

([7])  نهج البلاغة: خطبة 5 ص 52.

([8]) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 429.

([9]) كتاب سليم بن قيس: ص 182.

([10]) الكامل: ج 3، ص 193.

([11]) نهج البلاغة: الخطب، ص 205.

([12]) قال أبو عمرو: (واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار، وتخلف عن بيعته نفر. فلم يكرههم) (الإستيعاب ج3 ص1121 وذخائر العقبى ص111).

([13])  تـاريـخ الأمـم والمـلـوك ج4 ص427، الكامل في التاريخ: ج3 ص190.

([14])  جواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص293 وذخائر العقبى ص111.

([15])  تاريخ الأمم والملوك ج4 ص427 و428، والكامل في التاريخ ج3 ص190.

([16])  فضائل أمير المؤمنين لابن عقدة ص91.

([17]) نهج البلاغة: الخطب 41- ورسائل الجاحظ: ص 125.

([18]) نهج البلاغة: الكلام 200 ص 319.

([19]) نهج البلاغة: الخطب 126.

([20])  نهج البلاغة: (ك 131)

([21]) لفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص70 ، وعلي وعصره: ج 4، ص 258، وقد روي أن عمرا حدث معاوية بما وقع له مع الإمام، فقال له معاوية: (احمد اللّه، وعورتك)، ثم قال شعرا يزري بعمرو، فقال عمرو: (ما أشدّ تعظيمك عليا في أمري هذا. وهل هو إلّا رجل لقيه ابن عمه فصرعه! فترى أن السماء قاطرة لذلك دما)؟. قال معاوية: (لا.. ولكنّها معقبة لك خزيا)

([22]) نهج البلاغة: الخطب 53.

([23]) نهج البلاغة: الكتاب رقم(66)

([24]) نهج البلاغة: الكتاب رقم(69)

([25])  تاريخ الأمم والملوك ج4 ص440 و 441 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص358 والكامل في التاريخ ج3 ص197 و 198.

([26])  الفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص358 والكامل في التاريخ ج3 ص198 و تاريخ الأمم والملوك ج3 ص460.

([27]) روض الأخيار: ص 139.

([28]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(16)، والإرشاد: ج 1 ص 239- 240..

([29])  نهج البلاغة: الكلام 16 ص 58.

([30]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(17)

([31]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(17)

([32])  نهج البلاغة: (ك 50)

([33])  كتب وشخصيات، ص 242 – 243.

([34])  علي وبنوه: ص59.

([35]) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 330.

([36])  رسائل الجاحظ ص 365 (الرسائل السياسية)

([37])  علي: صوت العدالة الإنسانية، جورج جرداق.

([38]) نهج البلاغة: الكتب، 50.

([39]) وقعة صفين (ص: 92)

([40]) احمد بن يحيى بن جابر البلاذري، فتوح البلدان، ج2، ص395.

([41]) وقعة صفين، ص115.

([42]) نهج البلاغة: خطبة 27.

([43]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(97)، والإمامة والسياسة: ج 1 ص 171- 172.

([44]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(97)، والإمامة والسياسة: ج 1 ص 171- 172.

([45])  وَقعَة النَهرَوانْ، أو الخَوارج، عَلي بنِ الحُسَيْن الهَاشِميّ، ص22.

([46])  وقعة صفين (ص: 493)

([47])  يقصدون أن ابن العاص وابن عباس من قريش فهما مضريان، أما أغلب الخوارج فمن قحطان، وبين مضر وقحطان عداء قديم وتنافس منذ الجاهلية.

([48])  شرح نهج البلاغة: 2/224، و وقعة صفين (ص: 493)

([49]) نهج البلاغة: الخطب، ص 216.

([50]) نهج البلاغة: الخطب، ص 216.

([51]) نهج البلاغة: الخطب 34.

([52]) غرر الحكم ودرر الكلم.

([53]) كشف الغمة للأربلي نقلا عن القطرة من بحار النبي والعترة للمستنبط 1/46.

([54]) الإمامة والسياسة: ج 1، ص 70.

([55]) الطراز: ج 2، ص 393.

([56]) تاريخ الطبري: ج 5، ص 85.

([57]) تاريخ الطبري: ج 5، ص 85.

([58]) معدن الجواهر: للكراجكي، ص 226.

([59]) شرح نهج البلاغة ٣ : ١٤٨.

([60]) غرر الحكم ودرر الكلم.

([61]) نهج السعادة، ج 1، ص 198.

([62])  ابن قتيبة الدنيوري، الامام والسياسة،  ج1، ص166.

([63]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(216)

([64]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(216)

([65]) نهج البلاغة: الخطب، ص 216.

([66])  مسند الإمام علي: 7/376.

([67])  نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: 8/320.

([68]) الأخبار الطوال ص155.

([69])  تفسير العياشي، ص15.

([70])  أحكام أهل الذمة، 1/169. وقد ذكر ابن القيم أن عمر بن عبد العزيز كتب ألا يضرب بالناقوس خارجا من الكنيسة..

([71])  جواهر المطالب في مناقب الامام علي، 127..

([72])  الغارات 1: 230..

([73])  من لا يحضره الفقيه، 3/300.

([74])  وقعة صفين (ص: 144)

([75]) الوسائل: ج 11، ص 49.

([76])  أخبار القضاة 2/200، 2/201، 2/194. حياة الصحابة، محمد الكاندهلوي: ج1 ص235، نقلاً عن الحاكم في الكنى.

([77])  المناقب: ص 98، ح.99، شرح ابن أبي الحديد، ج 17، ص.65.

([78]) ميزان الحكمة: ج 6، ص 78.

([79]) ميزان الحكمة: ج 6، ص 78.

([80]) قاموس الحكم والأمثال: ص 433.

([81]) نهج البلاغة: الحكم، 437.

([82])  نهج البلاغة: خطبة 16، البيان والتبيين: ج 2، ص 65.

([83]) دعائم الإسلام: ج 1، ص 396.

([84]) شرح نهج البلاغة: ج 9، ص 15- 16، الإمامة والسياسة، ابن قتيبة 1 / 11.

([85]) الكامل في التاريخ: 3/193.

([86]) النهاية لابن الأثير، ج 3، ص 467.

([87]) ميزان الحكمة: ج 5، ص 595.

([88]) ربيع الأبرار: باب الخير والصلاح.

([89]) بحار الأنوار: ج 75، ص 320.

([90]) ميزان الحكمة: ج 5، ص 612.

([91]) كنز العمال: خ 14950.

([92]) كنز العمال: خ 14955.

([93]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2/206.

([94]) مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 312.

([95]) نهج البلاغة: الكتاب 62 ص 452.

([96]) نهج البلاغة: رسائل 43، زالتاريخ لابن واضح، ج 2، ص 190.

([97]) نهج البلاغة: رسائل 20.

([98]) نهج البلاغة: الكلام 224 ص 346.

([99]) المناقب: ج2 ص108-109.

([100]) المرتضى: الأمالي ١/ ١٩٩، تاريخ مدينة دمشق ٤١/ ٢٢، شرح نهج البلاغة ٤/ ٩٢.

([101]) نهج البلاغة: خطبة 216، ص 335.

([102]) ميزان الحكمة: ج 5، ص 615.

([103]) نهج البلاغة: الكتاب رقم(47)

([104]) نهج البلاغة: الكتاب رقم(47)

([105]) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي: ج 2 ص 740- 743 الكتاب رقم(387) عن كتاب الدر النظيم: الورقة 127.

([106]) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

([107]) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

([108]) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

([109]) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

([110]) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

([111]) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

([112]) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

([113]) نهج البلاغة: الكتاب5 ص 366.

([114]) نهج البلاغة: الكتاب20 ص 377.

([115]) نهج البلاغة: الكتاب21 ص 377.

([116]) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

([117]) مستدرك الوسائل: ج 2، ص 144.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *