الإنسان الكامل

الإنسان الكامل

سيدي ومولاي.. حبيب الله ورسوله..

من المعاني العظيمة التي أتذكرها في هذه الأيام.. أيام شهادتك.. إنسانيتك الكاملة.. وشخصيتك الجامعة لكل ألوان الكمال.. فأنت البطل الشجاع العابد العارف العالم المحقق المدقق الفيلسوف السياسي القائد صاحب الأخلاق العالية والأدب الرفيع والفصاحة والبلاغة.. وكل ما خطر ببالنا، وما لم يخطر.

وكيف لا تكون كذلك سيدي.. وهل يمكن أن تكون غير ذلك، وأنت تربية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخالصة، بل أنت معجزة من معجزاته الباهرة.. بل أنت القرآن الناطق.. وهل يمكن أن يكون القرآن الناطق مختلفا عن القرآن الصامت؟

ولهذا، فإن كل من عرفك، وشم أريجك، شهد لك بالتفوق في كل مجال.. وقد سئل الجنيد عنك، وهو من يسمونه سيد الطائفة الصوفية، فأجاب: (لو تفرغ إلينا من الحروب لنقلنا عنه من هذا العلم ما لا يقوم له القلوب، ذاك أمير المؤمنين)([1])

وقال الخليل بن أحمد ـ اللغوي الكبير، ومؤسس علم العروض ـ عندما سئل عن فضائلك: (ما أقول في شخص أخفى أعداؤه فضائله حسداً، وأخفى أولياؤه فضائله خوفاً وحذراً، وظهر فيما بين هذين ما طبقت الشرق والغرب)([2])

وقال: (إحتياج الكل إليه واستغناؤه عن الكل دليل على أنه إمام الكل)([3])

وقال فيك أحمد بن حنبل ـ إمام أهل الحديث ـ: (ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب)([4])

وقال فيك الواقدي ـ إمام أصحاب المغازي والسير ـ: (إن علياً كان من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالعصا لموسى (عليه السلام)، وإحياء الموتى لعيسى (عليه السلام)([5])

وقال النظام ـ إمام المعتزلة ـ (علي بن أبي طالب محنة للمتكلم، إن وفى حقه غلى، وإن بخسه حقه أساء، والمنزلة الوسطى دقيقة الوزن، حادة اللسان، صعبة الترقي إلا على الحاذق الذكي)([6])

وقال الفخر الرازي ـ وهو إمام من أئمة الأشاعرة الكبار ـ: (ومن اتخذ علياً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه)

وقال: (أما إن علي بن أبي طالب كان يجهر بالتسمية، فقد ثبت بالتواتر، ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم أدر الحق مع علي حيث دار)([7])

وقال أبو العيناء لعبيد اللّه بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل والمعتمد: (وما أقول في رجل تحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة، وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة، وتصور ملوك الفرنج والروم صورته في بيعها وبيوت عباداتها، وتصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها، وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره والتحريف عليه ووضع المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكراً، حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلا رفعة وسمواً، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه، وكلما كتم يتضوع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح، وكضوء النهار إن حجبت عنه عينا واحدة أدركته عيون كثيرة، وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها وأبو عذرها)([8])

وقال فيك ابن أبي الحديد ـ وهو إمام من كبار أئمة المعتزلة ـ تعليقا على قولك: (فعند اللّه نحتسبه ولدا ناصحا، وعاملا كادحا، وسيفا قاطعا، وركنا دافعا): (انظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها، وتملكه زمامها، فسبحان الله من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة، والخصائص الشريفة، أن يكون غلام من أبناء عرب مكة لم يخالط الحكماء، وخرج أعرف بالحكمة من‏ أفلاطون وأرسطو، ولم يعاشر أرباب الحكم الخلقية، وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط، ولم يرب بين الشجعان لأن أهل مكة كانوا ذوي تجارة، وخرج أشجع من كل بشر مشى على الأرض) ([9])

وقال ـ تعليقا على قولك: (سلكوا في بطون البرزخ سبيلا سلّطت الأرض عليهم فيه، فأكلت من لحومهم، وشربت من دمائهم): (وإني لأطيل التعجب من رجل يخطب في الحرب بكلام يدل على أن طبعه مناسب لطباع الأسود، ثم يخطب في ذلك الموقف بعينه إذا أراد الموعظة بكلام يدل على أن طبعه مشاكل لطباع الرهبان الذين لم يأكلوا لحماً ولم يريقوا دماً، فتارة يكون في صورة بسطام بن قيس (الشجاع)، وتارة يكون في صورة سقراط والمسيح بن مريم (عليهما السلام) الإلهي، وأقسم بمن تقسم الأمم كلها به لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسين سنة وإلى الآن أكثر من ألف مرة، ما قرأتها قط إلا وأحدثت عندي روعة وخوفا وعظة، أثرت في قلبي وجيباً، ولا تأملتها إلا وذكرت الموتى من أهلي وأقاربي وأرباب ودي، وخيلت في نفسي أني أنا ذلك الشخص الذي وصف الإمام حاله)([10])

وقد ذكر في مقدمة شرحه لكلماتك كيف استفادت منك كل المدارس، وكيف نهل من علمك كل فحول العلم..

فذكر (أنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهي، لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم، ومن كلامه عليه السّلام اقتبس، وعنه نقل، وإليه انتهى، ومنه ابتدئ)

ثم راح يفصل ذلك، فذكر أن (المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل وأرباب النظر، ومنهم تعلّم الناس هذا الفن تلامذته وأصحابه، لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد اللّه بن محمّد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذه عليه السّلام)

وهكذا (الأشعرية فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن بشر الأشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي، وأبو علي أحد مشائخ المعتزلة، فالأشعرية ينتهون بأخرة إلى أستاذ المعتزلة ومعلّمهم، وهو علي بن أبي طالب)

وهكذا (الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر)

ومثل ذلك (علم الفقه، وهو عليه السّلام أصله وأساسه، وكلّ فقيه في الإسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه. أمّا أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف، ومحمّد، وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة، وأمّا الشافعي فقرأ على محمّد بن الحسن، فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة، وأمّا أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي، فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمّد عليه السّلام وقرأ جعفر على أبيه، وينتهي الأمر إلى علي عليه السّلام، وأمّا مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرّأي، وقرأ ربيعة على عكرمة، وقرأ عكرمة على عبد اللّه بن عباس، وقرأ عبد اللّه بن عباس على عليّ، وإن شئت رددت إليه فقه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك، فهؤلاء الفقهاء الأربعة، وأمّا فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر)

وهكذا رجع إليه الصحابة، (فإنّ فقهاء الصحابة كانوا عمر بن الخطاب وعبد اللّه بن عباس، وكلاهما أخذا عن عليّ، أمّا ابن عباس فظاهر، وأمّا عمر فقد عرف كلّ أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة، وقوله غير مرّة: (لو لا عليّ لهلك عمر)، وقوله: (لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن)، وقوله: (لا يفتينّ أحد في المسجد وعليّ حاضر). فقد عرف بهذا الوجه أيضا انتهاء الفقه إليه. وقد روت العامّة والخاصّة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أقضاكم عليّ)، والقضاء هو الفقه، فهو إذن أفقههم، وروى الكلّ أيضا أنّه صلى الله عليه وآله وسلم قال له وقد بعثه الى اليمن قاضيا: (اللّهم اهد قلبه، وثبّت لسانه). قال: فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين)

وهكذا كان الأمر في (علم الطريقة والحقيقة، وأحوال التصوف، وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الاسلام، إليه ينتهون، وعنده يقفون، وقد صرح بذلك الشبلي، والجنيد، وسري، وأبو يزيد البسطامى، وأبو محفوظ معروف الكرخي، وغيرهم. ويكفيك دلالة على ذلك الخرقة التى هي شعارهم إلى اليوم، وكونهم يسندونها بإسناد متصل إليه)

وهكذا كان الأمر في (علم النحو والعربية، وقد علم الناس كافه أنه هو الذى ابتدعه وأنشأه، وأملى على أبى الاسود الدؤلى جوامعه وأصوله، من جملتها الكلام كله ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف. ومن جملتها: تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة، وتقسيم وجوه الاعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم، وهذا يكاد يلحق بالمعجزات، لان القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر، ولا تنهض بهذا الاستنباط)

وهكذا كان الأمر في خصائصك الخلقية والفضائل النفسانية والدينية..

أما الشجاعة: (فإنه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله، ومحا اسم من يأتي بعده، ومقاماته في الحرب مشهورة يضرب بها الامثال إلى يوم القيامة، وهو الشجاع الذى ما فر قط، ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحدا إلا قتله، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الاولى إلى ثانية)

 وأما القوة والأيد: (فبه يضرب المثل فيهما، قال ابن قتيبه في(المعارف): ما صارع أحدا قط إلا صرعه. وهو الذى قلع باب خيبر، واجتمع عليه عصبه من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه، وهو الذى اقتلع هبل من أعلى الكعبة، وكان عظيما جدا، وألقاه إلى الارض. وهو الذى اقتلع الصخره العظيمة في أيام خلافته عليه السلام بيده بعد عجز الجيش كله عنها، وأنبط الماء من تحتها)

 وأما السخاء والجود: (فحاله فيه ظاهرة، وكان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده، وفيه أنزل {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان:8]، وروى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلا، وبدرهم نهارا، وبدرهم سرا، وبدرهم علانية، فأنزل فيه: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون} [البقرة:274]، وروي عنه أنه كان يسقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة، حتى مجلت يده، ويتصدق بالاجرة، ويشد على بطنه حجرا. وقال الشعبى وقد ذكره عليه السلام: كان أسخى الناس، كان على الخلق الذي يحبه الله: السخاء والجود، ما قال: (لا) لسائل قط. وقال عدوه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه معاوية بن أبى سفيان لمحفن بن أبي محفن الضبي لما قال له: جئتك من عند أبخل الناس، فقال: ويحك ! كيف تقول إنه أبخل الناس، لو ملك بيتا من تبر وبيتا من تبن، لانفد تبره قبل تبنه. وهو الذى كان يكنس بيوت الاموال ويصلي فيها، وهو الذي قال: يا صفراء، ويا بيضاء، غري غيري. وهو الذي لم يخلف ميراثا، وكانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام)

وأما الحلم والصفح: (فكان أحلم الناس عن ذنب، وأصفحهم عن مسئ، وقد ظهر صحة ما قلناه يوم الجمل، حيث ظفر بمروان بن الحكم وكان أعدى الناس له، وأشدهم بغضا فصفح عنه. وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الاشهاد، وخطب يوم البصرة فقال: قد أتاكم الوغد اللئيم علي بن أبى طالب وكان علي عليه السلام يقول: ما زال الزبير رجلا منا أهل البيت حتى شب عبد الله فظفر به يوم الجمل، فأخذه أسيرا، فصفح عنه، وقال: اذهب فلا أرينك، لم يزده على ذلك. وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة، وكان له عدوا، فأعرض عنه ولم يقل له شيئا. وقد علمتم ما كان من عائشة في أمره، فلما ظفر بها أكرمها، وبعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس عممهن بالعمائم، وقلدهن بالسيوف، فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به، وتأففت وقالت: هتك سترى برجاله وجنده الذين وكلهم بي، فلما وصلت المدينة ألقى النساء عمائمهن، وقلن لها: إنما نحن نسوه. وحاربه أهل البصرة وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيوف، وشتموه ولعنوه، فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم، ونادى مناديه في أقطار العسكر: ألا لا يتبع مول، ولا يجهز على جريح، ولا يقتل مستأسر، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن تحيز إلى عسكر الامام فهو آمن. ولم يأخذ أثقالهم، ولا سبى ذراريهم، ولا غنم شيئا من أموالهم، ولو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل، ولكنه أبى إلا الصفح والعفو وتقيل سنة رسول اللصلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة، فإنه عفا والاحقاد لم تبرد، والاساءة لم تنس. ولما ملك عسكر معاوية عليه الماء، وأحاطوا بشريعة الفرات، وقالت رؤساء الشام له  اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا، سألهم علي وأصحابه أن يشرعوا لهم شرب الماء، فقالوا: لا والله، ولا قطرة حتى تموت ظمأ كما مات ابن عفان، فلما رأى أنه الموت لا محالة تقدم بأصحابه، وحمل على عساكر معاوية حملات كثيفة، حتى أزالهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع، سقطت منه الرؤوس والايدي، وملكوا عليهم الماء، وصار أصحاب معاوية في الفلاة، لا ماء لهم، فقال له أصحابه وشيعته: امنعهم الماء يا أمير المؤمنين، كما منعوك، ولا تسقهم منه قطرة، واقتلهم بسيوف العطش، وخذهم قبضا بالايدي فلا حاجه لك إلى الحرب، فقال: لا والله لا أكافئهم بمثل فعلهم، افسحوا لهم عن بعض الشريعة، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك. فهذه إن نسبتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالا وحسنا، وإن نسبتها إلى الدين والورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله)

وأما الجهاد في سبيل الله: (فمعلوم عند صديقه وعدوه أنه سيد المجاهدين، وهل الجهاد لاحد من الناس إلا له ! وقد عرفت أن أعظم غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأشدها نكاية في المشركين بدر الكبرى، قتل فيها سبعون من المشركين، قتل علي نصفهم، وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر. وإذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي وتاريخ الاشراف ليحيى بن جابر البلاذري وغيرهما علمت صحة ذلك، دع من قتله في غيرها كأحد والخندق وغيرهما، وهذا الفصل لا معنى للاطناب فيه، لانه من المعلومات الضرورية، كالعلم بوجود مكة ومصر ونحوهما)

وأما الفصاحة: (فهو إمام الفصحاء، وسيد البلغاء، وفي كلامه قيل: دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوقين. ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة، قال عبد الحميد بن يحيى: حفظت سبعين خطبة من خطب الاصلع، ففاضت ثم فاضت. وقال ابن نباتة: حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الانفاق الا سعة وكثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبى طالب. ولما قال محفن بن أبى محفن لمعاوية: جئتك من عند أعيا الناس، قال له: ويحك ! كيف يكون أعيا الناس ! فو الله ما سن الفصاحة لقريش غيره، ويكفى هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة، ولا يبارى في البلاغة. وحسبك أنه لم يدون لاحد من فصحاء الصحابة العشر، ولا نصف العشر مما دون له، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب (البيان والتبيين) وفي غيره من كتبه)

وأما سجاحة الاخلاق، وبشر الوجه، وطلاقة المحيا، والتبسم: (فهو المضروب به المثل فيه.. قال صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه: كان فينا كأحدنا، لين جانب، وشدة تواضع، وسهولة قياد، وكنا نهابه مهابة الاسير المربوط للسياف الواقف على رأسه. وقال معاوية لقيس بن سعد: رحم الله أبا حسن، فلقد كان هشا بشا، ذا فكاهة، قال قيس: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمزح ويبتسم إلى أصحابه، وأراك تسر حسوا في ارتغاء، وتعيبه بذلك ! أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى، تلك هيبة التقوى، وليس كما يهابك طغام أهل الشام !. وقد بقى هذا الخلق متوارثا متنافلا في محبيه وأوليائه إلى الآن، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر، ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك)

 وأما الزهد في الدنيا: (فهو سيد الزهاد، وبدل الابدال، وإليه تشد الرحال، وعنده تنفض الاحلاس، ما شبع من طعام قط. وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا، قال عبد الله بن أبي رافع: دخلت إليه يوم عيد، فقدم جرابا مختوما، فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا، فقدم فأكل، فقلت: يا أمير المؤمنين، فكيف تختمه؟ قال: خفت هذين الولدين أن يلتاه بسمن أو زيت. وكان ثوبه مرقوعا بجلد تارة، وليف أخرى، ونعلاه من ليف. وكان يلبس الكرباس الغليظ، فإذا وجد كمه طويلا قطعه بشفرة، ولم يخطه، فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتى يبقى سدى لا لحمة له، وكان يأتدم إذا ائتدم بخل أو بملح، فإن ترقى عن ذلك فبعض نبات الارض، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الابل، ولا يأكل اللحم إلا قليلا، ويقول: لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان. وكان مع ذلك أشد الناس قوة وأعظمهم أيدا، لا ينقض الجوع قوته، ولا يخون الاقلال منته. وهو الذي طلق الدنيا وكانت الاموال تجبى إليه من جميع بلاد الاسلام إلا من الشام، فكان يفرقها ويمزقها)

وأما العبادة: (فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوما، ومنه تعلم الناس صلاة الليل، وملازمة الاوراد وقيام النافلة، وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير، فيصلي عليه ورده، والسهام تقع بين يديه وتمر على صماخيه يمينا وشمالا، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته ! وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده. وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته، ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله، وما يتضمنه من الخضوع لهيبته، والخشوع لعزته والاستخذاء له، عرفت ما ينطوي عليه من الاخلاص، وفهمت من أي قلب خرجت، وعلى أي لسان جرت !. وقيل لعلي بن الحسين عليه السلام – وكان الغاية في العبادة: أين عبادتك من عبادة جدك؟ قال: عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدى عند عبادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)

وأما قراءته القرآن واشتغاله به: (فهو المنظور إليه في هذا الباب، اتفق الكل على أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن غيره يحفظه، ثم هو أول من جمعه، نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة أبى بكر، فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة، بل يقولون: تشاغل بجمع القرآن فهذا يدل على أنه أول من جمع القرآن، لأنه لو كان مجموعا في حياه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما احتاج إلى أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم. وإذا رجعت إلى كتب القراءات وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون إليه، كابي عمرو بن العلاء وعاصم بن أبي النجود وغيرهما، لانهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمى القارئ، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه، وعنه أخذ القرآن، فقد صار هذا الفن من الفنون التى تنتهى إليه أيضا، مثل كثير مما سبق)

وأما الرأي والتدبير: (فكان من أسد الناس رأيا، وأصحهم تدبيرا، وهو الذي أشار على عمر بن الخطاب لما عزم على أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بما أشار. وهو الذى أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها، ولو قبلها لم يحدث عليه ما حدث. وإنما قال أعداؤه: لا رأي له، لانه كان متقيدا بالشريعة لا يرى خلافها، ولا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه. وقد قال عليه السلام: لو لا الدين والتقى لكنت أدهى العرب. وغيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه ويستوفقه، سواء أ كان مطابقا للشرع أم لم يكن. ولا ريب أن من يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده، ولا يقف مع ضوابط وقيود يمتنع لاجلها مما يرى الصلاح فيه، تكون أحواله الدنيوية إلى الانتظام أقرب، ومن كان بخلاف ذلك تكون أحواله الدنيوية إلى الانتثار أقرب)

بل إنك فوق ذلك كله استطعت أن تعرض الإسلام وقيم الإسلام بصورة جميلة بهرت غير المسلمين..

فقد قال عنك جبران خليل جبران ـ وهو الأديب المسيحي الكبير ـ: (إن علي بن أبي طالب كلام الله الناطق، وقلب الله الواعي، نسبته إلى من عداه من الأصحاب شبه المعقول إلى المحسوس، وذاته من شدة الإقتراب ممسوس في ذات الله)([11])

وقال فيك ميخائيل نعيمة: (وأما فضائله فإنها قد بلغت من العظم والجلال والإنتشار والاشتهار مبلغاً يسمج معه التعرض لذكرها، والتصدي لتفصيلها، فصارت كما قال أبو العيناء لعبيد الله بن يحيى بن خاقان، وزير المتوكل والمعتمد: (رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر، الذي لا يخفى على الناظر، فأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز، مقصر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك)([12])

وقال: (تسألني عن الإمام علي، ورأيي أنه من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيد العرب على الاطلاق بلاغة وحكمة وتفهما للدين وتحمسا للحق وتساميا عن الدنايا. فأنا ما عرفت في كل من قرأت لهم من العرب رجلا دانت له اللغة مثلما دانت لإبن ابي طالب، سواء في عظاته الدينية وخطبه الحماسية ورسائله التوجيهية، او في تلك الشذور المقتضبة التي كان يطلقها من حين الى حين مشحونة بالحكم الزمنية والروحية، متوهجة ببوارق الإيمان الحي ومدركة من الجمال في البيان حد الإعجاز، فكأنما اللآلىء بلغت بها الطبيعة حد الكمال، وكأنه البحر يقذف بتلك اللآلىء دونما عنت او عناء.. ليس بين العرب من صفت بصيرته صفاء بصيرة الإمام علي، ولا من أوتي المقدرة في إقتناص الصور التي انعكست على بصيرته وعرضها في إطار من الروعة هو السحر الحلال. حتى سجعه، وهو كثير، يسطو عليك بألوانه وبموسيقاه ولا سطو القوافي التي تبدو كما لو انها هبطت على الشاعر من السماء، فهي ما اتخذت مكانها في اواخر الأبيات إلا لتقوم بمهمة يستحيل على غيرها القيام بها. إنها هناك لتقول اشياء لا تستطيع كلمات غيرها ان تقولها، كالغلق في القنطرة. إن عليا لمن عمالقة الفكر والروح والبيان في كل زمان ومكان)

وقال فيك الأستاذ البحاثة المسيحي (بولس سلامة) في كتابه: (ملحمة الغدير): (قد يقول قائل: ولم آثرت عليا دون سواه من أصحاب محمد بهذه الملحمة ولا اجيب على هذا السؤال إلا بكلمات فالملحمة كلها جواب عليه. وسترى في سياقها بعض عظمة الرجل الذي يذكره المسلمون فيقولون: (رضى الله عنه، وكرم الله وجهه، والسلام عليه) ويذكره النصارى في مجالسهم فيتمثلون بحكمه ويخشعون لتقواه، ويتمثل به الزهاد في الصوامع فيزدادون زهدا وقنوتا. وينظر إليه المفكر فيستضئ بهذا القطب الوضاء ويتطلع إليه الكاتب الألمعي فيأتم ببيانه ويعتمده الفقيه المدره- زعيم القوم والمتكلم عنهم- فيسترشد بأحكامه. أما الخطيب فحسبه أن يقف في السفح ويرفع الرأس إلى هذا الطود الشامخ لتنهل عليه الآيات من عل. وينطلق لسانه بالكلام العربي المبين الذي رسخ قواعده أبو الحسن إذ دفعها إلى أبي الأسود الدؤلي فقال: انح هذا النحو. وكان علم النحو. ويقرا الجبان سيرة علي فتهدر في صدره النخوة وتستهويه البطولة. إذ لم تشهد الغبراء ولم تظل السماء أشع من ابن أبي طالب فعلي ذلك الساعد الأجدل اعتمد الإسلام يوم كان وليدا. فعلي هو بطل بدر، وخيبر، والخندق، ووادي الرمل، والطائف، واليمن…. وهو المنتصر في صفين ويوم الجمل والنهروان والدافع عن الرسول يوم أحد وقيدوم السرايا ولواء المغازي.. واعجب من بطولته الجسدية بطولته النفسية فلم ير اصبر منه على المكاره إذا كانت حياته موصولة بالآلام منذ فتح عينيه على النور في الكعبة حتى أغمضها على الحق في مسجد الكوفة… وبعد فلم تجادلني في أبي الحسن؟ أو لم تقم في خلال العصور فئات من الناس تؤله الرجل؟ ولا ريب أنها الضلالة الكبرى. ولكنها ضلالة تدلك على الحق إذ تدلك على مبلغ افتتان الناس بهذه الشخصية العظمى ولم يستطع خصوم الرجل أن يأخذوا عليه مأخذا فاتهموه بالتشدد في إحقاق الحق. أي انهم شكوا كثرة فضله فأرادوه دنيويا يمارى ويداري. وأراد نفسه روحانيا رفيعا يستميت في سبيل العدل. لا تأخذه في سبيل الله هوادة. وإنما الغضبة للحق ثورة النفوس القدسية التي يؤلمها أن ترى عوجا. أو لم يغضب السيد المسيح وهو الذروة في الوداعة والحكم يوم دخل آلهيكل فوجد فيه باعة الحمام والصيارفة المرابين فاخذ بيده السوط وقلب موائدهم وطردهم قائلا: بيتي بيت الصلاة يدعى وانتم جعلتموه مغارة للصوص)([13])

ثم عقب على هذه الشهادة بقوله: (بقى لك بعد هذا أن تحسبني شيعيا، فإذا كان التشيع تنقصا لأشخاص أو بغضا لفئات أو تهورا في المزالق الخطرة فلست كذلك، أما إذا كان التشيع حبا لعلي وأهل البيت الطيبين الأكرمين وثورة على الظلم وتوجعا لما حل بالحسين وما نزل بأولاده من النكبات في مطاوي التاريخ فإنني شيعي)

هذه شهادته ـ سيدي ـ وكم أتألم إذ أختم حديثي معك بها.. فالحديث معك لا يمل.. وحسبي أنني أعيش كل لحظة في صحبة كلماتك إلى أن يأتي ذلك اليوم الذي أتشرف فيه بلقياك.. ولعلي أفوز بأن يختم لي بمثل ما ختم لك، فأقول عندما يطعنني عدوك: فزت ورب الكعبة.


([1]) فرائد السمطين: 1/380.

([2]) مقدمة المناقب للخوارزمي: ص8.

([3]) عبقرية الإمام: ص 138.

([4]) فرائد السمطين: 1/79.

([5]) الفهرست: ص111.

([6]) سفينة البحار1/146.

([7]) التفسير الكبير: 1 /205،207..

([8]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/ 29، 17.

([9]) سفينة البحار1/146.

([10]) شرح النهج لابن أبي الحديد: 11/150.

([11]) نقلا عن حاشية الشفاء ص 566 /.

([12]) نقلا عن شرح النهج لابن أبي الحديد: 1 /16.

([13]) ملحمة الغدير، ص27- 28.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *