الإسلاميون.. والعلمانية

الإسلاميون.. والعلمانية

من المعضلات الكبيرة التي لم يستطع عقلي أن يهضمها في سالف أيام حياتي، وأظن أنني لن أستطيع فهمها أبدا: مفهوم [العلمانية] عند الأحزاب الإسلامية.. ولست أدري هل العقدة في المفهوم نفسه، أم أنه ليس لدي من القدرة العقلية ما يتيح لي أن أميز بين هذا المفهوم لديهم، ولدى غيرهم؟

ذلك أنني عندما أطالع المشاريع التي يضعونها للفوز في الانتخابات البرلمانية أو البلدية أو الرئاسية أجدها نفس المشاريع التي يضعها العلمانيون.. فهم يذكرون توفير الخدمات، وتأسيس الاستثمارات، ودعم البنى التحتية، وتوفير العمل للبطالين، وهكذا مما يوجد نظيره لدى العلمانيين في بلادنا وغيرها من البلاد.. ولهذا احترت عند البحث في الفوارق بين الإسلامية والعلمانية.. الأولى التي يعتبرونها فرضا ودينا، والثانية التي يعتبرونها ضلالا وكفرا.

وهكذا عندما أرى تسييرهم للبلاد التي تمنحهم الشعوب الفرصة للحكم فيها؛ فهم يمارسون حياتهم السياسية حينها بكل حرية، ولا يختلفون عن أي علماني آخر.. ففي المغرب التي يحكمها [حزب العدالة والتنمية] بقيادة الإسلامي [عبد الإله ابن كيران]، والذي جمع في طياته الكثير من الجماعات والتيارات الإسلامية، أجد تسييرهم لا يختلف عن أي شخص آخر، فالمغرب القديمة هي المغرب الجديدة، ولا فرق بينهما، لا في المواقف الداخلية، ولا الخارجية، اللهم إلا تلك المواقف المتشنجة من سورية المظلومة الجريحة التي اتفق جميع الإسلاميون على نهش لحمها وعظمها ورميها لجميع كلاب الدنيا.

وهكذا عندما أرى موقفهم من أردوغان، واعتبار الحكومة الحالية لتركيا حكومة إسلامية، مع أن أردوغان لا يزال يضع صورة أتاترك خلفه، ولا يزال ينادي بالعلمانية، ولا تزال الحانات والمراقص والملاهي الليلية والقنوات الإباحية تنتشر ويرخص لها في تركيا، ولا تزال تركيا تأكل الربا، وتقيم علاقاتها مع إسرائيل.. وكل ذلك لا بأس به.. وهو مشروع إسلامي عندهم، بل يضعونه من الدلائل على نجاح المشروع الإسلامي.

وهذا ما لم يهضمه عقلي، ذلك أنه إن كان نجاح الدولة في الاقتصاد، وتكثير السواح، والخروج من الأزمات المختلفة هو الحكم الإسلامي؛ فألمانيا بذلك دولة إسلامية.. ومثلها اليابان.. فكلاهما مرا بأزمات خانقة استطاعا الخروج منها، وتوفير أكبر قدر من الرفاه لشعوبهما.. فهل نعتبر الحكومة الألمانية واليابانية حكومة إسلامية؟

ونفس الشيء يقال في الحكومة التي أدارها الإخوان في تلك السنة، والتي أباحوا فيها كل شيء.. فقد أذنوا للعلاقة مع إسرائيل أن تستمر، وأذنوا للسفير الإسرائيلي أن يؤدي مهامه، وعندما ضربت غزة ضربة قاسية لم يطلقوا رصاصة واحدة تجاه إسرائيل، بل لم يرسلوا دبابة واحدة، ولا صاروخا واحدا.

أما الأفلام والمسلسلات المصرية، فقد بقيت تمثل بطريقة عادية، فلم يفرض الحجاب على النساء، ولم تهذب النصوص بحيث تناسب المبادئ الإسلامية، بل بقيت النصوص هي النصوص، والإباحية هي الإباحية، بل ذكر بعض الممثلين أن مقص الرقيب في عهد مرسي كان أخف من مقص حسني مبارك، لأن الإخوان كانوا حريصين على أن يظهروا بصورة المتحرر والمتنور والمتحضر.. لذلك سمحوا لكل شيء، وبكل شيء.

ومع ذلك يصدعون رؤوسنا كل حين بأن حكم الإخوان لمصر كان حكما إسلاميا.. وأن من قبله ومن بعده كانوا علمانين ضالين كفرة.. وهذا ما لم يستطع عقلي أن يهضمه.. فلم أدر الفرق بين الحكمين حتى أميز بين كلا العلمانيتين؟

وهكذا كان الأمر عندنا في الجزائر عندما كان يكتب على كل بلدية فاز بها ذلك الحزب الإسلامي الذي تحول بعدها إلى حزب مسلح.. فقد كان يكتب في مداخل البلديات ومخارجها [البلدية الإسلامية الفلانية]، ثم يكتب تحتها قوله تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ} [الحجر: 46]، موهما الداخلين إلى تلك البلدية أنهم سيدخلون الجنة التي قيلت فيها تلك الآية الكريمة.. لكنهم إن دخلوها لم يجدوا إلا بلديات عادية، وقد يجدون فيها ما لم يكونوا يجدونه من أكوام القمامة، ومن سوء التسيير، نتيجة عدم الخبرة والاستعجال والطيش الذي كان يسيطر على الكثير ممن كانوا يسيرون تلك البلديات.

طبعا لم يتوقف عقلي عن التفكير حتى أعرف حقيقة العلمانية عند الإسلاميين.. وقد وصلت إلى هذه النتيجة التي أرجو من القراء الكرام أن يصححوها لي، وهي أن العلمانية عند الإسلاميين تعني حكم غيرهم، والإسلامية تعني حكمهم هم، أو حكم من يساندونه.. وتعني أيضا ذلك الالتزام الشخصي ببعض مظاهر الدين، كاللحية وصلاة الجمعة وغيرهما.

ولهذا سمعنا بعضهم يوبخ الشعب المصري الذي رفض حكومة الإخوان، وخرج إلى الشوارع يطالب برحيلها، فقد قال لهم ذلك الداعية الغليظ مؤنبا: (ألا يكفيكم أن يكون لكم رئيس ملتح؟)

ولهذا عرف أردوغان كيف يتعامل مع هذه العقول البسيطة، فقد كان يكتفي بأخذ زوجته المحجبة معه إلى كل محل يذهب إليه، حتى يرى الإسلاميون حجابها، فيتوهموا أن كل تركيا مثلها في حجابها والتزامها.. ويغفلوا بالنظر إليها عن كل جرائمه في حق سورية وفلسطين وغيرهما من بلاد العالم الإسلامي.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *