الأواب العابد

الأواب العابد

سيدي ومولاي.. حبيب الله ورسوله..

من المعاني العظيمة التي أتذكرها في هذه الأيام.. أيام شهادتك.. تلك المظاهر الكثيرة التي تجلت فيها عبوديتك لربك.. والتي شملت جميع نواحي الحياة.. فقد كانت حياتك كلها لله.. مخبتا ومتبتلا وخاشعا وخاضعا في كل لحظة من لحظات حياتك الممتلئة بالقداسة والطهر.

ولذلك لا يمكن لأحد أن يتحدث عنك، كأواب عابد إلا إذا استعرض كل لحظة من لحظات حياتك سواء مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنت تؤدي دور المريد الصادق.. أو بعده، وأنت تؤدي دور الإمام الناصح، والولي المرشد، والمجاهد البطل، الساعي لحفظ الدين من التأويل والتحريف والدجل إلى أن ختمت حياتك بالشهادة.

لكني مع ذلك، سأرطب لساني، بذكر بعض تجليات عبوديتك لله.. وذلك في تينك العبادتين اللتين أعطيت الأسوة بهما، ومثلتهما أحسن تمثيل، لتكون فيهما أسوة لغيرك، يقتدون بك، ويهتدون بهديك.

أما أولاهما، فتلك الصلاة الخاشعة التي رباك عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودربك عليها، فقضيت حياتك كلها تعلم الغافلين مناسك الخشوع والإخبات والحضور الدائم مع الله.

وأما الثانية، فتلك الدعوات الرقيقة التي كنت ترددها في كل محل.. فحفظتها لنا الدواوين لترددها الأجيال بعدك.. فتنال منها معرفة بالله وقربا منه وخضوعا له، وتنال فوق ذلك حاجاتها من خيرات الدنيا والآخرة.

صلاة الخاشعين:

أما الصلاة.. فقد كنت تدعو إليها بلسانك وحالك وفعلك كل حين..

أما دعوتك إليها بلسانه، فقد كنت تذكرها في خطبك، وتسجلها في رسائلك، وتوصي بها أصحابك وأهلك.. وتعلمهم كيف يقومون بحقوقها، وكيف يؤدوها كما طلب منهم أن يؤدوها..

ومن وصاياك في ذلك لأصحابك وأحبابك على مدار التاريخ قولك: (تعاهدوا أمر الصّلاة، وحافظوا عليها، واستكثروا منها، وتقرّبوا بها، فإنّها {كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً}.. ألا تسمعون إلى جواب أهل النّار حين سئلوا: {ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏}.. وإنّها لتحتّ الذّنوب حتّ الورق، وتطلقها إطلاق الرّبق، وشبّهها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بالحمّة تكون على باب الرّجل، فهو يغتسل منها في اليوم واللّيلة خمس مرّات، فما عسى أن يبقى عليه من الدّرن.. وقد عرف حقّها رجال من المؤمنين، الّذين لا تشغلهم عنها زينة متاع، ولا قرّة عين من ولد ولا مال، يقول اللّه سبحانه: {رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإِقامِ الصَّلاةِ وإِيتاءِ الزَّكاةِ} [طه: 132].. وكان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم نصبا بالصّلاة بعد التّبشير له بالجنّة، لقول اللّه سبحانه: {وأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها}، فكان يأمر بها أهله ويصبر عليها نفسه) ‏([1])

ومن وصيتك لأبنائك وأنت تحتضر قولك: (اللّه، اللّه في القرآن! لا يسبقكم بالعمل به غيركم.. واللّه، اللّه في الصّلاة! فإنّها عمود دينكم.. واللّه، اللّه في بيت ربّكم! لا تخلّوه ما بقيتم؛ فإنّه إن ترك لم تناظروا) ([2])

ومن وصية لك أخرى قلت فيها: (وليكن في خاصة ما تخلص به لله دينك: إقامة فرائضه التي هي له خاصة، فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك، ووف ما تقربت به إلى الله من ذلك كاملا غير مثلوم ولا منقوص، بالغا من بدنك ما بلغ. وإذا قمت في صلاتك للناس، فلا تكونن منفرا ولا مضيعا، فإن في الناس من به العلة وله الحاجة. وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين وجهني إلى اليمن كيف أصلي بهم فقال: (صل بهم كصلاة أضعفهم، وكن بالمؤمنين رحيما)([3])

وكنت ـ سيدي ـ لا تكتفي بالدعوة للفرائض، بل كنت تدعو بلسانك وحالك إلى الفرائض والنوافل، وخاصة قيام الليل، والتهجد فيه لله عز وجل، وكلماتك في هذا كثيرة جدا، ومنها قولك ـ وأنت تدعوهم إلى التأسي بالسابقين الصادقين ـ: (أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرؤوا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلى الجهاد فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفا زحفا، وصفا صفا. بعض هلك، وبعض نجا. لا يبشرون بالأحياء، ولا يعزون عن الموتى. مره العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء صفر الألوان من السهر. على وجوههم غبرة الخاشعين. أولئك إخواني الذاهبون. فحق لنا أن نظمأ إليهم، ونعض الأيدي على فراقهم) ([4])

وقلت في خطبة أخرى، تتحدث عن أولياء الله وأصفيائه: (عباد الله، إن تقوى الله حمت أولياء الله محارمه، وألزمت قلوبهم مخافته، حتى أسهرت لياليهم، وأظمأت هواجرهم فأخذوا الراحة بالنصب، والري بالظمإ، واستقربوا الأجل‏، فبادروا العمل، وكذبوا الأمل فلاحظوا الأجل) ([5])

وفي خطبة أخرى، قلت: (فاتقوا الله عباد الله تقية ذي لب شغل التفكر قلبه، وأنصب الخوف بدنه، وأسهر التهجد غرار نومه، وأظمأ الرجاء هواجر يومه، وظلف الزهد شهواته، وأوجف الذكر بلسانه، وقدم الخوف لأمانه) ([6])

وفي خطبة أخرى، وصفت فيها أهل الجنة وأعمالهم، رحت تقول: (و سيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا.. قد أمن العذاب، وانقطع العتاب وزحزحوا عن النار، واطمأنت بهم الدار، ورضوا المثوى والقرار. الذين كانت أعمالهم في الدنيا زاكية، وأعينهم باكية، وكان ليلهم في دنياهم نهارا، تخشعا واستغفارا وكان نهارهم ليلا، توحشا وانقطاعا. فجعل الله لهم الجنة مآبا، والجزاء ثوابا، (و كانوا أحق بها وأهلها) في ملك دائم، ونعيم قائم­) ([7])

وفي خطبة أخرى من خطبك التي تصف فيها الأولياء والمقربين، قلت: (وإني لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم، سيماهم سيما الصديقين، وكلامهم كلام الأبرار، عمار الليل ومنار النهار. متمسكون بحبل القرآن يحيون سنن الله وسنن رسوله لا يستكبرون ولا يعلون، ولا يغلون ولا يفسدون. قلوبهم في الجنان، وأجسادهم في العمل) ([8])

وفي خطبتك التي وصفت فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السابقين الصادقين، قلت: (لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فما أرى أحدا يشبههم منكم لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا، وقد باتوا سجدا، وقياما يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفا من العقاب، ورجاء للثواب أما الليل فصافون أقدامهم، تالين لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلا. يحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم. فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب أعينهم. وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم، وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم. وأما النهار فحلماء علماء، أبرار أتقياء)([9])

وفي خطبة أخرى، قلت: (طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها، وعركت بجنبها بؤسها، وهجرت في الليل غمضها، حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها، وتوسدت كفها، في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم، وهمهمت بذكر ربهم شفاههم، وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم، (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)([10])

وفي خطبة أخرى قلت: (فاسعوا في فكاك رقابكم من قبل أن تغلق رهائنها. أسهروا عيونكم، وأضمروا بطونكم واستعملوا أقدامكم)([11])

وفي حديث نقله لنا نوف البكالي عنك، قال: رأيت أمير المؤمنين ذات ليلة، وقد خرج من فراشه، فنظر في النجوم فقال لي: يا نوف، أراقد أنت أم رامق؟ فقلت: بل رامق قال يا نوف، طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، والقرآن شعارا، والدعاء دثارا، ثم قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح.. يا نوف، إن داود عليه السلام: قام في مثل هذه الساعة من الليل فقال: إنها لساعة لا يدعو فيها عبد إلا استجيب له، إلا أن يكون عشارا أو عريفا أو شرطيا، أو صاحب عرطبة (و هي الطنبور) أو صاحب كوبة (و هي الطبل. وقد قيل أيضا: إن العرطبة الطبل والكوبة الطنبور)([12])

هذه دعواتك للصلاة، وتعظيمك لها بلسان مقالك، أما دعواتك لها بلسان حالك.. فهي من أعجب العجب.. وقد رويت لنا في الأخبار عنك من ذلك الكثير.

واسمح لي ـ سيدي ـ أن أذكر لك ما وصلنا من كيفية استعدادك للصلاة، واهتمامك بشأنها، وتعظيمك لشعائرها.

ونبدأ ذلك بالوضوء الذي كنت تملؤه بذكر الله.. فلا تتوضأ وضوء الغافلين، وإنما تتوضأ وضوء المخبتين الخاشعين..

وقد روى لنا الرواة أنك كنت تقول عند المضمضة: (اللهمّ لقّني حجّتك يوم ألقاك، وأطلق لساني بذكرك)([13])

وكنت تقول عند الاستنشاق: (اللهمّ لا تحرّم عليّ ريح الجنّة، واجعلني ممّن يشمّ ريحها وروحها وطيبها)

وكنت تقول عند غسل الوجه: (اللهمّ بيّض وجهي يوم تسودّ فيه الوجوه، ولا تسوّد وجهي يوم تبيضّ فيه الوجوه)

وكنت تقول عند غسل اليد اليمنى: (اللهمّ أعطني كتابي بيميني، والخلد في الجنان بيساري، وحاسبني حسابا يسيرا)

وكنت تقول عند غسل اليد اليسرى: (اللهمّ لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري، ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي، وأعوذ بك من مقطّعات النّيران)

وكنت تقول عند مسح الرأس: (اللهمّ غشّني برحمتك وبركاتك وعفوك)

وكنت تقول عند مسح الرجلين: ((اللهمّ ثبّتني على الصّراط يوم تزلّ فيه الأقدام، واجعل سعيي فيما يرضيك عنّي يا ذا الجلال والإكرام)

وهكذا كنت في وضوئك ـ سيدي ـ ممتلئا عبودية وإخباتا وخشوعا.

وهكذا حالك إذا ذهبت إلى الصلاة، وقد وصفها صاحبك الصادق عديّ بن حاتم الطائي، فقال: دخلت على عليّ فوجدته قائما يصلّي متغيّرا لونه، فلم أر مصلّيا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثر ركوعا ولا سجودا منه، فسعيت نحوه، فلمّا سمع بحسّي أشار إليّ بيده، فوقفت حتى صلّى ركعتين أوجزهما، وأكملهما، ثمّ سلّم وسجد سجدة أطالها فقلت في نفسي: نام والله، فرفع رأسه، ثمّ قال: (لا إله إلاّ الله حقّا حقّا، لا إله إلاّ الله إيمانا وتصديقا، لا إله إلاّ الله تعبّدا ورقّا. يا معزّ المؤمنين بسلطانه، يا مذلّ الجبّارين بعظمته، أنت كهفي حين تعييني المذاهب عند حلول النّوائب، فتضيق عليّ الأرض برحبها، أنت خلقتني يا سيّدي رحمة منك لي، ولو لا رحمتك لكنت من الهالكين، وأنت مؤيّدي بالنّصر على أعدائي، ولو لا نصرك لكنت من المغلوبين. يا منشئ البركات من مواضعها، ومرسل الرّحمة من معادنها، ويا من خصّ نفسه بالعزّ والرّفعة، فأولياؤه بعزّه يعتزّون، ويا من وضع له الملوك نير المذلّة على أعناقهم، فهم من سطواته خائفون، أسألك بكبريائك الّتي شققتها من عظمتك، وبعظمتك الّتي استويت بها على عرشك، وعلوت بها في خلقك، فكلّهم خاضع ذليل لعزّتك، صلّ على محمّد وآله، وافعل بي أولى الأمرين بك تباركت يا أرحم الرّاحمين)([14])

وقد روى لنا الرواة الكثير من الأدعية والابتهالات الخاضعة التي كنت تعمر بها صلاتك الخاشعة، منها قولك قبل أن تشرع بتكبيرة الإحرام: (يا محسن قد أتاك المسيء، وقد أمرت المحسن أن يتجاوز عن المسيء، وأنت المحسن وأنا المسيء، فبحقّ محمّد وآل محمّد صلّ على محمّد وآل محمّد، وتجاوز عن قبيح ما تعلم منّي)([15])

ومنها قولك في سجودك: (أناجيك يا سيّدي كما يناجي العبد الذّليل مولاه، وأطلب إليك طلب من يعلم أنّك تعطي، ولا ينقص ممّا عندك شيء، وأستغفرك استغفار من يعلم أنّه لا يغفر الذّنوب إلاّ أنت، وأتوكّل عليك توكّل من يعلم أنّك على كلّ شيء قدير)([16])

وكنت تقول فيه: (اللهمّ إنّي أعوذ بك أن تبتليني ببليّة تدعوني ضرورتها على أن أتلوّث بشيء من معاصيك.. اللهمّ ولا تجعل لي حاجة إلى أحد من شرار خلقك ولئامهم، فإن جعلت لي حاجة إلى أحد من خلقك فاجعلها إلى أحسنهم وجها، وخلقا، وخلقا، وأسخاهم بها نفسا، وأطلقهم بها لسانا، وأسمحهم بها كفّا، وأقلّهم بها عليّ امتنانا)

وكنت تقول فيه: (اللهمّ ارحم ذلّي بين يديك، وتضرّعي إليك، ووحشتي من النّاس، وانسي بك يا كريم، فإنّي عبدك أتقلّب في قبضتك، يا ذا المنّ والفضل والجود والغناء والكرم، ارحم ضعفي وشيبتي من النّار يا كريم)([17])

وكنت تقول في قنوت صلاة الفجر: (اللهمّ إنّا نستعينك، ونستغفرك، ونستهديك، ونؤمن بك، ونتوكّل عليك، ونثني عليك بالخير كلّه، ونخلع ونترك من ينكرك. اللهمّ إيّاك نعبد، ولك نصلّي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إنّ عذابك كان بالكافرين محيطا. اللهمّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت، إنّك تقضي ولا يقضى عليك، إنّه لا يذلّ من واليت، ولا يعزّ من عاديت، تباركت ربّنا وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك. ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربّنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الّذين من قبلنا، ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به، وأعف عنّا، واغفر لنا، وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين)([18])

وكنت تقول عقب صلاة الفجر: (اللهمّ إنّي أسألك يا مدرك الهاربين، ويا ملجأ الخائفين، ويا غياث المستغيثين. اللهمّ إنّي أسألك بمعاقد العزّ من عرشك، ومنتهى الرّحمة من كتابك، وباسمك العظيم الأعظم، الكبير الأكبر، الطّاهر المطهّر، القدّوس المبارك، ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إنّ الله عزيز حكيم، يا الله، يا ربّاه يا مولاه، يا غاية رغبتاه، يا هو، يا من هو، يا من لا يعلم ما هو إلاّ هو، ولا كيف هو إلاّ هو، يا ذا الجلال والإكرام والإفضال والإنعام، يا ذا الملك والملكوت، يا ذا العزّ والكبرياء، والعظمة والجبروت، يا حيّ لا يموت، يا من علا فقهر، يا من ملك فقدر، يا من عبد فشكر، يا من عصي فستر، يا من لا يحيط به الفكر، يا رازق البشر، يا مقدّر القدر، يا محصي قطر المطر، يا دائم الثّبات، يا مخرج النّبات، يا قاضي الحاجات، يا منجح الطّلبات، يا جاعل البركات، يا محيي الأموات، يا رافع الدّرجات، يا راحم العبرات، يا مقيل العثرات، يا كاشف الكربات، يا نور الأرض والسّماوات، يا صاحب كلّ غريب، يا شاهدا لا يغيب، يا مؤنس كلّ وحيد، يا ملجأ كلّ طريد، يا راحم الشّيخ الكبير، يا عصمة الخائف المتسجير، يا مغني البائس الفقير، يا فاكّ العاني الأسير، يا من لا يحتاج إلى التّفسير، يا من هو بكلّ شيء خبير، يا من هو على كلّ شيء قدير، يا عالي المكان، يا شديد الأركان، يا من ليس له ترجمان، يا نعم المستعان، يا قديم الإحسان، يا من هو كلّ يوم في شأن، يا من لا يخلو منه مكان، يا أجود الأجودين، يا أكرم الأكرمين، يا أسمع السّامعين، يا أبصر النّاظرين، يا أسرع الحاسبين، يا وليّ المؤمنين، يا يد الواثقين، يا ظهر اللاّجئين، يا غياث المستغيثين، وجار المستجيرين، يا ربّ الأرباب، يا مسبّب الأسباب، يا مفتّح الأبواب، يا معتق الرّقاب، يا منشئ السّحاب، يا وهّاب، يا توّاب، يا من حيث ما دعي أجاب، يا فالق الإصباح، يا باعث الأرواح، يا من بيده كلّ مفتاح، يا سابغ النّعم، يا دافع النّقم، يا بارئ النّسم، يا جامع الأمم، يا ذا الجود والكرم، يا عماد من لا عماد له، يا سند من لا سند له، يا عزّ من لا عزّ له، يا حرز من لا حرز له، يا غياث من لا غياث له، يا جزيل العطاء، يا جميل الثّناء، يا حليما لا يعجل، يا عليما لا يجهل، يا جوادا لا يبخل، يا قريبا لا يغفل، يا صاحبي في وحدتي، يا عدّتي في شدّتي، يا كهفي حين تعييني المذاهب، وتخذلني الأقارب، ويسلمني كلّ صاحب، يا رجائي في المضيق، يا ركني الشّديد، يا إلهي بالتّحقيق، يا ربّ البيت العتيق، يا شفيق يا رفيق، اكفني ما اطيق وما لا اطيق، وفكّني من حلق الضّيق إلى فرجك القريب، واكفني ما أهمّني وما لا يهمّني من أمر دنياي وآخرتي برحمتك يا أرحم الرّاحمين)([19])

إلى آخر الأدعية الكثيرة التي كنت تعمر بها صلاتك وما بعدها.

دعاء المخبتين:

تلك هي حالك ـ سيدي ـ في الصلاة.. أما حالك في الدعاء والمناجاة والتضرع إلى الله، فهي من أعجب الأحوال.. ولا زلنا إلى اليوم ننهل من بركات أدعيتك، ونمتلئ شوقا لتلك الروح التي كانت ترددها..

فقد كنت ـ سيدي ـ مثلما كنت تدعو إلى الصلاة بلسان حالك ومقالك.. كنت تدعو أيضا إلى الدعاء بلسان حالك ومقالك.

أما لسان مقالك.. فقد كنت ترغب في الدعاء في كل محل، وتقول: (جعل الله في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدّعاء أبواب نعمته، واستمطرت شآبيب رحمته، لا يقنّطنّك إبطاء إجابته، فإنّ العطيّة على قدر النّيّة، وربّما أخّرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السّائل، وأجزل لعطاء الآمل، وربّما سألت الشّيء فلا تؤتاه، وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا، أو صرف عنك لما هو خير لك، فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته. رحب واديك، وعزّ ناديك، ولا ألمّ بك ألم، ولا طاف بك عدم)([20])

وكنت تقول مخاطبا أصحابك ومن بعدهم من مواليك وأحبابك عبر التاريخ: (لا تعجزوا عن الدّعاء، فإنّه لا يهلك مع الدّعاء أحد)([21])

وكنت تقول: (الدّعاء سلاح المؤمن، وعماد الدّين، ونور السّماوات والأرض)([22])

وكنت تقول: (الدّعاء ترس المؤمن، ومتى تكثر قرع الباب يفتح لك)([23])

وكنت تقول: (الدّعاء مفاتيح النّجاح، ومقاليد الفلاح، وخير الدّعاء ما صدر عن صدر نقيّ، وقلب تقيّ، وفي المناجاة سبب النّجاة، وبالإخلاص يكون الخلاص، فإذا اشتدّ الفزع فإلى الله المفزع)([24])

وكنت تقول: (ما كان الله ليفتح باب الدّعاء ويغلق عليه باب الإجابة)([25]) (من اعطي الدّعاء لم يحرم الإجابة)

وكنت تذكر لهم من وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لك قوله: (يا عليّ! أوصيك بالدّعاء ؛ فإنّ معه الإجابة، وبالشّكر ؛ فإنّ معه المزيد، وأنهاك عن أن تخفر عهدا وتعين عليه، وأنهاك عن المكر ؛ فإنّه لا يحيق المكر السّيّئ إلاّ بأهله، وأنهاك عن البغي، فإنّه من بغي عليه لينصرنّه الله)([26])

وكنت تعلمهم بالأوقات التي يستجاب فيها الدعاء، ليحرصوا عليها، وتقول: (اغتنموا الدّعاء عند أربع: عند قراءة القرآن، وعند الأذان، وعند نزول الغيث، وعند التقاء الصّفّين للشّهادة)([27])

وكنت تعلمهم آداب الدعاء، وتدربهم عليها.. ومن ذلك تعليمهم وتعليمنا معهم الثناء على الله قبل الدعاء، فقد روي عنك أنك كنت تقول: (إنّ المدحة قبل المسألة، فإذا دعوت الله عزّ وجلّ فمجّده)، فقيل لك: كيف يمجّد؟ فقلت: (تقول: يا من هو أقرب إليّ من حبل الوريد! يا فعّالا لما يريد! يا من يحول بين المرء وقلبه! يا من هو بالمنظر الأعلى! يا من هو ليس كمثله شيء)([28])

وكنت تقول: (السّؤال بعد المدح، فامدحوا الله عزّ وجلّ ثمّ اسألوا الحوائج، اثنوا على الله عزّ وجلّ وامدحوه قبل طلب الحوائج)([29])

وكنت تعلمهم وتعلمنا معهم أهمية الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قبل الدعاء، فتقول: (إذا كانت لك إلى الله حاجة فابدأ بمسألة الصّلاة على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ سل حاجتك، فإنّ الله أكرم من أن يسأل حاجتين فيقضي إحداهما ويمنع الاخرى)([30])

وكنت تقول: (كلّ دعاء محجوب عن السّماء حتّى يصلّى على محمّد وآله)([31])

هذه دعواتك سيدي للحرص على الدعاء وآدابه بلسان مقالك.. أما دعواتك له بلسان حالك.. فهي كثيرة جدا.. بل هي مدرسة من المدارس.. فأدعيتك ومناجياتك وتضرعاتك إلى الله تمثل تراثا عرفانيا وإيمانيا كبيرا لكل من يريد أن يسلك سبيلك، ويستن بسنتك، التي هي سنة حبيبك صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن تلك الأدعية قولك: (إلهي! درست الآمال، وتغيّرت الأحوال، وكذبت الألسن، واخلفت العدة إلاّ عدتك، فإنّك وعدت مغفرة وفضلا.. اللهمّ صلّ على محمّد وآله وأعطني من فضلك، وأعذني من الشّيطان الرّجيم. سبحانك وبحمدك ما أعظمك! وأحلمك! وأكرمك! وسع بفضل حلمك تمرّد المستكبرين، واستغرقت نعمتك شكر الشّاكرين، وعظم حلمك عن إحصاء المحصين، وجلّ طولك عن وصف الواصفين، كيف ـ لو لا فضلك ـ حلمت عمّن خلقته من نطفة ولم يك شيئا، فربّيته بطيّب رزقك، وأنشأته في تواتر نعمك، ومكّنت له في مهاد أرضك، ودعوته إلى طاعتك، فاستنجد على عصيانك بإحسانك، وجحدك وعبد غيرك في سلطانك؟… كيف ـ لو لا حلمك ـ أمهلتني، وقد شملتني بسترك، وأكرمتني بمعرفتك، وأطلقت لساني بشكرك، وهديتني السّبيل إلى طاعتك، وسهّلتني المسلك إلى كرامتك، وأحضرتني سبيل قربتك، فكان جزاؤك منّي أن كافأتك عن الإحسان بالإساءة، حريصا على ما أسخطك، متنقّلا فيما أستحقّ به المزيد من نقمتك، سريعا إلى ما هو أبعد عن رضاك، مغتبطا بغرّة الأمل، معرضا عن زواجر الأجل، لم ينفعني حلمك عنّي، وقد أتاني توعّدك بأخذ القوّة منّي، حتّى دعوتك على عظيم الخطيئة، أستزيدك في نعمك غير متأهّب لما قد أشرفت عليه من نقمتك، مستبطئا لمزيدك، ومتسخّطا لميسور رزقك، مقتضيا جوائزك بعمل الفجّار، كالمراصد رحمتك بعمل الأبرار، مجتهدا أتمنّى عليك العظائم كالمدلّ الآمن من قصاص الجرائم، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون) ([32])

وفيه قلت متضرعا: (مصيبة عظم رزؤها، وجلّ عقابها، بل كيف ـ لو لا أملي، ووعدك الصّفح عن زللي ـ أرجو إقالتك، وقد جاهرتك بالكبائر، مستخفيا عن أصاغر خلقك؟ فلا أنا راقبتك وأنت معي، ولا راعيت حرمة سترك عليّ. بأيّ وجه ألقاك؟ وبأيّ لسان اناجيك؟ وقد نقضت العهود والأيمان بعد توكيدها، وجعلتك عليّ كفيلا، ثمّ دعوتك مقتحما في الخطيئة فأجبتني، ودعوتني وإليك فقري؟ فوا سوأتاه وقبح صنيعاه! سبحانك أيّة جرأة تجرّأت، وأيّ تغرير غرّرت نفسي؟ سبحانك! فبك أتقرّب إليك، وبحقّك أقسم عليك، ومنك أهرب إليك، بنفسي استخففت عند معصيتي لا بنفسك، وبجهلي اغتررت لا بحلمك، وحقّي أضعت لا عظيم حقّك، ونفسي ظلمت، ولرحمتك الآن رجوت، وبك آمنت، وعليك توكّلت، وإليك أنبت وتضرّعت، فارحم إليك فقري وفاقتي، وكبوتي لحرّ وجهي وحيرتي في سوأة ذنوبي، إنّك أرحم الرّاحمين)

ثم رحت تقول: (يا أسمع مدعوّ! وخير مرجوّ! وأحلم مغض! وأقرب مستغاث! أدعوك مستغيثا بك، استغاثة المتحيّر المستيئس من إغاثة خلقك، فعد بلطفك على ضعفي، واغفر لي بسعة رحمتك كبائر ذنوبي، وهب لي عاجل صنعك، إنّك أوسع الواهبين، لا إله إلاّ أنت، سبحانك إنّي كنت من الظّالمين، يا الله يا أحد، يا الله يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. اللهمّ! أعيتني المطالب، وضاقت عليّ المذاهب، وأقصاني الأباعد، وملّني الأقارب، وأنت الرّجاء إذا انقطع الرّجاء، والمستعان إذا عظم البلاء، واللّجاء في الشّدّة والرّخاء، فنفّس كربة نفس إذا ذكّرها القنوط مساوئها أيست من رحمتك، ولا تؤيسني من رحمتك يا أرحم الرّاحمين)

ومن أدعيتك ـ سيدي ـ التي لا تزال تردد قولك: (اللهمّ إنّي أسألك سؤال وجل من عقابك، حذر من نقمتك، فزع إليك منك، لم يجد لفاقته مجيرا غيرك، ولا لخوفه أمنا غير فنائك وتطوّلك.. سيّدي ومولاي! على طول معصيتي لك أقصدني إليك، وإن كانت سبقتني الذّنوب، وحالت بيني وبينك ؛ لأنّك عماد المعتمد، ورصد المرتصد، لا تنقصك المواهب، ولا تغيظك المطالب، فلك المنن العظام، والنّعم الجسام.. يا من لا تنقص خزائنه، ولا يبيد ملكه، ولا تراه العيون، ولا تعزب منه حركة ولا سكون، لم تزل سيّدي ولا تزال، لا يتوارى عنك متوار في كنين أرض ولا سماء ولا تخوم، تكفّلت بالأرزاق يا رزّاق، وتقدّست عن أن تتناولك الصّفات، وتعزّزت عن أن تحيط بك تصاريف اللّغات، ولم تكن مستحدثا فتوجد متنقّلا عن حالة إلى حالة، بل أنت الفرد الأوّل والآخر، وذو العزّ القاهر، جزيل العطاء، سابغ النّعماء، أحقّ من تجاوز وعفا عمّن ظلم وأساء بكلّ لسان.. إلهي إليك أتهجّد، وفي الشّدائد عليك يعتمد، فلك الحمد والمجد لأنّك المالك الأبد، والرّبّ السّرمد، أتقنت إنشاء البرايا فأحكمتها بلطف التّدبير والتّقدير، وتعاليت في ارتفاع شأنك عن أن ينفذ فيك حكم التّغيير، أو يحتال منك بحال يصفك به الملحد إلى تبديل، أو يوجد في الزّيادة والنّقصان مساغ في اختلاف التّحويل، أو تلتثق سحائب الإحاطة بك في بحور همم الأحلام، أو تمتثل لك منها جبلّة تضلّ فيها رويّات الأوهام، فلك الحمد مولاي! انقاد الخلق مستخذئين بإقرار الرّبوبيّة، ومعترفين خاضعين لك بالعبوديّة)([33])

إلى آخر الدعاء الممتلئ بتعظيم الله والعبودية له، والذي ختمته بقولك: (اللهمّ اجعل خير أيّامي يوم ألقاك، واغفر لي خطاياي فقد أوحشتني، وتجاوز عن ذنوبي فقد أوبقتني، فإنّك مجيب منيب رقيب قريب قادر غافر قاهر رحيم كريم قيّوم، وذلك عليك يسير، وأنت أحسن الخالقين. اللهمّ افترضت عليّ للآباء والأمّهات حقوقا فعظّمتهنّ، وأنت أولى من حطّ الأوزار وخفّفها، وأدّى الحقوق عن عبيده، فاحتملهنّ عنّي إليهما، واغفر لهما كما رجاك كلّ موحّد مع المؤمنين والمؤمنات والإخوان والأخوات، وألحقنا وإيّاهم بالأبرار، وأبح لنا ولهم جنّاتك مع النّجباء الأخيار، إنّك سميع الدّعاء، وصلّى الله على النّبيّ محمّد وعترته الطّيّبين، وسلّم تسليما)

ومن أدعيتك التي لا تزال تردد قولك بعد حمد الله وتعظيمه: (أنت يا ربّ موضع كلّ شكوى، وشاهد كلّ نجوى، وحاضر كلّ ملإ، ومنتهى كلّ حاجة، وفرج كلّ حزين، وغنى كلّ فقير مسكين، وحصن كلّ هارب، وأمان كلّ خائف. حرز الضّعفاء، كنز الفقراء، مفرّج الغمّاء، معين الصّالحين، ذلك الله ربّنا لا إله إلاّ هو، تكفي من عبادك من توكّل عليك، وأنت جار من لاذ بك وتضرّع إليك. عصمة من اعتصم بك من عبادك، ناصر من انتصر بك. تغفر الذّنوب لمن استغفرك، جبّار الجبابرة، عظيم العظماء، كبير الكبراء، سيّد السّادات، مولى الموالي، صريخ المستصرخين، منفّس عن المكروبين، مجيب دعوة المضطرّين، أسمع السّامعين، أبصر النّاظرين، أحكم الحاكمين، أسرع الحاسبين، أرحم الرّاحمين، خير الغافرين، قاضي حوائج المؤمنين، مغيث الصّالحين)([34])

وقد ختمته بقولك: (أنت الله لا إله إلاّ أنت ربّ العالمين، أنت الخالق وأنا المخلوق، وأنت المالك وأنا المملوك، وأنت الرّبّ وأنا العبد، وأنت الرّازق وأنا المرزوق، وأنت المعطي وأنا السّائل، وأنت الجواد وأنا البخيل، وأنت القويّ وأنا الضّعيف، وأنت العزيز وأنا الذّليل، وأنت الغنيّ وأنا الفقير، وأنت السيّد وأنا العبد، وأنت الغافر وأنا المسيء، وأنت العالم وأنا الجاهل، وأنت الحليم وأنا العجول، وأنت الرّاحم وأنا المرحوم، وأنت المعافي وأنا المبتلى، وأنت المجيب وأنا المضطرّ، وأنا أشهد بأنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت الواحد الفرد وإليك المصير، وصلّى الله على محمّد وأهل بيته الطّيّبين الطّاهرين)

ومن أدعيتك التي لا تزال تردد قولك: (اللهمّ أنت ربّي وأنا عبدك، آمنت بك مخلصا لك على عهدك ووعدك ما استطعت، وأتوب إليك من سوء عملي، وأستغفرك للذّنوب الّتي لا يغفرها غيرك، أصبح ذلّي مستجيرا بعزّتك، وأصبح فقري مستجيرا بغناك، وأصبح جهلي مستجيرا بحلمك، وأصبحت قلّة حيلتي مستجيرة بقدرتك، وأصبح خوفي مستجيرا بأمانك، وأصبح دائي مستجيرا بدوائك، وأصبح سقمي مستجيرا بشفائك، وأصبح حيني مستجيرا بقضائك، وأصبح ضعفي مستجيرا بقوّتك، وأصبح ذنبي مستجيرا بمغفرتك، وأصبح وجهي الفاني البالي مستجيرا بوجهك الباقي الدّائم الّذي لا يبلى ولا يفنى)([35])

ومن أدعيتك التي لا تزال تردد قولك: (اللهمّ يا من برحمته يستغيث المذنبون، ويا من إلى إحسانه يفزع المضطرّون، ويا من لخيفته ينتحب الخاطئون، يا انس كلّ مستوحش غريب، يا فرج كلّ مكروب حريب، يا عون كلّ مخذول فريد، يا عاضد كلّ محتاج طريد، أنت الّذي وسعت كلّ شيء رحمة وعلما، وأنت الّذي جعلت لكل مخلوق في نعمتك سهما، وأنت الّذي عفوه أعلى من عقابه، وأنت الّذي رحمته أمام غضبه، وأنت الّذي إعطاؤه أكبر من منعه، وأنت الّذي وسع الخلائق كلّهم بعفوه، وأنت الّذي لا يرغب في غنى من أعطاه، وأنت الّذي لا يفرّط في عقاب من عصاه)([36])

وبعد أن ذكرت سيدك ومولاك وربك، ومجدته وعظمته وحمدته رحت تذكر نفسك، فتقول: (وأنا يا سيّدي عبدك الّذي أمرته بالدّعاء فقال: لبّيك وسعديك، وأنا يا سيّدي عبدك الّذي أوقرت الخطايا ظهره، وأنا الّذي أفنت الذّنوب عمره، وأنا الّذي بجهله عصاك ولم يكن أهلا منه لذلك، فهل أنت يا مولاي راحم من دعاك فأجتهد في الدّعاء، أم أنت غافر لمن بكى لك فأسرع في البكاء، أم أنت متجاوز عمّن عفّر لك وجهه متذلّلا، أم أنت مغن من شكا إليك فقره متوكّلا. اللهمّ فلا تخيّب من لا يجد معطيا غيرك، ولا تخذل من لا يستغني عنك بأحد دونك. اللهمّ لا تعرض عنّي وقد أقبلت عليك، ولا تحرمني وقد رغبت إليك، ولا تجبهني بالرّدّ وقد انتصبت بين يديك، أنت الّذي وصفت نفسك بالرّحمة، وأنت الّذي سمّيت نفسك بالعفوّ فارحمني واعف عنّي، فقد ترى يا سيّدي فيض دموعي من خيفتك، ووجيب قلبي من خشيتك، وانتفاض جوارحي من هيبتك ؛ كلّ ذلك حياء منك بسوء عملي، وخجلا منك لكثرة ذنوبي، قد كلّ لساني عن مناجاتك، وخمد صوتي عن الدّعاء إليك)

وفيه تقول بمنتهى التضرع والخضوع: (سبحانك فما أعجب ما أشهد به على نفسي، وأعدّده من مكنون أمري، وأعجب من ذلك أناتك عنّي، وإبطاؤك عن معاجلتي، وليس ذلك من كرمي عليك، بل تأتّيا منك بي، وتفضّلا منك عليّ لأن أرتدع عن خطيئتي، ولأنّ عفوك أحبّ إليك من عقوبتي، بل أنا يا إلهي أكثر ذنوبا، وأقبح آثارا، وأشنع أفعالا، وأشدّ في الباطل تهوّرا، وأضعف عند طاعتك تيقّظا، وأغفل لوعيدك انتباها من أن احصي لك عيوبي، وأقدر على تعديد ذنوبي، وإنّما أوبّخ بهذا نفسي طمعا في رأفتك الّتي بها إصلاح أمر المذنبين، ورجاء لعصمتك الّتي بها فكاك رقاب الخاطئين. اللهمّ وهذه رقبتي قد أرّقتها الذّنوب فأعتقها بعفوك، وقد أثقلتها الخطايا فخفّف عنها بمنّك. اللهمّ إنّي لو بكيت حتّى تسقط أشفار عينيّ، وانتحبت حتّى ينقطع صوتي، وقمت لك حتّى تنتشر قدماي، وركعت لك حتّى ينجذع صلبي، وسجدت لك حتّى تتفقّأ حدقتاي، وأكلت التّراب طول عمري، وشربت ماء الرّماد آخر دهري، وذكرتك في خلال ذلك حتّى يكلّ لساني، ثمّ لم أرفع طرفي إلى آفاق السّماء استحياء منك، لما استوجبت بذلك محو سيّئة واحدة من سيّئاتي، فإن كنت تغفر لي حين أستوجب مغفرتك، وتعفو عنّي حين أستحقّ عفوك، فإنّ ذلك غير واجب لي بالاستحقاق، ولا أنا أهل له على الاستيجاب ؛ إذ كان جزائي منك من أوّل ما عصيتك النّار، فإن تعذّبني فإنّك غير ظالم)

وقد ختمت هذا الدعاء الشريف بقولك: (إلهي فإن تغمّدتني بسترك فلم تفضحني، وأمهلتني بكرمك فلم تعاجلني، وحلمت عنّي بتفضّلك فلم تغيّر نعمك عليّ، ولم تكدّر معروفك عندي، فارحم طول تضرّعي وشدّة مسكنتي وسوء موقفي. اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، وأنقذني من المعاصي، واستعملني بالطّاعة، وارزقني حسن الإنابة، وطهّرني بالتّوبة، وأيّدني بالعصمة، واستصلحني بالعافية، وارزقني حلاوة المغفرة، واجعلني طليق عفوك، واكتب لي أمانا من سخطك، وبشّرني بذلك في العاجل دون الآجل، بشرى أعرفها، وعرّفني له علامة أتبيّنها إنّ ذلك لا يضيق عليك في وجدك، ولا يتكاءدك في قدرتك، وأنت على كلّ شيء قدير)

ومن أدعيتك التي لا تزال تردد قولك: (إلهي إن حمدتك فبمواهبك، وإن مجّدتك فبمرادك، وإن سألتك فبقوّتك، وإن هلّلتك فبقدرتك، وإن نظرت فإلى رحمتك، وإن عضضت فعلى نعمتك. إلهي إنّه من لم يشغله الولوع بذكرك، ولم يزوه السّفه بقربك، كانت حياته عليه ميتة، وميتته عليه حسرة. إلهي تناهت أبصار النّاظرين إليك بسرائر القلوب، وطالت أسماع السّامعين لك بخفيّات الصّدور، فلم يلق أبصارهم ردّ ما يريدون، وهتكت بينك وبينهم حجب الغفلة فسكنوا في نورك، وتنفّسوا بروحك، فصارت قلوبهم مغارس لمحبّتك، وأبصارهم معاكف لقدرتك، وقرّبت أرواحهم من قدسك، فجالسوا اسمك بوقار المجالسة، وخضوع المخاطبة، فأقبلت إليهم إقبال الشّفيق، وأنصتّ إليهم إنصات الرّفيق، وأجبت لهم إجابات الأحبّاء، وناجيتهم مناجاة الأخلاّء. فابلغ بي المحلّ الّذي إليه وصلوا ولا تترك بيني وبين ملكوت عزّك بابا إلاّ فتحته، ولا حجابا من حجب الغفلة إلاّ هتكته، حتّى تقيم روحي بين ضياء عرشك، وتجعل لها مقاما نصب نورك، إنّك على كلّ شيء قدير)

وفيه تقول: (إلهي ما أوحش طريقا لا يكون رفيقي فيه أملي فيك، وأبعد سفرا لا يكون رجائي منه دليلي منك، خاب من اعتصم بحبل غيرك، وضعف ركن من استند إلى غير ركنك، فيما معلّم مؤمّليه الأمل فيذهب عنهم كآبة الوجل، لا تحرمني صالح العمل، واكلأني كلاءة من فارقته الحيل، فكيف يلحق مؤمّليك ذلّ الفقر وأنت الغنيّ عن مضارّ المذنبين؟ إلهي وإنّ كلّ حلاوة منقطعة، وحلاوة الإيمان تزداد حلاوتها اتّصالا بك. إلهي وإنّ قلبي قد بسط أمله فيك فأذقه من حلاوة بسطك إيّاه البلوغ لما أمّل، إنّك على كلّ شيء قدير. إلهي أسألك مسألة من يعرفك كنه معرفتك من كلّ خير ينبغي للمؤمن أن يسلكه، وأعوذ بك من كلّ شرّ وفتنة أعذت منها أحبّاءك من خلقك، إنّك على كلّ شيء قدير)([37]) إلى آخر الدعاء الممتلئ بالعبودية.

هذا قليل من كثير من الأدعية التي حكاها لنا الرواة عنك، والتي تدل على نفسك الطاهرة، وروحك السامية الممتلئة بالعبودية لله.


([1]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(199)

([2]) نهج البلاغة: الكتاب رقم(47)

([3]) نهج‏ البلاغة، رسائل: 53.

([4])‏ نهج‏ البلاغة، خطب 121.

([5]) نهج‏ البلاغة، خطب 114.

([6]) ‏نهج‏ البلاغة، خطب 83.

([7]) ‏نهج‏ البلاغة، خطب192.

([8]) ‏نهج‏ البلاغة، خطب 192.

([9]) ‏نهج‏ البلاغة، العهد 27 ص 383.

([10]) نهج البلاغة: خطب 217.

([11]) نهج البلاغة: خطبه 182 ص 262.

([12]) نهج البلاغة: حكم 104.

([13]) وسائل الشيعة 1: 292.

([14]) الصحيفة العلوية الثانية: 170.

([15]) الصحيفة العلوية الثانية: 143.

([16]) أمالي الصدوق: 255.

([17]) فقه الرضا: 141.

([18]) الصحيفة العلوية الثانية: 74.

([19]) البلد الأمين: 494 و495.

([20]) ربيع الأبرار 2: 218 ـ 219.

([21]) ربيع الأبرار 2: 208.

([22]) أصول الكافي 2: 468.

([23]) أصول الكافي 2: 468.

([24]) وسائل الشيعة 7: 64.

([25]) وسائل الشيعة 7: 27..

([26]) وسائل الشيعة 7: 27..

([27]) وسائل الشيعة 7: 64.

([28]) وسائل الشيعة 7:  80..

([29]) وسائل الشيعة 7: 83. الخصال 2: 169.

([30]) وسائل الشيعة 7: 97.

([31]) ثواب الأعمال: 85.

([32]) انظر الدعاء بطوله في: مهج الدعوات: 111 ـ 114.

([33]) البلد الأمين: 92 ـ 94.

([34]) البلد الأمين: 380 ـ 381.

([35]) البلد الأمين: 378 ـ 380..

([36]) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 6: 180 ـ 182.

([37]) ربيع الأبرار 2: 253..

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *