الأحزاب الإسلامية.. والحرب على سورية

الأحزاب الإسلامية.. والحرب على سورية

من الأمور التي جعلتني وجعلت الكثير من أمثالي يتقززون من كل شيء يطلق عليه لقب [إسلامي] تلك المواقف اللامسؤولة التي وقفتها الأحزاب الإسلامية من سورية مقارنة بغيرها من الأحزاب الوطنية أو الليبرالية أو العلمانية.

وكمثال على ذلك، الموقف الذي أبدته الأحزاب الإسلامية الجزائرية من الفتنة في سورية والحرب الكونية المسلطة عليها، والذي يتناقض تماما مع مواقف الأحزاب الوطنية، ومن أبرزها الحزب الأكبر في البلاد حزب جبهة التحرير الوطني، والذي وقف مواقف شجاعة ومسؤولة وأخلاقية تدل على سعة أفقه، واستشرافه للمستقبل الذي يراد لجميع البلاد العربية.

بينما وقفت الأحزب الإسلامية موقفا سلبيا من سورية، دل على تهورها، ومراهقتها الفكرية، وغبائها السياسي، حتى أن بعضها في الجزائر خرج مع المعارضة السورية الخائنة لبلادها، يحمل العلم غير الرسمي لسورية، مما أحدث مشكلة كبيرة بينه وبين الجهات الرسمية التي ترتبط مع الحكومة الشرعية في السورية بروابط أخوية وصلات متينة لم تزدها الفتنة إلا تماسكا ووحدة.

وقد هاجم ذلك السلوك اللاقانوني كلا الحزبين الوطنيين في الجزائر، حزب جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي.. وكلاهما من الأحزاب الكبرى التي تحكم البلد، وتمثل أكبر شريحة من الشعب الجزائري.

بل إن وزير الخارجية والتعاون الدولي حينها [رمطان لعمامرة] رد ذلك الموقف ردا شديدا، مؤكدا على موقف الحكومة الجزائرية الداعم للنظام السوري، الذي استعاد حينها (سيادته على مدينة حلب وتخليصها من الإرهابيين)، مطالبًا بالكف عن معارضة توجهات السياسة الخارجية للبلد.

لكن الإسلاميين الذين يفشلون في كل انتخاباتهم لا يزالون يتصورون أنفسهم يمثلون الشعب الجزائري، بل يمثلون المرجعية السياسية الجزائرية، بينما هم لا يفقهون منها شيئا.. بل لا تزيدهم الأيام والتجارب الكثيرة إلا غرقا في أوحال أوهامهم، ولا يزيدهم الشعب الجزائري الذي جربهم وخبرهم إلا كرها ومقتا ونفورا.

لقد نسوا أدوارهم الشنيعة في تحريض الشباب الجزائري على الذهاب إلى أفغانستان، حيث كانوا يخرجونهم من مدرجات الجامعات ليزفوا بهم في جبال كابول وقندهار وغيرها.. ليعودوا إلينا بعدها مدربين لتلك الحركات المسلحة التي نشرت الإرهاب والعنف في الجزائر لأكثر من عشر سنوات.

ولا أزال أذكر خطب بعض زعمائهم الكبار الذي كان خطيبا مفوها، وكان قبل ذلك وبعده رئيسا لأكبر حزب إسلامي.. وكانت خطبه كلها تحريض في ذلك الحين على الجهاد في أفغانستان، وكان الأصل فيه أن يستفيد من تلك التجربة القاسية، ويتوب من ذلك التحريض.. لكن الأيام لم تزده إلا انغلاقا وعمى.. فلذلك راح يمارس نفس الدور في سورية مثلما مارسه في أفغانستان.

بل إن بعضهم ـ وهو رئيس لحزب إسلامي أيضا ـ ذكر أنه (ذهب إلى كابول، والتقى كبار القيادات الأفغانيّة وتمّ الزّجّ به في الخطوط الأماميّة كمدرّب ومحارب شرس نال إعجاب كبار القيادات الأفغانيّة، لأنّه كان ممّن يحسن استعمال [سلاح الأربي جي])

قال ذلك بفخر.. وعندما حلت الحرب بسورية كان من المحرضين عليها، ولولا أنه كان رئيسا لحزب إسلامي لذهب رفقته سلاحه الأربي جي، ليضرب به الجيش السوري، والشعب السوري.

وهكذا كان موقف سائر الأحزاب الإسلامية في سائر البلاد العربية، وفي تونس الجارة والشقية، كان الأمر أفضع وأبشع، فقد أتيح حينها للإسلاميين التسلق للسلطة، مستغلين الغليان الشعبي، وبدل أن يعملوا حينها على ترميم أوضاعهم، وإصلاح أحوالهم راحوا يحشرون أنوفهم في شؤون إخوانهم، فبدل أن يرسلوا طلبة العلم إلى سورية ليستفيدوا من علومها وحضارتها أرسلوا إليها من يحملون الأحزمة الناسفة، وكل أدوات الدمار.

ولم يكتفوا بذلك، بل راحوا يجمعون أمريكا وكل قوى الشر، ليحرضوهم على ضرب سوريا مثلما ضربوا ليبيا..

ولم يكتفوا بذلك، بل راحوا يطردون السفير السوري، ويهينونه، ويتصورون أنهم سيكونون بذلك طليعة وقدوة لسائر الدول في طرد السفراء السوريين، لكن ظنهم خاب، كما يخيب كل مرة.

ثم يزعمون لنا بعد ذلك أن راشد الغنوشي رجل عاقل، وقرأ الفلسفة والحكمة، وأن له أناة وتدبرا.. وأنه لا يمضي في أمر قبل أن يحسب له حسابه.. لكن سورية التي فضحت الجميع فضحته كما فضحت كل الأحزاب التي استعملت اسم الإسلام العظيم لتخدع به العقول، وتملأها بالأوهام الكاذبة.

ولا أزال أذكر في هذا المقام قول الغنوشي وهو في قمة غروره بعد أن استولى حزبه على الحكم، ومثله حزب الإخوان في مصر.. لقد قال حينها ـ يتحدث عن المستقبل: (لا مستقبل أمام نظام الرئيس السوري بشار الأسد.. وسقوط النظام السوري مسألة وقت لأن الخوف غادر الشعوب العربية، ولا يمكن إعادتها للقمقم من جديد)

لكن الأيام عكست قوله.. فبدل أن يرحل الرئيس السوري رحل الرئيس التونسي الذي رشحه الغنوشي.. وبدل أن يسقط النظام السوري، سقط ذلك النظام الهش الذي أسسه الغنوشي، ورفضه الشعب كما رفض الإخوان المسلمين في مصر، وكما رفض جميع الأحزاب الإسلامية في الجزائر.

وكل ذلك لسبب بسيط، وهو أن هؤلاء جميعا يتجارون بالإسلام.. ولا يعرفون من الإسلام إلا اسمه ورسمه أما حقيقته العالية الممتلئة بالسلام والحكم والقيم الحضارية الرفيعة، فلا يفهمها إلا من زهد في السلطة والمال والشهرة وكل شيء.. ولم يضع بين عينيه غير ربه ودينه.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *