إيران.. والقيم الحضارية

إيران.. والقيم الحضارية

لا نريد بالقيم الحضارية هنا ذلك المفهوم الخاطئ الذي يتصوره الكثير، وعلى أساسه يصورون الغرب الآن بأنه وصل إلى قمة الحضارة، حيث يجعلون من هذا المصطلح قاصرا على ذلك الرفاه المادي، أو تلك القيم الممتلئة بالأنانية، والتي تحرص على بعض القيم الإنسانية، مع التطفيف في الموازين عند التعامل معها، كما قال الله تعالى عن أهل الكتاب: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75]

فالقيم التي تحكم الغرب الآن قيم مادية، لا علاقة لها بالحضارة الحقيقية، والدليل على ذلك هو أن هذا الغرب الذي يتصور الكثيرون أنه وصل إلى نهاية التاريخ، وتحققت فيه كل المثل الإنسانية، هو نفسه الغرب الذي استعمر بلاد المستضعفين، وانتهب خيراتها قرونا طويلة، وهو نفسه الذي يحرض الآن المستضعفين بعضهم على بعض، لتبقى له السيادة والسلطة والاستكبار عليهم.. وهو نفسه الغرب الذي ينشر الإباحية والإلحاد وكل الفلسات ذات التوجهات المادية، والتي لا تعطي أي قيمة للأخلاق، ولا للقيم الرفيعة.

ولذلك، لا نريد من القيم الحضارية تلك القيم المادية التي وقع بعض الإسلاميين للأسف أسارى لها، فصاروا يقيسون نجاح أي حكومة أو دولة بمستوى رخائها الاقتصادي، وتقدمها المادي، لا بمستوى القيم الأخلاقية والحضارية الحقيقية التي تحملها.

ولهذا نراهم يشنون الحملة على إيران، ويقيسونها على مثيلاتها من الدول التي باعت ذممها، ولم تبال بالقيم الدينية ولا الأخلاقية، واكتفت ببعض الرخاء الاقتصادي، المصحوب بالتبعية للغرب والفكر الغربي.

وقد أشار إلى هذا المعنى قادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في أحاديثهم الكثيرة التي عبروا فيها عن رؤاهم حول مفهوم الحضارة والقيم المرتبطة بها، ومن ذلك قول الخامنئي: (.. الحضارة، رغم مع كلّ ما فيها ومع كلّ ادّعاءاتها، خرجت مهزومة من ساحة الامتحان من خلال الأعمال التي يمارسها هؤلاء الأمريكيون، من إشعال الحروب والظلم وعدم العدالة والغرور والسلوكيّات غير العاقلة.. ومن أبرز تجارب هذه الحضارة، إشعال الحروب، وتهديد السلام، وقتل الأبرياء، وصرف رساميل طائلة على الحروب تحت مبرّرات لا يمكن الوثوق بها)[1]

ثم يدعو إلى المقارنة بين هذه الحضارة المزيفة التي يزعمها الغرب بقيادة أمريكا مع تلك الحضارة التي أسسها المسلمون؛ فيقول: (قارنوا بين هذه الحضارة الغربية، وبين الحضارة الإسلاميّة عندما فتح المسلمون المناطق الغربيّة في العالم الإسلامي ـ أي مناطق الروم وسوريا اليوم ـ في زمان الخلفاء الراشدين، حيث تعاملوا مع اليهود والمسحيّين بأسلوب جعل الكثيرين منهم يتوجّهون نحو الإسلام، وفي بلدنا إيران استسلم الكثير من الناس من دون مقاومة، لأنّهم شاهدوا مروءة ورحمة ومداراة المسلمين للأعداء، لذلك جاءوا بأنفسهم إلى الإسلام، ويذكر التاريخ أنّه عندما دخل المسلمون بعض البلاد، كان أهلها يردّدون عبارة: إنّنا لم نر يومًا جميلًا في حياتنا كهذا اليوم)[2]

وهكذا نراه يعتبر قمة الحضارة هي ذلك العصر الذي عاش فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، على الرغم من كل ذلك الزهد الذي عاشه مع أصحابه، ولكن القيم الإيمانية كانت هي المتحكمة والسائدة، يقول في ذلك: (في صدر الإسلام، استطاع رسول الإسلام المكرّم وصحابته وخلفاؤه العظام بالاعتماد على الله أن يؤسّسوا حضارةً تاريخيّةً عظيمةً. لقد كانوا أيضًا، في مقابل القوى العظمى في زمانهم، قلّة في الظاهر، لكنّ الإيمان أمدّهم بالقوّة، فاستطاعوا تحقيق عظمة في التاريخ امتدّت قرونًا، لِمَ لا يمكننا نحن ذلك)

وأضاف يقول: (لقد أسّس النبيّ في زمانه وفي مدّة قصيرة ـ في ظرف عشر سنوات ـ بنيان حضارةٍ عظيمة. هنا تتّضح عظمة النبيّ.. وهذه هي قدرة النبوّة، لقد صنع الناس بنحو واستخدمهم بنحو أمكنه أن يصنع بتلك العدّة القليلة ـ حيث كانت دولته بادىء الأمر عبارة عن مدينة واحدة تضمّ، عدّة آلاف من الأفراد، أساسًا بنيت فوقه حضارة عظيمة) [3]

بناء على هذا نحاول في هذا الفصل أن نبين القيم الحضارية الكبرى التي تبنتها إيران في واقعها الحالي، أو في تاريخها الطويل، وهي قيم تنبع من الإسلام بعقائده وأخلاقه ومثله العليا، وقد رأينا من خلال استقراء التاريخ والواقع أنه يمكن تصنيفها إلى أربعة قيم كبرى، هي:

أولا ـ الانفتاح الحضاري: ونريد به ما دعا إليه قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]، وقوله: { فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } [الفرقان: 59]، فالمسلم المتحضر لا ينغلق على نفسه، وإنما يسير في الأرض، وينفتح على جميع الشعوب، ويتناول من جميع موائد علمها وخبرتها مع محافظته على هويته وشخصيته وقيمه.

ثانيا ـ الإبداع الحضاري: ونريد به المساهمة في إنتاج المعرفة وتطويرها وخدمة الإنسانية من خلالها، وهو ما أشارت إليه تلك النصوص المقدسة التي تذكر داود عليه السلام وتليين الحديد له، أو تذكر ذي القرنين وكيف استطاع أن ينقذ المستضعفين بالاختراعات التي اخترعها.

ثالثا ـ تصدير الحضارة: ونريد به المساهمة في خدمة الإنسانية، وعدم الشح عليها بأي معرفة أو علم يمكنه أن يساهم في تطويرها.

رابعا ـ الحوار الحضاري: ونريد به ما نص عليه قوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } [العنكبوت: 46]، فهي ترسم العلاقة بين المسلمين وغيرهم من المسالمين، وهي علاقة مبينة على الحوار لا على الصراع كما تتبناها الرؤية الغربية.

وسنحاول في هذا الفصل بيان مدى تحقق إيران بهذه القيم الأربعة، ومدى مساهمتها في خدمة جميع البلاد الإسلامية، بل غيرها من البلاد من خلالها.

والنتيجة التي خلصنا إليها هي أن إيران في أقل أحوالها مركز كبير من مراكز الإشعاع الحضاري الإسلامي، والذي يريد أن يشطبها من الخارطة الإسلامية، عليه أولا أن يلغي الحضارة الإسلامية، وكل القيم الجميلة التي تحملها، ويلغي معها كل ذلك التراث الفلسفي والعلمي والديني الذي كتبه الإيرانيون، والذي لا يمكن الاستهانة به، بل لا يمكن تصور الحديث عن الحضارة الإسلامية من دون الحديث عنه.

لذلك فإن الجريمة التي يقع فيها أولئك المغرضون الذين يوجهون سهام حربهم إلى إيران، ويعتبرونها مؤامرة على الإسلام، هي كونهم ـ في حقيقة الأمر ـ يوجهون حربهم للإسلام نفسه، لأن إيران في كل تاريخها مثلت الإسلام أحسن تمثيل، وأعطت صورة جميلة عن الحضارة الإسلامية بأرقى مظاهرها.

أولا ـ إيران والانفتاح الحضاري:

نريد بالانفتاح الحضاري الاحتكاك بكل الثقافات والعلوم، والتعرف عليها، والتأثير فيها، والتأثر بها، وعدم الانغلاق على الذات، إما استعلاء على الآخر، أو خوفا منه.

وهو مقدمة لكل إبداع حضاري، ذلك أنه لا يمكن أن تقوم أي حضارة من الحضارات دون الاستناد إلى غيرها، والاستفادة منها، والبناء على مكتسباتها، فالحضارة لا وطن لها.

وعند التأمل في المنتجات الحضارية الإيرانية في العلوم المختلفة نجد أنه كان للانفتاح دوره الكبير في كل تلك الإبداعات الجديدة التي جاء علماء إيران في المجالات المختلفة، والتي سنرى بعضها في المبحث الثاني من هذه الفصل.

وبناء عليه سنقتصر هنا على مجموعة نماذج من القديم والحديث، وكيف انفتحت على الآخر في نفس الوقت الذي حافظت فيه على ذاتها وقيمها وهويتها.

1 ـ المتقدمون من الإيرانيين والانفتاح الحضاري:

من أقدم الأمثلة على ذلك وأحسنها ذلك القتيل المظلوم عبد الله بن المقفع الفيروز آبادي (109 – 145 ه‍) ذلك الكاتب والشاعر والمترجم الكبير، وصاحب تلك الروائع الأدبية والفلسفية التي كان لها تأثيرها الكبير في الثقافة الإسلامية من أمثال [كليلة ودمنة]، و[الأدب الكبير]، و[الأدب الصغير]، وغيرها، والتي استطاع أن ينقل فيها الكثير من التراث الهندي والفارسي، ويصيغه بصياغة مقبولة شرعا وعقلا وذوقا، حتى بدا وكأنها من إبداعه الخاص.

ومنها أبو حامد الغزالي الطوسي (450 هـ – 505 هـ)، والذي عبر عن اهتمامه بكل الثقافات، بل بكل الأديان والمذاهب، ومحاولته التعرف عليها عن كثب، لاستكناه أسرارها، وفهم أغوارها، وقد قال معبرا عن ذلك: (ولم أزل في عنفوان شبابي ـ منذ راهقت البلوغ، قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين ـ أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة، وأتهجّم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنياً إلا وأحب أن أطلع على باطنيته، ولا ظاهرياً إلا وأريد أن أعلم حاصل ظاهريته، ولا فلسفياً إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلماً إلا وأجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفياً إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبداً إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقاً معطلاً إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته)([4])

وعبر عنه في تعامله مع التراث الأجنبي الذي كان يحمل حينها اسم الفلسفة أو علوم الأوائل، حيث وجد في عصره صنفين من التعامل معها.

أما الصنف الأول؛ فيرى الرفض الكلي لتلك الثقافات، وتأليب الرأي العام عليها، وتكفير أو تبديع كل من يبحث أو يخوض فيها، فلم تكن علاقة هذا التيار بتلك الثقافات إلا علاقة الحكم المسبق في معظم الأحيان، ولم يكن نقدها إلا نقدا ظاهريا لا يعتمد البرهان العلمي، ولا الحجة المنطقية، لأن المنطق نفسه من الفلسفة.

وهذا الصنيف يشبه كثيرا التيار السلفي وما شابهه من التيارات في عصرنا، ودولته تشبه دولة طالبان أو دولة داعش المنغلقتين على ذاتهما، والرافضتين للآخر رفضا كليا.

وقد اعتبر الغزالي هذا التيار سببا لانتشار الأفكار المضللة، وهو يسميهم بالصديق الجاهل ([5])، ومن الأمثلة التي ذكرها عنهم إنكارهم كون خسوف القمر عبارة عن انمحاق ضوء القمر بتوسط الأرض بينه وبين الشمس، وأنكروا الهندسة والحساب والمنطق والفلك وغيرها([6])، لأن مصدر ذلك هو الثقافات الأجنبية، مع أنها لا تصادم النصوص الشرعية، يقول الغزالي: (وأعظم ما يفرح به الملحدة أن يصرح ناصر الشرع بأن هذا وأمثاله على خلاف الشرع، فيسهل عليه طريق إبطال الشرع) ([7])، مع أن الشرع لم يتعرض لهذه العلوم نفيا ولا إثباتا، ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الشرعية([8]).

وقد انجر عن هذا المنهج نوع من الشعور بالتصادم بين العقل والدين، فإن تلك القضايا من الوضوح والدقة، وبراهينها من الوضوح والقوة بحيث لا يمكن رفضها؛ ورفض العلماء لها بحجة منافاتها للدين كذب عليه، وخدمة للملحدين والمشككين، وهو ما حصل في أوروبا عندما أنكرت الكنيسة الكثير من الكشوف العلمية التي تتنافى مع موروثاتها اليونانية وغيرها، مما أدى إلى النفور من الكنيسة، والتمكين للإلحاد.

وما ذكره الغزالي عن هذا الصنف وموقفه من العلوم، يشبه تماما موقف السلفيين في عصرنا من الحقائق العلمية الكثيرة، وخصوصا الفلكية منها، بحجة مصادمتها للنصوص المقدسة.

أما الصنف الثاني، فهو على النقيض من الصنف الأول، ويرى القبول الكلي لما ورد في تلك الفلسفات والثقافات، وطرح الدين بسببها، والانخداع بمظاهرها، يقول الغزالي معبرا عن هذا التيار في مقدمة (تهافت الفلاسفة): (أما بعد، فإني رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء قد رفضوا وظائف الإسلام، واستحقروا شعائر الدين، بل خلعوا بالكلية ربقة الدين بفنون من الظنون يتبعون فيها رهطا يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا)([9])

وهو يشبه تماما أولئك الذين يدعون التنوير من الحداثيين وغيرهم، والذين راحوا يتلاعبون بحقائق الدين، ويؤولونها، ويرفضون الكثير منها، بغية الذوبان في الآخر، وتخليص الإسلام من كل خصوصياته وحقائقه وقيمه.

والغزالي ينتقد ذوبان هذا التيار في تلك الثقافات، ويرى أن مصدر ذلك الذوبان لا يرجع إلى تحكيم الموازين العقلية بقدر رجوعه إلى أوهام وخيالات وأسباب النفسية، وهو يعد منها:

  1. إطناب طوائف من متبعيهم في وصف عقولهم ودقة علومهم، وأنهم مع كل ذلك الذكاء منكرون للشرع متنصلون من تكاليفه.
  2. مصادرتهم العامة على مطالبهم المعرفية استدراجا لهم، بحيث أنه إذا ما أوردوا عليهم إشكالا تذرعوا بأن هذه العلوم غامضة، وأنها أعصى العلوم على الأفهام الذكية، ولا يمكن التوصل إلى فهمها إلا بتقديم الرياضيات والمنطق،وهذا كله استدراج نفسي للوصول بهم إلى حالة الانبهار التام المؤدي إلى ا لخضوع الكلي.
  3. الخلط بين العلوم الطبيعية والهندسية والمنطقية مع الآراء الميتافيزيقية، حتى ظن من ينظر في منطقهم فيراه مستحسنا أن سائر علومهم مؤيدة بتلك البراهين.

وكل هذه الأسباب التي ذكرها الغزالي وغيرها لذوبان هذا الفريق في تلك الثقافات لا ترجع إلى براهين عقلية، أو حجج منطقية، وإنما هو حالة من الانبهار الساذج، والتأثر العاطفي الذي لا يحكمه العقل، ولا يستند إلى الحجة.

وبديلا عن ذينك الصنفين يقترح الغزالي صنفا ثالثا، هو وسط بين الصنفين، ويتمثل في التمييز بين المقبول والمرفوض من تلك الثقافات؛ فيقبل ما دل عليه الشرع والعقل، ويرفض ما يرفضانه، وبناء على هذا الأساس قسم الغزالي علوم الفلاسفة إلى ستة أقسام مبينا أن أكثرها يمكن قبوله والاستفادة منه، وأنه لا ضرر منه على الدين.

ومن الأمثلة على ذلك قبوله الرياضيات، وما يتعلق بها من الحساب والهندسة، وعلم هيئة العالم، وحكمها كما يقرر الغزالي أنه (لا يتعلق شيء منها بالأمور الدينية،بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى مجا حدتها بعد فهمها) ([10])، بل إنه يجعلها من الفروض الكفائية ما دام هناك من يحتاج إليها، وهو لا يحذر سوى من استغلالها استغلالا عقديا لا علاقة لها به([11]).

ومن الأمثلة عليها قبوله العلوم المنطقية المتعلقة بالنظر في طرق الأدلة والمقاييس وشروط مقدمات البرهان وكيفية تركيبها، باعتبار أنه لا يتعلق شيء منها بالدين ـ في رأي الغزالي ـ إلا ما حشيت به من أمثلة تتناقض وتتعارض مع الأصول الدينية، ولأجل ذلك ألف الغزالي كتبه المنطقية، كمعيار العلم وغيره، وحشاها بدلا من ذلك بالأمثلة الفقهية.

ومن الأمثلة عليها قبوله العلوم الطبيعية بما تشتمل عليه ذلك الحين من طب وكيمياء وفلك وغيرها، ويرى الغزالي عدم تعرضها للدين، ولذلك لا ينبغي مخالفتهم في شيء منها إلا بما هدى إليه الدليل العلمي، وهو لا يعتب على هذه العلوم إلا في جعلها الطبيعة فاعلة بذاتها، ولذلك يدعو أثناء مطالعة هذه العلوم أن يعلم المطلع عليها (أن الطبيعة مسخرة لله تعالى، ولا تعمل بنفسها، بل هي مستعملة من جهة فاطرها، والشمس والقمر والنجوم والطبائع مسخرات بأمره، لا فعل لشيء منها لذاته) ([12])

ومن الأمثلة عليها قبوله بما سماه [العلوم السياسية]، والتي يبحث فيها الفلاسفة عن الحكم المصلحية المتعلقة بالأمور الدنيوية، ولا يرى الغزالي لذلك أي تعلق بالدين، بل يمكن الاستفادة من أبحاثهم فيها باعتبارها مستمدة ـ كما يرى ـ من كتب الله المنزلة على الأنبياء، ومن الحكم المأثورة عن سلف الأنبياء ([13]).

 وهذا الموقف هو الذي أكسب الغزالي فكرا سياسيا متينا يحتاج إلى مزيد دراسة.

ومن الأمثلة عليها قبوله بالعلوم الأخلاقية، وكلامهم فيها ـ كما يلخصه الغزالي ـ يرجع إلى حصر صفات النفس وأخلاقها وأجناسها وأنواعها وكيفية معالجتها ومجاهدتها، وهو لا يرى ردها باعتبارها لا تناقض الشرع، بل يرى أن كلامهم فيها مأخوذ من كلام الصوفية والمتألهين ([14]) الذين لم يخلو من وجودهم أي عصر من العصور، ولذلك فإن الاستفادة منهم تلق لمزيد من التجارب والفوائد التي لم تمنعنا الشريعة من الأخذ بها ([15]).

بعد هذا التقسيم لا يرى الغزالي حرجا أن يستفيد اللبيب من كل علومهم ما عدا ما عارض الشرع منها، لأن معرفة الحق مطلب كل عاقل، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.

وهو ينكر على من يرد عليهم بمجرد كونهم فلاسفة، ويشبه ذلك بالذي يسمع من النصراني قول: (لا إله إلا الله عيسى رسول الله) فينكره، ويقول: هذا كلام نصراني، ولا يتوقف ريثما يتأمل أن النصراني كافر باعتبار هذا القول أو باعتبار إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ([16]).

وبسبب هذا الفكر المتفتح المنتقي استفاد الغزالي من الفلاسفة، وضمن ذلك كتبه بعد مزجه بالنصوص الشرعية، أو بعد أسلمته، وقد لاقى بسبب ذلك النقد اللاذع من كثير من الطاعنين، كقول ابن العربي المالكي: (إن شيخنا هذا [الغزالي] دخل بطون الفلاسفة ثم أراد أن يخرج فما قدر) ([17])

وقد حصل له ذلك الاعتراض في حياته، فقال مجيبا: (ولقد اعترض على بعض الكلمات في تصانيفنا في أسرار علوم الدين طائفة من الذين لم تستحكم في العلوم سرائرهم، ولم تنفتح إلى أقصى غايات المذاهب بصائرهم، وزعمت أن تلك الكلمات من كلمات الأوائل، مع أن بعضها من مولدات الخواطر، ولا يبعد أن يقع الحافر على الحافر، وبعضها يوجد في الكتب الشرعية، وأكثرها موجود معتاد في كتب الصوفية)([18])

ثم يعقب على ذلك منكرا: (وهب أنها لا توجد إلا في كتبهم، فإذا كان ذلك الكلام معقولا في نفسه مؤيدا بالبرهان، ولم يكن على مخالفة الكتاب والسنة، فلم ينبغي أن يهجر وينكر؟) ([19])

2 ـ المتأخرون من الإيرانيين والانفتاح الحضاري:

لا يمكننا هنا ذكر نماذج المتأخرين واطلاعهم على ثقافة الآخر واستفادتهم منها، فهي من الكثرة بحيث لا يمكن الإحاطة بها، وبناء على هذا سنقتصر على قادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكيف انفتحوا على العالم، وأعطوا صورة مشرفة بذلك الانفتاح في مقابل أولئك المنغلقين الذين حجروا على أنفسهم الاستفادة من تراث الأجانب بحجة أنها علوم كفار.

وأول مظهر من مظاهر ذلك الانفتاح الانفتاح على كل المذاهب الإسلامية، وعدم التقوقع داخل المدرسة أو المذهب، ولهذا نرى قادة الثورة الإسلامية يدعون إلى الوحدة الإسلامية، وإلى التقريب بين المذاهب الإسلامية، وعدم الاستماع لما يقوله الطائفيون في ذلك.

ومن خطابات الخميني في هذا المجال، والتي وجهها إلى الحجيج في موسم الحج باعتباره محلا لاجتماع جميع المسلمين قوله لهم: (أيها الحجّاج المحترمون لقد اجتمع العالم حول بعضه البعض، ويتبادل الآراء في مصالح الإسلام ومشاكل المسلمين، فيجب أن تتخذوا إجراءات ضرورية لحل هذه المشاكل والوصول إلى الأهداف الإسلامية المقدّسة وابحثوا في طرق وسبل الوحدة بين جميع الطوائف والمذاهب الإسلامية، وابحثوا في المسائل السياسية المشتركة بين جميع الطوائف الإسلامية وابحثوا لإيجاد حل للمشاكل التي أوجدها أعداء الإسلام لمسلمي العالم والتي يعتبر أهمها تفرقة صفوف المسلمين)([20])

وهو يستعمل كل أنواع الاستدلالا ليثبت لهم أنه لا حل لخروج المستضعفين من نير المتسكبرين إلا باتحادهم ووحدتهم ونبذهم لكل ما يفرق بينهم، يقول في ذلك: (طريق واحد هو الأساس لكل السبل، ويقتلع جذور هذه المآسي ويقطع دابر الفساد ويعيد وحدة المسلمين بل وحدة جميع المستضعفين وكل المستضعفين والمكبلين بالسلاسل في العالم، هذه الوحدة التي يؤكدها ويكررها الإسلام الشريف والقرآن الكريم، ويجب تحقيقها في الواقع من خلال الدعوة والتبليغ بها بشكل واسع، ومركز هذه الدعوة مكة المعظمة عندما يجتمع المسلمون لأداء فريضة الحج.. يخاطب الله إبراهيم خليل الله ليدعو الناس إلى الحج، ويأتون من جميع الأقطار ليشهدوا منافع لهم ومنافع للمجتمع، منافع سياسية، ومنافع اقتصادية، ومنافع اجتماعية وثقافية، ليأتوا ويروا نبيهم الذي قدم أغلى وأعزّ ثمرة في حياته في سبيل الله.. ويجب على ذرّية آدم كلها أن تتأسى به فلينظروا كيف حطّم الأصنام، وكيف أبعد ورمى جانباً كل ما عدا الله. شمساً كان أم قمراً، هياكل، حيوانات أو بشراً.. يجب على الجميع التأسي بأبي التوحيد، وأبي الأنبياء عظماء الشأن) ([21])

وقال: (ومن جملة الوظائف في هذا الاجتماع العظيم، دعوة الناس والمجتمعات الإسلامية لوحدة الكلمة ورفع الاختلافات بين فئات المسلمين حيث ينبغي على الخطباء والعلماء والمفكرين أن يبادروا إلى هذا الأمر الحياتي ويسعوا في سبيل إيجاد وتشكيل جبهة للمستضعفين حيث إنهم يستطيعون بوحدة الجبهة، ووحدة الكلمة، وشعار لا إله إلا الله أن يتحرّروا من أسر القوى الشيطانية للأجانب والمستعمرين والمستثمرين، ويتغلبوا على المشاكل بوحدتهم وأخوّتهم) ([22])

وقال: (ليسمع الجميع هذه الحقيقة، إن أعداء الإسلام يسعون بكل قوّتهم لإيجاد التفرقة والاختلاف بين المجتمعات الإسلامية ويسعون بأي وسيلة وتحت أي عنوان لإيجاد النزاعات بين المسلمين، والتي بتحقيقها تتهيّأ الأرضية الصالحة لتسلّطهم الكامل من جديد على جميع الدول الإسلامية، ويساعدهم على ذلك هجومهم لنهب الثروات، ومن هذه الجهة يجب الاحتراز عن أي عمل يؤدي إلى التفرقة وهذا تكليف شرعي وإلهي) ([23])

وبناء على هذا أسست في إيران الكليات التي تدرس المذاهب الإسلامية المختلفة، ومن يزور مكتباتها وجامعاتها يتعجب من ذلك التنوع المعرفي الموجود فيها، والذي لا نجده للأسف في مكتبات المدارس السنية.

ومن مظاهر الانفتاح الحضاري لدى قادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية الانفتاح على العالم، وعلى جميع الشعوب، ولعل أكبر من يمثل ذلك الانفتاح الخميني الذي استبدل ذلك الطرح الذي يقسم الإسلاميون على أساسه البشر إلى مسلمين وكفار، ويعتقدون أن الصراع قائم بين الإسلام والكفر، بتقسيم جديد، استمده من القرآن الكريم، وهو المستكبرون والمستضعفون.. ففي المستكبرين مسلمون وغير المسلمين.. وفي المستضعفين كذلك.

يقول الخميني في وصيته: (أوصى وزراء الخارجية في مجال السياسة الخارجية الهادفة لحفظ الاستقلال ومصالح البلاد وإقامة العلاقات الحسنة مع الدول التي ليس في نيّتها التدخل في شؤوننا الداخلية، حاذروا وبكل حزم من أي أمرٍ تشوبه شائبة التبعيّة بكل أبعادها، ولتعلموا بأنّ التبعيّة في بعض الأمور يعرِّض البلاد ـ رغم ظاهرها الخداع أو ما تحققه من منافع مؤقتة ـ إلى كارثة مدمرة.. اسعوا لتحسين علاقاتكم مع الدول الإسلامية وإيقاظ قادتها وكونوا دعاة للوحدة والاتحاد فالله معكم.. ليبادر العلماء الأعلام، والخطباء الموقرون في الدول الإسلامية إلى دعوة الحكومات لتحرير أنفسها من التبعيّة للقوى الأجنبية الكبرى، وليتفقوا مع شعوبهم فإنهم إذا فعلوا عانقوا النصر لا محالة، عليهم أيضاً أن يدعوا الشعوب إلى الوحدة ونبذ العنصرية المخافة لتعاليم الإسلام، ومد يد الاخوة إلى إخوانهم في الإيمان في أي بلد كانوا ومن أي عنصر فإن الإسلام يعدّ الجميع اخوة، ولو أن هذه الاخوة تحققت يوماً ما بهمة الحكومات والشعوب وبتأييد الله العلي، فسيظهر للعيان كيف أن المسلمين يشكلون أكبر قوة في العالم)([24])

وهكذا نرى الخامنئي يسير على نفس الدرب في تقسيم العالم، يقول في ذلك: (إنكم لو نظرتم الآن إلى المشهد الجغرافي لهذا العالم في تقسيماته وممارساته السياسية، لوجدتم على ماذا يستند أولئك الذين يتصوَّرون امتلاكهم لكل شيء على هذه الأرض، والذين ينظرون باحتقار لكل الشعوب ويسيطرون ظلماً وعدواناً على المصادر البشرية والمادية، وهم قوى الاستكبار، فعلى ماذا يعتمد هؤلاء؟ إن أهم ما يعوّلون عليه هو الإيحاء للشعوب بأن قوتهم قوة لا منازع لها) ([25])

وهذا المظهر من مظاهر الانفتاح ليس قاصرا على السياسة وحدها، بل إنه يتجاوزها إلى الانفتاح الثقافي والفكري وفي المجالات المختلفة.

ونحب أن نذكر هنا نموذجا عن ذلك من كلمات قائد الثورة الإسلامية الحالي نفسه، وكيف ينفتح على الثقافات بأنواعها المختلفة، ولعل أكبر دليل على ذلك ترجمته لبعض كتب سيد قطب وثناؤه العريض عليها، ومنها ترجمته لتفسير في ظلال القرآن لسيّد قطب، وكتابه المستقبل لهذا الدين، وغيرها.

وهو يدعو شعبه كل حين إلى مطالعة كل المعارف، والاستفادة منها جميعا، يقول في ذلك: (إنّ الكتاب هو نافذة على العالم الواسع للعلم والمعرفة، والكتاب الجيّد، هو أحد أفضل وسائل الكمال البشري.. فالشخص الّذي ليس لديه ارتباط بهذا العالم الجميل والمحيي، (عالم الكتاب)، هو بلا شكّ محرومٌ من أهمّ النتاجات الإنسانية وأيضاً من أكثر المعارف الإلهية والبشرية. إنّها لخسارة عظيمة للأمّة الّتي لا شأن لأبنائها بالكتاب، وإنّه لتوفيقٌ عظيمٌ للإنسان أن يأنس بالكتاب، وأن يكون في حالة استفادة دائمة منه، فيتعلّم أشياء جديدة)([26])

ويتحدث عن نفسه، وعن مدى تأثير الكتاب فيه، فيقول: (الكتاب الّذي أقرأه يؤثّر في نفسي، أي أنّه ينفذ إلى أعماق وجودي، فجزءٌ من انعكاساته يظهر بالتأثّر، لكن هناك جزءً آخر ناتج عن ارتباطي بالناس، وعن كون قضايا الناس ونبض التحرّك العامّ للمجتمع في يدي، ولست بغافلٍ عن هذه الأمور.. أريد أن أقول لكم: إنّ كتابكم هذا، ومقالتكم هذه، وهذا الفيلم، وهذا الشعر، كلّها مؤثّرة جدّاً. لماذا يشتبه علينا الأمر عند تقييم نتاجاتنا ونتصوّر أنّ هذا العمل قليل الأثر؟)([27])

وهو يدعو إلى البحث في تاريخ كل الشعوب، وأخذ العبر منها، يقول في ذلك: (أعزّائي! بعض منكم مطّلع على التاريخ جيّداً. أنا أيضاً مطّلع على التاريخ. لقد قرأت مراراً صفحات تاريخ السنوات السبعين والثمانين سنةً الماضية وما قبلها، سطراً سطراً. وأنا ـ العبد الفقير ـ لي في باب شبه القارّة الهندية مطالعات مطوّلة، وقد ألّفت كتاباً في هذا المجال أيضاً)([28])

بل إنه يدعو شعبه إلى مطالعة الكتب الأدب، وكتب الرواية، ويذكر عن نفسه مدى اهتمامه بها، يقول في ذلك: (ليس لي في مقولات السينما والفنون التصويرية وأمثالها مثل هذه الخبرة، هنا أكون مستمعاً عاديّاً. لكن في الشعر والرواية، لست إنساناً عاديّاً، لقد قرأت الكثير من هذه الآثار الموجودة. إذا ألقيتم نظرةً على الأدب الروسي، ستُفاجؤون أنّ هناك ستاراً موصولاً من الوسط، أي أنّ هناك سوراً، وعلى طرفي السور هذا، توجد أعمال عظيمة مرتبطة بالطرفين. لكن عندما تنظرون مثلاً في أعمال شولوخوف([29]) أو ألكسي تولستوي([30]) تجدون لها مذاقاً آخر.. ألكسي تولستوي هذا، كاتب قويّ جدّاً، وله روايات كثيرة، وهو من كتّاب الثورة الروسية، وتجدون مذاق العهد الجديد في كتاباته.. بينما ترون في كتاب [الحرب والسلم] لتولستوي([31]) الآثار القومية الروسية، لكنّكم لا ترون آثار فترة الستين سنةً الأخيرة، فتلك حقبة أخرى وآثار أخرى ومرتبطة أساساً بمكان آخر)([32])

وهو يذكر عن نفسه مطالعاته الكثيرة في المجال الأدبي، فيقول: (نتيجة كثرة اشتغالي بالروايات المتنوّعة، يمكن أن أبدي رأيي. لعلّني قرأت على امتداد هذه السنوات الثلاثين أو الأربعين من عمري، الّتي اهتممت فيها بالكتب الروائية، آلاف القصص لأهمّ الكتّاب في العالم.. إنّ أفضل القصص هي الّتي يتكامل فيها المضمون هي تلك القصص المحقّقة لكلّ هذه الشروط، ولكنّها غير مباشرة، أمّا لو سلّطتم الضوء في القصّة على مسألة ما، وعُلم كيف ستتّجه القصّة فيما بعد، فالقصّة عندها سوف تفشل)([33])

وهو ـ مثلما ذكرنا عن ابن المقفع والغزالي ـ يدعو إلى غربلة ما يترجم من كتب الآخر، أو يصاغ صياغة جديدة تحفظ الدين والأخلاق، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره عن نفسه، فقال: (جاءني يوماً أحد المترجمين المشهورين والمحمودين، والّذي في الواقع ليس لدينا أيّ مشكلة معه، فهو شخص محترم ولائق، مع جماعة من الناس. وكنت قد قرأت الرواية الّتي ترجمها والمؤلّفة من أربعة مجلّدات.. الظاهر أنّه تعجّب من كوني قد قرأت روايةً مؤلّفةً من أربعة مجلّدات، تُرجمت عن اللغة الفرنسية، كانت هناك مسألتان سيّئتان في ذلك الكتاب. الأولى، أنّ المجلّد الأوّل كان يحتوي على مشاهد شهوانية لحبّ عبثي، قد فُصّلت تفصيلاً دقيقاً من قبل الكاتب، من دون أن تكون الأحداث الرئيسة للرواية بحاجة إليها، وكان يمكن للمترجم أن يحذف الكثير منها، فالمترجم لم يتعهّد بذكر كلّ مطلب كتبه المؤلّف بعينه، ويمكنه أن يقول إنّنا حذفنا هنا عشر صفحات أو خمسة أسطر لكونها غير مناسبة، فلا مانع من ذلك.. المسألة الثانية، كانت حواراً بين كاهن يؤمن بالدِّين وبين شخص ملحد، بحيث يسعى كلّ طرف من خلال الاستدلال إلى فرض رأيه على الآخر أو عرضه عليه. ويطول الكلام أيضاً، لكن في النهاية ينتصر هذا الملحد! قلت له: إنّ هذه ليست حقيقة، المسألة. أنت نفسك لا تعتقد أنّ الإلحاد صحيح، فما الداعي لك لأن تنصر هذا الملحد؟ ذلك الفصل الأخير الّذي هو كلام الملحد، عبارة عن صفحة واحدة، لو كنت حذفته، فلا ضير في ذلك)([34])

وبناء على هذا نرى كيف تقوم وزارة الإعلام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية في التعامل مع الأفلام الأجنبية التي خصصت بعض المحطات لها، إرضاء لبعض شعبها، فهي لم تتركها كما هي، وإنما تقوم بحذف كل المشاهد المنافية للأخلاق والقيم الدينية.

والخامنئي من خلال مطالعاته الكثيرة يشير كثيرا على الإعلاميين والفنانين بما يحتاجه الواقع الإيراني من إبداعات فنية، ومن الأمثلة على ذلك قوله: (قبل عدّة سنوات قلت لبعض الأصدقاء، لماذا لا تنتجون أفلاماً عن معوّقي الحرب؟.. كنتُ قد قرأتُ كتاباً أُلّف عن جريح معوّق روسي، وسمعتُ بعدها أنّ فيلماً أُنتج عن ذلك الكتاب.. لقد طبع الروس أنفسهم هذا الكتاب ووزّعوه. وكان هذا أيضاً من كتبهم الدعائية. وقع هذا الكتاب بين يديّ في بدايات الثورة، واسمه [قصّة إنسان واقعيّة] تحكي قصّة طيّار تسقط طائرته فتُقطع رجله. رأيت أنّ كلّ طيّار أو كلّ جريح قُطعت رجله أو فقد بصره، لو قرأ هذا الكتاب، سوف يشعر بالاطمئنان والرّضا. ونحن الّذين لدينا كلّ هؤلاء الجرحى المعوّقين، لماذا لا نكتب مثل هكذا كتاب؟ ولا ننتج هكذا فيلم؟ فهذا من نقائصنا)([35])

والخامنئي مع عدائه الشديد لأمريكا، واعتبارها الشيطان الأكبر إلا أنه لا يمنع من مطالعة إنتاجها العلمي أو الثقافي، بل هو يدعو إلى ذلك، ويذكر عن نفسه أنه يفعل ذلك، ومن الأمثلة على ذلك قوله: (إذا تسنّت لكم الفرصة لقراءة بعض الكتب الّتي كُتبت عن الوضع الاجتماعي في أمريكا، سوف تلتفتون إلى هذه المسألة.. لقد قرأتُ كتباً عديدة في هذا المجال، لا أعلم إن كنتم قد قرأتموها أيضاً أم لا.. على سبيل المثال، قرأتُ في مجال القضايا الانتخابية، كتاباً للكاتب الأمريكي هاورد فاست([36])، المعروف نسبياً بميوله اليسارية. ولهذا الكاتب كتبٌ أخرى أيضاً.. بالطبع هو كاتب روائي. كتابه يتناول سيرة طفل تهاجر عائلته في بدايات القرن العشرين من إحدى الدول الأوروبية إلى أمريكا. ويولد هذا الطفل في أمريكا، حيث يصبح مواطناً أمريكياً وفق القوانين. بعدها، يصبح محامياً، ومن ثمّ يترشّح للانتخابات. لقد فُصّل في ذلك الكتاب الوضع الانتخابي في أمريكا. التفتوا، هذا الأمر مرتبط بأوائل ذاك القرن، بالعشرينات والثلاثينات، بعد ذلك، ساء الوضع بدرجات، وذلك باعتراف كلّ من لديه خبرة في هذا المجال وكتب حول هذا الموضوع.. في الواقع، إنّ من يعيّن المرشّحين هو المال والقوّة الدعائية للشركات الكبرى المسيطرة على أمور البلد كافّة)([37])

هذه نماذج عن مدى انفتاح الإيرانيين على العالم، وهي نماذج كافية، وتمثل الإسلام الأصيل في مقابل أولئك الذين ينغلقون على أنفسهم انغلاقا تاما، أو أولئك الذين يذوبون في الآخر، ويتخلون عن شخصيتهم في سبيل ذلك.

ثانيا ـ إيران.. والإبداع الحضاري:

عرفنا في الفصول السابقة الكثير من مظاهر الإبداع الذي قام به الإيرانيون في التعامل مع العلوم الإسلامية ابتكارا وتطويرا، وهو مظهر من مظاهر الحضارة التي يسرت للمسلمين التعامل مع مصادرهم وعقائدهم وشرائعهم، وذلك عبر العروض المختلفة لها، والبراهين الكثيرة الدالة عليها.

وقد أشار إلى هذه الناحية كل من أرخ للعلوم العربية والإسلامية في القديم والحديث؛ وكلهم يذكر ما قاله ابن خلدون في تفسير ذلك، حيث قال في مقدمته في فصل بعنوان [فصل في أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم]: (من الغريب الواقع أنّ حملة العلم في الملّة الإسلاميّة أكثرهم العجم لا من العلوم الشّرعيّة ولا من العلوم العقليّة إلّا في القليل النّادر، وإن كان منهم العربيّ في نسبته فهو أعجميّ في لغته ومرباه ومشيخته مع أنّ الملّة عربيّة وصاحب شريعتها عربيّ)([38])

ثم حاول أن يعتمد على نظريته في الحضارة لبيان سبب ذلك؛ فقال: (والسّبب في ذلك أنّ الملّة في أوّلها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السّذاجة والبداوة، وإنّما أحكام الشّريعة الّتي هي أوامر الله ونواهيه كان الرّجال ينقلونها في صدورهم، وقد عرفوا مأخذها من الكتاب والسّنّة بما تلقّوه من صاحب الشّرع وأصحابه. والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التّعليم والتّأليف والتّدوين ولا دفعوا إليه ولا دعتهم إليه حاجة. وجرى الأمر على ذلك زمن الصّحابة والتّابعين وكانوا يسمّون المختصّين بحمل ذلك. ونقله إلى القرّاء أي الّذين يقرؤون الكتاب وليسوا أمّيّين لأنّ الأمّيّة يومئذ صفة عامّة في الصّحابة بما كانوا عربا فقيل لحملة القرآن يومئذ قرّاء إشارة إلى هذا. فهم قرّاء لكتاب الله والسّنّة المأثورة عن الله لأنّهم لم يعرفوا الأحكام الشّرعيّة إلّا منه ومن الحديث الّذي هو في غالب موارده تفسير له وشرح)([39])

وهكذا بعد انتهاء العصر الأول، ودخول الكثير من أهل البلاد المفتوحة إلى الإسلام، بدأ الدور لهم في التعامل مع تلك الروايات جمعا وتصنيفا وتحليلا وتحقيقا، يقول ابن خلدون: (فلمّا بعد النّقل من لدن دولة الرّشيد فما بعد احتيج إلى وضع التّفاسير القرآنيّة وتقييد الحديث مخافة ضياعه، ثمّ احتيج إلى معرفة الأسانيد وتعديل النّاقلين للتّمييز بين الصّحيح من الأسانيد وما دونه ثمّ كثر استخراج أحكام الواقعات من الكتاب والسّنّة وفسد مع ذلك اللّسان فاحتيج إلى وضع القوانين النّحويّة وصارت العلوم الشّرعيّة كلّها ملكات في الاستنباطات والاستخراج والتّنظير والقياس واحتاجت إلى علوم أخرى وهي الوسائل لها من معرفة قوانين العربيّة وقوانين ذلك الاستنباط والقياس والذّبّ عن العقائد الإيمانيّة بالأدلّة لكثرة البدع والإلحاد فصارت هذه العلوم كلّها علوما ذات ملكات محتاجة إلى التّعليم فاندرجت في جملة الصّنائع، وقد كنّا قدّمنا أنّ الصّنائع من منتحل الحضر وأنّ العرب أبعد النّاس عنها فصارت العلوم لذلك حضريّة وبعد عنها العرب وعن سوقها)([40])

 ثم فسر مراده من العجم، وكون الإيرانيين أول المرادين باعتبار أنهم أول الشعوب غير العربية تحضرا دخلت في الإسلام، فقال: (والحضر لذلك العهد هم العجم أو من هم في معناهم من الموالي وأهل الحواضر الّذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من الصّنائع والحرف لأنّهم أقوم على ذلك للحضارة الرّاسخة فيهم منذ دولة الفرس فكان صاحب صناعة النّحو سيبويه والفارسيّ من بعده والزّجّاج من بعدهما وكلّهم عجم في أنسابهم. وإنّما ربّوا في اللّسان العربيّ فاكتسبوه بالمربى ومخالطة العرب وصيّروه قوانين وفنّا لمن بعدهم، وكذا حملة الحديث الّذين حفظوه عن أهل الإسلام أكثرهم عجم أو مستعجمون باللّغة والمربى لاتّساع الفنّ بالعراق، وكان علماء أصول الفقه كلّهم عجما كما يعرف، وكذا حملة علم الكلام وكذا أكثر المفسّرين، ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلّا الأعاجم. وظهر مصداق قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو تعلّق العلم بأكناف السّماء لناله قوم من أهل فارس)([41])

ومع احترامنا لرأي ابن خلدون، ولكنا لا نتفق معه فيه، فالعرب كغيرهم من الأجناس كان يمكنهم بالتعلم ومخالطة المتحضرين أن تتحقق فيهم القدرة على ما ذكره من صناعة، وكان يمكن أن يبدعوا في ذلك لو أرادوا، وكما حصل مع الكثير منهم، ولكن السبب الحقيقي في ذلك هو ما ذكره من الحديث الشريف، وهو صدق الفرس في إسلامهم، صدقا جعلهم ينذرون كل حياتهم له.

وأما العرب، فهم مع صدق إسلامهم إلا أن الدنيا التي حذرهم منها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اجتذبتهم، أو كما عبر ابن خلدون نفسه عن ذلك؛ فقال: (وأمّا العرب الّذين أدركوا هذه الحضارة وسوقها وخرجوا إليها عن البداوة فشغلتهم الرّئاسة في الدّولة العبّاسيّة وما دفعوا إليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم، والنظر فيه، فإنّهم كانوا أهل الدّولة وحاميتها وأولي سياستها مع ما يلحقهم من الأنفة عن انتحال العلم حينئذ بما صار من جملة الصّنائع. والرّؤساء أبدا يستنكفون عن الصّنائع والمهن وما يجرّ إليها ودفعوا ذلك إلى من قام به من العجم والمولّدين. وما زالوا يرون لهم حقّ القيام به فإنّه دينهم وعلومهم ولا يحتقرون حملتها كلّ الاحتقار. حتّى إذا خرج الأمر من العرب جملة وصار للعجم صارت العلوم الشّرعيّة غريبة النّسبة عند أهل الملك بما هم عليه من البعد عن نسبتها وأمتهن حملتها بما يرون أنّهم بعداء عنهم مشتغلين بما لا يغني ولا يجدي عنهم في الملك والسّياسة كما ذكرناه في نقل المراتب الدّينيّة. فهذا الّذي قرّرناه هو السّبب في أنّ حملة الشّريعة أو عامّتهم من العجم)([42])

وهكذا الأمر مع العلوم والعقلية والكونية، فهي كما ينص ابن خلدون كان النصيب الأوفر فيها للعجم، يقول في ذلك: (وأمّا العلوم العقليّة أيضا فلم تظهر في الملّة إلّا بعد أن تميّز حملة العلم ومؤلّفوه، واستقرّ العلم كلّه صناعة فاختصّت بالعجم وتركتها العرب وانصرفوا عن انتحالها فلم يحملها إلّا المعرّبون من العجم شأن الصّنائع كما قلناه أوّلا. فلم يزل ذلك في الأمصار الإسلاميّة ما دامت الحضارة في العجم وبلادهم من العراق وخراسان وما وراء النّهر. فلمّا خربت تلك الأمصار وذهبت منها الحضارة الّتي هي سرّ الله في حصول العلم والصّنائع ذهب العلم من العجم جملة لما شملهم من البداوة واختصّ العلم بالأمصار الموفورة الحضارة. ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر فهي أمّ العالم وإيوان الإسلام وينبوع العلم والصّنائع. وبقي بعض الحضارة في ما وراء النّهر لما هناك من الحضارة بالدّولة الّتي فيها فلهم بذلك حصّة من العلوم والصّنائع لا تنكر. وقد دلّنا على ذلك كلام بعض علمائهم من تآليف وصلت إلينا إلى هذه البلاد وهو سعد الدّين التّفتازانيّ. وأمّا غيره من العجم فلم نر لهم من بعد الإمام ابن الخطيب ونصير الدّين الطّوسيّ كلاما يعوّل على نهايته في الإصابة) ([43])

بناء على هذا التصريح من ابن خلدون، ومثله الكثير من الباحثين في تاريخ العلوم، نحاول في هذا المبحث التعرف على بعض أدوار الإيرانيين وإبداعاتهم في مجالات المعرفة المختلفة، وخصوصا العقلية والكونية واللغوية والأدبية، وذلك من خلال العناوين التالية:

1 ـ الإيرانيون والإبداع في العلوم اللغوية والأدبية:

من أكبر الأدلة على نفي ما يذكره المغرضون عن إيران وحقدها على العربية اهتمام الإيرانيين منذ دخلوا الإسلام باللغة العربية، وكتابتهم بها، واعتمادهم في كتابة الفارسية على الحرف العربي، على الرغم من كونهم كانوا ذوي حضارة قديمة، وكان لهم خطهم الخاص، وفوق ذلك كله خدماتهم الكثيرة التي قدموها لعلوم اللغة العربية، حتى أنهم كانوا المؤسسين لأكثرها.

فأكبر علماء النحو وإمامهم، وأول من بسط علم النحو، ووضع دستوره الذي لا نزال نستعمله في مدارسنا وجامعاتنا أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الملقب بسيبويه ([44]) (148 هـ – 180 هـ)، وهو من أسرة فارسية، ولد بقرية البيضاء بشيراز، وبها قبره، وهو صاحب أشهر كتاب في النحو [الكتاب]

وقد اعترف بفضله على علم النحو كل من أرخ له، قال عنه ابن عائشة: (كنا نجلس مع سيبويه النحوي في المسجد، وكان شابًا جميلاً نظيفًا، قد تعلق من كل علم بسببٍ، وضرب في كل أدب بسهمٍ، مع حداثة سنِّه وبراعته في النحو)([45])

وقال الذهبي: (إمام النحو، حجة العرب، الفارسي، ثم البصري. قد طلب الفقه والحديث مدة، ثم أقبل على العربية، فبرع وساد أهل العصر، وألف فيها كتابه الكبير الذي لا يدرك شأوه فيه. قيل فيه مع فرط ذكائه حبسة في عبارته، وانطلاق في قلمه)([46])

وقال المبرد: (لم يُعمل كتاب في علم من العلوم مثل كتاب سيبويه؛ وذلك أن الكتب المصنَّفة في العلوم مضطرة إلى غيرها، وكتاب سيبويه لا يحتاج مَنْ فَهِمَه إلى غيره)([47])

وقال الجاحظ في كتابه: (لم يكتب الناس في النحو كتابا مثله وجميع كتب الناس عليه عيال)([48])

وقال صاعد الأندلسي: (لا أعرف كتابًا أُلِّف في علم من العلوم قديمها وحديثها فاشتمل على جميع ذلك العلم، وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب، أحدها: المجسطي لبطليموس في علم هيئة الأفلاك، والثاني: كتاب أرسطوطاليس في علم المنطق، والثالث: كتاب سيبويه النحوي؛ فإن كل واحد من هذه لم يشذّ عنه من أصول فنِّه شيء إلا ما لا خطر له)([49])

ومنهم أَبُو عَلِي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارِسي([50]) (288 – 377 هـ)، أحد أئمة العربية، ولد في فسا، وهي مدينة من المدن الإيرانية([51])، وقد ترك تراثاً حافلاً في علوم اللغة وآدابها، منها: التذكرة في علوم العربية، (في عشرين مجلداً)، وتعاليق سيبويه (جزآن)، والشعر، والحجة (في عِلل القراءات)، وجواهر النحو، والإغفال في ما أغفله الزجاج من المعاني، والمقصور والممدود، والعوامل (في النحو).

وسئل في حلب وشيراز وبغداد والبصرة أسئلة كثيرة فصنف في أسئلة كل بلد كتاباً، منها (المسائل الشيرازية)، و(المسائل البصريات)، و(الحلبيات)، و(البغداديات)

وقد اعترف بفضله على اللغة العربية كل من ترجم له، قال عنه السيوطي: (واحد زمانه في عِلم العربية… وقال كثير من تلامذته: إنَّه أعلمُ من المبرِّد)([52])

وقال ابن خلكان: (كان إمامَ وقته في عِلم النحو… وجرَتْ بينه وبين أبي الطيب المتنبي مجالس، ثم انتقل إلى بلاد فارس، وصحِبَ عضدَ الدولة ابن بويه، وتقدَّم عنده، وعلتْ منزلته، حتى قال عضد الدولة: أنا غلام أبي علي الفسوي في النحو)([53])

وقال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي: (الإمام العلاَّمة قرأ النحو على أبي إسحاق الزجاج…. وبَرَع في النحو، وانتهتْ إليه رئاستُه، وصَحِب عضدَ الدولة فعظَّمه، وأحسن إليه)([54])

وقال عنه الخطيب البغدادي: (وعَلَتْ منزلتُه في النحو حتى قال قوم من تلامذته هو فوق المبرِّد وأعلم منه، وصنَّف كتبًا عجيبة حسنة لم يُسبق إلى مثلها، واشتهر ذِكْرُه في الآفاق، وبَرَع له غلمان حُذَّاق مثل عثمان بن جني، وعلي بن عيسى الشيرازي، وغيرهما، وخَدَم الملوك، ونفق عليهم، وتقدَّم عند عضد الدولة، فسمعتُ أبِي يقول: سمعت عضدَ الدولة يقول: أنا غلامُ أبي عليٍّ النحوي الفسوي في النحو)([55])

ومنهم أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الكسائي([56]) (119 -189 هـ)، وهو من أصول إيرانية ودفن في مدينة الري. وكان إماما في اللغة والنحو، بل إنه يعد المؤسس الحقيقي للمدرسة الكوفية في النحو، بالإضافة إلى كونه سابع القراء السبعة.

ومن مؤلفاته: معاني القرآن ومقطوع القرآن وموصوله، وكتاب في القراءات، وكتاب النوادر الكبير، وكتاب النوادر الأصغر، ومختصر في النحو، وكتاب اختلاف العدد، وكتاب قصص الأنبياء، وكتاب الحروف، وكتاب العدد، وكتاب القراءات، وكتاب المصادر، وكتاب الهجاء وغيرها.

ومنهم أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري([57]) (213 ـ 276 هـ)، وهو من مدينة الدينور الإيرانية القريبة من همذان، وكان بها في عهده كثير من العلماء والفقهاء والمحدثين، الذين درس على أيديهم.

ومن مؤلفاته: تفسير غريب القرآن، وغريب الحديث، وعيون الأخبار، وتأويل مشكل القرآن، وتأويل مختلف الحديث، وأدب الكاتب، والاختلاف في اللفظ، والمعارف، وإصلاح الغلط (وهو إصلاح غلط أبي عبيد)، والمعاني الكبير، والشعر والشعراء، وغيرها كثير.

قال عنه ابن النديم: (كان صادقاً فيما كان يرويه، عالماً باللغة، والنحو، وغريب القرآن ومعانيه، والشعر، والفقه؛ كثير التصنيف والتأليف)([58])

وقال الخطيب البغدادي: (كان ثقة ديِّناً فاضلاً، وهو صاحب التصانيف المشهورة)([59])

وقال أبو البركات الأنباري: (كان فاضلاً في اللغة والنحو والشعر؛ متفنّناً في العلوم)([60])

وقال ابن الجوزي: (كان عالماً ثقة ديِّناً فاضلاً، وله التصانيف المشهورة)([61])

ومنهم أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني([62]) (400 – 471هـ)، مؤسس علم البلاغة، وهو من مدينة جرجان الإيرانية، ويعتبر المؤرخون لعلم البلاغة أن كتابه [دلائل الإعجاز] هو الكتاب الأول في بيان الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم.

ومن مؤلفاته: الإيضاح في النحو، والجمل، وإعجاز القرآن، والرسالة الشافية في الإعجاز، ودلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة، وقد أورد في كتابيه الأخيرين، معظم آرائه في علوم البلاغة العربية.

ومنهم محمد بن يعقوب بن محمد مجد الدين الشيرازي الفيروزآبادي([63]) (729 ـ)، وهو صاحب القاموس المحيط، ويعتبر من كبار أئمة اللغة والادب، ولد ببلدة بكارزين بشيراز في إيران حالياً، واشتهر بالفيروز آبادي نسبة إلى [فيروز آباد] وهي مدينة جنوب شيراز كان منها أبوه وجده.

وقد ذاعت شهرة معجمه [القاموس المحيط] حتى كادت كلمة [القاموس] تحل محل [المعجم]، إذ حسب كثير من الناس أنهما لفظان مترادفان، وذلك لكثرة تداول معجمه وانتشاره.

وقد ترك نحو 60 كتاباً في علوم القرآن الكريم والحديث واللغة والنحو وغيرها، ومنها: القاموس المحيط، والقابوس الوسيط، الجامع لما ذهب من كلام العرب شماميط، وتحبير الموشين، في التعبير بالسين والشين، وشرح قصيدة (بانت سعاد) في مجلدين، والروض المسلوف، فيما له اسمان إلى ألوف، والدرر المبثثة، في الغرر المثلثة، والمثلث الكبير. في خمسة مجلدات، وأنواء الغيث، في أسماء الليث، والجليس الأنيس، في أسماء الخندريس، ومقصود ذوي الألباب، في علم الإعراب، وبصائر ذوي التمييز، في لطائف الكتاب العزيز، وتفسير فاتحة الكتاب، والبلغة، في تراجم أئمة النحاة واللغة، ونزهة الأذهان، في تاريخ أصبهان، وشوارق الأسرار العلية، في شرح مشارق الأنوار النبوية، ومنح الباري، بالسيل الفسيح الجاري، في شرح صحيح البخاري، وتسهيل طريق الوصول، إلى الأحاديث الزائدة على جامع الأصول، وغيرها كثير.

ومنهم أحمد بن فارس بن زكريا، أبو الحسين الرَّازيُّ القزويني، المعروف بالرازي ([64]) (941–1004م)، أصله من قزوين، وأقام مدة في همذان، ثم انتقل إلى الري فتوفي فيها، وإليها نسبته.

وقد صنف كتباً كثيرة في اللغة والفقه والسيرة وغيرها، ومنها: كتاب المجمل، ومتخير الألفاظ، وفقه اللغة، وغريب إعراب القرآن، وتفسير أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومقدمة نحو، ودارات العرب، ومقاييس اللغة.

ومن مزايا كتاباته اللغوية ـ كما يذكر المختصون ـ أنه انفرد في معجميه [المجمل]، و[المقاييس] بطريقة خاصة تنسب إليه وحده، فإضافة إلى اتباعه الابجدية العادية انفرد بفكرتي الأصول والمقاييس لجميع مفردات اللغة، وقد تميز بغزارة المادة اللغوية التي ظهرت من خلال تناوله لبعض المسائل اللغوية، وجاءت دراسته شاملة لمستويات اللغة الأربعة: المستوى الصوتي، والصرفي، والنحوي، والدلالي، فضلاً عن الظواهر اللغوية التي تناولها كالنحت والأضداد والترادف والإتباع وغيرها.

ومنهم أبو القاسم إسماعيل بن عباد القزويني، الطالقاني، الاصفهاني، المعروف بالصاحب بن عباد([65])، (326 – 385 هـ)، وكان من كبار العلماء والأدباء، بالإضافة لمشاركته في مختلف العلوم كالحكمة والطب والمنطق، وكان محدثاً ثقة، شاعراً مبدعا، وأحد أعيان العصر البويهي. وكان وزيراً، ومن نوادر الوزراء الذين غلب عليهم العلم والأدب.

قال عنه الثعالبي: (ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن عُلُوِّ مَحَلِّه في العلم والأدب وجلالة شأنه في الجود والكرم، هو صدر المشرق، وتاريخ المجد، وغُرَّة الزمان، وينبوع العدل والإحسان)

وقال الطريحي: (جمع الصاحب بين الشعر والكتابة، وفاق فيها أقرانه. الصاحب بن عباد عالم، فاضل ماهر، شاعر أديب، محقق متكلم، عظيم الشأن جليل القدر في العلم والأدب والدِّين والدنيا)

من مؤلفاته: المحيط في اللغة، والكشف عن مساوئ المتنبي، وديوان رسائل، وديوان شعر، وعنوان المعارف في التاريخ، وأسماء الله وصفاته، وجوهرة الجمهرة، والإمامة، والإبانة عن الإمامة، والوقف والابتداء، والفصول المهذبة، والشواهد، والقضاء والقدر، وغيرها.

ومنهم أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني([66]) (284 ـ 356 هـ)، من أئمة الأدب، الأعلام في معرفة التاريخ والأنساب والسير والآثار واللغة والمغازي.

قال عنه الحموي: (أبو الفرج الأصبهاني العلامة النساب الأخباري الحافظ الجامع بين سعة الرواية والحذق في الدراية: لا أعلم لأحد أحسن من تصانيفه في فنّها وحسن استيعاب ما يتصدّى لجمعه، وكان مع ذلك شاعرا مجيداً)([67])

وقال ابن خلكان: (الأصبهاني صاحب كتاب [الأغاني] هو أصبهاني الأصل بغدادي المنشأ، كان من أعيان أدبائها، وأفراد مصنفيها، وروى عن عالم كثير من العلماء يطول تعدادهم، وكان عالماً بأيام الناس والأنساب والسير)([68])

وقال التنوخي: (كان أبو الفرج يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والأحاديث المسندة والنسب ما لم أر قط من يحفظ مثله، ويحفظ دون ذلك من علوم آخر منها اللغة والنحو والخرافات والسير والمغازي، ومن آلة المنادمة شيئاً كثيراً، مثل علم الجوارح والبيطرة ونتف من الطب والنجوم والأشربة وغير ذلك، وله شعر يجمع إتقان العلماء وإحسان الظرفاء الشعراء)([69])

وقال الذهبي: (صاحب الأغاني العلامة الأخباري أبو الفرج، كان بحرا في نقل الآداب، وكان بصيرا بالأنساب وأيام العرب، جيد الشعر، والعجب أنه أموي شيعي!)([70])

قال الخطيب البغدادي: (أبو الفرج الأموي الكاتب المعروف بالأصبهاني: كان عالماً بأيّام الناس والأنساب والسيرة، وكان شاعراً محسناً، والغالب عليه رواية الأخبار والآداب، وصنَّف كتباً كثيرة)([71])

وقال ابن خلدون: (وقد ألف القاضي أبو الفرج الاصبهاني كتابه في الاغاني جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيامهم ودولهم وجعل مبناه على الغناء في المائة صوتا التي اختارها المغنون للرشيد، فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب وأوفاه، ولعمري إنه ديوان العرب، وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الاحوال ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها وأنى له به)([72])

ومن أهم كتبه وأشهرها [كتاب الأغاني] في 25 مجلدا، وهو يحوي (تاريخ فن الغناء العربي، ما من مغن إلا وأفرد له أبو الفرج حيّزاً يخصه ويتحدث عنه وعن أخباره وفنه متوسعاً في ذلك ما أمكنه، لا يألوا جهداً في هذا المجال، ولا يقصر. وقد حاول أبو الفرج السير على طريقة معاصره في إسناد الأخبار فجاء بسلسلة الرواة الذين أوصلوا الخبر إليه أخيراً، ولم ينس أن يذكر الروايات كلها، وكأنها أراد بذلك أن يوثق كتابه.. ويدرس كتاب الأغاني في كثير من الدول العربية كمصدر من مصادر التراث)

ومن مؤلفاته [مقاتل الطالبيين]، وترجم فيه للشهداء من ذرية أبي طالب منذ عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الوقت الذي شرع يؤلف فيه كتابه، وهو جمادى الأول سنة 313 هـ، سواء أكان المترجم له قتيل الحرب أو صريع الحرب أو صريع السم في السلم، وسواء أكان مهلكه في السجن أو في مهربة أثناء تواريه من السلطان، وقد رتب مقاتلهم في السياق الزمني.

ومن مؤلفاته الأخرى: أخبار القيان، وأخبار الطفيليين، وأيام العرب، والإماء الشواعر، وأدب الغرباء، وأدب السماع، والاخبار والنوادر، والفرق والمعيار في الأوغاد والأحرار، والمماليك الشعراء، والغلمان المغنين، والتعديل والانتصاف في اخبار القبائل وانسابها، وغيرها كثير.

هذه نماذج عن كبار اللغويين الذين أنجبتهم إيران، وكانت لهم مساهماتهم الرائدة في علوم اللغة العربية نحوها وصرفها وغريبها وبلاغتها، بحيث يمكن اعتبارهم المؤسسين الرواد لها، أما غيرهم ممن كتب في اللغة، فأكثر من أن نعده أو نحصيه في هذا المحل.

وهذا كله يدل على اهتمام الفرس بالعربية، وأنهم لا يحقدون عليها، ولا يتنكرون لها، كما يذكر المغرضون، بل إنهم ـ كما رأينا ـ يكشفون بلغة علمية من نواحي إعجازها ما لم يكتشفه العرب أنفسهم.

2 ـ الإيرانيون والإبداع في العلوم العقلية:

لا يمكن لأي باحث منصف أن يعزل الدور الذي قام به الفلاسفة والباحثون الإيرانيون في المجالات العلمية المختلفة، بل إن الصادق منهم، يعترف بأن فضلهم فيها لا يوازيه أحد؛ فهم رواد الحضارة الإسلامية في هذا الجانب بلا منازع، مثله مثل الجوانب الأخرى.

وربما يكون سبب ذلك ما ورثوه من حضارة سابقة، كان لها تأثيرها فيهم، وهو تأثير منهجي لا فكري، فهم في أفكارهم مسلمون مؤمنون لا يشكك أحد في ذلك إلا المغرضون.

وقد عبر ابن خلدون عن مدى تمرسهم في الجوانب العقلية، بل إنه ينسب إليهم كل أنواع الفلسفة حتى اليونانية منها؛ فقال: (وأما الفرس، فكان شأن هذه العلوم العقلية عندهم عظيماً، ونطاقها متسعاً، لما كانت عليه دولتهم من الضخامة واتصال الملك، ولقد يقال: إن هذه العلوم، إنما وصلت إلى يونان منهم، حين قتل الإسكندر دارا وغلب على مملكة الكينية، فاستولى على كتبهم وعلومهم، إلا أن المسلمين لما افتتحوا بلاد فارس، وأصابوا من كتبهم وصحائف علومهم، ما لا يأخذه الحصر كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في شأنها وتنقيلها للمسلمين، فكتب إليه عمرأن اطرحوها في الماء. فإن يكن ما فيها هدًى، فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكن ضلالاً فقد كفاناه الله؛ فطرحوها في الماء أو في النار، وذهبت علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا)([73])

ولسنا ندري مدى دقة هذه الحادثة التي ذكرها ابن خلدون، ولا دقة كون أصل الفلسفة اليونانية من الفرس، ولكن الذي ندريه أن أكثر الفلسفات أصالة في الإسلام وقربا منه كانت ذات منابع إيرانية.

ومن الأمثلة على ذلك ما يطلق عليه الفلسفة أو الحكمة الإشراقية، وهي التي وضعها أبو الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك السهروردي، المشهور باسم السهروردي المقتول([74])، (549 – 587 هـ)، وهو فيلسوف إشراقي، شافعي المذهب، ولد في سهرورد الواقعة شمال غربي إيران، وكان مقتله بأمر صلاح الدين بعد أن نسب البعض إليه فساد المعتقد ولتوهم صلاح الدين أن السهروردي يفتن ابنه بالكفر والخروج عن الدين، وكل ذلك زور وبهتان، فالرجل مؤمن لا شك في إيمانه، بل إن صوفية المدرسة السنية أنفسهم يعتبرونه من كبار الأولياء، وهم ينشدون في مجامعهم قصيدته المعروفة، والتي يخاطب فيها الله تعالى بقوله:

أَبداً تَحنُّ إِلَيكُمُ الأَرواحُ

  وَوِصالُكُم رَيحانُها وَالراحُ

وَقُلوبُ أَهلِ وِدادكم تَشتاقُكُم

  وَإِلى لَذيذ لقائكم تَرتاحُ

وَا رَحمةً للعاشِقينَ تَكلّفوا

  ستر المَحبّةِ وَالهَوى فَضّاحُ

 بالإضافة إلى ذلك، فقد كان فقيها شافعيا معتبرا، وكان أكثر علماء عصره علما بالفلسفة والمنطق والحكمة، ويسمي مذهبه الذي عرف به [حكمة الإشراق]، ومن مؤلفاته: رسائل في اعتقادات الحكماء، وهياكل النور، والمشارع والمطارحات، ورسالة مختصرة، والأربعون اسمًا، والأسماء الإدريسية، وكتاب البصر، والتنقيحات في الأصول، والرقيم القدسي،، ورسالة عقل.

ونحب أن نذكر هنا أن ما حصل له من القتل لا يعبر عن حقيقة أمره ـ كما يذكر المتطرفون ـ ذلك أن القتل تم لأجل أسباب شخصية، حاولت أن تلبس لباس الدين، وقد حصل مثل ذلك لعبد الله بن المقفع المؤمن الشهيد الذي قتل ظلما، وحصل للحلاج وغيره، بل إن أبا حامد الغزالي الذي تتبناه المدرسة السنية، وتعتبره من كبار فقهائها وصوفيتها، اتهم بالكفر، وأحرقت كتبه، وذلك لا يدل على كونه كما ذكروا.

ومن الفلسفات الأصيلة والرائدة التي ولدت في إيران فلسفة الحكمة المتعالية، والتي وضعها الملا صدرا محمد بن إبراهيم القوامي الشيرازي المعروف بصدر المتألهين([75]) (980 ـ 1050هـ)، والذي حاول أن يجمع فيها بين الفلسفة والعرفان والقرآن، وكان طرحه ـ كما يذكر المؤرخون له ـ متطورا جدا، وفاق حدود عصره مما صعب على معاصريه أن يقبلوه، فلاقى من معاصريه صنوف المضايقات بسبب ذلك، فكفر ورمي بأبشع التهم، مثلما حصل للكثير من الفلاسفة والصوفية.

قال عنه السيّد محمّد باقر الخونساري في روضات الجنّات: (كان فائقاً على من تقدّمه من الحكماء الباذخين، والعلماء الراسخين إلى زمن مولانا نصير الدين الطوسي، منقّحاً أساس الإشراق والمشّاء بما لا مزيد عليه)

وقال عنه الشيخ محمّد رضا المظفّر: (بالغ في تصوير آرائه باختلاف العبارات والتكرار، حسبما أوتي من مقدرة بيانية، وحسبما يسعه موضوعه من أدائه بالألفاظ، وهو كاتب موهوب لعلّه لم نعهد له نظيراً في عصره وفي غير عصره من أمثاله من الحكماء، وإذا كان أُستاذه الجليل السيّد الداماد يسمى أمير البيان، فإنّ تلميذه ناف عليه وكان أكثر منه براعة وتمكّناً من البيان السهل)([76])

وقال الشيخ محمّد حسين الأصفهاني: (لو أعلم أحداً يفهم أسرار كتاب الأسفار لشددت إليه الرحال للتَّلمذة عليه وإن كان في أقصى الديار)

ومن مؤلفاته: الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة العقلية، والذي يعتبر من أهم كتبه، حيث عرض فيه فلسفته، وقد قسمه إلى أربعة أسفار: السفر من الخلق إلى الحق، والسفر بالحق في الحق، والسفر من الحق إلى الخلق بالحق، والسفر بالحق في الخلق.

ومنها: الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية، وهو يلي الأسفار من حيث الأهمية، وقد أورد فيها المعلومات نفسها التي وردت في الأسفار دون أن يناقش نظريات الآخرين من الفلاسفة.

ومنها: المبدأ والمعاد، وهو الكتاب الثاني من حيث الحجم، ويشتمل على الإلهيات والطبيعيات، ودرس في كيفية تكوين وظهور النفس الناطقة ومقاماتها ونهاياتها، وكذلك يحتوي على مباحث النبوات والمنامات، ويلاحظ القارىء النزعة الإشراقية واضحة في هذا الكتاب، ويقول سيد حسين نصر في مقدمته للكتاب: (كان ملا صدرا متعمداً في إطلاقه هذا العنوان على أثر ضخم كهذا ليثبت توجهه إلى السابقة التاريخية لمبحث المبدأ والمعاد. واستفاد من العنوان الذي كرره مراراً حتى يجعل القارىء يدرك مدى علاقة أفكاره ببنية الفكر الإسلامي الغنية، وذلك، دون التقيد بما ورد لدى غيره من الفلاسفة المشائين)

ومنها: رسالة المشاعر، وتدور حول مسألة أصالة الوجود واعتبارية الماهية، وتحتوي على ثمانية مشاعر في شرح الوجود والماهية وكيفية تحققهما.

ومنها: مفاتيح الغيب، وقد ألَّفه عندما اكتملت فلسفته، وهو كبير الحجم، مرتَّب على عشرين مفتاحاً كل مفتاح له فواتح، ويمتاز هذا الكتاب بكونه من الكتب الجوامع، إذ مزج فيه الفلسفة بالعرفان ومزجهما بالكتاب والحديث مزجاً أنيقاً، ودمج فيه العناصر المتقابلة في ظاهر الإفهام وفي ال‌طريقة الماضية لمكاتب الفلسفة والعرفان والكلام والتفسير والشرح.

ومنها: كسر أصنام الجاهلية، وهو كتاب صغير الحجم، انتقد فيه الشيرازي المتصوفة وآراءهم، وذلك بغية تفريقهم عن العرفانيين.

ومنها: رسالة في حدوث العالم، وتشتمل على مبحث الحركة وقسم من الجوهر والأعراض والتي فصلها في (الأسفار)، وفيها أيضاً أثبت حدوث العالم المادي، وجسمانية النفس، وهذه الرسالة كان كتبها قبل فترة العزلة، وقد أورد بعض الأمثلة منها في الأسفار.

ومنها: التفسير الكبير، ويشتمل تفسير جملة من السور، وغيرها كثير.

ومن فلاسفة إيران الكبار الميرداماد، وهو محمد باقر الأسترآبادي([77]) (توفي 1041 هـ)، الملقب بـ [المعلم الثالث]، وكان فقيهاً وفيلسوفاً، وشاعراً باللغة العربية والفارسية، درس مدة طويلة في مدينة مشهد، وكان مشتغلاً بالتحقيق في آثار الفلاسفة سيما ابن سينا، ثم سافر إلى قزوين وأقام مدة بها، ثم سافر إلى كاشان، وبالنهاية إلى أصفهان واهتم بـالفلسفة الإسلامية، وأسهم في إحيائها، والتدريس والتأليف في مختلف العلوم.

وقد ترك الكثير من المؤلفات في الفلسفة والحكمة الإشراقية، والكلام، والهندسة، والشريعة والتفسير، والحديث، منها: القبسات، في الحكمة، والصراط المستقيم، والحبل المتين، وخلسة الملكوت، وتقويم الإيمان، والأُفق المبين في الحكمة الإلهية، والرواشح السماوية، والإيماضات والتشريفات في حدوث العالم وقدمه، والجمع والتوفيق بين رأيي الحكيمين في حدوث العالم، ورسالة في حدوث العالم ذاتاً وقدّمه زماناً، واللوامع الربانية في ردّ شبه النصرانية، ورسالة في المنطق، ورسالة في تحقيق مفهوم الوجود، وكتاب السبع الشداد، في فنون من العلوم، ورسالة في فنون العلوم والصناعات، وسدرۃ المنتهى، ورسالة في خلق الأعمال، ونبراس الضياء في تحقيق معنى البداء، وشرح الاستبصار، في الحدیث، ورسالة في الجبر والتفويض، في نفيهما وإثبات الأمر بين الأمرين، ورسالة في إبطال الزمان الموهوم.

وقد أثنى عليه الكثير من العلماء، ومنهم تلميذه الفيلسوف الكبير صدر المتألهين الذي قال عنه في شرح أصول الكافي: (سيدي وسندي، وأستاذي في المعالم الدينية، والعلوم الإلهية، والمعارف الحقيقية، والأصول اليقينية، السيد الأجل الأنور، العالم المقدّس الأطهر، الحكيم الإلهي، والفقيه الرباني، سيد عصره، وصفوة دهره، الأمير الكبير، والبدر المنير، علامة الزمان، أعجوبة الدوران، السمی بمحمّد، الملقب بباقر الداماد الحسيني قدس الله عقله بالنور الرباني)([78])

وقال عنه الشيخ الحر العاملي في كتابه [أمل الآمل]: (عالم فاضل، جليل القدر، حكيم متكلّم، ماهر في العقليات، معاصر لشيخنا البهائي، وكان شاعراً بالفارسية والعربية)([79])

وقال عنه الشيخ أسد الله الكاظمي: (السيد الهمام، وملاذ الأنام، عين الأماثل، عديم المماثل، عمدة الأفاضل، منار الفضائل، بحر العلم الذي لا يدرك ساحله، وبر الفضل الذي لا تطوى مراحله، المقتبس من أنواره أنواع الفنون، والمستفاد من آثاره أحكام الدين المصون، الفقيه المحدث الأديب الحكيم)([80])

وقال عنه الفيلسوف الياباني [توشي هيکو ايزوتسنو]: (محمد باقر الداماد المشهور بالمیرداماد واحد من أعلام الفلسفة الإسلامية في العهد الصفوي، واشتهاره باللقب الفاخر ــ يعنى المعلم الثالث ــ يدل على شهرة عظيمة له في الفلسفة الإسلامية، شهرةً لا معارض لها، وهذا اللقب يحكي عن علوّ مرتبته في الفلسفة الإسلامية في عصره وبعده)([81])

ومنهم محمد (أو محمود) بن محمد الرازي أبو عبد الله، قطب الدين الرازي، ويعرف أيضا بالقطب التحتاني([82]) (694 – 766 هـ) هو عالم بالحكمة والمنطق، من أهل الري، ومن كتبه: (المحاكمات) في المنطق، حاول أن يوفق فيه بين آراء الفخر الرازي والنصير الطوسي على كتاب (الإشارات) لابن سينا، و(تحرير القواعد المنطقية في شرح الشمسية)، وتعرف بالرسالة القطبية، و(لوامع الاسرار في شرح مطالع الأنوار) في المنطق، وهو شرح لكتاب (مطالع الأنوار) للأرموي، ورسالة في (الكليات وتحقيقها)، و(تحقيق معنى التصور والتصديق)

بالإضافة إلى هؤلاء وغيرهم، نرى أن أكثر المساجلات الفلاسفية حصلت في إيران، ومن أمثالها كتاب [تهافت الفلاسفة] للغزالي، والذي كان له تأثيره الكبير في مسيرة الفلسفة في العالم الإسلامي.

أما المتأخرون، وخاصة المعاصرون، فقد ظهر الكثير من كبار الفلاسفة، أصحاب الفلسفة الأصيلة التي تحاول عرض القرآن الكريم بطريقة عقلانية منسجمة مع الرؤى المختلفة، ومن أشهرهم مرتضى مطهري الفقيه والفيلسوف والمفكر الكبير، والذي يُعد من أبرز المتصدين للفلسفات المادية.

ومنهم عبد الله الجوادي الآملي (1932 -..) الفيلسوف المعاصر الكبير، مؤسس مؤسسة الإسراء للبحوث في مدينة قم الإيرانية، وهو من أشهر المفسرين والفلاسفة في الوقت الراهن.

ومنهم الشيخ تقي مصباح اليزدي (1934 -..) الفيلسوف والعالم الكبير، ومؤسس مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي، وعضو مجلس خبراء القيادة في إيران.

وغيرهم كثير، ذلك أن الكثير ممن مارس الفلسفة مارس معها العلوم الشرعية، فصار أكثر نسبة إليها من نسبته للفلسفة.

3 ـ الإيرانيون والإبداع في العلوم الكونية:

من أهم المجالات التي برز فيها الإيرانيون في مختلف فترات تاريخهم ما يطلق عليه [العلوم الكونية]، أو [العلوم المحضة]؛ ولهذا نجد في الكتب المؤرخة للحضارة الإسلامية أن أكبر الشخصيات، وأكثر المنجزات، كانت إيرانية.

ومن الأمثلة على ذلك أبو بكر محمد بن يحيى بن زكريا الرازي([83]) (251 – 313 هـ)، العالم في الرياضيات والطب والفلسفة والفلك والكيمياء والمنطق والأدب، وهو مخترع تقطير الكحول واستخدامه في الطب، وهو أول من ابتكر خيوط الجراحة، وصنع المراهم، وله مؤلفات في الصيدلة ساهمت في تقدم علم العقاقير.

وقد وصفته [سيغريد هونكه] في كتابها [شمس الله تسطع على الغرب] بقوله: (أعظم أطباء الإنسانية على الإطلاق، حيث ألف كتاب الحاوي في الطب، الذي كان يضم كل المعارف الطبية منذ أيام الإغريق حتى عام 925م وظل المرجع الطبي الرئيسي في أوروبا لمدة 400 عام بعد ذلك التاريخ)([84])

وقد عمل رئيسا لمستشفى الري، وله الكثير من الرسائل في شتى مجالات الأمراض، وكتب في كل فروع الطب والمعرفة في ذلك العصر، وقد ترجم بعضها إلى اللاتينية، وكان يعتبر من المراجع الرئيسية في الطب حتى القرن السابع عشر.

وله 200 كتاب ومقال في مختلف جوانب العلوم، ومنها: تاريخ الطب، وكتاب المنصور في الطب، وكتاب الأدوية المفردة، الذي يتضمن الوصف الدقيق لتشريح أعضاء الجسم.

ومن أهم كتبه كتاب الحاوي في الطب، الذي يعتبر من أكثر كتبه أهمية وقد وصفه بموسوعة عظيمة في الطب تحتوي على ملخصات كثيرة من مؤلفين إغريق وهنود إضافة إلى ملاحظاته الدقيقة وتجاربه الخاصة، وقد ترجم الحاوي كتبه من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية وطبع لأول مرة في بريشيا في شمال إيطاليا عام 1486 وقد أعيد طبعه مرارا في البندقية في القرن السادس عشر الميلادي.

ونحب أن نشير هنا إلى أنه بسبب إسهاماته العلمية الكثيرة تعرض لما تعرض له من ذكرنا من الفلاسفة إلى التكفير، ونسبوا إليه كتبا ومقالات، وكلها مدسوسة عليه، ولم يصلنا شيء منها، بل ما وصل إلينا يدل على كونه مؤمنا مسلما كسائر الفلاسفة والأطباء وغيرهم.

قال الباحث المعاصر المختص بكتبه د. عبد اللطيف العبد عنه في رسالته للدكتوراه الموسومة [فلسفة أبي بكر الرازي]: (المؤلفات المنسوبة لأبي بكر الرازي وآرائه الفلسفية والتي تطعن بالدين والأنبياء، في الحقيقة لم يصل شيء منها إنما أخذت من مخطوطة منسوبه لأبي حاتم الرازي (وهو فيلسوف ومتكلم إسماعيلي) اسمه (أعلام النبوة) وضع فيها مقتطفات من مؤلفات لملحد مجهول زعم البعض أنه أبو بكر الرازي، الصفحة الأولى من هذه المخطوطة مفقودة، فلا يعرف اسم الشخص، والذي كان يرد عليه أبو حاتم.. كما أن لأبي بكر الرازي كتابا اسمه [إن للعبد خالقا] وآخر اسمه [أسرار التنزيل في التوحيد])([85])

ومنهم أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر بن سهل الصوفي الرازي (291 ـ 376 هـ)، وكان عالم فلك كبير، وقد اعتبره المؤرخ جورج سارطون من أعظم فلكيي الإسلام، وكان صديقاً للخليفة البويهي عضد الدولة الذي اتخذه فلكياً ومعلماً له لمعرفة مواضع النجوم والكواكب المختلفة وحركة الأجرام الفلكية، وقد قام عضد الدولة ببناء مرصد خاص للصوفي في شيراز مما ساعده في القيام بإنجازاته الفلكية.

ومن إسهاماته في علم الفلك: رَصَدَ النجوم، وعدَّها وحدد أبعادها عرضاً وطولاً في السماء، ولاحظ نجوماً لم يسبقه إليها أحد من قبل، ثم رسم خريطة للسماء حسب فيها مواضع النجوم وأحجامها ودرجة لمعان كل منها، ووضع فهرساً للنجوم لتصحيح أخطاء من سبقوه.

وقد اعترف الأوربيون بدقة ملاحظاته الفلكية حيث يصفه ألدومييلي بأنه (من أعظم الفلكيين الفرس الذين ندين لهم بسلسلة دقيقة من الملاحظات المباشرة.. ولم يقتصر هذا الفلكي العظيم على تعيين كثير من الكواكب التي لا توجد عند بطليموس، بل صحح أيضاً كثيراً من الملاحظات التي أخطأ فيها، ومكن بذلك الفلكيين المحدثين من التعرف على الكواكب التي حدد لها الفلكي اليوناني مراكز غير دقيقة)

بالإضافة إلى ذلك يعتبر أول فلكي يَرصد ويُلاحظ تغير ألوان الكواكب وأقدارها (وحدة لقياس السطوع)، وأيضاً كان أول من رسمَ الحركة الصحيحة تماماً للكواكب. وهو أول من لاحظ وجود مجرة أندروميدا، ووصفها بـ [لطخة سحابية]، وكان أول من لاحظَ وجود سحابتي ماجلان الكبرى والصغرى.

وقد صحح الكثير من الأخطاء في وصف بطليموس لمواضع النجوم، وذلك في كتابه صور الكواكب الثمانية والأربعين، وقام بوضع حدود دقيقة لكل كوكبة وللنجوم التي تقع في الصورة المُتخيلة لها والتي خارجها، ووصف فيه مواقع كل النجوم وأقدارها (حيث كان القدماء يُصنفون النجوم ضمن ستة أقدار، وكانوا يُضطرون إلى تقدير لمعانها لعدم توفر أدوات دقيقة لقياسه) من رصده الخاص لها.

ومن مؤلفاته: كتاب الكواكب الثابتة غير المتحركة (كان العرب القدماء يُسمون النجوم بالكواكب الثابتة، والكواكب بالكواكب السيارة)، ويعدّه سارطون أحد الكتب الرئيسة الثلاثة التي اشتهرت في علم الفلك عند المسلمين، أما الكتابان الآخران، فأحدهما لابن يونس، والآخر لألغ بك، ويتميز كتاب الكواكب الثابتة بالرسوم الملونة للأبراج والصور السماوية.

ومن مؤلفاته الأخرى: كتاب الأرجوزة في الكواكب الثابتة، وصور الكواكب الثمانية والأربعين، ورسالة العمل بالأسطرلاب، وكتاب التذكرة، وكتاب تطارح الشعاعات.

ومنهم العلامة الكبير نصير الدين الطوسي([86]) (597 – 672 هـ)، الذي سبق ذكره، ويعتبر أحد أبرز الشخصيات في تاريخ الحضارة الإسلامية، ومن إسهاماته الكبرى في الفلك أنه فند المفهوم السائد في وقته حول مركزية الارض ـ أي ان الأرض هي مركز الكون ـ فقد انتقد الطوسي هذا النظام وحاول إيجاد بدائل له، وحل معدل المسار.

وتمكن الطوسي من إبداع طريقة رياضية عرفت فيما بعد بمزدوجة الطوسي نقضت نظرية أرسطو، والتي كانت تنص على أن الحركة إما خطية أو دائرية، حيث أثبت الطوسي أنه من الممكن أن تنتج حركة خطية من حركتين دائرييان، واستعمل هذه التقنية لحل إشكالية النظام البطلمي، ومعدل المسار للعديد من الكواكب، ويعتقد الكثير من الباحثين أن مزدوجة الطوسي وجدت طريقها إلى مكتبة الفاتيكان بعد فتح القسطنطينية عام 1453م لتصل إلى عالم الفلك [نيكولاس كوبرنيكوس] الذي اعتمد عليها في نظريته الشهيرة مركزية الشمس والتي غيرت مفاهيم علم الفلك جذريا وأنهت الاعتقاد السائد بأن الأرض هي مركز الكون ([87]).

بالإضافة إلى ذلك تمكن الطوسي من خلال ملاحظاته في مرصد مراغة والذي كان أفضل المراصد في ذاك الوقت، أن يضع الجدول الأدق لحركة الكواكب في ذاك الوقت في كتابه الزيج الأخليني وأستغرق في ذلك 12 سنة. حيث يحتوي هذا الكتاب على جدول فلكي لحساب مواقع الكواكب وأسماء النجوم وقد أستخدم بشكل واسع حتى اكتشاف نظام مركزية الشمس لنيكولاس كوبرنيكوس، كما استطاع تحديد معدل الانحراف السنوي لمحور الأرض وهي 51 درجة\سنة، وهي قريبة من الدرجة المكتشفة حديثا وهي 50.2.

وتمكن الطوسي من أن يضع وصفا دقيقا لمجرة درب التبانة حيث قال في كتابه [التذكرة]: (إن درب التبانة مخلوقة من عدد هائل من النجوم الصغيرة المتقاربة، ولشدة صغرها وتركيزها تبدو كرقع غيمية لذلك تكون قريبة من لون الحليب)، وهذا ما تم اكتشافه بعد ثلاث قرون عندما استعمل جاليليو المرقاب ليكتشف بأن المجرة مكونة من عدد هائل من النجوم الخافتة.

ومنهم أبو الفتوح غياث الدين عمر بن إبراهيم الخيام المعروف بعمر الخيام([88]) (توفي 515 هـ)، وهو عالم وفيلسوف وشاعر، وُلِدَ في مدينة نيسابور، وتوفي فيها.

ورغم شهرته بكونه شاعرا، فقد كان من علماء الرياضيات، حيث اشتهر بالجبر واشتغل في تحديد التقويم السنوي للسلطان ملكشاه، والذي صار التقويم الفارسي المتبع إلى اليوم، وهو أوّل من اخترع طريقة حساب المثلثات ومعادلات جبرية من الدرجة الثالثة بواسطة قطع المخروط، وهو أول من استخدم الكلمة العربية [شيء] التي رسمت في الكتب العلمية البرتغالية (Xay) وما لبثت أن استبدلت بالتدريج بالحرف الأول منها [x] الذي أصبح رمزاً عالمياً للعدد المجهول. وقد وضع الخيام تقويما سنوياً بالغ الدقة، وقد تولى الرصد في مرصد أصفهان.

وترجع شهرته كذلك إلى عمله في الرياضيات حيث حلَّ معادلات الدرجة الثانية بطرق هندسية وجبرية، كما نظم المعادلات وحاول حلها كلها، ووصل إلى حلول هندسية جزئية لمعظمها. وقد بحث في نظرية ذات الحدين عندما يكون الأس صحيحاً موجباً، ووضع طرقاً لإيجاد الكثافة النوعية. كما برع في الفلك أيضاً، وقد طلب منه السلطان ملكشاه سنة 467 هـ/1074 م مساعدته في تعديل التقويم الفارسي القديم. ويقول سارطون إن تقويم الخيام كان أدق من التقويم الجريجوري.

ومن مؤلفاته باللغة العربية: شرح ما أشكل من مصادرات كتاب أقليدس، والاحتيال لمعرفة مقداري الذهب والفضة في جسم مركب منهما، وفيه طريقة قياس الكثافة النوعية، ورسالة في الموسيقى، ورباعيات الخيام.

هذه مجرد نماذج عن بعض إسهامات إيران في التطور العلمي في العصور السابقة، أما إسهاماتها في العصر الحديث، وخاصة في مشروعها الحضاري الجديد، فلا يمكن وصفها، لأنها تفوق كل العصور السابقة، مع كونها عاشت طيلة هذه الفترة في ظل الأحقاد الدولية المسلطة عليها، وفي ظل الحصار المجحف، ولكنها استطاعت أن تتغلب على ذلك، وتتفوق على دول كثيرة لم تحاصر ولم تحارب، بل وفر لها كل الدعم.

وقد ورد في مقالة بعنوان [نظرة على التطور التكنولوجي والعملي في إيران] بصحيفة الوقت الالكترونية هذا الخبر: (واصلت إيران ومنذ نجاح ثورتها الإسلامية، الاستثمار الممنهج في الصناعة التي تعتمد على البحوث والتنمية المكثّفة، مما جعل العدو قبل الصديق يشهد لها بالثورة الفكرية والتقدم التكنولوجي التي تحققه البلاد وعلى مختلف المجالات، وتحتل الآن مرتبة متقدمة جداً من حيث إنتاج العلم بحسب الاحصائيات العلمیة التي تجريها كبريات المؤسسات المتخصصة، سواء من حيث حجم المقالات العلمية العالمية التي تنشر في المجلات المحكمة أو من حيث الاختراعات والتجارب العلمية الفريدة، وتفوقت إيران بذلك في ترتيب الانتاج العلمي والتكنولوجي على كل من سويسرا وتركيا)([89])

ومن المجالات التي ذكرها صاحب المقال عن التطور العلمي في إيران: مجال النانو تكنولوجيا، وبحوث الخلايا الجذعية، وعلوم الوراثة، والهندسة الكيميائية، وبحوث الفضاء، والهندسة الزراعية، وأنظمة الاتصالات بالليزر، وعلوم الكمبيوتر والإلكترونيات، وغيرها.

وذكر صاحب المقال أن إيران أصبحت قبلة لسكان الشرق الأوسط للسياحة المرضية، إذ يتدفق آلاف المرضى من العراق وسوريا ولبنان وأفغانستان وأغلب دول الشرق الأوسط الذين يعانون من أنواع مختلفة من السرطان إلى مركز الدم وزرع النخاع في مستشفى الدكتور شريعتي الذي له بنك من مخزونات الخلايا الجذعية الأكثر تقدما في العالم، بالاضافة الى توافد مئات مرضى الكبد من الشرق الاوسط الى مدينة شيراز (وسط البلاد) المركز الأول لزراعة الكبد في المنطقة.

وفيما يتعلق بزراعة الأعضاء، فإن إيران حققت تقدماً كبيراً في هذا المجال، ويتحدث المختصون الإيرانيون عن قفزة كبيرة حققها هذا النوع من الجراحة منذ أوائل الثمانينات، ولا ينكرون دور الحاجة التي نشأت نتيجة الحرب المفروضة على إيران من قبل النظام العراقي من عام 80 إلى عام 88 وكثرة الجرحى والمعاقين في تنمية هذا الجانب من الطب البشري، إذ بمقدور الأطباء الإيرانيين الآن وبدون الاستعانة بأي مساعدة خارجية توفير العضو المطلوب أو من حيث إجراء العملية الجراحية الناجحة في هذا المجال ابتداءً من الكلية إلى القلب إلى نخاع العظم إلى الكبد وغيرها، وبعد أن كان هذا الجانب يعاني من التخلف أصبح قسم زراعة الأعضاء من الأقسام المتطورة.

ويذكر صاحب المقال أنه من المتوقع أن الأبحاث التي أعدت حول التطور العلمي في إيران ستصعد إلى الدرجة الأولى في مجالات الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا في منطقة جنوب غرب آسيا (التي تضم آسيا الوسطى، والمناطق القرغيزية، والشرق الأوسط والبلدان المجاورة)

وذكر صاحب المقال أيضا أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، دشنت أول سفينة أبحاث عابرة للمحيطات، تابعة لوزارة العلوم والابحاث والتقنيات الإيرانية، وتضم مختبرات متطورة خاصة بأبحاث الفيزياء البحرية، وعلم الأحياء البحرية، والكيمياء البحرية، ويمكن لهذه السفينة أن تبحر لـ45 يوما بسرعة 15 عقدة بحرية ومن دون الحاجة الى الرسو في الموانئ، كما يمكنها أخذ عينات من رسوبات قاع البحر على عمق 3 آلاف متر.

وذكر صاحب المقال أن التطور العلمي في إيران أرخى بظلاله بشكل كبير على المنجزات الدفاعية في البلاد، إذ تكشف إيران كل حين عن منجزاتها التسليحية الدفاعية الجديدة.

وهو ما يخشاه الكيان الصهيوني الذي يعتبر إيران أخطر عدو له في المنطقة، إذ حذر رئيس شعبة الإستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، اللواء هرتسي هليفي، من التطور العلمي المطرد للجمهورية الإسلامية الإيرانية، واصفاً إياه بالخطر الذي يحدق بإسرائيل، وأشار إلى أن الإيرانيين ينجحون باللحاق بـ(الدولة العبرية) علمياً، وهم قادرون على سد الفجوة سريعاً بين الجانبين ([90]).

وقال هليفي: (تسألونني إن كانت الحرب ستنشب بيينا وبين إيران خلال الأعوام العشرة المقبلة، وإجابتي ستكون مفاجئة لكم، فنحن نخوض حرباً مع إيران، إلا أنها ليست حرباً عسكرية مباشرة، بل هي حرب تكنولوجية، إذ إن مهندسينا يقاتلون المهندسين الإيرانيين اليوم، وهذه الحرب ستتحول إلى أكثر ضراوة لاحقاً).

ووصف هليفي تقدير الوضع التكنولوجي بين إسرائيل وإيران بعبارات مليئة بالتشاؤم، إذ أشار إلى أن الحرب التي يخوضها الجانبان في الميدان التكنولوجي تتمحور حول الإستخبارات والأسلحة والقدرات العسكرية التي يملكانها، وقال (نتمتع حالياً ببعض التفوق، إلا أن إيران تلحق بنا وبسرعة، لقد تضاعف عدد الجامعات وعدد الطلاب الجامعيين في إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979 ولغاية اليوم بنحو عشرين ضعفاً، بينما تضاعفت هذه المعاهد والجامعات في إسرائيل فقط ثلاثة أضعاف ونصف ضعف)

وأضاف يقول: (إننا نخوض حرباً تكنولوجية مع إيران، وهي حرب في غاية الأهمية، وعدد الطلاب الإيرانيين الذين يلتحقون بمجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وصل إلى حدود السماء)

وفي مقال آخر بعنوان: [هذه إيران.. أين نحن؟!] يقول صاحبه الإعلامي الكبير سامي كليب([91]): (لماذا نحن نكره الشيعة وإيران؟ هل تريدون الآن معرفة لماذا الغرب واسرائيل يخشيان إيران، ولماذا دول الخليج تخاف دورها؟ إليكم هذه المعلومات.. حسب تقرير طوموسن رويترز، إيران صعدت إلى المركز 17 عالميا بانتاج العلوم من مطلع عام 2013 بانتاجها 2925 مقالا علميا متخصصا.. وتحتل إيران المركز الاول عالميا في معدل النمو في الانتاج العلمي المنشور ويتضاعف الانتاج كل 3 سنوات.. ومن عام 96 حتى 2008 زادت إيران من انتاجها العلمي 18 ضعفا.. والمقالات العلمية المتخصصة كانت تنحصر قبل الثورة نحو 400 مقال، الآن تخطت 20 الفا.. وعدد الطلاب كان قبل الثورة يقتصر على 167 الفا، الآن يقارب الاربعة ملايين.. ونسبة المتعلمين ارتفعت من 50 بالمئة قبل الثورة، الى 86 بعدها. وصلت الى محو شبه كامل للأمية. 60 بالمئة من المقبولين في الجامعات هن من الاناث.. وأنفقت إيران 6.3 مليار دولار عام 2011 على البحث العلمي.. وعام 2012 أصدرت إيران اكثر من 38 الف عنوان كتاب، وتطبع أكثر من ٢٥٠ مليون نسخة كتاب، وتحتل المركز الأول باصدارات الكتب في الشرق الاوسط والعاشر عالميا.. وتحتل المرتبة 12 بانتاج السيارات في العالم، والاولى في الشرق الاوسط. اكثر من مليون سيارة في العام.. وأطلقت قمرين صناعيين إلى الفضاء بتصنيع محلي، وارسلت قردا وأعادته إيران حياً من الفضاء.. وفي مقال نشر في نيوزويك في 18 آب 2008 كان العنوان: (لننس هارفرد ذلك ان ابرز الزملاء المتخرجين في العالم هم في إيران).. ومسؤولو جامعة ستانفورد العريقة فوجئوا عام 2003 بان ابرز طلاب فرع الهندسة الالكترونية لنيل شهادة الدكتوراه جاءوا جميعاً من جامعة شريف للعلوم والتكنولوجيا الإيرانية)

وبعد إيراد الكاتب لهذه الإحصائيات وغيرها، قال: (كل هذا حصل وإيران مطوقة ومحاصرة، فكيف حين تستعيد الآن الـ 120 مليار دولار من ودائعها المجمدة؟ وكيف إذا أضفنا الى ما تقدَّم الصواريخ والاسلحة والاقمار الصناعية والاختراعات العلمية وغيرها على أيدي جيل من الشباب لم تتخط اعمارهم الثلاثين عاما.. هل زار أحد الخائفين من إيران إحدى مدنها؟ هل رأى أنها تقارب بأناقتها ونظافتها وهندستها أعرق مدن الغرب؟ هل عرف أحدنا كيف أن الإيراني يهدي زوجته ورودا طيلة السنة ويحترمها ويقدرها؟)

ثم قال معبرا عن مشاعره الشخصية تجاه إيران: (أنا اعتز بعروبتي، وأفضل أن تكون أي دولة عربية، كالسعودية أو الكويت أو قطر أو سوريا أو الإمارات أو مصر أو الجزائر أو السودان أو المغرب أو اليمن أو حتى جيبوتي والصومال وجزر القمر، بهذه الأهمية لكي نكون كشعوب عربية خلفها، لكن بدلاً من البكاء على دور إيران، وتشكيل القوى العسكرية لصد دورها في هذه الدولة أو تلك، فلنوظف أموالنا كما وظفتها لخدمة الانسان والعلم والتقدم والتكنولوجيا)

ثم ذكر السبب الحقيقي للحرب المعلنة على إيران؛ فقال: (الغرب يخشى إيران لانها ببساطة ستنافسه علميا، لانها لو اقترحت بعد حين مثلاً مفاعلا كهربائياً نووياً في دولة عربية أو نامية سيكون أقل بعشرات الاضعاف من سعره الاوروبي، ولأن دولة بهذه القدرات، تستطيع أن تلعب دورا محوريا كبيرا يزعج إسرائيل.. إسرائيل وحدها الاكثر انزعاجاً، والغرب ما جاء يفاوض إيران إلاّ لأنها أسندت علومها بقدرات عسكرية عالية، ففاوضت من موقع القوة لأنها هي الأخرى بحاجة للمال، لا كمفاوضاتنا المذلة منذ كامب دايفيد مرورا بمدريد واوسلو حتى اليوم.. ولا ننسى وادي عربة ملك الهاشمية.. نعم إيران عندها قنابل نووية، لكنها قنابل العلم والمعرفة والتقدم، فمبروك لإيران قنابلها العلمية النووية، وعسى أن نحذو حذوها يوماً ما بدل الشكوى من دورها)

ولا نملك بعد إيرادنا لأكثر ما أورده هذا الإعلامي الموضوعي المنصف في مقاله هذا إلا أن ندعو كل أولئك المشككين والمغرضين إلى زيارة المواقع العلمية لإيران، وملاحظة مدى تفوقها، ومحاولة الاستفادة منها في خدمة المسلمين، والقضايا الإسلامية؛ فالتطور الإيراني ليس لإيران وحدها، وإنما هو للمسلمين جميعا، بل هو للبشرية جميعا.

ثالثا ـ الإيرانيون.. وتصدير الحضارة:

نقصد بهذه القيمة [تصدير الحضارة] تصدير الثقافة والعلوم والقيم الأخلاقية والروحية وغيرها لسائر بلاد العالم الإسلامي، بل سائر بلاد العالم، نهوضا بالواجب الشرعي المرتبط بذلك، وهو من مقتضيات الشهادة التي وصفت بها هذه الأمة، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]

ولذلك كان على كل دولة من دول العالم الإسلامي أن تمتلك مقومات هذه الشهادة، وأن تسعى لتطبيقها، حتى تكون أسوة ونموذجا يمثل القيم الإسلامية الرفيعة، ويكون فوق ذلك قبلة للأحرار والمستضعفين وطلبة العلم.

وقد كانت إيران في فترات كثيرة من تاريخها قبلة لطلبة العلم وأساتذته، يفدون إلى مدنها من كل حدب وصوب للتعلم أو للتعليم.. ولو طبقنا هذا المقياس على علماء المسلمين الذين درسوا في المدن الإيرانية، أو درّسوا فيها، لوجدنا كما كبيرا جدا.

فنيسابور مثلا كان بها مدارس كثيرة، ودرس فيها الكثير من العلماء من كل الفنون، من الذين لا ينتسبون إليها، من أمثال ابن دريد (223 -321هـ) صاحب القصيدة المقصورة والجمهرة في اللغة، وأبو منصور الثعالبي (350 – 429 هـ)، وهو أديب ولغوي وناقد وصاحب الكتاب الشهير يتيمة الدهر، وكان يلقب بـ [جاحظ نيسابور]، وأبو الحسن الجُرجاني (322هـ – 392هـ)، صاحب الكتاب المشهور [الوساطة بين المتنبي وخصومه]، وأبو الفضل الهمذاني (358 – 398هـ) المشهور ببديع الزمان، صاحب المقامات الشهيرة، ومحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري (194 – 256هـ) صاحب الصحيح، وغيرهم كثير ممن لم نذكرهم في المحدثين والمفسرين واللغويين، مع كونهم عاشوا فترات طويلة من أعمارهم في إيران، وربما ماتوا فيها.

فمنذ الفتح الإسلامي ونيسابور مركز من مراكز الحضارة وقبلة لأهل العلم، ابتداء من الدولة الأموية، ثم العباسية، ثم الدول المستقلة عن الخلافة، وإن تبعتها اسميًا، من أمثال الدولة الطاهرية في خراسان (205 – 259هـ)، والدولة الصفَّارية في إيران وهرات وما وراء النهر، (254 – 298هـ)، والدولة السامانية في بلاد ما وراء النهر وغيرها (261 – 390هـ)، والدولة الغزنوية في غزنة ومعظم إيران وما وراء النهر وبعض الهند (349 – 579هـ)، الدولة السلجوقية الكبرى (432 – 583هـ)

وقد عبر الجغرافي الكبير ابن حوقل عن قيمتها الحضارية والعلمية في عهد الدولة الطاهرية والدولة الصفارية، بقوله: (كانت دار الإمارة بخراسان فى قديم الأيام بمرو وبلخ إلى أيام الطاهريّة، فإنهم نقلوها إلى نيسابور، فعمّرت وكبرت وغزرت وعظمت أموالها عند توطّنهم إياها، وقطونهم بها حتى انتابها الكتّاب والأدباء بمقامهم بها، وطرأ إليها العلماء والفقهاء عند إيثارهم لها، وقد خرّجت نيسابور من العلماء كثرة ونشأ بها على مرّ الأيّام من الفقهاء من شهر اسمه وسمق قدره وعلا ذكره)([92]

وقال الحموي: (نيسابور معدن الفضلاء ومنبع العلماء، لم أر فيما طفت من البلاد مدينة كانت مثلها)([93]

وقال الرحالة ابن بطوطة: (هي أحد المدن الأربع التي هي قواعد خراسان ويقال لها دمشق لكثرة فواكهها وبساتينها ومياهها وحسنها، وتخترقها أربعة من الأنهار، وأسواقها حسنة مشعة، ومسجدها بديع وهو في وسط السوق)([94]

وقال: (في مدارسها من الطلبة خلق كثير يقرؤون القرآن والفقه، وهي من حسان مدارس تلك البلاد، ومدارس خراسان والعراقيين وبغداد ومصر وإن بلغت الغاية من الإتقان والحسن فكلها تقصر عن مدرسة نيسابور)

وقال بعض المعاصرين معبرا عن ذلك: (وقد نبغ فيها جماعة من العلماء في كل فن ما لا يحصی عددهم في القرون الأولی الإسلامية، لا سيما في فن الحديث والفقه، حتی فاقت نظاميةُ نيسابور نظاميةَ بغداد. فقد قيل بلغ عدد محدثيها ورجالها العلمية في القرون الأربعة الأولی إلی 3000 عالماً)([95]

ولذلك أفرد تاريخها ورجالها بالتأليف، ومن أهمها كتاب [تاريخ نيسابور] للحافظ الحاكم النيسابوري (321 – 405هـ) صاحب كتاب المستدرك على الصحيحين، ومنها [السياق لتاريخ نيسابور]، للحافظ أبي الحسن عبد الغافر بنِ إسماعيل الفارسيِّ النيسابوري (451 – 529هـ)، ومنها [المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور]، للإمام الحافظ تقي الدين أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الصريفيني الحنبلي (581 – 641هـ)

وقد كان من مزاياها الكبرى التي أهلتها لأن تكون قبلة لطلبة العلم كثرة مدارسها ومكتباتها وجوامعها؛ فأول مدرسة أنشئت في العالم الإسلامي كانت في نيسابور، وكان اسمها المدرسة البيهقية وذلك في القرن الرابع الهجري.

ثم أنشئ بعدها مدارس كثيرة منها أربع مدارس أنشأها السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي (367 – 421هـ)، كما أنشأ بها وبغيرها السلطان مسعود الأول، الذي أعقب السلطان محمود (421 – 431هـ) عددًا من المدارس الإسلامية. وعلى الرغم من أن الدولة كانت تشرف على تلك المدارس، فإنها لم تكن ذات مناهج محددة كالمدارس النظامية.

ومن مكتباتها الكبرى مكتبة الصابوني، والتي ذكرتها المصادر التاريخية([96]) عند حديثها عن خلف بن أحمد أمير سيستان، والذي قام بجمع علماء إيران، وطلب منهم إعداد تفسير شامل للقرآن الكريم يحتوي على جميع الأحاديث وأقوال المفسرين السابقين، والقراءات. وقد رصد لهذا المشروع مبلغ 20 ألف دينار، ونتج عن ذلك تأليف تفسير واسع يشتمل على مئة جزء وهذا التفسير الفريد قد أُودع في مكتبة الصابوني بنيسابور ليفيد منه الطلبة والباحثون.. غير أنّ هذا الكتاب ضاع ـ في جملة ما ضاع من هذه المكتبة ـ في الهجوم على نيسابور.

ومنها مكتبة الشجري، التي أنشأها مسعود بن ناصر الشجري (المتوفى سنة 477 هـ) إلى جوار مسجد عقيل في نيسابور، وكانت محتويات هذه المكتبة من نفائس الكتب في ذلك الوقت.

ومنها مكتبة المدرسة السعديّة، وهي من الأعمال العمرانية التي تولّى القيام بها حاكم نيسابور أبو نصر بن سبكتكين، أخو السلطان محمود الغزنوي.

ومنها مكتبة أبي سعيد، والتي بنها أبو سعيد إسماعيل بن علي بن منشي الاسترآبادي، العارف والواعظ النيسابوري.

ومنها مكتبة المدرسة البيهقية، والتي أُنشئت في نيسابور قبل المدرسة النظامية بسنوات كثيرة، وكان موئلاً للعلماء والباحثين.

ومنها مكتبة مدرسة الشوافع، وهي من أقدم مدارس إيران ومكتباتها، وفي هذه المدرسة درس أبو علي الدقّاق وأبوالقاسم القُشَيري.

بالإضافة إلى المكتبات الملحقة بالمدارس، ومن أمثلتها: مدرسة المشطي، ومدرسة السووي، ومدرسة أبي علي الدقّاق، ومدرسة الشحّامي، والمدرسة القشيرية، ومدرسة أبي نصر بن أبي الخير، ومدرسة السمعاني، وغيرها.

وهكذا كانت مدينة أصفهان([97]) من مراكز الحضارة الإسلامية الكبرى، وقد ذكر القزويني سبب ذلك الاهتمام بها من أهل العلم، فقال: (أصفهان مدينة عظيمة، من أعلی المدن ومشاهيرها، جامعة لأشتات الأوصاف الحميدة من طيب التربة وصحة الهواء وعذوبة الماء وصفاء الجو وصحة الأبدان وحسن صورة أهلها وحذقهم في العلوم والصناعات)([98])

وقد أفرد تاريخها ورجالها لأجل ذلك بالتصنيف، وممن فعل ذلك حمزة بن الحسين الأصفهاني (ت 360 هـ) في كتابه (التاريخ الكبير)، وأبو الشيخ ابن حيان في كتابه (طبقات المحدثين بأصفهان)، والذي تضمن تعريفا لنحو 660 علماً من الصحابة والتابعين ومن تبعهم من جهابذة المحدثين، وأبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني (المتوفى: 430هـ) في كتابه (ذكر أخبار أصفهان) الذي تضمن التعريف لنحو ألفي شخص من محدثي أصفهان والقادمين عليها.. وغيرها من الكتب الكثيرة.

وقد عبر عن كثرة علمائها ياقوت الحموي، فقال: (خرج من أصفهان من العلماء والأئمة في كل فن ما لم يخرج من مدينة من المدن بأسناد عالية، فإن أعمار أهلها تطول، ولهم مع ذلك عناية وافرة بسماع الحديث، وبها من الحفاظ خلق لا يحصون ولها عدة تواريخ.. ومن نسب إلی أصفهان من العلماء لا يحصون)([99])

أما أبو عبد الله المقرئ محمد بن عيسی الأصفهاني(ت241هـ)، فقد راح يخاطب أهل الري يفخر عليهم قائلا: (يا أهل الري من الذي أفلح منكم؟ إن كان ابن الأصفهاني فمنا، وإن كان إبراهيم بن موسی فمنا، وإن كان جرير فمنا، وإن كان الخط فجدّي علمكم ما أفلح منكم إلا رجل واحد ولن أقول لكم حتی تموتوا كمداً)([100]

وهكذا كانت الكثير من المدن الإيرانية عواصم ومراكز علمية كبرى يفد إليها الطلبة والأساتذة من جميع بلاد العالم الإسلامي، وقد ساهم ذلك في تصديرها للحضارة الإسلامية ليس للدول الإسلامية فحسب، وإنما للعالم أجمع.

وفي بداية النهضة الإسلامية في العصر الحديث نرى كذلك كبار دعاة التجديد والنهضة الإسلامية يخرجون من إيران، ليبعثوا اليقظة في العالم الإسلامي أجمع، وعلى رأسهم باعث النهضة في العصر الحديث، والذي كان له التأثير الفاعل في كل الدعاة والمفكرين محمد بن صفدر الحسيني الأسد أبادي([101]) (1254 – 1315 هـ)، والذي اشتهر بلقب بالأفغاني مع كونه كان إيرانيا، ولم يكن أفغانيا([102]).

فمن المتفق عليه عند كل المؤرخين للفكر والحركات الإسلامية الحديثة اعتباره العقل الملهم لجميع الحركات الإسلامية، سنيها وشيعيها، حتى حركة التقريب بين المذاهب الإسلامية، كان جمال الدين أول من دعا لها.

وهو ـ خلافا لما يشاع من كونه أفغانيا ـ إيراني، لكن المصلحة والتقية دعته لأن يلقب بذلك اللقب، أو كما عبر عن ذلك الكاتب والمؤرخ (علي الوردي) بقوله: (وقد تميّز السيد جمال الدين بقدرة خارقة على التكيّف مع المحيط الاجتماعي والسياسي الذي يحل فيه، وتمثل ذلك في تغييره ألقابه.. فهو الأفغاني، والحسيني، والكابلي، والاسطنبولي والأسد آبادي، ولم يقتصر التكيّف على ألقابه، بل كان زيّه هو الآخر يتبدل حسب ظروف وتقاليد المجتمع الذي يحل فيه، فمن العمائم السوداء والبيضاء، والخضراء إلى طربوش أزهري أو تركي، وعقال وكوفية حجازية، فحين وصل السيد جمال الدين إلى أسطنبول كان في زي سيد أفغاني على جبة وكساء وعمامة عجراء، فشرع بتعلّم اللّغة التركية حتى تمكّن بعد مدة وجيزة من أن يتكلّم بها ويكتب، وحين سافر إلى أوربا لبس الطربوش، ولكنه في الحجاز كان يلبس العقال والكوفية، وعندما وصل إلى ايران خلع السيد جمال الدين زيّه الأفغاني الذي عرف به في تركيا ومصر وتزيّا بزي سيّد من علماء الشيعة حيث وضع العمامة السوداء على رأسه، والعباءة على كتفيه، والمداس الأصغر في قدميه ولقب نفسه بالحسيني)([103]

ونرى أن هذه التقية التي مارسها جمال الدين لم يكن يقصد بها حراسة نفسه، بقدر ما كان يريد بها حراسة دعوته، والتي كان يمكن أن تغتال في اللحظة الأولى التي يعلن فيها عن أصله الإيراني، ولذلك لم يكن يذكره إلا عندما دعته الحاجة إلى ذلك، حين وقف مخاطباً الشاه بقوله: (أستطيع أن أفخر بنفسي أن أرى عاهل ايران قد استيقظ من سباته العميق، وأخذ يفكر في تعمير البلاد ورقيها ويثق بي، نعم إنني إيراني أسد آبادي، وإن كافة العلوم بحمد الله مخزونة في صدري، فلا تنظر إلى وحدتي، وصغر جسمي فإني أستطيع أن أطمس جبل دماوند هذا بقبضة يدي الصغيرة)([104]

وقال مرزا لطف الله أسد آبادي ابن اخت جمال الدين المشهور بالأفغاني في كتابه (جمال الدين الأسدابادي): (وكان كشف حقيقة جمال الدين أمام السلطان عبد الحميد ضربة قاضية وجَّهها مظفر الدين شاه إلى جمال الدين بوثيقة سلمها علاء الملك سفير إيران في تركيا إلى الحكومة التركية تثبت بالأدلة القاطعة أن جمال الدين إيراني شيعي يختفي في ثياب الأفغاني، ويتّخذ المذهب السني ستاراً يحتمي به)([105]

وقد أشاد به كل القادة الفكريين والسياسيين للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومنهم مرتضى مطهري الذي قال عنه: (إن السيد جمال الدين الأسد آبادي، هو الرائد في الحركاة الإصلاحية خلال القرن المنصرم. هو أول من بدأ بتحريك الصحوات الإسلامية وكشف برؤية موضوعية عن هموم المجتمعات الإسلامية وقدّم الحلول للإصلاح والقضاء عليها…كانت حركته ذات طابع فكري واجتماعي في آن واحد… قد حظي السيد جمال الدين – بفضل حركته وحيويته – بمعرفة دقيقة للزمان والعالم المعاصرَين له وبمعضلات البلدان الإسلامية المطلوبة علاجها عنده. حسب تشخيصه يتصدر الإستبداد الداخلي في الحكم والاستعمار الخارجي قائمة أهمّ المشكلات المتجذرة في المجتمعات الإسلامية فقام بالتصدي لهما، وأخيراً بذل حياته في هذا السبيل)

ولخص الطرق التي يراها جمال الدين حلولا لخروج المسلمين من أزمتهم، ومنها: (مناهضة المستبدين في استئثارهم بالحكم، عبر تثقيف الشعب وتفهيمه مبدأ وجوب النضال السياسي على أساس الدين والشريعة.. التزوّد بالعلوم والصناعات الحديثة.. وعودة المسلمين إلى الشريعة الأصلية ونبذ الخرافة والبدع والزوائد التي أُلحقت بالإسلام على مدى العصور، برأي السيد أن هذه العودة إلى الشريعة الإسلامية الأولى، لا تتم إلا من خلال العودة إلى القرآن والسنة الموثقة وسيرة السلف الصالح.. والثقة والعقيدة بالشريعة وبأن الإسلام كشريعة ومنظومة عقدية، قادر على تحرير المسلمين والقضاء على الإستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي وأن يقدم العزة والسعادة للمسلمين.. ومعارضة الاستعمار الخارجي بجميع أشكاله السياسية والإقتصادية والثقافية.. ووحدة الإسلام.. وبث روح الكفاح والجهاد في جسد المجتمع الإسلامي الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة. قام باسترجاع أصل الجهاد إلى الأذهان والذي قد أصبح مهجوراً، كما اعتبر نسيانه عاملاً رئيسياً في تخلّف المسلمين.. والتصدي للذهول أمام الحضارة الغربية)([106]

وقال عنه الخامنئي: (السيد جمال الدين الكبير، ذلك الرجل الداعي للإسلام والهمام والمناهض، الكبير، أفضل مكان وجده مناسباً لنهضته، هي مصر، ومن ثم تلامذته محمد عبده والآخرين، هكذا سوابق الحركات الإسلامية في مصر)([107]

ونرى هذا البعد كذلك في الثورة الإسلامية الإيرانية التي لم تكتف بالدعوة لإصلاح إيران، وتحويلها إلى مركز من مراكز الحضارة الإسلامية، وإنما دعت إلى تصدير نموذجها النهضوي في العالم الإسلامي جميعا، وهو ما كان سببا فيما حصل لها من حروب وحصار.

ذلك أن الاستكبار العالمي لا يرضى لدول العالم الإسلامي أن تتخلى عن تبعيتها للغرب، ولا أن تتحلى بقيم الشريعة بصورتها النقية الصافية، ولهذا كان من أكبر تهمه لإيران ما يطلق عليه [تصدير الثورة]، والتي نرى أنها ليست تهمة مسيئة، بقدر ما هي مدح وشرف.

فمن خلال مطالعة تراث الخميني وغيره من القادة الفكريين لإيران، نجد إيمانهم بهذا المبدأ (تصدير الثورة)، ولكن ليس كما يفهم المغرضون، أي صورة التصدير بالسلاح وإيجاد الانقلابات العسكرية ونحوها، وإنما يقصدون به دعوة العالم الإسلامية للخروج من الهيمنة الغربية، والتحقق بالذاتية الإسلامية، وما تحويه من قيم.

ومن الأمثلة على ذلك قول الخميني في خطابه لسفراء الأقطار الإسلامية بمناسبة عيد الفطر عام 1400هـ: (إننا نعتبر الأقطار الإسلامية جميعاً جزءاً من وجودنا دون أن يعني ذلك أن تفقد وجودها المستقل، وإنما نريد لها أن تتمتع بما تمتع به الشعب الإيراني من مزايا الخلاص من براثن القوى الكبرى، وقطع أيديها عن منابعه الحياتية، نريد لهذه الحالة أن يتسع مداها لتشمل كل الشعوب).

ويفسر تصدير الثورة بقوله:(إننا نعني بتصدير الثورة أن تستيقظ كل الشعوب وكل الحكومات وتتخلل من قيود التبعية والتسلط)

ويضيف: (إننا ثرنا لنحيي الإسلام، ومن ثم لنصدر الثورة ـ بمشيئة الله ـ إلى كل مكان، ذلك إننا أخوة وأحبة، مما يزيد فينا الأمل للعمل سوية وبكل ما نستطيع لتعميم هذا الجهاد وتحقيق هذا الهدف)

ويقول في نفس الخطاب: (إننا إذ نعلن عزمنا على تصدير الثورة إلى كل الأقطار الإسلامية بل كل الأقطار التي يرزح فيها المستضعفون تحت نير المستكبرين، فإنما نريد من ذلك أن نحيي في الشعوب روح التحرك ضد المستكبر الفتاك، ونردم تلك الهوة بين الشعب والحكم المسلط عليه)

فالتصدير ـ حسب هذه النصوص وغيرها ـ يعني تصدير النموذج الحضاري والنهضوي الإيراني لجميع العالم الإسلامي مع الحفاظ على المزايا المحلية الخاصة بكل بلد.

وهذا ما يبرز بوضوح عند خطابه لمجموعة من الباكستانيين في خريف عام1980، فقد قال لهم: (هل تتصورون أن هدف الخطط الاستعمارية هو القضاء على إيران؟ كلا، إن الهدف هو القضاء على الإسلام، فليس الأمر يقتصر على قطر واحد فحسب، إنه يعم الأقطار الإسلامية جميعاً)

وهكذا نرى المغرضين أيضا يشوهون مصطلحا حضاريا أصدره بعض فلاسفة وعلماء إيران، وهو مصطلح (أم القرى)، والذي نسب لمحمد جواد لاريجاني رئيس جمعية الفيزياء والرياضيات في إيران، وهو مصطلح يقصد به التخطيط لتحويل إيران إلى مركز حضاري للأمة الإسلامية، بل للعالم الإسلامي، حتى يمثل الإسلام أحسن تمثيل، ولا علاقة للمصطلح بالهيمنة على مكة المكرمة ولا غيرها، لأن الهدف أكبر بكثير، وهو هدف حضاري لا استعماري.

وكان في إمكان المغرضين لو كانوا صادقين مع أنفسهم أن يدعو بلادهم إلى نفس الدعوة، حتى تتنافس بلاد العالم الإسلامي في التحقق بالأفضلية، والنموذج الحضاري الراقي الذي يؤهلها لأن تصبح أم المدن والقرى، ومركز الحضارة.

لكنهم، لا ينظرون إلا بعيون حسدهم وحقدهم، ولهذا تتحول المصطلحات في أذهانهم من معانيها الشرعية الصحيحة إلى معان سقيمة، تمثل أهواءهم وأحقادهم، ولا تمثل الحقيقة.

رابعا ـ إيران والحوار بين الحضارات:

من القيم الكبرى التي دعت إليها إيران ومثلتها، وانطلقت فيها من رؤيتها السلمية للتعامل مع القضايا العالمية ما يصطلح عليه [حوار الحضارات]، وهو مصطلح يمثل الرؤية الإسلامية في التعامل بين الشعوب، في مقابل الرؤية الغربية التي تتبنى [صراع الحضارات]، أو [صدام الحضارات] والذي صاغه ـ كعنوان لمقال وكتاب ـ صامويل هنتنجتون، والذي ادعى فيه بأن صراعات مابعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية واختلافاتها السياسية والإقتصادية، بل ستكون الاختلافات الثقافية المحرك الرئيسي للنزاعات بين البشر([108]).

وقد صاغ هذه النظرية ليرد بها على على أطروحة فرانسيس فوكوياما [نهاية التاريخ والإنسان الأخير]، والتي ذكر فيها فوكوياما أنه بنهاية الحرب الباردة، ستكون الديمقراطية الليبرالية الشكل الغالب على الأنظمة حول العالم.

لكن هنتغتون اعتبرها نظرة قاصرة، وجادل بأن صراعات مابعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية واختلافاتها السياسية والإقتصادية، بل ستكون الاختلافات الثقافية المحرك الرئيسي للنزاعات بين البشر في السنين القادمة.

ولم يكتف بذلك، بل راح يضع خارطة للحضارات التي يحتمل أن يحدث الصراع بينها، وهي: (الحضارة الغربية، والحضارة اللاتينية، والحضارة اليابانية، والحضارة الصينية، والحضارة الهندية، والحضارة الإسلامية (كل الدول ذات الأغلبية المسلمة)، والحضارة الأرثوذكسية، والحضارة الأفريقية، والحضارة البوذية)

وقد تبنت أمريكا ومعها الاستكبار العالمي هذا الطرح، ومن خلاله مارست كل ألوان الهيمنة على العالم الإسلامي حتى تجعله عاجزا عن أي مواجهة حضارية.

وفي مقابل هذه النظرة العنصرية الحاقدة الممتلئة بالصراع تقدم الرئيس محمد خاتمي رئيس الجمهورية الاسلامية الإيرانية في ذلك الحين، بمشروع [حوار الحضارات] نال اهتماماً عالمياً واسعاً، وأعلنت منظمة الامم المتحدة عام ٢٠٠١ عام حوار الحضارات ([109]).

وقد ذكر بعض الباحثين الفرق بين النظريتين، فقال: (إن مفهوم (صدام الحضارات) إيديولوجية جازمة، ومطلقة، تقسم العالم إلى صديق وعدو، وقريب وبعيد، وفي النهاية تؤدي للعداوة، ونشوء الصراعات بين البلدان والحضارات. وبالطبع نعلم أن هذه الصراعات بسبب السلطة الغربية وقوتها سوف تؤول للإضرار بالبلدان الصغيرة، ودول المنطقة، لكن مفهوم (حوار الحضارات والثقافات) بعكس ما سبق لا يقسم العالم إلى صديق وعدو، ويرى أن جميع الشعوب هي صاحبة حق واستقلال سياسي، ويريد السلام والسعادة والديمقراطية والمجتمع المدني للشعوب كلها، ويدعو الحكومات للتعايش السلمي، والمشاركة في بناء حياة البشر) ([110]

وقد قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر مستشارياتها الثقافية في بلدان العالم بنشاطات كثيرة للدعاية لهذا الحوار، وأقامت حوله المؤتمرات، ونشرت الكتب والإصدارات المختلفة، وهي لا تزال تمثل هذا المشروع، وتتصدر الدعوة إليه في العالم أجمع.

وقد قال وزير الثقافة والارشاد الإسلامي السيد أحمد مسجد جامعي في بعض النشاطات المقامة لهذا الغرض يذكر مدى شرعية هذه القيمة، وكونها من القيم التي تبنتها إيران طيلة تاريخها: (أعتقد أن الحضارة الإسلامية بسبب قيامها على أساس معرفي اهتمت بشكل خاص بالحرية والعقلانية.. وهذه الحضارة باتساع صدرها لأفكار المخالفين وآرائهم قد وفّرت الجوّ لعرض وجهات النظر المختلفة، ونشهد في التاريخ أن سعة الصدر هذه كلّما ضاقت، قلّ التنوع الفكري، وضاقت دائرة العقلانية أكثر، مما يؤدي إلى أفول هذه الحضارة)

ثم ذكر تطبيق إيران لهذا المشروع في تاريخها؛ فقال: (ومن نماذج هذا الاستيعاب الحميد نستطيع أن نذكر وقفيّة (ربع رشيدي) ووقفيّة (مدرسة خان) في شيراز.. ففي وقفيّة ربع رشيدي ينصّ الواقف على تخصيص ميزانية لترجمة مجموعة من الكتب سنوياً إلى العربية والفارسية (اللغتين العلميتين آنئذ)، وإرسالها إلى البلدان الأخرى، والمخاطبون في هذه الوقفية هم أهل الصين والهند، وهما من الأقاليم الحضارية الكبرى يومذاك.. وفي وقفية مدرسة خان بشيراز يخصص الواقف ريع الموقوفة على إرسال بعثة من أفراد هذه المدرسة إلى أرجاء العالم ليجمعوا الكتب المختلفة في دائرة العلوم والمعارف والحكمة، أو ليستخدموها ويضعوها تحت تصرف طلاب المدرسة، هذه الحركة توقفت برهة من الزمن، ولا عجب أن تكون هذه الوقفة مقرونة تقريباً بعصر بدء أفول الحضارة الإسلامية، وبنموّ الحضارة الغربية وازدهارها أيضاً)

وبناء على ذلك الاهتمام ظهرت الكثير من الدراسات العلمية التي تحاول أن تجعل من هذه النظرية نظرية علمية تقنع بها العالم أجمع، ومن تلك الدراسات دراسة عالم الاجتماع د. علي أصغر صباغ پور، والتي ذكر فيها احتياجات الحوار وضروراته على الصورة التالية([111]):

الاحتياجات الحضارية: فكل حضارة تحتاج إلى التعامل مع البيئات التي تحيط بها لأجل بقائها، وتفاعلها.. وفي هذه الحالة يبدو أن النظرة الدينامية إلى جانب النظرة الساكنة تساعدنا على تقوية الحضارة الخاصة بنا، ففي النظرة الساكنة نعد الحضارة بمثابة بناء، ونظام ميكانيكي كحد أعلى، في حين أنها في الحالة الدينامية تبدو كعضو حيٍّ، ونظام مفتوح له حياة، ووجود حيٌّ، ولديه القابلية للنمو. وفي عالمنا اليوم تتعلق دينامية الحضارات وبقائها بارتباطها ببعضها البعض.

الاحتياجات الدولية: إن كل حكومة ونظام سياسي يجران وراءهما جذورهما الحضارية. وإن نظرة الحكومات إلى السلام العالمي، والدبلوماسية والحرب، وغيرها، تتأثر بالمضامين الفكرية والثقافية والحركية للحكومات. ويتيح حوار الحضارات هذه الفرصة للحكومات بأن تعرض خلاصة حضارتها للأخرى ليصلوا إلى ميثاق عالمي، ولتنخفض الحوادث المرة، وغير المستساغة التي حصلت في الماضي (كالحروب) إلى حدها الأدنى، لتصل الشعوب إلى حالة من الثبات والاستقرار في قالب من السلام العالمي.

الاحتياجات الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية: لا بد لكل بلد من أجل الوصول إلى المصالح الوطنية من تحقيق صيانة الذات والاستقلال ووحدة الأرض والأمن القومي والأوضاع الاقتصادية الجيدة، وقد تساعد فكرة حوار الحضارات في الوصول إلى المصالح الوطنية، وما يليها، عبر عمليات معقدة تارة، وواضحة وجلية تارة أخرى.

وبذلك يمكن اعتبار إيران نموذجا متفردا في القيم الحضارية، ذلك أنها لم تمارس أي نوع من أنواع الاستعمار أو الاستكبار مع أي دولة من دول العالم، بل كل ما مارسته طيلة تاريخها هو الحوار عبر النتاج العلمي والثقافي.

لكن للأسف نجد المغرضين يتهمونها بالمؤامرة على العالم الإسلامي في نفس الوقت الذي يزكون فيه تركيا والخلافة العثمانية التي كانت عبئا ثقيلا على الأمة، وكانت مصدرا من مصادر الاستبداد الذي أخرها قرونا طويلة، وعندما حصل الاستعمار لتلك الدول لم تنهض لنجدتها، ولتعويض تلك الضرائب التي كانت تجبيها منها، وإنما اكتفت بالوقوف موقف المتفرج أحيانا، والداعم للمستعمرين أحيانا كثيرة.

هذا الكتاب

يحاول هذا الكتاب ـ من خلال الأدلة والوثائق الكثيرة ـ إثبات جانبين مهمين في إيران عبر مسيرتها التاريخية، وواقعها الحالي، وهما:

أولا ـ بيان أن الإيرانيين مسلمون منذ الفتح الأول، لم يتزحزحوا عن إسلامهم شعرة واحدة، وأن إسلامهم كان صادقا كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنهم لم يتآمروا على الإسلام بتحريف أحكامه، ولا على المسلمين بإعلان الحرب عليهم، كما يزعم المغرضون.

وذكرنا في الكتاب الكثير من التجليات والشواهد والبراهين الدالة على ذلك، ابتداء من اهتمامهم بالقرآن الكريم قراءة وتفسيرا وتفعيلا في كل جوانب الحياة.. ومثله اهتمامهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحسب ما وصلت إليهم نصوصها، وأنهم لأجل ذلك مؤمنون بعقائد الإسلام، ومنفذون لشرائعه، ومتحلون بقيمه الأخلاقية والروحية والحضارية، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

ثانيا ـ بيان أن إيران لم تتمسك بدينها تمسكا أنانيا، احتكرته لنفسها، وإنما راحت تستعمل كل الوسائل لخدمة الإسلام والمسلمين ابتداء من القرن الأول، حيث كانت أرضها منبعا لكل العلوم الإسلامية، ومحلا لتدريسها والكتابة فيها.

ففيها ظهرت أكبر تفاسير القرآن الكريم، وأكثر مجامع السنة النبوية، ومعظم ما كتب في العقيدة والفقه والأخلاق والعرفان، وكل العلوم العقلية والكونية.

وفيها كانت المدارس التي نشأ فيها كبار العلماء، وتتلمذت فيها أجيال طويلة من المسلمين، الذين استقر بهم الإسلام، وامتد في الأرض، لينشر هداية الله، ويلبس في كل عصر اللباس الذي يتناسب معه.


[1] من كلام له في لقاء مسؤولي النظام (23/7/1380)(15/10/2001).

[2] المرجع السابق.

[3] خطاب القائد في لقاء أعضاء الجمعيّة الإسلاميّة للطلبة الجامعيّين (7/11/2000).

([4])  المنقذ من الضلال (ص: 109)

([5])    المنقذ من الضلال ص114.

([6])    معراج السالكين، (الرسائل الفرائد) ص220 ـ 221.

([7])    تهافت الفلاسفة ص43.

([8])    المنقذ من الضلال ص102.

([9])    تهافت الفلاسفة ص38.

([10])    المنقذ من الضلال ص101.

([11])    المرجع السابق .

([12])    المنقذ من الضلال ص104.

([13])    المنقذ من الضلال ص108.

([14])    التأله: التنسك والتعبد، انظر: ابن منظور، لسان العرب 13 ص467 رقم: 8664.

([15])    المنقذ من الضلال ص109.

([16])    المرجع السابق ص110.

([17])    ابن العربي، العواصم من القواصم ص7.

([18])    المنقذ من الضلال ص111.

([19])    المرجع السابق .

([20])  أبعاد الحج، ص29.

([21])  المرجع السابق، ص30.

([22])  المرجع السابق، ص31.

([23])  المرجع السابق، ص31.

([24])  الوصية الإلهية السياسية، ص27.

([25])  المرجع السابق، ص31.

([26]) في رسالة بمناسبة ابتداء أسبوع الكتاب، 25/12/1993م

([27]) في لقاء له بأعضاء مجمّع الكتّاب المسلمين، 29/6/1992م.

([28]) في لقاء له مع المثقّفين والفنّانين، 23/7/2001م.

([29]) ميخائيل ألكساندر وفيتش شولوخوف ( 1905 -1984 ).

([30]) ألكسي نيكولا يفيتش تولوستوي (1883-1945).

([31]) ليو نيكولاو تولوستوي (1828 – 1910 ).

([32]) في لقاء له بجمع من الفنّانين، 25/11/1991م.

([33]) في لقاء له بالمدراء والمنتجين في المسلسل التلفزيوني “شاهد”، 3/1/1994م.

([34]) في لقاء له بالقيّمين على إحياء أسبوع الكتاب، 22/10/2006م.

([35]) في لقاء له بوزير الثقافة والإرشاد الإسلامي ومسؤولي الوزارة، 25/11/1992م.

([36]) هاورد فاوست (1914 ـ 2000).

([37]) في لقاء له بجمع من المنظّمات الطلابية في جامعات البلاد، 5/12/1996م.

([38])  المقدمة، ابن خلدون، ص 747 ..

([39])  المرجع السابق، ص747.

([40])  المرجع السابق، ص748.

([41])  المرجع السابق، ص748.

([42])  المرجع السابق، ص749.

([43])  المرجع السابق، ص749.

([44])  ابن خلكان 1: 385 والشريشي 2: 17 والبداية والنهاية 10: 176.

([45])  المنتظم في تاريخ الملوك والامم، ابن الجوزي، ج 9، ص 54..

([46])  سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج 8، ص 351..

([47])  خزانة الأدب، البغدادي، ج 1، ص 358..

([48])   مسالك الابصار في ممالك الامصار، ابن فضل الله العمري، ج 7، ص 86.

([49])  المدارس النحويه، شوقي ضيف، ج 1، ص 60..

([50])  الأعلام للزركلي (2/179، 180)، مع الهوامش، والبلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (1/14)، وفيات الأعيان (2/80)

([51])  تقع في محافظة فارس وهي مركز مقاطعة فسا، وتبعد عن شيراز مركز المحافظة 145 كم.

([52])  بُغية الوعاة (1/496)

([53])  وفيات الأعيان (2/80)

([54])  البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (1/13)

([55])  تاريخ بغداد (7/275)

([56])  غاية النهاية 1: 535 وابن خلكان 1: 330 وتاريخ بغداد 11: 403 ونزهة الالبا 81، 94 وطبقات النحويين 138.

([57])  الولاة والقضاة 485 و 546 وإنباه الرواة 1: 45 ومعجم الأدباء 3: 103.

([58])  الفهرست (ص 85).

([59])  تاريخ بغداد (10/170).

([60])  نزهة الألباء (ص 209).

([61])  المنتظم (5/102).

([62])  وفيات الأعيان 1: 298 وطبقات السبكي 3: 238.

([63])  البدر الطالع 2: 280 والضوء اللامع 10: 79 وبغية الوعاة 117 والعقود اللؤلؤية 2: 264 و 278 و 297.

([64])  ابن خلكان 1: 35 والأنباري 392 واليتيمة 3: 214 وآداب اللغة 2: 309 ومجلة المجمع العلمي 22: 501.

([65])  معجم الأدباء 2: 273، 343 والمنتظم 7: 179 وإنباه الرواة 1: 201 ومجلة المجمع العلمي العربيّ 19: 73.

([66])  وفيات الأعيان 1: 334 ويتيمة الدهر 2: 278 ومفتاح السعادة 1: 184.

([67])  معجم الأدباء، الحموي، ج2 ص 52.

([68])  وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ابن خلكان، ج 3، ص 307.

([69])  نشوار المحاضرة، التنوخي، ص 195.

([70])  سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج 16، ص 202 .

([71])  تاريخ بغداد، الخطيب، ج11 ص 397.

([72])  تاريخ ابن خلدون، ابن خلدون، ج 1، ص 554.

([73])  تاريخ ابن خلدون (1/ 631)

([74])  وفيات الأعيان 2: 261 ، وطبقات الأطباء 2: 167 – 171 ، والنجوم الزاهرة 6: 114.

([75])  انظر في ترجمته: أبو عبد الله الزنجاني، في مجلة المجمع العلمي العربيّ 9: 661 و 723 ثم 10: 29 وروضات الجنات 331 ومعجم المطبوعات 1174 والذريعة 2: 39 و 279 وأعيان الشيعة 45: 99.

([76])  سميح دغيم، موسوعة مصطلحات صدر الدين الشيرازي، ج 1، ص 11..

([77])  روضات الجنات 1: 114 ، والذريعة 2: 237 و 261 و 12: 153.

([78])  الميرداماد، الرواشح السماوية، ص 7..

([79])  الحر العاملي، أمل الآمل، ج 2، ص 249..

([80])  الكاظمي، مقابس الأنوار، ج 1، ص 16..

([81])  الميرداماد، الرواشح السماوية، ص 10..

([82])  القلائد الجوهرية 239 ومفتاح السعادة 1: 246 وشذرات الذهب 6: 207 وطبقات الشافعية 6: 31 و 275 , 272 ,.

([83])  ابن النديم 1: 299 وطبقات الأطباء 1: 309 – 321 ونكت الهميان 249.

([84])  شمس الله تشرق على الغرب، سيغريد هونكه، ص243.

([85])  د.عبد اللطيف محمد العبد، تحقيقه لكتاب، أخلاق الطبيب للرازاي، مكتبة دار التراث، القاهرة، 1977،ص 43.

([86])  انظر في ترجمته: الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي، حسن الأمين، ص54، والعلامة خواجة نصير الدين الطوسي ، محمد تقي مدرس رضوي ، تعريب علي هاشم الأسدي ، ص 21، وأعيان الشيعة، ج9 ص 416، و حسين الجابري ، نصير الدين الطوسي تاريخ وحضارة ، مجلة آداب المستنصرية ، 1999، ص 345،  نصير الدين الطوسى حياته وفلسفته ،دكتوراه، عبد الرحمن المراكبى، ا .د / محمد عبد الستار نصار، بكلية أصول الدين بالقاهرة 3344 ع 26.

([87])  نصير الدين الطوسي، خالد العاني، ص 9.

([88])  أخبار الحكماء 162 ، وتاريخ حكماء الإسلام 119.

([89])  انظر: نظرة على التطور التكنولوجي والعملي في إيران، صحيفة الوقت الالكترونية، وفي المقال التوثيقات الخاصة بما ذكره صاحبه.

([90])  انظر مقالا بعنوان: تطور إيران العلمي والتكنولوجي… يقلق إسرائيل، يحيى دبوق، جريدة الأخبار،  الإثنين 2 تشرين الثاني 2015.

([91])  انظر المقال في موقع قناة العالم، ٠٧ أغسطس ٢٠١٥ ..

([92])  صورة الأرض، ابن حوقل (2/ 434)

([93])  معجم البلدان ص 4/331.

([94])  رحلة ابن بطوطة (ص 401)

([95])  خراسان قديمي ترين پايگاه علوم اسلامي، مولوي عبد الحميد.

([96])  انظر: نبذة تاريخية عن مكتبات إيران، تأليف: ركن الدين هُمايون فَرُّخ، ج 2 ص 28، نشر وزارة الثقافة والفن، طهران 1968 م)

([97])  وهي تقع في وسط ايران، وتميل إلی غربها أكثر، وهي في جنوب العاصمة تبعد عنها 313 أو 420 كيلومتراً، وقد فاقت بجودة تربتها واستعدادها للزراعة وعذوبة مائها وطيب هوائها علی أكثر المدن الإيرانية، ومما زاد في حسن موقعها وجمالها أنها تقع علی ضفة النهر المشهورة بـ  [زاينده رود] وهو يجري اليوم داخلها، ولعل هذا سبب اهتمام أهل العلم بها..

([98])  آثار البلاد وأخبار العباد ص 296.

([99])  معجم البدان 1/209، 210.

([100])  طبقات المحدثين لأبي الشيخ ابن حيان 2/105.

([101])  تاريخ الأستاذ الامام 1: 27 – 102 وتاريخ الصحافة العربية 2: 293 – 299.

([102])  وهذا ما ذهب إليه أكثر الباحثين، ويذكرون أنه كان إيرانيًا من أسد آباد بالقرب من همدان، وأنه كان شيعيًا جعفري المذهب، بالرغم من حرصه على تلقيب نفسه بالأفغاني، وانخراطه في علماء أهل السنة في جميع البلدان الإسلامية التي زارها أو أقام فيها، ومن الأدلة التي ذكروها لذلك: (وجود عائلة جمال الدين في إيران، وعدم وجود أي أثر لها في أفغانستان.. أن اسم والد جمال الدين [صفدر]، اسم إيراني شيعي يعني: البطل ممزق الصفوف.. اهتمام جمال الدين بإيران ومشكلاتها أكثر من اهتمامه بأي قطر إسلامي آخر.. إجادة جمال الدين اللغة الفارسية باللهجة الإيرانية.. تمجيد جمال الدين للإيرانيين وإشادته بذكائهم)

([103])  ملامح اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج 3، ص 273..

([104])  المصدر السابق، ص 305..

([105])  جمال الدين الأسدابادي، ( ص 34)

([106])  الحركات الإسلامية في القرن الأخير في دراسة إجمالية، المطهري، مرتضى، ص20-29..

([107])  في خطبة له قبيل صلاة الجمعة في تاريخ 4 فبراير 2011.

([108])  انظر مقالا مفصلا في هذا: نظرية صراع الحضارات والاستراتيجية الأمريكية، همام السليم،   المركز الديمقراطى العربى،  30  أغسطس 2016.

([109])  محاضرات حول حوار الحضارات، محمّد علي آذرشب، ثقافتنا – العدد ٢ ، موقع إيران والعرب..

([110])  حوار الحضارات من منظور علماء الاجتماع في إيران، غسان حمدان، موقع معابر.

([111])  علي اصغر صباغ پور، گفتگوى تمدنها در جهان متغير، (= حوار الحضارات في عالم متغير)، مجلة گفتمان، العدد 3، طهران، 1999، ص 173 – 175.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *