إلى رمال الطفوف

إلى رمال الطفوف

يا رمال الطفوف الطاهرة..

جئت إليك من بلاد بعيدة لأسألك عن أولئك الذين اختلطت دماؤهم الزكية بذراتك؛ فحولوها إلى مغناطيس تنجذب إليه الأفئدة، وتحن إليه القلوب.. فهلا حدثتني عنهم..

هلا حدثتني.. وأجريت من مآقي الدموع التي تغسل عن قلبي تلك القسوة التي بثها قومي في قلبي حين جعلوني أتوهّم أن الحديث عنك وعن تلك الدماء الطاهرة التي سقت أرضك بدعة وهرطقة وزندقة ورفضا وفتنة..

حدثيني لأمتلأ بغضا وحربا لأولئك المجرمين المستبدين الذين راح قومي يضعون كل ألوان الطلاء ليزينوهم، ويمسحوا عنهم تلك الجرائم العظيمة.. وكان من جملة ذلك الطلاء تحريم الحديث عنك، وعن الطاهرين الذين سقوا أرضك.

حدثيني، فأنا أصبحت لا أبالي أن يسموني مهرطقا أو زنديقا أو مبتدعا.. فما أجمل أن أكون في أعينهم بتلك الصورة، ما دام المجرمون عندهم أولياء، والمستبدون عندهم صالحين، والمفسدون مصلحين.. وما دامت قد انتكست في أعينهم الأشياء، فصار الباطل عندهم حقا، والحق عندهم باطلا.

حدثيني، حتى أخرج من حزب يزيد ومعاوية والفئة الباغية، وأنضم إلى حزب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي خاطب أهل بيته، عليا وفاطمة والحسن والحسين، وقال: (أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم)([1])، وقال: (أنا حرب لمن حاربكم، سلم لمن سالمكم) ([2])

حدثيني.. فنحن الآن في زمنك أيتها الرمال الطاهرة، بعد أن كشفت الحقائق، وظهر المستور، وبرز ما حاول كل الطغاة ستره.

حدثيني فأحفاد يزيد وعمر بن سعد وحرملة والشمر كلهم قد عادوا من جديد، وصاروا علماء ومفتين، ومحدثين وفقهاء، وأرسلوا بكل سراياهم وكتائبهم ليعثوا في الأرض فسادا باسم الإسلام.. ولم يعد الإسلام بسببهم ذلك الدين الجميل الذي ضحى الإمام الحسين من أجله، وإنما صار دينا للقتل والسلب والنهب وكل أنواع الجرائم.

حدثيني ليسمع قومي الدين الصحيح الذي لم تمسه أيدي المجرمين الظالمين.. فلا يمكن لهم أن يميزوا بين دين الله ودين البشر قبل أن يميزوا بين أولياء الله، وأعدائه.

حدثيني.. فأنا لا أحب أن أخرج من هذه الدنيا قبل أن أشم عطر أولئك الصادقين المخلصين الذين أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. بل أخبرت عنهم كل المصادر المقدسة.. واعتبرت حبهم ولاية، وبغضهم فجورا.

حدثيني.. حتى أعيش بكل كياني ذلك المشهد الذي صوره أنس بن مالك، فقال: (استأذن مَلَكُ القَطْرِ ربه أن يزور النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأذن له، فكان في يوم أم سلمة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (احْفَظِي علينا البابَ لا يَدْخُلُ علينا أحَدٌ)، فبينا هي على الباب إذ جاء الحسين بن علي، فظفر فاقتحم ففتح الباب فدخل فجعل يتوثب على ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجعل النبي يتلثَّمه ويقبِّله، فقال له المَلَك: أتحبه؟ قال: نعم، قال: أما إن أمتك ستقتله، إن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه. قال: نعم. فقبض قبضة من المكان الذي يقتل فيه فأراه إياه فجاءه بسهلة أو تراب أحمر فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها. قال ثابت: كنا نقول: إنها كربلاء)([3])

ورسمته أم سلمة، فقالت: (كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيتي، فنزل جبريل فقال: يا محمد، إن أمتك تقتل ابنك هذا من بعدك. فأوما بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وضمه إلى صدره، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وديعة عندك هذه التربة)، فشمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (ويح كرب وبلاء) قالت: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أم سلمة، إذا تحولت هذه التربة دما فاعلمي أن ابني قد قتل)، قال: فجعلتها أم سلمة في قارورة، ثم جعلت تنظر إليها كل يوم وتقول: (إن يوما تحولين دما ليوم عظيم)([4])

وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي كنا نقرؤها في مصادر الحديث، ثم لا يُسمح لنا بالتفكير في معانيها.. ويحذروننا أننا إذا فكرنا في معانيها، فسنقع في الزندقة.. لذلك كنا نفعل مثلما كان يفعل اليهود، حين يرون وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كتبهم، لكنهم يسارعون إلى طمسه وتأويله خشية أن يتسرب إليهم اعتقاد نبوته.

حدثيني عن الإمام الحسين سيد شباب الأهل الجنة وبضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسبطه وريحانته.. ذلك الذي نكثت ذمته، وهتكت حرمته، وأريق بالظلم دمه..

حدثيني عن ذلك الشيب الخضيب، والخد التريب، والبدن السليب، والثغر المقروع بالقضيب، والودج المقطوع، والرأس المرفوع ([5]).

حدثيني عن ذلك الذي قتلوا بقتله الإسلام، وعطلوا الصلاة والصيام، ونقضوا السنن والأحكام، وهدموا قواعد الإيمان، وهملجوا في البغي والعدوان.. حتى أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتله موتورا، وعاد كتاب الله مهجورا، وغودر الحق مقهورا.. وظهر بعده التغيير والتبديل، والإلحاد والتعطيل، والأهواء والأضاليل([6]).

حدثيني عن الصبر والثبات حين تجلى في شخصه الكريم، فصار مثاله الصادق، وأسوته الحسنة.. فكان يردد في يوم عاشوراء بعد أن صبت عليه كل أنواع المآسي، وكل ألوان البلاء مخاطبا ربه عز وجل، قائلا له: (صبرا على قضائك يا رب، لاإله سواك، يا غياث المستغيثين، مالي رب سواك ولا معبود غيرك، صبرا على حكمك يا غياث من لا غياث له، يا دائما لا نفاد له، يا محيى الموتى، يا قائما على كل نفس بما كسبت احكم بينى وبينهم وأنت خير الحاكمين)([7])

حدثيني عن تلك الليلة التي جمع فيها الإمام الحسين أهله وأصحابه، فقال لهم: (إني لا أعلم أصحابا أصح منكم ولا أعدل ولا أفضل أهل بيت، فجزاكم الله عني خيرا، فهذا الليل قد أقبل فقوموا واتخذوا جملا، وليأخذ كل رجل منكم بيد صاحبه أو رجل من إخوتي وتفرقوا في سواد هذا الليل وذروني وهؤلاء القوم، فإنهم لا يطلبون غيري، ولو أصابوني وقدروا على قتلي لما طلبوكم)([8])

حينها قام أخوه العباس وغيره من أقاربه ليعبروا عن ذلك الصدق والثبات الذي نتج عن ولائهم لأهل بيت النبوة، فقالوا: (لم نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبدا)

فقال لهم الإمام الحسين: (يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم بن عقيل فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم)

فقالوا: (سبحان الله.. ما نقول للناس؟ نقول: إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الاعمام، ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا، لا والله ما نفعل ذلك، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلنا، ونقاتل معك حتى نرد موردك، فقبح الله العيش بعدك)([9])

حينها قام مسلم بن عوسجة، فقال: (أنحن نخلي عنك، بم نعتذر إلى الله في أداء حقك؟ لا والله حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، لا والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيك، أما والله لو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق ثم أحيا ثم أذرى، يفعل بي ذلك سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا)([10])

وقام زهير بن القين، وقال: (والله لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت، حتى أقتل هكذا ألف مرة، وإن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك)([11])

لقد سمعت كل هذه الكلمات الطاهرة يا رمال الطفوف.. وستشهدين بها عند الله.. وتشهدين معها على تلك التضحيات التي قدمها ذلك الإمام العظيم وأهل بيته الطاهرين، وأصحابه الأوفياء الصادقين.

لكنك لم تسمعي ما يردده قومي الذي تتلمذوا على عمر بن سعد وابن زياد وشمر بن ذي الجوشن.. والذي راحوا يتناسون كل تلك الأحاديث النبوية التي تشير إلى الحركة الحسينية وأهميتها ودورها في حفظ الدين.. ويذكرون بدلها ما ردده ابن تيمية من أن تلك الحركة لم تكن سوى حركة عشوائية فوضوية لا قيمة لها..

لم تسمعي لابن خلدون الذي راح يرمي الإمام الحسين بعدم قبول النصيحة، وبالجهل بالواقع؛ فيردد بكل جرأة: (فتبين بذلك غلط الحسين، إلا أنه في أمر دنيوي لا يضره الغلط فيه، وأما الحكم الشرعي فلم يغلط فيه، لأنه منوط بظنه، وكان ظنه القدرة على ذلك، وأما الصحابة الذين كانوا بالحجاز ومصر والعراق والشام والذين لم يتابعوا الحسين، فلم ينكروا عليه ولا أثمّوه، لأنه مجتهد وهو أسوة للمجتهدين به)([12])

ولم تسمعي له وهو يصور الأمر مثل غيره بحسابات الربح والخسارة، لا بحساب التكاليف الشرعية، وما تحمله من معان قد لا يمكن فهمها، مثلما حصل مع إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام؛ فيقول: (إنّ هزيمة الحُسين كانت أمراً محتّماً؛ لأنّ الحُسين لمْ تكن له الشوكة التي تمكّنه مِنْ هزيمة الاُمويِّين؛ لأنّ عصبية مضر في قريش، وعصبية قريش في عبد مناف، وعصبية عبد مناف في بني أُميّة، فعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس لا ينكرونه)([13])

ولم تسمعي لكل أولئك المتأثرين بابن تيمية وابن خلدون وغيرهما من أصحاب الهوى والأموي، والذين راحوا يرددون مقالتهما، ويهونون من شأن الإمام الحسين الذي يصورونه بصور لا تليق بأبسط الناس وأجهلهم؛ فكيف بسيد شباب أهل الجنة؟

لم تسمعي للشيخ محمد الخضري بك الذي تجرأ على أن يقول: (إن الحسين أخطأ خطأ عظيما في خروجه هذا الذي جرّ للأمة وبال الفرقة والاختلاف: وزعزع عماد ألفتها إلى يومنا هذا)([14])

ولم تسمعي للدكتور أحمد شبلي الذي راح يردد من غير أن يعقل ما يقول: (نجيء إلى الحسين لنقر ـ مع الأسف ـ أن تصرفاته كانت في بعض نواحي هذه المشكلة غير مقبولة فهو ـ أولا ـ لم يقبل نصح الناصحين وخاصة عبد الله بن عباس، واستبد برأيه، وثانيا ـ نسي أو تجاهل خلق أهل الكوفة وما فعلوه مع أبيه وأخيه وهو ـ ثالثا ـ يخرج بنسائه وأطفاله كأنه ذاهب إلى نزهة خاوية أو زيارة قريب ويعرف في الطريق غدر أهل الكوفة ومع هذا يواصل السير إليهم وينقاد لرأي بني عقيل ويذهب بجماعة من الأطفال والنساء وقليل من الرجال ليأخذ بثأر مسلم يا لله قد تكون ولاية يزيد العهد عملا خاطئا، ولكن هل هذا هو الطريق لمحاربة الخطأ والعودة إلى الصواب؟)([15])

ولم تسمعي لمحمد النجار، وهو يردد: (أما أحقية الحسين بالخلافة فهي فكرة تنطوي عليها قلوب الغالبية من الناس، ولكن ما قيمة هذه القلوب اذا لم تؤيدها السيوف وهي مع ذلك لا تقتضي الخروج، فان امامة المفضول مع وجود الأفضل جائزة، وقد كان علي بن أبي طالب يعتقد أحقيته بالخلافة ولم يخرج على أحد)([16])

ولم تسمعي لكل تلك الخطب والدروس التي تعج بها مساجد قومي ومدارسهم، والتي تنهل من أمثال أولئك الأساتذة والمشايخ، والتي تلوم الإمام الحسين، وتعتب عليه، لكونه لم يسمع نصيحة ابن عمر.

ويا لله.. منذ متى صار ابن عمر أستاذا للإمام الحسين؟.. وهل يمكن لابن عمر أو غيره أن يدعي ذلك؟.. وهل يمكن أن يوازى أو يساوى أحد مع ذلك الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه الإمام القدوة الذي جعله الله رمزا للحق، ولأهل الحق؟

ويا لله.. ألم يقرؤوا تلك الأحاديث الكثيرة التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الإمام الحسين، ومكانته في الدين؟

ألم يقرؤوا قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يخبر عن الدور الكبير الذي أنيط بالإمام الحسين، والذي لا يمكن فهم الدين فهما صحيحا من دون التعرف عليه، فقد قال في الحديث الذي اتفق على روايته الأمة جميعا: (حسين مني، وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط)([17])

أيوجد في اللغة حروف أبلغ من هذه الحروف في الدلالة على مكانة الإمام الحسين.. إنها تعبر بصراحة لا صراحة بعدها بأن الإمام الحسين لم يكن سوى تجسيد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فهو من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ورسول الله منه.. ولذلك فإن المجرمين لم يقتلوا فقط الإمام الحسين، وإنما قتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه.

هل تجدون في جميع مصادركم حديثا مثل ذلك الحديث في حق ابن عمر أو غيره، وهل ترون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك من باب المجاملة، وكيف يقوله وهو من لا ينطق عن الهوى، ولا يجري عليه ما يجري علينا من العواطف الأهواء؟

ولم يكتف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، بل كان يردد كل حين تلك المكانة العظيمة للإمام الحسين عند الله.. وأنه الإمام.. وأن على ابن عمر وغيره.. بل على جميع الأمة أن تسير خلفه.

لقد كان يقول لهم: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)([18]).. ولو أنهم تأملوا في هذا الحديث، وتجاوزوا به البشارة الغيبية المرتبطة بالآخرة، لعرفوا أن الإمام الحسين وأخاه سيدان أي مُتبعان، يتبعهما شباب أهل الجنة.. وهو دعوة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمن يريد الجنة أن يتخذ هذين الإمامين الجليلين إمامين له، يسير خلفهما مسلما لكل ما يفعلونه، فلا يصح للمأموم أن يقترح على الإمام.

وقد كان من واجب ابن عمر وغيره، أن يسيروا خلف الإمام الحسين، وأن يشجعوا الأمة جميعا على ذلك السير لتحصل الانتفاضة العظمى التي تحمي الأمة من أن تتحول إلى كسروية وقيصرية.. لكن الأمة لم تفعل.. لأن ابن عمر وأمثاله بدل أن يتحركوا مع إمام زمانهم صاروا ينصحونه، ويوجهونه، ويقترحون عليه.

والعجب العجاب أن هؤلاء الذين قعدوا عن نصرته.. كما قعدوا عن نصرة أبيه، حتى تمكن الطلقاء من أن يستلموا زمام الأمة.. هم أنفسهم الذين راحوا يبايعون أصحاب الملك العضوض، ويدعون إلى بيعتهم..

لقد ذكر المؤرخون أنه عندما ثار ابن الزبير، واستقرت له السيطرة على العراق عدا الكوفة والحجاز والمشرق توقف ابن عمر عن بيعة ابن الزبير، وكان يحرض الناس على الوقوف إلى جانب بني أمية، فقد روى البخاري عن نافع قال: (لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه)([19])

لقد ورد هذا الحديث في صحيح البخاري، وأصحاب الملك العضوض يستدلون به على صحة بيعة أولئك الفسقة والمجرمين والمحرفين للدين، في نفس الوقت الذي يروون فيه أحاديث عن مناقب أهل البيت، وعن ظلم الأمة لهم، ومع ذلك يعتبرونها من الفضائل التي لا ينجر عنها أي عمل.

وهكذا عندما قامت دولة بني مروان والتي كان على رأسها عبد الملك بن مروان كان ابن عمر من المسارعين إلى بيعتهم، ومد يد الطاعة لهم، وقد روى البخاري بإسناده عن عبد الله بن دينار قال: (لما بايع الناس عبد الملك كتب إليه عبد الله بن عمر: إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وإن بني قد أقروا بمثل ذلك)([20])

وقد بقي ملتزما بتلك البيعة والطاعة المطلقة لبني مروان حتى بعد تلك الجرائم العظيمة التي قاموا بها، من رمي الكعبة الشريفة بالمنجنيق وغيرها، ولذلك كان مقربا من عبد الملك بن مروان، وأمر الحجاج بأن يصلي خلفه([21]).

اعذريني أيتها الرمال الطاهرة.. فقد جعلني التعجب من تلك العقول أغفل عنك وعن تلك الدماء الزكية التي روت ترابك الطاهر.. فنحن صرنا كلما ذكرت وذكرت معك تلك المأساة العظيمة نغفل عن كل تلك التضحيات بالجدل.

ولهذا كلما حلت عاشوراء راح قومي يستعملون كل الوسائل ليسدوا الآذان عن ذكرك.. وذكر كل ما جرى على حباتك الطاهرة، ويفعلون ما كان يفعله المشركون عندما كانوا يرددون: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26]

ما عساي أقول لك.. وأنا الذي أعيش كل حين تلك المشاهد المأساوية التي لم ير التاريخ مثلها مرسومة على مرائي حباتك الطاهرة.

وهل رأى التاريخ مثل أبي الفضل العباس.. قمر بني هاشم.. ذلك الأخ البطل المواسي لأخيه في أحلك الظروف.. ذلك الذي جاءه شمر بن ذي الجوشن بكتاب الأمان عصر التاسع من المحرم، فقال له العباس: (تبت يداك ولعن ما جئت به من أمانك يا عدو الله! أتامرنا أن نترك أخانا وسيدنا الحسين بن فاطمة، وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء؟! أتؤمننا وابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا أمان له؟!)([22])

وقبل ذلك، وعندما نفذ ما عندهم من الماء، ذهب ليسقي لهم، فحمل عليه الجبناء، وحمل عليهم حتى ضعف بدنه، فكمن له بعضهم، فضربه على يمينه، فأخذ السيف بشماله، وحمل وهو يرتجز:

يا نفس لا تخشي من الكفار

  وأبشري برحمة الجبار

مع النبي السيد المختار

  قد قطعوا ببغيهم يساري

 فأصلهم يا رب حر النار

فضربه اللعين بعمود من حديد فقتله([23]).

حدثيني عنه أيتها الرمال الطاهرة.. فقد صار ساقيا للعطاشى.. ونحن كلما عطشنا تذكرناه.. وطلبنا منه أن يسقينا من بحر الإيثار والتضحية والبذل وجميع القيم الرفيعة.. وهو لا يزال يسقينا منها جميعا.. ولا نزال نحنّ كل يوم لشرب ذلك الماء الطاهر الذي اختلط بدمائه.

حدثينا عنه.. ولا تنسي أن تحدثينا عن علي الأكبر.. ذلك الذي تحول إلى إسماعيل المذبوح، بعد أن أحيا الإمام الحسين قيم التضيحة والتسليم لله.. ذلك الذي كان أشبه الناس بجدّه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً.. ذلك الذي قال عنه الإمام الحسين عندما خرج للقتال يوم عاشوراء: (اللهم اشهد على هؤلاء، فقد برز إليهم أشبه النّاس برسولك محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً، وكنّا إذا اشتقنا إلي رُؤيةِ نَبيك نَظرنا اِليه)([24])

ذلك الذي خرج يوم عاشوراء بسيفه يردد مرتجزا([25]):

أنا علي بن الحسين بن علي

  نحن وربّ البيت أولى بالنبي

تالله لا يحكم فينا ابن الدعي

  أضرب بالسيف أحامي عن أبي

 ضرب غلام هاشمي قرشي

ذلك الذي رجع إلى أبيه بعد أن قاتل الأعداء بكل ما تعلمه من أبيه وجده من بطولة، وقال: (يا أبت العطش قد قتلني وثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربة ماءٍ من سبيل؟)، فقال له الإمام الحسين: (قاتل قليلاً فما أسرع ما تلقى جدّك محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها)([26])

ذلك الذي قال قبل استشهاده مخاطبا أباه: (يا أبتاهُ هذا جَدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد سَقاني بكأسه الأوفى شِرْبةً لا أظمأ بعدها أبداً وهو يقولُ العَجَل العَجَل فإنّ لك كأساً مذخورة)، ثم فاضت روحه الطاهرة ([27]).

حدثيني عنه.. فهو لا يزال حيا بيننا.. وكلما اشتقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظرنا إليه.. فهو رمز الشجاعة والبذل والتضحية والصدق.. وكل الشهداء الذين ارتقوا وهم يواجهون الباطل، لم يكن لهم من معز ولا مواس مثل ذلك الأكبر الذي ملأ القلوب بمحبته.

حدثينا عنه.. وحدثينا عن أولئك الصحب الطيبين الذين آثروا الآخرة على الدنيا.. وامتلأوا محبة لأهل بيت النبوة.. فلذلك اختلطت دماؤهم بدمائهم.. ونالوا شرف أن يذكروا معهم، كما نال سلمان الفارسي شرف أن يصبح من أهل بيت النبوة في الوقت الذي أُبعد فيه أبو لهب.. وكل أولئك الذين باعوا قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحظوظ الدنيا..

حدثينا عن حبيب بن مظاهر.. ذلك العابد المجاهد الصادق.. الذي اختاره الله ليكون من السبعين رجلا الذين نصروا الإمام الحسين في كربلاء، وصبروا على البلاء حتى قتلوا معه، وكان عابداً ورعا تقيا ومراعيا لحدود الله تعالى، حافظا للقرآن الكريم، يختمه في كل ليلة من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر([28]).

ذلك الذي أرسل إليه الإمام الحسين رسالة يقول فيها: (إلى الرجل الفقيه حبيب بن مظاهر: أما بعد، يا حبيب! فأنت تعلم قرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنت أعرف بنا من غيرك، وأنت ذو شيمة وغيرة، فلا تبخل علينا بنفسك، يجازيك جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة)([29])

وما أسرع ما أجاب الرسالة، وما أسرع ما وفى بالعهد، فلم ينكث، وعندما وصل إلى الإمام الحسين، ورأى قلة أنصاره وكثرة محاربيه، قال له: إن هاهنا حيّا من بني أسد فلو أذنت لي لسرت إليهم ودعوتهم إلى نصرتك لعل الله أن يهديهم وأن يدفع بهم عنك! فأذن له الحسين؛ فسار إليهم حتى وافاهم فجلس في ناديهم ووعظهم وقال لهم: (يا بني أسد قد جئتكم بخير ما أتى به رائد قومه، هذا الحسين بن علي أمير المؤمنين وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد نزل بين ظهرانيكم في عصابة من المؤمنين، وقد أطافت به أعداؤه ليقتلوه، فأتيتكم لتمنعوه وتحفظوا حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه)، فخرجوا معه، فعارضهم عمر بن سعد ليلا ومانعهم فلم يمتنعوا فقاتلهم، فلما علموا أن لا طاقة لهم بهم تراجعوا في ظلام الليل وتحملوا عن منازلهم، وعاد حبيب إلى الحسين فأخبره بما كان، فقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله ﴾ [التكوير: 29]، ولا حول ولا قوة إلا بالله)([30])

هذا هو الموقف الطبيعي الذي كان على جميع الصحابة والتابعين.. وجميع المعاصرين له أن يقفوه.. لا أن يقفوا متفرجين يكتفون بالنصائح، وهم يعلمون أن الإمام الحسين لم يتحرك أي حركة من عنده، بل حركته من الله وبالله، وبتوجيه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ألا تزالين أيتها الرمال الطاهرين تذكرين ذلك النداء الذي نادى به الإمام الحسين في صبيحة العاشر من المحرم، بعد أن جعل زهير بن القين على الميمنة، وحبيب بن مظاهر على الميسرة، ووقف في القلب وأعطى الراية لأخيه العباس: (أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم عليّ.. أو لم يبلغكم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟!)، فرد عليه الشمر قائلا: (هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول)، فقال له حبيب بن مظاهر: (والله إنّي أراك تعبد الله على سبعين حرفا، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله على قلبك)([31])

في ذلك اليوم قاتل حبيب بن مظاهر قتالا شديدا، إلى أن من الله عليه بالشهادة، واجتز رأسه الشريف، حينها خاطبه الإمام الحسين قائلا: (لله دَرُّكَ يا حبيب، لقد كنتَ فاضلاً تختم القرآن في ليلة واحدة)([32])

وهكذا حدثينا عن مسلم بن عوسجة، ذلك الشيخ الذي لم يمنعه كبر سنه، ولا مكانته من قومه من نصر إمامه، وقد شرفه الله تعالى بأن يكون أول شهيد من أنصار الحسين بعد الحملة الأولى، على الرغم من كونه كان شيخاً كبير السن، وشخصية بارزة في قومه، بل شخصية بارزة في الكوفة، وكان فوق ذلك من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن رواة حديثه([33]).

ذلك الذي شهد التاريخ له أنه كان شجاعاً وجريئاً، وشهد مع الإمام علي كلّ غزواته.. ذلك الذي شهد له الإمام الحسين بالصدق والثبات على العهد، فقال مخاطبا له بعد استشهاده: (رحمك الله يا مسلم بن عوسجة، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23])([34])

وقد روي أنه بعد إصابته، وفي آخر لحظات حياته قدم إليه الحسين ومعه حبيب، فقال حبيب: عزَّ عليَّ مصرعك يا مسلم، أَبشر بالجنّة! فقال له مسلم قولاً ضعيفاً: بشّرك الله بخير. فقال حبيب: لولا أنّي أعلمُ أنّي في إثرك لاحقٌ بك من ساعتي هذه لأحببتُ أن توصي إليَّ بكلّ ما أهمّك حتّى أحفظك في كلّ ذلك بما أنت له أهل من الدين والقرابة؛ فقال له: بلى، أوصيك بهذا رحمك الله! وأومأ بيديه إلى الحسين أنْ تموت دونه! فقال حبيب: أفعل وربّ الكعبة ([35]).

وهكذا حدثينا عن زهير بن القين، ذلك التائب الصادق في توبته، والذي روى المؤرخون أنه عندما بعث الإمام الحسين إليه رسولا يستدعيه، كره الذهاب إليه، فقالت له زوجته دلهم بنت عمرو: يا سبحان الله أيبعث اليك الحسين بن فاطمة ثم لا تأتيه، ما ضرك لو أتيته فسمعت كلامه ورجعت، فذهب زهير على كره، فما لبث أن عاد مستبشرا ضاحكا وقد أشرق وجهه، فأمر بفسطاطه فقلع، وضم فسطاطه بركب الإمام الحسين، ثم ودع زوجته، وقيل أنه قال لها: (أنت طالق، فتقدمي مع أخيك حتى تصلي إلى منزلك، فإني قد وطنت نفسي على الموت مع الحسين)([36])

وقال لمن كان معه من أصحابه: (من أحب منكم أن يتبعني، وإلا فانه آخر العهد)، ثم قال: (إني سأحدتكم حديثا: غزونا بلنجر، ففتح الله علينا، وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الفارسي: (أفرحتم بما فتح الله عليكم، وأصبتم من الغنائم؟)، فقلنا: نعم، فقال لنا: (إذا أدركتم شباب آل محمد، فكونوا أشد فرحا بقتالكم معه بما أصبتم من الغنائم)، فأما أنا فإني أستودعكم الله([37]).

وروي أنه قال بعد سماعه خطابا للإمام الحسين: (قد سمعنا ـ هداك الله ـ يا ابن رسول الله مقالتك، والله لو كانت الدنيا باقية وكنا فيها مخلدين، إلا أن فراقها في نصرك ومواساتك، لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها)؛ فدعا له الحسين، وقال له خيرا ([38]).

وروي أنه قال لعزرة بن قيس([39]): (اتق الله يا عزرة؛ فإني لك من الناصحين، أنشدك الله يا عزرة أن لا تكون ممن يعين أهل الضلالة على قتل النفوس الزكية)، فقال له عزرة: يا زهير، ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت إنما كنت على غير رأيهم؟)، فقال زهير: (أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم، أما والله ما كتبت إليه كتابا قط، ولا أرسلت إليه رسولا، ولا وعدته نصرتي، ولكن الطريق جمع بيني وبينه، فلما رأيته ذكرت به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومكانه منه، وعرفت ما يقدم عليه عدوه، فرأيت أن أنصره، وأن أكون من حزبه، وأجعل نفسي دون نفسه لما ضيعتم من حق رسوله)([40])

وهكذا استمر يناضل عن الإمام الحسين إلى آخر لحظات حياته، وقد أجاب الإمام الحسين عندما طلب من أصحابه الفرار بأنفسهم بقوله: (والله لوددت أني قتلت، ثم نشرت، ثم قتلت، حتى أقتل هكذا ألف مرة، وإن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك)([41])

وهكذا حدثينا عن سعيد بن عبد الله الحنفي، صاحب ذلك الشعار العظيم الذي لا يزال الحسينيون يرددونه، فقد قال ليلة عاشوراء جوابا لطلب الإمام الحسين من أصحابه الانصراف عنه، والفرار بأنفسهم: (لا والله لا نخلّيك حتى يعلم الله إنّا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذرّيته فيك، والله لو قتلت ثم أُبعث حيّاً، ثم أحرق، ويفعل بي ذلك سبعين مرة ما تركتك وحدك، وكيف أفعل ذلك وإنّما هي موتة وقتلة واحدة ثم بعدها الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا)([42])

حدثينا عنهم جميعا.. فلا يمكن أن نسير في طريق الكمال والتضحية، ونحن لا نشنف آذاننا بسماع أحاديثهم، أو نعطر قلوبنا بشم روائحهم الزكية.

ولا تنسي يا رمال الطفوف أن تحدثينا عن ذلك الذي لم يدع لأحد من الناس وصف تضحيته وشهادته.. بل تولاها بنفسه.. لتبقى عبرة للأجيال.. فهو يعلم من صباه الباكر المصير الذي سيصير إليه، والتضحية التي ندب لها.. والوظيفية التي وكلت إليه.

لقد قال حين عزم على مغادرة الحجاز والتوجه الى العراق: (كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلاة بين النواويس وكربلا، فيملأن مني أكراشا جوفا، وأجربة سغبا، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحمته، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس، تقربهم عينه، وينجز بهم وعده، ألا ومن كان فينا باذلا مهجته، موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإني راحل مصبحا إن شاء الله تعالى)([43])

وهذا كاف للعقول التي تسلم لربها، لتعلم أن الإمام الحسين لم يتحرك أي حركة بإملاء من اجتهاد أو رأي.. بل حركاته كلها مضبوطة بموازين النبوة ووصاياها، كما عبر عن ذلك بقوله: (لن تشذ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحمته)

ولذلك كانت حركته ليست مرتبطة بعصره فقط، بل هي مرتبطة بجميع العصور.. والإمام الحسين بتلك التضحيات أراد أن يعيد للأمة وعيها، لتنهض من جديد، وباستعمال كل الطرق لإحياء الدين الصحيح، ومقاومة الدين المحرف.. ولذلك كانت صرخته: (هل من ناصر ينصرنا، هل من معين يعيننا، هل من ذاب عن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([44]) ممتدة في الأجيال يسمعها كل المخلصين الصادقين الذين نذروا أنفسهم ليكونوا من أصحاب الحسين، حتى لو حالت بينه وبينهم الأزمان.

حدثينا يا رمال الطفوف بأمثال هذه الأحاديث لنستعيد وعينا، وننهض من رقدتنا.. فلا يمكن لنا أن ننتصر على يزيد الأحقاد، وشمر الكراهية، وحرملة الضغائن، ما لم نحتضن كل أولئك الطاهرين الذين تشرفت أيتها الرمال باحتضانهم.


([1]) رواه الترمذي ج 2 ص 319، الحاكم فى المستدرك: 3/149.

([2]) قال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (9/ 169): رواه أحمد والطبراني، وفيه تليد بن سليمان، وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح.

([3]) ابن حبان في صحيحه (6742)، وقال عنه الشيخ شعيب الأرناؤوط: حديث حسن، أحمد في مسنده (13539)، أبو يعلى (363).

([4]) المعجم الكبير، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني، المحقق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 3/108.

([5]) المزار الكبير، أبو عبدالله محمد بن جعفر بن المشهدي، ص 221.

([6]) المرجع السابق.

([7]) مقتل الحسين  للمقرم: 357، ينابيع المودة: 418 .

([8]) الفتوح 5: 105، تاريخ الطبري 3: 315، الكامل في التاريخ 2: 559، اعيان الشيعة 1: 600، وقعة الطف: 197.

([9]) الارشاد: 231، تاريخ الطبري 3: 315، الكامل في التاريخ 2: 559، العوالم 17: 244، وقعة الطف: 198..

([10]) المراجع السابقة.

([11]) المراجع السابقة.

([12]) ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، عبد الرحمن بن محمد بن محمد، ابن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي، المحقق: خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، الطبعة: الثانية، 1408 هـ – 1988 م، 1/270.

([13]) المرجع السابق، 1 /152.

([14]) محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية، محمد الخضري بك،  المحقق: محمد العثماني،  دار القلم، 1406 – 1986، 1 / 517.

([15]) موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية،أحمد شلبي، مكتبة النهضة ، 2 / 201.

([16]) الدولة الأموية فى الشرق بين عوامل البناء ومعاول الفناء، محمد الطيب النجار، دار الاعتصام للطباعة والنشر والتوزيع، 1977، ص 102 .

([17]) رواه جمع كبير من المحدثين، منهم: 15- الأدب المفرد، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله (المتوفى: 256ه)، حققه محمد فؤاد عبد الباقي، دار البشائر الإسلامية – بيروت، الطبعة الثالثة، 1409 – 1989، (ص133، رقم 364)، وسنن الترمذي، محمّد بن سورة الترمذي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، (5/658، رقم 3775) وقال : حسن، وابن ماجه (1/51، رقم 144)، المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري، دار الفكر، 1398 ه‍، بيروت (3/194، رقم 4820)، وقال: صحيح الإسناد، مسند أحمد بن حنبل، أحمد بن حنبل، دار الفكر، بيروت، (4/172، رقم 17597)، المصنف في الأحاديث والآثار، ابن أبي شيبة، تقديم كمال يوسف الحوت، 7 مجلدات، دار التاريخ، الطبعة الأولى، بيروت (6/380، رقم 32196)، وانظر: بحار الأنوار، محمّد باقر المجلسيّ، بيروت، مؤسّسة الوفاء، 1403ق:( 43 / 261 / 1 وص 264 / 16)

([18]) رواه أحمد في المسند، (3/62، 82) وفي (3/64) وفي (3/80) والترمذي (3768)، انظر: تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي، المحقق: عبد الصمد شرف الدين، طبعة: المكتب الإسلامي، والدار القيّمة، الطبعة2، 1403هـ، 1983م، (4134)

([19]) صحيح البخاري (9/ 57)

([20]) المرجع السابق (9/ 77)

([21]) البداية والنهاية: 8/334.

([22]) كتاب الفتوح، الكوفي، أحمد بن أعثم، تحقيق: علي شيري، بيروت ، لبنان، الناشر: دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، 1411 هـ، ج5، ص94. الحائري، معالي السبطين، محمّد مهديّ الحائريّ المازندرانيّ، قم، منشورات الشريف الرضيّ، ج1، ص433. أبي مخنف، وقعة الطفّ، لوط بن يحيى الأزديّ، (أبو مخنف) تحقيق محمّد هادي اليوسفيّ، قم، انتشارات جامعة المدرّسين، 1367ش، ص 219-220.

([23]) ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 108..

([24]) اللهوف، ابن طاووس، ص 139، مثير الأحزان، ابن نما الحلي، ص 68..

([25]) مقتل الحسين، المقرم، ص 321.؛ الإرشاد، ج 2، ص 106..

([26]) مقتل الحسين، الخوارزمي، ج 2، ص 35..

([27]) مقاتل الطالبين، أبو الفرج الأصفهاني، ص 115.؛ ابن طاووس، اللهوف، ص 49؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 45، ص 44..

([28]) الشيخ عباس القمي، نفس المهموم، ص۱۲۴..

([29]) ابن جرير، الطبري، ج۵، ص۳۵۲، ۳۵۵، ۴۱۶..

([30]) الأمين، أعيان الشيعة، ج۴، ص۵۵۴ ..

([31]) المفيد، الإرشاد، ج 2، ص 98..

([32]) محمد مهدي الحائري، شجرة طوبى، ج 2، ص 442..

([33]) أنصار الحسين:93.

([34]) الكامل في التاريخ، ج4، ص 76-86 ، تاريخ الأمم والملوك، ج 76 ص 643-363 ؛ الإرشاد، ص 237؛ إعلام الوري، ص 142.

([35]) بحار الأنوار20:45، ابن طاووس، اللهوف، ص 64.

([36]) تاريخ الطبري، ج 4، ص 396 والشيخ المفيد، الإرشاد، ج 2، ص 72 – 73.

([37]) أنساب الأشراف ج3، ص167- 168. وتاريخ الطبري ج4، ص 298، تنقيح المقال ج1، ص452-453.

([38]) أنساب الأشراف ج3، ص171. وتاريخ الطبري، المجلد 4، ص 305، والملهوف، ص 138.

([39]) عزرة بن قيس بن غزية الأحمسي البجلي الدهني الكوفي، ورد باسم عروة بن قيس في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (الإرشاد 2/ 38 و84 و95 و104)، وهو أحد قادة جيش عمر بن سعد، الذي قاتل الإمام الحسين A في كربلاء، ولد قبل الهجرة النبوية الشريفة، وقد بعثه أبو بكر إلى أرض العراق، ثم استعمله عمر بن الخطاب والياً على حلوان، وحاول فتح شهرزور فلم يقدر عليها، وكان أحد الذين كاتبوا الإمام الحسين A وطلبوا منه القدوم إلى الكوفة، وبعثه عمر بن سعد رسولاً إلى الإمام الحسين، وهو في نينوى – من أرض كربلاء – فاستحيا أن يأتيه، لأنه كان ممن كاتبه، وقد جعله ابن سعد قائداً على خيل أهل الكوفة التي سارت لقتال الإمام الحسين، وكان أحد الاشخاص الذين حملوا رأس الإمام الحسين A  وأصحابه، وقدموا بها إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة، انظر: مختصر تاريخ دمشق 17/ 33، تاريخ الطبري 3/ 317 و325، والكامل في التاريخ 3/ 38..

([40]) الفتوح ج 5، ص 177 -178 . أنساب الأشراف ج 3، ص 184 . مقتل الحسين الخوارزمي ج 1، ص 353 – 354 . تاريخ الطبري، المجلد 4، صص 315-316.

([41]) تاريخ الطبري، المجلد 4، ص 318. الأرشاد ج2 ص92. الملهوف، ص 153.

([42]) أعيان الشيعة 7: 241.

([43]) الحدائق الورديّة، حسام الدين المحلّى، صنعاء، جامع النهرين: 1 / 117، مفتاح الافكار (ص 148) كشف الغمة 2 / 241.

([44])  اللهوف لإبن طاووس ص:50، اعيان الشيعة للسيد الأمين ج:1 ص:609، نفس المهموم للقمي ص:349.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *