إلى الثوار المضطهدين

إلى الثوار المضطهدين

إلى الثوار من أهل بيت النبوة، الذين ضيعت الأمة وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، فقتلتهم، وشردتهم، وعلقتهم على الصلبان، وراحت تتمسح بأعدائهم، ومحاربيهم، تثني عليهم، وتتعبد الله بتقديسهم.

إلى أولئك الأبطال الشجان الذين سُجنوا وقتلوا وصلبوا، ووضعت رؤوسهم على الرماح، وحرّقت أجسادهم، وهم يطالبون بالعدالة، ويواجهون الملك العضوض والفئة الباغية، وكل أنواع التحريف والتبديل.

يا زيد بن علي.. ويا يحي بن زيد.. ويا صاحب النفس الزكية.. ويا إبراهيم.. ويا إدريس.. يا من سجلت أخباركم الدواوين، وأنتم تقفون بكل قوة في وجه أعظم موجة استبداد وتحريف عرفها التاريخ.

تحية لكم، ولبطولاتكم، وثوراتكم، ولكل الشهداء الذين سقطوا بين أيديكم، وهم يؤدون الرسالة، وينوبون عن الأمة في حمل الراية، ليبقى نور الله مشعا، لا تطفئه أيدي البشر.

فبدمائكم الزكية، وتضحياتكم العظيمة بقي الإسلام، ولم يستطع أصحاب الملك العضوض، ولا الفئة الباغية إطفاء نوره.. لأن أجسادكم التي علقت على الصلبان، لا تزال منارات نهتدي بها إلى التفريق بين أهل الحق وأهل الباطل، وبين أصحاب دين الله، وأصحاب دين البشر.

فأنتم لم تمارسوا ذلك الجهاد المزيف الذي راح يروع الآمنين، ويسبي النساء والأطفال، ويسلب الأموال، وينتهب الثروات، ويمارس كل أنواع اللصوصية، ليقدمها جميعا عربونا لأصحاب الملك العضوض، باسم الفتح ونشر الإسلام.

وإنما رحتم إلى مركز الشر نفسه، تحاربونه، وتواجهونه بكل أنواع المواجهة، وتقدمون دماءكم رخيصة في سبيل ذلك..

ولم تذهب دماؤكم هدرا أيها الأبطال الشرفاء ـ كما يذكر أعداؤكم ـ فلا زلنا إلى عصرنا هذا نتزود منها كل أنواع البطولة والشجاعة والتضحية والإخلاص.

نعم.. جماهير الناس، وتحت ضغط أصحاب الملك العضوض، وسدنتهم من الذين باعوا دينهم بدنيا غيرهم، نسوكم، وغفلوا عنكم، وشوهوا ثوراتكم، واعتبروكم من الخوارج، وراحوا إلى أعدائكم يلمعونهم، ويترضون عنهم..

ولكن هيهات، فلا يمكن للشيطان أن يتحول ملاكا، ولو تليت فيه كل قصائد المديح.. ولا يمكن للملاك أن يتحول شيطانا، ولو كتبت فيه كل قصائد الهجاء، ورمي بكل ألفاظ البذاءة.

وهكذا أنتم.. فأنتم أنوار صرفة.. ووجودات مقدسة.. ومرائي للحقيقة لا يمكن تدنيسها.. فأنتم الذين حفظتم رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووصاياه في الوقت الذي ضيعها غيركم.

لقد كانت حركاتكم كلها تطبيقا لتلك التعليمات النبوية، التي حاول سدنة الطواغيت أن يتكتموا عليها، وأن يستبدلوها بالدعوة للركون للسلطان والخضوع له، وتحريف الدين من أجله.

لقد كانت حركاتكم تنفيذا لما ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه ولستم بتاركيه، يمنعكم الفقر والحاجة، ألا إن رحى بني مرح قد دارت، وقد قتل بنو مرح، ألا إن رحى الإسلام دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون أمراء يقضون لكم، فإن أطعتموهم أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم) قال: يا رسول الله، فكيف نصنع؟ قال: (كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم، نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب موت في طاعة خير من حياة في معصية الله عز وجل)([1])

ثم ذكر صلى الله عليه وآله وسلم ما حصل للأمم الأخرى، فقال: (وإن أول ما نقص من بني إسرائيل كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر شبه التعذير إذا لقي أحدهم صاحبه الذي كان يعيب آكله وشاربه كأنه لم يغب عليه شيئا، فلعنهم الله على لسان داود وعيسى ابن مريم، ﴿ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُون﴾ [سورة البقرة:61]، والذي نفس محمد بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، فتأطروه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض)

وفي حديث آخر عن كعب بن عجرة، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن على وسادة، فقال: يا كعب بن عجرة، أعيذك بالله من إمارة السفهاء، قلت: يا رسول الله، وما إمارة السفهاء؟ قال: (أمراء يكون بعدي، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني، ولست منه، ولن يرد على الحوض يا كعب بن عجرة: الصلاة نور، والصدقة برهان، والصوم جنة، والناس غاديان: فغاد مبتاع نفسه، فمعتق رقبته، وغاد بائع نفسه، فموثق رقبته) ([2])

وقال: (لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرا لله عليه فيه مقالا، ثم لا يقوله، فيقول الله: ما منعك أن تقول فيه، فيقول: ربي خشيت الناس، فيقول: وأنا أحق أن تخشى) ([3])

وروي أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد وضع رجله في الغرز: أي الجهاد أفضل؟ فقال: (كلمة حق عند سلطان جائر) ([4])

هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للأمة، وكيفية تعاملها مع أصحاب الملك العضوض من الأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم.. فكل من استبد وحوّل الحكم الإسلامي إلى كسروية وقيصرية تجب مواجهته بكل صنوف المواجهة، كما فعلتم.

وكما فعل جدكم الإمام الذي لم تكن حروبه علي للناكثين والقاسطين والمارقين إلا تلبية لتلك الدعوات النبوية التي تحذر من استيلاء الفئة الباغية على أمر الأمة، وتحريف الدين لينسجم مع أهواء أصحاب الملك العضوض.

أيها الثوار الأبطال.. لقد كانت تلك الأحاديث هي المحرك لقيامكم وثوراتكم.. فقد علمتم أنكم أولى الناس بتطبيق وصية جدكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. لتكونوا مثالا بين يدي الأمة، يحتذون بكم، ويهتدون بهديكم.

لقد كان في إمكانكم أن تمتلكوا القصور والضيعات، وأن تعيشوا بكل ألوان الرفاه، لكنكم أبيتم أن تأخذوا الرشوة، ورضيتم أن تعلقوا على الصلبان، وأن تحرقوا فتذروكم الرياح.

لقد حدث الرواة أن جدكم الإمام علي خرج يوما محزونا يتنفّس، فقال: (كيف أنتم وزمان قد أظلّكم؟ تعطّل فيه الحدود، ويتّخذ المال فيه دولا، ويعادى أولياء اللّه، ويوالى فيه أعداء اللّه؟)

وعندما سألوه عن التكليف الشرعي في ذلك الوقت، قال: (كونوا كأصحاب عيسى عليه السّلام نشروا بالمناشير، وصلبوا على الخشب، موت في طاعة الله عزّ وجلّ خير من حياة في معصية اللّه) ([5])

هذه وصية جدكم لكم.. وللأمة جميعا.. وقد نفذتموها بكل دقة.. وأعطيتم لنا أحسن النماذج عن الجهاد في سبيل الله.

ولذلك كان شعاركم في خروجكم هو نفس شعار الإمام الحسين عندما شرح سبب خروجه على الطغاة، وعدم رضاه ببيعتهم؛ فقال: (إنّي ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الاِصلاح في أُمّة جدي، وشيعة أبي علي بن أبي طالب فمن قبلني بقبول الحقّ فاللّه أولى بالحقّ، ومن ردّ على هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين)([6])

زيد الشهيد:

يا زيد بن علي بن الحسين.. يا حفيد الشهداء من آل بيت النبوة.. هلا أذنت لمحبك أن يحدثك، فما أجمل الحديث عنكم ومعكم.. فأنتم أزهار الأرض وعطورها.. وأنتم أنوار السماء ونجومها..

أنت سيدي ذلك البطل الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبر عما سيحصل له، مثلما أخبر عما سيحصل للإمام الحسين، ولغيركما من آل بيت النبوة؛ فقد ورد في الرواية أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال مخاطباً ريحانته الحسين: (ياحسين، يخرج من صلبك رجل يقال له زيد، يتخطى هو وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس غراً محجلين يدخلون الجنّة بغير حساب) ([7])

وقال، وهو يشير إلى جدك الحسين، يصف ما سيحصل لك، وبكل دقة: (إنّه يخرج من ولده رجل يقال له زيد، ويقتل بالكوفة، ويُصلب بالكناسة، ويخرج من قبره نبشاً، تفتح لروحه أبواب السماء، وتبتهج به أهل السموات)([8])

وقد روى حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى زيد بن حارثة، فقال: (المقتول في اللّه، والمصلوب في أُمتي، المظلوم من أهل بيتي سميّ هذا ـ وأشار بيده إلى زيد بن حارثة ـ ثم قال له: أُدن مني يا زيد زادك اسمك عندي حباً، فأنت سميّ الحبيب من أهل بيتي) ([9])

وهكذا أخبر الإمام علي عنك، وبشر بك، وباستشهادك الذي لا يزال منارة للثائرين، فعندماوقف على موضع صلبك بالكوفة، بكى وأبكى أصحابه فقالوا له: ما الذي أبكاك؟ فقال: (إنّ رجلاً من ولدي يصلب في هذا الموضع) ([10])

وهكذا كنت مثل الإمام الحسين تماما تدرك المصير الذي ستصير إليه، والشرف العظيم الذي توجت به من قبل أن تولد، وقد ورد في الرواية أن والدك الإمام زين العابدين بشروه بك، وهو في مصلاه بعد الفجر، ففتح المصحف ليبحث لك عن اسم، فلما فتحه وجد فيه قوله تعالى: ﴿ فَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: 95]، ثم فتحه مرة أخرى، فوجد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ [سورة التوبة:111]، عندها عرف الاسم الذي تستحقه، فقال: (هو والله زيد، هو والله زيد)، فسموك زيداً، ثم قال: (عزّيت عن هذا المولود، وإنّه لمن الشهداء)([11])

لقد كان الجميع يدركون من تكون، ولذلك كانوا يقدرون دورك الذي كتب لك أن تؤديه في الأمة، مثلما كتب لآبائك وأجدادك.. فأنتم لم تعيشوا لأنفسكم، وإنما عشتم لتصيروا رموزا للحق، ومنارات للهدى..

ولذلك يخطئ من يتصور أنكم متم.. ثم ذهبتم.. وذهبت الأيام بأخباركم.. فذلك مستحيل، لأنكم أنتم الأنوار التي وعد الله ألا تطفأ، فقال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ والله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون﴾ [سورة الصف:8]

وقد قالت عمتك زينب للطاغية يزيد: (فكد كيدك واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم يناد المناد ألا لعنة الله على الظالمين، فالحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة، إنه رحيم ودود)([12])

ولذلك فإن نهجك سيدي لا زال قائما، وكلماتك لا تزال حية، وتلاميذك وأبناؤك لا يزالون يقاومون الطغيان.. ولا يزالون يرفعون رايات المواجهة الكبرى مع جميع الشياطين والظلمة والمستبدين.

فأنت سيدي لم تمت.. ولن تموت أبدا.. وحتى لو علقوك على الصليب.. فإن ذلك الصليب هو المنارة التي تشرق منها شموس الحقائق، ليفطن الغافلون، ويتوب المخدوعون.

لا زالت كلماتك سيدي ترن في آذاننا مثل كلمات آبائك وأجدادك.. تدعونا لركوب سفينة النجاة التي من تكبر على ركوبها غرق، ومن ركبها نجا..

لا زال قولك، وأنت تذكر أسباب خروجك على الطغاة يرن في آذاننا، ليملأنا بالهمة العالية.. لقد كنت تقول لمن سألك عن ذلك: (إنّما خرجت على الذين أغاروا على المدينة يوم الحرة، ثم رموا بيت الله بحجر المنجنيق والنار) ([13])،وكنت تقول: (إنّما خرجت على الذين قاتلوا جدي الحسين) ([14])

هذا هو سر خروجك.. إنه الثورة على الظلم والاستبداد والملك العضوض، وأولئك الذين حرفوا الدين، وملأوه تشويها وظلما واستبدادا.

ولذلك لم تكن تبالي بكل تلك الجيوش، ولا كل تلك الأسلحة، ولا كل أولئك الخونة، لأنك كنت تنتظر لحظة عرسك حين تعلق على الصليب، وتختلط دماؤك بدم آبائك الحسين وعلي وكل الشهداء..

بل كان طموحك وهمتك أعلى من أن يكفي الصليب لتحقيقها.. لقد حدث عبد الله بن مسلم بن بابك عنك، فقال: خرجنا مع زيد بن علي إلى مكة فلما كان نصف الليل واستوت الثريا فقال: يا بابكي ما ترى هذه الثريا؟ أترى أنّ أحداً ينالها؟ قلت: لا، قال: (والله لوددت أنّ يدي ملصقة بها فأقع إلى الأرض، أو حيث أقع، فأتقطع قطعة قطعة وأن الله أصلح بين أُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم) ([15])

هذه همتك العالية ـ سيدي ـ فأنت كآبائك وأجدادك، لم يكن لك من مقصد سوى الإصلاح في أمة جدك صلى الله عليه وآله وسلم.. فأنتم جميعا مثال الزهد والورع والتقوى، لا تطلبون مالا، ولا تحنون لما يحن إليه أولئك الغارقون في مستنقعات الدنيا.

لقد كنت تخاطب أصحابك، والألم يعتصر قلبك على المصير الذي صارت إليه الأمة حينما فارق سلطانها كتابها، وحينما تولى البغاة أمرها، فقلت: (والله إنّي لأستحيي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا لقيته ولم آمر أُمته بالمعروف، ولم أنههم عن المنكر والله ما أُبالي إذا أقمت كتاب الله وسنّة رسول الله إن أُجّجت لي نار وقذفتُ فيها ثم صرت بعد ذلك إلى رحمة الله عزّ وجلّ، والله لا ينصرني أحد إلاّ كان في الرفيق الأعلى مع محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ـ صلوات الله عليهم ـ ويحكم أما ترون هذا القرآن بين أظهركم جاء به محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ونحن بنوه، يا معشر الفقهاء وأهل الحجى أنا حجة الله عليكم هذه يدي مع أيديكم، على أن نقيم حدود الله ونعمل بكتابه…)([16])

ولم تكن تبالي سيدي بذلك الإعراض الذي تواجه به.. لأنك كنت تعلم أن كلماتك لم تكن موجهة لذلك الجيل فقط، بل هي موجهة لكل الأجيال، لأنها الكلمات التي حفظت الدين من أن يصبح أفيونا للشعوب، أو لعبة بأيدي الطغاة.

لقد كنت تسير في الشوارع، وتجمع الناس، على الرغم من المخاطر الشديدة التي كانت تعترضك، وكنت تخطب فيهم بكل أصناف الحجج قائلا: (أُذكركم أيّـها السامعون لدعوتنا، المتفهّمون لمقالتنا، باللّه العظيم الذي لم يذكر المذكورون بمثله، إذا ذكروه وجلت قلوبكم واقشعرَّت لذلك جلودكم، ألستم تعلمون أنّا ولد نبيكم المظلومون المقهورون، فلا سهمُ وُفينا، ولا تراث أُعطينا، وما زالت بيوتاً تهدم، وحرمتنا تنتهك، وقائلنا يعرف، يولد مولودنا في الخوف، وينشأ ناشئنا بالقهر ويموت ميّتنا بالذل؟)([17])

وكنت سيدي تفصح لهم عن أغراضك من دعوتك، وأنك لا تريد أي مكاسب.. لا أنت.. ولا أخوك الإمام الباقر.. ولا أبوك الإمام السجاد.. ولا غيرهم.. فكلهم كانوا أمثلة حية للزهد والعفاف.. فقد كان مطلوبكم جميعا واحدا، وهو الإصلاح، ومواجهة الطغيان.

لقد كنت تقول لهم، وأنت تتألم لذلك السكون للمستبدين: (ويحكم إنّ الله قد فرض عليكم جهاد أهل البغي والعدوان من أُمتكم على بغيهم، وفرض نصرة أوليائه الداعين إلى الله وإلى كتابه قال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيز﴾ [سورة الحج:40])([18])

وكنت تصف لهم ما يغضون أبصارهم عنهم من أنواع الفساد، فتقول بحرقة وألم: (ويحكم إنّا قوم غَضِبْنا للّه ربّنا، ونقمنا الجور المعمول به في أهل ملتنا، ووضعنا من توارث الاِمامة والخلافة، وحكم بالهوى ونقض العهد، وصلّـى الصلاة لغير وقتها، وأخذ الزكاة من غير وجهها ودفعها إلى غير أهلها، ونسك المناسك بغير هديها، وأزال الأفياء والأخماس والغنائم ومنعها الفقراء والمساكين وابن السبيل، وعطّل الحدود وأخذ منه الجزيل، وحكم بالرشا والشفاعات والمنازل، وقرب الفاسقين ومثل بالصالحين، واستعمل الخيانة وخوّن أهل الأمانة، وسلّط المجوس وجهز الجيوش، وخلد في المحابس وجلد المبين وقتل الوالد، وأمر بالمنكر ونهى عن المعروف بغير مأخوذ من كتاب الله وسنّة نبيه) ([19])

وكنت تقول لهم بعد أن اجتمع لديك الأنصار الذين أبدوا قناعتهم بدعوتك، واستجابوا لطلبك: (الحمد للّه الذي منّ علينا بالبصيرة وجعل لنا قلوباً عاقلة، وأسماعاً واعية، وقد أفلح من جعل الخير شعاره، والحقّ دثاره.. فمن سمع دعوتنا هذه الجامعة غير المفرِّقة، العادلة غير الجائرة، فأجاب دعوتنا وأناب إلى سبيلنا وجاهد بنفسه نفسه ومن يليه من أهل الباطل، ودعائم النفاق، فله ما لنا وعليه ما علينا، ومن ردّ علينا دعوتنا وأبى إجابتنا واختار الدنيا الزائلة الآفلة، على الآخرة الباقية، فاللّه من أُولئك برىء، وهو يحكم بيننا وبينكم)([20])

ثم بينت لهم المنهج المحمدي الأصيل في التعامل مع المخالفين، فرحت تذكرهم بالإمام علي، وتقول: (إذا لقيتم القوم فادعوهم إلى أمركم، فلأن يستجيب لكم رجل واحد خير ممّا طلعت عليه الشمس من ذهب وفضة، وعليكم بسيرة أمير الموَمنين علي بن طالب بالبصرة والشام: لا تتبعوا مُدبِراً ولا تُجهِزوا على جريح ولا تفتحوا باباً مغلقاً، والله على ما أقول وكيل..)

وكنت تحضهم على البصيرة، وقتال الظالمين على المنهج القرآني لا على منهج الطغاة، وقلت لهم: (عباد الله لا تقاتلوا على الشك فتضلّوا عن سبيل اللّه، ولكن البصيرة ثم القتال، فإنّ الله يجازي عن اليقين أفضل جزاء يجزي به على حقّ. عباد اللّه: البصيرة)

حينها قال لك أبو الجارود: (يا ابن رسول اللّه، يبذل الرجل نفسه عن غير بصيرة؟)

فقلت: (نعم إنّ أكثر من ترى عشقت نفوسهم الدنيا فالطمع أرداهم إلاّ القليل الذين لا تخطر الدنيا على قلوبهم، ولا لها يسعون فأُولئك مني وأنا منهم)([21])

وهكذا كنت تدعو إلى تلك القيم النبيلة التي دعا إليها ا لقرآن الكريم، ومثلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وورثته من أهل بيت النبوة.. فلذلك لم تستعمل ما يستعمله أعداؤك من الوسائل المحرمة، والأساليب الشيطانية.

سيدي لا تزال كلماتك نبراسا نهتدي به.. وهي كلمات جميلة لا يمكن لمن يبحث عن دين الله أن يستغني عنها، أو عن سماعها.. لذلك ائذن لي أن أقرأ على قومي بعض ما ذكرته في رسالتك إلى علماء الأمّة قبل خروجك([22])، فأنت لم ترسلها لعلماء ذلك الزمان فقط، وإنما أرسلتها لعلماء كل الأزمنة.

لقد بدأت رسالتك سيدي بتحذيرهم من الدنيا، فحب الدنيا والتعلق بها، وبيع الدين بسببها رأس كل خطيئة، لقد قلت لهم: (إنّي أُوصيكم معشر العلماء بحظّكم من الله في تقواه وطاعته، وأن لا تبيعوه بالمكس من الثمن، والحقير من البدل، واليسير من العِوَض، فإنّ كلّ شيء آثرتموه وعملتم له من الدنيا ليس بخَلَف ممّا زيّن الله به العلماء من عباده الحافظين لرعاية ما استرعاهم واستحفظهم من أمره ونهيه، ذلك بأنّ العاقبة للمتقين، والحسرة والندامة والويل الدائم للجائرين الفاجرين) ([23])

ثم رحت تذكرهم بعلماء الأمم السابقة، وأخذ العبر من تقصيرهم في حق الله، وحق رسله، فحرفت لذلك أديانهم، وضل الناس بسببهم عن سواء السبيل.. لقد قلت لهم: (فتفكّروا عباد الله واعتبروا، وانظروا وتدبّروا وازدجروا بما وعظ الله به هذه الأمّة من سوء ثنائه على الأحبار والرهبان إذ يقول: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُون﴾ [سورة المائدة:63]، وإنّما عاب ذلك عليهم بأنّهم كانوا يشاهدون الظلمة الذين كانوا بين ظهرانيهم يأمرون بالمنكر، ويعملون الفساد فلا ينهونهم عن ذلك، ويرون حقّ الله مضيعاً، ومال الله دُولة يوَكل بينهم ظلماً ودولة بين الأغنياء، فلا يمنعون من ذلك رغبة فيما عندهم من العَرَض الآفل، والمنزل الزائل، ومداهنة منهم على أنفسهم، وقد قال الله عزّ وجلّ لكم: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ [سورة التوبة:34] كيما تحذروا)([24])

ثم رحت تذكرهم بأن ذلك ليس خاصا بالأمم السابقة، بل إن من علماء هذه الأمة من يقوم بتحريف دينها، ليتناسب مع الطغاة والظلمة، ولذلك لا حرمة لأمثال هؤلاء العلماء.. لقد قلت لهم: (وإذا رأيتم العالم بهذه الحالة والمنزلة فأنزلوه منزلة من عاث في أموال الناس بالمصانعة، والمداهنة، والمضارعة لظلمة أهل زمانهم، وأكابر قومهم، فلم ينهوهم عن منكر فعلوه. رغبة فيما كانوا ينالون من السحت بالسكوت عنهم، وكان صدودهم عن سبيل الله بالاِتباع لهم، والاغترار بإدهانهم ومقارنتهم الجائرين الظالمين المفسدين في البلاد. ذلك بأنّ أتباع العلماء يختارون لأنفسهم ما اختار علماوَهم. فحذروا علماء السوء الذين سلكوا سبيل من ذَمّ الله وباعوا طاعة الله الجائرين) ([25])

ثم رحت تذكرهم بما في القرآن الكريم من الحديث عن بني إسرائيل، وأنه ليس خاصا ببني إسرائيل، فقرأت عليهم قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ [سورة المائدة:44].

ثم علقت عليها بقولك: (فعاب علماء التوراة والاِنجيل بتركهم ما استحفظهم من كتابه، وجَعَلَهم عليه شهداء خشية الناس، ومواتاة للظالمين، ورضاً منهم بأعمال المفسدين. فلم يوَثروا الله بالخشية فسخط الله عليهم لمّا اشتروا بآياته ثمناً قليلاً، ومتاعاً من الدنيا زائلاً. والقليل عند الله الدنيا وما فيها من غضارتها وعيشتها ونعيمها وبهجتها، ذلك بأنّ الله هو علاّم الغيوب، قد علم بأنّ ركوب معصيته، وترك طاعته، والمداهنة للظلمة في أمره ونهيه، إنّما يلحق بالعلماء للرهبة والرغبة من عند غير اللّه، لأنّهم علماء باللّه، وبكتابه وبسنّة نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم)([26])

ثم رحت تبين لهم أن ضريبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي التضحية بالنفس في سبيل الله، فقلت لهم: (ولعمري لو لم يكن نال علماء الأزمنة من ظلمتها، وأكابرها، ومفسديها، شدة وغلظة وعداوة، ما وصّاهم الله تعالى وحذّرهم. ذلك أنّهم ما ينالون ما عند الله بالهوينا ولا يخلدون في جنّته بالشهوات، فكره الله تعالى للعلماء ـ المستحفظين كتبه وسنّته وأحكامه ـ ترك ما استحفظهم، رغبة في ثواب من دونه، ورهبة عقوبة غيره) ([27])

ثم رحت تبين لهم أن المزية التي ميز بها العلماء عن سائر الناس ليس كثرة حفظهم، ولا وفرة علمهم، وإنما نضالهم عن الحق، وثورتهم على الباطل.. لقد قلت لهم: (لقد ميزكم الله تعالى حقّ تميز، ووسمكم سمة لا تخفى على ذي لب، وذلك حين قال لكم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ [سورة التوبة:71]، فبدأ بفضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بفضيلة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر عنده، وبمنزلة القائمين بذلك من عباده، ولعمري لقد استفتح الآية في نعت الموَمنين بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فاعتبروا عباد الله وانتفعوا بالموعظة) ([28])

ثم رحت تذكر لهم أن الله تعالى نعت المخالفين لهذا بالنفاق، فقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ [سورة التوبة:67].

وعلقت عليها بقولك: (فلعمري لقد استفتح الآية في ذمّهم بأمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف فاعتبروا عباد الله وانتفعوا، واعلموا أنّ فريضة الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أُقيمت له استقامت الفرائض بأسرها هَيّنُها وشديدها) ([29])

ثم بينت لهم حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنها ليست قاصرة على تلك الحسبة التي تقوم بها الشرطة الدينية في الشوارع والأسواق، وإنما هي أشمل من ذلك بكثير.. فهو يشمل (الدعاء إلى الاِسلام، والاِخراج من الظلمة، ورد الظالم، وقسمة الفيء والغنائم على منازلها، وأخذ الصدقات ووضعها في مواضعها، وإقامة الحدود، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهد، والاِحسان، واجتناب المحارم، كل هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ([30])

ثم رحت تدعوهم إلى التعاون والاجتماع على ذلك، وتقرأ عليهم قوله تعالى.. يقول الله تعالى لكم: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ [سورة المائدة:2]، وتقول لهم بعدها: (فقد ثبت فرض الله تعالى فاذكروا عهد الله الذي عاهدتموه وميثاقه الذي واثقكم به ﴿ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ [سورة المائدة:7].

ثم رحت تبين لهم دور العلماء في إصلاح أمر الأمة، وقلت لهم: (عباد الله إنّما تصلح الأمور على أيدي العلماء وتفسد بهم إذا باعوا أمر الله تعالى ونهيه بمعاونة الظالمين، الجائرين، فكذلك الجهّال والسفهاء إذا كانت الأمور في أيديهم، لم يستطيعوا إلاّ بالجهل والسفه إقامتها فحينئذ تصرخ المواريث، وتضج الأحكام، ويفتضح المسلمون وأنتم أيّها العلماء عصابة مشهورة، وبالورع مذكورة، وإلى عبادة الله منسوبة، وبدراسة القرآن معروفة، ولكم في أعين الناس مهابة، وفي المدائن والأسواق مكرمة، يهابكم الشريف، ويكرمكم الضعيف، ويرهبكم من لا فضل لكم عليه. يُبدَأ بكم عند الدُعوَة، والتُحَفَة، ويشار إليكم في المجالس، وتشفعون في الحاجات، إذا امتنعت على الطالبين. وآثاركم متبعة، وطرقكم تسلك كل ذلك لما يرجوه عندكم من هو دونكم من النجاة في عرفان حقّ الله تعالى) ([31])

ثم رحت تذكرهم بما تتطلبه تلك المكانة التي أتيحت لهم من دون الناس، وقلت لهم: (فلاتكونوا عند إيثار حقّ الله تعالى غافلين، ولأمره مضيّعين، فتكونوا كالأطباء الذين أخذوا ثمن الدواء وأعطبوا المرضى. وكرعاة استوفوا الأجر وضلّوا عن المرعى. وكحرّاس مدينة أسلموها إلى الأعداء، هذا مثل علماء السوء. لا مالاً تبذلونه للّه تعالى، ولانفوساً تخاطرون بها في جنب الله تعالى، ولاداراً عطلتموها، ولازوجة فارقتموها، ولاعشيرة عاديتموها. فلاتتمنوا ما عند الله تعالى وقد خالفتموه. فترون أنّكم تسعون في النور، وتتلقاكم الملائكة بالبشارة من الله عزّ وجلّ؟ كيف تطمعون في السلامة يوم الطامة؟! وقد أخرجتم الأمانة، وفارقتم العلم، وأدهنتم في الدين. وقد رأيتم عهد الله منقوضاً، ودينه مبغوضاً، وأنتم لاتفزعون ومن الله لاترهبون. فلو صبرتم على الأذى، وتحملّتم الموَنة في جنب الله لكانت أُمور الله صادرة عنكم، وواردة إليكم) ([32])

ثم رحت تخاطبهم بألا يسلموا قيادهم للظلمة بسبب حب الدنيا والحرص عليها، فقلت: (عباد الله لاتمكّنوا الظالمين من قِيَادِكم بالطمع فيما بأيديهم من حطام الدنيا الزائل، وتراثها الآفل، فتخسروا حظّكم من الله عزّ وجلّ. عباد الله استقدموا إلى الموت بالوثيقة في الدين، والاعتصام بالكتاب المتين، ولاتعجبوا بالحياة الفانية فما عند الله هو خير لكم، وإنّ الآخرة هي دار القرار. عباد الله اندبوا الاِيمان ونوحوا على القرآن، فو الذي نفس (زيد بن علي) بيده لن تنالوا خيراً لا يناله أهل بيت نبيّكم 6، ولا أصبتم فضلاً إلاّ أصابوه فأصبتم فضله) ([33])

ثم رحت تخاطب علماء السوء بكل قوة، تذكرهم بجرائمهم في حق الأمة وحق نبيها ودينها.. وقلت لهم: (فيا علماء السوء أكببتم على الدنيا وإنّها لناهية لكم عنها، ومحذرة لكم منها، نصحت لكم الدنيا بتصرفها فاستغششتموها، وتَفَتحت لكم الدنيا فاستحسنتموها، وصدقتكم عن نفسها فكذبتموها.. فيا علماء السوء هذا مهادكم الذي مهدتموه للظالمين، وهذا أمانكم الذي أتمنتموه للخائنين، وهذه شهادتكم للمبطلين. فأنتم معهم في النار غداً خالدون، ﴿ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُون﴾ [سورة غافر:75]، فلو كنتم سلّمتم إلى أهل الحقّ حقهم، وأقررتم لأهل الفضل بفضلهم لكنتم أولياء اللّه، ولكنتم من العلماء به حقاً، الذين امتدحهم الله عزّ وجلّ في كتابه بالخشية منهم، فلا أنتم علمتم الجاهل، ولا أنتم أرشدتم الضال، ولا أنتم في خلاص الضعفاء تعملون، ولابشرط الله عليكم تقومون، ولا في فكاك رقابكم.. يا علماء السوء اعتبروا حالكم، وتفكّروا في أمركم، وستذكرون ما أقول لكم.. يا علماء السوء إنّما أمنتم عند الجبارين بالاِدهان، وفزتم بما في أيديكم بالمقاربة، وقربتم منهم بالمصانعة، قد أبحتم الدين، وعطّلتم القرآن، فعاد علمكم حجّة للّه عليكم، وستعلمون إذا حشرج الصدر، وجاءت الطامة، ونزلت الداهية) ([34])

ثم بينت لهم أنهم أعظم مصيبة في الأمة، وقلت لهم: (يا علماء السوء أنتم أعظم الخلق مصيبة، وأشدهم عقوبة، إن كنتم تعقلون، ذلك بأنّ الله قد احتج عليكم بما استحفظكم إذ جعل الأمور ترد إليكم، وتصدر عنكم. الأحكام من قبلكم تلتمس، والسنن من جهتكم تختبر. يقول المتبعون لكم: أنتم حجّتنا بيننا وبين ربّنا. فبأي منزلة نزلتم من العباد هذه المنزلة؟ فوالذي نفس (زيد بن علي) بيده لو بيّنتم للناس ما تعلمون ودعوتموهم إلى الحقّ الذي تعرفون، لتضعضع بنيان الجبارين، ولتهدّم أساس الظالمين، ولكنّكم اشتريتم بآيات الله ثمناً قليلاً، وأدهنتم في دينه، وفارقتم كتابه. هذا ما أخذ الله عليكم من العهود والمواثيق، كي تتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الاِثم والعدوان، فأمكنتم الظلمة من الظلم، وزيّنتم لهم الجور، وشددتم لهم ملكهم بالمعاونة والمقارنة، فهذا حالكم. فيا علماء السوء فمحوتم كتاب الله محواً، وضربتم وجه الدين ضرباً، فند والله نديد البعير الشارد، هرباً منكم. فبسوء صنيعكم سفكت دماء القائمين بدعوة الحقّ من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورفعت روَوسهم فوق الأسنّة، وصُفّدُوا في الحديد، وخلص إليهم الذل، واستشعروا الكرب وتسربلوا الأحزان، يتنفسون الصعداء، ويتشاكون الجهد. فهذا ما قدّمتم لأنفسكم، وهذا ما حملتموه على ظهوركم، فاللّه المستعان، وهو الحكم بيننا وبينكم، يقضي بالحق وهو خير الفاصلين)([35])

وبعد أن استعملت كل ما ينبههم إلى غيهم وضلالهم وانحرافهم عن دين الله، رحت تدعوهم إلى إصلاح ما أفسدوه، ووضعت لهم خطة لذلك، فقلت: (وقد كتبت إليكم كتاباً بالذي أُريد من القيام به فيكم. وهو: العمل بكتاب اللّه، وإحياء سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبالكتاب قوام الاِيمان، وبالسنّة يثبت الدين. وإنّما البدع أكاذيب تخترع، وأهواء تتّبع، يتولّـى فيها وعليها رجال رجالاً صدّوهم عن دين اللّه، وذادوهم عن صراطه، فإذا غيّرها الموَمن، ونهى عنها المُوَحّد، قال المفسدون: جاءنا هذا يدعونا إلى بدعة.. وأيم الله ما البدعة إلاّ التي أحدث الجائرون، ولا الفساد إلاّ الذي حكم به الظالمون، وقد دعوتكم إلى الكتاب. فأجيبوا داعي اللّه، وانصروه، فوالذي بإذنه دعوتكم، وبأمره نصحت لكم، ما ألتمس أثرة على موَمن، ولا ظلماً لمعاهد، ولوددت أنّي قد حميتكم مراتع الهلكة، وهديتكم من الضلالة، ولو كنت أوقد ناراً فأقذف بنفسي فيها، لا يقربني ذلك من سخط اللّه، زهداً في هذه الحياة الدنيا، ورغبة منّي في نجاتكم، وخلاصكم. فإن أجبتمونا إلى دعوتنا كنتم السعداء والموفورين حظاً ونصيباً.. عباد الله انصحوا داعي الحقّ وانصروه إذ قد دعاكم لما يحييكم. ذلك بأنّ الكتاب يدعو إلى اللّه، وإلى العدل والمعروف، ويزجر عن المنكر) ([36])

وهكذا رحت تقيم عليهم كل أنواع الحجج، وتشرح لهم كيفية الخروج من كل تلك السراديب المظلمة التي ارتضوها لأنفسهم، بدل أن يركبوا سفينة النجاة التي بشر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودعا إليها، لقد قلت لهم: (فقد نظرنا لكم وأردنا صلاحكم، ونحن أولى الناس بكم. رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (جدّنا)، والسابق إليه الموَمن به (أبونا)، وبنته سيدة النسوان (أُمّنا)، فمن نزل منكم منزلتنا. فسارعوا عباد الله إلى دعوة اللّه، ولا تنكلوا عن الحق، فبالحق يُكبَت عدوّكم، وتمنع حريمكم، وتأمن ساحتكم. وذلك أنّا ننزع الجائرين عن الجنود، والخزائن، والمدائن، والفيء، والغنائم، ونثبت الأمين الموَتمن، غير الراشي والمرتشي، الناقض للعهد. فإن نظهر فهذا عهدنا، وإن نستشهد فقد نصحنا لربّنا، وأدّينا الحقّ إليه من أنفسنا، فالجنة مثوانا ومنقلبنا، فأي هذا يكره الموَمن، وفي أي هذا يرهب المسلم) ([37])

إلى آخر رسالتك سيدي، والمملوءة بالعبر والمواعظ، وبكل القيم القرآنية النبيلة التي تصدق قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيكم، وأنكم والقرآن مجتمعان لا تتفرقان، حتى تجتمعا لديه عند الحوض.

وقد كانت النتيجة التي آل إليها حالك، وحال من معك لا تختلف كثيرا عن النتيجة التي آل إليها الإمام الحسين وأصحابه.. وقد كتب الله لك الشهادة.. وعلقت على الصليب.. ولا يزال صليبك إلى اليوم منارة من منارات الهداية.

ولكنا مع يقيننا سيدي بذلك الجزاء العظيم الذي نلته عند الله، لا نستطيع أن نمسك دموعنا كلما سمعنا اسمك.. وكيف نستطيع ذلك، وابن أخيك الإمام الصادق لم يكن يستطيع ذلك.. وهو من هو.

لقد حدث حمزة بن حمران قال: دخلت على الصادق جعفر بن محمد فقال لي: يا حمزة من أين أقبلت؟ قلت له: من الكوفة فبكى حتى بلّت دموعُه لحيتَه فقلت له: يا ابن رسول الله مالك أكثرت البكاء؟ فقال: ذكرت عمي زيداً، وما صُنع به فبكيت. فقلت له: وما الذي ذكرت منه؟ فقال: ذكرت مقتله وقد أصاب جبينه سهم فجاءه ابنه يحيى فانكبّ عليه، وقال له: أبشر يا أبتاه فإنك تَرِدُ على رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين (صلوات الله عليهم) قال: أجل يا بُني ثمَّ دعا بحداد فنَزع السهم من جبينه فكانت نفسه معه فجيء به إلى ساقية تجري عند بستان زائدة فحُفر له فيها ودُفن وأجري عليه الماء، وكان معهم غلام سندي لبعضهم فذهب إلى يوسف بن عمر من الغد فأخبره بدفنهم إياه فأخرجه يوسف بن عمر فَصَلَبه في الكناسة أربع سنين ثم أمر به فأحرق بالنار وذُري في الرياح فلَعَن الله قاتله وخاذله وإلى الله (عز وجل) أشكو ما نزل بنا أهل بيت نبيه بعد موته وبه نستعين على عدونا وهو خير مستعان)([38])

وحدث الفضيل بن يسار أنه دخل على الإمام الصادق، فرآه يبكي ودموعه تنحدر على ديباجتي خده كأنها الجُمان، ثم قال: يا فضيل شهدتَ مع عمي قتال أهل الشام؟ قلت: نعم. قال: فكم قتلت منهم؟ قلت: ستة. قال: فلعلك شاك في دمائهم؟ فقال الفضيل: لو كنت شاكّاً ما قتلتهم. فقال الفضيل: فسمعته وهو يقول: (أشرَكَنيَ الله في تلك الدماء، مضى والله زيد عمي وأصحابه شهداء مثل ما مضى عليه علي بن أبي طالب وأصحابه)([39])

وعن عبد الله بن سيابة قال: (وصل إلى الإمام الصادق كتاب فيه خبر مقتل زيد فبكى، ثم قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون عند الله تعالى أحتسب عمي إنه كان نِعمَ العم، إن عمي كان رجلاً لدنيانا وآخرتنا، مضى والله عمي شهيداً كشهداء استشهدوا مع رسول الله وعلي والحسن والحسين (صلوات الله عليهم)([40])

وروي أنه قال لأبي ولّاد الكاهلي: (أرأيت عمي زيدا؟) قال: نعم رأيته مصلوباً، ورأيت الناس بين شامت حنق وبين محزون محترق فقال الإمام الصادق: (أما الباكي فمعه في الجنة، وأما الشامت فشريك في دمه)([41])

ونحن نردد سيدي ما ردده الإمام الصادق، ونقول لكل أولئك الذين يمجدون الظلمة الذين قتلوك: مجدوهم كما تشاءون، ولكن لا تنسوا أنكم شركاء لهم في كل قطرة دم أسالوها، وأولها دمك يا زيد الشهيد.

ثائرون على الدرب:

سيدي زيد.. يا ابن الثائرين.. ووالد الثائرين..

لقد استمر عطاؤك بعد استشهادك؛ فقد قام على دربك ودرب آبائك الكثير من الأبطال الثوار الذين لا نزال نذكرهم، ونعيش مآسيهم، وتفتخر ببطولاتهم..

حتى لو لم يتحقق لهم في ذلك الحين ما طلبوه، لعدم توفر القابلية في ذلك المجتمع الذي استخف به الطغاة، كما استخف فرعون بالمصريين، لكن دماءهم التي سقوا بها لأرض أنبتت أزهارا كثيرة، ويوشك أن يعود الإسلام بسببها إلى نبعه الأصيل الذي لم يدنس.

فلولا تلك الثروات ما عرفنا جرائم الأمويين، ولا العباسيين من بعدهم، ولا عرفنا كيف شوه الإسلام، وحرف عن مساره ليناسب أهواء المستبدين والظلمة الذين حولوه إلى أفيون للشعوب.

بعدك سيدي قام ابنك يحي.. وما أدراك ما يحي.. ذلك الشاب البطل الذي كتب له أن يصلب مثلما صلبت.. وأن يظل مصلوباً حتى ظهر أبو مسلم الخراساني، فأنزله وصلّى عليه ودفنه وأمر بإقامة العزاء عليه في خراسان.

ذلك الذي قال فيه الشاعر:

أليس بعين اللّه ما تفعلونه

   عشية يحيى موثق بالسلاسل

 كلاب عوت لا قدّس اللّه سرها

  فجئن بصيد لايحل لآكل

ذلك الذي بعث برأسه إلى الوليد، فبعث به الوليد إلى المدينة وأمر بأن يوضع في حجر أُمه ريطة، فنظرت إليه، وقالت: (شردتموه عنّي طويلاً، وأهديتموه إليّ قتيلاً، صلوات اللّه عليه وعلى آبائه بكرة وأصيلاً)([42])

ذلك الذي كان له عند الاِمام الصادق مكانة عظيمة، وعندما سمع بشهادته وصلبه حزن حزناً شديدا، وقال: (إنّ آل أبي سفيان قتلوا الحسين ابن علي صلوات اللّه عليه فنزع اللّه ملكهم، وقتل هشام، زيد بن علي فنزع اللّه ملكه، وقتل الوليد، يحيى بن زيد، فنزع اللّه ملكه)([43])

وهكذا استمرت الثورة بعد ابنك يحي ببني عمومتك من أبناء الإمام الحسن.. وقد كان منهم عبد اللّه المحض.. ذلك الذي مات مخنوقا في سجن أبي جعفر الذي يسمونه منصورا.. ولست أدري على من انتصر، ولا كيف انتصر.. لقد استشهد هو ابن خمس وسبعين سنة.. ولم يرحموا قرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يرحموا شيبته.

لقد ذكر المؤرخون كيفية القبض عليه، فقالوا: (كان المنصور قبض على عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي وكثير من أهل بيته وذلك في سنة أربع وأربعين ومائة في منصرفه من الحجّ، فحملوا من المدينة إلى الربذة من جادة العراق وكان ممّن حمله مع عبد اللّه بن الحسن: إبراهيم بن الحسن بن الحسن، وأبو بكر بن الحسن بن الحسن، وعلي الخير، وأخوه العباس، وعبد اللّه بن الحسن بن الحسن، والحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن، ومعهم محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان أخو عبد اللّه بن الحسن بن الحسن لأمّه فاطمة ابنة الحسين بن علي، وجدتهما فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم.. فجرد المنصور بالربذة محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان فضربه ألف سوط، وسأله عن ابني أخيه محمد وإبراهيم فأنكر أن يعرف مكانهما، فسألت جدته العثماني في ذلك الوقت، وارتحل المنصور عن الربذة وهو في قبة، وأوهن القوم بالجهد، فحملوا على المحامل المكشوفة، فمر بهم المنصور في قبته على الجمازة، فصاح به عبد اللّه بن الحسن يا أبا جعفر ما هكذا فعلنا بكم يوم بدر، فصيرهم إلى الكوفة، وحبسوا في سرداب تحت الأرض لا يفرّقون بين ضياء النهار وسواد الليل، وخلّـى منهم: سليمان وعبد اللّه ابني داود بن الحسن بن الحسن، وموسى بن عبد اللّه بن الحسن، والحسن بن جعفر، وحبس الآخرين ممن ذكرنا حتى ماتوا وذلك على شاطىء الفرات من قنطرة الكوفة، ومواضعهم بالكوفة تزار في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وكان قد هدم عليهم الموضع، وكانوا يتوضّوَن في مواضعهم فاشتدت عليهم الرائحة، فاحتال بعض مواليهم حتى أدخل عليهم شيئاً من الغالية، فكانوا يدفعون بشمها تلك الروائح المنتنة، وكان الورم في أقدامهم، فلا يزال يرتفع حتى يبلغ الفوَاد فيموت صاحبه)

وذكروا (أنّهم لمّا حبسوا في هذا الموضع أشكل عليهم أوقات الصلاة، فجزّأوا القرآن خمسة أجزاء، فكانوا يصلّون الصلاة على فراغ كل واحد منهم من جزئه وكان عدد من بقي منهم خمسة، فمات اسماعيل بن الحسن فترك عندهم فجيف، فصعق داود بن الحسن فمات، وأتى برأس إبراهيم بن عبد اللّه فوجه به المنصور مع الربيع إليهم فوضع الرأس بين أيديهم وعبد اللّه يصلي، فقال له إدريس أخوه: اسرع في صلاتك يا أبا محمد، فالتفت إليه وأخذ الرأس فوضعه في حجره، وقال له: أهلاً وسهلاً يا أبا القاسم، واللّه لقد كنت من الذين قال اللّه عزّ وجلّ فيهم: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 20، 21]، فقال له الربيع: كيف أبو القاسم في نفسه؟ قال: كما قال الشاعر:

فتى كان يحميه من الذلّ سيفه… ويكفيه أن يأتي الذنوب اجتنابها

ثم التفت إلى الربيع: فقال: قل لصاحبك قد مضى من بؤسنا أيّام ومن نعيمك أيّام؟ والملتقى، القيامة. قال الربيع: فما رأيت المنصور قطّ أشدّ انكساراً منه في الوقت الذي بلغته الرسالة)([44])

للأسف سيدي هذه الحقائق صارت مغيبة، وصار من لبسوا عمائم الدين يتواصون على كتمانها، حتى يبقى لذلك الذي سموه منصورا حرمته وقداسته.. وهم لا يعلمون أنهم بتقديسهم لفرعون يظلمون موسى.. وبتقديسهم للطغاة، يجعلون الدين أداة بأيديهم.

بعده خرج ابنه محمد المعروف بالنفس الزكية، والذي استشهد بأيدي من يسمونه المنصور.. وكان في عهد الإمام الصادق.. وقد ذكر المؤرخون كيفية خروجه، واستشهاده، والجرائم الكثيرة التي حصلت بسبب ذلك، فقالوا: (في سنة خمس وأربعين ومائة كان ظهور محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم بالمدينة، وكان قد بُويع له من كثير من الأنصار وكان يدعى بالنفس الزكية لزهده ونسكه، وكان مستخفياً من المنصور ولم يظهر حتى قبض المنصور على أبيه عبد اللّه بن الحسن وعمومته، وكثير من أهله وعدتهم، ولما ظهر محمد بن عبد اللّه بالمدينة، استشار إسحاق بن مسلم العقيلي وكان شيخاً ذا رأي وتجربة فأشار إلى ما لم يستحسنه أبو جعفر وبينما كان يتفكر في كيفية المقابلة مع محمد بن إبراهيم بلغه أنّ إبراهيم أخا محمد خرج بالبصرة يدعو إلى أخيه، فبعث عيسى بن موسى في أربعة آلاف فارس وألفي راجل وأتبعه محمد بن قحطبة في جيش كثيف فقاتلوا محمداً بالمدينة حتى قتل وهو ابن خمس وأربعين سنة ولما اتصل بإبراهيم قتل أخيه، محمد بن عبد اللّه وهو بالبصرة صعد المنبر فنعاه وتمثّل:

أبالمنازل ياخير الفوارس من

   يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا

 اللّه يعلم أنّي لو خشيتُهم

   وأوجس القلب من خوف لهم فزعا

 لم يقتلوه ولم أسلم أخيَّ لهم

   حتى نموت جميعاً أو نعيش معا

وقد كان تفرّق أخوة محمد وولده في البلدان يدعون إلى إمامته فكان فيمن توجه ابنه، علي بن محمد إلى مصر فقتل بها، وسار ابنه عبد اللّه إلى خراسان فهرب لما طُلب، إلى السند فقتل هناك، وسار ابنه الحسن إلى اليمن فحبس فمات في الحبس، وسار أخوه موسى إلى الجزيرة، ومضى أخوه يحيى إلى الري، ثم إلى طبرستان، ومضى أخوه إدريس بن عبد اللّه إلى المغرب فأجابه خلق من الناس، فبعث المنصور من اغتاله بالسم وقام ولده إدريس بن إدريس بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن مقامه)([45])

وهكذا استعمل الطغاة كل وسائلهم للقضاء على كل ثورة وحركة تدعو إلى عودة القرآن للسلطان.. ولكن المغيبة عقولهم، لا زالوا حريصين على السلطان، وعلى اعتبار الأمويين والعباسيين والعثمانيين وكل أصحاب الملك العضوض حكاما شرعيين، يمثلون الرسالة الإلهية.

مع أن كبار العلماء الذين يعتبرونهم، كانوا مخالفين لهم في ذلك، فقد ذكر المؤرخون أن الإمام أبا حنيفة بالعراق، والإمام مالك بالمدينة كانا يؤيدان ثورة النفس الزكية وأخاه إبراهيم، وقد كان ذلك من أسباب المحن التي حصلت لهما ([46]).

وقد ذكر أبو زهرة المحنة التي تعرض لها أبو حنيفة بسبب موقفه من تلك الثورة، فقال: (استقبل أبو حنيفة عهد العباسيين بارتياح، فقد رأى اضطهاد الأمويين لبني علي بن أبي طالب وأهل بيت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واستمر على ولائه للدولة العباسية لمحبته لآل البيت جميعاً، ولقد كان الخليفة أبو جعفر المنصور يدنيه ويعليه ويرفع قدره ويعطيه العطايا الجزيلة، ولكنه كان يردها ولا يقبل العطاء، ولم يُعرف عن أبي حنيفة أنه تكلم في حكم العباسيين حتى نقم عليهم أبناء علي بن أبي طالب، واشتدت الخصومة بينهم، وقد كان ولاء أبي حنيفة لبني علي، فكان طبيعياً أن يغضب لغضبهم، وخصوصاً أن من ثارا على حكومة أبي جعفر هما محمد النفس الزكية بن عبد الله بن الحسن، وأخوه إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وكان أبوهما عبد الله ممن اتصل به أبو حنيفة اتصالاً علمياً، وقد كان عبد الله وقت خروج ولديه في سجن أبي جعفر، ومات فيه بعد مقتل ولديه)([47])

ثم ذكر دلائل نصرة أبي حنيفة لثورة محمد النفس الزكية، فقال: (كان موقف أبي حنيفة من خروج محمد النفس الزكية على المنصور شديداً، فقد كان يجهر بمناصرته في درسه، بل وصل الأمر إلى أن ثبط بعض قواد المنصور عن الخروج لحربه.. وكان هذا العمل في نظر المنصور من أخطر الأعمال على دولته، لأن أبا حنيفة تجاوز فيه حد النقد المجرد والولاء القلبي إلى العمل الإيجابي، فأراد المنصور أن يختبر طاعة أبي حنيفة وولاءه له، وقد كان يبني بغداد آنذاك، فأراد أن يجعله قاضياً، فامتنع أبو حنيفة، فأصر المنصور على أن يتولى له عملاً أياً كان، فقبل أبو حنيفة أن يقوم ببعض أعمال البناء من إعداد اللِّبن وما شابه ذلك، فاستطاع بذلك أن يغمض عنه عين المنصور)([48])

وذكر ما حصل له بعد ذلك، لأن أصحاب الملك العضوض لم يكونوا ليرضوا لمن يتهمونهم بأمثال تلك العقوبات، قال: (لقد كان أبو حنيفة يميل إلى أبناء علي بن أبي طالب، وكان ذلك يبدو على لسانه في حلقة درسه وبين تلاميذه، وكان يجهر بمخالفة المنصور في غاياته عندما يستفتيه، كما كان يمتنع عن قبول العطاء من المنصور، وكان ينقد القضاء نقداً مراً إذا وجد فيه ما يخالف الحق في نظره، من غير أن يلتفت إلى ما يجره ذلك النقد من ضياع روعة الأحكام.. وعندما دعا أبو جعفر المنصور أبا حنيفة ليتولى القضاء امتنع، فطلب منه أن يَرجع إليه القضاة فيما يشكل عليهم ليفتيهم فامتنع، فأنزل به العذاب بالضرب والحبس، أو الحبس وحده على اختلاف الروايات، ويروى أن أبا جعفر حبس أبا حنيفة على أن يتولى القضاء ويصير قاضي القضاة، فأبى حتى ضُرب مئة وعشرة أسواط، وأخرج من السجن على أن يلزم الباب، وطلب منه أن يفتي فيما يرفع إليه من الأحكام، وكان يرسل إليه المسائل، وكان لا يفتي، فأمر أن يعاد إلى السجن، فأُعيد وغُلظ عليه وضُيق تضييقاً شديداً.. وقد اتفق الرواة على أنه حُبس، وأنه لم يجلس للإفتاء والتدريس بعد ذلك، إذ إنه مات بعد هذه المحنة أو معها، ولكن اختلفت الرواية: أمات محبوساً بعد الضرب الذي تكاد الروايات تتفق عليه أيضاً؟ أم مات محبوساً بالسم فلم يُكتف بضربه بل سقي السم ليعجل موته؟ أم أُطلق من حبسه قبل موته فمات في منزله بعد المحنة ومُنع من التدريس والاتصال بالناس؟ كل هذه الروايات رُويت)([49])

وهكذا حصل للإمام مالك الذي ضرب ضربا شديدا، بسبب فتواه ذلك الحين بعدم وقوع طلاق المُستَكرَه الذي تم إجباره على إيقاع الطلاق على غير إرادةٍ منه.. ومع أن الفتوى عادية، وهي محل اتفاق بين الفقهاء إلا أن المستبدين من بني العباس فهموا منها أن مالكا يفتي الناس بجواز خلع بيعتهم للمنصور.. لأنهم بايعوه كرها.

ولكن من يزعمون أنهم تلاميذ مالك وأبي حنيفة الآن يصرون على تعظيم المنصور، وتعظيم كل أصحاب الملوك العضوض، غافلين عن الجرائم التي ارتكبوها لا في حق أهل البيت فقط، وإنما في حق أئمتهم الذين يتبعونهم ويقلدونهم.

وهكذا ذكر أبو زهرة ما فعل بالإمام الشافعي الذي كاد يقتل بسبب اتهامه بالولاء لأهل البيت، فقد قال: (لما نزل الشافعي باليمن، ومن أعمالها نجران، كان بها والٍ ظالم، فكان الشافعي يأخذ على يديه، أي ينصحه وينهاه، ويمنع مظالمه أن تصل إلى من تحت ولايته، وربما نال الشافعي ذلك الوالي بالنقد، فأخذ ذلك الوالي يكيد له بالدس والسعاية والوشاية. وفي ذلك الزمانِ الذي كان فيه الحكمُ للعباسيين، كان العباسيون يُعادون خصومَهم العلويين، لأنهم يُدلون بمثل نسبهم، ولهم من رحم الرسول محمد ما ليس لهم، فإذا كانت دولة العباسيين قامت على النسب، فأولئك يَمُتُّون بمثله، وبرحم أقرب، ولذا كانوا إذا رأوا دعوة علوية قضوا عليها وهي في مهدها، ويقتلون في ذلك على الشبهة لا على الجزم واليقين، إذ يرون أن قتل بريء يستقيم به الأمر لهم، أولى من ترك مُتَّهمٍ يَجوز أن يُفسد الأمنَ عليهم.. وجاء والي نجران العباسيين من هذه الناحية، واتهم الشافعي بأنه مع العلوية، فأرسل إلى الخليفة هارون الرشيد: (إن تسعة من العلوية تحرَّكوا)، ثم قال في كتابه: (إني أخاف أن يخرجوا، وإن ها هنا رجلاً من ولد شافع المطلبي لا أمر لي معه ولا نهي)، وقيل أنه قال في الشافعي: (يعمل بلسانه ما لا يقدر عليه المقاتل بسيفه)، فأرسل الرشيد أن يَحضرَ أولئك النفرُ التسعةُ من العلوية ومعهم الشافعي. ويقال أنه قتل التسعة، ونجا الشافعي؛ بقوة حجته، وشهادة القاضي محمد بن الحسن الشيباني، أما قوة حجته فكانت بقوله للرشيد وقد وجه إليه التهمةَ بين النطع والسيف: (يا أمير المؤمنين، ما تقول في رجلين أحدهما يراني أخاه، والآخر يراني عبده، أيهما أحب إلي؟)، قال: (الذي يراك أخاه)، قال: (فذاك أنت يا أمير المؤمنين، إنكم ولد العباس، وهم ولد علي، ونحن بنو المطلب، فأنتم ولد العباس تروننا إخوتكم، وهم يروننا عبيدهم، وأما شهادة محمد بن الحسن الشيباني فذلك لأن الشافعي استأنس لما رآه في مجلس الرشيد عند الاتهام، فذكر بعد أن ساق ما ساق أن له حظاً من العلم والفقه، وأن القاضي محمداً بن الحسن يعرف ذلك، فسأل الرشيدُ محمداً، فقال: (له من العلم حظٌ كبير، وليس الذي رُفع عليه من شأنه)، قال: (فخذه إليك حتى انظرَ في أمره)، وبهذا نجا)([50])

وقد عبر الشافعي عن هذه التهمة التي اتهم بها في تلك الأبيات المشهورة عنه، والتي رواها الربيع بن سليمان عنه في قوله: (خرجنا مع الشافعي من مكة نريد منى فلم ننزل واديا ولم نصعد شعبا إلا وهو يقول

يا راكبا قف بالمحصب من منى

   واهتف بقاعد خيفها والناهض

سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى

   فيضا كملتطم الفرات الفائض

إن كان رفضا حب آل محمد

   فليشهد الثقلان أني رافضي([51])

 لكن مع ذلك كله استطاع الطغاة والمستبدون أن ينشروا النصب في الأمة، لتعادي أهل بيت نبيها، أو لتجمع بينهم وبين أعدائهم، لتعيش التناقض بكل معانيه.

منتصرون رغم المحن:

لم تجهض كل تلك الثورات سيدي.. بل استطاع الكثير منها أن يؤتي ثماره، ولو بعد حين..

ولن أعدد لك أولئك الثوار الأبطال الذين نجحوا في أداء أدوارهم في جميع بلاد العالم الإسلامي، ولكني سأقتصر على رجل منهم جعله الله شمسا تشرق على المغرب، فتنشر فيها الإسلام الذي قصرت السيوف في نشره، أو شوهت السيوف قيمه، فصرفت الناس عنه.

إنه إدريس الأول.. ناشر الإسلام الأكبر في المغرب.. ذلك الذي قال الامام الرضا ثامن أئمة أهل البيت في ابنه إدريس الثاني: (إدريس بن إدريس ابن عبد اللّه من شجعان أهل البيت واللّه ماترك فينا مثله)([52])

ذلك الذي لا نزال نقرأ رسالته التي كتبها لأهلها حينها، يبشرهم بالإسلام المحمدي الأصيل الذي لم يدنسه أصحاب الملك العضوض.

لقد كتب في رسالته ([53]) يقول لهم: (الحمدلله الذي جعل النصر لمن أطاعه، وعاقبة السوء لمن عَندَ عنه، ولا إله إلا الله المتفرد بالوحدانية، الدال على ذلك بما أظهر من عجيب حكمته ولطف تدبيره، الذي لا يُدْرَكُ إلابأعلامه وبيناته، سبحانه منزهاً عن ظلم العباد وعن السوء والفساد، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:10]، وصلى الله على محمد عبده ورسوله وخيرته من جميع خلقه، انتجبه واصطفاه واختاره وارتضاه صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين)

ثم ذكر بعد هذه الديباجة أهدافه من دعوته لهم، فقال: (إنِّي أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى العدل في الرَّعية، والقسم بالسوية، ودفع الظالم والأخذ بيد المظلوم، وإحياء السنة وإماتة البدعة، وإنفاذ حكم الكتاب على القريب والبعيد، فاذكروا الله في ملوك تَجبَّروا وفي الأمانات ختروا، وعهود الله وميثاقه نقضوا، وولد نبيه قتلوا، وأذكركم الله في أرامل افتقرت، ويتامى ضُيِّعَتْ، وحدود عطلت وفي دماء بغير حق سفكت، قد نبذوا الكتاب والإسلام ورآء ظهورهم كأنهم لايعلمون، فلم يبقَ من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه)

ثم بين لهم ضرورة مواجهة تلك التحريفات التي قام بها أصحاب الملك العضوض، فقال: (واعلموا عباد الله أن مما أوجب الله على أهل طاعته المجاهدة لأهل عداوته ومعصيته باليد واللسان، فباللسان الدعاء إلى الله بالموعظة الحسنة والنصيحة والتذكرة، والحض على طاعة الله، والتوبة من الذنوب والإنابة والإقلاع والنزوع عما يكره الله، والتواصي بالحق والصدق والصبر والرحمة والرفق، والتناهي عن معاصي الله كلها، والتعليم والتقويم لمن استجاب لله ولرسوله، حتى تنفذ بصائرهم ويكمل علمهم، وتجتمع كلمتهم، وتنتظم إلفَتُهُم، فإذا اجتمع منهم من يكون للفساد دافعاً، وللظالمين مقاوماً، وعلى البغي والعدوان قاهرا، أظهروا دعوتهم وندبوا العباد إلى طاعة ربهم، ودافعوا أهل الجور عن ارتكاب ما حرم الله عليهم، وحالوا بين أهل المعاصي وبين العمل بها فإن في معصية الله تلفا لمن ركبها، وهلاكاُ لمن عمل بها)

ثم بين لهم شروط النصر، مستدلا على ذلك بالقرآن الكريم الذي لم يكن يفارق أحدا من دعاة وأئمة أهل البيت، فقال: (ولا يؤيسنكم من علو الحق وإظهاره وقلة أنصاره، فإن فيما بدء به من وحدة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأنبياء الداعين إلى الله قبله وتكثيره إياهم بعد القلة، وإعزازهم بعد الذلة دليلاً بين، وبرهاناً واضحاً، قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:123]، ﴿وَلَيَنصُرنَّ الله مَن يَنْصُرَهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌ عَزيز﴾[الحج40]. فنصر الله نبيه، وكثَّر جنده وأظهر حزبه، وأنجز وعده، جزاء من الله له وثواباً لفعله وصبره وإثاره طاعة ربه ورأفته بعباده ورحمته وحسن قيامه بالعدل والقسط في بريته، ومجاهدة أعدائه وزهده فيما زهده فيه، ورغبته فيما ندبه إليه، ومواساته أصحابه، وسعة خلقه، كما أدبه الله وأمره وأمر العباد باتباعه، وسلوك سبيله، والإقتداء بهديه واقتفاء أثره فإذا فعلوا ذلك أنجز لهم ما وعدهم كما قال عز وجل: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِتْ أَقْدَامَكُمْ﴾[محمد: 7]. وقال: ﴿وَتَعَاونُوا عَلى البرِّ وَالتَقوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلى الإِثمِ والعُدُوَان﴾ [المائدة:2]، وقال تعالى: ﴿إِنِّ الله يَأَمُرُ بالعَدِلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذي القُربَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغي يَعِظُكُمْ لَعَلَكُمْ تَذَكَرُونْ﴾[النحل: 90]، وكما مدحهم وأثنى عليهم إذ يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَت للنَّاسِ تَأَمُرُوَنَ بالمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَن المُنْكَر وَتُؤمِنُونَ بالله﴾[آل عمران: 110]، وقال عز وجل: ﴿والمُؤمِنٌون وَالمُؤمِنَات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأَمُرٌون بالمعرُوف وَيَنْهَون عَنِ المُنْكِر﴾[التوبة: 71]، ففرض الله عز وجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأضافه إلى الإيمان به والإقرار بمعرفته، وأمر بالجهاد عليه والدعاء إليه، فقال عز وجل: ﴿قَاتِلُوْا الَّذِينَ لاَ يُؤمِنُون بالله وَلاَ بِاليومِ الأَخِرِ وَلاَ يُحَرّمُونَ مَا حَرَّم الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحقِ﴾[التوبة: 29]، وفرض قتال العاندين عن الحق، والباغين عليه، ممن آمن به وصدق بكتابه حتى يعودوا إليه ويفيئوا، كما فرض الله قتال من كفر به وصد عنه حتى يؤمن ويعترف بدينه وشرائعه، فقال تعالى: ﴿وَإنْ طَائِفَتانِ مِنَ المُؤمِنِين اقْتَتَلُوْا فَأصْلِحُوا بَينَهُمَا فإنْ بَغتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغي حَتى تَفِئ إِلى أمْرِ الله﴾[الحجرات:9])

ثم راح يدعوهم إلى الدين الحق الذي شوهه أصحاب الملك العضوض وسدنتهم من علماء السلطان، فقال: (فهذا عهد الله إليكم، وميثاقه عليكم في التعاون على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، فرضاً من الله واجبا وحكما من الله لازما، فأين عن الله تذهبون، وأنى تؤفكون، وقد جابت الجبابرة في الآفاق شرقا وغربا، وأظهروا الفساد وامتلأت الأرض ظلما وجوراً، فليس للناس ملجأً ولا لهم عند أعدائهم حسن رجاء. فعسى أن تكونوا معاشر إخواننا من البربر اليد الحاصدة للجور والظلم، وأنصار الكتاب والسنة، القائمين بحق المظلومين من ذرية خاتم النبيئين، فكونوا عند الله بمنزلة من جاهد مع المرسلين ونصر الله مع النبئيين والصديقين)

ثم راح يحدثهم عن نفسه، وعن المآسي العظيمة التي حصلت لأهل البيت، فقال: (و اعلموا معاشر البربر أني ناديتكم وأنا المظلوم الملهوف، الطريد الشريد الخائف الموتور الذي كثر واتروه، وقل ناصروه، وقتل إخوته وأبوه، وجده وأهلوه، فاجيبوا داعي الله فقد دعاكم إلى الله، قال الله تعالى: ﴿ومَن لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾[الأحقاف: 32]. أعاذنا الله وإياكم من الضلال وهدانا وإياكم إلى سبيل الرشاد.. وأنا إدريس بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي بن أبي طالب، جداي، وحمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار في الجنة عماي، وخديجة الصديقة وفاطمة بنت أسد الشفيقة برسول الله جدتاي، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيدة نساء العالمين، وفاطمة بنت الحسين سيدة بنات ذراري النبيين أُمَّاي، والحسن والحسين إبنا رسول الله أبواي، ومحمد وإبراهيم إبنا عبدالله المهدي والزاكي، أخواي)

ثم ختم رسالته لهم بقوله: (فهذه دعوتي العادلة غير الجائرة، فمن أجابني فله مالي وعليه ما عليَّ، ومن أبى فحظه أخطأ، وَسَيرى ذلك عالم الغيب والشهادة إني لم أسفك له دما ولا أستحللت له محرماً ولا مالاً واستشهدك يا أكبر الشاهدين شهادة، وأستشهد جبريل وميكائيل أني أول من أجاب وأناب، فلبيك اللهم لبيك.. اللهم مزجي السحاب، وهازم الأحزاب، مسير الجبال سراباً بعد أن كانت صماً صلاباً، أسالك النصر لولد نبيك إنك على ذلك قادر)

هذه رسالته إليهم.. وقد كان قدومه كقدوم العافية والدواء.. حيث نشر الله به الإسلام المحمدي الأصيل؛ حيث استطاع أن يدعو القبائل اليهودية والوثنية إلى الإسلام، ويعرفهم به، ويدخلوا فيه أفواجا، ذلك أن الفاتحين العسكريين لم يكن لهم الوقت للجلوس للناس وتعليمهم، وإنما اكتفوا بالتوسع العسكري عن الدعوة إلى الله تعالى.

فقد ذكر المؤرخون أن قبائل زناتة وزواغة وسدراتة وغياثة ومكناسة وغمارة وكافة القبائل الأمازيغية في المغرب الأقصى، وبعد أن رأوا صفات إدريس الأكبر وأخلاقه العالية وعلمه العظيم راحوا يبايعونه، ويقومون معه بنشر الإسلام وتعريف الناس به في كل المناطق التي لم تدخل الإسلام بعد.. لكن حقد هارون وصل إليه عبر إرسال من قتله.

ولذلك كان دور إدريس الأكبر الدعوي هو الفتح الحقيقي، وقد التفت به القبائل الأمازيغية بعد أن رأت فيه النموذج الحقيقي الذي يمثل الإسلام.

لكن الطاغية هارون الذي لم يكن يفكر في نشر الإسلام، وإنما كان يفكر في ملكه وفي الإتاوات التي تأتيه من المغرب والمشرق، راح يرسل له من يقوم بقتله، متجاهلا تلك الأدوار الدعوية العظيمة التي كان يقوم بها هناك.

وقد قال حينها بعض الشعراء من الموالين لبني العباس يذكر قتله، ويصور في نفس الوقت اليد الإجرامية لبني العباس، والتي لم تكن تتوقف أبدا ([54]):

أتظن يا إدريس أنك مفلت

   كيد الخليفة أو يقيك فرار

فليدركنّك أو تحلّ ببلدة

   لا يهتدي فيها إليك نهار

إن السيوف إذا انتضاها سخطه

   طالت وتقصر دونها الأعمار

ملك كأن الموت يتبع أمره

   حتى يقال تطيعه الأقدار

وصدق الشاعر فيما قال، فلم يكن إدريس أول أو آخر قتيل من آل بيت النبوة يقوم هارون بقتله، وإنما قتل الكثير، ومنهم الإمام موسى الكاظم الذي تتفق الأمة جميعا على صلاحه وتقواه وعلمه الغزير، وكونه إماما من أئمة بيت النبوة، وكونه في نفس الوقت من المظلومين الذي شملهم بطش هارون ليس بالقتل فقط، وإنما بالسجن قبل ذلك.

ففي الوقت الذي كان الشعراء يتمتعون فيه بالصلات والجوائز كان الإمام موسى الكاظم وغيره من الصالحين يسكنون غياهب السجون، في انتظار لحظة الموت التي يحددها السفاح الذي سمته العقول المتناقضة رشيدا، يقول الشيخ محمد جواد مغنية معبرا عن محنة الإمام الكاظم: (أرسل الرشيد جلاوزته إلى الإمام موسى بن جعفر، وكان يتعبد عند قبر جده، فأخرجوه منه، وقيدوه، وأرسله الرشيد إلى البصرة، وكان عليها عيسى بن جعفر بن المنصور، فحبسه عنده سنة، ثم كتب عيسى إلى الرشيد أن خذه مني، وسلمه إلى من شئت، وإلا خليّت سبيله، فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجة فما قدرت على ذلك. فحبسه ببغداد عند الفضل بن الربيع، ثم عند الفضل بن يحيى، ثم عند السندي بن شاهك، وأخيراً تخلص منه بالسم)([55])

ولم يكتف هارون بذلك، بل راح يمارس جرائمه في كل من له صلة به من أهل بيت النبوة أو غيرهم حتى النساء لم ينجين من جرائمه، يقول السيد محسن الأمين: (بعد وفاة الإمام الكاظم أرسل الرشيد أحد قواده إلى المدينة، وهو الجلودي، وأمره أن يهجم على دور آل أبي طالب، ويسلب نساءهم ولا يدع على واحدة منهن إلا ثوباً واحداً، فامتثل الجلودي، حتى وصل إلى دار الإمام الرضا، فجعل الإمام النساء كلهن في بيت واحد، ووقف على باب البيت، فقال الجلودي: لابد من دخول البيت وسلب النساء فتوسل إليه وحلف له أنّه يأتيه بكل ما عليهن من حلي وحلل على أن يبقى الجلودي مكانه ولم يزل يلاطفه حتى أقنعه، ودخل الإمام، وأخذ جميع ما على النساء من ثياب ومصاغ وجميع ما في الدار من أثاث، وسلمه إلى الجلودي، فحمله إلى الرشيد)([56])

وهكذا كانت جرائم هارون في حق أهل بيت النبوة كثيرة لا يمكن حصرها، فمنذ تسلم زمام الحكم من سنة 170 هـ حتى سنة 193 هـ أدار صراعات مختلفة مع العلويين فقتل، وعذّب الكثير منهم، مستنا في ذلك بسنة أهل الملك العضوض ابتداء من معاوية وابنه يزيد.

لكن هارون مع ذلك لم يزل يصور بصورة الخليفة العادل على الرغم من كل جرائمه، ذلك أن الترسانة الكبرى التي استعملها أصحاب الملك العضوض راحت تزين جرائم المجرمين، وتكتب فيهم كل قصائد الثناء والمدح، في نفس الوقت الذي ترمي فيه تلك العترة الطاهرة في أتون النسيان والإهمال والسباب، وكل أنواع الشتائم.

ومن العجيب أن يتولى الثناء على هارون بعض من يدعون نسبتهم إلى إدريس، والذين يبنون أمجادهم وأمجاد أسرهم عليه، ويشهدون له بالصلاح والتقوى، ويزورون ضريحه، ويحيون كل المناسبات التي ترتبط به، وبالكثير من أولاده وحفدته، لكنهم يترضون في نفس الوقت عن قاتله هارون، ويذكرون مناقبه، ولست أدري كيف يوفق بين هذا وذاك.

فإن كان موقف هارون صالحا وعادلا، فإن إدريس الأكبر كان مستحقا لما حصل له، ولذلك لا يصح أن يعتبر من الأولياء، ولا من الصالحين.. وإن كان العكس، فإن حكم هارون حكم إجرامي واستبدادي، ولا يصح حينها السكوت عن هذه الجريمة حتى لو تعلقت بقتل مسلم واحد، وكيف وهارون قتل المئات بل آلاف من الصالحين، وهذا ما تذكره كل المصادر التاريخية.

هذه سيدي زفرات ألم بثثتها إليك وإلى آباك وأبنائك وأهل بيتك.. ويعلم الله أني سلم لمن سالمكم، وحرب لمن حاربكم.. ولا أبالي في حبكم ونصرتكم بالعاذلين والعاتبين والموبخين.. بل لا أبالي بالمهددين والمجرمين والإرهابيين.. فما أشرف أن تختلط دمائي بدمائكم.. وما أشرف أن يُعلق محبكم في الصلبان التي علقتم فيها.. فهي عروش الكرامة، ومحال العزة.. وهي فردوس الدنيا الذي يتشرف أصحابه بالحظوة بفردوس الأخرى.


([1]) المعجم الصغير للطبراني 2/42 ح(749)، مسند الشاميين للطبراني 1/379 ح(658)

([2]) ترتيب الأمالي الخميسية للشجري 2/363 ح(2762)

([3]) ابن ماجه (4008)، وعبد بن حميد في  المنتخب  (971) ، والبيهقي في  السنن  10/90-91، وأبو نعيم في  الحلية  4/384.

([4]) ابن أبي شيبة 13/50، والطبراني في  الكبير  (8205) الطيالسي (1280)، وأورده الهيثمي في  المجمع  9/407-408 وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح.

([5]) دستور معالم الحكم ومأثور مكارم الشيم: ص 113 – 114.

([6]) بحار الأنوار: 44 / 329..

([7]) عيون أخبار الرضا، ص 250 و251

([8]) المرجع السابق.

([9]) المرجع السابق.

([10]) ابن طاووس: الملاحم: الباب 31.

([11]) ابن إدريس : السرائر : 3 / 638.

([12]) بحار الأنوار (45/ 135)

([13]) ابن إدريس: السرائر: 3

([14]) مقاتل الطالبيين: 98

([15]) البغدادي: الفرق بين الفرق: 35 ـ 36.

([16]) أخطب خوارزم: مقتل الحسين: 2 / 108..

([17]) فرات بن إبراهيم الكوفي: التفسير: 136 ـ 137.

([18]) المرجع السابق.

([19]) المرجع السابق.

([20]) حميد المحلي: الحدائق الوردية: 141، الطبعة الثانية ـ 1405 هـ.

([21]) المرجع السابق.

([22]) هذه الرسالة قام بتحقيقها وتصحيحها محمد يحيى سالم عزان عن أربع نسخ، نوّه بخصوصيتها في مقدمتها ونشرها دار التراث اليمني صنعاء عام 1412 هـ، وقد نقلت بعضها من كتاب: بحوث في الملل والنحل، للسبحاني، 7/81.

([23]) المرجع السابق، 7/82.

([24]) المرجع السابق، 7/82.

([25]) المرجع السابق، 7/83.

([26]) المرجع السابق، 7/83.

([27]) المرجع السابق، 7/84.

([28]) المرجع السابق، 7/84.

([29]) المرجع السابق، 7/84.

([30]) المرجع السابق، 7/85.

([31]) المرجع السابق، 7/85.

([32]) المرجع السابق، 7/85.

([33]) المرجع السابق، 7/85.

([34]) المرجع السابق، 7/86.

([35]) المرجع السابق، 7/86.

([36]) المرجع السابق، 7/87.

([37]) المرجع السابق، 7/88.

([38]) أمالي الصدوق) (ص321)

([39]) المرجع السابق، (ص286)

([40]) أخبار الرضا (ج1ص252)

([41]) كشف الغمة (ج2ص204)

([42]) السيد علي خان المدني : رياض السالكين : 1 / 69 ـ 70..

([43]) البحار : 46 / 182 ح 46..

([44]) مروج الذهب : 3 / 298..

([45]) مروج الذهب : 3 / 294 ـ 296.

([46]) قال في [الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (1/ 205)] نقلا عن ابن خلدون: ( ولهذا كان مالك وأبو حنيفة رحمهما الله يحتجان له حين خرج بالحجاز ويريان أن إمامته أصح من إمامة أبي جعفر المنصور لانعقاد هذه البيعة أولا وكان أبو حنيفة يقول بفضله ويحتج لحقه فتأدت إلى الإمامين المحنة بسبب ذلك أيام أبي جعفر المنصور حتى ضرب مالك رضي الله عنه على الفتيا في طلاق المكره وحبس أبو حنيفة رضي الله عنه على القضاء)

([47]) أبو حنيفة، محمد أبو زهرة، ص42-44.

([48]) المرجع السابق، ص46.

([49]) المرجع السابق، ص57.

([50]) الشافعي، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي – القاهرة، ص22.

([51]) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (1/ 299)

([52]) ابن عنبة : عمدة الطالب : 159.

([53]) نص الرسالة في أخبار فخ، ص49.

([54]) مقاتل الطالبيين (ص: 408)

([55]) الشيعة والحاكمون، مغنية، ص 162.

([56]) أعيان الشيعة، ج 1، ص 29..

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *