إلى الأم المظلومة

إلى الأم لمظلومة

سيدتي الفاضلة الكبيرة.. يا أشرف أم في الدنيا.. ماذا عساي أقول لك.. وكيف أعتذر لك عن نفسي، وعن أولئك الذين لا يزالون يخطئون في حقك..

لقد كنت أذكر جيدا في صباي الباكر ـ قبل أن تتدنس فطرتي، وينتكس عقلي ـ كيف كنا في باديتنا الجميلة نتغنى بك، وبجمالك، وبأخلاقك، وبأنوارك العظيمة..

كنا نحفظ عن ظهر قلب قولك، وأنت على فراش الموت تخاطبين ابنك الصغير محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنت تنظرين إلى وجهه الجميل البريء الممتلئ بالقداسة ([1]):

بارك فيك الله من غلام

   يا ابن الذي من حومة الحمام

نجا بعون الملك المنعام

   فودي غداة الضرب بالسهام

بمائة من إبل سوام

   إن صح ما أبصرت في منامي

فأنت مبعوث إلى الأنام

   من عند ذي الجلال والإكرام

تبعث في الحل وفي الحرام

   تبعث بالتحقيق والإسلام

دين أبيك البر إبراهام

   تبعث بالتخفيف والإسلام

أن لا تواليها مع الأقوام

   فالله أنهاك عن الأصنام

ثم قولك بعدها: (كل حي ميت، وكل جديد بال، وكل كبير يفنى، وأنا ميتة وذكري باق، وقد تركت خيرا، وولدت طهرا)

وكنا نردد ما قيل حينها فيك من أشعار لم يعرف أصحابها، فنسبت إلى الجن([2]):

نبكي الفتاة البرة الأمينة

   ذات الجمال العفة الرزينة

زوجة عبد الله والقرينة

   أم نبي الله ذي السكينه

وصاحب المنبر بالمدينة

   صارت لدى حفرتها رهينه

لو فوديت لفوديت ثمينه

   وللمنايا شفرة سنينه

لا تبقي ظعانا ولا ظعينة

   إلا أتت وقطعت وتينه

أما هلكت أيها الحزينة

   عن الذي ذو العرش يعلي دينه

فكلنا والهة حزينه

   نبكيك للعطلة أو للزينه

وكنا نردد في الموالد قول البوصيري في همزيته:

فهنيئًا به لآمنة الفضل

   الذي شرفت به حواء

من لحواء أنها حملت

   أحمد أو أنها به نفساء

يوم نالت بوضعه ابنة وهبٍ

  من فخارٍ مالم تنله النساء

وأتت قومها بأفضل مما

   حملت قبلُ مريم العذراء

وكنا كلما قرأنا قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴾ (المائدة: 15)، تذكرنا قولك: (ما شعرت أني حملت به، ولا وجدت ثقله كما تجد النساء.. وأتاني آت وأنا بين النائم واليقظان فقال لي: هل شعرت أنك حملت؟ فأقول: ما أدري فقال: إنك حملت بسيد هذه الأمة ونبيها.. وآية ذلك أنه يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وضع فسميه محمدا) ([3])

وتذكرنا أنك حين حملت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاك آت من ربك، فقال: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: (أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، من كل بر عاهد وكل عبد رائد، يذود عنى ذائد، فإنه عند الحميد الماجد، حتى أراه قد أتى المشاهد)([4])

لقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض ذلك، فقال مجيبا لمن سأله عن نفسه:(أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام)([5])

وذكر ذلك بعض النسوة اللاتي تشرفن بالحضور يوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم، فقد ذكرت بعضهن: أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة ولدته، قالت: فما شئ أنظره في البيت إلا نور، وإنى أنظر إلى النجوم تدنو حتى إنى لأقول: لتقعن على([6]).

وقد اشتهر هذا النور الذي ظهر وقت ولادته صلى الله عليه وآله وسلم في قريش كلها، وكثر ذكره فيهم، حتى أن العباس عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال([7]):

وأنت لما ولدت أشرقت الأر

   ض وضاءت بنورك الأفق

فنحن في ذلك الضّياء وفي النّو

   ر وسبل الرشاد نخترق

وقال آخر([8]):

لمّا استهلّ المصطفى طالعاً

   أضاء الفضا من نوره السّاطع

وعطّر الكون شذا عطره الطّ

   يّب من دانٍ ومن شاسع

ونادت الأكوان من فرحة

   يا مرحباً بالقمر الطالع

 لكنا عندما كبرنا، ودخلنا الجامعات.. وأخذنا الشهادات.. بدأت صورتك تبهت وتبهت إلى أن زالت.. وحلت مكانها صورة لامرأة أخرى كانت تبغض ابنك بغضا شديدا..

لاشك أنك تعرفينها.. إنها هند بنت عتبة. تلك التي كنا في صغرنا نبغضها لبغضها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وكنا لا ننسى أبدا موقفها يوم أحد، يوم أخذت الدف هي ونسوة قريش، تضرب عليه خلف الرجال، وتحرض على القتال، وهي تقول بكل وقاحة([9]):

إن تقبلوا نعانق

   ونفرش النمارق

أو تدبروا نفارق

   فراق غير وامق

ولا ننسى صورتها أبدا وهي تبقر بطن حمزة، وتلوكها، ثم تلفظها، وهي تصرخ بأعلى صوتها([10]):

نحن جزيناكم بيوم بدر

   والحرب بعد الحرب ذات سعر

ما كان عن عتبة لي من صبر

   ولا أخي وعمه وبكري

شفيت نفسي وقضيت نذري

   شفيت وحشي غليل صدري

فشكر وحشي على عمري

   حتى ترم أعظمي في قبري

لكنا عندما كبرنا وتعلمنا، ونلنا الشهادات الجوفاء الممتلئة بالغرور والكبرياء نسينا كل ذلك.. وملأنا قلوبنا بهند وبعلها وبنيها.. وصرنا نبشر بأن هندا وذويها كلهم في الجنة.. أما أنت يا أطهر أم في الدنيا.. فصرنا نعتبرك من أهل النار.. وصرنا نحذر كل من يخالف هذا المعتقد بعذاب الله الشديد..

صرنا ــ بسبب ذلك التعليم المحشو بالحقد ـ نرميك يا سيدة الموحدين بأنك مشركة، وكأن الله أعمى قلوبنا عن أن نقرأ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28]، فإذا كانت نجاسة المشركين تحول بينهم وبين القرب من المسجد الحرام، فكيف تقبل العقول أن يكون الرحم الذي آوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشهرا معدودات نجسا..

وكيف تقبل العقول أن يكون أول لبن تغذى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نجسا؟

ليتنا في ذلك الحين جمعنا بين الآية الكريمة وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء وما ولدني الا نكاح كنكاح الإسلام)([11]).. فهذا الحديث لا يكرمك فقط، بل يكرم كل آبائك وأجداك، وكل آبائه صلى الله عليه وآله وسلم من أبيه وأجداده.. فكلهم كانوا على الطهارة والصفاء والإسلام.

لقد كان في إمكاننا أن نجد الأدلة الكثيرة التي تحافظ على تلك المكانة في قلوبنا نحوك.. وكنا نتقن أن نجمع بين جميع الأدلة حتى لو شئنا أن نحول الذئب خروفا لحولناه إلا عند الحديث عنك.. فقد كانت قلوبنا تعمى أن تبصر الحقائق.

لقد استطعنا بذكائنا، وقدرتنا على التلفيق والجمع أن نجعل من أبي سفيان بطلا من أبطال الإسلام، لا عدوا من أعدائه..

وقد استطعنا أن نحول من الجيش الذي لا يعدو بضعة آلاف يوم فتح مكة، والذي بسبب رؤيته أسلم أبو سفيان كما حفظنا. لقد جعلنا من ذلك الجيش معجزة أعظم من كل تلك المعجزات التي أظهرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقومه لكي يؤمنوا.. أعظم من معجزة شق القمر التي ذكر الله موقف المشركين منها، وكان أولهم أبو سفيان، فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: 1، 2] وأعظم من معجزة القرآن نفسه الذي ذكر الله تعالى موقف هند وأبي سفيان منه، فقال: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 30 ـ 32]

بل أعرضنا عن تدبر القرآن الكريم حين يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه لا أمل له في أولئك المشركين الكبار الذين أخرجوه، وظاهروا على إخراجه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)﴾ [البقرة: 6، 7]

لقد استطعنا أن نحول من كل أولئك المشركين أناسا طيبين، بل مسلمين مخلصين، بل صحابة أجلاء لا يجوز تخطئتهم، ولا الكلام فيهم..

بل جعلناهم أولياء وقديسين حتى أنه لو صام أحدنا طول عمره، فلم يفطر، وقام فلم يفتر، فإنه لا يمكنه أبدا أن يصل إلى المكانة التي حلها أبو سفيان أو زوجه هند.

هكذا عُلمنا يا أشرف النساء وأطيبهم وأكرمهم.. فلا تلومينا.. وسامحينا.. واشفعي لنا عند ربك.. فلا شك عندنا أن الذي اختارك لتكوني أما لخير خلقه، قد جعل لك مكانة عالية، وجاها عريضا..

واشفعي لنا ـ سيدتي ـ عند ابنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي آذيناه بإيذائنا لك.. ولم نراع حرمته.. ولم نراع تحذير الله من إذيته، حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [الأحزاب: 57]

لقد تشبهنا ببني إسرائيل في إذيتهم لموسى عليه السلام، ولأنبيائهم، مع أن الله حذرنا من التشبه بهم، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ الله وَجِيهًا ﴾ [الأحزاب: 69]

سيدتي الطاهرة.. سأذكر لك بعض أعذاري.. فاسمعيها مني، ولا تلوميني.. فقد كنت غضا طريا.. وكان عقلي فارغا.. وكان للذين يلقونني تلك التعاليم، مع أترابي في الجامعة والمسجد، من السلطان ما لا طاقة لنا بمقاومته..

كانوا يقولون لنا: هذه هي السنة شئتم أو أبيتم.. فإن رفضتم فأنتم رافضة، أو أنتم قبورية، أو أنتم ملاحدة.. إن رفضتم فأنتم مشركون في كل الأحوال.

أذكر أن بعض مشايخنا.. كان صعيديا.. كان اسمه.. دعنا من اسمه، فلعله هو الآخر يتوب.. ويكتب رسالة باكية لك، يترجاك فيها أن تسامحيه.

لقد تنكر لحب أهله من الصعايدة لك، فلم يكفه أن يعتقد ما اعتقد المبغضون لك.. بل راح يبشر بذلك، ويكتب رسالة عنك وعن زوجك الطاهر عبد الله سماها (التعبد المرضي بإثبات كفر والدي النبي كما نطقت بذا الآثار، وجاءت به صحيح الأخبار، مخالفين بذا كل غبيٍّ أبيّ)([12])

ليس هو فقط من تكلم عنك.. لقد تفرغ رجال كثيرون لإخراجك من مقعد الصدق الذي أعده الله لك في الجنة بجوار حبيبك وابنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وكأن الجنة التي وسعوها لهند وبعلها وبنيها ضاقت عنك.

لقد راحوا جميعا بكل ما أوتوا من قوة وحيلة يحاولون أن يثبتوا أنك لست من الذين لا نعلم مصيرهم عند الله.. ولست من أهل الفترة الذين نكل أمرهم إلى الله.. وإنما أنت من دونهم جميعا من أهل جهنم.. ومن المعذبين فيها.

ويلهم.. كيف يتجرؤون على قول هذا.. بل على كتابته؟

هل تسمحين لي سيدتي أن أدوس على مشاعر الغيظ في قلبي.. وأذكر لك ما نشروه عنك.. وعن مصيرك..

لقد أوردوا في ذلك أحاديث لست أدري من حدثهم بها يخبر فيها ابنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنك وزوجك عبد الله كلاكما في النار..

فقط أنت وعبد الله أوردوا فيك مثل هذه الأحاديث.. أما أجداد هند وأبي سفيان وأبي جهل والوليد بن المغيرة.. فلم يرووا فيهم حديثا واحدا.. لقد اكتفوا في جواب من يسألهم عنهم أن يقرأوا قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، ثم يعقبوا على الآية الكريمة بأن أولئك جميعا كانوا من أهل الفترة.. ولم يكن هناك نبي..

بل ذهب بعضهم إلى أنهم حتى لو كانوا مشركين.. فقد كان شركم أفضل بكثير من شرك الذين أحبوك أو دافعوا عنك، أو كتبوا القصائد في مديحك.

لقد كانوا يجيبون من يسألهم عن أم أبي سفيان من القرآن بتلك الآية، أما أذا سئلوا عنك أيتها الطاهرة النقية فقد كانوا يقرؤون عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴾ [البقرة: 119]، ثم يذكرون له أن الآية نزلت فيك وفي زوجك عبد الله.. وأن ابنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول كل حين حزنا عليك: (ليت شعري ما فعل أبواي، ليت شعري ما فعل أبواي، ليت شعري ما فعل أبواي؟)، فنزلت الآية لتملأ عليه حياته حزنا، وتنسخ معها قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5]، فلا يملك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن يكف عن ذكرهما حتى توفاه الله، عز وجل ([13]).

هكذا استبدلوك بهند وبأبي سفيان وبغيرهم ممن تعلمين.. وكأن الله عوض رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عنك وعن أبيه بأولئك الذين لم يتركوا سبيلا لحربه وعداوته إلا فعلوه.

ويستدلون لذلك بحديث يروونه من أن ابنك محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لما قدم مكة، أتى رسم قبر، فجلس إليه، فجعل يخاطب، ثم قام مستعبراً، فقيل له: يا رسول الله! إنا رأينا ما صنعت.. فقال: (إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها، فلم يأذن لي).. وأنه ما رؤي باكياً أكثر من يومئذ ([14]).

وليتهم إذ رووه بكوا.. لا.. لقد كانوا مسرورين جذلين لأنهم وجدوا ما يؤكد لهم اعتقادهم.. أنا لا أكذب هذا الحديث.. فقد يكون صحيحا.. ولكني لا أرى فيه إلا نورا آخر من أنوار جمالك وكمالك.. فالاستغفار يكون للمذنبين، أما أنت فمن المصطفين الأخيار الذين نكتفي بالسلام عليهم، كما قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ﴾ [النمل: 59] ولذلك فأنت يقال لك: آمنة عليها السلام.. لا آمنة غفر الله لها. لكنهم للأسف لم يلاحظوا هذا.. بل راحوا ينقلون عن بعضهم قوله ـ بعد ذكر الحديثـ: (فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى.. وفيه النهي عن الاستغفار للكفار)

بل إن بعضهم تجرأ فراح يزعم أن ابنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يزرك قاصدا لزيارتك، وإنما زارك قصد قوة الموعضة والذكرى بمشاهدة قبرك..

لم يكتفوا بهذا ـ سيدتي ـ بل راحوا ينقلون الإجماع.. وكأن الأمة اختصرت فيهم.. فقد ذكروا عن بعضهم (إجماع السلف والخلف على عدم نجاة أبوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم..) ونقلوا عنه قوله: (اتفق السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين على ذلك من غير خلاف لما هنالك)([15])

لا تحزني أيتها الطاهرة النبيلة، فليس هناك إجماع ولا هم يحزنون.. كل ما في الأمر أنهم ثلة من الناس رفعت الحياء عن وجهها، فراحت تصحح كل ضعيف، وتحيي كل ميت في سبيل أن تنال منك..

لكن الكثير من محبيك قاموا ليدافعوا عنك وعن زوجك عبد الله، وألفوا في ذلك رسائل وكتبا.. كان منها (الانتصار لوالدي النبي المختار صلى الله عليه وآله وسلم) للسيد مرتضى الزبيدي.. ومنها (تحقيق آمال الراجين في أن والدي المصطفى من الناجين) لابن الجزاز.. ومنها (التعظيم والمنة في أن أبوي المصطفى في الجنة)، و(مسالك الحنفا في والدي المصطفى) للسيوطي.. ومنها (ذخائر العابدين في نجاة والد المكرم سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم) للأسبيري.. ومنها (مرشد الهدى في نجاة أبوي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم)للرومي.. ومنها (مطلع النيرين في إثبات نجاة أبوي سيد الكونين صلى الله عليه وآله وسلم) للمنيني.. ومنها (هدايا الكرام في تنزيه آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم) للبديعي.. ومنها (أمهات النبي صلى الله عليه وآله وسلم) للمدائني.. ومنها (تأديب المتمردين في حق الأبوين) لعبد الأحد بن مصطفى الكتاهي السيواسي.. ومنها (قرة العين في إيمان الوالدين) للدويخي.. وغيرها كثير.

هل أخبرك ـ سيدتي ـ بشيء قد يثير عجبك.. ولكن لا تتعجبي، فأمثال هذه العقول يمكنها أن تجمع المتناقضات، ولا تضيق بها..

إنهم يروون عن بعضهم قوله: (وفُضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين: سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواري عيسى، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم)([16])

كان في إمكانهم لو طبقوا هذا على أنفسهم.. لا بسؤال اليهود والنصاري.. فقد يكذبون.. وإنما بسؤال القرآن نفسه.. لا عن أصحاب موسى، فقد أخبر الله عما فعلوه به.. ولا عن أصحاب المسيح، فقد أخبر القرآن عن انحرافهم عنه.. وإنما يسألوا القرآن الكريم نفسه عن أم موسى وعيسى.. فإذا سألوه فسيجيبهم بأن أم موسى أوحى لها الله: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 7] وأما أم المسيح، فقد أوحى لها الله: ﴿ يَامَرْيَمُ إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: 45] ونحسب أن ما رأيته وما سمعته لا يقل عما رأته أم موسى أو أم المسيح.. لأن محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو سيد موسى والمسيح.

ليتهم يعملون القياس الذي تعودوا أن يعملوه في كل شيء، ليروا أنفسهم أسوأ من اليهود والنصارى في موقفهم من أم نبيهم.. مع العلم أن أم أي شخص في الدنيا أقرب إليه وأعز من كل أصحابه..

أمر أخير ـ سيدتي ـ أريد أن أبثه لك.. ولست أدري هل يحق لي ذلك أم لا.. فاعذريني فأنا عبد بسيط حقير.. معارفه محدودة.. وقد أكون مخطئا فيما سأذكره لك.

لقد كان المدافعون عنك.. وكأنك مذنبة أو ظالمة.. يلتمسون كل السبل، ليثبتوا إيمانك.. حتى أنهم ذكروا حديثا بأن الله أحياك لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم لتؤمني به.. ولست أدري كيف أني من غير قصد لم أصدق ذلك.. ووقعت عند عدم تصديقي مع الفريق الذي أعلن عليك الحرب.. طبعا أنا لم أصدق ذلك لا لكونه غريبا.. فالله قادر على كل شيء، والذي أحيا الموتى للمسيح عليه السلام، لا يعجز عن إحياء الموتى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

ولكني لم أصدقه لأجل الغاية التي وردت في الحديث.. وهي أنك حييت لأجل أن تؤمني به.. لأني أعلم أنك كنت مؤمنة به قبل أن يولد.. وبعد أن ولد.. ومت وأنت من أكثر خلق الله عشقا له.

وحتى بعد موتك.. أنا أعتقد أن الله القادر على كل شيء، والذي جعل الشهداء أحياء عنده.. ويستبشرون بما يروه من أعمال من لم يلحق بهم.. أعتقد جازما ـ ولا يهمني أن أرمى بالخرافة أو الضلالة أو البدعةـ أنك كنت حية تتابعين كل حركة وسكنة من حركات ابنك وسكناته.. وتستبشرين بذلك.. ولذلك لم تكوني بحاجة إلى إحياء..

لكن ذلك الصعيدي الجافي الغليظ وأصحابه تصوروا أنهم بمجرد الحكم على وضع الحديث وكذبه يكونون قد قضوا على الدليل الوحيد الذي يحميك من نار جهنم..

لقد نقل هذا الصعيدي، وغيره من الذين امتلأت قلوبهم قسوة وغلظة قول ابن الجوزي في ذلك الحديث: (هذا حديث موضوع لا يشك فيه، والذي وضعه قليل الفهم، عديم العلم، إذ لو كان له علم لعلم أن من مات كافرا لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن بعد المعاينة، ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 217])([17])

هل سمعت ما قال؟.. إنه يقول بأنك حتى لو حييت من جديد، فإن ذلك لن ينفعك.. وكأن الله قدر لك العذاب لا محالة..

ولست أدري هل ذلك كان عقوبة لك لكونك حملت بخير خلق الله.. أم لأي شيء آخر.

أما من يسمونه شيخ الإسلام، الذي هو أستاذ كل من تكلم فيك.. فقد علق على ذلك الحديث بقوله، وهو في غاية الغبطة والسرور: (لا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذباً، كما نص عليه أهل العلم، وليس ذلك في الكتب المعتمدة في الحديث، لا في الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد، ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة، ولا ذكره أهل كتب المغازي والتفسير، وإن كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح، لأن ظهور كذب ذلك لا يخفى على متدين، فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعي في نقله، فإنه من أعظم الأمور خرقاً للعادة من وجهين: من جهة إحياء الموتى.. ومن جهة الإيمان بعد الموت.. فكان نقل مثل هذا أولى من غيره، فلما لم يروه أحد من الثقات علم أنه كذب)([18])

هل رأيت أيتها الطاهرة كيف يتكلمون عنك.. وكأنهم قطعوا كل حبال النجدة التي يمدها إليك محبوك من البسطاء والمتواضعين، والذين رضوا أن يصدقوا بالمعجزات والخوارق في سبيل أن يثبتوا نجاتك.

وقد غاب عنهم جميعا أنك لست ناجية فقط.. وأنك لست من أهل الجنة فقط.. بل أنت محل نظر الله.. ومحل اصطفائه.. فهو اختارك من بين نساء العالمين جميعا لتكوني أما لحبيبه الذي اصطفاه وارتضاه.. ومن كان محلا لهذا الاصطفاء لا يمكن أن يتخيل خيال، أو تدرك نفس ما أعد له من قرة أعين.

هذه رسالتي ـ سيدتي ـ مضمخة بدموعي.. وبحرارة الشوق لك، ولابنك.. ولأحفادك الطاهرين.. فتقبليها مني.. وكوني أنت وابنك وأحفادك شفعاء لي عند ربك.


([1])  رواه أبو نعيم عن أم سماعة بنت أبي رهم عن أمها، انظر: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (2/ 121)

([2])  المرجع السابق.

([3])  رواه ابن سعد، والبيهقي وغيرهما، انظر: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (1/ 328)

([4])  السيرة النبوية لابن هشام (1/ 293)

([5])  رواه الحاكم وصححه والبيهقي، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (1/ 329)

([6])  رواه البيهقى، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (1/ 341)

([7])  سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (1/ 342)

([8])  المرجع السابق، (1/ 343)

([9])  السيرة النبوية لابن هشام (4/ 14)

([10])  السيرة النبوية لابن هشام (4/ 40)

([11])  رواه الطبراني، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (8/ 214)

([12])  هي لمحمد بن عبدالحميد حسونة.

([13])  تفسير عبد الرزاق (2/78) وتفسير الطبري (2/558).

([14])  رواه مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج 7 ص 46..

([15])  أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول a لعلي بن سلطان محمد القاري تحقيق: مشهور بن حسن بن سلمان – مكتبة الغرباء الأثرية – الطبعة الأولى 1413هـ، ص(7 – 8)

([16])  منهاج السنة: ج/1-ص/27.

([17])  الموضوعات، (1: 284).

([18])  مجموع الفتاوى (4/ 325)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *