إلى الأقارب المبعدين

إلى الأقارب المبعدين

يا آل بيت النبوة، ومحط الرسالة، ومختلَف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم.. اسمحوا لي ـ أنا المتيم بحبكم ـ أن أبث لكم بعض حزني وشكاواي.

أنا لم يهمني في يوم من الأيام أن تتولوا أي منصب.. لا خلافة.. ولا إمارة.. ولا وزارة.. ولا قضاء.. ولا قيادة جيش.. كل ذلك لم أفكر فيه.. ولم أحزن على إبعادكم عنه، فأنا أعلم أنكم أعلى من المناصب، وأرفع منها.. والشرف لمن توليتم عليه، وليس لكم.. فأنتم شرفكم بالله، وبرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس بالحكم بين الغوغاء والعوام.

ولكن الذي أهمني وأقلقني وأحزنني هو ذلك الإقصاء المتعمد الذي حصل لكم طيلة تلك الفترة الحرجة التي كانت يفسر فيها القرآن، ويدون فيها الحديث، وتُعلم فيها الأحكام الشرعية..

في تلك الفترة الحرجة هب الناس إلى اليهود، وأبناء اليهود، والطلقاء، وأبناء الطلقاء.. وتركوكم، وهم يعلمون أنكم معدن الرسالة، وأن العلوم الصحيحة السليمة التي لم تمسهم أيادي التحريف والتغيير والتبديل خرجت من بيتكم، وأن الذي معكم هو المحجة البيضاء التي لم تكدر ولم تشوه، ولم يصبها أي أذى.

هذا الذي أهمني وأحزنني.. وهذا الذي لا تزال آثاره نعيشها إلى اليوم.. بل إن آثاره لا يمكن أن تنسى في يوم من الأيام.. فلو أن الجيل الأول بسياسييه وعوامه التفت لكم، وحصر نقل الدين عنكم، لما وقع الاختلاف والاضطراب.. ولما احتجنا إلى كل تلك المدونات التي كتبت في علوم الحديث والتفسير وغيرها، والتي شحنت بالغث والسمين.. والحق والباطل.

الذي يحزنني ـ يا ساداتي من آل بيت النبوة ـ ليس عزل الإمام علي عن تلك المناصب، ولا حرب صفين، ولا حرب الجمل، ولا حرب النهراوين.. ولا كل تلك الجحافل التي كانت ساكنة طيلة الدهر، فلما جاء دور الإمام الذي أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به، ودعا إليه، قاموا كلهم على بكرة أبيهم يحاربونه.

أنا لم يحزني كل ذلك بقدر ما أحزنني ذلك النداء العميق الذي كان ينادي به الإمام علي في كل مجلس صائحا في الأمة: (سلوني قبل أن تفقدوني، فو الّذي نفسي! بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين السّاعة، ولا عن فئة تهدي مائة وتضلّ مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها، ومناخ ركابها، ومحطّ رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلا، ومن يموت منهم موتا)([1])

وكان يقول لهم: (سلوني عن كتاب الله، فو الله! ما نزلت آية من كتاب الله في ليل ونهار ولا مسير، ولا مقام إلاّ وقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلّمني تأويلها…)([2])

وكان يقول، وهو ممتلئ حزنا وأسفا: (هاه إن ههنا لعلما جما – وأشار بيده إلى صدره – لو أصبت له حملة)([3])

لكن تلك النداءات لم تجد آذانا صاغية.. حيث تُرك ذلك الذي تتملذ في جميع حياته على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وذهب الناس إلى غيره.. واختلط الأمر عليهم.. وأصبح الدين بعدها بالشكل الذي نراه من الاختلاف والصراع، وقد كان في إمكانهم أن يجلسوا جميعا بين يديه، ومعهم الدفاتر، ويسجلوا كل كلمة يقولها.. وتصبح حينها جميع أحاديثه متواترة، ولن يحتاج الناس بعدها إلى كتب الرجال، ولا الجرح والتعديل.. وحينها تصبح الأمة جميعا حفاظا.. ولن يحتاج الناس إلى أي حافظ أو محدث.. بل حتى كتب الفقه لن تكون بذلك الطول والعرض، لأنها ستحوي الحق المجرد الذي جاء من معدن الرسالة، ومهبط الوحي.. لكنهم لم يفعلوا.

ولو أنهم تأملوا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا مدينة العلم، وعلى بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب)([4])، لتركوا كل الأبواب، وراحوا يطرقون باب الإمام علي.. فهو باب الهداية التي لم تدنس، والحقيقة التي لم تختلط.. لكنهم لم يفعلوا.

ولو أنهم راجعوا تفسير قوله تعالى:﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَة﴾ [الحاقة:12]، لعرفوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لك عند نزولها: (سألت الله أن يجعلها أُذنك يا عليّ)([5])، وعلموا أيضا أن الله استجاب دعاء نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان الإمام علي يردد: (فما نسيت شيئاً بعد ذلك وما كان لي أن أنسى).. لكنهم مع روايتهم للحديث لم يفعلوا.. لأنهم لم ينظروا إلى الأمر باعتباره دينا، وإنما نظروا إليه باعتباره دنيا.. ولم يريدوا أن يسلموا الدين والدنيا لبني هاشم.

وهكذا كان في إمكانهم أن يراجعوا ما حصل عندما نزلت الآيات العشر من سورة براءة على النبى صلى الله عليه وآله وسلم، حينها دعا النبى صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، لكن الوحي الإلهي أمره أن يبعث بها مع الإمام علي.. ولذلك دعاه صلى الله عليه وآله وسلم، وقال له: (أدرك أبا بكر فحيثما لحقته، فخذ الكتاب منه، فاذهب إلى أهل مكة فاقرأه عليهم)، وعندما رجع أبو بكر إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم خائفا، وهو يقول: يا رسول الله نزل فى شيء، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا، ولكن جبريل جاءنى، فقال: لن يؤدى عنك إلا أنت أو رجل منك)([6]).. كان في إمكانهم أن يعمموا تطبيق هذه الرواية في جميع مناحي الدين.. وجميع مجالاته.. بحيث لا يأخذون الدين إلا من المصدر الذي لم يكدر ولم يختلط.. لكنهم لم يفعلوا.

وهكذا كان في إمكانهم أن يراجعوا ما ورد في القرآن الكريم من أمر المباهلة التي ذكرها الله تعالى، فقال: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61]، ولعرفوا حينها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غدا حينها، فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، وقد قال جابر في تفسير الآية الكريمة: ﴿ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب ﴿ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا﴾ الحسن والحسين ﴿ وَنِسَاءَنَا ﴾ فاطمة([7]).

وهكذا قال يوم سار صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبوك، حينها ترك الإمام علي في المدينة.. ثم ذكر لجميع من حضر تبوك أنه منه بمنزلة هارون من موسى.. ولا فارق بينهما إلا في النبوة، لأن النبوة ختمت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([8]).

كان في إمكانهم أن يُعملوا هذه الأحاديث جميعا.. لا في المجال السياسي.. فأنا أعلم حرص البشر على الدنيا.. وهم يربطون الحكم بالدنيا.. ولكن على الدين.. فالدين هو الذي يهمنا..

لكنهم للأسف لم يفعلوا مع أنهم كانوا يسمعون نداء الإمام علي، وهو يخبرهم كل حين عن علومه، وأنه لم يتلق شيئا من مصدر خارجي غير مصدر النبوة.. ومع أنه عمّر طويلا بينهم.. وأنه كان معه صلى الله عليه وآله وسلمفي كل حياته، لم يفارقه أبدا.. وقد روي أن بعض الجاهلين بقدره، أراد أن يحرجه، فقال له: يا أمير المؤمنين، فما كان ينزل عليه، وأنت غائب عنه؟ فأجابه الإمام علي بقوله: (كان يحفظ عليّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما كان ينزل عليه من القرآن، وأنا غائب عنه، حتّى أقدم عليه فيقرأنيه، ويقول: يا عليّ، أنزل الله بعدك عليّ كذا وكذا، وتأويله كذا وكذا، فيعلّمني تنزيله وتأويله)([9])

بل إن سعيد بن المسيّب، وفي الزمن الذي تولى فيه الطلقاء، شهد له بذلك، وكان يقول: (لم يكن أحد من الصحابة يقول: سلوني، إلاّ عليّ بن أبي طالب)([10])

لكن الأمة للأسف عزلته.. وفارقته.. وراحت للطلقاء وأبناء الطلقاء.. واليهود وتلاميذ اليهود تأخذ عنهم التجسيم والخرافة وكل القيم التي لا علاقة لها بالدين..

وكان الإمام علي ينظر إليهم متأسفا حزينا، مثلما يحزن الطبيب الذي يجد الناس يلجؤون إلى المشعوذين والرقاة، ويتركون الأطباء والمتخصصين..

وكان يردد محذرا من المصير الذي ستصير إليه الأمة بسبب ذلك الإبعاد: (لو تعلمون ما أعلم ممّا طوي عنكم غيبه، إذا لخرجتم إلى الصّعدات تبكون على أعمالكم، وتلتدمون على أنفسكم، ولتركتم أموالكم لا حارس لها ولا خالف عليها، ولهمّت كلّ امرئ منكم نفسه لا يلتفت إلى غيرها.. ولكنّكم نسيتم ما ذكّرتم، وأمنتم ما حذّرتم، فتاه عنكم رأيكم، وتشتّت عليكم أمركم، ولوددت أنّ الله فرّق بيني وبينكم، وألحقني بمن هو أحقّ بي منكم: قوم واللّه ميامين الرّأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحقّ، متاريك للبغي، مضوا قدما على الطّريقة، وأوجفوا على المحجّة، فظفروا بالعقبى الدّائمة، والكرامة الباردة)([11])

لم يكتف الجاحدون بعزل الإمام علي في حياته.. وإنما راحوا يعزلونه بعد وفاته.. حيث أنهم قبلوا كل روايات كعب الأحبار ووهب بن المنبه، وتلاميذهما الكثيرون من الصحابة والتابعين، وملأوا بها كتب التفسير والعقيدة والحديث.. أما أحاديث الإمام علي، والتي جُمع الكثير منها في [نهج البلاغة]؛ فقد راحوا يحذرون منه.. ويعتبرونه كتاب بدعة، ويعتبرون دعوته لتنزيه الله وتوحيده تجهما وزندقة وضلالا.

وإلى الآن لا زال الناس يقبلون أحاديث كعب ووهب وغيرهما كثير.. ويتركون أحاديث الإمام علي.. ويكتفون من رواياته بما رواه النواصب الذين لم يريدوا إلا لم يتركوا وسيلته لتشويهه إلا مارسوها.

ومن عجائب الأحاديث التي يذكرونها ويدافعون عنها توهمهم أن الإمام علي خطب بنت أبي جهل في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. حيث يروون عن المسور بن مخرمة أن (علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل، وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت له: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكحا ابنة أبي جهل، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسمعته حين تشهد يقول: (أما بعد فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، وإنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها، وإنها والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا)، قال: فترك علي الخطبة)([12])

وقد قال ابن القيم تعليقا على هذه الرواية: (وفى ذكره صلى الله عليه وآله وسلم صِهره الآخر، وثناءَه عليه بأنه حدَّثه فصدقه، ووعده فوفى له، تعريضٌ بعلي رضي الله عنه، وتهييجٌ له على الاقتداء به، وهذا يُشعر بأنه جرى منه وعد له بأنه لا يَريبها ولا يُؤذيها، فهيَّجه على الوفاء له، كما وفى له صهرُه الآخر)([13])

وهكذا أصبح الإمام علي، ذلك الذي وردت فيه كل تلك الروايات، بل كل تلك النصوص المقدسة، بهذه الصورة المزيفة التي سرت لعامة الناس، فنزلت به من كل تلك المراتب الرفيعة التي حولته إلى أدنى الصحابة.. بل إلى من دونهم.

وهم لأجل تشويه الإمام علي، يجعلون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخالف الأحكام الشرعية، ولا يرضى لابنته ـ بحسب ما يدعون ـ ما يرضاه لبنات الناس، ويمكن لمن شك في هذا أن يقرأ لأي امرأة في الدنيا ـ تكون صادقة مع نفسها ـ هذا الحديث لتمتلئ عجبا منه؛ فالذي لا يرضي فاطمة لن يرضي النساء جميعا.. والذي لا يرضي والد فاطمة لن يرضي الآباء جميعا..

وقد قال السيد المرتضى في (تنزيه الأنبياء) تعليقا على ذلك الحديث، وما يتضمنه من تشويهات للنبوة: (هذا خبر باطل، موضوع، غير معروف، ولا ثابت عند أهل النقل.. وقد تضمن ما يشهد ببطلانه، ويقضي على كذبه من حيث ادّعى فيه أن النّبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم ذمَّ هذا الفعل، وخطب بإنكاره على المنابر، ومعلوم أن أمير المؤمنين لو كان فعل ذلك على ما حكي، لما كان فاعـلا لمحظور في الشريعة، لأن نكاح الأربع حلال على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والمباح لا يُنكره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يصرح بذمّه، وبأنه متأذّيه، وقد رفعه الله عن هذه المنزلة، وأعلاه عن كل منقصة ومذمة. ولو كان عليه السلام نافراً من الجمع بين بنته وبين غيرها بالطباع التي تنفر من الحَسَن والقبيح، لما جاز أن يُنكره بلسانه، ثم ما جاز أن يبالغ في الإنكار، ويُعلن به على المنابر، وفوق رؤوس الأشهاد، ولو بلغ من إيلامه لقلبه كل مبلغ، فما هو اختص في الحلم والكظم، ووصفه الله به من جميل الأخلاق وكريم الآداب ينافي ذلك، ويحيله، ويمنع من إضافته إليه وتصديقه عليه، وأكثر ما يفعله مثله في هذا الأمر إذا ثقل عليه، أن يعاقب عليه سراً، ويتكلم في العدول عنه خفياً على وجه جميل.. فواللّه إن الطعن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما تضمّنه هذا الخبر الخبيث، أعظم من الطعن على أمير المؤمنين، وما صنع هذا الخبر إلا ملحد قاصد للطعن عليهما، أو ناصب معاند لا يبالي أن يشفي غيظه بما يرجع على أصوله بالقدح والهدم)([14])

ولم يكتفوا بذلك، فهم إلى الآن لا زالوا يذكرون بأن من انتقد الصحابة، أو تكلم عنهم بسوء كافر، ويُرد حديثه، ويقتل.. إلا الإمام علي.. فإنهم يعتبرون لعنه وسبه وبغضه شيئا طبيعيا وعاديا ولا ضرر فيه، ولا يُجرح الراوي إن وقع فيه، بل قد يزيد في وثاقته، لأنه يبعده عن تهمة التشيع.

وكيف لا يفعلون ذلك، وهم يستنون بسنة ذلك الذي أبغضه وسبه وحاربه سيدهم وخالهم وكاتب وحيهم معاوية الذي سن سنة سب الإمام عليّ على المنابر في جميع بلاد العالم الإسلامي في ذلك الحين([15])، وقد روي أنه كان يقول في آخر خطبة كل جمعة: (اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك، وصدّ عن سبيلك فالعنه لعناً وبيلا، وعذبه عذاباً أليما).. وكتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يشار بها على المنابر، إلى خلافة عمر بن عبد العزيز([16])..

وقد أقر بذلك كل المؤرخين والمحدثين المعتبرين لدى الفئة الباغية، فقد قال ابن حجر: (ثم اشتد الخطب فتنقصّوه ـ أي الإمام علي ـ واتخذوا لعنه على المنابر سنّة، ووافقتهم الخوارج على بغضه)([17])

وقد روي أن خالد بن عبد الله القسري والي العراق لهشام بن عبد الملك والمحبب كثيرا لدى السلفية قديما وحديثا كان يقول في خطبته: (اللهم العن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، صهر رسول الله على ابنته، وأبا الحسن والحسين! ثمّ يقبل على الناس ويقول: هل كنيت!)([18])

وروي أن معاوية ومن معه من الفئة الباغية بالغوا في ذلك مبالغة شديدة إلى الدرجة التي جعلت جماعة من بني أمية تعارضه بسبب ذلك، وتقول له بعد سنين من حكمه: (إنك قد بلغت ما أملّت، فلو كففت عن لعن هذا الرجل! فقال: لا والله حتّى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلا)([19])

وقد أشار الجاحظ إلى الدوافع السياسية التي جعلت معاوية ومن بعده من بني أمية يفعلون ذلك، فقال: (وما كان عبد الملك بن مروان ممّن يخفى عليه فضل عليّ، وأن لعنه على رؤوس الأشهاد، وفي أعطاف الخطب، وعلى صهوات المنابر ممّا يعود عليه نقصه، ويرجع إليه وهنه، لأنَّهما جميعاً من بني عبد مناف، والأصل واحد، والجرثومة منبت لهما، وشرف عليّ وفضله عائد عليه، ومحسوب له. ولكنه أراد تشييد الملك وتأكيد ما فعله الأسلاف، وأن يقرر في أنفس الناس إن بني هاشم لا حظ لهم في هذا الأمر، وأن سيدهم الّذي به يصولون، وبفخره يفخرون، هذا حاله وهذا مقداره، فيكون من ينتمي إليه ويدلي به عن الأمر أبعد، وعن الوصول إليه أشحط وأنزح) ([20])

 وقد أشار الإمام عليّ إلى هذا، لأنه يعلم أن بنيان الفئة الباغية من أصحاب الملك العضوض لا يمكن أن يقوم وفي الناس من يحب الإمام علي، أو يرتبط بأهل بيت النبوة، فلذلك كان يعلم أصحابة التقية في دينهم، حتى لا يبيدهم الظلمة، ولا يجد الناس من يلجؤون إليه، ومن أقواله في ذلك: (أمّا أنّه سيظهر عليّكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد، فأقتلوه، ولن تقتلوه، ألاّ أنّه سيأمركم بسبي والبراءة مني، فأمّا السب فسبوني، فانّه لي زكاة ولكم نجاة، وأمّا البراءة فلا تتبرؤا مني، فاني ولدت على الفطرة، وسبقت إلى الإيمان والهجرة) ([21])

ولم يكتف المجرمون بذلك، بل وصل الأمر بهم إلى اعتبار التسمية بعليّ محظورة إلاّ لبني هاشم، فكان بعضهم يخاف من اسمه، فيصغّره، ويقول: انا عُلَيّ ولست بعلي.. قال قتيبة بن سعيد سمعت الليث بن سعد يقول: قال عليُّ بن رباح: (‏لا أجعل في حلٍّ من سمّاني عُلَيّاً فإن اسمي عَلِيّ)، وقال سلمة بن شبيب: (سمعت أبا عبد الرحمن المقرىء يقول: كانت بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه عَلِيّ قتلوه، فبلغ ذلك رباحاً فقال: هو عُلَيّ، ‏وكان يغضب من (عَلِيٍّ) ويُحرّج على من سمّاه به)([22])

وحتى لا يتركوا أي أثر للإمام علي في دين المسلمين، ولا حياتهم، راحوا يُقصون كل محب له بتهمة التشيع، في نفس الوقت الذي يُوثقون فيه كل معاد له، قال ابن حجر العسقلاني: (والتشيع محبـة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه ويُطلق عليه رافضي، فإنْ انضاف إلى ذلك السب والتصريح بالبغض فغـال في الرفض، وإنْ اعتقـد الرجعـة إلى الدنيـا فأشـد في الغلو)([23])

وقال: (وقد كنت استشكل توثيقهم الناصبي غالبا، وتوهينهم الشيعة مطلقا، ولا سيما أن عليا ورد في حقه: (لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق)، ثم ظهر لي في الجواب عن ذلك أن البغض ها هنا مقيد بسبب وهو كونه نصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن من الطبع البشري بغض من وقعت منه إساءة في حق المبغض والحب بالعكس، وذلك ما يرجع إلى أمور الدنيا غالبا والخير في حب علي وبغضه ليس على العموم، فقد أحبه من أفرط فيه حتى ادعى أنه نبي أو إله، تعالى الله عن أفكهم والذي ورد في حق علي من ذلك قد ورد مثله في حق الأنصار وأجاب عنه العلماء أن بغضهم لأجل النصر كان ذلك علامة نفاق وبالعكس. فكذا يقال في حق علي. وأيضا فأكثر من يوصف بالنصب يكون مشهورا بصدق اللهجة والتمسك بأمور الديانة، بخلاف من يوصف بالرفض فإن غالبهم كاذب ولا يتورع في الأخبار، والأصل فيه أن الناصبة اعتقدوا أن عليا قتل عثمان أو كان عليه فكان بغضهم له ديانة بزعمهم. ثم انضاف إلى ذلك أن منهم من قتلت أقاربه في حروب علي)([24])

ولهذا نجد في الثقاة أمثال حريز بن عثمان الناصبي الذي وثقه يحيى القطان ومعاذ بن معاذ وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين ودحيم وغيرهم، مع أنهم يروون أنه سئل بعضهم عن سر عدم الرواية عنه، فقال: (كيف أكتب عن رجل صليت معه الفجر سبع سنين فكان لا يخرج من المسجد حتى يلعن عليا سبعين لعنة كل يوم)([25])

ولو أنه بدل الإمام علي لعن غيره من الصحابة، لكفروه واتهموه بالزندقة.. ولكن عرض الإمام علي عندهم مباح، وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحكم بالنفاق على مبغضيه، وإنما حكم لهم بالوثاقة والدين والصلاح.

مع أن الصحابة أنفسهم، والذين تصوروا أنفسهم حماة لهم ومدافعين عنهم، حكموا بالنفاق على من أبغض عليا، فكيف بمن لعنه أو حاربه أو سبه، وقد قال ابن عمر: (ما كنا نعرف المنافقين على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا ببغضهم عليا ً)، وقال جابر: (ما كنا نعرف منافقينا معشر الأنصار إلا ببغضهم لعلي)([26])، وقال أبو سعيد الخدري: (إنما كنا نعرف منافقي الأنصار ببغضهم عليا)([27])

ولهذا كان الصادقون منهم يفتخرون بحبهم لعلي، باعتباره علامة على الإيمان، وعلى محبة اللهن وقد روي أن رجلا قال لسلمان: ما أشد حبك لعلي؟ فرد عليه سلمان بقوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من أحب عليا ً فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله عز وجل، ومن أبغض عليا ً فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله عز وجل) ([28])

ولو أنهم تأملوا هذه الأحاديث لعرفوا أن الإمام علي ليس مجرد صحابي عادي، أو فرد عادي من آل بيت النبوة، وإنما هو الممثل الحقيقي للدين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ذلك أنه يستحيل أن يترك الدين من غير أن يكون هناك من يمثله.. هكذا جرى العرف في كل الأديان.. بل في كل بلاد المسلمين الآن نجد مجالس للإفتاء، ويتربع على رأسها المفتى أو الشيخ الأكبر أو شيخ الإسلام.. والذي يمثل المرجع الأعلى عند الخلاف، ولا يعطى له هذا المنصب إلا بسبب علمه الوفير.

وكان أحق الناس بذلك المنصب الإمام علي.. فهو أكثر الصحابة تلمذة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. بل إنه ربي في حجرة، وعاش في بيته، وبقي معه إلى آخر يوم في حياته.. ولم يترك موضعا إلا كان معه فيه.. وعندما تخلف أكثر الصحابة عنه في شعب أبي طالب كان معه.. وهكذا لم تنزل آية من القرآن الكريم، إلا وكان عالما أين نزلت، ومتى نزلت، وما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تأويلها.

وفي الأخير، وبعد ذلك كله، يوضع مع الذين اكتفوا من صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمجرد رؤيته، أو الجلوس معه في مجلس واحد، ولهذا نجد المتأخرين في إسلامهم من الصحابة أكثر رواية منه.. لا لقلة علمه، أو ضعف ذاكرته.. وإنما لأن القوم لم يريدوا أن يجمعوا لبني هاشم بين النبوة ووراثتها، وذلك لأنهم تصوروا أن الأمر مرتبط بالعشائر والأنساب، لا بالدين.

بل إنهم وإمعانا في عزله راحوا يقصونه من ذلك المجلس الذي كلف بتدوين القرآن الكريم، مع أنه كان أحق الناس به، وهل هناك عزل أكبر من ذلك؟.. وهل هناك جحود للوريث الشرعي لعلم النبوة أكبر من ذلك؟

ومع ذلك كان الإمام علي أوسع الناس صدرا، وأكثرهم رفقا بالأمة، فلم يجد إلا أن يفعل ما فعله هارون عليه السلام، عندما رأى بني إسرائيل يعبدون العجل، فخشي أن يفرق بينهم.. فآثر الدعوة الهادئة..

وقد رأى الإمام علي بعينيه كعب الأحبار وغيره وهم يبثون تلك الروايات التجسيمية، فلم يملك إلا أن يتخذ له أصحابا صادقين يبث فيهم علم النبوة، وحقائق الدين.. وهو يعلم أن نور الله لن تطفئه أيدي البشر، وأن تلك الكلمات ستحيا من جديد في الأمة، وستنطفئ كل ظلمات الفئة الباغية.

ولم يكتفوا بذلك، بل راحوا إلى أبنائه وأحفاده يتعاملون معهم بنفس المعاملة.. وفي كل فترات التاريخ.. لأنهم يعلمون أنهم أول من بث فيهم علمه، فلذلك راحوا يحذرون من صحبتهم، ويتعاملون معهم بقسوة لا نظير لها، وكأنهم ليسوا من أهل بيت النبوة، ولا ورثة العلم الحقيقي الذي لم يختلط ولم يدنس.

ففي العهد الذي كان فيه الحسنان.. سيدا شباب أهل الجنة..ذانك اللذان ورد في فضلهما من الأحاديث ما لم يرد في فضل غيرهما.. تركهما الناس، بل حاربوهما، وقتلوهما، ثم ذهبوا إلى أولئك الذين رضي عنهم الطلقاء، وجلسوا بين أيديهم يكتبون الفقه والعقيدة والتفسير والحديث.. وكل معارف الدين.

ومن العجيب أنه في الوقت الذي تروى فيه آلاف الأحاديث عن أبي هريرة وغيره من الصحابة.. لا يروى عن الإمامين الحسن والحسين مجتمعين سوى عشرين حديثا.. بل إن أكثر الأمة يتصور أن الإمامين لم يتجاوزا مرحلة الصبا.. ولم يعرفوا أنهما لم ينالا ذلك الفضل العظيم الذي نطق به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا نتيجة ما آتاهما الله من علم وتقوى كان للأمة أن تستفيد منه، لكنها ضيعته.. ولم تكتف بالتضييع.. بل راحت تحاربهما.. إلى أن قتلتهما.

وبعد أن فعلت ذلك، راحت تحذر من كل رواية تروى عنهما، بحجة أن الذي رواها شيعة.. وهم يعلمون أن كل من كان ملتفا بهما، صُنف في خانة الشيعة.. وهل يمكن أن يروي عن العالم غير تلاميذه؟

وهكذا كان الأمر مع كل من عداهما..

فالإمام السجاد زين العابدين.. ذلك الذي ترك لنا ثروة ضخمة من الأدعية العظيمة التي كان يمكن أن تستفيد منها الأمة، في الحفاظ على أصالتها ودينها وقيمها.. راح يُعزل ويحذر منه ومن أدعيته.. ويكتفى فقط بذلك الثناء الذي لا جدوى منه، وبتلك الدعاوى التي تكتفي بالمحبة المجردة عن أي أثر.. وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلب منا أن نحبهم حبا فارغا من أي معنى في نفس الوقت الذي نتبع فيه أعداءهم.

 ولذلك إن سألت أي شخص عن الإمام السجاد، فسيذكر لك ما قاله الفرزدق عنه، وقد يذكر لك صلاته وتقواه وكثرة سجوده، لكنك إن سألته عن المناجَيات الخمسَ عشرةَ، فلن يجيبك بشيء.. فإن ذكرت له مناجاة التائبين، أو الشاكرين، أو الخائفين، أو الراجين، أو الراغبين، أو المطيعين للهِ، أو المريدين، أو المحبّين، أو المتوسّلين، أو المفتقرين، أو العارفين، أو الذاكرين، أو المعتصمين، أو الزاهدين.. فلن يجيبك بشيء.. لأنه لم يسمع بها في حياته.

ولو أنه كان صوفيا فسيذكر لك عشرات الأوراد والأدعية والصلوات والمناجيات، للشاذلي والجيلاني والنقشبندي والبدوي.. وغيرهم كثير.. ثم تراه يجهل كل ما ورد عن آل بيت النبوة من أدعية ومناجيات لا يمكن أن يوازى بها أي دعاء، ولا أي مناجاة.

ومن العجب أن هؤلاء يذكرون أن من قال لشيخه لم لا يفلح أبدا، بينما هم يترضون ويقدسون كل من قتل وقاتل ولعن وسب أولئك الذين يدّعون حبهم.

وكل ذلك من سوء فهم معنى المحبة، وتصور أنها مجرد عاطفة قلبية خالية من أي أثر عملي، مع أن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

وهكذا فعلوا مع الإمام والباقر والصادق والكاظم والرضا وكل الأئمة.. الذين شهد لهم التاريخ بالعلم والتقوى والصلاح.. لكنهم أُبعدوا من كل شيء في نفس الوقت الذي قرب فيه الجهلة والفسقة والمنحرفون.

وعندما سقطت الدولة الأموية، وولدت الدولة العباسية، والتي رفعت شعار الانتصار لأهل بيت النبوة، راحت بسبب تصورها الخاطئ للدين والممثلين له، تمعن في إبعاد أهل بيت النبوة، وبكل قسوة، ولا تكتفي بذلك، بل كان الخلفاء العباسيون يتنافسون في قتلهم وتشريدهم والتحذير من اتباعهم، والسخرية بهم.

وكانوا يكرمون كل شاعر هجاهم، كما فعل المهدي العباس مع الشاعر مروان بن أبي حفصة حين أعطاه سبعين ألف درهم، أي عشرات الكيلوغرامات من الذهب، بسبب قوله:

يا ابن الذي ورِثَ النبيَّ محمداً

   دون الأقاربِ من ذوى الأرحامِ

الوحي بين بني البناتِ وبينكم

   قطعُ الخصامِ فلاتَ حينَ خصامِ

ما للنساءِ مع الرجالِ فريضةٌ

   نزلتْ بذلك سورةُ الانعامِ

أنى يكون وليس ذاك بكائنٍ

   لبني البناتِ وراثة الأعمامِ

حتى قال الشاعر في حقهم:

تالله ما فعلت أمية فيهم

   معشار ما فعلت بنو العباسِ

وهكذا استعمل كل أصحاب الملك العضوض ما لديهم من وسائل لحرمان الأمة من تراث أهل بيت النبوة.. ولم يكتفوا بذلك، بل ضموا إلى صفهم العلماء والمحدثين، الذين راحوا ينافسون أصحاب الملك العضوض في إقصاء أئمة أهل البيت، وكل من يرتبط بهم.

وقد بلغ بهم الأمر إلى أنهم كانوا يوثقون النواصب في نفس الوقت الذي يجرحون فيه أئمة أهل البيت..

ومن العجيب أن البخاري الذي ترك الرواية عن الإمام الصادق يعتبر عمران بن حطّان السدوسي البصري (ت 84) من الثقاة الذين يروي عنهم في صحيحه، وله باتفاق المؤرخين شعر في مدح عبد الرحمن بن ملجم قاتل أمير المؤمنين علي، منه قوله:

لله در المرادي الّذي سفكت

  كفّاه مهجة شر الخلق إنسانا

أمسى عشية غشاه بضربته

  معطى مناه من الآثام عريانا

يا ضربة من تقي ما أراد بها

  إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إنّي لأذكره حيناً فأحسبه

   أوفى البريّة عند الله ميزانا([29])

وليس هذا خاصا بفرد أو فردين، بل كان هذا منهجهم الذي اعتمدوا عليه في الجرح والتعديل، وقد كتب المحدث المعروف (محمد بن عقيل العلوي) كتابه في (العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل) في الرد على هذا المنهج الذي يضاد ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من اعتبار مولاة الإمام علي علامة للإيمان، وبغضه علامة للنفاق.

وقد قال في مقدمة كتابه، بعد نقله لكلام ابن حجر في سبب توثيق المحدثين للنواصب وتوهينهم للمحبين للإمام علي: (ولا يخفى أن معنى كلامه هذا أن جميع محبي علي المقدمين له على الشيخين روافض، وأن محبيه المقدمين له على من سوى الشيخين شيعة، وكلا الطائفتين مجروح العدالة. وعلى هذا فجملة كبيرة من الصحابة الكرام كالمقداد وزيد بن أرقم وسلمان وأبي ذر وخباب وجابر وعثمان بن حنيف وأبي الهيثم بن التيهان وخزيمة بن ثابت وقيس بن سعد وأبي ذر وخباب وجابر وعثمان بن حنيف وأبي الهيثم بن التيهان وخزيمة بن ثابت وقيس بن سعد وأبي الطفيل عامر بن واثلة والعباس بن عبد المطلب وبنيه وبني هاشم كافة وبني المطلب كافة وكثير غيرهم كلهم روافض لتفضيلهم عليا على الشيخين ومحبتهم له ويلحق بهؤلاء من التابعين وتابعي التابعين من أكابر الأئمة وصفوة الأمة من لا يحصى عددهم وفيهم قرناء الكتاب، وجرح عدالة هؤلاء هو والله قاصمة الظهر)([30])

وقد ضرب الأمثلة الكثيرة عن جرج المحدثين للرواة بسبب حبهم للإمام علي، ومن ذلك ما نقله عن ابن حجر في (تهذيب التهذيب) في ترجمة مصدع المعرقب ما لفظه: (قلت إنما قيل له (المعرقب) لأن الحجاج أو بشر بن مروان عرض عليه سب علي فأبى فقطع عرقويه. قال ابن المديني قلت لسفيان: في أي شيء عرقب؟ قال: في التشيع انتهى. ثم قال ذكره الجوزجاني في الضعفاء – يعني المعرقب – فقال زائغ جائر عن الطريق، يريد بذلك ما نسب إليه من التشيع. والجوزجاني مشهور بالنصب والانحراف فلا يقدح فيه قوله انتهى. ومن هذا تعرف أن التشيع الذي يعرقب المتصف به ويكون زائغا جائزا عن الطريق عند أمثال الجوزجاني هو الامتناع عن سب مولى المؤمنين عليه السلام)([31])

بل إن إبعادهم لأهل بيت النبوة، وعزلهم لهم راح يسري إلى المناطق الجغرافية التي انتشروا فيها.. ولهذا نجد الأحكام المشددة على الكوفة باعتبارها كانت عاصمة للإمام علي، وللفئة المؤمنة معه من الصحابة والتابعين.. فقد ألصقوا بها كل تهمة، وحولوها إلى بؤرة من بؤر البدع، بل اتهموها بأنها هي ـ لا الفئة الباغية ـ من ساهم في قتل الإمام علي وأهل بيته الطاهرين.

وقد قال ابن المعتز العباسي مشيرا إلى ذلك الموقف الذي اتخذه الساسة ومن شايعهم من العلماء:

واستمع الآن حديث الكوفة

   مدينة بعينها معروفة

كثيرةُ الأديان والأئمة

   وهمُّها تشتيتُ أمر الامة

وأخذوا وقتلوا عليا

   العادل، البر، التقي الزكيا

وقتلوا الحسين، بعد ذاكا

   فأهلكوا أنفسهم إهلاكا

وجحدوا كتابهم إليه

   وحرفوا قرآنهم عليه

ثم بكوا من بعده وناحوا

   هلا، كذاك يفعل التمساح

فقد بقوا في دينهم حيارى

   لا يهودٌ همْ ولا نصارى

والمسلمون منهمُ براءُ

   رافضةٌ ودينهم هباءُ

فبعضهم قد جَحَدَ الرسولا

   وغلَّطوا في فعله جبريلا

وقد أشار ابن تيمية إلى ذلك الموقف السلبي من الكوفة، فقال: (وأما أهل الكوفة فلم يكن الكذب في أهل بلد أكثر منه فيهم؛ ففي زمن التابعين كان بها خلق كثيرون منهم معروفون بالكذب لا سيما الشيعة فإنهم أكثر الطوائف كذبا باتفاق أهل العلم؛ ولأجل هذا يذكر عن مالك وغيره من أهل المدينة أنهم لم يكونوا يحتجون بعامة أحاديث أهل العراق؛ لأنهم قد علموا أن فيهم كذابين ولم يكونوا يميزون بين الصادق والكاذب فأما إذا علموا صدق الحديث فإنهم يحتجون به كما روى مالك عن أيوب السختياني وهو عراقي فقيل له في ذلك فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه أو نحو هذا. وهذا القول هو القول القديم للشافعي حتى روي أنه قيل له: إذا روى سفيان عن منصور عن علقمة عن عبد الله حديثا لا يحتج به فقال: إن لم يكن له أصل بالحجاز وإلا فلا ثم إن الشافعي رجع عن ذلك وقال لأحمد بن حنبل: أنتم أعلم بالحديث منا فإذا صح الحديث فأخبرني به حتى أذهب إليه شاميا كان أو بصريا أو كوفيا ولم يقل مكيا أو مدنيا لأنه كان يحتج بهذا قبل. وأما علماء أهل الحديث كشعبة ويحيى بن سعيد وأصحاب الصحيح والسنن فكانوا يميزون بين الثقات الحفاظ وغيرهم فيعلمون من بالكوفة والبصرة من الثقات الذين لا ريب فيهم وأن فيهم من هو أفضل من كثير من أهل الحجاز ولا يستريب عالم في مثل أصحاب عبد الله بن مسعود كعلقمة؛ والأسود؛ وعبيدة السلماني؛ والحارث التيمي وشريح القاضي ثم مثل إبراهيم النخعي؛ والحكم بن عتيبة وأمثالهم من أوثق الناس وأحفظهم فلهذا صار علماء أهل الإسلام متفقين على الاحتجاج بما صححه أهل العلم بالحديث من أي مصر كان وصنف أبو داود السجستاني مفاريد أهل الأمصار يذكر فيه ما انفرد أهل كل مصر من المسلمين من أهل العلم بالسنة) ([32])

وهكذا ـ يا آل بيت النبوة ـ أُبعدت الأمة عن محط الرسالة، ومختلَف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم.. ولذلك لا نعجب أن يختلط عليها أمر دينها، وأن يدب الصراع بينها، وأن تنتقل إليها كل تلك الأدواء التي أصابت ما قبلها من الأمم.. فمن عزل الأستاذ، يستحيل أن يتعلم، ومن عزل الطبيب يستحيل أن يشفى.. هذه سنة الله، و﴿لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]


([1]) شرح الأخبار 1: 139، وقد روى الحاكم في المستدرك [رقم الحديث: (3394)] عن عامر بن واثلة، قال: سمعت علياً قام، فقال: سلوني قبلأن تفقدوني، ولن تسألوا بعدي مثلي، فقام ابن الكواء فقال: من الذين بدلوانعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار؟، قال: منافقو قريش، قال: فمنالذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟، قال: منهم أهل حروراء)، قال الحاكم: هذا حديث صحيح عال.

([2]) الطبقات الكبرىٰ 2 / 338..

([3])   نهج البلاغة (4/ 36)

([4]) الترمذى (5/637، رقم 3723)، والحاكم (3/138، رقم 4639)، وغيرهما.

([5]) انظر: تفاسير: الطبري، والسيوطي، والرازي، وابن كثير، والقرطبي، والشوكاني، وغيرهم عند تفسيرهم للآية.

([6]) رواه أحمد (1/151، رقم 1296)، وعبد الله فى زوائده على المسند، وأبو الشيخ، وابن مردويه، [كنز العمال 4400]

([7]) مسلم 97/119 (6295و6296)، والنسائي في الكبرى: 8381، وغيرهم كثير.

([8]) مسلم 97/119 (6295و6296)، والنسائي في الكبرى: 8381، وغيرهم كثير.

([9]) الاحتجاج: 139.

([10]) تاريخ دمشق 42 / 399، أُسد الغابة 4 / 22، الرياض النضرة 3 / 166.

([11]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(116)

([12])  رواه البخاري (3110) ، ومسلم (2449)

([13])  زاد المعاد: (5/118)

([14])  تنزيه الانبياء : 173 ـ 171.

([15])  انظر: صحيح مسلم 7: 120 ، سنن الترمذي 5: 301، المستدرك على الصحيحين 3: 109، مسند أحمد 4: 369.

([16])  شرح نهج البلاغة: 4/ 56ـ 57.

([17]) فتح الباري: 7: 57

([18])  الكامل في اللغة والأدب، المبرد:: 414، وشرح نهج البلاغة: 4/ 57.

([19])  شرح نهج البلاغة: 4/ 57.

([20]) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 4/ 57ـ 58.

([21]) أنساب الأشراف، البلاذري: 2/32، نهج البلاغة ، الشريف الرضي ، 92.

([22])  تهذيب الكمال ج 20 : 429، تهذيب التهذيب 7 : 280.

([23])  هدي الساري ص 640.

([24])  تهذيب التهذيب (8/ 458)

([25]) تاريخ بغداد: ج8/ص269.

([26]) البزار (كشف الأستار 3/169)، وعبد الله في زيادات الفضائل (1086)

([27]) أحمد في فضائل الصحابة بإسناده على شرط البخاري.

([28]) انظر: المستدرك (3/130) الطبراني في المعجم الكبير(23/380/901) عن أم سلمة، وقال الهيثمي في المجمع (9/132): (وإسناده حسن)، وقد علق عليه الشيخ ممدوح بقوله: (فهذا طريقان للحديث كلاهما حسن لذاته، فالحديث: صحيح بهما)

([29]) انظر: ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب 8 / 113 ـ 114 برقم 223.

([30]) العتب الجميل، ص15.

([31]) العتب الجميل، ص19.

([32]) مجموع الفتاوى (20/ 314)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *