إلى الأبطال المنسيين

إلى الأبطال المنسيين

يا أبطال الإسلام المنسيين..

يا أبا طالب.. ويا علي.. ويا جعفر.. ويا حمزة.. ويا بني هاشم الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشعب محاصرين جوعى، ولم يسلموه، ولم يبيعوه بأموال الدنيا.

أيها الأبطال الذين وقفوا مع الإسلام في أحلك الظروف، وكان لهم الفضل الأكبر في الحفاظ عليه، والانتصار على أعدائه.. كل أعدائه.

اسمحوا لي أن أستعيد ذكركم؛ فقد نسيكم الكثير من قومي، وراحوا يهونون من شأنكم.. منشغلين بغيركم.. فهم لا يريدون أن يذكروا بذكركم تلك الجرائم التي ارتكبها الطلقاء، الذين تحولوا وفي لمح البصر إلى صحابة أجلاء، سابقين صادقين، والويل لمن تكلم عنهم بما تذكره الحقائق.

اسمحوا لي أن أستعيد تلك الآلام التي تنبأ فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما سيحصل لكم ولذريتكم من بعده، فقد حدث أبو سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ان أهل بيتي سيلقون من بعدي من أمتي قتلا وتشريدا، وان أشد قومنا لنا بغضا بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم)([1])

ولذلك كان كلما رآكم راحت عيناه تغرورقان بالدموع، فقد حدث ابن مسعود قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل فئة من بني هاشم، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اغرورقت عينه([2]).

ونحن نريد أن نستن بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بكائه عليكم، وتأثره لحالكم.. وكيف لا نفعل ذلك، وأنتم أبطال الإسلام الذين سارع الناس إلى تغييبهم وهجرهم وتناسي كل التضحيات التي بذلوها، والبطولات التي قدموها.

بطولات أبي طالب:

وأول الأبطال المنسيين المحتقرين أنت يا أبا طالب.. يا حصن الإسلام الأكبر.. وهم إلى الآن يهونون من شأنك ومن دورك في حفظ الإسلام، وحفظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته مع أنه لم يقف أحد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الفترة الحرجة غيرك.

فأنت الذي ضحيت بكل شيء، وتلقيت كل ألوان البلاء.. لتنصره.. لا لكونه ابن أخيك، ولكن لكونك من العارفين بنبوته، والمؤمنين بها، بل من أوائل السابقين لذلك، فأنت آمنت بنبوته من صباه الباكر، بل قبل أن يولد؛ فقد كانت الأحاديث كلها تشير إليه.

لكن قومي لم يكتفوا بعزلك وإبعادك وظلمك.. بل راحوا يشيعون ما كذبه الطلقاء الممتلئون بالنفاق عليك.. لقد راحوا يصدقونهم، ويكذبونك، ويجلونهم، ويحقرونك.. ولم يكتفوا بذلك.. بل راحوا يتهمونك بالشرك، وأنك لم تؤمن حرصا على إرضاء أبي سفيان وأبي جهل وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة..

ولست أدري هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحب إليك، أم أولئك الملأ الذين استعملت كل الوسائل لمواجهتهم، وفرطت في كل المصالح من أجل الحفاظ على ابن أخيك الذي كنت تؤثره على نفسك وعلى كل شيء.

لذلك امتد حقدهم إليك.. وصاروا يصورون الفترة المكية التي كنت السند الأعظم فيها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وكأنك لم تكن موجودا فيها.. ولو أنهم تخلوا عن كبريائهم، وراحوا يقرؤون السيرة من المصادر التي يعتمدونها، لوجدوا أنك أنت الناصر الأكبر للإسلام، وأنه لا يقاس بك أحد في ذلك..

وهكذا الكثير من الأقارب الذين جمعهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما أنزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، والذين أسلموا، وكتموا إسلامهم، حتى يقوموا بدورهم في حفظ الإسلام، وحفظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولم يشذ عنهم في ذلك إلا ذلك الخائن البليد أبا لهب الذي أثرت فيه زوجه أم جميل أروى بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفيان، وعمة معاوية، تلك التي ورد ذكرها مع أبي لهب في القرآن الكريم، والتي آثرها وآثر قومها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنزل فيه وفيها قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)﴾ [المسد: 1 – 5]

وهي آيات كريمة تبين أن السبب الذي جعل أولئك الأقارب الذين تشرفوا بحماية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن مجرد الحمية القبلية، ولا القرابة، ولا العشائرية.. ولكنه الاقتناع بالإسلام.. ذلك أن عبد المطلب وبني هاشم كانوا يعلمون بالخير المدخر لهم من عند الله.

وقد ذكر المؤرخون العدول الذين لم تؤثر فيهم تدليسات الفئة الباغية أن عبد المطلب كان وعشيرته من المؤمنين الموحدين، ومن الحنفاء الذين يتبعون ملة إبراهيم عليه السلام، ويذكرون أنه كان يمنع من طواف العراة، ويوفي بالنذر، ويؤمن بالمعاد، ويحرم الزنى، والخمر، ونكاح المحارم، وكان يأمر ولده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيات الأمور، وكان مجاب الدعوة ([3]).

وهم يروون عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (يا علي، إن عبد المطلب كان لا يستقسم بالأزلام، ولا يعبد الأصنام، ولا يأكل ما ذبح على النصب، ويقول: أنا على دين إبراهيم (عليه السلام)([4])

ويروون عن الأصبغ بن نباتة أنه قال: سمعت أمير المؤمنين يقول: (والله ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنما قط)، قيل: فما كانوا يعبدون؟ قال: (كانوا يعبدون – يصلون إلى – البيت على دين إبراهيم (عليه السلام) متمسكين به)([5])

ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يذكر نسبه إليه، ويعتز بذلك، وما كان ليتعز بالانتساب لمشرك، فقد كان يقول يوم حنين عندما تفرق عنه الناس: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب.. اللهم أنزل نصرك)([6])

ويدل لهذا ما ذكره علماء السيرة جميعا من أن عبد المطلب ـ عندما جاء جيش أبرهة لهدم الكعبة ـ أخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرون على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة ([7]):

لا هم إن المرء يم

   نع رحله فامنع حلالك

لا يغلبنّ صليبهم

   ومحالهم عدواً محالك

انصر على آل الصّلي

   ب وعابديه اليوم آلك

إن كنت تاركهم وكع

   بتنا فأمر ما بدا لك

ورووا أن عبد المطلب قام يدعو على الحبشة فقال ([8]):

يا رب لا أرجو لهم سواكا

   يا ربّ فامنع منهم حماكا

امنعهم أن يخربوا قراكا

   إنّ عدوّ البيت من عاداكا

ويدل لهذا ذلك التعظيم الذي كان يبديه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ذلك ما رواه المؤرخون من أن حليمة السعدية لمّا قدمت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة ضاع من بين يديها، فالتمسته فلم تجده فأتت عبد المطلب فقالت: إني قدمت بمحمد هذه الليلة فلما كنت بأعلى مكة أضلّني، فو الله ما أدري أين هو، فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله تعالى أن يردّه عليه، ورووا أنه قال حينها:

يا رب إن محمّداً لم يوجد

   فجمع قومي كلّهم مبدّد

لا همّ ردّ راكبي محمدا

   اردده لي ثمّ اتّخذ عندي يدا

أنت الذي جعلته لي عضدا

   لا يبعد الدّهر به فيبعدا

أنت الذي سمّيته محمدا

ورووا أنه حينها سمع هاتفاً من السماء يقول: (أيها الناس لا تضجّوا إن لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ربّا لن يخذله ولن يضيعه)، فقال عبد المطلب: من لنا به؟ فقال: (إنه بوادي تهامة عند الشجرة اليمنى)، فركب عبد المطلب نحوه وتبعه ورقة بن نوفل وسار فإذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم تحت شجرة يجذب غصناً من أغصانها فقال له جده: من أنت يا غلام؟ قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: وأنا جدّك فدتك نفسي. واحتمله وعانقه وهو يبكي ثم رجع إلى مكة وهو قدّامه على قربوس فرسه فاطمأنت قريش، ونحر عبد المطلب عشرين جزوراً وذبح الشّياه والبقر وأطعم أهل مكة من ذلك.

وروي أن أمه آمنة قالت حينها: (أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، والله إنه لكائن لا بني هذا شأن.. حملت به فما حملت حملاً قط أخفّ منه، فأريت في النوم حين حملت به خرج منّي نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام، ثم وقع حين ولدته وقعاً ما يقعه المولود، معتمداً على يديه رافعاً رأسه إلى السماء)

وحينها قال عبد المطلب ـ والذي كان عارفا بالشأن العظيم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ: (يا حليمة إن لابني هذا شأناً.. وددت أني أدرك ذلك الزمان)([9])

وهكذا وردت الروايات الكثيرة التي تؤكد إيمان عبد المطلب، وأن بني هاشم لم يتدنسوا بذلك الشرك الذي وقع فيه من عداهم من أهل الجاهلية.

لكن أولئك المتطرفين من قومي الذين ورثوا الجفاء من الفئة الباغية راحوا يغالطون في ذلك، لا لدليل أو حجة، وإنما لأن هذا ـ كما يذكرون ـ قول الرافضة([10]) مع أنهم يعلمون أن الكثير ممن ينسبونهم لأهل السنة يقول بذلك.. كالمسعودي، واليعقوبي، والماوردي، والسنوسي، والتلمساني محشي الشفاء، والسيوطي، والذي ألف عدة رسائل لإثبات ذلك، منها مسالك الحنفا، والدرج المنيفة في الآباء الشريفة، والمقامة السندسية في النسبة المصطفوية، والتعظيم والمنة في أن أبوي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة، والسبل الجلية في الآباء العلية، ونشر العلمين المنيفين في إثبات عدم وضع حديث إحياء أبويه صلى الله عليه وآله وسلم وإسلامهما على يديه صلى الله عليه وآله وسلم.

ولو أن أولئك الجفاة تأملوا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لم يزل ينقلني الله من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات، حتى أخرجني في عالمكم، ولم يدنسني بدنس الجاهلية)([11])، وقوله: وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء وما ولدني الا نكاح كنكاح الإسلام)([12])

ولو جمعوا هذا الحديث وغيره مع قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28] لعرفوا الحق الذي تدل عليه كل الدلائل.

والعجيب أنهم يقبلون أن يكون في قريش حنفاء وموحدين.. من أمثال زيد بن عمرو بن نفيل، ابن عم عمر بن الخطاب.. بل يروون عنه من الورع والتقوى الشيء الكثير.. ولو كان من بني هاشم ما قبلوا منه ذلك.

بل إن الغلو وصل بهم إلى درجة تفضيله في الورع على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فقد روى البخاري وغيره عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح ـ وذاك قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوحي ـ فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها، ثم قال: (إني لاآكل مما تذبحون على أنصابكم، ولاآكل إلا مما ذكر اسم الله عليه)([13])

والعجب الأكبر من هذا أنهم يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأكل من تلك السفرة التي تورع عنها زيد.. وقد صرح بذلك أحمد بن حنبل وأبو يعلى والبزار وغيرهم، وقد قال ابن حجر العسقلاني معلقا على الحديث السابق: (وقد وقع في حديث سعيد بن زيد الذي قهر منه وهو عند أحمد، فكان زيد يقول: عذت بما عاذ به ابراهيم ثم يخر ساجدا للكعبة، قال: فمر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وزيد بن حارثة وهما يأكلان من سفرة لهما فدعياه، قال: (يابن أخي لا آكل مما ذبح على النصب)، قال: فما رؤي النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأكل مما ذبح على النصب من يومه ذلك)، وفي حديث زيد بن حارثة عند أبي يعلى والبزار وغيرهما، قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما من مكة وهو مرد في مذبحنا شاة على بعض الأصنام فاذبحناها فلقينا زيد بن عمرو، فذكر الحديث مطولا، فقال زيد: اني لا أكل مما لم يذكر اسم الله عليه)([14])

وهم يروون في هذا بفرح عظيم أنه كان يقول لقريش: (إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه).. ويقول: (الشاة خلقها الله تعالى، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الارض ثم تذبحونها على غير اسم الله)([15])

لكنهم إن جاءوا لآباء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راحوا يروون: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أين أبي؟، فقال: في النار، فلما قفا دعاه، وقال له: (إن أبي وأباك في النار)([16])

وهكذا قبلوا إيمان زيد بن عمرو بن نفيل ـ ابن عم عمر بن الخطاب ـ وذكروا أنه في الجنة يسحب ذيولا ([17]).. وقبلوا إيمان ورقة بن نوفل.. وذكروا أن أمية بن أبي الصلت كاد يسلم في شعره.. وهكذا قُبل الجميع ما عدا بني هاشم الذين صوروهم بصورة الجفاة الغلاظ المسدودة قلوبهم عن الإيمان، مع أنهم يرون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غدوة وعشية وهو بين أظهرهم.. ومع ذلك لم يؤثر فيهم، وأثر في الأبعدين.

ولم يكن ذلك إلا وليد الحقد الأموي عليهم، والذي تدل عليه الروايات الكثيرة، ومنها ما رواه عبدالله بن عمر قال: بينما نحن جلوس بفناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ مرت امرأة فقال رجل من القوم: هذه ابنة محمد، فقال أبو سفيان: إن مثل محمد في بني هاشم مثل الريحانة في وسط النتن، فانطلقت المرأة فأخبرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرف الغضب في وجهه، فقال: (ما بال أقوال تبلغني عن أقوام! إن الله تبارك وتعالى خلق السموات فاختار العليا فأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشا، واختار من قريش بني هاشم، فأنا من بني هاشم من خيار إلى خيار)([18])

وهم يروون هذا الحديث، ويروون ما يدل عليه من اختيار الله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البيئة المناسبة، وفي نفس الوقت يقبلون الإيمان من كل الناس إلا من بني هاشم.. وكأن الله اختارهم لجمال وجوههم، لا لطهارة قلوبهم.

بطولات حمزة:

اعذروني سادتي.. لأني تركت الحديث عنكم، ورحت أتحدث عن أولئك الذين ظلموكم، ولا يزالون يظلمونكم..

أما أنت يا عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الثاني.. حمزة.. فقد كنت حقا أسد الله، وأسد رسوله، وسيد الشهداء، وكنت البطل الذي أرغم المشركين عن كف أذاهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولم تصبر على كتم إيمانك؛ فرحت تجهر به في الوقت الذي رأيت فيه أن الكتمان جعل المشركين أكثر عنجهية وكبرياء..

لقد روى المؤرخون وأصحاب السير أنك بعد أن رجعت من الصيد، أخبرك بعضهم بما فعله أبو جهل تجاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فرحت تسرع إليه، لتنتقم منه، ثم ضربته على رأسه بالقوس، ضربة شججته بها شجة منكرة، ثم قلت له: أتشتمه وأنا على دينه، أقول ما يقول؟ فرد عليّ ذلك إن استطعت.

لقد قلت له ذلك، بكل قوة، بعد أن تضرع إليك، وراح يعتذر، لعلمه بشجاعتك وبأسك.. حينها قام رجال من بني مخزوم لينصروا أبا جهل، وقالوا لك: ما نراك إلا قد صبأت؟

فقلت لهم: وما يمنعني، وقد استبان لي منه أنه رسول الله، والذي يقول حق؟! فو الله لا أنزع، فامنعوني إن كنتم صادقين.

حينها لم يملك أبو جهل إلا أن يقول: (دعوا أبا عمارة، فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا)([19])

وحين سمعت قريش نبأ إسلامك الذي أعلنته في تلك الظروف الصعبة، صارت أكثر خوفا من إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن اجتمع على حمايته كلا العمين الصادقين المخلصين المؤمنين: حمزة وأبي طالب.. بالإضافة لأكثر بني هاشم.

ولم تكتف بذلك، بل رحت تطلب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعلن دينه، وألا تأخذه في الله لومة لائم.. وقلت له: (أظهر يا ابن أخي دينك)([20])

وهكذا عندما هاجرت إلى المدينة المنورة كان سيفك من تلك السيوف التي نصرت الإسلام، وبثت الرعب في قلوب المشركين إلى أن حرضت هند زوج أبي سفيان، وأم معاوية وحشيا على قتلك.. وقد بلغ بها الحقد إلى أن راحت تلوك كبدك.

فقد روى المؤرخون والمحدثون عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: غزونا الشام في زمن عثمان فمررنا بحمص بعد العصر، فقلنا: وحشي! فقالوا: لا تقدرون عليه، هو الآن يشرب الخمر حتى يصبح. فبتنا من أجله وإنا لثمانون رجلا، فلما صلينا الصبح جئنا إلى منزله، فإذا شيخ كبير، قد طرحت له زربية قدر مجلسه، فقلنا له: أخبرنا عن قتل حمزة، فكره ذلك وأعرض عنه، فقلنا له: ما بتنا هذه الليلة إلا من أجلك. فقال: إني كنت عبدا لجبير بن مطعم بن عدى، فلما خرج الناس إلى أحد دعاني فقال: قد رأيت مقتل طعيمة بن عدي، قتله حمزة بن عبد المطلب يوم بدر، فلم تزل نساؤنا في حزن شديد إلى يومي هذا، فإن قتلت حمزة فأنت حر. قال: فخرجت مع الناس ولي مزاريق، وكنت أمر بهند بنت عتبة فتقول: إيه أبا دسمة، اشف واشتف! فلما وردنا أحدا نظرت إلى حمزة يقدم الناس يهدهم هدا فرآني وأنا قد كمنت له تحت شجرة، فأقبل نحوي ويعترض له سباع الخزاعي، فأقبل إليه فقال: وأنت أيضا ممن يكثر علينا، هلم إلي! قال: وأقبل حمزة فاحتمله حتى رأيت برقان رجليه، ثم ضرب به الأرض ثم قتله. وأقبل نحوي سريعا حتى يعترض له جرف فيقع فيه، وأزرقه بمزراقي فيقع في ثنته حتى خرج من بين رجليه، فقتلته، وأمر بهند بنت عتبة فأعطتني حليها وثيابها)([21])

ورووا أنهم (وجدوا حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بقر بطنه، وحملت كبده احتملها وحشي، يذهب بكبده إلى هند بنت عتبة في نذر نذرته حين قتل أباها يوم بدر)([22])

وهم إلى الآن يعظمون هندا ووحشيا، ويترضون عليهما، ويعتبرونهما من الصحابة الأجلاء الذين لا يجوز الحديث عنهم، أو الحط من شأنهم، بل يعتبرونهم من العدول حتى لو شربوا الخمر، مثلما كان يشربها وحشي، لأن الخمر عندهم لا تؤثر في العدالة، وإنما يؤثر فيها محبة أهل البيت أو الولاء لهم.. حينها لن يبقى لأحد حرمة حتى لو كان صحابيا.

وقد حزن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليك ـ يا حمزة ـ مثلما حزن على عمه أبي طالب.. بل طلب أن يقام عليك العزاء حتى يعرف المسلمون فضلك وقيمتك ودورك في خدمة الإسلام ونصرته.

وقد قال ابن إسحاق: (ومر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ حين رجع إلى المدينة ـ بدور من الأنصار؛ فسمع بكاء النوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: (لكن حمزة لا بواكي له)، فأمر سعد بن معاذ، أو أسيد بن حضير نساء بني عبد الأشهل: أن يذهبن ويبكين حمزة أولا، ثم يبكين قتلاهن. فلما سمع صلى الله عليه وآله وسلم بكاءهن، وهن على باب مسجده أمرهن بالرجوع، ونهى صلى الله عليه وآله وسلم حينئذ عن النوح، فبكرت إليه نساء الأنصار، وقلن: بلغنا يا رسول الله، أنك نهيت عن النوح، وإنما هو شيء نندب به موتانا، ونجد بعض الراحة؛ فأذن لنا فيه. فقال: إن فعلتن فلا تلطمن، ولا تخمشن، ولا تحلقن شعرا، ولا تشققن جيبا، قالت أم سعد بن معاذ: فما بكت منا امرأة قط إلا بدأت بحمزة إلى يومنا هذا)([23])

وما قالته أم سعد ـ سيدي أبا عمارة ـ رد بليغ على أولئك الذين يمنعون المحبين لك ولأهل البيت الطاهرين من إقامة العزاء لكم أو ذكركم أو الإشادة بكم.. لأنهم يعلمون أنكم لا يمكن أن تذكروا إلا ويذكر معكم أولئك البغاة الذين حرفوا الإسلام وشوهوه، وملأوه بكل الدنس الذي أصاب الأديان من قبله.

بطولات علي:

أما أنت يا علي.. فما عساي أقول عنك.. وهل يمكن أن تسعفني الألفاظ في شرح تفاصيل أدوارك في نصرة الإسلام في كل مراحله..

فأنت من شهدت له كل الدواوين، وكل المؤرخين بأنك بطل الإسلام الأكبر.. فأكثر الغزوات، كنت أنت بطلها، ومبتدأها وخبرها، وأولها وخاتمتها..

حتى قال فيك أسيد بن أبي أناس الكناني([24]) قبل إسلامه يخاطب قريشا ([25]):

في كلّ مجمع غاية أخزاكم

   جذع يفوق على المذاكي القرّح

هذا ابن فاطمة الّذي أفناكم

   ذبحا وقتلا بغضه لم يربح

للَّه درّكم ألمّا تذكروا

   قد يذكر الحرّ الكريم ويستحي

ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضع الراية في يدك في كل الغزوات، ومن المعلوم أن أول ما يفعله الأعداء هو قتل صاحب الراية، حتى يتمكنوا من إسقاطها، ومن تحقيق النصر المعنوي الذي يريدون، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسلمها لك، لعلمه بشجاعتك وثباتك.

وقد قال ابن عباس يذكر ذلك: (لعلي بن أبي طالب أربع ما هنّ لأحد: هو أول عربي وعجمي صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،وهو صاحب لوائه في كل زحف، وهو الذي ثبت معه يوم المهراس (أي يوم أحد)؛ وفرّ الناس، وهو الذي أدخله قبره)([26])

وعن مالك بن دينار قال: سألت سعيد بن جبير وإخوانه من القراء: من كان حامل راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قالوا: كان حاملها علي)([27])

وقد ورد في الروايات أن الفئة الباغية كانت تنهى عن أمثال هذه الروايات، وقد روي أنه لما سأل بعضهم سعيد بن جبير عن ذلك غضب سعيد، فشكاه إلى إخوانه من القرّاء، فعرّفوه: أنه خائف من الحجاج، فعاد وسأله، فقال: كان حاملها علي، هكذا سمعت من عبد الله بن عباس([28]).

وفي رواية: (كان يحملها في المسير ابن ميسرة العبسي، فإذا كان القتال؛ أخذها علي بن أبي طالب)

ولم يكن حمل الراية ليشغلك عن القتال، بل كنت البطل الأكبر في كل المعارك، وقد ذكر المؤرخون أنك في بدر وحدها قتلت اثنين وعشرين من المشركين([29])، في نفس الوقت الذي قتل فيه حمزة بن عبد المطلب تسعة، وقتل عمار بن ياسر بن ياسر خمسة، وقتل أبو دجانة أربعة، وقتل الزبير ين العوام اثنين، وقتل عبدالرحمن بن عوف اثنين..

ولكن مع ذلك لا يُذكر هذا، ولا تذكر بطولتك في هذه المعركة التي كانت فرقانا بين الحق والباطل، ولا يذكر كونك سيف الله المسلول فيها وفي غيرها على أعدائه، بل ينقل هذا اللقب إلى غيرك ([30])، رغم أنف التاريخ، وكل الأحداث التي نقلها المؤرخون الذين يعتمدونهم.

وهكذا كنت في تلك المعركة المفصلية الفارقة بين الحق والباطل ـ أنت وابن عمك عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب([31]) الهاشمي الذي لا يكاد يعرفه أحد، وحمزة بن عبد المطلب ـ كان ثلاثتكم أول من قابل المشركين في المبارزة، وذلك عندما خرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة، وابنه الوليد من المشركين.

وذلك حين نادى مناديهم: يا محمد ! أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرف شجاعتك على الرغم من أنها أول معركة في الإسلام، لذلك قال: (قم يا عبيدة بن الحرث، وقم يا حمزة، وقم يا علي)

فلما قمتم، بارز عبيدة ـ وكان أسنكم ـ عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارزت أنت الوليد بن عتبة؛ فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما أنت فلم تمهل الوليد أن قتلته، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما جرح صاحبه، وكررت أنت وحمزة بأسيافكما على عتبة فقتلتماه([32]).

وبذلك كانت أول مبارزة في الإسلام مبارزة هاشمية، وأول شهيد في أخطر معركة رجل من بني هاشم، لا يكاد يعرفه الناس، لأن عقولهم ملأوها بالطلقاء، وقلوبهم ملأوها بحب البغاة.

وفيك وفي أصحابك من المتبارزين نزل قول الله سبحانه وتعالى ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴾ [الحج: 19]، وقد روى المحدثون في ذلك عنك أنك قلت: (أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة)، وقال قيس بن عبادة: (وفيهم أنزلت ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ﴾ [الحج: 19] قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر، حمزة وعلي وعبيدة ـ أو أبو عبيدة ـ بن الحارث، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة([33]).

وهكذا كانت شجاعتك في معركة أحد التي فر فيها الكثير عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في نفس الوقت الذي ثبت فيه ثباتا عظيما، لا يكاد يذكره أحد([34]).

 وفي هذه المعركة أيضا قتلت الكثير من المشركين، وكنت أنت الذي أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما وقع في الحفرة([35]).. ولما جرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم كنت أنت الذي سكب الماء عليه، وفاطمة تغسل الدم عن وجهه صلى الله عليه وآله وسلم ([36]).

وهكذا كانت شجاعتك يوم الخندق.. ذلك اليوم الذي اجتمع فيها الشرك والنفاق واليهودية لضرب الإسلام، ووصف الله فيه كيف تزلزلت القلوب بقوله: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:10]

في ذلك اليوم الذي ارتعدت فيه القلوب، وبلغت الحناجر، وقال ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ [الأحزاب:12] كان قلبك ـ مولاي وسيدي ـ ثابتا ممتلئا قوة وإيمانا.

في ذلك اليوم خرج عمرو بن عبد ود، ونادى بكل كبرياء: هل من مبارز؟ فلم يجبه أحد من المسلمين، فاستأذنت حينها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لك: (إنّه عمرو).. ثم كرّر النداء ثانية وثالثة، وأنت في كل حين تستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيجيبك بمثل ذلك، إلى أن اكتشف من كان حاضرا في تلك المعركة أنه لا يمكن لأحد أن يبرز له، حينها أذن لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولم يؤخرك حرصا عليك، وإنما أخرك ليعرف الجمع مقامك.

وعندما برزت له، ونظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليك، وإلى الأنوار التي تشع منك، قال: (برز الايمان كلّه إلى الشرك كلّه)([37])

وعندما دنوت من عدوك اللدود صاحب القوة والبطش، لم تستعجل بضربه، وإنما رحت تدعوه إلى الله،وتقول له: (يا عمرو إنّك كنت تقول: لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلاّ قبلتها أو واحدة منها)، قال: أجل، فقلت: (إنّي أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، وأن تسلم لربّ العالمين)، فقال: أخّر هذا عنّي، فقلت: (أما أنّها خير لك لو أخذتها)، ثمّ قلت له: ها هنا أخرى، قال: وما هي؟ قلت: ترجع من حيث أتيت، قال: لا، تحدّث نساء قريش عنّي بذلك أبداً، فقلت: ها هنا أخرى، قال: وما هي؟ قلت: أبارزك وتبارزني.

حينها تعجب عمرو من جرأتك، وضحك ضحكة سخرية، وقال: إنّ هذه الخصلة ما كنت أظنّ أحداً من العرب يطلبها منّي، وأنا أكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، وقد كان أبوك نديماً لي، فقلت: وأنا كذلك، ولكنّي أحبّ أن أقتلك ما دمت أبيّاً للحق.

بعدها حصل ما عبر عنه جابر بن عبد الله بقوله: (وتجاولا وثارت بينهما فترة، وبقيا ساعة طويلة لم أرهما ولا سمعت لهما صوتاً، ثمّ سمعنا التكبير فعلمنا أنّ علياً قد قتله)([38])

وهكذا كانت شجاعتك يوم خيبر.. ذلك الذي شهد لك فيه التاريخ، وحفظه الرواة، ونقلوه بالأسانيد الكثيرة التي لا مجال للشك فيها، منها ما حدث به عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال: كان علي يخرج في الشتاء في إزار ورداء، ثوبين خفيفين، وفي الصيف في القباء المحشو، والثوب الثقيل، فقال: الناس لعبد الرحمان: لو قلت لأبيك فإنه يسهر معه، فسألت أبي، فقلت: إن الناس قد رأوا من أمير المؤمنين شيئا استنكروه، قال: وما ذاك؟ قال: يخرج في الحر الشديد في القباء المحشو، والثوب الثقيل، ولا يبالي ذلك، ويخرج في البرد الشديد في الثوبين الخفيفين، والملاءتين، لا يبالي ذلك، ولا يتقي بردا، فهل سمعت في ذلك شيئا؟ فقد أمروني أن أسألك أن تسأله إذا سمرت عنده، فسمر عنده، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس قد تفقدوا منك شيئا، قال: وما هو؟ قال: تخرج في الحر الشديد في القباء المحشو، والثوب الثقيل، وتخرج في البرد الشديد في الثوبين الخفيفين، وفي الملاءتين، لا تبالي ذلك ولا تتقي بردا، قال: وما كنت معنا يا أبا ليلى بخيبر؟ قال: قلت: بلى، والله قد كنت معكم، قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا بكر، فسار بالناس فانهزم، حتى رجع إليه، وبعث عمر، فانهزم بالناس، حتى انتهى إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله له، ليس بفرار، فأرسل إلي فدعاني، فأتيته وأنا أرمد لا أبصر شيئا، فتفل في عيني، وقال: اللهم اكفه الحر والبرد، قال: فما آذاني بعد حر ولا برد([39]).

لقد شهد الكثير من الصحابة ذلك الموقف، وكلهم تمنوا أن يحصل لهم مثله.. لقد ورد في الحديث عن سعد بن وقاص قوله، وهو يذكر مناقبك: (وسمعته يقول يوم خيبر: (لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فتطاولنا لها فقال: ادعو لى عليًا، فأتى به أرمد، فبصق فى عينه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه)([40])

وقد ذكر المؤرخون ما فعلت يومها، حيث كان لقيادتك للمعركة أثر النفسي الكبير على اليهود، فقد رووا أنه (أشرف على علي رجل من اليهود، فقال من أنت؟ قال: أنا عليّ بن أبي طالب، فقال اليهودي: غُلِبتم يا معشر اليهود.. وكان عليّ صاحب الراية والفاتح لحصون اليهود من بني النضير وقريظة في المدينة وقاتِل أشرافهم وأشدّائهم)([41])

وقال ابن هشام: (قال سلمة: فخرج [عليّ] والله بها [الراية] يؤجّ (يركض وله حفيف) أو يأنح (يعلو بنفسه)، يهرول هرولة وإنّا خلفه نتبع أثره، حتى رَكَز رايته في رَضم من حجارة تحت الحصن، فاطّلع إليه يهوديّ من رأس الحصن، فقال من أنت؟ قال: أنا عليّ بن أبي طالب. فقال اليهودي: عَلَوتم والذي أُنزِل على موسى! أو كما قال. فما رجع حتى فتح الله على يديه)([42])

ومن أحداث تلك المعركة ما ذكره الواقدي قال: (.. ثم دفع إليه اللواء، ودعا له ومن معه من أصحابه بالنصر، فكان أول من خرج إليهم الحارث أخو مرحب في عاديته، فانكشف المسلمون وثبت علي، فاضطربا ضربات فقتله علي، ورجع أصحاب الحارث إلى الحصن فدخلوه وأغلقوا عليهم، فرجع المسلمون إلى موضعهم، وخرج مرحب وهو يقول:

قد علمت خيبر أني مرحبُ

   شاكي السلاح بطلٌ مجرّبُ

أضرب أحيانا وحينا أضرب

فحمل علي فقطره، على الباب وفتح الباب: وكان للحصن بابان)([43])

وقال ابن الأثير: (وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر (ما يُدرّع به الرأس) قد نقبه مثل البيضة (الخوذة) على رأسه، وهو يقول:

قد علمت خيبر أني مرحبُ

   شاكي السلاح بطلٌ مجرّبُ

فقال عليّ:

أنا الذي سمّتني أمّي حيدرة

   أكيلكم بالسيف كيل السندرة

ليث بغابات شديدٌ قسورة

فاختلفا ضربتين، فبدره عليّ، فضربه، فقدّ (شقّ) الحَجَفة (الترس) والمغفر ورأسه حتى وقع في الأرض، وأخذ المدينة)([44])

وغيرها من الأحداث التي اتفق المؤرخون على روايتها، وعلى اعتبارك بطل خيبر الأكبر، ويروون أن حسان بن ثابت قال حينها، وبعد فتح خيبر على يديك ([45]):

وكان عليّ أرمد العين يبتغى

   دواء، فلمّا لم يحسّ مداويا

شفاه رسول الله منه بتفلة

   فبورك مرقيّا، وبورك راقيا

وقال سأعطى الرّاية القوم صارما

   مكينا محبّا للإله مواليا

يحبّ إلهى، والإله يحبّه

   به يفتح الله الحصون الأوابيا

فخصّ لها دون البرية كلها

   عليا، وسمّاه الوليّ المؤاخيا

وقال أيضا:

جبريل نادى معلِنا

   والنقع ليس بمنجلي

والمسلمون قد أحدقوا

  حول النبي المرسَل

لا سيف إلا ذوالفقار

   ولا فتى إلا علي

ومع ذلك كله لم تكن تنسب لنفسك شيئا، وقد روي أن بعضهم سألك: (يا أبا الحسن، لقد اقتلعت منيعا، وأنت ثلاثة أيام خميصا، فهل قلعتها بقوة بشرية؟)، فقلت: (ما قلعتها بقوة بشرية، ولكن قلعتها بقوة إلهية، ونفس بلقاء ربها مطمئنة رضية)([46])

وقد قلت في رسالتك لسهل بن حنيف: (والله، ما قلعت باب خيبر، ورميت به خلف ظهري أربعين ذراعا بقوة جسدية، ولا حركة غذائية، لكنني أيدت بقوة ملكوتية، ونفس بنور ربها مضيئة، وأنا من أحمد كالضوء من الضوء)([47])

وهكذا كان حالك في كل المواقف.. لقد قال ابن أبي الحديد يصف شجاعتك: (وأمّا الشجاعة فإنّه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله، ومحا اسم من يأتي بعده، ومقاماته في الحرب مشهورة تضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة. وهو الشجاع الذي ما فرّ قطّ، ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحدا إلاّ قتله، ولا ضرب ضربة قطّ فاحتاجت الأولى إلى الثانية)([48])

وقد شهد لك أعداؤك بتلك الشجاعة والبطولة، فقد روي أنه لمّا دعوت معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدكما، قال له عمرو: لقد أنصفك، فقال معاوية: ما غششتني منذ صحبتني إلاّ اليوم، أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنّه الشجاع المطرق، أراك طمعت في امارة الشام بعدي([49])..

بل إن أعداءك كانو يفتخرون بأنك أنت الذي قتلتهم.. فقد روي أن أخت عمرو بن عبد ودّ قالت ترثيه([50]):

لو كان قاتل عمرو غير قاتله

   بكيته ما أقام الرّوح في جسدي

 لكنّ قاتله من لا نظير له

  وكان يدعى أبوه بيضة البلد

وما تلك الشجاعة والبطولة التي وهبك الله إياها من دون كثير من الناس إلا لما كان في قلبك من قوة الإيمان التي زرعها فيك وتعهدها حبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. لذلك كنت تخرج في أيام صفّين وحدك بغير حماية، ولما قيل لك: تقتل أهل الشام بالغداة وتظهر بالعشي في إزار ورداء؟ قلت: (بالموت تخوّفوني؟ فو الله ما أبالي سقطت على الموت أم سقط عليّ!)([51])

بطولات جعفر:

أما أنت يا جعفر.. أيها البطل الطيار.. يا أول سفير في الإسلام.. وأول من عرّف بقيمه النبيلة في إفريقيا.. ما عساي أقول عنك وعن بطولاتك، ونصرك للإسلام، ودعوتك إليه.. فأنت مثل أخيك الأصغر الإمام علي.. ومثل أبيك أبي طالب.. قدمت حياتك جميعا في سبيل الله.

لكنك مع ذلك كله لا تكاد تذكر.. فقد كتب قومي في فضائل معاوية وهند وعمرو بن العاص وبسر وسمرة ومسلم بن عقبة.. وكل من رمى أخاك عليا ولو بسهم واحد.. ونسوا أن يكتبوا عنك.. وكأنك نكرة، وكأنك لست من السابقين الأولين للإسلام.. والذين انتدبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليمثلوا الإسلام، ويعطوا أحسن النماذج عنه.

لقد ذكر الرواة مواقفك البطولية، وأشادوا بها، وبدورك العظيم في إقناع النجاشي والكثير من أهل الحبشة بالإسلام.. وكيف استطعت بقوة إيمانك، ورقة حديثك، وقوة حجتك، وجمال فصاحتك وبلاغتك أن توصل إليهم ذلك الإسلام الجميل الذي لم يدنسه البغاة وأصحاب الملك العضوض.

لقد حدثت أم سلمة عن ذلك الموقف التاريخي الذي وقفته، والذي لا تزال الأجيال تنبهر به، فقالت: (لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، آمنا على ديننا، وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بعثت قريش عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بهداياهم إلى النجاشي وإلى بطارقته، أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوه، وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، ثم سألهم فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قال: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيئ الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، وكنا على ذلك حتى بعث الله تعالى إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله تعالى لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام – قال: فعدد عليه أمور الإسلام – فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله عز وجل، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله عز وجل، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك فاخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك)([52])

وعندما انتتهيت من هذه الخطبة البليغة التي جمعت الإسلام، وعرفت به أحسن تعريف انبهر النجاشي بك وبشجاعتك وبالحق الذي تحمله، فقال لك: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟

وكنت تحفظ حينها كل ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وكان في إمكانك أن تختار أي سورة، لكنك كنت حكيما، تعرف دينهم، فرحت تقرأ عليه أوائل سورة مريم بصوتك الشجي الخاشع الجميل.

حينها حصلت تك الرجة العظيمة في القلوب، والتي وصفتها أم سلمة، فقالت: (فبكى النجاشي والله حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم)

ثم قال مخاطبا لك وللثلة المؤمنة معك: (إن هذا هو والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة)

ثم قال لعمرو بن العاص وصاحبه: (انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما، ولا أكاد)

 ثم قال: (اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي – والسيوم: الآمنون – من مسكم غرم، من مسكم غرم، من مسكم غرم، ما أحب أن لي دبر ذهب وأني آذيت رجلا منكم – والدبر بلسان الحبشة الجبل – ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه)

ثم قالت أم سلمة معلقة على نهاية ذلك المشهد: (فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به. وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار)

هل تعلم سيدي أن قومي قد استبدلوك بذلك الذي جاء يطلبك والثلة المؤمنين معك.. والذي لم تدمع عيناه في الوقت الذي دمعت فيه كل تلك العيون.. لقد صاروا يثنون عليه، ويعتبرونه من كبار الصحابة.. أما أنت فقد ألقوك في سراديب الغفلة والنسيان.

لقد صاروا يطلقون عليه فاتحا لأنه ذهب إلى مصر يحمل سيفه، بينما أنت لم تكن تحمل لنشر الإسلام سوى لسانك، وتلك القيم النبيلة التي مثلتها أحسن تمثيل..

لقد صار السيف عندهم هو المعبر عن الإسلام، لا تلك الحجج البليغة التي كنت ترسلها؛ فتدمع العيون لسماعها، وترتج القلوب لهيبتها.

لقد استطعت بحجتك القوية، وتمثيلك النموذجي للإسلام أن تقنع النجاشي، وكبار أهل دولته بالإسلام، وهو ما أتاح لك التحرك بحرية لنشره، وإعطاء النموذج الحقيقي للفتح.. لا ذلك الفتح الذي راحوا يستبعدون به الأحرار، ويستولون على أموالهم وأراضيهم، ويفرضون عليهم الجزية، ويذلونهم بها، ويهينون الإسلام أعظم إهانة، ويحولوه من دين هداية دين جباية، ومن دين سلام إلى دين صراع.

وهكذا ورد في رواية أخرى تفصيلا لبعض مواقفك مع النجاشي، وفيها تقول أم سلمة: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي، فبلغ ذلك قريشا فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، فجمعوا للنجاشي هدية، فقدمنا وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية فقبلها وسجدا له، ثم قال له عمرو بن العاص: إن أناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا، وهم في أرضك، قال لهم النجاشي: في أرضي؟ قالوا: نعم، فبعث إلينا فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد، أنا خطيبكم اليوم. فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره، والقسيسون والرهبان جلوس سماطين سماطين. وقد قال لهم عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك، فقال جعفر: لا نسجد إلا لله عز وجل، قال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إن الله تعالى بعث فينا رسولا، وهو الرسول الذي بشر به عيسى عليه السلام قال: من بعدي اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر)، فأعجب النجاشي قوله، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص قال: أصلح الله الملك، إنهم يخالفونك في ابن مريم، فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول الله عز وجل: هو روح الله وكلمته، أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر ولم يفترضها ولد)، فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه فقال: (يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه، مرحبا بكم، وبمن جئتم من عنده، وأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى عليه السلام، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعله، امكثوا في أرضي ما شئتم. وأمر لنا بطعام وكسوة وقال: ردوا على هذين هديتهما)([53])

هذا هو التمثيل الحقيقي للإسلام، والذي كان على الأمة أن تأخذ به، وتجعله أسوة لها، لتكف عن تلك الكبرياء والعزة الآثمة في التعامل مع من أمرنا بالإحسان إليهم، وتأليف قلوبهم، واللين معهم.

ولم تكن تلك المواقف سيدي مواقف كلامية فقط، وإنما كانت مواقف عملية وسلوكية.. فقد أجمع الكل على كرم أخلاقك.. حتى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهد لك بذلك، ففي الحديث عن الإمام علي قال: (زرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع جعفر وزيد بن حارثة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لزيد: (أنت مولاي) فبدأ زيد يحجل ويقفز على رجل واحدة حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال لجعفر: (أما أنت فتشبهني في خَلقي وخُلقي) فحجل جعفر كذلك، ثم قال لي: (أنت مني وأنا منك) فحجل خلف جعفر ([54]).

وكيف لا تحجل سيدي طربا، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يثني عليك بكل ذلك الثناء العظيم، الذي لا يمكن تقديره، ولا وصفه؟

وقد شهد لك بتلك الشهادة كل من عرفك، وعرف فضلك، فقد قال أبو نعيم يذكر مكارمك: (الخطيب المقدام، السخي المطعام، خطيب العارفين، ومضيف المساكين، ومهاجر الهجرتين، ومصلي القبلتين، البطل الشجاع، الجواد الشعشاع جعفر بن أبي طالب عليه السلام. فارق الخلق، ورامق الحق)([55])

وكان أبو هريرة يشيد بفضلك عليه، وكثرة إحسانك له، ويعتبرك لذلك أفضل الصحابة، ويقول عنك: (ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من جعفر بن أبى طالب)([56])

ثم ذكر سبب ذلك، فقال: (كنت أستقرئ الرجل الآية – هي معى – كى ينقلب بى فيطعمني، وكان أخير الناس للمسكين – جعفر بن أبى طالب – كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته)([57])، وقال: (وكنت إذا سألت جعفرا عن آية لم يجبنى حتى يذهب إلى منزله)([58])

ولذلك فرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقدومك فرحا شديدا، وقد روي أنه عندما رآك أسرع يضمك إلى صدره، ويقبل ما بين عينيك، ويقول: (لا أدري بأيهما أنا أشد فرحا (أو أسرّ، أو أشد سرورا) بفتح خيبر؟.. أو بقدوم جعفر؟)([59])

لكنك سيدي بعد كل تلك الجهود والتضحيات آثرت الشهادة في سبيل الله، لذلك رحت تقود معركة كنت تعلم أنك ستستشهد فيها، ولذلك ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يخلفك في القيادة.

فقد ذكر المؤرخون أنك بعد استشهاد زيد بن حارثة أخذت الراية، كما عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيمينك، فلما أصيبت أخذتها بشمالك، فلما أصيبت أخذتها بعضديك، ولم تزل ممسكاً لها مقبلاً غير مدبر حتى قبضك الله إليه.

وذكروا أنهم وجدوا فيما أقبل من جسدك بضع وتسعون ما بين طعنة ورمية، وذكروا أنك كنت تردد في الوقت الذي تتلقى فيه تلك الطعنات الشديدة الكثيرة:

يا حبذا الجنة واقترابها

   طيبة وبارد شرابها

والروم روم قد دنا عذابها

  عليّ إن لاقيتها ضرابها

وقد عوضك الله عن تينك اليدين الطاهرتين جناحين تطير بهما في الجنة مع الملائكة، كما أخبر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فقد حدث ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس وأسماء بنت عميس قريبة منه إذ رد السلام، ثم قال: (يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب مع جبريل وميكائيل وإسرافيل سلموا علينا فردي عليهم السلام، وقد أخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا قبل ممره على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث أو أربع، فقال: لقيت المشركين فأصبت في جسدي من مقاديمي ثلاثا وسبعين بين رمية وطعنة وضربة، ثم أخذت اللواء بيدي اليمنى فقطعت، ثم أخذت بيدي اليسرى فقطعت، فعوضني الله من يدي جناحين أطير بهما مع جبريل وميكائيل أنزل من الجنة حيث شئت، وآكل من ثمارها ما شئت)، فقالت أسماء: (هينئاً لجعفر ما رزقه الله من الخير، ولكن أخاف أن لا يصدق الناس فاصعد المنبر أخبر به)، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (يا أيها الناس إن جعفرا مع جبريل وميكائيل، له جناحان عوضه الله من يديه سلم علي، ثم أخبرهم كيف كان أمره حيث لقي المشركين)، فاستبان للناس بعد اليوم الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن جعفر لقيهم، فلذلك سمي الطيار في الجنة)([60])

وهكذا ختم الله لك بالشهادة بعد كل ذلك العطاء، ولم يتجاوز عمرك حينها بضعا وثلاثين سنة، قضيتها كلها ابتداء من شبابك الباكر في سبيل الله، وعلى ملة رسول الله.

ونحن إلى الآن لا نزال نتخيلك بتلك الصورة التي وصفك بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنت تطير مع الملائكة.. لأنك عشت كالملائكة، وكان جزاؤك أن تصير معهم وفيهم ومنهم.

فالسلام عليك وعلى جميع المحيطين بك من أهل البيت الكرام الذين قدموا كل شيء في سبيل الله.. وكانوا النموذج المثالي للمسلم في أخلاقه وبطولته وشجاعته وتضحيته وكل القيم النبيلة التي مثلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحسن تمثيل.


([1]) رواه ابن عساكر ونعيم بن حماد في الفتن، والحاكم، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (10/ 152)

([2]) رواه البيهقي، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (10/ 152)

([3]) السيرة الحلبية ج 1 ص 4، والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش السيرة الحلبية) ج 1 ص 21.

([4]) بحار الأنوار: ج 77 ص 56..

([5]) كمال الدين للصدوق: ١٧٤ ،بحار الأنوار:  ١٥: ١٤٤.

([6]) البخاري ج 7 ص 622 (4317)، ومسلم ج 3 ص 1400.

([7]) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (1/ 219).

([8]) رواه البيهقي، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (1/ 219)

([9]) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (1/ 390)

([10]) كما قال أبو حيان الأندلسي: (ذهبت الرافضة إلى أن آباء النبي a كانوا مؤمنين)، تفسير البحر المحيط ج 7 ص 47.

([11]) مروي في مصادر سنية وشيعية كثيرة منها: السيرة الحلبية ج 1 ص 30، والبحار ج 15 ص 117 .

([12]) رواه الطبراني، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (8/ 214)

([13]) صحيح البخاري 6 : 225.

([14]) فتح الباري 9 : 518 ..

([15]) صحيح البخاري، رقم 3826 ..

([16]) رواه مسلم وغيره، انظر: الإصابة ج 1 ص 337.

([17]) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 39 و168 والبداية والنهاية ج 2 ص 237 ـ 241..

([18]) رواه الحاكم في المستدرك (4/ 73)

([19]) تاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 72 و73 والسيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 312..

([20]) تاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 72..

([21]) مغازي الواقدي (1/ 286)، وانظر: والبخاري في صحيحه: (4072)، وأحمد في مسنده: (16077)

([22]) دلائل النبوة للبيهقي (3/ 214)

([23]) السيرة الحلبية ج 2 ص 254.

([24]) وهو أسيد بن إياس بن وئيم الكناني. وقد قال هذه الأبيات قبل إسلامه. (ابن حجر، الإصابة 2 / 508 ).

([25]) الإصابة في تمييز الصحابة (1/ 231).

([26]) مستدرك الحاكم ج 3 ص 111 ، ومناقب الخوارزمي ص 21 و22 وإرشاد المفيد ص 48.

([27]) ذخائر العقبى ص 75 وينابيع المودة ج 2 ص 167.

([28]) مستدرك الحاكم ج 3 ص 137 وصححه.

([29]) ذكرهم ابن هشام في السيرة بأسمائهم، فقد بلغ من قتلهم علي بن أبي طالب أو شارك في قتلهم ـ عنده ـ واحد وعشرون رجلًا، وعند الواقدي بلغ من قتلهم علي أوشرك في قتلهم، اثنان وعشرون رجلًا، انظر: ابن هشام، السيرة النبوية 1/708-715، المغازي 1 / 152.

([30]) الرواية التي تقول: إن رسول الله a هو الذي أطلق هذه التسمية على خالد، وفي مناسبة حرب مؤتة، حينما أمَّر خالد نفسه على الناس، بعد قتل جعفر، وزيد بن حارثة، وابن رواحة، حيث يزعمون: أنه a قال: «اللهم إنه سيف من سيوفك، فأنت تنصره».. فمنذ يومئذ سمي خالد: سيف الله، رواية غير صحيحة، لأن خالداً انهزم بالناس في مؤتة، فكيف يعطي النبي a الأوسمة للمهزوم، وحينما عاد الجيش إلى المدينة جعل الناس يحثون التراب في وجوههم، ويقولون: يا فرار في سبيل الله.. ودخل أفراد ذلك الجيش إلى بيوتهم، ولم يعد يمكنهم الخروج منها، لأنهم كلما خرجوا صاح الناس: أفررتم في سبيل الله.. انظر: تاريخ الطبري ج 3 ص 42.

([31]) وقيل ابن الحرث بن عبد المطلب القرشي المطلبي، ابن عم النبي a أسلم قديمًا، وكان رأس بني عبد مناف حينئذٍ، كان مع النبي a في مكة ثم هاجر وشهد بدرًا وقتل فيها. (انظر : ابن سعد في الطبقات الكبرى 3 / 50 – 52. وابن حجر، الإصابة 2 / 449).

([32]) انظر : ابن هشام، السيرة النبوية 1 / 625. والمقريزي، امتاع الأسماع 1 / 85.

([33]) رواه البخاري،  3 / 84.

([34]) انظر : تاريخ خليفة بن خياط ص 67. وابن كثير، البداية والنهاية 7/224.

([35]) ابن هشام، السيرة النبوية 2/80.

([36]) انظر االحديث في ذلك في صحيح البخاري، كتاب المغازي 3/109.

([37]) كشف الغمة: 1/205،  وإعلام الورى ص194 ، ومناقب آل أبي طالب: 3/136.

([38]) انظر: البيهقي في دلائل النبوة، السيرة النبوية لابن كثير ج3 ص204.

([39]) رواه أحمد 1/99 (778) و1/133 (1117)، وابن ماجة 117، ورواه البخاري: 4/64 (2975) و5/23 (3702) وفي 5/171 (4209)، ومسلم: 7/122 (6303)

([40]) رواه الترمذى فى المناقب: مناقب على بن أبى طالب، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. صحيح الترمذى: 5/638؛ وأخرجه مسلم من الطريقين جميعًا فى فضائل الصحابة: من فضائل على بن أبى طالب: 5/268.

([41]) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 2، ص 220..

([42]) ابن هشام، السيرة النبوية، ج 2، ص 798.

([43]) مغازي الواقدي (2/ 654).

([44]) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 2، ص 220..

([45]) ابن حجر، نهج الايمان، ص 177.؛ سبط ابن الجوزي، التذكرة، ص 16..

([46]) البحار ج 21 ص 40.

([47]) أمالي الصدوق ص 307 والبحار ج 21 ص 26.

([48]) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1/ 20.

([49]) شرح نهج البلاغة 1/20 و5/217، محاضرات الاُدباء للجاحظ 1/131.

([50]) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1/ 20.

([51]) العقد الفريد 1/ 102.

([52]) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 115).

([53]) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 114).

([54]) رواه أحمد (رقم 860 )

([55]) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 114).

([56]) رواه أحمد 2/413 (9342) والترمذي: 3764.

([57]) رواه البخاري.

([58]) رواه الترمذي..

([59]) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 199 والسيرة الحلبية ج 3 ص 48 و49 والمقنع للصدوق ص 139.

([60]) رواه الحاكم (3/ 209 – 210 و 212) ورواه الطبراني في الأوسط مختصراً -كما في مجمع الزوائد (9/ 272)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *