أيهما أكثر جرما: العثمانيون أم الصفويون؟

أيهما أكثر جرما: العثمانيون أم الصفويون؟

أعلم ثقل هذا السؤال على المغيبة عقولهم في مستنقعات الطائفية؛ ذلك أن من المعلوم من الدين بالضرورة عندهم ليس كون العثمانيين أقل إجراما من الصفويين فقط، بل يعتبرونهم من المعصومين العدول الذين لا جرائم لهم، لسبب بسيط هو كونهم ـ كما يذكرون ـ من أهل السنة..

وأهل السنة ـ كما يضيفون ـ كلهم رموز مقدسة لا يحل الحديث عنها أو مناقشتها أو نقدها، وفي حال كون بعضهم قد وقع في بعض الهفوات؛ فينبغي أن يهال عليها كثبان من رمال الكتمان، أو أطنان من قوارير العطور، حتى تستر روائحها الخبيثة.

أما الصفويون.. فهم عندهم ليسوا أكثر إجراما من العثمانيين فقط، بل هم أكثر إجراما من نيرون وهتلر وأمريكا وإسرائيل.. بل هم الإجرام عينه.. وإذا سألتهم عن السبب، أجابوك بإجابة سريعة يعتبرونها كذلك كافية، وأنها من الضرورات العقلية والدينية، وهي أنهم شيعة روافض.. ويستحيل في تصورهم أن يصدر من الشيعي الرافضي أي شيء صالح.

وأنا لا ترضيني أمثال هذه الإجابات المتسرعة، لسبب بسيط آخر، أعتقد أنه من المعلوم من الدين والعقل بالضرورة، وهو أننا يجب أن نشهد لله، لا لأنفسنا ولا أهوائنا ولا لإرضاء من نريد إرضاءه، ولا لإسخاط من نريد سخطه، فالله تعالى قال لنا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135]، وقال: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]

ولذلك لن ألتفت لتلك الإجابات المتسرعة، وسأرجع إلى المصادر التي يعتمدها من يذكر ذلك، من باب قوله تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [آل عمران: 93]

وسيرى ذلك الذي يشنع على الصفويين في نفس الوقت الذي يترضى فيه على العثمانيين بعينه، ومن المصادر التي يعتمدها، الحقائق التي يكتمها، ويتهرب منها، ويحاول بشتى السبل أن يفعل ما نص عليه ذلك المثل العربي الذي أصبح قانونا يمارسه الطائفيون بكل بشاعة: (رمتني بدائها وانسلت)

وقبل أن أفكك ذلك السؤال إلى أسئلة فرعية أجيب عليها على ضوء المصادر التاريخية، أحب أن أذكر قاعدة وقانونا أعتمده في الحكم على جميع الأحداث التاريخية، وهي أني أعتبر كل نظام ملكي، لا يعتمد الكفاءة والتقوى في المناصب التشريعية والتنفيذية والقضائية، حكما استبداديا ظلاميا، أو كما سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ملكا عضوضا]

ولذلك لم يكن سؤالي: أيهما الأفضل؟.. لأني أعلم أن كليهما نظام ملكي، مبني على الفرد، لا على المؤسسات، وبالتالي كان مجرد وجود هذا النوع من الحكم جريمة، بنص الحديث الشريف الذي سبق ذكره، ولذلك لم أقع ـ بسبب تحكيمي للقرآن الكريم والسنة المطهرة في نقد الأحداث التاريخية ـ على أي ازدواجية في المعايير.

ذلك أن الذين ينكرون على الصفويين، ويثنون في نفس الوقت على العثمانيين يقعون في تطفيف كبير، ذلك أن كل جريمة ارتكبها الصفويون ارتكب مثلها أو أكثر منها العثمانيون.. لكنهم لتناقضهم، يهجون الصفويين، ويمدحون العثمانيين، بل يتمنون رجوعهم.

ولا يكتفون بالتناقض فقط، وإنما يضيفون إليه الكذب؛ فيحكمون على إيران الحالية بكونها صفوية، مع أنها ليست دولة ملكية، بينما لا يذكرون عن تركيا أنها دولة عثمانية، وإن ذكروا ذلك، فهم يذكرونه من باب المدح، لا من باب الهجاء.

وأنا أحب أن أخلّصهم من ذلك التطفيف، وذلك التناقض، ولا أطلب منهم سوى أن يصبروا، وأن يقرؤوا ما أذكره بهدوء، ويمكنهم أن يراجعوا المصادر من خلال الصفحات التي أوثق منها.. وسيروا الحقيقة بأعينهم.

وأنا أعلم أن سادتهم الذين يتبعونهم قد علموهم الكثير من الحيل التي يخرجون بها من المضايق التي تحرجهم، ومن أهمها قراءتهم لقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [البقرة: 134]، أو قولهم: نحن نعيش الواقع، ولا يهمنا التاريخ.

لكنك لو سكت عن جرائم العثمانيين، ورحت تتحدث عن جرائم الصفويين، واكتفيت بها، لامتلأوا سرورا بذلك، وذكروا لك أن هذا المنهج القرآني، وأن الله تعالى حدثنا عن التاريخ، لنأخذ منه العبر، حيث قص علينا قصة عاد وثمود والمدائن والمؤتفكات.. وذكر لنا فرعون وهامان وقارون.. وكل ذلك حتى نميز بين الطيبين والمجرمين، و{لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ } [الأنعام: 55]، وهكذا يسردون عليك من النصوص ما يجعلك تتحدث بما يشتهون، لا بما تقتضيه الحقيقة.

وبناء على هذا سأضع مجموعة أسئلة، وأطلب منهم أن يجيبوا عنها من خلال مصادرهم، ليكتشفوا الحقيقة، وأنا لا أطالبهم حينها بأن يكفوا عن هجاء الصفويين؛ وإنما أطلب منهم أن يهجوا كلا من العثمانيين والصفويين بحسب مقدار جرائمهم؛ فلا يجوز أن نمارس ما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال: (إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)([1])

وبما أن الأسئلة كثيرة؛ فقد رأيت اختصارها في سبعة أسئلة:

أولها ـ من مارس جرائمه في البلاد العربية والإسلامية: هل العثمانيون، أم الصفويون؟

ثانيها ـ من تخلى عن الدول التي كان يحتلها، ويفرض الإتاوات الثقلية عليها، عندما داهمها الاستعمار: هل العثمانيون، أم الصفويون؟

ثالثها: ما غاية العثمانيين في فتوحهم لأوروبا، وهل حقا كان قصدهم نشر الإسلام، وهل وقف الصفويون بينهم وبين ذلك؟

رابعها: هل الصفويون وحدهم من واجه العثمانيين وحاربهم، وكان من أسباب هزائمهم؟

خامسها: ما موقف علماء المدرسة السلفية من العثمانيين، وهل يعتبرونهم من السنة، أم هل يعتبرونهم مسلمين أصلا؟

سادسها: هل فرض الصفويون التشيع في إيران، وهل كانوا وحدهم من مارس ذلك؟

سابعها: أيهم كان سبب تخلف المسلمين، وما نزل بهم من استعمار: هل العثمانيون، أم الصفويون؟

وحتى أعفيهم من التعب في البحث في المصادر والمراجع سأحاول نقلها لهم من خلال الإجابة على هذه الأسئلة، ويمكنهم العودة إليها ليتأكدوا أو ليروا من الحقائق ما قصرت في نقله.

1 ـ من أجرم في حق البلاد العربية؟

عندما نسأل أي مواطن عربي قبل حصول الفتنة الطائفية التي نعيشها اليوم، عن الدولة الصفوية، فإنه في أحسن أحواله، سيجيبك بأنها مثل تلك الدول الصغيرة الكثيرة التي مرت على العالم الإسلامي، ولم تمتد إلى بلاد أخرى، مثل الأغالبة والحفصيين والمرينيين وغيرهم.. وفي أسوأ الأحوال وأكثرها، سيذكر لك عدم معرفته بها، ويعتذر لذلك بكونها تدخل ضمن فروع التاريخ، لا ضمن أصوله، وضمن الدويلات القاصرة على بلاد محدودة، لا ضمن الدول التي تحولت إلى امبراطوريات ضخمة.

لكنك إن سألته عن الدولة العثمانية؛ فسيجيبك عنها، وربما يخبرك عن علاقه أجداده بها.. فلا يمكن لأحد يسكن هذه البلاد العربية الواسعة ألا يكون له معرفة بالعثمانيين، ذلك أن دولتهم لم تكن دولة قاصرة على مناطق محدودة، وإنما كانت دولة ممتدة، قضت جميع الفترات التي أتيحت لها في التوسع، ليس في أوروبا فحسب، وإنما في العالم العربي والإسلامي جميعا، وقد كان ذلك التوسع الذي اعتمدت فيه التمدد الأفقي لا العمودي سبب انهيارها، لأنه لا يمكن لدولة أن تهتم بما اهتمت به إلا سقطت.

لذلك كانت الدولة العثمانية مثالا لذلك الحرص والشره الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)([2])

والتاريخ يذكر أن الصراع الذي حصل بين الصفويين والعثمانيين لم يكن له من سبب سوى شهية العثمانيين للتمدد، ذلك أنهم حاولوا أن يقضوا على كل الدول التي تحكم العالم الإسلامي ليبقى الحكم وحده لهم، لكنهم اصطدموا بالصفويين الذين رفضوا أن يسلموا لهم مفاتيح بلادهم.

وكان الأجدى بأولئك الإسلاميين الذين يصورون الصفويين بصورة الظالمين للعثمانيين أن يسألوا التاريخ ومصادره عن مصدر الظلم، وهل كان الشره العثماني للتسلط، والذي جر الويلات إلى جميع البلاد الإسلامية، أم دفاع الصفويين عن أنفسهم، وعن ملكهم.

ونحن كما ذكرنا لا نؤمن بأي حكم ملكي، لكنا في نفس الوقت نفرق بين الطغاة الكبار والطغاة الصغار، فلا يصح لمؤمن يعرف موازين الله الدقيقة أن يضع من تسبب في قتل مئات الآلاف مع الذي تسبب قتل أفراد معدودين في محل واحد، وإن كان كلاهما في الشريعة مجرم.

وكما تعهدت سابقا بألا أرجع إلا للمصادر والمراجع التي يذكرها الممجدون للتاريخ الإسلامي، فسأنقل هنا كلمات لأحد المعتمدين في البحوث التاريخية لدى الإسلاميين، وهو علي محمد الصلابي، ومن كتابه [الدولة العثمانية: عوامل النهوض وأسباب السقوط]، والذي استعمل فيه كل أنواع التبريرات ليبيض تاريخهم الأسود.

وقد ذكر أثناء تبريره للصراع الذي قام به السلطان سليم الأول (918- 926هـ / 1512 – 1520م) مع الدول العربية والإسلامية، بما فيها الدولة الصفوية، خصال هذا السلطان، والتي جعلته لا يرضى بأن يبقى في حدود دولته، ويقيم علاقات سلام وتعاون مع سائر الدول الإسلامية، وإنما يحاول ضمها إلى مملكته، فقال: (تربع السلطان سليم الأول على العرش العثماني في عام 918هـ، وقد أظهر سليم منذ بداية حكمه ميلاً إلى تصفية خصومه ولو كانوا من إخوته وأبنائهم، وكان يحب الأدب والشعر الفارسي والتاريخ ورغم قسوته فإنه كان يميل إلى صحبة رجال العلم وكان يصطحب المؤرخين والشعراء إلى ميدان القتال ليسجلوا تطورات المعارك وينشدوا القصائد التي تحكي أمجاد الماضي)([3])

وهكذا تجتمع المتناقضات دائما في عقول هذا النوع من الإسلاميين، بسبب ابتعادهم عن المنهج القرآني في التعامل مع القضايا؛ فهل يمكن لهذا الذي قام بتصفية خصومه، ولو كانوا من إخوته وأبنائهم أن تكون له رحمة بأحد من الناس، وهل يمكن لمثل هذا أن تكون له رسالة إنسانية، تمثل الإسلام، وأمجاد الإسلام؟

لكن الصلابي لم يجد أي حرج في قبول ذلك، ولذلك راح يبرر توسعه في العالم الإسلامي، بعد أن توسع في بلاده، بقضائه على كل المنافسين له من أقاربه، يقول: (عندما ارتقى السلطان سليم الأول العرش العثماني، كانت الدولة العثمانية قد وصلت إلى مفترق الطرق، هل تظل على هذا الوضع وهذا القدر من الاتساع دولة بلقانية أناضولية؟ أو تستمر في التوسع الإقليمي في أوربا؟ أو تتجه نحو المشرق الإسلامي؟)([4])

ثم أجاب عن هذه الأسئلة بهذه الإجابة العجيبة، والتي اعتبر فيها جرائم السلطان التوسعية جهادا في سبيل الله؛ فقال: (والواقع أن السلطان سليم الأول قد أحدث تغييراً جذرياً في سياسة الدولة العثمانية الجهادية فقد توقف في عهد الزحف العثماني نحو الغرب الأوربي أو كاد أن يتوقف، واتجهت الدولة العثمانية اتجاهاً شرقياً نحو المشرق الإسلامي)([5])

وهذا التعليل ليس عجيبا إذا علمنا أن هذا الصلابي كان من الذين اعتمدت عليهم الحرب الناعمة في تدمير ليبيا، ذلك أنه من القيادات الاجتماعية التي كانت تظهر بكثرة على قناة الجزيرة وغيرها لتحرض الشعب الليبي على الجهاد.. وهو ما نرى نتائجه اليوم، والتي لا تختلف كثيرا عن النتائج التي حصلت بسبب التوسع العثماني.

وبما أن الصلابي من التيار الذي يجمع بين الحركية والسلفية، فهو يرى أن المشكلة الأكبر في العالم الإسلامي هي الشيعة، ولذلك راح يقنع القارئ بعظم الرسالة التي تحملها هذا السلطان، وهي التوسع في العالم الإسلامي لإنقاذ البلاد الإسلامية من التمدد الشيعي الذي تمثل في ذلك الوقت في الصفويين، لا حلم التوسع الذي جعله يقتل أقرب أقاربه إليه.

وقد قال معبرا عن ذلك: (لقد تزعم الشاه اسماعيل المذهب الشيعي، وحرص على نشره ووصلت دعوته الى الأقاليم التابعة للدولة العثمانية، وكانت الأفكار والعقائد التي تنشر في تلك الأقاليم يرفضها المجتمع العثماني السني حيث كان من عقائدهم الفاسدة، تكفير الصحابة، ولعن العصر الأول، وتحريف القرآن الكريم، وغير ذلك من الأفكار والعقائد فكان من الطبيعي أن يتصدى لتلك الدعوة السلطان سليم زعيم الدولة السنية، فأعلن في اجتماع لكبار رجال الدولة والقضاة ورجال السياسة وهيئة العلماء في عام 920هـ/1514م أن ايران بحكوماتها الشيعية ومذهبها الشيعي يمثلان خطراً جسيماً، لا على الدولة العثمانية بل على العالم الاسلامي كله، وأنه لهذا يرى الجهاد المقدس ضد الدولة الصفوية، وكان رأي السلطان سليم هو رأي علماء أهل السنة في الدولة) ([6])

والصلابي بقوله هذا يحتال على قرائه ذلك أنه في قرارة نفسه، ومثل جميع السلفيين يعتبر الدولة العثمانية دولة قبورية جهمية صوفية، وهي بذلك لا تختلف في كفرها عن الصفويين، لكنه يجيز لنفسه ضرب الكفرة بعضهم ببعض.

وهو كذلك يعلم جيدا أن في المناطق التي تستحوذ عليها الدولة الصفوية الكثير من السنة، ومع ذلك لم يتم إجبار أحدهم على التشيع، بل بقوا على مذاهبهم، وإلى الآن لا زالوا عليها؛ فكيف يتهمه بتشييع المناطق العثمانية التي لم تصلها جيوشه ولا عماله.

وكان في إمكانه لو تخلى عن طائفيته أن يجد حلولا أخرى لذلك السلطان تتناسب مع الإسلام، وهي أن يرسل العلماء لتلك المناطق التي تشيعت ليحاوروهم، ويقنعوهم بالتسنن، لكنه لم يفعل، لأن غرضه لم يكن سوى الغرض الذي حركه لقتال خصومه من أقاربه، ولقتال سائر الممالك الإسلامية بحجج مختلفة.

ولهذا كان هذا المبرر مغالطة كبيرة، بل إنه من أحسن الأدلة التي يمكن أن يستدل بها الصفويون على وجوب مواجهة العثمانيين، ذلك أن العثمانيين يتهمونهم في دينهم، ويريدون إخراجهم منه، وقد أصدروا في ذلك الفتاوى، مثلما نراه اليوم تماما.

وقد أورد الصلابي ـ بفخر كبير ـ رسالة من السلطان سليم إلى إسماعيل الصفوي، يهدده فيها، وهي تبين مدى الحقد الذي يحمله ذلك السلطان على الصفويين، وأنه إن تمكن منهم، فلن يكون مصيرهم أقل من مصير أقاربه الذين قتلهم بدم بارد، ومما جاء في الرسالة: (.. إن علمائنا ورجال القانون قد حكموا عليك بالقصاص يا إسماعيل، بصفتك مرتداً، وأوجبوا على كل مسلم حقيقي أن يدافع عن دينه، وأن يحطم الهراطقة في شخصك، أنت وأتباعك البلهاء، ولكن قبل أن تبدأ الحرب معكم فإننا ندعوكم لحظيرة الدين الصحيح قبل أن نشهر سيوفنا وزيادة على ذلك فإنه يجب عليك أن تتخلى عن الاقاليم التي اغتصبتها منا اغتصباً، ونحن حينئذ على استعداد لتأمين سلامتك..)([7])

ثم ذكر أن ردة فعل السلطان كانت أكثر هدوءا، إذ أنه لم يرسل أي مكتوب، وإنما أرسل هدية من الأفيون، وكأنه يذكر له أن خطابه ذلك ناتج عن تخدير عقلي، وليس عن وعي وتفكير سليم([8]).

وذكر الصلابي ردة فعل السلطان سليم، والتي تثبت حقيقة أنه كان تأثير نوع غريب من المخدرات، فقد راح يقول له: (.. أنا زعيم وسلطان آل عثمان، أنا سيد فرسان هذا الزمان، أنا الجامع بين شجاعة وبأس أفريدون الحائز لعز الاسكندر، والمتصف بعدل كسرى، أنا كاسر الأصنام ومبيد أعداء الإسلام، أنا خوف الظالمين، وفزع الجبارين المتكبرين، أنا الذي تذل أمامه الملوك المتصفون بالكبر والجبروت، وتتحكم لدى قوتي صوالج العزة والعظموت، أنا الملك الهمام السلطان سليم خان بن السلطان الأعظم مراد خان، أتنازل بتوجيه إليك أيها الأمير اسماعيل، يازعيم الجنود الفارسية.. ولما كنتُ مسلماً من خاصة المسلمين وسلطاناً لجماعة المؤمنين السنيين الموحدين.. وإذ قد افتى العلماء والفقهاء الذين بين ظهرانينا بوجب قتلك ومقاتلة قومك فقد حق علينا أن ننشط لحربك وتخلص الناس من شَرِكْ)([9])

وهذه الرسالة مع ما تحمله من تغييب لكل القيم التي تقوم عليها العلاقات السياسية بين الدول، هي ما يحبه الحركيون والسلفيون الذين هاموا في حب هذا السلطان على الرغم من اعترافهم بجرائمه الكثيرة.

وكنموذج على ذلك، ما كتبه أحدهم، وهو جهاد التُرباني، في كتاب له بعنوان [مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ]، الذي اعتبر فيه السلطان سليم من العظماء الذين نحتاج إلى التذكير كل حين بخدماتهم للأمة، وأهمها القضاء على الصفويين، وقد قال في مقدمة مقاله عنه، والذي عنونه بـ [مدمر دولة الصفويين: سليم الأول]: (نحن على موعدٍ جديدٍ مع فارس من نفس طينة الصحابة، وللأسف فإن أغلبنا لم يسمع عنه البتة، والحق أنّي أجد بعضًا من العذر لهؤلاء، وقد كنت منهم، نظرًا لإغفال المناهج الدراسية ذكر عظماء أمتنا بسبب جهل من وضعوها بهم، أو لأسباب أخرى، وإن كنت شخصيًا أرجح تلك الأسباب الأخرى، أمّا إذا أردت أن تعلم مدى عظمة هذا الرجل وما قدمه للمسلمين، فاطرح سؤالًا بسيطًا على نفسك لا أشك أبدًا بأن إجابتك ستكون عليه بالإيجاب.. هل تحب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم؟!.. إذًا فاعلم أن رسولك هذا الذي تحب كان على وشك أن يُنبش قبره بعد أن تُحتل مدينته، وكان ذلك سيتم فعلًا لولا أن سخر اللَّه للإسلام هذا الصقر الكاسر: السلطان العثماني سليم الأول رحمه اللَّه، بطل معركة جالديران الخالدة. وقبل أن نغوص في بحار بطولات سلطاننا العظيم يجب علينا أولًا أن نؤصل للمسألة، فالحكم على الشيء فرعٌ من تصوره، فعلينا أولًا إدراك مدى الخطر الكبير الذي تصدى له هذا السلطان، ألا وهو خطر دولة الصفويين الخبيثة!)([10])

وانطلاقا من هذا الخطاب التحريضي راح يبرر كل جرائم السلطان سليم في حق الدولة الصفوية، ويعتبر ذلك كله غيرة على الإسلام، بدليل تلك الرسائل التي كان يرسلها كل حين للصفويين يهددهم بالإبادة، باعتبارهم مرتدين.

ويعترف الصلابي نفسه ـ من غير أن يشعر ـ بمدى حكمة وتعقل الصفويين مقارنة بتهور العثمانيين، فقد ذكر أن سليم الأول أرسل إلى الشاه اسماعيل رسالة ومعها خرقة ومسبحة وكشكولاً وعصا رمز فرق الدراويش، ليذكره بأصله الصوفي، ودعوته للعودة إليه، وترك التشيع، لكن الشاه اسماعيل الصفوي، اكتفى بطلب تجديد علاقات السلم والصداقة بين الدولتين.

لكن السلطان سليم الأول لم يقبل ما عرضه عليه حاكم الصفويين، وأمر بقتل رسول الشاه الصفوي، وللأسف فإن هذه الجريمة لم ينكر عليها الصلابي، ولا غيره، بل اعتبروها فعلا عاديا ما دام المقتول شيعيا، أو له علاقة بالشيعة.

وهكذا بدأت الحرب بين الصفويين والعثمانيين، والتي لم يكن للصفويين بد من خوضها ذلك أن العثمانيين كانوا يهددون باستئصالهم لأجل العقائد التي تبنوها، مثلما تبنى العثمانيون المذهب الحنفي.

وقد علق الصلابي على انتصار العثمانيين على الصفويين بقوله: (لقد انتصر السلطان سليم بفضل الله تعالى وعقيدته السليمة ومنهجه الصافي، واسلحته المتطورة وجيشه العقدي المتدرب، وعاد الى بلاده بعد أن استولى على كردستان وديار بكر، ومرغش وأبلسين وباقي أملاك دلفاود، وبذلك صارت الأناضول مأمونة من الاعتداء من الشرق، وصارت الطرق الى أذربيجان والقوقاز مفتوحة للعثمانيين)([11])

وقد كانت تلك الهزيمة الشديدة التي حلت بالصفويين وأرتهم قسوة العثمانيين وعدم تقبلهم للحوار سببا في إقامتهم اتفاقية محدودة مع البرتغاليين، للاستعانة بأسطولهم في مواجهة العثمانيين، وهنا نجد السلفيين والحركيين يصرخون كل حين بأن الشيعة يتعاونون مع أعداء الإسلام لضرب المسلمين، مع أنهم هم أنفسهم من برر وأفتى بالاستعانة بالأمريكان لضرب صدام حسين عند غزوه للكويت، ويستعينون كل حين بأمريكا وأوروبا لضرب سورية وإيران وكل من لا ينسجم معهم.. وهذا هو التناقض بعينه.

ولم يكتف السلطان سليم بذلك الاعتداء على المناطق الصفوية، والتي أسال فيها دماء عشرات آلاف القتلى، وإنما راح إلى دولة أخرى للقضاء عليها، وبما أنها لم تكن دولة شيعية؛ فقد راح يلتمس أعذارا أخرى.. وكلها بررها الصلابي وغيره.

ومن تلك التبريرات وأهمها ما عبر عنه بقوله: (موقف المماليك العدائي من الدولة العثمانية حيث قام السلطان قانصوه الغوري سلطان الدولة المملوكية بالوقوف مع بعض الأمراء العثمانيين الفارين من وجه السلطان سليم، وكان في مقدمتهم الأمير أحمد أخ السلطان سليم، وأرادت السلطات المملوكية أن تتخذ من وجود هؤلاء الأمراء لديها أداة لإثارة مزيد من المتاعب في وجه السلطان سليم، كما كان الموقف السلبي للدولة المملوكية في وقوفها المعنوي مع الشاه اسماعيل الصفوي فهي لم تلتزم الحيادة التامة بين العثمانيين والصفويين، وهي لم تتخذ موقفاً عدائياً صريحاً من السلطان سليم)([12])

ولست أدري ما قيمة هذا التبرير من الناحية الأخلاقية والدينية، وهل يمكن لدولة أن تحارب دولة أخرى بمثل هذا السبب، والذي تمثل في الموافقة على لجوء أخ السلطان، أو في عدم الموافقة على الحرب الظالمة التي شنها العثمانيون على الصفويين.

وهكذا ذكر مبررا آخر، يقترب كثيرا من المبرر الذي هاجم به العثمانيون على الصفويين، حيث ذكر أن العلماء والقضاة والأعيان والأشراف وأهل الرأي اجتمعوا، وتباحثوا في حالهم، ثم قرروا أن يتولى قضاة المذاهب الأربعة والأشراف كتابة عريضة، نيابة عن الجميع، يخاطبون فيها السلطان العثماني سليم الأول ويقولون أن الشعب السوري ضاق بالظلم المملوكي، وإن حكام المماليك (يخالفون الشرع الشريف)، وإن السلطان إذا قرر الزحف على السلطنة المملوكية، فإن الشعب سيرحب به، وتعبيراً عن فرحته، سيخرج بجميع فئاته وطوائفه الى عينتاب -البعيدة عن حلب- ولن يكتفوا بالترحيب به في بلادهم فقط، ويطلبون من سليم الأول أن يرسل لهم رسولاً من عنده، وزيراً ثقة، يقابلهم سراً ويعطيهم عهد الأمان، حتى تطمئن قلوب الناس([13]).

وهم يذكرون أن هذه الوثيقة موجودة في الأرشيف العثماني في متحف طوب كابي في استانبول، ولسنا ندري مدى صحة ذلك، وهل كتبت الوثيقة قبل الاحتلال أم بعده، فما أسهل أن يجمع رجل مثل السلطان سليم العلماء والأعيان، ويخيرهم بين كتابة الوثيقة التي تستدعيه، وبين أن يحصل لهم ما حصل للصفويين، أو لأقاربه الأقربين.

وهكذا برر غزو مصر واحتلالها، فقد ذكر أن السلطان سليم الأول العثماني خاطب طومان باي آخر سلاطين المماليك بعد أن هزمه في معركة الريدانية بقوله: (أنا ما جئت عليكم إلا بفتوى علماء الأعصار والأمصار، وأنا كنت متوجهاً الى جهاد الرافضة (يعني الصفويين) والفجار (ويعني بهم البرتغاليين وفرسان القديس يوحنا)، فلما بغى أميركم الغوري وجاء بالعساكر الى حلب واتفق مع الرافضة واختار أن يمشي الى مملكتي التي هي مورث آبائي وأجدادي، فلما تحققت تركت الرافضة، ومشيت إليه)([14])

والصلابي كسائر الإسلاميين في دراستهم للتاريخ بعيدا عن المصادر المقدسة، لم يلتفت لكل تلك الجرائم التي ارتكبها السلطان سليم مع الصفويين أو المماليك أو أقاربه، وإنما راح يذكر مشهدا من المشاهد التمثيلية التي يحب أمثاله من الإسلاميين مشاهدتها، فقد ذكر (أن المؤرخ سلاحثور صاحب مخطوطة فتح نامه ديار العرب وكان مصاحباً لسليم، أن سليم الأول كان يبكي في مسجد الصخرة بالقدس بكاءً حاراً، وصلى صلاة الحاجة داعياً الله أن يفتح عليه مصر)([15])

وهكذا استدل بذلك البكاء وتلك الصلاة على شرعية قتل المصريين، والذين هزمهم مثلما هزم الصفويين، وكان سبب الهزيمة ـ كما يذكر الصلابي وغيره ـ بالإضافة للتفوق العسكري لدى العثمانيين: (معنويات الجيش العثماني العالية وتربيته الجهادية الرفيعة واقتناعه بأن حربه عادلة بعكس القوات المملوكية التي فقدت تلك الصفات، وحرص الدولة العثمانية على الالتزام بالشرع في جميع نواحي حياتها واهتمامها البالغ بالعدل بين رعايا الدولة، بعكس الدولة المملوكية التي انحرفت عن الشريعة الغراء ومارست الظلم على رعاياها)([16]).

وبعد انتصار السلطان سليم على المماليك، راح يطلب الخلافة على المسلمين، ولقب نفسه [خليفة الله في طول الأرض وعرضها] منذ عام 1514م (920هـ) أي قبل فتحه للشام ومصر وإعلان الحجاز خضوعه لآل عثمان.

وهكذا راح هذا السلطان إلى بلاد الحجاز، واستولى على الحرمين، وصار خادما لهما، كما يذكر، ثم راح إلى اليمن التي استعصت عليه، فقد ظلت في فترة خضوعها للحكم العثماني (1538-1635م) تنازعها قوى العثمانيين والأئمة الزيدية، (فالعثمانيون لم يستطيعوا أن يضمنوا سيطرة حقيقية على البلاد نتيجة لحركة المقاومة التي تواجههم)([17])

وهذا يدل على أن اليمنيين مثل غيرهم لم يكونوا راغبين في التسليم للعثمانيين، وإلا لما استمرت مقاومتهم لها.

وهكذا احتل السلاطين العثمانيين أكثر الدول العربية، واستعملوا لكل دولة الحيل الخاصة بها، وارتكبوا أثناء احتلالهم أبشع أنواع الجرائم، وارتكبوا بعد احتلالهم كل أنواع اللصوصية، من فرض الإتاوات، والمساهمة في التخلف الذي لا زلنا نعيشه.

وبما أن الصلابي وغيره من الإسلاميين يتكتمون على تلك الجرائم؛ فسأذكر نماذج عنها من خلال مصادر تاريخية أخرى، ربما تكون أكثر مصداقية، وقد عبر أحدها عن ذلك، فقال: (عبر ستمائة عام، سيطر العثمانيون – ولو صوريًا – على ما يقرب من نصف بلاد العالم، على أطلال الخلافات الإسلامية وأوروبا الشرقية، فذاق من ظلمهم وتوحشهم كل الشعوب التي وقعت تحت وطأتهم، وعلى رأسهم الشعوب العربية في جزيرة العرب والخليج ومصر وشمال إفريقيا، ومنذ سقوطها في الأول من نوفمبر 1923م، على يد مصطفى كمال الدين أتاتورك، بإعلان تأسيس الدولة التركية الحديثة، لم ينسَ أحد من المحيط إلى الخليج ومن الغرب إلى الشرق، تلك الجرائم والمذابح التي ارتكبها العثمانيون في تلك الفترة التاريخية من الزمن، باستثناء النظام الحاكم للدولة التركية)([18])

ثم ذكر وجوه الشبه الكثيرة بين العثمانيين وداعش، فقال: (بمقارنة جرائم العثمانيين في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، يُكتشف كم هائل من التطابق مع أعمال داعش الإرهابية منذ ظهورها قبل سنوات قليلة)([19])

ثم ذكر المصدر نماذج كثيرة عن تلك الجرائم والمذابح التي لا تزال إلى الآن وصمة عار في جبينها بل في جبين جميع المسلمين، وخاصة تلك الجرائم التي ارتكبت في حق المسيحيين من العرب وغيرهم، يقول المصدر: (تحت حكم الدولة العثمانية حدثت العديد من المذابح، بخلاف مذابح الأرمن التي تمَّت خلال فترة الحرب العالمية الأولى، عندما قام الأتراك بالتعاون مع عشائر كردية بعمليات إبادة لمئات القرى الأرمنية في مناطق شرق تركيا. والسبب وراء هذه الإبادة كان محاولة تغيير ديموغرافية هذه المناطق لخشية الأتراك من تعاون الأرمن مع الروس والثوار الأرمنيين، واستخدم الأتراك الأرمن حمالين في الجيش العثماني، ثم قاموا بإعدامهم بعد أن تمَّ إنهاك قواهم البدنية. والأبرز في هذه الإبادة كان في ربيع عام 1915م، عندما قام العثمانيون بجمع المئات من أبرز الشخصيات الأرمنية في العاصمة إسطنبول، ثم إعدامهم في ساحات المدينة، ويقدر عدد ضحايا هذه المجازر من مليون إلى مليون ونصف شخص، من الأرمن الأبرياء في أبشع إبادة جماعية لم يشهد التاريخ لها مثيلاً حينذاك، فتمَّت ضمن خطة مدروسة ونفِّذت بمنهجية محترفة، والإبادة واقع تاريخي موثق بالبراهين والأدلة الدامغة)([20])

ومن تلك الجرائم: (ما سمِّي بمذابح سيفو إذ شنَّت القوات العثمانية سلسلة من العمليات الحربية بمساعدة مجموعات مسلحة شبه نظامية كردية استهدفت الآشوريين والكلدان والسريان في مناطق شرق تركيا وشمال غرب إيران، قتلت هذه العمليات مئات الآلاف من الآشوريين، كما نزح العديد منهم من مناطقهم. ويقدر الباحثون العدد الكلي للضحايا بحوالي 250 – 500 ألف قتيل، ونتيجة لعدم وجود كيان سياسي يمثل الآشوريين في المحافل الدولية، فإن هذه المجازر لم تحظَ بنفس الاهتمام الدولي الذي نالته مذابح الأرمن)([21])

ومن تلك الجرائم: (مجازر ديار بكر، التي ارتكبتها الدولة العثمانية في ولاية ديار بكر ضد المسيحيين عام 1895، فبدأت باستهداف الأرمن بتحريض من بعض رجال الدولة والدين العثمانيين بحجة أن الأرمن يريدون تفكيك الدولة، وتوسعت هذه المجازر لتشمل كل المسيحيين في المنطقة وعلى رأسهم السريان، وبدأت من الجامع الرئيسي بالمدينة، ثم انتقلت إلى السوق الرئيسي حيث تمَّ قتل المسيحيين، تبعتها عمليات سلب ونهب واسعة. وفي اليوم التالي بدأت عمليات إبادة للمسيحيين عبر الهجوم على منازلهم) ([22])

ومن تلك الجرائم ما ارتكبوه في مصر، حيث أن (سليم خان، الإمبراطور التركي، الذي اقتحم القاهرة، كان رجلاً سيئ الخلق، سفاكًا للدماء شديد الغضب، وروي عنه أنه قال: (إذا دخلت مصر فأحرق بيوتها قاطبة والعب في أهلها بالسيف)، وهكذا كان عزم النية لاقتحام القاهرة وقتل المصريين ونهب خير البلاد.. ليصل الأمر إلى سقوط 10 آلاف من عوام المصريين قتلى في يوم واحد، وغيرها من جرائم الاستعباد الذي كان يقوم به الأتراك للمصريين) ([23])

ومنها (مذبحة القلعة، وهي من أبرز المذابح التي مرت على التاريخ المصري، وقام بتنفيذها والي مصر محمد علي باشا، الذي تمَّ تعيينه من قبل الخليفة العثماني بغرض التخلص من المماليك الذين مثلوا أكبر تهديد لحكم محمد علي، وتمَّت في الأول من مارس 1811م بعد أن تمَّ إغلاق أبواب القلعة على المماليك وإطلاق الرصاص عليهم، ليتخلص محمد علي من أبرز تهديد سياسي وعسكري داخلي له، واستتب له الأمر في مصر. وتشير بعض المصادر إلى أن عدد القتلى في هذه المذبحة وصل إلى 500 قتيل تقريبًا) ([24])

ومنها جرائمهم في الحجاز، حيث أن (حملات التهجير التي قام بها العثمانيون في تلك الفترة، أضرت بسكان المدينة وغيرت ديموغرافيتها، ما أدى إلى سفر أعيان المدينة وأضر بهم ماديًا، ودفع السكان إلى أكل الحشائش لعدم توفر الطعام، وكانت كارثة التهجير الجماعي والقسري التي اشتهرت في الحجاز بـ [سفر برلك]، تلك الجريمة النكراء التي وقعت في المدينة المنورة، باقتحام جنود فخري باشا للبيوت الآمنة، وكسر أبوابها عنوة، وتفريق الأسر، وخطف الأطفال والنساء من الطرقات دون رحمة، وجرهم معًا أو متفرقين إلى عربات قطار الحجاز ليتمَّ إلقاؤهم عشوائيًا بعد رحلة طويلة من العذابات في تركيا والأردن وسوريا، وفي الغالب، لم تكن [سفر برلك] لأهل المدينة المنورة فقط، بل كانت لكل البلاد التي تديرها الدولة العثمانية، بسبب الحرب العالمية الأولى التي وقعت حينها، فكانوا يأخذون الرجال والشباب القادرين على حمل السلاح، ليجهزوهم للجبهات والقتال باسم الدولة العثمانية على يد فخري باشا الذي تمَّ تعيينه حاكمًا عسكريًا للمدينة المنورة، فأخضعها لحكم عسكري قاس، وكان أكثر الحكام الأتراك تسلطًا ودموية وضيق أفق) ([25])

وهكذا كانت جرائمهم في الشام والمغرب وكل البلاد التي احتلوها، ونهبوا خيراتها، وكانوا سببا في تخلفها، في نفس الوقت الذي لم تر فيها هذه البلاد العربية جميعا أي جندي أو قابض ضرائب من الصفويين، ومع ذلك تجد الصغير والكبير يسب الصفويين، ويترضى على العثمانيين، ويتمنى عودتهم من جديد، ليفعلوا به ما فعلوا بأجداده.

2 ـ من تخلى عن الدول التي كان يحتلها؟

من خلال العرض السابق، تبين لنا أن الصفويين لم تكن لهم صلة إلا بمناطق محدودة جدا، بخلاف العثمانيين الذين امتد شرههم إلى جميع بلاد العالم الإسلامي، بما فيها المناطق الصفوية نفسها، وأن الحرب التي جرت بينهما لم تكن بسبب الصفويين، وإنما بسبب العثمانيين.

وكان يمكن لنا أن نقبل ما يبرر به الممجدون للدولة العثمانية ذلك التمدد، عندما يكون في مصلحة وحدة المسلمين وقوتهم، لكن الواقع التاريخي أثبت العكس؛ فالعثمانيون لم يكتفوا بالتخلي عن البلاد الإسلامية التي احتلوها وقت حاجتهم إليها، وإنما كانوا أكبر من مهد الأرضية للاستعمار في البلاد الإسلامية، ووفر قابلية الشعوب لذلك.

وسنضرب مثالا على ذلك من خلال أول استعمار حل بالبلاد العربية، وهي الحملة الفرنسية على مصر، والتي كان من أول أسبابها ما قام به العثمانيون من تحطيم لكل مقدرات مصر المادية والمعنوية، بسبب تلك الجرائم الكثيرة التي ارتكبوها، والتي أشرنا إلى بعضها في المطلب السابق.

لكن الطائفيين الممجدين للدولة العثمانية يعفونها من هذه الجريمة؛ ويلصقونها بالمسيحيين وغيرهم من الطوائف الموجودة في مصر، أو كما عبر عن ذلك الصلابي بقوله: (لاشك أن هؤلاء المستعمرين كانوا عاملين بطبيعة واحوال المسلمين في مصر من خلال وسائلهم المتعددة، منها ماقام به الرحالة الفرنسي (الجواسيس) الذي أكثروا من رحلاتهم خلال القرنيين السابع عشر والثامن عشر، وكانوا على صلة بالعناصر القبطية المسيحية واليهودية وبعض عناصر المماليك في مصر)([26])

وقال في موضع آخر: (نجح الفرنسيون في استثارة العناصر القبطية المسيحية على معاونة الحملة بمختلف الوسائل، واعتبر بعض الكتاب المسيحيين أن الفائدة التي جنتها مصر خلال سني الحملة الثلاث أكثر من القرون الطويلة للحكم العثماني وقد أشاد البعض من هؤلاء العملاء بدور الخسة والنذالة الذي قام به المعلم يعقوب في تعاونه مع الفرنسيين ضد العثمانيين واعتبروه تعاوناً يستحق بموجبه أن يقام له تمثال من ذهب في أكبر ميادين القاهرة، ويكتب عليه أنه أول من نادى باستقلال مصر في العصر الحديث)([27])

وأضاف يقول: (كان هذا الموقف من النصارى معادياً لرغبة الأغلبية المسلمة بنفس القدر مايمكن إدراكه من اتجاه أغلب المفكرين النصارى العدائي للأغلبية المسلمة في مصر المعاصرة والذي يبدو جلياً في تأييدهم لخيانة بلادهم طالما هي ضد الوجود الاسلامي، وحتى بمفهوم الوحدة الوطنية الذين يسعون للتمسح به فإن المعلم يعقوب يعد من أبرز الذين خانوا بلادهم. وعلى أية حال كانت هذه الحادثة بداية لما عرف في التاريخ المصري باسم الفتنة الطائفية)([28])

وهكذا قال الدكتور عبدالعزيز الشناوي: (أسرفت بعض الطوائف غير الاسلامية في مصر في تأييد الفرنسيين إسرافاً وصل الى حد تكوين فرقة عسكرية من أبناء هذه الطوائف. وقام الضباط والجنود الفرنسيون بتدريبهم على النظم العسكرية الأوروبية وتزويدهم بالأسلحة الحديثة. ثم ألحقت هذه الفرق بجيش الاحتلال الفرنسي لسد النقص في عدده، نتيجة المعارك التي خاضها في مصر والشام وإخماد الثورات الشعبية، وفتك الطاعون وغيره من الأمراض الوبائية بالجنود الفرنسيين وقد نظر الشعب المصري الى هذه الفرق على أنها أدوات لدعم الاحتلال الفرنسي لمصر)([29])

ورغم أننا لا ننكر وقوف بعض المسيحيين أو الكثير منهم، مع الحملة الفرنسية، لكن ذلك يدعونا إلى التساؤل عن سر ذلك، وهل يعود لكراهية المسيحيين للإسلام، أم يعود لتلك المعاملات القاسية التي كان يعامل بها العثمانيون المصريين، والتي جعلتهم يؤثرون أي شيء لهم، حتى الشيطان نفسه.

ولذلك فإن تلك القابلية للاستعمار، لم تكن لتوجد في الشعب المصري أو غيره من الشعوب لولا تلك النماذج السيئة التي أعطاها العثمانيون للحكم الذي يربطونه بالإسلام، والإسلام منه بريء.

ولذلك كان من ذكاء نابليون واستفادته من التجربة العثمانية في السيطرة، ادعاؤه الإسلام([30])، ذلك أنه عرف أن ادعاء الإسلام سيمنح له سلطة أكبر، ومع ذلك لن يكلفه شيئا كثيرا، فهو يرى العثمانيين يمارسون حياتهم وتسلطهم بكل حرية من غير أن يكون للدين أي أثر في ذلك.

والشاهد الذي نريد أن نذكره هنا هو أن تلك الجيوش الجرارة التي دكت معاقل الصفويين والمماليك، ولم تترك قطعة في البلاد الإسلامية إلا راحت تضربها، وبأسلحتها المتطورة، توقفت أن تنجد مصر، ولا غيرها من البلاد الإسلامية عندما دخل الاستعمار.

ولذلك كان المنجد لها هو تلك الثورات الشعبية التي لا تملك من السلاح والتدريب إلا القليل، ومع ذلك كان لها أدوارها المحترمة بعد غياب السلاطين الذي لم يكن لهم شغل في بلاد الإسلامية إلا اللصوصية وجباية الضرائب والقضاء على المعارضين، وإخافة الشعوب حتى لا تقوم بأي حركة تمرد أو احتجاج، فقد واجه الإحتلال الفرنسي عدة ثورات وانتفاضات شعبية خلال السنوات الثلاث التي هيمن فيها على مصر.

وفي 21 تشرين الأول 1798، أي بعد ثلاثة أشهر فقط من دخول الفرنسيين، نشبت ثورة بدأها شيخ أزهري خرج إلى الأسواق ينادي: (لى كل مؤمن موحد بالله عليه بجامع الأزهر، لأن اليوم ينبغي لنا أن نغازي الكفار)، وصارت الأصوات ترتفع من فوق المآذن والسطوح العالية تدعو المسلمين للجهاد، فتجمعت الجماهير حاملة البنادق والأسلحة، وبدأ الناس بمهاجمة الجنود الفرنسيين، كما هوجمت دار العلوم والمستشفى العسكري.

وفي ذلك الحين، أمر نابليون بتوجيه المدافع المصوبة في القلعة صوب الجامع الأزهر وما حوله من الدور والأسواق، وبدأت بدك المباني بالقنابل، فأثارت الرعب فهرب الناس من المكان، وفي المساء أحاط الجنود الفرنسيون يصحبهم ثلاثمائة خيال بالجامع، ثم دخلوا فيه، وأخذوا يأسرون من كان فيه من الثوار، ويعبثون به وبمحتوياته عبثاً شديداً.

وذهب شيوخ الأزهر لمقابلة نابليون يرجونه الكف عن انتهاك الجامع وقتل الناس، فأخذ يلومهم ثم أعلن العفو عنهم.. لكن إعلانه للعفو كان ظاهرياً، إذ أنه أصدر أوامره خفية بقتل كل من قاد الثورة أو شارك فيها.

ثم أمر نابليون بإعدام ثمانين رجلاً من الذين كانوا أعضاء في (ديوان الدفاع) وهو الديوان الذي كان بمثابة مركز القيادة للثورة، وبعد أن تمت عمليات الإعدام والتصفيات الجسدية، أذاع نابليون منشوراً أشار فيه إلى عفوه، إذ بدأه بالتهديد والوعيد، ولم ينس أن يبرر تصرفاته بما تعلمه من أصحاب الملك العضوض، وخصوصا العثمانيين، فقد قال في خطابه لهم: (أيها العلماء والأشراف، أعلموا أمتكم ومعاشر رعيتكم بأن الذي يعاديني ويخاصمني إنما خصامه من ضلال عقله وفساد فكره، فلا يجد ملجأً ولا مخلصاً ينجيه مني في هذا العالم، ولا ينجو من بين يدي الله لمعارضته لمقادير الله سبحانه وتعالى.. والعاقل يعرف أن ما فعلناه بتقدير الله وإرادته وقضائه، ومن يشك في ذلك فهو أحمق وأعمى البصيرة. وأعلموا أمتكم أن الله قدر في الأزل هلاك أعداء الإسلام وتكسير الصلبان على يدي، وقُدِّرَ في الأزل أني أجيء من المغرب إلى أرض مصر لهلاك الذين ظلموا فيها وإجراء الأمر الذي أُمِرْتُ به. ولا يشك العاقل أن هذا كله بتقدير الله وإرادته وقضائه. وأعلموا أيضاً أمتكم أن القرآن العظيم صرح في آيات كثيرة بوقوع الذي حصل، وأشار في آيات أخرى إلى أمور تقع في المستقبل، وكلام الله في كتابه صدق وحق. إذا تقرر هذا وثبتت هذه المقالات في آذانكم، فلترجع أمتكم جميعاً إلى صفاء النية وإخلاص الطوية، فإن منهم من يمتنع عن الغي وإظهار عداوتي خوفاً من سلاحي وشدة سطوتي، ولم يعلموا أن الله مطلع على السرائر، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. والذي يفعل ذلك يكون معارضاً لأحكام الله ومنافقاً، وعليه اللعنة والنقمة من الله علام الغيوب. واعلموا أيضاً أني أقدر على إظهار ما في نفس كل أحد منكم، لأنني أعرف أحوال الشخص وما انطوى عليه بمجرد ما أراه، وإن كنت لا أتكلم ولا أنطق بالذي عنده. ولكن يأتي وقت ويوم يظهر لكم بالمعايشة، أن كل ما فعلته وحكمت به فهو حكم إلهي لا يُرَد، وإن اجتهاد الإنسان غاية جهده ما يمنعه عن قضاء الله الذي قدره وأجراه على يدي. فطوبى للذين يسارعون في اتحادهم وهمتهم مع صفاء النية وإخلاص السريرة، والسلام)([31])

لكن المصريين وغيرهم لم ينخدعوا بذلك الخطاب الذي كان يردد العثمانيون أمثاله، بل راحوا يستعملون كل وسائل المقاومة، ومن الأمثلة عنها ما ذكره الجبرتي في (حوادث شهر شعبان عام 1213هـ الموافق لـ 8 يناير الى 5 فبراير عام 1799م)، حيث قال: (ومنها تواتر الأخبار من ابتداء شهر رجب بأن رجلا مغربيا يقال له الشيخ الكيلاني كان مجاورا بمكة والمدينة والطائف، فلما وردت أخبار الفرنسيس إلى الحجاز وأنهم ملكوا الديار المصرية انزعج أهل الحجاز ويدعوهم إلى الجهادويحرضهم على نصرة الحق والدين وقرأ بالحرم كتابا مؤلفا في معنى ذلك فاتعظ جملة من الناس وبذلوا اموالهم وأنفسهم واجتمع نحو الستمائة من المجاهدين وركبوا البحر إلى القصير مع ما انضم إليهم من أهل ينبع وخلافه فورد الخبر في اواخره أنه انضم إليهم جملة من أهل الصعيد وبعض اتراك ومغاربة ممن كان خرج معهم مع غز مصر عند وقعة انبابة وركب الغز معهم أيضا وحاربوا الفرنسيس فلم تثبت الغز كعادتهم وأنهزموا وتبعهم هوارة الصعيد والمتجمعة من القرى)([32])

وهكذا فعل العثمانيون مع الجزائر التي احتلوها، ونهبوا خيراتها لفترة طويلة، لكنهم بعد أن دخل الاستعمار الفرنسي تركوا الدفاع عنها للأمير عبد القادر، والمقاومات الشعبية التي لم تكن تملك الخبرة والأسلحة التي كان يملكها العثمانيون.

وهكذا يذكر المؤرخون أن المورسيكيين الذين استعمل الإسبان معهم كل وسائل العنف والشدة استغاثوا بالعثمانيين، وهم في أوج قوتهم لينجدوهم، لكنهم لم يفعلوا.

يقول علي بن محمد المنتصر بالله الكتاني في كتابه الذي خصصه لما حصل لهم من مظالم: (ثم استغاث الأندلسيون بالسلطان بايزيد العثماني في المرة الأولى سنة 1499 م، لكن بايزيد كان مشغولاً بخلافات أسرته، فاكتفى بإرسال كتاب إلى الملكين الكاثوليكيين، لم يعملا به، واستغاث الأندلسيون بالسلطان بايزيد مرة ثانية سنة 1502 م، فلم تأت هذه الاستغاثة بنتيجة)([33])

وقد ذكر الكتاني نص تلك الاستغاثة، والتي كانت عبارة عن وثيقة شعرية من 103 بيت يصف فيها كاتبها المجهول وضع الأندلسيين وصفًا مؤثرًا، إذ يقول مستهلاًّ بعد بضعة أبيات:

سلام عليكم من عبيد تخلّفوا.. بأندلس بالغرب في أرض غربة

أحاط بهم بحر من الروم زاخر.. وبحر عميق ذو ظلام ولجة

سلام عليكم من عبيد أصابهم.. مصاب عظيم يالها من مصيبة

ثم يقول:

غُدرنا ونصّرنا وبدّل ديننا.. ظُلمنا وعوملنا بكل قبيحة

وكنّا على دين النبي محمد.. نقاتل عمال الصليب بنيّة

ثم يقول:

فلما دخلنا تحت عقد ذِمامهم.. بدا غدرهم فينا بنقض العزيمة

وخان عهودًا كان قد غرّنا بها.. ونصّرنا كرهًا بعنف وسطوة

وأحرق ما كانت لنا من مصاحف.. وخلطها بالزبل أو بالنجاسة

وكل كتاب كان في أمر ديننا.. ففي النار ألقوه بهزء وحقرة

ثم يقول بعد وصفه لمنعهم كل شعائر الإسلام:

وقد أمرونا أن نسبّ نبينا.. ولا نذكره في رخاء وشدة

وقد سمعوا قومًا يغنّون باسمه.. فأدركتهم منهم أليم المضرة

ثم يقول:

وقد بدّلت أسماؤنا وتحوّلت.. بغير رضًا منّا وغير إرادة

فآهًا على تبديل دين محمد.. بدين كلاب الروم شرّ البرية

ثم يختتم:

وصرنا عبيدًا لا أسارى نُفتدى.. ولا مسلمين نطقهم بالشهادة

فلو أبصرتْ عيناك ما صار حالنا.. إليه لجادت بالدموع الغزيرة

فيا ويلنا يا بؤس ما أصابنا.. من الضّرّ والبلوى وثوب المذلّة

لكن كل هذه الأبيات المملوءة بالألم لم تحرك ساكنا في نفوس سلاطين العثمانيين مع العلم أنهم كانوا يوجهون جيوشهم لفتح أوروبا، تحت اسم الجهاد، ولست أدري أيهما كان أولى بالجهاد: هل إنقاذ المسلمين، الذين ترد أخبار تلك المعاملات القاسية معهم، مثلما نسمع اليوم بأخبار بورما وغيرها، أم التوسع في مناطق أخرى؟

لكن للأسف المكاييل المزدوجة للإسلاميين تجعلهم ينظرون للأمور دائما بصورة منتكسة، وقد قال بعضهم يذكر السلطان وعشقه للجهاد: (بعد استشهاد السلطان مراد تولى الحكم أبنه بايزيد، وكان شجاعاً شهماً كريماً متحمساً للفتوحات الاسلامية، ولذلك أهتم اهتماماً كبيراً بالشؤون العسكرية فاستهدف الإمارات المسيحية في الاناضول وخلال عام أصبحت تابعة للدولة العثمانية، وكان بايزيد كمثل البرق في تحركاته بين الجبهتين البلقانية والأناضولية ولذلك أطلق عليه لقب الصاعقة)([34])

لكن هذه الصاعقة، وهذا الذي يتحرك كالبرق في الجبهات المختلفة كان أبطأ من السلحفاة في تخليص إخوانه من المسلمين من بطش أعدائهم.

3 ـ ما غاية العثمانيين من فتوحهم لأوروبا؟

ذكرنا في الفصول السابقة أن ارتباط الفتح بالجيوش كذبة كبيرة وضعها أصحاب الملك العضوض لتبرير جرائمهم المرتبطة بالتوسع العسكري، والذي هو طبع في كل المستبدين والظلمة على امتداد التاريخ.

والمشكلة الأكبر من ذلك هي ربط انتشار الإسلام بتلك الفتوح، وهو ما يعطي المبشرين والمستشرقين والمستغربين المبررات التي تدعم دعواهم في أن الإسلام لم ينتشر بالحجة، وإنما انتشر بالسيف.

ولهذا، فإن تغاضي الممجدين للدولة العثمانية عن جرائمها في حق الصفويين والمماليك وجميع البلاد الإسلامية التي احتلوها، بحجة مساهمتها في الفتوح الإسلامية، من التبريرات التي يمكن التعبير عنها بكونها أقبح من الذنوب نفسها.

ذلك أن تلك الفتوح ساهمت في وضع الحجب الكثيرة التي تحول بين الغرب والإسلام؛ فكيف يمكن لتلك الجيوش التي كانت تنشر الخراب حيثما حلت أن تدعو للإسلام، أو تكون سببا في انتشار الإسلام؟

ولنفرض جدلا أن بعض تلك البلاد التي تمكنوا من فتحها اقتنعت تحت ضغط السيوف بالإسلام، ثم تحولت بعد ذلك إلى الإسلام فعلا، فهل هذا العمل مشروع، وهل أمرنا بإكراه الناس على الدين، وهل هذا السلوك يحفظ للإسلام سمعته، والتي هي من أهم كل شيء؟

ولذلك نرى أن الممجدين للدولة العثمانية لا يختلفون عنها، وعن أصحاب الملك العضوض الذين يغلّبون المصالح على المبادئ، والأهواء على القيم، لأنهم يريدون نصرا قريبا، ولو كان مزيفا، لا نصرا حقيقيا شاملا.

ولهذا فإن ظاهرة الإسلامفوبيا التي منعت الغرب من تقبل الإسلام، لم يكن لها من سبب سوى تلك الجرائم التي ارتكبها الفاتحون وأذنابهم في الأندلس، والتي زاد العثمانيون طينتها بلة.

وسنذكر هنا بعض الأمثلة والنماذج من كتابات الممجدين للعثمانيين، لنقارن بين ما يذكره القرآن الكريم عن الأنبياء ومنهج دعوتهم إلى الله، ومنهج العثمانيين، ومن لف لفهم من الذين استبدلوا الدين الإلهي بالدين البشري.

فمن الأمثلة على ذلك ما ذكره الصلابي عن السلطان بايزيد الأول (791 – 805 هـ/1389 – 1402م) من تحمسه للفتوحات الإسلامية، فقال: (بعد استشهاد السلطان مراد تولى الحكم ابنه بايزيد، وكان شجاعاً شهماً كريماً متحمساً للفتوحات الاسلامية، ولذلك أهتم اهتماماً كبيراً بالشؤون العسكرية فاستهدف الإمارات المسيحية في الاناضول وخلال عام اصبحت تابعة للدولة العثمانية)([35])

ثم ذكر بنشوة كبيرة إخضاعه لبلغاريا، وكيف ساهم ذلك في بث الرعب في نفوس الأروبيين، فقال: (بعد أن تم التفاهم مع الصرب وجه بايزيد ضربه خاطفة في عام (797هـ/1393م) الى بلغاريا، فاستولى عليها وأخضع سكانها، وبذلك فقدت البلاد استقلالها السياسي، وكان لسقوط بلغاريا في قبضة الدولة العثمانية صدى هائل في أوروبا وانتشر الرعب والفزع والخوف أنحاءها وتحركت القوى المسيحية الصليبية للقضاء على الوجود العثماني في البلقان)([36])

وهكذا نراهم يمجدون بالخصوص السلطان سليمان القانوني، الذي يشكل في نظرهم رمزا كبيرة من رموز المجد الإسلامي، وقد قال بعضهم في خطبة له، حاكيا هذا المشهد الذي لسنا ندري مدى صدقه، فقد قال: (في سنة ١٩٢٣ للميلاد، وهي سنة سقوط الخلافة العثمانية، قررت أوروبا النصرانية أن تقيم حفل انتصارها المبين على الإسلام والخلافة بطريقة جديدة وموجعة، حيث عقدت مسابقة لاختيار ملكة جمال أوروبا في عاصمة الخلافة أنقرة، وكان من ضمن المتسابقات فتاة تركية وذلك لأول مرة في تاريخ البلاد، وتقدمت الفتاة التركية.. ممثلة لتركيا العلمانية، وقد استعرضت مفاتنها بلباس البحر على خشبة المسرح.. عندها قال رئيس لجنة التحكيم في المسابقة وقتها كلمات تقطر بالتشفي والشماتة وتكشف عن كم الكراهية الدينية المتجذرة في نفوس الأوروبيين تجاه دولة الخلافة العثمانية، إذ قال معلقا: (أيها السادة، أعضاء اللجنة، إن أوروبا كلها تحتفل اليوم بانتصار النصرانية.. لقد انتهى الإسلام الذي ظل يسيطر على العالم منذ ألف وأربعمائة سنة، إن كريمان خالص ملكة جمال تركيا تمثل أمامنا المرأة المسلمة، فها هي كريمان خالص حفيدة المرأة المسلمة المحافظة تخرج الآن أمامنا بهذا المظهر، ولابد لنا من الاعتراف أن هذه الفتاة هي تاج انتصارنا. ذات يوم من أيام التاريخ انزعج السلطان العثماني سليمان القانوني من فن الرقص الذي ظهر في فرنسا، عندما جاورت الدولة العثمانية حدود فرنسا، فتدخل لإيقافه خشية أن يسري في بلاده، وها هي حفيدة السلطان المسلم، تقف بيننا، وتطلب منا أن نعجب بها، ونحن نعلن لها بالتالي: إننا أعجبنا بها مع كل تمنياتنا بأن يكون مستقبل الفتيات المسلمات يسير حسب ما نريد، فلترفع الأقداح تكريما لانتصار أوروبا) ([37])

ونحن وإن كنا لا نجزم بالخبر الذي ذكره، ولكنا نكتشف منه الأثر السلبي لذلك التدخل في شؤون الغير، والذي سموه بالفتح، وسموه كذبا [عزة إسلامية]، والتي سرعان ما تحولت إلى ذلة، وتحولت تركيا نفسها إلى رجل مريض، في نفس الوقت الذي تحولت فيه تلك الدول المستضعفة إلى أسود تنهشه، وتتلاعب به، ثم سرعان ما تحولت تركيا نفسها إلى دولة داعية للإلحاد بعد أن كانت تدعي أنها حامية للإسلام.

وسر ذلك يكمن في الابتعاد عن المفهوم القرآني للفتح، والذي يعني الفتح العمودي، لا الأفقي، والعمودي يكون بتحقيق القيم الإسلامية، والتعامل بها مع جميع العالم، حتى يعرف العالم ما هو الإسلام، وحينها يحترمه، وحينها يمكن أن يعتنقه بصدق وإخلاص.

أما استعمال الرعب في التعريف بالإسلام، فهو لن ينتج سوى الأحقاد التي تجلت في ذلك الموقف الذي وقفه الخطيب، وراح يتباكى به على المسلمين، ولم يكن يعلم أن أولئك الذين يشيد بهم هم أنفسهم الذين جروا الإسلام إلى ذلك الوضع.

 ثم راح يذكر في خطبته مؤامرة الغرب على الإسلام، وينسى مؤامرة من يدعون الإسلام على الغرب، فقال: (لن أتكلم عن حقد الصليبيين وكراهيتهم للإسلام والمسلمين، فهو واضح في كتاب الله تعالى.. ولكنني سأتكلم عن سليمان القانوني الذي ورد اسمه في كلمات هذا الحاقد، فمن هو سليمان القانوني هذا الذي نقشت صورته على أحد جدران مجلس النواب الأمريكي؟.. كان الخليفة العثماني سليمان القانوني ممن شوه الغرب الكافر وأتباعهم سيرته، وهذا ظاهر في الافتراء عليه وتشويه صورته في ذلك المسلسل المحرف [حريم السلطان] كما شوهوا سيرة غيره من خلفاء المسلمين.. ولكن هي محاولات مستميتة لطمس تاريخ المسلمين المشرف.. ولإخفاء شخصيات المسلمين العظيمة.. حتى لا يجد أبناؤنا قدوات في تاريخهم.. فيبحثون عن سفاحي الغرب ومجرمي الشرق ليتخذوهم قدوات)([38])

وهو ـ كسائر الممجدين للتاريخ ـ ينظرون إلى الغرب، عوامه وخواصه بكونه صليبيين حاقدين على الإسلام، وهو ما جعل الإرهابيين يستحلون دماءهم، حتى لو كانوا شيوخا أو أطفالا أو نساء لا يسمعون بالإسلام، ولا يعرفون بلاد المسلمين.

ولو سأل نفسه عن سر ذلك الحقد لأجاب بسهولة، ولعرف أنه الابتعاد عن القيم القرآنية في التعامل مع الآخر، فالله تعالى أمرنا بأن نعرض الإسلام عليهم عرضا جميعا، فقال: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46]، لكن الفاتحين الذين أمروا بالحوار الحسن معهم، لم يكتفوا بالتقصير في ذلك فقط، وإنما راحوا يقاتلوهم، ثم يكذبون على العالم حين يشوهون الإسلام، ويذكرون لهم أن الله تعالى أمرهم بالقتال، لا بالحوار، وهل يمكن لشعب من الشعوب أن يحب دينا يستحل دماءه؟

وهكذا أمرنا القرآن الكريم بأن نؤلف قلوبهم، ولو بأموالنا، فقد ذكر في مصار الزكاة تأليف قلوب أهل الديانات الأخرى، بإعانتهم والإحسان إليهم، ليكون ذلك مقدمة لتعرفهم على الإسلام، وقد يكون مقدمة لاعتناقهم له، كما قال تعالى: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 60]، لكن الفاتحين لم يكتفوا بالتقصير في هذا الأمر، وإنما راحوا يفرضون عليهم الإتاوات والجزية، والتي أرهقتهم، وجعلتهم يكرهون الإسلام، ويتحينون كل فرصة للانتقام منه، وهو ما نعيشه اليوم، حيث استرد من يسمونهم صليبين كل ما أخذوه من جزية أضعافا مضاعفة.

ولو أن المسلمين أحسنوا التعامل معهم، لكان الوضع مختلفا تماما، ولربما كان هؤلاء الذين يسمونهم الآن صليبيين، من أحسن الناس إسلاما، وحتى لو بقوا على دينهم، فإنهم لن يكون لهم أي حقد على الإسلام، وحتى لو كان هناك حقد، فلن يصل إلى عوام الناس، الذين أمرنا بأن نحسن إليهم، ونؤلف قلوبهم، وندافع عنهم، باعتبارهم إخوانا لنا في الإنسانية.

وهكذا راح الخطيب يغفل عن كل هذه المعاني القرآنية، ويصف لعوام الناس الملتفين حوله تلك الأمجاد الكاذبة التي سكر بها العثمانيون فترة من الزمن، ثم تجرعوا غصصها بعد ذلك، هم وسائر المسلمين أضعافا مضاعفة.

وأول الأمجاد ـ كما يذكر ـ ما سماه ـ كذبا وزورا ـ [حكما إسلاميا]، مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سماه [ملكا عضوضا].. يقول: (ولد السلطان سليمان الأول بن السلطان سليم الأول بن با يزيد بن محمد الفاتح عام تسعمائة للهجرة.. وتولى الخلافة وهو ابن ست وعشرون سنة.. فأقام السنة وأعلى منارها، وقمع البدعة وأهلها، وقضى على الروافض، وأحيا الملة ونشر العدل في ربوع الدولة الإسلامية، واستبشر الناس خيرا بعهده.. وكان السلطان سليمان يستفتح رسائله بقول الله تعالى: { إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل: 30].. جلب السلطان سليمان العلماء الربانيين، وجلس معهم ووضع قوانين إدارية مستمدة من الشريعة الإسلامية)([39])

وهكذا راح يشوه نبي الله سليمان عليه السلام، ذلك المتواضع الأواه المنيب الذي ذكر القرآن الكريم عدالته وتواضعه لرعيته، ليضع نفسه مكانه، والعجيب أنه يذكر أن عمره كان ذلك الحين لا يتجاوز ستا وعشرين سنة، ومع ذلك أعطي الحكم المطلق، لا لشيء إلا لكونه ـ كما يذكر الخطيب ـ ابن السلطان سليم الأول بن با يزيد بن محمد الفاتح.

وليت الأمر توقف عند ذلك، بل إن الخطيب يذكر أن هذا السلطان، راح ـ وهو في عز الشباب ونشوة السلطان ـ يرسل برسله وكتبه لملوك أوروبا لا لإقامة علاقات طيبة معهم، تكون مقدمة للدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وإنما راح يدعوهم إلى دفع الجزية والإتاوات، لأنه لم يكن للعثمانيين في توسعهم من غرض سوى تلك الإتاوات التي تمتلئ بها خزائنهم.

يقول الخطيب: (وعندما جلس السلطان سليمان القانوني على كرسي الخلافة، كان أول ما فعله هو إرسال رسالة إلى ملوك أوروبا يعلمهم بتوليه الخلافة، ويأمرهم بدفع الجزية المقررة عليهم كما كانوا يفعلون في عهد أبيه السلطان سليم الأول.. فاستهان ملك المجر بالسلطان سليمان لصغر سنه فرفض دفع الجزية وقتل رسول السلطان؛ فاستشاط السلطان سليمان غضبا، وقال: أيقتل سفير دولة الإسلام؟.. أيهددني ملك المجر؟.. فما أصبح الصباح إلا وقد أعد السلطان سليمان جيشا جرارا مدعوما بالسفن الحربية، وكان السلطان سليمان بنفسه على رأس هذا الجيش، وكان قاصدا مدينة بلجراد المنيعة والتي تعد بوابة أوروبا الوسطى وحصن المسيحية كما كانوا يطلقون عليها، ولكم أن تعلموا أن جده محمدا الفاتح حاول أن يفتح بلجراد ولكنه فشل، بل وأصيب إصابات خطيرة أثناء حصارها.. ولما انصرف عنها قال: (عسى أن يخرج الله من أحفادي من تفتح تلك المدينة على يديه)، وتوجه السلطان سليمان القانوني على رأس جيش عرمرم، ومزود بأعتى المدافع والأسلحة، يمدهم ثلاثة آلاف جمل محمل بالأسلحة وثلاثين ألف جمل محمل بالمهمات وسفن تحمل الخيول وخمسين سفينة حربية ومئات من المدافع العملاقة الفتاكة التي كانت فخر الجيوش الإسلامية.. وبدأ السلطان سليمان في حصار قلعة بلجراد، وبعد شهرين ونصف من الحصار تسقط قلعة بلجراد، فدخل السلطان سليمان القانوني المدينة يوم ٢٦ رمضان ٩٢٧هـ.. وأمر السلطان أن يرفع الأذان من القلعة) ([40])

وأصحاب المجد المزيف يتصورون أنهم برفع الآذان في القلعة يكونون قد أوصلوا الإسلام إلى تلك المناطق، ولست أدري كيف يمكن أن تستسيغ آذان عوام تلك المدينة الآذان، بعد ذلك الحصار الطويل، وتحت وقع تلك المدافع العملاقة الفتاكة التي اعتبرها الخطيب (فخر الجيوش الإسلامية)

وذلك نفس ما تطبقه الجماعات الإرهابية عندما تمارس كل أنواع التوحش، ثم تكبر الله، وتتصور أنها تنتصر له، وهي لا تعلم أنها تستعمل كل الحجب التي تحول بين الخلق وبينه.

ثم راح الخطيب يصف مشهد الرعب الذي بثه السلطان سليمان القانوني في نفوس الأوروبيين، فقال: (وكان يوما مشهودا، فوقعت هيبته في قلوب ملوك أوروبا قاطبة، وبعث إليه ملك روسيا والبندقية وسائر ملوك أوروبا يهنئونه بالفتح ويعطونه الجزية عن يد وهم صاغرون.. وظل السلطان سليمان القانوني في بلجراد حتى عيد الفطر وأقام صلاة العيد في أكبر كنائسها بعد تحويله إلى مسجد)([41])

ولست أدري من أعطي له حق تحويل الكنيسة إلى مسجد؟.. وهل تصح الصلاة في مسجد غصبت أرضه عنوة؟.. وهل أمرنا الله بالدفاع عن الكنائس، أم أمرنا بالاستحواذ عليها.. ألم يقل الله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 40]؟

وهذا ما يدل على أن المسافة بين أولئك الفاتحين، ومن يؤيدهم من الفقهاء، بعيدة جدا عن الإسلام، وهم يكذبون حين يذكرون سماحة الإسلام.. فالإسلام السمح هو الإسلام الإلهي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا ذلك الدين المبتدع الذي وضعته الفئة الباغية، وأصحاب الملك العضوض.

ثم راح الخطيب يكمل خطبته بذكر أمجاد أخرى لذلك السلطان، فقال، بنشوة عظيمة: (ثم تحرك إلى وجهته المجر حتى وصل إلى نهر الدانوب، وأمر بتشييد جسر يعبر عليه المسلمون، وتم تشييد الجسر في مدة زمنية قليلة، وظل عبور الجيش الإسلامي عليه لمدة أربعة أيام، ثم أمر السلطان برفع الجسر فرفع، فبقي المسلمون في بلاد الكفار، وذلك لشجاعته وقوة عزيمته، وقطع أطماع العسكر من الفرار إلى بلادهم.. وفي أثناء مسير السلطان سليمان افتتح عدة قلاع تقع على نهر الدانوب ولها أهمية حربية كبيرة، حتى وصل إلى وادي موهاكس في ٢٠ ذي القعدة عام ٩٣٢هـ.. (ويوجد مثل شعبي في المجر، يقولون: أسوأ من هزيمتنا بموهاكس)، بات السلطان والجنود ليلتهم في الدعاء والتهليل والتكبير، وتضرع السلطان سليمان إلى الله سبحانه وتعالى وسأله النصر، وكان يمر بين صفوف الجند فيخطب فيهم عن الجهاد وعن فضل الشهادة، وبعدما صلى السلطان صلاة الفجر دخل بين الجنود وحمسهم)([42])

وهكذا تختلط العبادة التي تدعو إلى الرقة والإنسانية والتسامح، بتلك العبادة التي يمارسها الإرهابيون، والتي تدعو إلى العزة والكبرياء والتسلط.. والتي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: (يخرج في هذه الأمة ـ ولم يقل: منها ـ قوم، تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية)([43])، وفي رواية: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم)

ثم راح في آخر خطبته يستمتع بذكر عدد القتلى الذين كان يمكن للمسلمين أن يعرضوا عليهم الإسلام عرضا جميلا، وأن يحيوهم في سبيل الله، بدل أن يقتلوهم نصرة لله، يقول: (وأما على الجانب الآخر، فعندما علم ملك المجر لويس الثاني بقدوم المسلمين إليه، أعد جيشا جرارا واستعان بملوك أوروبا فأمدته ألمانيا بثمانية وثلاثين ألفا من خيرة الفرسان لديها، فوصل عدد جيوش الكفار إلى مائتي ألف مقاتل.. وبات الكفار ليلتهم في سهل موهاكس ومعهم القساوسة والرهبان يحثونهم على قتال المسلمين وأتوا بالصلبان يرفعونها أمام الجند.ولكم أن تعجبوا بأن المعركة لم تتجاوز الساعة والنصف.. قتل فيها من المسلمين مائة وخمسون فقط.. وأسر فيها من الكفار خمسة وعشرون ألفا.. ومائة وخمسة وسبعون ألفا بين قتيل وجريح.. واقرؤوا في التاريخ تلك الخطة الحربية العظيمة) ([44])

وبهذا الأسلوب الذي تستخدم فيه أمثال تلك الأمجاد الكاذبة في صناعة الإرهاب في عقول المسلمين، والإسلامفوبيا في عقول غيرهم، راح كاتب آخر يصف السلطان سليمان القانوني بقوله: (هو أكثر سلاطين المسلمين جهاداً وغزواً فى أوروبا، ووصلت جيوش المسلمين فى عهده الى قلب أوروبا عند أسوار فيينا مرتين، مجدد جهاد الأمة فى القرن العاشر، أقام السنّة وأحيا الملّة وقمع البدعة والروافض، صاحب انتصار المسلمين فى معركة موهاكس التى كانت من أيام الله الخالدة وتُعد غرة المعارك الإسلامية فى شرق أوروبا بعد معركة نيكوبوليس وفتح القسطنطينية، وهو أعظم سلاطين الدولة العثمانية وأكثرهم هيبة ورهبة فى قلوب النصارى وأشدهم خطرا عليهم، وكان من خيار ملوك الأرض.. حكم المسلمين قرابة ثمانية وأربعين سنة وامتدت دولة الخلافة الاسلامية فى عهده فى ثلاث قارات وأصبحت القوة العظمى فى العالم بأسره بلا منازع وتمتلك أعتى الجيوش والأسلحة وصاحبة السيادة فى البحار والمحيطات.. حتى قال عنه المؤرخون إنه [سليمان زمانه] لكثرة جنده ولعظيم هيبته ولنفاذ أمره فى ملـوك الأرض، ولإقامته للسنّة ولجهاده ضد النصارى) ([45])

ثم راح يصف جهاده وفتوحه، فقال: (استطاع السلطان سليمان القانونى أن يوسع رقعة الدولة الإسلامية فى ثلاث قارات حتى أصبحت دولة مترامية الأطراف، وكان سبيله فى تحقيق هذا الهدف هو سيفه ودرعه، لكم أن تعلموا ان المؤرخين ذكروا ان عدد ما افتتحه السلطان سليمان القانونى فى حياته من الحصون والقلاع والمدن ما يناهز 360 حصنا)([46])

وراح يصف ما سماه فتح بلجراد بقوله: (وعلموا وقتها أنهم أمام سلطان من طراز فريد، وعلموا أنه سيعيد لهم سيرة بايزيد الأول ومحمد الفاتح، فوقعت هيبته فى قلوب ملوك أوروبا قاطبةً، وبعث اليه ملك روسيا والبندقية وسائر ملوك أوروبا يهنئونه بالفتح ويعطونه الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.. ومن يومها سمّى المسلمون بلجراد (دار الجهاد) وكان منها القاعدة الحربية لانطلاق جيوش المسلمين لغزو باقى أوروبا، واهتم المسلمون بالأوجه الحضارية فى بلجراد حتى سمّاها المؤرخون (أندلس البلقان) وكانت تنعم بأوجه الحضارة بينما كانت سائر بلاد أوروبا لا تعرف شيئا عن أوجه الحضارة ولا عن تخطيط الشوارع ورصفها وإنارتها ليلا) ([47])

ثم راح يتباكى عليها كما يتباكى على الأندلس من غير أن يسأل نفسه عن سر كل ذلك الفتوح الكاذبة: (مَن مِن المسلمين الآن يعرف شيئاً عن بلجراد الإسلامية.. فقد ضاعت كما ضاعت الأندلس، فصدق من سمّاها (أندلس البلقان) فهى شبيهة الأندلس فى حدث إقامتها وحدث نهايتها) ([48])

ثم راح يتحدث عن مزيد من الجرائم التي ارتكبها ذلك السلطان باسم الإسلام، والتي لا تزال آثارها إلى اليوم، ومنها معركة موهاكس (932هـ ـ 1526م)، والتي وصفها بالخالدة، ثم قال: (إن فى تاريخ المسلمين معاركة كانت من أيام الله الخالدة كاليرموك والقادسية وحطين وعين جالوت وملازكرد والزلاقة وشانت يعقوب.. ومن تلك الأيام التى أنزل الله فيها النصر على جند الإيمان وقذف الرعب فى قلوب حزب الشيطان، يوم معركة (موهاكس) التى من أشرس معارك المسلمين، وأشد قهرا وذلا فى قلوب المشركين الى يوم الناس هذا) ([49])

ثم بين آثار تلك المعركة على نفوس المجريين إلى اليوم، فقال: (لو قدّر الله ان تذهب يوما الى دولة المجر، فأنصحك ألا تذكر اسم السلطان سليمان القانونى، ولا اسم معركة موهاكس أبدا.. فإلى الآن يوجد مثل شعبى فى المجر يتناوله أهلها اذا حدث أمر سيىء فيقول: أسوأ من هزيمتنا بموهاكس، وبعض الكتّاب سمّى هذه المعركة بأنها المعركة التى أدخلت الرعب على أوروبا) ([50])

ثم ردد بحزن قائلا: (والله يا إخوة أصابنى الكمد والحزن والغمّ والهمّ كلما سألت أحد الشباب عن موهاكس أو عن السلطان سليمان، ولا يكاد يعرف شيئا) ([51])

ثم راح يصف تفاصيل تلك المعركة، ولا ينسى أن يستغل الفرصة لبث الأحقاد على الشيعة الصفويين بكونهم السبب في كل ما يحصل من مآس للمسلمين، يقول: (كانت فى هذه الفترة ظهرت قوة مملكة إسبانيا بصورة رهيبة جدا يقودها رجل مشهور وذائع الصيت فى أوروبا وهو شارل الخامس أو شارلكان، وكان هذا الخبيث النجس هو حفيد إيزابيلا وفردناندو الذين دخلوا غرناطة عام 1492م وأسقطوا الحكم الإسلامى فى الأندلس إلى الأبد وقادوا حملات محاكم التفتيش ضد المسلمين.. هذا الخبيث شارلكان استطاع أن يبسط نفوذه على إسبانيا والبرتغال وألمانيا والنمسا وهولندا، وأسس إمبراطورية ضخمة وقوية جدا، وكان هذا الخبيث يحاول أن يفرض سيطرته على المجر لتكون حاجزا له ضد الدولة العثمانية والمسلمين.. فانتبه لذلك السلطان سليمان، وعلم خطورة سيطرة شارلكان على المجر، وما يترتب عليه من أوضاع خطيرة للمسلمين فى أوروبا الوسطى، وهنا ظهر جانب آخر وخيانة خلدها التاريخ لأحفاد بن سبأ الملاعين، وهى الدولة الصفوية الخبيثة، حيث اتفقت الدولة الصفوية مع المجر ضد الدولة العثمانية، وعندما علم السلطان سليمان بهذا الأمر استشاط غضباً، وبدأ فى التحرك لغزو المجر وضمها للدولة العثمانية الإسلامية، وأراد ان تكون تلك المعركة شرسة وعنيفة ليلقن الأوروبين درسا وخصوصا شارلكان حتى يصرف أبصاره عن المسلمين)([52])

وهكذا تختلط الأحقاد الطائفية التي يسلطونها على الصفويين، لا باعتبارهم دولة كسائر الدول،وإنما باعتبارهم شيعة، مع الأحقاد المرتبطة بعوام المسيحيين، فلا يسمونهم أهل كتاب كما سماهم القرآن الكريم، وإنما يسمونهم صليبيين، مع كونهم كانوا في بلادهم آمنين، ولم يفعلوا سوى أن يدافعوا عن أرضهم التي يريد الفاتحون السيطرة عليها، لرفع الآذان على قلاعها، وتحويل كنائسها إلى مساجد، ثم فرض الجزية والإتاوات الثقيلة على سكانها، ثم بعد ذلك يذكرون لهم أنهم أتباع نبي هو رحمة للعالمين.

4 ـ هل الصفويون وحدهم من واجه العثمانيين؟

من المغالطات التي يقوم بها الطائفيون الغارقون في أوحال المجد المزيف، اعتبارهم الدولة الصفوية السبب في عدم قدرة العثمانيين على فتح العالم أجمع، حيث يذكرون أن مواجهتهم لها، وصراعهم معها كان سببا في تأخر الفتوح أو انقطاعها، لعدم قدرة العثمانيين على تفتيت جيوشهم بين الصراع معهم، والتفرغ لفتح العالم، وسيطرة المسلمين عليه.

هكذا يذكرون من غير أن يكلفوا أنفسهم بتطبيق ما أمر الله تعالى به من مناهج قبل الحكم على الأشياء، ومنها قوله تعالى: { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } [الإسراء: 36]

ولكن الحقد مثل الحب يعمي ويصم؛ فقد جعلهم حبهم وتمجيدهم للعثمانيين يغفلون عن كل تلك الجرائم التي شوهوا بها أنفسهم، وشوهوا معها القيم الإسلامية، في نفس الوقت الذي راحوا يرمون الأكاذيب على الصفويين من غير أن يبحثوا عن الحقائق من مصادرها.

ونحن كما ذكرنا سابقا، لا نؤمن بمنهج الصفويين والعثمانيين في الحكم، لمخالفته لنظام الحكم الإسلامي المبني على التداول على السلطة، وعلى القيم العادلة، وعلى ولاية الشريعة وفقهائها، لا المستبدين والظلمة، لكنا مع ذلك لا نكتفي بوضع الطرفين في سلة واحدة، بل نحكم عليهما بما تطلبه الشريعة من العدل والتحقيق، من غير أن نميل لأي طرف من الأطراف.

وعندما نرجع إلى المصادر التاريخية التي يعتمدها أولئك الذين يلفقون هذه التهمة نجد أن العثمانيين لم يصارعو الصفويين فقط، بل صارعوا الجميع، بل إن التاريخ العثماني لم يكن سوى تاريخ صراع، والدولة العثمانية ليست سوى جيش كبير، همه الأكبر أن يصارع، ولا يهمه من يصارع.

ولذلك كان الصراع هو السمة البالغة لكل العثمانيين، والذي يبدأ عادة بالصراع مع الأسرة، وينتهي بالصراع مع العالم.. وهو يتنافى مع القيم التي ينبي عليها نظام الحكم في الإسلام، وأهمها السلام، كما قال تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208]، وقال: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61]

بناء على هذا سنذكر هنا نماذج من الصراع العثماني مع الجبهتين الداخلية والخارجية، لنكتشف من خلالها أن المواجهة العثمانية لم تكن خاصة بالصفويين فقط.

أ ـ المواجهة الداخلية:

وهي الصراع الداخلي للعثمانيين، والذي لم يكن بينهم وبين الشعب الذي يحكمونه بقوة الحديد والنار، وإنما بين أفراد الأسرة نفسها، وهو الصراع الذي رأينا بعض مشاهده في الفصول السابقة، والذي كلف الأمة الكثير من الدماء والدمار، ومن أمثلته تلك الفتنة التي حصلت أثناء الصراع بين الأمين والمأمون بسبب وصية هارون العباسي، ومنها الصراع بين أقارب صلاح الدين الأيوبي بسبب تقسيمه للدولة الإسلامية بين أقاربه.

وهذا نفسه حصل مع العثمانيين، وبصورة لا تقل بشاعة، ومن الأمثلة على ذلك ما حصل من صراع بين أبناء السلطان بايزيد وابنه البكر أرطغرل بن بايزيد، حيث بقي من أبنائه محمد وعيسى وموسى وسليمان، وهنا حصل النزاع بين الإخوة الأربعة في فترة من أكثر فترات العثمانيين تخبطا.

وقد أوقفت بسبب ذلك فتوحاتها، من غير أن يكون للصفويين أي يد في ذلك، وإنما السبب هم الإخوة أنفسهم، والذين كاد الصراع بينهم يُسقط الدولة العثمانية، بل إن أحد الإخوة سلَّم أراضي من الدولة العثمانية للبيزنطيين، ولست أدري كيف لا يذكرون هذا في نفس الوقت الذي يذكر فيه تحالف الصفويين مع البرتغاليين أو غيرهم، حتى يحموا أنفسهم من هجمات العثمانيين.

ويذكر المؤرخون أن أكبر الأبناء، سليمان بن بايزيد، استقل بالجزء الأوروبي من الدولة العثمانية، وضمنه مدينة أدرنة وأعلن نفسه سلطاناً هناك، وعقد حلفاً مع مانويل الثاني إمبراطور بيزنطة؛ ليساعده ضد إخوته، وأعطاه في سبيل ذلك مدينة سالونيك وبعض سواحل البحر الأسود وتزوج إحدى قريباته([53]).

أما عيسى، فبمجرد وفاة أبيه أعلن نفسه سلطاناً في مدينة بورصة، وأعلن نفسه أنه خليفة أبيه السلطان بايزيد.

وفي ذلك الوقت الذين كان فيه هؤلاء الإخوة يتنازعون، كان أخوهم محمد، الملقب بـ [محمد جلبي] مختبئاً في الأناضول من جيش تيمورلنك، وبعد أن خفت حدة الهجوم التتري، جمع ما استطاع من عداد القوات الأناضولية والنظامية وقاتل ما بقي من التتار، وتمكن من السيطرة على مدينتي توقات وأماسيب، واستطاع تخليص أحد إخوته الواقعين في الأَسر وهو موسى، واتفق معه على محاربة إخوته، لتنشب الحرب بين هؤلاء الإخوة.

وبعدها استطاع محمد أن ينتصر على أخيه عيسى بعد عدة معارك بينهما انتهت بمقتل عيسى، ثم أرسل جيشاً بقيادة أخيه موسى لمحاربة أخيهما سليمان، الذي استطاع أن ينتصر على سليمان وجيشه على أبواب أدرنة عام 1410م، بعدما لقي الأخير حتفه في الحرب.

وبعد أن انتصر الأخوان قررا توحيد جهودهما ضد الصرب، لكن الأمر لم يستمر طويلاً، حيث أن موسى قرر إعادة الهجوم على أراضي الصرب بعدما علِم أن موقفهم كان متخاذلاً في معركة أنقرة، وانتصر عليهم بعد معارك دامية انطلق بعدها إلى المجر، وحاصر القسطنطينية بهدف الاستقلال بالجزء الأوروبي من الإمبراطورية. لكن، لم يلبث أن تنازع الأخوان المتحالفان محمد وعيسى؛ فملوك المجر طلبوا الحماية من السلطان محمد جلبي الأخ الأكبر الذي تحالف بالفعل مع المجريِّين والصرب وحارب أخاه موسى وهزمه، وعندما قُتل موسى صار محمد جلبي خامس السلاطين على الإمبراطورية التي أُعيد لَمّ شملها عام 1413م.

وهذا الصراع للأسف لا نجد أي ذكر له عند أولئك الذين يلقون اللائمة على الصفويين، بل إنهم في أحسن أحولهم يذكرونه، ويقرون به دون اعتباره سببا في تأخر الفتح، أو في تلك الدماء الكثيرة التي سالت من الجيش العثماني، ولم يكن لها من هدف سوى نصرة أخ، أو حرب أخ.

ومن الأمثلة على ذلك أن الصلابي الذي أقام القيامة على الصفويين، بسبب دفاعهم عن أرضهم في مواجهة المعتدين الذين كانوا يهددونهم كل حين، حاول أن يمر على هذه الحوادث مرور الكرام، ويبسط من شأنها مع كونها كانت أكبر بكثير من كل تلك الصراعات الخارجية، وخصوصا مع الصفويين.

فقد قال في الفصل المخصص للسلطان محمد الأول: (ولد السلطان محمد الاول عام (781هـ/1379م)، وتولى أمر الأمة بعد وفاة والده بايزيد وعرف في التاريخ (بمحمد جلبي).. اشترك أثناء حكمه في 24 حرباً واصيب بأربعين جرحاً، استطاع السلطان محمد جلبي أن يقضي على الحرب الأهلية بسبب ما أوتي من الحزم والكياسة وبعد النظر وتغلب على أخوته واحداً واحداً حتى خلص له الأمر وتفرد بالسلطان، وقضى سني حكمه الثماني في إعادة بناء الدولة وتوطيد أركانها، ويعتبره بعض المؤرخين المؤسس الثاني للدولة العثمانية)([54])

وهكذا راح يثني على الأخ الغالب في الصراع، ويعتبر ذلك من حزمه وكياسته في نفس الوقت الذي يعتبر فيه الصفويين ودفاعهم عن أنفسهم حقدا على الإسلام، وكراهية للفاتحين، وكراهية للسنة.

بل إنه راح يثني على تسليمه لبعض البلاد التي فتحها آباؤه للبيزنطيين حتى يضمن الاستقرار لنفسه، في نفس الوقت الذي يشن فيه حملته على الصفويين باعتبارهم يتحالفون مع أعداء الإسلام، يقول: (وكانت سياسته تهدف الى إعادة بناء الدولة وتقويتها من الداخل، ولذلك سالم امبراطور القسطنطينية وحالفه وأعاد إليه بعض المدن على شاطئ البحر الاسود وفي تساليا وصالح البندقية بعد هزيمة اسطوله أمام كليتبولي وقمع الفتن والثورات في آسيا وأوروبا واخضع بعض الامارات الآسيوية التي أحياها تيمورلنك ودانت له بالطاعة والولاء)([55])

ثم ذكر الصلابي فتنة أخرى حصلت في عهد هذا السلطان الذي تغلب على إخوته، وهي أيضا ليست من الصفويين، وإنما من شخص تبناه العثمانيون أنفسهم، يقول: (وظهر في زمن السلطان محمد شخص يسمى بدرالدين انتحل صفة علماء الدين الإسلامي، وكان في جيش موسى اخو السلطان محمد وتولى منصب قاضي العسكر أعلى مناصب الدولة العثمانية وقتئذ، وكان هذا القاضي قد احتضنه موسى بن بايزيد)([56])

ثم ذكر ما آل إليه أمره من تطور؛ فقال: (وفي أزنيق – وهي مدينة في تركيا- بدأ الشيخ بدر الدين محمود بن اسرائيل يدعو الى مذهبه الفاسد، فكان يدعو الى المساواة في الأموال، والأمتعة، والأديان، ولايفرق بين المسلم وغير المسلم في العقيدة، فالناس إخوة مهما اختلفت عقائدهم وأديانهم وهو ماتدعو إليه الماسونية اليهودية، وانضم الى هذه الدعوة الباطلة كثير من الاغبياء والجهلة وأصحاب الأغراض الدنيئة وأصبح للمفسد بدرالدين تلاميذ يدعون الى منهجه ومذهبه)([57])

ومع أن هذه الطروحات طروحات فكرية، يمكن تجاوزها لو كان لدى العثمانيين بعض العقل الذي يدعو إلى الحكمة في التعامل مع القضايا، لكنهم لم يكونوا سوى دولة عسكرية لا تعرف إلا لغة السلاح، لذلك عالجوا هذه المشكلة بطريقتهم الخاصة، والتي ذكرها الصلابي، وأثنى عليها، فقال: (وشاع أمر هذا المذهب الفاسد وكثر أتباعه وتصدى السلطان محمد جلبي لهذا المذهب الباطل وأرسل أحد قواده على رأس جيش كبير لمحاربة بدر الدين وللأسف قتل القائد سيسمان الذي ارسله محمد جلبي على يد الخائن (بير قليجة) وهزم جيشه وأعد السلطان محمد جلبي جيشاً آخر بقيادة وزيره الأول (بايزيد باشا)، فحارب (بير قليجة) وانتصر عليه في موقعة (قره بورنو) وبعدها أقيم حد الحرابة على (بير قليجة مصطفى) امتثالاً لأمر الله)

ولم ينته الصراع بذلك، وإنما استمر، واستمر السلطان محمد جلبي ـ كما يذكر الصلابي ـ في مواجهة هذه الطائفة عسكريا إلى أن أسقطها.

وقد اجتهد الصلابي في تبديع هذه الطائفة، مثل اجتهاده في تبديع الصفويين، والتهمة الكبرى التي وجهها لها ما عبر عنه بقوله: (إن المذهب الفاسد الذي كان يدعو إليه بدر الدين هو نفس مذهب الماسونية اليهودية المعاصرة، وهو يقوم على إلغاء الحواجز بين أصحاب العقيدة الإسلامية الصحيحة وأصحاب العقائد الفاسدة، إذ إنه يقول بالأخوة بين المسلمين واليهود والنصارى وعباد البقر والشيوعيين، وهذا يخالف عقيدة الإسلام التي تؤكد أنه لا أخوة بين المسلمين وبين غيرهم من أصحاب العقائد الفاسدة، لأنه كيف يكون هناك أخوة بين من يحاربون الله ورسوله، وبين المؤمنين الموحدين)([58])

ولم يتوقف الصراع الداخلي عند ذلك الحد، حتى تستقر الدولة العثمانية لتتفرغ للفتوحات، وإنما كان يتجدد كل حين، ولأتفه الأسباب، وسنلخص هنا باختصار ما ورد في مقال بعنوان: [هل كان العثمانيون يقتلون إخوتهم؟]([59])، حول بعض مظاهر ذلك الصراع، والذي تأكدت من كل ما ذكره من معلومات من خلال المصادر التاريخية، لكني اكتفيت به مراعاة للاختصار.

فبعد أن ذكر صاحب المقال الصراع الذي حصل بين أبناء بايزيد الأول بعد وفاة أبيهم، ذكر الصراع الذي حصل بعد وفاة السلطان محمد جبلي، حيث تولى السلطنة ابنه الأمير مراد الثاني، والذي بدأ هو الآخر حكمه بالقضاء على حركات تمرد عديدة، كان من أهمها تلك التي قادها عمّه مصطفى جلبي بن بايزيد، والذي اختفى بعد معركة أنقرة وظن الجميع أنه قُتل، وحاول بشتّى الطرق أن يسيطر على مقاليد السلطنة، بدعم من بعض أمراء أوروبا، على رأسهم مانويل الثاني إمبراطور بيزنطة، وقد استطاع مصطفى أن يُحاصر مدينة جاليبولي، إلَّا أن السلطان مراد الثاني قبض على عمِّه وقدَّمه إلى المشنقة بتهمة الخيانة والعصيان.

وفي آخر فترة حكمه، تنازل عن العرش لابنه محمد الثاني، والذي كان يبلغ من العمر حينها 14 عاماً، والذي لُقِّب فيما بعد بمحمد الفاتح، وينسب إليه ما عُرف تاريخياً بـ [قانون قتل الإخوة]، وهو القانون الذي يبيح قتل الإخوة أو الآباء أو الأبناء في حال تمرُّدهم أو تصارعهم على السلطة.

وقد طبق ذلك القانون بصرامة، حيث يذكر المؤرخون أنه على مدار تاريخ الإمبراطورية العثمانية، تم إعدام 60 أميراً. وقد أُعدم 16 منهم بسبب ثورتهم على السلطان، في حين قُتل 7 منهم بسبب نياتهم للثورة، ولأسباب أخرى مرتبطة بمحاولة تحقيق مصالحهم. وكان الأمراء العثمانيون يُعدَمون عن طريق الخنق، حيث حظرت التقاليد التركية المنغولية إراقة دماء أفراد الأسرة الحاكمة.

وورد في مقال آخر بعض مظاهر ذلك الصراع الداخلي بين العثمانيين، والذي اختصره الكاتب بقوله: (القانون الذي استُخدم بكثرة ومن خلاله قتل الأب أبناءه وأحفاده ليظلّ في الكرسي، وقتلت السلطانة الأم ابنها وحفيدها من أجل عودة الهيمنة على كرسي الحكم، وبادر الأخ بقتل أشقّائه وأبنائهم لينهي أيّة تهديدات تحيط بعرشه، وذلك من خلال طريقةٍ خاصة بالخيط الأبيض المصنوع من الحرير، الذي يُخنق به الأمراء حتى لو كانوا أطفالاً رضّع، وقد تفشّى استخدام هذا القانون سعياً للحصول على الكرسي، لدرجة أنّ هناك مواقف واجهتها الدولة العثمانيّة تتعلّق بعدم وجود أمراء يتسلّمون السلطة، وهدّدت بانقراض العائلة العثمانيّة أكثر من مرة، فهذا القانون يعطي الحقّ للحاكم بأن يقتل شقيقه أو إبنه أو حفيده للحفاظ على الحكم من أي تهديد، وحفاظاً على تماسك الدولة، وكان حكم الإعدام يصدر بفتوى من شيخ الإسلام بأمرٍ من السلطان الجديد)([60])

ثم ذكر بعض الأمثلة عنه، ومنها أن السلطان مراد الأوّل، جدّ السلطان محمد الفاتح، طبقه ـ قبل صدوره ـ عندما أوشى له من حوله بأنّ شقيقه محمود يريد الإنقلاب عليه وأخذ كرسي العرش منه، فطلب فتوى من شيخ الإسلام بقتله، وهو ما تمّ بالفعل، عندما أدخل عليه الجلّادين ليلاً خلال نومه، وقاموا بخنقه بالخيط الحريري الرفيع، ثمّ أخرج ابنه ساوجي على رأس حملةٍ لمواجهة البيزنطيّين، وقامت بعض الجواري بالترويج لأكاذيب بأنّ إبنه الأمير قرّر التحالف مع الأعداء للفوز بالكرسي، الأمر الذي جعل مراد يقوم بنصب فخ لإبنه ليتمّ القبض عليه، مصدراً فتوى بإعدامه.

ومنها أن قيام السلطان محمد الفاتح بقتل شقيقه الرضيع الأمير أحمد، من زوجة أبيه خديجة خاتون، عندما كان عمره 6 أشهر، وذلك بعد أن نصحه بذلك بعض الوزراء والباشوات خوفاً من ادّعائهم بمحاولات البيزنطيّين بخطف الأمير الرضيع لتنصيبه سلطاناً بعد أن يتخلّصوا من الفاتح.

ومنها أن السلطان سليم الأوّل اختتم حياته بصفحةٍ سوداء مع نجله الأمير ولي العهد الذي أصبح السلطان سليمان القانوني، عندما حصل على فتوى بقتله للحفاظ على العرش، ثمّ أرسل إليه عباءةً مسمومة إلّا أنّ والدته أنقذته قبل إرتدائها.

ومنها أن اعتلاء سليم للعرش كان على جثمان شقيقيْه الأميريْن كوركود وأحمد، حيث كان الأخير وليّاً للعهد، لكن سليم استطاع أن يجذب إليه الباشوات والإنكشاريّين الذين كانوا أصحاب القوّة ليوصلوه إلى العرش بعد أن تحارب مع شقيقيْه اللذين تحالف كل منهما مع الصفويّين من جهة، ومع بعض حكّام الولايات من جهة أخرى، فأمر بإعدامهما ما بين صراعه على العرش ووصوله إلى السلطة.

ومنها أن السلطان سليمان القانوني خنق أحبّ أبنائه، ثم ذبح حفيده الرضيع، لأنّ السلطانة هرم المعروفة باسم هويام، نجحت في اختلاق رواياتٍ ادعت فيها أن نجل السلطان يريد الإنقلاب عليه، فقام بقتله عبر الجلّادين بالخنق في خيمته، في حين كان لمصطفى طفل صغير خاف سليمان، بعد ضغط من هويام التي كانت ترغب في تعلية أحد ابنيها [سليم الثاني] أو [بايزيد]، لذلك، عمد إلى قتله من خلال فتوى أصدرها شيخ الإسلام بإخماد الفتنة.

ومنها أن السلطان سليم الثاني عمل على إحباك المكايد لشقيقه إلى أن رماه في صفوف الصفويّين أعداء والده الذي أصدر أوامر بإعادته لمحاسبته، ثم قام بقتله هو وأبناءه الصغار بالخنق عبر حرّاسه، وذلك خلال العودة إلى إسطنبول، خاصة بعد أن علم أنّ والده على مشارف الموت.

ومنها أن السلطان محمد الثالث تسلم الكرسي صباحاً وأخرج 19 تابوتاً لأشقّائه الأمراء ظهراً، حيث تم خنقهم من الجلّادين، ليخرج من القصر 19 تابوتاً بالوشاح الأسود في مجزرةٍ بكل معاني الكلمة، كان من بينهم 3 رضّع و5 أطفال أعمارهم بين 3 و6 سنوات، وعلى الرغم من محاولات والدته السلطانة صفية من منع إتمام هذه الجريمة، إلّا أنّه كان مصمّماً ومتمسّكاً بتنفيذ قانون قتل الإخوة لتثبيت عرشه.

وغيرها من الأمثلة الكثيرة التي يقر بها كل الممجدين للدولة العثمانية، لكنهم يستعملون كل وسائل التستر والكتمان عليها، لتبقى صورة [الخلافة الإسلامية] والأمجاد الكاذبة المرتبطة بها فخا يصطادون به المغفلين والمغيبة عقولهم.

ب ـ المواجهة الخارجية:

وهي المواجهات الكثيرة التي كانت تحصل بين العثمانيين وما يطلقون عليه [حركات تمرد]، والتي كانت تدعوهم كل حين إلى وقف ما يسمونه فتوحات، بل إلى تسليم ما حصلوا عليه حتى يؤمنوا لأنفسهم الاستقرار على كرسي السلطنة.

وبذلك فإن دعوى كون الصفويين هم وراء كل المصائب التي حصلت للعثمانيين لا يختلف عن تلك الدعاوى التي نسمعها اليوم، وكل حين، والتي تعتبر إيران أم المصائب التي حصلت للبلاد الإسلامية، ولهذا يشبهونها بالدولة الصفوية، وهم يعلمون أنه لم تنطلق منها أي طائرة، ولا أي صاروخ لضرب أي بلاد إسلامية، في الحين الذي تنطلق فيه جميع أنواع الطائرات والصواريخ لضرب أي بلاد ترغب أمريكا في ضربها، ومن أرض الحرمين، وغيرها من بلاد الخليج.

وسنكتفي بنموذج ذكره الصلابي وغيره من الممجدين للدولة العثمانية، وهو عن الصراع الذي حصل في عهد سليمان القانوني، فقد قال: (ابتلى سليمان في السنوات الأولى في عهده بأربع تمردات شغلته عن حركة الجهاد، حيث ظن الولاة الطموحون أن فرصة الاستقلال بأقاليمهم حان وقتها، فقام جان بردى الغزالي والى الشام بتمرد على الدولة وأعلن العصيان عليها وحاول أن يستولي على حلب إلا أنه فشل في ذلك وأمر السلطان سليمان بقمع الفتنة فقمعت وقطع رأس المتمرد جان بردى وأرسل الى استنبول دلالة على انتهاء التمرد)([61])

هذا عن التمرد الأول، والصلابي يحاول تهوينه، بتصوير أن القضاء عليه لم يكلف سوى قطع رأس المتمرد مع أن الوصول إلى رأسه سبقه قطع رؤوس كثيرة من الجيش العثماني، أو من جيش المتمردين، والذين كانوا جميعا من المسلمين، ومن المدرسة السنية نفسها، ولم يكن بينهم صفوي، ولا مجوسي واحد.

ثم ذكر التمرد الثاني الذي حصل في عهد سلطان واحد، فقال: (وأما التمرد الثاني فقد قام به أحمد شاه الخائن في مصر وكان هذا عام 930هـ/1524م وكان هذا الباشا طامعاً في منصب الصدر الأعظم، ولم يفلح في تحقيق هدفه، وطلب من السلطان أن يعينه والياً على مصر فعينه، وما أن وصل الى مصر حتى حاول استمالة الناس وأعلن نفسه سلطاناً مستقلاً إلا أن أهل الشرع وجنود الدولة العثمانية من الإنكشارية قاموا ضد الوالي المتمرد وقتلوه وظل اسمه في كتب التاريخ مقروناً باسم الخائن)([62])

وأنا أجزم، بل أقسم أن هذا الذي سماه الصلابي خائنا، وذكر أن كل كتب التاريخ تسمه كذلك، لو استطاعت حركته التي سماها حركة تمردية أن تقضي على السلطان سليمان القانوني، لأصبح في عينه وفي كتب التاريخ حاكما صالحا، ويوصف بكونه قضى على الخائن سليمان القانوني وجرائمه.. وهكذا تصبح الغلبة هي الحَكم في المواقف، لا القيم التي أمرنا الله تعالى أن نزن بها كل الأمور.

ثم ذكر التمرد الثالث، وهو التمرد الذي يعجب أمثاله، والذي عبر عنه بقوله: (والتمرد الثالث ضد خليفة المسلمين هو تمرد شيعي رافضي قام به بابا ذو النون عام 1526م في منطقة يوزغاد حيث جمع هذا البابا مابين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف ثائر وفرض الخراج على المنطقة، وقويت حركته حتى أنه استطاع هزيمة بعض القواد العثمانيين الذين توجهوا لقمع حركته، وانتهت فتنة الشيعة هذه بهزيمة بابا ذو النون وأرسل رأسه الى استانبول)([63])

والعجيب في أمر الصلابي، ومن هو من أمثاله، أنه مع كون كل التمردات السابقة، سواء كانت داخل الأسرة العثمانية أو غيرها كانت من طرف من يعتقد أنهم من أهل السنة، ومع ذلك لم ينسب تمردهم للسنة، بل نسبه إليهم فقط، لكن عندما حصل التمرد من شيعي، نسب الأمر إلى الشيعة جميعا، وهذا هو مرض الطائفية الذي يجعل الإنسان يتعامل بمكاييل كثيرة مملوءة بالهوى.

مع العلم أنه لم يكلف نفسه في البحث عن أسباب تلك التمردات، حتى يطلق عليها تلك التسمية، وعلمه أيضا أن الدولة العثمانية نفسها لم تكن سوى حركة تمرد ضد الدولة التي سبقتها.

ثم ذكر التمرد الرابع، وهو أيضا مما يحلو له، ولسنا ندري مدى دقته، والكذب فيه واضح، لكنه من أشهر التمردات التي نسمع بها كل حين، وتنسب للشيعة جميعا، وقد عبر عنه بقوله: (التمرد الرابع ضد الدولة العثمانية في عهد سليمان القانوني كان تمرداً شيعياً رافضياً أيضاً وكان على رأسه قلندر جلبي في منطقتي قونية ومرعش وكان عدد أتباعه 30.000 شعياً قاموا بقتل المسلمين السنيين في هاتين المنطقتين، ويقول بعض المؤرخين أن قلندر جلبي جعل شعاره أن من قتل مسلماً سنياً ويعتدي على امرأة سنية يكون بهذا قد حاز أكبر الثواب)([64])

وبعد أن ذكر كل هذا الصراع الذي حصل في عهد سلطان واحد، والذي لم يكن للصفويين أي علاقة به، قال: (بعد هذا هدأت الأمور في الدولة العثمانية وبدأ السلطان في التخطيط لسياسة الجهاد في أوروبا)([65])

ولست أدري كيف يمكن تسمية أمثال هؤلاء المجرمين الذين قضوا حياتهم في الصراع مع أقرب الناس إليهم مجاهدين، وهم لا يختلفون عن داعش والنصرة وكل الحركات الإرهابية.

5 ـ ما موقف علماء المدرسة السلفية من العثمانيين؟

من أخطر أنواع التضليل التي يقوم بها الغارقون في أوحال الطائفية من السلفيين والحركيين وغيرهم، والذين يعتبرون الصفويين السبب الأكبر في كل ما نزل بالأمة من مصائب وتخلف، إغفالهم لأسلافهم من العلماء الذين لم يقفوا مواقف حيادية فقط من الدولة العثمانية، وإنما راحوا يسلطون عليها نفس السيف الذي يسلطونه الآن على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو سيف التكفير.

وهو سيف لا يكتفون فيه بالأحكام النظرية، وإنما يدعون بموجبه للقيام بأي حركة تقوض بناء الدولة العثمانية، وتقضي عليها، لأنها في نظرهم دولة جاهلية، ولذلك فإن موقفهم منها لا يقل عن موقف الصفويين، وإن كان يختلف عنه في كون موقف الصفويين موقفا سياسيا، بخلاف موقفهم الذي ألبسوه لباس الدين.

ولا يزال السلفيون يعتقدون هذا الأمر، وإن كانوا لا يظهرونه، باعتبار الحرب الآن مسلطة على إيران، وليس من المصلحة استعداء أعداء آخرين، لأنهم يريدون من المسلمين أن تجتمع أحقادهم على إيران وحدها، ولو أنهم ذكروا ما قاله سلفهم وخلفهم في العثمانيين، لواجههم جمهور عريض هم يستخدمونه الآن في الحرب على إيران، بإيهامهم أن الذي وقف في وجهها هم الصفويون، لا السلفيون وغيرهم من المدرسة السنية.

وسبب تكفير السلفيين للدولة العثمانية لا يرجع لتلك الجرائم الكثيرة التي ارتكبوها، واستحلوا بها الدماء، وساهموا بسببها في تخلف المسلمين، فتلك الأمور ليست مهمة عندهم، ولهذا فإن تكفيرهم لهم يعود إلى ما عبر عنه الشيخ حسين بن غنام بقوله في وصف العثمانيين أيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (كان غالب الناس في زمانه – أي الشيخ محمد بن عبد الوهاب – متضمخين بالأرجاس متلطخين بوضر الأنجاس، حتى قد انهمكوا في الشرك بعد حلول السنة بالأرماس.. فعدلوا إلى عبادة الأولياء والصالحين وخلعوا ربقة التوحيد والدين، فجدوا في الاستغاثة بهم في النوازل والحوادث والخطوب المعضلة الكوارث، وأقبلوا عليهم في طلب الحاجات وتفريج الشدائد والكربات من الأحياء منهم والأموات، وكثير يعتقد النفع والضر في الجمادات) ([66])

ثم ذكر صور الشرك ومظاهره في نجد والحجاز والعراق والشام ومصر وغيرها أيام العثمانيين، وتشجيع العثمانيين عليها، وهو نفس ما تُكفر به إيران اليوم.

وهكذا قال سعود بن عبد العزيز (ت 1229 هـ) في رسالة له إلى والي العراق العثماني واصفاً حال دولتهم: (فشعائر الكفر بالله والشرك هي الظاهرة عندكم، مثل بناء القباب على القبور، وإيقاد السرج عليها، وتعليق الستور عليها وزيارتها بما لم يشرعه الله ورسوله واتخاذها عيداً وسؤال أصحابها قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات، هذا مع تضييع فرائض الدين التي أمر الله بإقامتها من الصلوات الخمس وغيرها فمن أراد الصلاة صلىو حده، ومن تركها لم ينكر عليه وكذلك الزكاة وهذا أمر قد شاع وذاع وملأ الأسماع في كثير من بلاد: الشام والعراق ومصر وغير ذلك من البلدان) ([67])

وقال أيضا: (وأما قولكم: كيف التجري بالغفلة على إيقاظ الفتنة بتكفير المسلمين وأهل القبلة ومقاتلة قوم يؤمنون بالله واليوم الآخر.. فنقول: قد قدمنا أننا لا نكفر بالذنوب، وإنما نقاتل من أشرك بالله وجعل لله نداً يدعوه كما يدعو الله ويذبح له كما يذبح له وينذر له كما ينذر لله ويخافه كما يخاف الله ويستغيث به عند الشدائد وجلب الفوائد ويقاتل دون الأوثان والقباب المبنية على القبور التي اتخذت أوثاناً تعبد من دون الله؛ فإن كنتم صادقين في دعواكم أنكم على ملة الإسلام ومتابعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فاهدموا تلك الأوثان كلها وسوّوها بالأرض، وتوبوا إلى الله من جميع الشرك والبدع.. وأما إن دمتم على حالكم هذه ولم تتوبوا من الشرك الذي أنتم عليه وتلتزموا بدين الله الذي بعث الله رسوله وتتركوا الشرك والبدع والخرافات لم نزل نقاتلكم حتى تراجعوا دين الله القويم) ([68])

وهذا نص صريح في وجوب قتال العثمانيين، ومن شخصية ليست معتبرة فقط لدى السلفيين، وإنما هم يلقبونه بالإمام، والذي لم يكتف برسالته هذه وغيرها، وإنما راح يقاتل العثمانيين عندما داهموا بلاده مثله مثل الصفويين تماما، ولست أدري كيف يُحلون لأنفسهم، ما يحرمونه على غيرهم.

وربما يكون ذلك بسبب قدرة الصفويين على الثبات في مواجهة خصومهم، وحفاظهم على دولتهم بخلاف الدولة السعودية الأولى التي انهزمت بسهولة على يد الجيش العثماني بقيادة إبراهيم باشا في الحملة التي شنها على الدولة السعودية النجدية، حيث هاجم الجيش العثماني الحجاز من مصر، ثم بدأ يتوغل في نجد، وبدأ هروب المحاربين السعوديين من أمام الجيش العثماني، بسبب عدم تعود السعوديين على التنظيم العسكري ومواجهه الجيوش النظامية، وبذلك تمكن إبراهيم باشا في النهاية من فرض سيطرته على جزء من منطقة نجد، واجتياح الدرعية وتحطيمها.

وكانت تلك الهزيمة سببا في تأليف الكتب والرسائل في تكفير العثمانيين، والذين اعتبروهم حربة البلاء في الأمة الإسلامية، وأن الدين لا يتم إلا بالقضاء عليهم، حتى لو تحالفوا مع كل قوى الشر من أجل ذلك، مثلما يفعلون الآن تماما مع إيران، ومن العجيب أنهم كانوا يستعملون في ذلك كل ما قاله سلفهم في تكفير أبي حنيفة، نتيجة تبني العثمانيين للمذهب الحنفي، ولذلك كانوا يعتبرونه سبب كل أنواع الزندقة التي حصلت في العالم الإسلامي، وقد كانوا يرددون كل حين ما قاله الأوزاعي عنه، وأنه ذكر أبا حنيفة فقال: (لا أعلمه إلا ينقض عرى الإسلام)([69])، أو ما قاله ابن عون عنه: (ما ولد في الإسلام مولود أشأم على أهل الإسلام من أبي حنيفة)([70])

ومن المؤلفات التي ألفت في ذلك الوقت في تكفير الدولة العثمانية ما كتبه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ت 1233 هـ) الذي ألف رسالة يثبت فيها ردة وكفر من أعان العثمانيين وظاهرهم، وإن كان سلفيا، وليس قبوريا، وعنوانها [الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك]، وقد أطلق فيها على الجيش العثماني لقب (جنود القباب والشرك) ([71])

وقد ذكر الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري سبب تأليفه الرسالة، فقال: (سبب تصنيف الدلائل هو أن الشيخ سليمان، صنفها لما هجمت العساكر التركية على نجد في وقته، وأرادوا اجتثاث الدين من أصله، وساعدهم جماعة من أهل نجد، من البادية والحاضرة، وأحبوا ظهورهم)([72])

وبناء على ذلك، فإن كل الألفاظ الواردة في الكتاب، كأهل الشرك والمشركين وعباد القبور والقباب وجنود الشرك وغيرها، إنما يراد بها الأتراك.

ومن الأمثلة على ذلك قوله: (اعلم، رحمك الله: أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم، خوفا منهم ومداراة لهم، ومداهنة لدفع شرهم، فإنه كافر مثلهم، وإن كان يكره دينهم ويبغضهم، ويحب الإسلام والمسلمين؛ هذا إذا لم يقع منه إلا ذلك، فكيف إذا كان في دار منعة واستدعى بهم، ودخل في طاعتهم وأظهر الموافقة على دينهم الباطل، وأعانهم عليه بالنصرة والمال ووالاهم، وقطع الموالاة بينه وبين المسلمين، وصار من جنود الشرك والقباب وأهلها، بعد ما كان من جنود الإخلاص والتوحيد وأهله؟ فإن هذا لا يشك مسلم أنه كافر، من أشد الناس عداوة لله ورسوله) ([73])

وقال: (فكيف بأهل البلدان الذين كانوا على الإسلام، فخلعوا ربقته من أعناقهم، وأظهروا لأهل الشرك الموافقة على دينهم، ودخلوا في طاعتهم وآووهم ونصروهم، وخذلوا أهل التوحيد، وابتغوا غير سبيلهم وخطئوهم، وظهر فيهم سبهم وشتمهم وعيبهم والاستهزاء بهم، وتسفيه رأيهم في ثباتهم على التوحيد، والصبر عليه وعلى الجهاد فيه، وعاونوهم على أهل التوحيد طوعا لا كرها، واختيارا لا اضطرارا. فهؤلاء أولى بالكفر والنار، من الذين تركوا الهجرة شحا بالوطن، وخوفا من الكفار، وخرجوا في جيشهم مكرهين خائفين)([74])

وقال: (فهذه الآية مطابقة لحال المنقلبين عن دينهم في هذه الفتنة، يعبدون الله على حرف، أي على طرف، ليسوا ممن يعبد الله على يقين وثبات، فلما أصابتهم هذه الفتنة انقلبوا عن دينهم، وأظهروا موافقة المشركين، وأعطوهم الطاعة، وخرجوا من جماعة المسلمين إلى جماعة المشركين، فهم معهم في الآخرة كما هم معهم في الدنيا، فـخسروا الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين)([75])

وقال يصف العثمانيين وجيشهم: (فأخبر تعالى خبرا بمعنى الأمر بولاية الله ورسوله والمؤمنين، وفي ضمنه النهي عن موالاة أعداء الله ورسوله والمؤمنين، ولا يخفى أي الحزبين أقرب إلى الله ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، أأهل الأوثان والقباب.. واللواط والخمور والمنكرات، أم أهل الإخلاص وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة؟ فالمتولي لضدهم واضع للولاية في غير محلها، مستبدل بولاية الله ورسوله والمؤمنين المقيمين للصلاة المؤتين للزكاة ولاية أهل الشرك والأوثان والقباب) ([76])

ومثله الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (ت 1293 هـ) الذي كتب رسالة إلى الشيخ حمد بن عتيق بشأن استعانة عبد الله بن فيصل في ذلك الوقت بالعثمانيين ضد أخيه سعود بن فيصل عندما تغلب عليه في معركة (جودة) في حوادث عام 1289 هـ قال فيها: (وعبد الله له ولاية وبيعة شرعية في الجملة، ثم بدا لي بعد ذلك أنه كاتب الدولة الكافرة واستنصرها واستجلبها على ديار المسلمين فصار كما قيل: والمستجير بعمرٍ عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار، فخاطبته شفاهاً بالإنكار والبراءة، وأغلظت له بالقول، وإن هذا هدم لأصول الإسلام وقلع لقواعده، وفيه، وفيه، وفيه، مما لا يحضرني الآن تفصيله، فأظهر التوبة والندم، وأكثر الاستغفار وكتبت على لسانه لوالي بغداد: إن الله قد أغنى ويسر وانقاد من أهل نجد والبوادي ما يحصل به المقصود إن شاء الله تعالى ولا حاجة لنا بعساكر الدولة وكلام هذا الجنس، وأرسل الخط فيما أرى وتبرأ مما جرى..وهي طويلة) ([77])

وقال في دخول العثمانيين للجزيرة عام 1298 هـ: (فمن عرف هذا الأصل الأصيل ـ أي التوحيد ـ عرف ضرر الفتن الواقعة في هذه الأزمان بالعساكر التركية، وعرف أنها تعود على هذا الأصل بالهد والهدم والمحو بالكلية، وتقتضي ظهور الشرك والتعطيل ورفع أعلامه الكفرية) ([78])

ومثلهم الشيخ حمد بن عتيق (ت 1301 هـ)، والذي كان من أشد السلفيين تشددا في تكفير العثمانيين، وكل من والاهم أو دافع عنهم، وقد كتب رسالة في بيان كفرهم وحرمة موالاتهم عنوانها [سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك]

وقد وصفها الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري بقوله: (وكذلك: سبب تصنيف الشيخ حمد بن عتيق [سبيل النجاة] هو لما هجمت العساكر التركية على بلاد المسلمين، وساعدهم من ساعدهم، حتى استولوا على كثير من بلاد نجد)([79])

ومما جاء في الرسالة قوله: (ومما أخبر أن أمته تقاتل الترك.. فكان من حكمة الله تعالى وعدله أن سلطهم المسلمين، لما ظهرت فيهم الملة الحنيفية، ودعوا على الطريقة المحمدية. ولكن حصل من بعضهم ذنوب، بها تسلطت هذه الدولة الكفرية [أي الدولة العثمانية])([80])

ونلاحظ هنا كيف يستخدمون الأحاديث النبوية متى شاءوا، فالحديث الذي يروونه في البخاري ومسلم، والذي يكتمونه الآن، كانوا يستخدمونه في ذلك الحين أبشع استخدام لضرب الدولة العثمانية، وهو ما رواه أبو هريرة يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الوجوه ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر)([81])

ولو أن هذا الحديث جاء في إيران، لتحول إلى سورة من سور القرآن، ولأوجبوا روايته، وخاصة مع وروده في الصحيحين، لكنهم الآن لا يكادون يذكرونه، لأنهم يتعاملون مع النصوص المقدسة وفق ما تمليه الأهواء والرغبات.

ولم يكتف الشيخ حمد بن عتيق بتلك الرسالة، بل كتب رسالة أخرى بعنوان [الدفاع عن أهل السنة والإتباع]، ألفها لبيان حكم الهجرة عن بلد استولت عليه العساكر التركية (الذين قد شاع كفرهم وتنوع فسادهم)([82])

ومن أعيان السلفية المكفرين للدولة العثمانية، ولكل من والاها، الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف (ت 1339 هـ) الذي سئل عمن لم يكفر الدولة [أي الدولة العثمانية]، فأجاب بقوله: (من لم يعرف كفر الدولة، ولم يفرق بينهم وبين البغاة من المسلمين، لم يعرف معنى لا إله إلا الله،؛ فإن اعتقد مع ذلك: أن الدولة مسلمون، فهو أشد وأعظم، وهذا هو الشك في كفر من كفر بالله، وأشرك به; ومن جرهم وأعانهم على المسلمين، بأي إعانة، فهي ردة صريحة)([83])

أما الشيخ سليمان بن سحمان (ت 1349هـ)، فقد قال في قصيدة له ([84]):

وما قال في الأتراك من وصف كفرهم فحق فهم من أكفر الناس في النحل

وأعداهم للمسلمين وشرهم ينوف ويربو في الضلال على المللْ

ومن يتول الكافرين فمثلهم ولا شك في تكفيره عند من عقلْ

ومن قد يواليهم ويركن نحوهم فلا شك في تفسيقه وهو في وجلْ

 ولعل هذا الموقف هو الذي جعل ابن باديس المتأثر بالوهابية لدرجة كبيرة جدا، يختلف مع أكثر علماء الأمة في الموقف من كمال أتاتورك حين أثنى عليه حيا وميتا، فقد رثاه بعد موته بهذه الكلمات التي لم يرث بمثلها غيره، فقد قال: (في السابع عشر من رمضان المعظم ختمت أنفاس أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث، وعبقري من أعظم عباقرة الشرق، الذين يطلعون على العالم في مختلف الأحقاب، فيحولون مجرى التاريخ ويخلقونه خلقاً جديداً ذلك هو مصطفى كمال بطل غاليبولي في الدردنيل وبطل سقاريا في الأناضول وباعث تركيا من شبه الموت إلى حيث هي اليوم من الغنى والعز والسمو)([85])

وقد برر ابن باديس هذا الموقف بقوله: (إن الإحاطة بنواحي البحث في شخصية أتاتورك (أبي الترك) مما يقصر عنه الباع، ويضيق عنه المجال، ولكنني أرى من المناسب أو من الواجب أن أقول كلمة في موقفه إزاء الإسلام. فهذه هي الناحية الوحيدة من نواحي عظمة مصطفى أتاتورك التي ينقبض لها قلب المسلم ويقف متأسفاً ويكاد يولي مصطفى في موقفه هذا الملامة كلها حتى يعرِّف المسؤولين الحقيقيين الذين أوقفوا مصطفى ذلك الموقف فمن هم هؤلاء المسؤلون؟.. المسؤولون هم الذين كانوا يمثلون الإسلام وينطقون باسمه، ويتولون أمر الناس بنفوذه، ويعدون أنفسهم أهله وأولى الناس به)([86])

ثم يحدد هؤلاء، والذين اعتبر أتاتورك بالرغم من توجهه العلماني أو الإلحادي أفضل منهم، فذكر أنهم (خليفة المسلمين شيخ إسلام المسلمين ومن معه من علماء الدين، شيوخ الطرق المتصوفون، الأمم الإسلامية التي كانت تعد السلطان العثماني خليفة لها)([87])

ولم يكتف السلفية بذلك التكفير العام للدولة العثمانية، بل راحوا يكفرون سلاطينها ـ لا بسبب استبدادهم وظلمهم ـ وإنما بسبب انتمائهم للطرق الصوفية.

فمن سلاطين العثمانيين الذين كفروهم: السلطان أورخان الأول (ت 761 هـ)، وهو السلطان الثاني لهذه الدولة بعد أبيه عثمان (عثمان الأول ت 726 هـ)، وسبب تكفيرهم له هو أنه كان صوفياً على الطريقة البكتاشية([88]).

ومنهم السلطان محمد الثاني (الفاتح)(ت 886 هـ)، وسبب تكفيرهم له أنه (بعد فتحه للقسطنطينية سنة 857 هـ، كشف موقع قبر (أبي أيوب الأنصاري) وبنى عليه ضريحاً، وبنى بجانبه مسجداً وزين المسجد بالرخام الأبيض وبنى على ضريح أبي أيوب قبة، فكانت عادة العثمانيين في تقليدهم للسلاطين أنهم كانوا يأتون في موكب حافل إلى هذا المسجد ثم يدخل السلطان الجديد إلى هذا الضريح ثم يتسلم سيف السلطان (عثمان الأول) من شيخ (الطريقة المولوية)([89])

ومنهم السلطان سليمان القانوني (ت 974 هـ)، وسبب تكفيرهم له أنه (لما دخل (بغداد) بنى ضريح أبي حنيفة وبنى عليه قبة، وزار مقدسات الرافضة في (النجف) و(كربلاء) وبنى منها ما تهدم)([90])

ومنهم السلطان سليم خان الثالث (ت 1223 هـ)، والذي قاله فيه الإمام سعود بن عبد العزيز في رسالته لوالي بغداد – والتي سبق ذكرها-: (وحالكم وحال أئمتكم وسلاطينكم تشهد بكذبكم وافترائكم في ذلك – أي في ادعائهم الإسلام – وقد رأينا لما فتحنا الحجرة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام عام (اثنين وعشرين) رسالة لسلطانكم (سليم) أرسلها ابن عمه إلى رسول الله k يستغيث به ويدعوه ويسأله النصر على الأعداء، وفيها من الذل والخضوع والخشوع ما يشهد بكذبكم)([91])

ومنهم السلطان عبد الحميد الثاني (1327 هـ)، وقد كفروه بسبب انتمائه للطريقة (الشاذلية)، ويذكرون في مبررات تكفيرهم له رسالة له إلى شيخ الطريقة الشاذلية في وقته يقول فيها: (الحمد لله..أرفع عريضتي هذه إلى شيخ الطريقة العلية الشاذلية، وإلى مفيض الروح والحياة، شيخ أهل عصره الشيخ محمود أفندي أبي الشامات وأقبل يديه المباركتين، راجياً دعواته الصالحات، سيدي: إنني بتوفيق الله تعالى أدوام على قراءة الأوراد الشاذلية ليلاً ونهاراً، وأعرض أنني لا زالت محتاجاً لدعواتكم القلبية بصورة دائمة)([92])

ولم تكن هذه المواقف علمية فقط، بل كان لها أبعادا سياسية استغلها الاستعمار أبشع استغلال، وفي أحلك الفترات التي مرت بها الدولة العثمانية، ومن الأمثلة على ذلك([93])، أنه بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى في أغسطس سنة 1914م، وفي شهر نوفمبر وافق الشيخ مبارك بن صباح الصباح (ت 1915)، والذي كان حينها موظفا عثمانيا على الوقوف مع بريطانيا للهجوم على أم قصر، وصفوان، والبصرة، وتم إعلان الحماية البريطانية على الكويت بصورة رسمية، لتشكل الحرب العالمية بذلك منعطفا تاريخيا مهما في تاريخ المنطقة([94]).

وسبب ذلك هو أن البريطانيين وعدوا عرب الجزيرة بأنهم إذا وقفوا مع انجلترا في هذه الحرب ضد الخلافة العثمانية (ستضمن انجلترا عدم حدوث تدخل داخل شبه الجزيرة العربية، وستقدم للعرب كل مساعدة ضد العدوان الخارجي.. وكان ريجينالد وينغنيت ـ المندوب السامي البريطاني في مصر ـ يؤمن بتحريض القبائل في شبه الجزيرة العربية لمصلحة بريطانيا، وكان يحث على عامل فوري منذ بداية الحرب بهدف إغراء العرب بالابتعاد عن الدولة العثمانية وقد كتب بتاريخ 14 / 1 / 1915م إلى كلايتون قائلا: أخشى أن يكون العمل البريطاني قد تأخر طويلا حتى إني بدأت أشك في إمكانية نجاحنا الآن في فصل العرب عن العثمانيين)([95])

وقد رد مبارك بتاريخ 18/ 8 سنة 1914م على خطاب الوكيل السياسي البريطاني الذي أخبره باندلاع الحرب برسالة جاء فيها: (وإني معكم ومعي جميع العشائر الذين رأيتموهم، وبكل اجتهادنا ورجالنا وسفننا تحت أمركم)

وهكذا تحالفوا مع ابن سعود بشكل مباشر لمواجهة الدولة العثمانية على أرضها، وعلى يد موظفيها في الجزيرة العربية، فأرسلت في شهر نوفمبر من السنة نفسها [الكابتن شكسبير] في مهمة سرية إلى ابن سعود للاتصال به شخصيا، ومرافقته للتأثير عليه ليقف مع الحلفاء، كما استخدمت مبارك الصباح أيضا لتحقيق هذا الغرض، وقد قام مبارك بإرسال رسالة بإملاء من الوكيل السياسي في الكويت إلى ابن سعود قال فيها: (إن الدولة البهية – بريطانيا – تبغي منا ومنكم المساعدة الكاملة للتأثير في أصدقائنا وعشائرنا والقبائل التابعة لنا، وأن نعرّف شريف مكة وابن شعلان بغواية الدولة الجرمانية، وسترسل الدولة لكم الكابتن شكسبير المعروف عند العرب جميعا حتى يعرفكم بمقاصد الدولة البهية ونياتها، وهي تبغي منكم أنت والشيوخ المقيمين على شط البحر وساحل الخليج ألا تفعلوا شيئا من الحركات حتى بعد نشوب الحرب)([96])

وقد وافق ابن سعود على رسالة مبارك بالوقوف مع بريطانيا، وأن أمره تابع لأمر مبارك، وأنه لا يخالف أمره، وأن موقفه مع بريطانيا معروف، وأنه لا يتخذ أمرا إلا بعد إعلام وكيلها السياسي في الكويت([97]).

وقد عبر فرومكين عن هذا بقوله: (لقد عبر ابن سعود لشكسبير، كما فعل عبد الله بن الشريف حسين في القاهرة، عن استعداده لكي تصبح إمارته دولة زبونة لبريطانيا.. وما إن نشبت الحرب حتى رأت الهند نفسها حرة في دعم صاحبها ابن سعود، ووجدت في الوقت ذاته أن القاهرة كانت تدعم منافسه في مكة، كانت الهند تعتقد أنه إذا ما انقلب العرب يوما على الحكومة العثمانية فيجب أن يقود هذه الثورة ابن سعود، ولكن في ديسمبر 12/1914م رأى نائب الملك في الهند أن عملا كهذا سابق لأوانه، بينما اتخذ كيتشنر وأتباعه في الخرطوم نظرة معاكسة فتطلعوا إلى الشريف حسين باعتباره حليف بريطانيا الهام)([98])

وللأسف، فإن كل هذا لا يذكر، ويذكرون فقط الدولة الصفوية بكونها هي وحدها من تسبب في سقوط الدولة العثمانية، وحرم المسلمين من فتح العالم، مع العلم أنه في ذلك الوقت الذي قامت فيه تلك التحالفات بين العرب والإنجليز، وخصوصا في المناطق التي كان ينتشر فيها الوهابيون، على مواجهة الدولة العثمانية، رفض علماء الشيعة ذلك التحالف، وأصدر علماء النجف فتواهم الشهيرة بذلك، يحرمون فيها الوقوف مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية، ويوجبون (الاتفاق مع المسلمين في درء خطر هذا الغزو، لأن حكم الدين لا يفرق بين الإيراني والعثماني)([99])

ولم يكتفوا بذلك، بل كانوا كل حين يرفضون الدخول في أي تحالفات مع الغزاة في وجه الدولة العثمانية، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، ومنها أن علماء الشيعة في النجف، كربلاء، الكاظمية ومختلف البلاد العراقية دعو إ إلى اعلان الجهاد فور تعرّض العراق لهجوم القوات البريطانية، وقد كتبوا في ذلك الفتاوى يعلنون فيها الجهاد المقدس والنفير العام([100]).

وقد كانت تلك الفتاوى والبيانات تتلى علناً في المساجد، وينادى بها في الأسواق، وأخذ الوعاظ والخطباء يلهبون مشاعر الناس بخطبهم الحماسية، ويؤكدون فيها أن الانكَليز إذا احتلوا العراق فسيهدمون مساجده وعتباته المقدسة ويحرقون القرآن، وينتهكون حرمات النساء، ويذبحون الأطفال والشيوخ، فاجتمع الناس في الساحات والميادين وصحون العتبات ينتظرون أوامر علمائهم، فأصدر العلماء أمراً بوجوب الدفاع عن كل مسلم، وأبرقوا بهذا المضمون إلى العشائر المحيطة بالبصرة، ثم توالت الاجتماعات، وألقيت الخطب المثيرة([101]).

ففي الكاظمية، وفي المنبر وقف السيد مهدي الحيدري، فوعظ وحرّض، وأعلن خروجه بنفسه إلى ميدان الحرب([102])، أما النجف فوصلها وفد من بغداد مؤلف من بعض الشخصيات كمحمد فاضل باشا الداغستاني، وشوكت باشا، والشيخ حميد الكليدار وغيرهم لمحادثة المجتهدين الكبار في هذا الأمر([103]).

ولدى وصولهم استقبلوا بحفاوة بالغة، ثم عقد اجتماع حافل في جامع الهندي حضره الكثير من العلماء والوجهاء ورؤساء العشائر، وخطب فيه السيد محمد سعيد الحبوبي، والشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ محمد جواد الجواهري، حيث ذكروا وجوب مشاركة الحكومة المسلمة في دفع الكفّار عن بلاد الإسلام([104])، ثم قام مبدر آل فرعون رئيس عشيرة آل فترلة فألقى كلمة قال فيها: (إن الاتراك إخواننا في الدين، وواجب علينا مساعدتهم في طرد الأعداء من بلادنا) ([105])

وبعدها ذهب الشيخ حميد الكليدار إلى الكوفة لمقابلة المرجع الديني الأعلى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي وعرض أمر الجهاد عليه، فوافق السيد اليزدي على إرسال ولده السيد محمد لينوب عنه في استنهاض العشائر للجهاد.

وفي 16 كانون الأول 1914م صعد اليزدي المنبر في الصحن الحيدري وخطب في الناس خطبة حثّهم فيها على الدفاع عن البلاد الإسلامية، وأوجب على الغني العاجز بدناً، ان يجهّز من ماله الفقير القوي. فكان لكلامه صدى رددته الأطراف([106])

وهكذا توجّه من النجف إلى ساحة الحرب عن طريق الفرات عدد من المجتهدين مع أتباعهم، وصاروا ينزلون في المدن والعشائر الواقعة في طريقهم بغية تحريضهم على الجهاد، فكانت أول مجموعة من المجاهدين برئاسة السيد محمد سعيد الحبوبي، وكان أشد المجاهدين حماساً للجهاد، فقد خرج مع جماعة من أصحابه من النجف سنة 1914م في موكب رهيب، وبعد نزوله في كثير من المدن والعشائر وصل الناصرية، وكان فيها اثناء مكوثه دائب الحركة، حيث يتجوّل بين العشائر المجاورة ويرسل اعوانه من شبان الطلبة كالشيخ باقر الشبيبي وعلى الشرقي إلى العشائر البعيدة لحثهم على الانضمام إلى حركة الجهاد.

أما في بغداد فقد كان آية الله محمد الخالصي (ولد 1306 هـ) من أشد الناس حماسة للجهاد في الكاظمية، وقد كتب في ذلك رسالة بعنوان [الحسام البتار في جهاد الكفّار] نشرتها جريدة [صدى الاسلام] على حلقات متتابعة، ولم يكتف الخالصي بهذا، بل أصدر حكماً أوجب فيه على الناس صرف جميع أموالهم في الجهاد حتى تزول غائلة الكفّار، ومن امتنع عن بذل ماله وجب أخذه منه كرها.

وهكذا ضرب علماء الشيعة وعوامهم أحسن الأمثلة على الجهاد في ذلك الوقت، على الرغم من كون العثمانيين استعملوا الكثير من العلماء لتكفيرهم، ومن الأمثلة على ذلك ما عبر عنه الشيخ ابن عابدين الدمشقي الحنفي بقوله: (وقد أكثر مشايخ الإسلام من علماء الدولة العثمانية لا زالت مؤيدة بالنصرة العلية في الإفتاء في شأن الشيعة المذكورين وقد أشبع الكلام في ذلك كثير منهم وألفوا فيه الرسائل وممن أفتى بنحو ذلك فيهم المحقق المفسر أبو السعود أفندي العمادي ونقل عبارته العلامة الكواكبي الحلبي في شرحه على منظومته الفقهية المسماة الفرائد السنية ومن جملة ما نقله عن أبي السعود بعد ذكر قبائحهم على نحو ما مر فلذا أجمع علماء الأعصار على إباحة قتلهم وأن من شك في كفرهم كان كافرا فعند الإمام الأعظم وسفيان الثوري والأوزاعي أنهم إذا تابوا ورجعوا عن كفرهم إلى الإسلام نجوا من القتل ويرجى لهم العفو كسائر الكفار إذا تابوا وأما عند مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وليث بن سعد وسائر العلماء العظام فلا تقبل توبتهم ولا يعتبر إسلامهم ويقتلون حدا إلخ فقد جزم بقبول توبتهم عند إمامنا الأعظم وفيه مخالفة لما مر عن المجموعة ويظهر لي أن هذا هو الصواب وهذه مسألة مهمة ينبغي تحريرها والاعتناء بها زيادة على غيرها فقد وقع فيها خبط عظيم وكان يخطر لي أن أجمع فيها رسالة أذكر فيها ما حررته في حاشيتي على الدر المختار وغيره فلا بأس أن أذكر في هذا المقام ما يوضح المرام إسعافا لأهل الإسلام من القضاة والحكام وإن استدعى بعض طول في الكلام فنقول وبالله التوفيق)([107])

6 ـ هل فرض الصفويون التشيع في إيران؟

من أهم الادعاءات التي يطرحها الطائفيون ادعاؤهم أن التشيع في إيران، لم يكن له من سبب سوى الصفويين، وأنهم فرضوه فرضا، وهم يرددون هذا، ويعتبرونه من جرائم الصفوينن، مع إقرارهم أن كل المذاهب فرضت عن طريقة السياسة، إما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

ومع علمهم أيضا بأن الكثير من السنيين كانوا يعيشون في ظل الحكم الصفوي، ولم يجبروا على التشيع، وعلمهم كذلك بأن التشيع كان في إيران منذ العصر الأول.

والعجيب في تناقضاتهم، أنهم يذكرون أن إيران كانوا مجوسا، وأنهم بعد الفتح الإسلامي لم يسلموا حقيقة، وإنما اتخذوا التشيع ذريعة لحرب الإسلام، ولذلك يسمونهم بالمجوس، ولست أدري كيف تستقيم هذه التهم جميعا في محل واحد.

لكن داء الطائفية جعلهم يفكرون بطريقة غير عقلانية، ويستعملون كل ألوان الخدع والحيل ليتلاعبوا بها على عقول أتباعهم الذين ألغوا عقولهم، فصاروا يفكرون ويقررون بدلهم.

وحتى لا تكون أحاديثنا مجرد دعاوى؛ فسنذكر هنا ما طرحناه من حقائق على سبيل الإجمال.

أ ـ أن ذلك في حال صحته ليس خاصا بالصفويين:

وأولها أن ذلك في حالة صحته، ليس بدعة ابتدعها الصفويون، بل إن كل المذاهب الإسلامية كان للساسة دور فيها، وذلك ما يجعل الطائفيين في الخيار بين أن ينكروا على الجميع، ابتداء من الحركة السلفية التي فُرضت بالقوة في الحجاز وغيرها، أو أن يجعلوا الصفويين في حل من أمرهم، ذلك أنهم لم يمارسوا إلا ما مارسه كل من سبقهم، أو جاء بعدهم، فلا يصح لأحد أن ينكر على قوم جريمة، ويعاقب آخرين عليها.

 ومن الشواهد على دور الساسة في نشر المذاهب الفقهية، ما ذكره ابن حزم عن أسباب انتشار المذهب الحنفي والمالكي في كثير من البلاد الإسلامية، فقد قال: (مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة؛ فإنه لما ولي قضاء القضاة أبو يوسف كانت القضاة من قِبَله، فكان لا يولي قضاء البلاد من أقصى المشرق إلى أقصى أعمال إفريقية إلا أصحابه والمنتمين إلى مذهبه، ومذهب مالك بن أنس عندنا؛ فإن يحيى بن يحيى كان مكيناً عند السلطان، مقبول القول في القضاة، فكان لا يلي قاضٍ في أقطارنا إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى الدنيا والرياسة، فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به، على أن يحيى بن يحيى لم يلِ قضاء قط ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائداً في جلالته عندهم، وداعياً إلى قبول رأيه لديهم، وكذلك جرى الأمر في أفريقية لما ولي القضاء بها سحنون بن سعيد، ثم نشأ الناس على ما انتشر)([108])

وهكذا يقال في الدولة العثمانية التي تبنت المذهب الحنفي، فقد كان المذهب الرسمي لها، ولهذا لا تزال دول كثيرة تعتمد هذا المذهب في أحوالها الشخصية تأثراً بالفترة العثمانية السالفة، والتي امتدت من عام (699 هـ إلى 1342 هـ – 1299 م إلى 1924 م)

والأمثلة على ذلك أكثر من أن نحصرها فيما ذكرنا، والعجيب أن السلفية أنفسهم يقرون بذلك، ولهذا سأنقل بعض الشواهد من بعضهم، وهو من الغارقين في مستنقع الطائفية حتى النخاع، فقد ذكر في كتابه [التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي خلال العصر الإسلامي] الكثير من الأمثلة على الدور السياسي في نشر المذاهب الفقهية.

وسننقل نص ما قاله بطوله، حتى يعرف الطائفيون مدى ازدواجية المعايير التي يتعاملون بها، فقد قال: (كانت معظم الدول الإسلامية التي شهدها العصر الإسلامي متمذهبة متعصبة للمذاهب التي تبنتّها، مع اختلاف درجة التعصب من دولة لأخرى، فالدولة العباسية اتخذت الفقه المذهب الحنفي مذهبا رسميا لها وانتصرت له، لكنها في أصول الدين لم تتبن مذهبا معينا لها، وإنما كانت تنتصر للمذهب الذي يتبناه خليفة الوقت، ففي زمن الخليفة المأمون والمعتصم والواثق (198-232هـ)، كانت متعصبة لمذهب المعتزلة تعصبا سافرا، اضطهدت من أجله معارضيها بلا شفقة، وفي عهد الخليفتين القادر بالله (381-422هـ) وابنه القائم بأمر الله (422-567هـ)، كانت على مذهب الحنابلة وأهل الحديث في الأصول، فتعصّبت له وضيّقت على معارضيه، ولكنها في زمن الوزير السلجوقي نظام الملك(ت 485هـ) وبتأثير منه انتصرت للمذهب الأشعري وضيقت على خُصومه..  ومنها أيضا الدولة الأيوبية بمصر والشام واليمن (569-648هـ)، تمذهبت في الأصول بالمذهب الأشعري، وفي الفروع بالمذهب الشافعي، وتعصبت لهما علانية، ومكّنت لهما في الدولة، وضيّقت على مخالفيها من الحنابلة وأهل الحديث.. وكذلك الدولة المملوكية بمصر والشام (648-923هـ)، فقد سارت على نهج الدولة الأيوبية، في التمذهب بالأشعرية، وتعصبت لها تعصبا شديدا، حتى أنه كان من يجرؤ على مخالفتها علانية ـ زمن المؤرخ المقريزي(ت 855هـ) ـ يكون مصيره القتل ـ وأما دول المغرب الإسلامي، فمنها الدولتان الخارجيتان: المدرارية والرستمية، تمذهبت الأولى بالمذهب الصُفري، والثانية بالمذهب الإباضي، وكل منهما تعصب لمذهبه، ومنها الدولة الزيرية، فإنها تمذهبت بالمذهب المالكي عندما انفصلت عن الدولة العبيدية الفاطمية نحو سنة 434هـ، وانتصرت له انتصارا كبيرا، وفرضته على رعيتها،و تعصّبت على غيره من المذاهب.. ومنها أيضا الدولة المرابطية (453-541هـ)، تمذهبت في الفروع بالمذهب المالكي، وتمذهبت في الأصول بمذهب السلف وأهل الحديث، وانتصرت لهما انتصارا كبيرا، وتعصبت على من يُخالفهما من المتكلمين، والفلاسفة، والصوفية.. ومنها الدولة الموحدية (441-668هـ)، تمذهبت بالأشعرية في الأصول، وانتصرت لها انتصارا كبيرا، وتعصّبت على المالكية تعصبا زائدة، وحاربت التمذهب عامة، واشتدت في التعصب على خُصومهم المرابطين، فكفّرتهم واستباحت دماءهم وأعراضهم)([109])

وما دام الأمر بهذه الصفة، وأنه لا تخلو دولة من الدول من اعتماد مذهب من المذاهب، بما فيها الدولة العثمانية نفسها؛ فلم العتب على الدولة الصفوية في ذلك، فإن كان جريمة فهم جميعا شركاء في الجريمة، ولا يصح أن يعاقب مجرم، ويُترك آخر؟

ب ـ أن التشيع كان في إيران قبل الصفويين:

وهي من الحقائق التي لا يشك فيها أحد من المنصفين، ذلك أن كبار علماء الشيعة كانوا من إيران، ولذلك فإن وجود التشيع فيها قديم، ولم يبدأ مع الصفويين، وربما كان للصفويين دور في تنشيط حركة التشيع، ولكنها ليست هي التي فرضته، بدليل وجود السنيين إلى الآن، وفي المناطق التي حكمها الصفويون.

أما اعتناق الكثير من الناس للتشيع بسبب كون الصفويين قد تحولوا من المذهب السني إلى الشيعة، فهذا شيء طبيعي، والناس على دين ملوكهم كما يقال، ثم ما المانع أن تكون القناعة التي حصلت للصفويين حصل مثلها لسائر الذين تشيعوا؟

بالإضافة إلى ذلك، فإن الطائفيين أنفسهم يذكرون أن التصوف قنطرة للتشيع، وقد كان التصوف في ذلك الحين نشيطا، ولم يكن هناك مانع من تحول أي طريقة من الطرق برغبة مريديها إلى التشيع، خاصة إن وجدوا دعاة أكفاء لذلك.

والدليل على ذلك أن الفاطميين استطاعوا بدعاة محدودين، ومن غير سلاح أن يجندوا قبائل مغربية كبيرة لصفهم، ويقيموا دولة كاملة، وبأساليب بسيطة، فما المانع في أن تكون الحركة الشيعية نشطت بفعل الدعاة، لا بفعل الساسة؟

وقد ذكر الشيخ علي الكوراني مدى انتشار التشيع في إيران قبل الدولة الصفوية، والعوامل المساعدة على ذلك، ولعله هو السبب الذي جعل الصفويين يعتنقون المذهب الشيعي، حتى يكسبوا الرعية، أو لعله قناعة حصلت لهم من دون أن يكون لذلك أي أغراض سياسية، فقال: (انتشر التشيع في اليمن والكوفة والشام والعالم، وكان الغالب على إيران التسنن، وفيها شخصيات وبقاع شيعية، وبهذا المعنى فإن التشيع في إيران قديم من مطلع الإسلام، وقد غرس بذرته المباركة سلمان الفارسي عندما قام بدوره الواسع في فتح إيران، ثم عندما حكمها من المدائن عاصمة كسرى، وساهم مع سلمان في نشر التشيع كبار الصحابة كحذيفة وعمار والعشرات من تلاميذ علي ممن شاركوا في فتح العراق وإيران وبلغوا فيها الدين)([110])

وهكذا بعد عصر الصحابة، وما حصل من مأساة كربلاء، والتي كانت سببا في انتشار التشيع في كثير من البلاد الإسلامية، يقول الكوراني: (ثم نصل إلى ثورة التوابين، وبعدها ثورة المختار للأخذ بثار الحسين، فنرى كثرة الإيرانيين المشاركين فيها، حتى سماهم الأمويون الكيسانية، نسبة إلى كيسان الفارسي، الذي كان من أصحاب المختار الخاصين.. ثم نصل إلى تأسيس الأشعريين الشيعة مدينة قم، في عصر الإمام زين العابدين، وانتقال العلماء والرواة المضطهدين إليها، وسرعان ما عمرت وامتلأت بالشيعة، ونشطوا لنشر التشيع في إيران.. ثم نصل إلى مجئ الإمام الرضا إلى إيران، والهزة العميقة التي أحدثها في عقيدة الإيرانيين وأفكارهم، والتلاميذ الذين تخرجوا عليه، وتأثروا به.. ثم نصل إلى دولة الشيعة الزيديين في شمال إيران التي دامت أكثر من قرن.. ثم نصل إلى أصحاب الأئمة من أهل البيت، فنجد كثرة منهم من مناطق إيران المختلفة، ومن كابل، وبلخ، وبخارى، وسمرقند، والشيشان، والكرج أي جورجيا، ومدن آذربيجان، وتركيا.. ثم نصل إلى حركة البويهيين وكانوا طالبي ملك، لكنهم كانوا مع أكثرية جنودهم شيعة، وسيطروا على إيران، ثم العراق، وفرضوا على الخلافة العباسية الاعتراف بسلطانهم، وحقهم في تعيين الخليفة وعزله.. ثم نصل إلى موجة التشيع التي أحدثها نصير الدين الطوسي، والتي كانت استثماراً لمخزون التشيع الماضي في إيران، وإطلاقاً لموجة تشيع جديدة، تفاعلت وتنامت حتى وجدت قيادة كفوءة من الصفويين، فاستوعب التشيع كل إيران تقريباً)([111])

وهكذا كان التشيع منتشرا قبل الصفويين، وقد ساعد على الزيادة في نشاطه ـ كما يذكر الكوراني ـ الكثير من العوامل، ومنها ما عبر عنه بقوله: (كان المد الشيعي الذي أحدثه نصير الدين الطوسي قوياً، وقد ساعد على نجاحه أن الحكم المغولي طبق سياسة المذهب الشيعي في الحريات المذهبية والإعمار والخدمات، فكسب رضا الجميع، وقد استفاد السيد صفي الدين الأردبيلي شيخ الطريقة الصفوية، من هذا المد فبدا هو وأولاده بالعمل لإقامة الدولة الصفوية)([112])

ومنها (سيرة الجوينيين والسلطان محمد خدابندة وابنه بو سعيد، فقد كانت سبباً في قبول العراقيين بحكم المغول الإيلخانيين بعد بو سعيد، فحكموا العراق قرنين، وشملت دولتهم الأهواز وتبريز وهمدان وغيرها. ورضي بهم السنة العراقيون وفيهم حنابلة متعصبون، ولم يطرحوا إعادة حكم الخلافة العباسية أو غيرها، بل لم نسمع منذ سقوط الخلافة العباسية صوتاً واحداً من أهل العراق يطالب بإعادة الخلافة أو يدعو إلى مقاومة المغول، مع أنه كان في بغداد سنة متعصبون، وسبب ذلك أن السنة العراقيين ومنهم الحنابلة، طلقوا الخلافة العباسية بالثلاث غير آسفين عليها، وفضلوا عليها نمط الحكم الذي قدمه الشيعة في الحرية والبناء، بل التفوا في القرن الثامن والتاسع حول الحكام الإيلخانيين الشيعة، ووقفوا معهم أمام غزو تيمور لنك وغيره، فهم يشعرون أن المغول الإيلخانيين مسلمون عراقيون، وأنهم خير لهم من الخلافة، بينما نرى أتباع الخلافة في البلاد البعيدة يتغنون ببغداد المنصور والرشيد والمتوكل، وكأنه لا خَبَرَ عندهم بأن بغداد طلقت الخلافة بالثلاث، وأن العباسيين أنفسهم لم يطالب أحد منهم بإعادة الخلافة، مع أنهم كانوا كثرة وكان لهم نقابة في بغداد ! فقد وجدوا كغيرهم في حكم الجوينيين من الحرية والإعمار ما لم يجدوه في حكم الخلفاء)([113])

وبهذا، فإن هذه الاتهامات لا مبرر لها، وهي إن صحت، فلا ينبغي لمن يريد أن يحكم بالعدل أن يتهم قوما دون قوم، فإن كان الصفويون قد أجرموا في نشر المذهب الشيعي، فقد أجرم آل سعود في نشر المذهب السلفي، وأجرم الأيوبيون في نشر المذهب الشافعي والأشعري، وأجرم العثمانيون في نشر المذهب الحنفي والماتريدي، وهكذا تصبح كل الدول الإسلامية مجرمة، بما فيها الدول المعاصرة التي يتبنى أكثرها مذاهب بعينها يفتي على أساسها، ويدرس طلبته وأئمته بناء على أقوالها.

7 ـ أيهما كان سبب تخلف المسلمين؟

يتفق كل الباحثين على تسمية العصر الذي حكمت فيه الدولة العثمانية العالم الإسلامية، أو ما يمكن تسميته [الدورة الاستخلافية العثمانية]، بكونها أسوأ فترات التاريخ الإسلامي، لكونها اتسمت بالضعف والانحلال في كل شيء، إلا في التفوق العسكري الذي لم يكن سوى نوع من الفرار من الذات، بإبراز العضلات أمام العالم.

ولذلك كانوا ـ طيلة تاريخهم ـ منشغلين بالصراعات الداخلية والخارجية، بغية الوصول إلى السلطنة، أو بغية توسيعها، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تتطور من النواحي العلمية والتقنية.

وكان يمكن للعثمانيين، لو انتهجوا نهجها في ذلك أن يكون وضعهم ووضع العالم الإسلامي الآن مختلفا تماما، لكنهم فرطوا في الأمانة التي وكلت لهم، وحاق بهم ما نزل بالأمم من قبلها، حين تنتفخ، ثم تنفجر.

ولذلك لا حرج علينا أن نعتبرهم سببا من أسباب تخلف المسلمين، وطبعا ليسوا وحدهم في ذلك، فقد بدأ تخلف المسلمين من أول أيام الملك العضوض، حيث صار دور المسلمين حماية السطان، وعرش السلطان، وما يرضي السلطان.. ثم إبراز العضلات للعالم، والتغني بالأمجاد المزيفة، بعيدا عن القيم التي جاء بها القرآن الكريم.

ونحن لا نعفي الدولة الصفوية من كونها أيضا كانت دولة متخلفة، وساهمت في التخلف بتبنيها لنظام الملك العضوض، ولكنا عندما نقارن بين كلا الدولتين نجد فرقا كبيرا، وأولهما وأعظمهما أن الدولة الصفوية لم تكن سوى دويلة صغيرة محدودة التأثير بخلاف الدولة العثمانية التي امتدت ولفترة طويلة في جميع البلاد الإسلامية.

وكان في إمكانها استثمار الطاقات في توجيه الأمة نحو التطور العلمي والتقني، لكنها لم تفعل ذلك، لأنها لم تكن ترى في العالم الإسلامي سوى مزرعة، تجني خيراتها، وتحصد ثمارها، كل حين، لتملأ خزائنها.. ولا تكتفي بذلك، بل تزيد عليه بإدخالها في حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل.

والأخطر من ذلك أن العثمانيين وغيرهم من أصحاب الملك العضوض، كانوا السبب في نزع الثقة من حاكمية الشريعة، وجعلوا الشعوب أميل إلى العلمانية منها إلى الإسلام، ولذلك سرعان ما حلت العلمانية، وظهرت القوميات بعد سقوط العثمانيين، لكونهم أعطوا أسوأ الأمثلة عن نظام الحكم الإسلامي، باستخدامهم الدين وسيلة لتغطية جرائمهم، مثلما تفعل الجماعات المسلحة تماما.

ولذلك لا يمكن للإسلاميين أن يقنعوا العالم بعدالة النظام الإسلامي، ولا تحضره، ولا انبناءه على القيم، ما لم يتبرأوا منهم، ومن جميع تلك الخلافات المزورة التي سماها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ملكا عضوضا، حتى ينزاح على الإسلام ثقل من شوهه، وملأه بالشبهات.

لكن للأسف الإسلاميون لم يفعلوا ذلك، بل نجدهم يدخلون تلك الدول المزورة في الدين، ويجعلون الإيمان بها، وتبجيلها، ركنا من أركان الدين، فلا ينتقدها أحد إلا اتهم في دينه وعرضه.

بناء على هذا سنذكر هنا بعض مظاهر التخلف العثماني، باستعراض بعض النماذج، والاكتفاء بها، لأن كل ما ذكرناه سابقا يدخل في هذا العنوان.

1 ـ التخلف الديني:

وهو أبرز نواحي التخلف، وأساسها، ذلك أن الدين تحول في العهد العثماني، من موجه للأمة، ومصحح لمسيرتها إلى أداة بيد السلطان يضرب به من شاء، ويقرب من شاء.

وهكذا تحول عالم الدين إلى مجرد خادم بسيط للسلطان، ينفذ له رغباته، ويفتي له بحسب هواه، ويطوع له الرعية، ويفتي بقتل من تمرد منها، أو حاول التخلص من الاستبداد.

ومن الأمثلة على ذلك [فخر الدين عجمي] ذلك الذي تولى أخطر المناصب الدينية في العهد العثماني، منصب [شيخ الإسلام]([114])، والذي كان يدا من أيادي السلطان التي يرسلها على من شاء تقريبه أو إبعاده.

يقول بعض الباحثين في التعريف بأدواره القذرة في تشويه الدين: (24 عاما أمضاها شيخ الإسلام في مخالفة الشريعة الإسلامية، ليرضي نزوات سلاطين القصر، فأفتى بقتل الإخوة، وأباح معاشرة الجواري والغلمان، وأجاز سفك دماء المعارضين، وحلل التصوير للأمراء وحرمه على الرعية، وبارك استبدال قوانين أوروبا المتمردة على الدين بفتاوى فقهاء السلطان) ([115])

هذه خلاصة الأعمال الجليلة التي قام بها هذا المفتي، ومن خلالها أبرز موقف الدين من تلك الجرائم التي كانت تحصل كل حين، والتي سرعان ما تجد من يسوغها دينيا، أما تفاصيلها، فقد ذكر المؤرخون أن (فخر الدين تدرج إلى القصر في وقت كان فيه مراد الثاني في أشد الحاجة لرجل دين يوطد سلطته بعد أن طالت فترة حكمه، ودب الخلاف بين أولاده على خلافته، فتقرب من السلطان، وعرض عليه مجموعة من الآراء الفقهية التي تمكنه من تكفير المعارضين، فوجد مراد في فخر الدين عصا يتوكأ عليها ويهش بها كل من يحاول سحب البساط من تحت قدميه)([116])

ولهذا لا غرابة أن نجد تلك الفتاوى الكثيرة من علماء العثمانيين في تكفير الشيعة، أو ذمهم، لأن الصراع حينها كان مع الصفويين، ولم يكن للسلطان بد من محاربتهم بالدين حتى يدعم محاربته لهم بالسلاح، فالدين عندهم لم يكن سوى سلاح من الأسلحة التي يشهرونها في وجه خصومهم، مثلما يفعل الآن أذنابهم عندما يهددون المخالف بفتاوى التكفير.

ومثل ذلك [زنبيلى أفندى]، والذي أطلق على على بن أحمد بن محمد الجمالى الرومى، الذى راح هو الآخر يستعمل سيف الفتوى (في تسهيل احتلال دول وإبادة مدنيين وقتال المسلمين الذين يئسوا من صلاح الحال تحت سطوة الدولة العثمانية)([117])

وقد بدأ تقربه من العثمانيين عن طريق مصاهرته شيخ الإسلام خسرو أفندى، فعينه السلطان محمد الفاتح مدرسا، ولما تولى السلطان بايزيد الثانى، عينه قاضيا على مدينة أماسيا، وقد جعله ذلك يجلس فوق بيته، وهو يمسك بزنبيل (كلمة فارسية تعني السلة) مربوطة بحبل يستقبل عن طريقها طلبات الفتوى مكتوبة في ورقة، وبجوارها قطع نقود حتى يهتم بالسؤال.

ثم سرعان ما تحول هذا الزنبيلى عام 1503 وفي عهد بايزيد الثانى إلى شيخ للإسلام ومفت للدولة العثمانية، وقد (لعب زنبيلى أفندى دورا بارزا في عهد سليم الأول، بعدما سخر مؤسسة الفتوى لخدمة السلطان المتعطش لسفك المزيد من الدماء، فأصدر فتاوى تكفر دولة المماليك فى مصر والشام وتصفهم بالملحدين، رغم أن سلطان مصر المملوكي قانصوه الغورى كان يرعى الأماكن المقدسة فى مكة والمدينة المنورة والقدس، ويؤمن طرق الحجاج كما كان أسلافه من حكام مصر)([118])

وعندما بلغت فتواه الغورى، أرسل إلى السلطان سليم الأول رسالة يقول فيها: (علمنا أنك جمعتَ عساكرك، وعزمت على تسييرهم علينا، فتعجّبتْ نفسنا غاية التعجب لأن كلنا، والحمد لله، من سلاطين أهل الإسلام وتحت حكمنا مسلمون موحدون) ([119])

وهكذا برر هذا الزنبيلي الحرب ضد الدولة المملوكية، ونشبت الحرب العثمانية المملوكية على أرض سوريا فى سهل مرج دابق عام 1516، وكان من نتيجتها دخول بلاد الشام تحت السيطرة العثمانية، وواصل السلطان سليم زحفه نحو مصر وحدثت المعركة الحاسمة الثانية فى الريدانية عام 1517، وانتهت بهزيمة السلطان طومان باى واحتلال مصر.

ولم يكتف الزنبيلى بذلك بل أفتى بتكفير أي شخص يقف بجانب دولة المماليك، وتلقف سليم الأول الفتوى ونشرها بين جنوده، مما أدى إلى مذابح دموية للآلاف من أهالى الشام الذين دافعوا عن أرضهم ضد المغتصب التركى، وتكرر نفس الأمر فى شوارع القاهرة التي ارتوت بدماء 10 آلاف مصرى عارضوا الاحتلال العثمانى([120]).

وهكذا أفتى بقتل الشيعة، وكل من يعينهم، أثناء جوابه عن سؤال يقول: (إذا أراد قائد مسلم أن يستأصل كل الملحدين (يقصد الشيعة) بمساعدة جماعة هم أيضا يعانون من طاغية، فهل يكون مباحا قتل هذا الطاغية واستباحة أملاكه؟)([121])

ومثل الزنبيلي أو لا يقل عنه [أبو السعود أفندي] الذي نال هو الآخر لقب شيخ الإسلام، والذي اختاره لتوليه سليمان القانوني ليكون بديلا عن محيي الدين أفندي فناري زاده في أكتوبر 1545، فكان عند حسن ظن السلطان به، (إذ أجاز له قتل إخوته ليستقر على العرش بدون منازع، وأفتى بإعدام ولديه إرضاء لزوجته، وأباح الربا وشرب الخمر لتتدفق الأموال المحرمة على خزائن القصر، وحلل الزنا وبارك مذابح السلطان التي أزهق فيها أرواح مئات الآلاف من الأبرياء) ([122])

وقد نال أبو السعود أفندي الكثير من المزايا بسبب تلك الفتاوى التي كان يرسلها للسلطان كلما احتاج إليها، فقد جعل له السلطان (الحق في فرض الغرامات وتحصيل الإتاوات، واختصه بحصة من غنائم الحروب، وأهداه الجواري والغلمان، ورفع راتبه إلى 700 أقجة في اليوم) ([123])

وهكذا نجد أمثال هذه الفتاوى، والتي لم ترتبط فقط بالمجالات السياسية، بل شملت جميع النواحي الدينية، ولهذا ظهر التعصب المذهبي، وطرح الإسلام بصورة مشوهة تماما، مما سهل بعد ذلك ظهور التمرد عليه، بعد التمرد على السلطان الذي كان يستغله أبشع استغلال.

2 ـ التخلف العلمي:

لم يكتف سلاطين الدولة العثمانية باستغلال الدين بتلك البشاعة التي رأينا بعض مظاهرها، بل راحوا يواجهون كل حركة علمية، تدعو إلى البحث العلمي، أو التحضر، أو التحرر من رق الاستبداد، وقد كان ذلك سببا في تخلف الدول الإسلامية عن مواكبة التطور العلمي والتقني الذي بدأ نشاطه بقوة في أوروبا.

يقول بعض الباحثين مصورا ذلك: (رحب سلاطين الدولة العثمانية بالجهل، ودافعوا عنه بكل ما يمتلكون من قوة لإقامة دولتهم التي يهددها التنوير بالفناء، فقد أعدموا العلماء حتى لا تتسرب أفكارهم التقدمية إلى الرعية، وتعلن الثورة على حكمهم الجائر وتطالب الشعوب بالتحرر من عبودية آل عثمان المفروضة عليهم عن طريق الفتاوى المضللة وتزييف التعاليم الإسلامية، لذا اعتبر آل عثمان البحث العلمي رجسا من عمل الشيطان، وأهانوا كل من يشتغل به، واتهموه بالكفر والزندقة، حكموا عليه بالإعدام ولفوا حول عنقه المشانق وأطلقوا عليه الرصاص وقدموه طعاما للسمك، والتاريخ يذكر الكثير من القصص المأساوية التي انتهت باغتيال العلماء والمخترعين بطرق بشعة جعلت الشعوب الخاضعة للاحتلال العثماني تعيش في ظلام التخلف والجهل لمئات السنين فابتعدت الدولة عن الحضارة والتهمتها العزلة)([124])

ومن الأمثلة التي ذكرها لذلك سنان الدين يوسف المعروف بـ [الملا لطفي]، والذي برع في علوم الشريعة والفلسفة والمنطق، و(تبنى أفكارا تنويرية تدعو للاجتهاد ومواكبة روح العصر، وعارض المعتقدات الباطنية المنحرفة للطريقة البكتاشية، ودخل في مناقشات علمية مع الملا إزاري والملا محيي الدين محمد الخطيب زاده والملا أخوين وشيخ الإسلام أفضل زاده، فتغلب عليهم وكشف أكاذيبهم وفضح فتاويهم المضللة، وهنا أدرك السلطان أن نفوذ لطفي يزداد يوما بعد آخر، وشعر بالرعب من قوة حجته، ووجد في الرجل ما يهدد استمراره في السلطة كسلطان يروج أتباعه بأنه ظل الله على الأرض خاصة بعد دعوات الإصلاح والتحديث الفكري التي تبناها الملا لطفي)([125])

وحينها طلب السلطان من العلماء التخلص منه، خشية انتشار أفكاره، فأطلقوا عليه لقب [دلي لطفي] أي [لطفي المجنون]، واتهموه بالانسياق، و(أما شيخ الإسلام فقد رفض دعوى التجديد واعتبرها بدعة وتحريفا للدين قبل أن يتهمه بالإلحاد والزندقة، وتقدموا جميعا بشكوى إلى السلطان بايزيد الثاني ـ الذي كان قد تولى الحكم بعد أبيه ـ وهم يوغرون صدره ضد لطفي ويقولون له إنهم شاهدوا أفعالا وأقوالا له تستوجب القتل)([126])

وقد حكم عليه نتيجة لذلك بالإعدام، وتم إعدامه عام 1494، وعلق رأسه على أبواب قصره ليكون عبرة لمن تسول له نفسه التفكير في التطاول على دولة آل عثمان.

ونفس الحكم نفذ على [بيري ريس] الذي برع في علوم البحار ورسم الخرائط، واستطاع رسم خريطة للعالم عام 1513 وأهداها للسلطان سليم الأول بجانب كتاب بحرية الذي قدمه للسلطان سليمان القانوني، وتبنى مشروعا لمشاركة العثمانيين في اكتشاف القارات الجديدة، بعدما أكد نظرية كروية الأرض.

لكن ذلك لم يطل حيث أن أبحاثه العلمية حول كروية الأرض ووجود قارات جديدة لم يتم اكتشافها بعد أثارت عداء مشايخ العثمانيين. فاتهموه بالجنون ومخالفة إجماع المسلمين، وطلبوا من سليمان القانوني قتله، فاتخذها السلطان ذريعة للتخلص منه، وأرسل إلى والي مصر ليجهز عليه، فحكم عليه بالإعدام عام 1554، بعدما صادر أمواله([127]).

وهذا ما حصل أيضا لـ [هزارفن أحمد جلبي]، الذي كان من أشهر علماء عصره في الرياضيات والهندسة والطبيعة، وامتلك معرفة واسعة حول كل العلوم والفنون، وكان من المهتمين بعلم الفضاء مما جعله رائد الطيران الشراعي.

وقد كان يقوم في منزله بالتجارب المختلفة، حيث نجح في محاولاته، وذاع صيته بالولايات العثمانية ولقب بـ [هزارفن] أي صاحب الألف فن، حيث قام بتسع محاولات ناجحة للطيران الشراعي لمسافات قصيرة في أت ميداني (ساحة الخيول) بإسطنبول في العام 1636.

لكن السلطان مراد الرابع بدل أن يبني له مركز أبحاث للطيران، راح يدبر مؤامرة لاغتياله فنفاه إلى الجزائر، وأمر البحارة سرا بإعدامه، فألقوا بجثته في البحر المتوسط([128]).

وهذا ما حصل أيضا لـ [حسن لاغاري] الذي (وضع أول لبنة في علم صناعة الصواريخ باستخدام البارود)، لكن السلطان الجاهل أصدر قرارا بمنعه من مواصلة أبحاثه العلمية، ثم نفاه إلى ولاية القرم حيث أمر حاكمها، سلامت غيراي خان، بالتخلص منه فقتله رميا بالرصاص([129]).

3 ـ التخلف الأخلاقي:

وهو من أخطر النواحي، وقد كان للأسف سائدا ومنتشرا، ليس بين العوام فقط، وإنما بين السلاطين الذين يدافع الإسلاميون عنهم، على الرغم مما يذكره المؤرخون من أخلاقهم ومجونهم، وهذا دليل على استبعاد المنهج القرآني في الحكم على الأشياء.

ومن الأمثلة على ذلك السلطان بايزيد الأول، والذي وصفه المفاخرون بالمجد المزيف بأنه (كان شجاعاً شهماً كريماً متحمساً للفتوحات الاسلامية)([130])، وقد نسوا أن يضموا إلى تلك الصفات كونه سلطانا مدمنا على الخمر والمجون وكل أنواع المنكرات.

وطبعا هم لم يفعلوا هذا، حتى لا يشوهوا ما يعتبرونه فتحا، ذلك أن اسم [الفتح] لا ينطبق إلا على أصحاب الأخلاق العالية، والقيم الرفيعة، لا أولئك المنحرفين، الذين يستعملون ما يسمونه فتحا وسيلة لتوسيع الممتلكات، وتحقيق الشهوات.

وقد ذكر المؤرخون الذين تخلصوا من خدع المجد المزيف حقيقة حاله، فذكروا أنه (بعد أن استتب الأمر له في القصر ببورصة عاصمة العثمانيين وقتذاك، حول مجالسه الخاصة إلى خيام حمراء، وراح يجبر المشايخ على تحليل المحرمات ليفعل ما يحلو له دون أن يجد من يردعه، فالشاب الذي وجد نفسه سلطانا على الدولة في سن الثلاثين تملص من الأحكام الشرعية والفقهية، واعتبرها تضييقا على حريته، ووجد ضالته في احتضان الفرق والمذاهب الدينية الضالة التي أمطرته بسيل من البدع والافتراءات.. وقد أجازوا له قتل الإخوة من أجل الوصول للعرش، وأحلوا له شرب الخمر والمسكرات بجميع أنواعها، بحجة أنها مدد روحاني من السماء، ولم تكن الخمور وحدها هي ما وقع في غرامها بايزيد الأول، لكنه تخطاها إلى ممارساته الجنسية الشاذة، والمجاهرة بها، وهو ما ذكره المؤرخ عاشق باشا زاده في كتابه تواريخ آل عثمان بقوله: كان السلطان بايزيد الأول يحب عيش وعشرت، أي: يحب حياة السفاهة والخمر والمجون)([131])

وقد ساعده على ذلك زوجته [ماريا دسبينا] بنت لازار ملك الصرب الت تزوجها عام 1391، والتي (وجدت الفرصة سانحة للانقضاض على السلطة وتوجيه السياسة العثمانية من داخل أروقة الحرملك، مستغلة فجوره فتلاعبت به، وغمرت قصره بالأوروبيات من بني جنسها لتضمن ولاء الجواري، ونشرت الرذيلة بين أمراء آل عثمان وأشرفت على الليالي الحمراء، وجمعت حوله سفهاء الأتراك، أما وزيره جاندارلي فقد تولى تنظيم حفلات شرب الخمر، وكان صديقاه خاصكي محمود بك وعبدالرحمن بن مؤيد من أشهر رواد القصر، واصطفاهما لجلب الخمر والحشيش للبلاط العثماني)([132])

وقد (أنفق بايزيد أموال الرعية على نزواته وشهواته، وكلف وزيره باستيراد أشهر أنواع الخمور من الشرق وأوروبا، وفي سعيه الحثيث لنشر الخمور بالسلطنة راح يقدمها هدايا لرجال دولته، وعرف الفاسدون ولعه بالخمر فقدموا له منها أجود الأنواع الفرنسية، وأصبح سقاة الخمر الأكثر تواجدا في القصر العثماني، فكانوا يملأون ويوزعون الأقداح بحرية وعلانية على الأمراء والضيوف في حفلات القصر الماجنة)([133])

ولم يكتف السلطان بذلك، بل إنه (خصص مخازن للخمور بالمعسكرات ووزع عليهم حصصا أسبوعية من النبيذ مجانا، فأصبحت الجيوش العثمانية بؤرة للفساد الأخلاقي وضعفت همتها، فهجموا على القرى والمدن ليمارسوا عمليات نهب وسلب الممتلكات ثم باعوها ليشتروا بثمنها الخمور، وعانت الولايات العثمانية من مجونهم بعد أن عاثوا في الأرض فسادا وهتكوا أعراض النساء)([134])

وقد كانت النتيجة التي آل إليها حال هذا السلطان كما يذكر المؤرخون هي أنه بعد انغماسه وجنده في حياة الخلاعة، تحركت جيوش تيمور لنك بهدف إعادة إحياء إمبراطورية المغول، فأطاح الغازي الأزوبكي بدول الشرق واقترب من حدود الدولة العثمانية، ولم يهتم بايزيد بالاستعداد الكافي، وتخيل قدرته على قهر غازي الشرق الذي انسحبت من أمامه قوات سلطان مصر والشام، لكن خياله خانه، إذ أن جيشه مني بهزيمة ساحقة، أما هو، فـ (لم يكتف القائد المغولي تيمورلنك بهزيمته والقضاء على جيشه، بل أسره في قفص حديد وضعه داخل قصره، ليجبره على أن يشاهد زوجته دسبينا خاتون مجرد جارية عارية تقدم الطعام والشراب، وترقص أمام الجميع فمات غما وكمدا عليها في العام 1403م)([135])

هذا مجرد مثال اخترناه من الأمثلة الكثيرة، والتي تبين حقيقة المجد المزيف الذي يتغنى به الإسلاميون، الذين ألغوا كل القيم في سبيل الدفاع عن أمثال هؤلاء.


([1])  رواه البخاري، برقم (3475)، ومسلم، برقم (1688)..

([2])  البخاري (6437) ومسلم (1049)

([3])  الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (ص: 176)

([4])  المرجع السابق، ص177.

([5])  المرجع السابق، ص177.

([6])  المرجع السابق، ص179.

([7]) انظر: جهود العثمانيين لإنقاذ الأندلس، ص435.

([8]) المرجع السابق، ص435.

([9]) فتح العثمانيين عدن، محمد عبداللطيف البحراوي، ص113.

([10])  مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ، جهاد التُرباني، تقديم: الشيخ محمد بن عبد الملك الزغبي، دار التقوى للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة – جمهورية مصر العربية، الطبعة: الأولى، 1431 هـ – 2010 م، (ص: 47).

([11]) الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (ص: 182)، وانظر: جهود العثمانيين لإنقاذ الاندلس، ص436.

([12])  الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (ص: 185)

([13]) انظر: العثمانيون في التاريخ والحضارة، د. محمد حرب ، ص170.

([14]) انظر: قراءة جديدة في التاريخ العثماني ، ص71.

([15]) انظر: العثمانيون في التاريخ والحضارة، ص30.

([16]) انظر: العثمانيون في التاريخ والحضارة، 31.

([17]) انظر: تاريخ العرب ، مجموعة من الاساتذة، ص41.

([18])  جرائم العثمانيين ضد الإنسانية.. دواعش القرن 19، وحدة الدراسات السياسية، مركز سمت للدراسات، 29 ديسمبر 2017 .

([19])  المرجع السابق.

([20])  المرجع السابق.

([21])  المرجع السابق.

([22])  المرجع السابق.

([23])  المرجع السابق.

([24])  المرجع السابق.

([25])  المرجع السابق.

([26])  الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (ص: 327)

([27]) المرجع السابق، ص 328، وانظر: تاريخ الفكر المصري الحديث، د. لويس عوض (1/180-188)

([28]) انظر: قراءة جديدة في تاريخ الدولة العثمانية، ص144.

([29]) الدولة العثمانية دولة اسلامية (2/938) ومابعدها.

([30])  اتبع نابليون سياسة براغماتية، حيث حاول التقرب من المسلمين والتحبب إليهم، فأعلن أنه مسلم في قلبه وأنه سيعتنق الإسلام، ولبس العمامة والقفطان في أحد الأيام، وصلى مع المصلين. وذهب إلى أكثر من ذلك إذ قال لأحد مشايخ الدين أنه ينوي إقامة حكومة موحدة تقوم على مبادئ القرآن التي هي وحدها المبادئ الحقة القادرة على إسعاد الناس وأشاع أنه شاهد النبيa  في منامه وأنه قال له: اجهر بإيمانك، بأركان ديني لأنه دين الله. إن العرب في انتظار هذه العلامة، وسأخضع آسيا كلها لسلطانك. وأخذ يساهم في المواليد النبوية وينفق عليها، وذكر يوماً لشيخ الأزهر أنه يرغب باعتناق الإسلام، ولكن الذي يمنعه من ذلك عقبتان، الختان وتحريم الخمر (انظر: مقالا بعنوان: وداعاً جنرال.. أهلاً مولانا! بقلم: عادل حمودة، مجلة البيان، 18 يوليو 1998)

([31])  خطاب نابليون بطوله في تاريخ الجبرتي عجائب الآثار 3/ 63.

([32])  تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 250).

([33])  انبعاث الإسلام في الأندلس (ص: 64).

([34]) انظر: الدولة العثمانية في التاريخ الاسلامي الحديث، ص40.

([35])  الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (ص: 65).

([36])  المرجع السابق، ص66، وانظر: الدولة العثمانية في التاريخ الاسلامي الجديث، ص41..

([37])  السلطان سليمان القانوني، هلال الهاجري، مؤسسة ملتقى الخطباء، دط، دت، ص2..

([38])  المرجع السابق، ص3.

([39])  المرجع السابق، ص3.

([40])  المرجع السابق، ص5.

([41])  المرجع السابق، ص6.

([42])  المرجع السابق، ص7.

([43])  رواه البخاري (4/243) وفي (8/47) ومسلم (3/112).

([44])  السلطان سليمان القانوني، هلال الهاجري، مؤسسة ملتقى الخطباء ، ص7.

([45])  السلطان سليمان القانونى.. أكبر ملوك الإسلام !!، محمود حافظ، دط، دت، ص1..

([46])  المرجع السابق، ص4.

([47])  المرجع السابق، ص7.

([48])  المرجع السابق، ص7.

([49])  المرجع السابق، ص12.

([50])  المرجع السابق، ص12.

([51])  المرجع السابق، ص13.

([52])  المرجع السابق، ص14.

([53])  انظر: اخطاء يجب أن تصحح (الدولة العثمانية)، ص33، والسلاطين العثمانيون، ص41، ومحمد الفاتح، ص37.

([54])  الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (ص: 73).

([55])  المرجع السابق، (ص: 73)

([56])  المرجع السابق، (ص: 74)

([57])  المرجع السابق، (ص: 74)

([58])  الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (ص: 76)، و انظر: أخطاء يجب ان تصحح في التاريخ (الدولة العثمانية)، ص38.

([59])  انظر: هل كان العثمانيون يقتلون إخوتهم؟ حقيقة القانون الغريب الذي وضعه محمد الفاتح لمنع الفوضى، وكيف تغيرت الإمبراطورية بعد إلغائه؟، عربي بوست، 01/08/2018.

([60])  انظر: أشهر 8 سلاطين عثمانيين قتلوا أبناءهم وأشقّاءهم خوفاً على الكرسي، شوقي عصام، 12/12/2016..

([61])  الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (ص: 200)

([62])  المرجع السابق، (ص: 200)

([63])  المرجع السابق، (ص: 200)

([64])  الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (ص: 201)، وانظر: العثمانيون في التاريخ والحضارة، د. محمج حرب، ص91.

([65])  الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (ص: 201)

([66])  روضة الأفكار، ص5 وما بعدها..

([67])  الدرر السنية: 1/382.

([68]) المرجع السابق،  7/397.

([69]) المرجع السابق ، (1/186)

([70]) المرجع السابق ، (1/189)

([71]) المرجع السابق ، (8/57-69)

([72])  المرجع السابق، (9/157)

([73])  الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك، (ص5)

([74])  المرجع السابق، (ص8-9)

([75])  المرجع السابق، (ص15)

([76])  المرجع السابق، (ص19)

([77]) الدرر السنية،  7/184،

([78]) المرجع السابق، 7/ 148 – 152.

([79])  المرجع السابق،  ج9 ص157-158.

([80])  هداية الطريق، ص21.

([81])  البخاري (2928) ومسلم (2912)

([82])  هداية الطريق، ص73-99.

([83])  الدرر السنية، ج10 ص429.

([84]) ديوان ابن سحمان، ص 191.

([85]) آثار ابن باديس:4/213.

([86]) المرجع السابق:4/213.

([87]) المرجع السابق، 4/213.

([88]) انظر (تاريخ الدولة العلية العثمانية) ص 123، و(الفكر الصوفي) ص 411.

([89]) الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها، 1/64.

([90]) الدولة العثمانية دولة إسلامية، 1/ 25.

([91]) الدرر السنية، ص 160.

([92]) انظر (إمام التوحيد) لأحمد القطان ومحمد الزين ص 148.

([93])  استفدنا هذا المثال والوثائق المرتبطة به من مقال بعنوان: الاحتلال البريطاني للبصرة سنة 1914م، وموقف علماء السنة ومراجع الشيعة، د. حاكم المطيري.

([94]) الكويت دراسة سياسية لحسن الإبراهيم 66 .

([95]) العلاقات بين الكويت ونجد 153-157، وتاريخ الكويت لخزعل 2/153-156.

([96]) الاحتلال البريطاني للبصرة سنة 1914م، وموقف علماء السنة ومراجع الشيعة.

([97]) العلاقات بين الكويت ونجد،  للسعدون،  158.

([98]) ولادة الشرق، 119 .

([99])  نقلا عن : الاحتلال البريطاني للبصرة سنة 1914م، وموقف علماء السنة ومراجع الشيعة، بقلم د0 حاكم المطيري.

([100])  أحمد الحسيني: الامام الثائر السيد مهدي الحيدري، ص: 29.

([101])  د. علي الوردي: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج4/ ص: 127، نقلا عن: حركة الجهاد وموقف النجف ضد الغزو الأجنبي للعراق (1332 – 1333هـ / 1914م)، كامل سلمان الجبوري، مؤسس المتحف الوثائقي لثورة العشرين، في النجف ومديره سابقاً – لبنان، وهكذا سائر النصوص التالية.

([102])  محمد حسن آل ياسين: مقابر قريش أو الكاظمية، مجلة الأقلام البغدادية، س1/ ع3، 1964.

([103])  يذكر د. علي الوردي في لمحاته ج4/ ص: 127: (ان أهم ما كان يخالج ذهن الحكومة – يقصد العثمانية – يومذاك، هو كيف يمكن تحريض الشيعة للانضمام إلى حركة الجهاد، وكان أول ما فكرت فيه الحكومة في هذا الشأن هو ارسال وفد إلى النجف، ومما يجدر ذكره ان الشيعة لا يجيزون الجهاد إلاَّ إذا كان بأمر أو موافقة من الامام المعصوم، غير انهم يجيزون الجهاد في حالة تعرض البلاد الاسلامية لخطر مهاجمة الكفار لهم، وهم عند ذلك يطلقون عليه اسم [الدفاع])

([104])  عبد الرحيم محمد علي: الجهاد ضد الانكَليز أو النفير العام 1914م – مخطوط – ضمن موسوعته [فصول من تاريخ النجف]، ج4.

([105])  عبد الشهيد الياسري: البطولة في ثورة العشرين، ص: 68 -69.

([106])  محمد رضا الشبيبي: في مسيرة النضال – مجلة البلاغ الكاظمية، س4/ع5.

([107])  العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية (1/ 103)

([108])  رسائل ابن حزم، ( 2 / 229 ).

([109])  التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي خلال العصر الإسلامي، مظاهره ، آثاره ، أسبابه ، علاجه، د. خالد كبير علال، دار المحتسب، 1429/ 2008، ص133.

([110])  المرجع السابق، ص223.

([111])  المرجع السابق، ص224.

([112])  كيف رد الشيعة غزو المغول، الكوراني، ص 217..

([113])  المرجع السابق، ص218.

([114])  شيخ الإسلام: يراد به المفتي الأكبر في الدولة العثمانية، وكان مقره بالآستانة وقد نشأ هذا المنصب حين خص السلطان محمد الفاتح المفتي بهذا اللقب سنة 1451م، ثم أخذت مكانة المنصب تعلو حتى غدا منصبًا ذا وزن في عهد السلطان سليم الأول، وفي عهد السلطان سليمان القانوني، غدت مشيخة الإسلام مؤسسة إدارية وقانونية مهمتها إرساء القواعد التبريرية للسياسة السلطانية عبر فتاويها واجتهاداتها.[ حسان حلاق؛ عباس صباغ (1999). المعجم الجامع في المصطلحات الأيوبية والمملوكية والعثمانية ذات الأصول العربية والفارسية والتركية (الطبعة الأولى). بيروت: دار العلم للملايين. ص133.]

([115])  شيخ الإسلام العثماني.. بدعة رأس النفاق، موقع عثمانلي 29 أكتوبر 2018.

([116]) المرجع السابق.

([117])  انظر مقالا بعنوان: المؤلفة جيوبهم، فتحي محمود، موقع الأهرام المصري.

([118])  المرجع السابق.

([119])  المرجع السابق.

([120])  المرجع السابق.

([121])  المرجع السابق.

([122])  شيخ الإسلام العثماني.. بدعة رأس النفاق، موقع عثمانلي 29 أكتوبر 2018.

([123])  المرجع السابق.

([124])  سلاطين الدولة العثمانية.. قتلة العلماء، موقع عثمانلي، 5 أكتوبر 2018..

([125])  المرجع السابق.

([126])  المرجع السابق.

([127])  المرجع السابق.

([128])  المرجع السابق.

([129])  المرجع السابق.

([130])  انظر: الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (ص: 65)، والدولة العثمانية في التاريخ الاسلامي الحديث، ص40.

([131])  السلطان المخمور.. بايزيد الماجن، موقع عثمانلي،  28 سبتمبر 2018.

([132])  المرجع السابق.

([133])  المرجع السابق.

([134])  المرجع السابق.

([135])  المرجع السابق.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *