وجوديون

وجوديون

سرنا إلى الجناح الثاني في فندق الملاحدة، وقد كتب على بابه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: 39]

سألت المرشد عن الآية، وعلاقتها بهذا الجناح، فقال: هذا جناح الوجوديين.. أو ملاحدة الوجوديين.

قلت: فهل هناك وجوديون مؤمنون؟

قال: كما أن هناك تنويريين مؤمنون، فهناك وجوديون مؤمنون.

قلت: أعرف التنويريين المؤمنين.. لكني لا أعرف الوجوديين المؤمنين.

قال: عندما تفهم الآية التي علقت على هذا الباب ستعرف الفرق بينهما.

قلت: فهلا شرحت لي مراد أهل هذا الفندق من تعليقها هنا.

قال: هذه الآية الكريمة تصور بدقة حال هؤلاء الجاحدين من الوجوديين، فهم يلهثون وراء السراب الذي يتوهمونه ماء، فإذا وصلوا إليه لم يجدوه شيئا، وظلوا على عطشهم وفاقتهم وحاجتهم.. حينها فقط يعلمون أنه لا يمكن أن يروي ظمأهم إلا الله.. وحينذاك فقط يتحول المتواضع منهم إلى الله.. أما المتكبر، فيظل على هواه، ويمتلئ بالتشاؤم والحزن والألم لأنه لم يجد إلا السراب.

قلت: ألهذا سمعت أن الكثير من الوجوديين الذين كانوا لا يبالون بالإيمان بالله تحولوا إليه.. وأنا أعرف منهم الفيلسوف الألماني الكبير مارتن هايدغر الذي كان يرى أنه لا يمكن البتّ في وجود الله أو عدم وجوده.. لكنه أنهى مساره الفلسفي بمقولته الشهيرة [إنه لا يُخلّصنا إلا إله]

وأعرف كذلك فيلسوفا عربيا مشهورا هو عبد الرحمن بدوي، كتب عن [الوجودية] و[الزمن الوجودي]، بل وصفه بعضهم أنه [رائد الوجودية فى الوطن العربي]، لكنه وبعد تلك المسيرة الطويلة، ترك ذلك كله، وتوجه إلى الإيمان، وقد قرأت حوارا جرى معه في آخر حياته، قال فيه: (أي عقل ناضج يفكر لا يثبت على حقيقة واحدة.. ولكنه يتساءل ويستفسر ويطرح أسئلته في كل وقت، ويجدد نشاطه باستمرار، ولهذا فأنا في الفترة الحالية أعيش مرحلة القرب من الله تعالى، والتخلي عن كل ما كتبت من قبل، من آراء تتصادم مع العقيدة والشريعة، ومع الادب الملتزم بالحق والخير والجمال)([1])

قال: الأمثلة على ذلك أكثر من أن تعدها أو تحصيها.. فالوجودية ليست قاصرة على الفلاسفة ولا المفكرين، بل هي تعم كل إنسان باحث عن ذاته وحقيقته.. فمنهم من يصل إليها، ومنهم من يقترب منها، ومنهم من يضل عنها، ومنهم من ينحرف بها..

قلت: ما تعني بذلك؟

قال: لا يمكن للإنسان أن يعرف ذاته، ولا أن يروي ظمأها، أو يسد حاجتها، وهو بعيد عن مصدر وجوده، ذلك الذي خلقه، إن من يفعل ذلك يشبه من قطع التيار الكهربائي عن الآلة التي لا يمكنها إلا أن تشتغل إلا بتلك الطاقة، أو يشبه من يريد أن يرتوي من غير ماء، أو يشبع من غير طعام.

قلت: أجل.. فتحقيق الوجود الإنساني لا يمكن أن يتم بمعزل عن الله.

قال: كما أن كل شيء يمد يديه بالفقر إلى الله.. فكذلك الإنسان.. فسعادته في أن يكون كذلك.. لأن الله خلقه كذلك.. ومن خالف طبيعته شقي، ومن خالف فطرته ضل.

قلت: لقد ذكرني كلامك هذا بكلام كثير قاله الصالحون الذين راحوا يبحثون عن السعادة، فلم يجدوها إلا عند الله.. لقد قال بعضهم معبرا عن ذلك: (في القلب شعث: لا يلمه إلا الإقبال على الله، وعليه وحشة: لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن: لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق: لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات: لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد: لا يقف دون أن يكون هو وحده المطلوب، وفيه فاقة: لا يسدها إلا محبته ودوام ذكره والاخلاص له، ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدا!!)

وقال آخر: (الإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم، فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقوتها كما أن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها، وكما أن الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته، فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة لغلبة السقم عليه، فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الإيمان إذا سلم من مرض الأهواء المضلة والشهوات المحرمة وجد حلاوة الإيمان حينئذ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان، بل يستحلي ما فيه هلاكه من الأهواء والمعاصي)

قال: صدقوا في ذلك.. وقد عبر القرآن الكريم عنه أحسن عبارة، فقال: { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ إلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، فلا ينزع عن القلوب قلقها وألمها وحزنها وتشاؤمها ويأسها إلا الإيمان بالله والشعور بحضوره الدائم والفاعل.

قلت: ألهذا نرى الوجوديين ممتلئين بالتشاؤم والقلق والحزن؟

قال: أجل.. إنهم مثل ذلك الذي سعى بكل جهده، وطول عمره، إلى النهر ليشرب، فلما وصل إليه لم يجده شيئا.. هكذا حالهم كما صورته الآية الكريمة، فهم يلهثون وراء اللاشيء.. وفي الأخير يكتشفون الحقيقة.. يكتشفون أن كل ما حصل لهم من آلام كان بسبب نسيانهم لله.. {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]

قلت: ولكن لم لم ينتبه هؤلاء لهذا، وهم فلاسفة وأصحاب عقول وتأمل وتفكير؟

قال: أسباب ذلك كثيرة، وستسمعها منهم.. فهلم ندخل إليهم.

فتح الباب.. فظهر بمجرد فتحه جنات ممتلئة بالجمال.. وكأنها جنة الفردوس قد تبرجت بمحاسنها.. لكن، وبعد فترة قصيرة، بدأت المياه تغور، والأشجار تتلاشى، والمحاسن ترتفع.. وبدأ يحل بدلها قحط وجدب شديد.. وما هي إلا لحظات قصيرة حتى تحولت الجنة إلى صحراء مرعبة.

ثم ظهر في تلك الصحراء جمع كبير من الناس.. سألت صاحبي عنهم، فقال لي: هؤلاء هم ملاحدة الوجودية.. هم يعيشون الآن في الصحراء التي بنوها بأفكارهم وأعمالهم.

قلت: ولكن الأمر كان مختلفا عند فتحك للباب.. فقد بدت لي حينها جنة الفردوس بجميع محاسنها..

قال: ذلك ما أعد لهم في ديار الضيافة الإلهية.. لكنهم راحوا يحرقون الأشجار، ويدمرون القصور، ويخربون كل ما رزقهم الله من فضله.. ولم يبق لهم إلا هذه الصحراء الموحشة التي بنتها لهم عقولهم المستكبرة.. {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [النمل: 52]

جان بول سارتر:

بينما نحن كذلك إذ قام من أولئك النفر المنبطحين على رمال الصحراء القاسية رجل قصير القامة، قد بلغ به العطش مبلغا عظيما، فهو يلهث، ولا يكاد يستطيع الحديث من شدة العطش.. نظر إلى الأفق البعيد، ثم راح يخاطب أصحابه بقوله: انظروا.. ربما يكون ذلك السراب ماء.. لا تيأسوا.. هيا نسير إليه قبل أن تلتهمنا رمال الصحراء.

قال ذلك، ثم سقط إلى الأرض يبكي، ويقول: كم خدعنا أنفسنا بالسراب.. لقد ظللت حياتي.. أنا [جان بول سارتر([2])] ألهث وراء السراب دون أن أجد شيئا.. لقد كان الكثير ينادونني بملء أصواتهم أن ألتحق بهم، وأستمع لمواعظهم، وأبتعد عن تلك الكبرياء التي تريد أن تفصمني عن الكون جميعا، لأشكل لنفسي عالما خاصا بي.. له تصوراته الخاصة، وقيمه الخاصة التي تفصله عن الوجود وقوانينه وسننه.

لقد كان الله يناديني كل حين، وبكل اللغات، وبجميع الأساليب المنطقية التي عرفتها البشرية جميعا.. لكني كنت أنفر منه، وأشكل منطقي الخاص، ولغتي الخاصة.

لقد كنت أتصور أن الله يزاحمني وجودي، ويريد أن يستل مني حريتي.. ولذلك كنت أنفر منه.. لكني لم أجد في نفوري منه إلا السراب.

أذكر آخر علاقة لي بالله عندما كنت صغيرا.. لقد سجلت ذلك في بعض كتبي، فقلت: (مرة واحدة شعرت بأن الله موجود حين كنت ألعب بعيدان الكبريت، وأحرقت سجادة صغيرة، وفيما كنت أخفي جرمي أبصرني الله فجأة.. لقد شعرت بنظراته داخل رأسي.. أحسُ أنني مرئي منه بشكل فظيع، وشعرت بأنني هدف حي للرماية، ولكن الإستنكار أنقذني، فقد اغتظت لفضوله المبتذل، لهذا رفضته وجدفت عليه فلم ينظر إليَّ أبدًا فيما بعد)([3])

منذ ذلك الحين، وأنا أمارس مهنة قتل الإحساس بوجود الله في نفسي.. لقد مارست نفس ما مارسه نيتشه عندما قال: (في سن الثانية عشر رأيت الله في تمام جلاله).. ثم راح يقتله.

لقد كنت في ذلك الحين أردد مع [فويرباخ] قوله: (إن نقطة التحول الكبرى في التاريخ ستكون في اللحظة التي سيعنى فيها الإنسان إن الإله الوحيد هو الإنسان نفسه)، وقوله: (الإنسان الذي يؤمن بالله لا يؤمن بنفسه، فالله هو الإنسانية لا أكثر ولا أقل، والدين يجب أن يموت، فيقوم على أنقاضه عالم على مقاييس الإنسان، الذي يلزمه أن يكون إله نفسه)([4])

وأردد مع [إيتان بورن] قوله: (يجب ألا يكون الله، حتى يكون الإنسان)

ومع [باكونين] قوله: (إذا كان الله موجودًا فلست بحر، أنا حر فالله إذا غير موجود)

وقد عقبت عليهم جميعا بقولي في بعض كتبي: (إذا انفجرت الحربة مرة أخرى في روح الإنسان، لم يبق للآلهة على هذا الإنسان أي سلطة)، وقولي: (إذا كان الله موجودًا فالإنسان عدم)، وقولي: (إن وجود الله يعطل وجودي أنا، فالأفضل أن لا يكون الله موجودًا حتى أوجد أنا).. وقلت كلاما كثيرا غير هذا لا أذكره الآن..

وقد كان نتيجة ذلك كله.. أني مارست كل صنوف الرياضة لأقتل الإحساس بوجود الله في نفسي.. وقد كان نتيجة ذلك القتل أن راح كل شيء يتلاشى بين عيني، ويتحول إلى سراب.. فأي قيمة لأي فرد أو جماعة أو شعب ما دام الله نفسه ليس له أي قيمة، بل ليس له أي وجود.

أذكر جيدا أنه أني كنت أقول دائما: (لم أكن أحب شيئًا ولا أحدًا).. وكنت أقول في تأريخي لحياتي: (لقد فهم القارئ إنني أكره طفولتي وكل ما يتعلق بها)..

أذكر جيدا أنه عندما توفي أبي هنأت نفسي بموته، وشعرت أنني تحررت منه.. لقد قلت في ذلك في بعض كتبي: (لو كان أبي حيًا لكان تمدَّد عليَّ بملء قامته وسحقني، ولحسن حظي مات أبي عندما كنت صغيرًا.. إن موت جان باتسيت (والده) كان الحدث الأهم في حياتي، لقد أعاد إليَّ حريتي)([5])

لذلك كنت أنظر بعين الريبة حتى للذين يبدون لي مودتهم ومحبتهم، وقد كنت أقول: (إننا منذ الآونة التي نشعر فيها بأن إنسانًا آخر ينظر إلينا، إنما نشعر أيضًا بأن الآخر يسلبنا عالمنا على نحو من الأنحاء، هذا العالم الذي كنا نمتلكه وحدنا حتى هذه اللحظة).. وكنت أقول: (إنني ابتداءً من الآونة التي أشعر فيها أن أحدًا ينظر إليّ، أشعر أنني سلبت عن طريق نظر الآخر الموجه إليّ وإلى العالم، إنّ العلاقة بيننا وبين الآخرين هي التي تخلق شقاءنا) ([6])، بل كنت أعبر عن ذلك بعبارة فجة غليظة، فأقول: (إن الآخرين هم الجحيم)

أظن أنكم فهمتم سر إلحادي.. إنه البحث عن الحرية.. لأنني اكتشفت أنها الوسيلة الوحيدة التي أستطيع أن أشكل بها ذاتي وماهيتي وحقيقتي..

والحرية التي كنت ألهث وراءها لا تختلف عن هذا السراب الذي نراه كل حين، ثم نلهث خلفه، ثم نكتشف أنه لا شيء.. مجرد سراب.

لقد جعلتني تصوراتي للحرية أتصور الوجود وجودا سخيفا بلا غاية.. وجودا في عالم لا معقول.. والإنسان فيه لا يعرف من أين أتى، ولا إلى أين هو ذاهب، فهو بمثابة لقيط في مكان موحش، هو الطبيعة، لا يجد حوله أبًا ولا أمًا، وليس له ما يعتمد عليه إلا نفسه، وكل ما يعرفه عن وجوده هو أنه محكوم ومُسيَّر..

ولذلك كنت أرى أنه لا فرق بين الإنسان الذي يحكمه الجبر وتسوقه الطبيعة، وبين الحيوان إلا في شيء واحد هو الإرادة العاقلة.. والإرادة العاقلة لا تتحقق إلا إذا اكتملت لحرية، فبمقدار ما يكون الإنسان حرا يمكن تسميته إنسانًا، فواجب الإنسان الأول هو البحث عن الحرية.. الحرية من كل نوع.. الحرية في السياسة.. الحرية في المجتمع.. الحرية في الأخلاق([7]).

لقد كنت أقول(إن الإنسان ليس جمادا، ومثال ذلك أن الطاولة هي طاولة فقط ولا شيء غير ذلك، بينما الإنسان بعكس الطاولة يصبح جمادا باختياره هو. فالطاولة، أو هذا التمثال، يبلغون الوجود الحقيقي، في نظري، حين يوجودن لأجلي، فوجودهم إذن متوقف علي، رهين بوعيي، وهم مدينون لي بالوجود في عالم أراه عالمي الحقيقي)

وكنت أقول: (الإنسان يوجد دائما خارج ذاته، بأن يصمم ويحقق خارج نفسه إمكانيات وغايات، وليس ثم عالم غير العالم الإنساني، عالم الذاتية الإنسانية، ويعلو الإنسان على نفسه بخروجه عن ذاته لتحقيق إمكانيات خارج نطاقها)

وكنت أقول: (إن الإنسان، على عكس الطاولة، لا يملك سمة مميزة أو جوهرا ثابتا محددا أو مخصصا له. ومبدئيا فإن الناس يوجدون كمخلوقات عليهم أن يختاروا طبائعهم وسماتهم بأنفسهم)

لقد كانت الصورة الشريرة التي أحملها عن الله هي سبب كل تلك التصورات الخاطئة المنجرة عنها.. فقد كنت أرى الله جبارا طاغية متكبرا، لا يختلف عن أولئك الطواغيت الذين أذاقوا البشرية الويلات التي رأيت بعضها وعانيت منها في الحرب العالمية الثانية.

لذلك رحت أقتل هذا الإله كما قتله نيتشة.. لقد صرحت بذلك.. صرحت بإلحادي في مسرحية [الغثيان]، ومسرحية [الشيطان والإله الطيب]، والتي قلت فيها: (لم يكن هناك غيري، لقد قررت وحدي الشر، ووحدي اخترعت الخير، أنا الذي عشت، أنا الذي أفعل المعجزات، أنا الذين أتهم نفسي، وأنا وحدي من أستطيع الغفران لنفسي، أنا الإنسان، إذا كان الله موجودًا فإن الإنسان هو العدم)([8])

وصرحت بذلك في أوقات كثيرة.. كنت أقول دائما: (إن وجود الله يعطل وجودي أنا، فالأفضل أن لا يكون الله موجودًا حتى أُوجد أنا).. وكنت أقول عن الذين يعتقدون بوجود الله: (إنهم المؤمنون الجبناء القذرون)

وكنت أصرح تبعا لذلك بجحود جميع العقائد الدينية، فلا حياة أخروية، ولا ثواب ولا عقاب.. ولا يوجد عالم غير عالم الإنسان.. فهو المحور، وهو المركز، وهو الدائرة، وهو كل شيء.

لقد كان لهذا أثره السلبي على تصوراتي لجميع القيم الأخلاقية والاجتماعية.. وماذا تنتظرون من شخص لا يؤمن بإله، ولا بثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار؟

لقد جعلت كل همتي بعد ذلك الإلحاد الذي جهرت به ودعوت إليه الدعوة لإجابة كل ما تمليه الشهوات على الإنسان.. ونبذ كل التقاليد والتعاليم الاجتماعية.. وما تواطأ عليه البشر من أخلاق..

لقد كنت أصرخ كل حين: (اركب رأسك أيها الإنسان إلى حيث تشاء ساعة تشاء، وكما تشاء.. لأن الضمير والأخلاق والتقاليد ليست سوى ستار صفيق يحجب عنك حقيقة وجودك)

وكنت أقول: (انطلق: أيها الأحمق الغبي في عمل ما تريد أو تشتهي وتهوى، مهما كان ذلك في اعتبار الناس شرًا، دون أن يكون لأحد عليك سلطان، فأنت الذي تصنع فكرة الخير بحسب مزاجك، وأنت الذي تصنع فكرة الشر، وأنت الذي تخلق فكرة الحق وفكرة الباطل، وأنت الذي تخلق فكرة الحسن وفكرة القبيح)([9])

 وكنت أقول: (ماضيك أيها الإنسان قد تحجر ومات.. فعليك دفنه لئلا يقيدك).. أذكر أنني قلت هذه الكلمات لراهبة لمحت شابًا في حصن الدير فكَلفت به.. فنصحتها بتطليق الماضي كله، والفرار مع الشاب.. فإذا عنَّ لها أن تتركه بعد قليل لترتمي في أحضان آخر أجمل منه، فلا بأس عليها، فالماضي ميت دائما.. بل هو يموت بمجرد حصوله.

وكنت أقول: (التجربة الوجودية هي التي تعلن لك حقيقة الوجود.. والأشياء تكون بحسب ما يريك هواك، فلا حقائق ثابتة ولا قيم مستقرة.. ولا قواعد ولا أنظمة ولا أخلاق.. وإذا كنت مؤمنًا صالحًا فهذا وجودك الزائف، لأن في وسعك أن تكون مملكة وجودية خاصة بك، لا يزاحمك فيها الله)([10])

لقد حاولت أن أطبق هذه المعاني التي دعوت إليها في حياتي مع صديقتي أو زوجتي الوجودية [سيمون دي بوفوار([11])]، لقد ذكرت لها في بداية علاقتنا أن الإخلاص لشخص واحد كثمن لاستمرار العلاقة الزوجية كذبة تاريخية([12]).

وهكذا كنت أنظر للحياة الزوجية من خلال قاعات الخلاعة، ودور الفجور والحانات، والسهرات الباريسية، وأعتبر ذلك تحقيقا لوجودي.. فلم أجد إلا السراب.. فقد كنت أشعر بالوحدة القاتلة حتى قلت: (أصحبت راشدًا وحيدًا، لا أب ولا أم ولا مقر لي، وأكاد أكون بلا اسم)([13])..

لقد صارت الحياة بالنسبة لي كابوسا مرعبا يولد فيه (كل إنسان بلا مبرر، ويستمر في ضعف، ويموت بلا هدف)

سكت قليلا، ثم قال: صدق [بوخينسكي] أستاذ الفلسفة بجامعة (فريبورج) بسويسرا حين قال تعليقا على تلك الآراء الممتلئة بالشذوذ: (ليس في وسعنا هنا سوى الاقتصار على ذكر النتائج الأخلاقية التي تربت على هذه الفلسفة، والتي تمثلت في نكران كل القيم، وكل القوانين الموضوعية، وفي ادعاء استحالة وعدم جدوى الحياة الإنسانية، بل إن الوجودية قد أرغت حتى ظاهرة الموت نفسها من معناها على يدي سارتر.. ومن نتائج الوجودية أيضًا، دعوتها إلى التشكيك في جدوى قيام كل ما يتسمم بروح الجد وطابعه، فهي فلسفة انحلالية عدمية تمامًا)([14])

لكني مع ذلك، ومع كثرة الانتقادات التي ووجهت بها أفكاري الموغلة في التطرف.. لم أكن أجد حلاوة إلا في التعبير عنها.. وكأن الشيطان هو الذي كان يمليها علي، لأدمر بها كل القيم الإنسانية الرفيعة.

لقد كتبت سنة 1943م كتابي الضخم [الوجود والعدم]، والذي دعوت فيه إلى الفلسفة الوجودية، مختصرا الوجود في كونه ليس سوى (صراع عبثي بين الحريات، فكل حرية تحاول أن تفني الأخرى، حتى تحتفظ باستقلالها السيادي)([15])

وكتبت في السنة نفسها [مسرحية الذباب]، وتم عرضها على مسرح [لاسيتي] في باريس سنة 1943م في الوقت الذي كانت فيه فرنسا محتلة من ألمانيا..

وبما أن لهذه المسرحية شهرتها الكبرى، وعلاقتها بتصوراتي عن الله، وسبب إلحادي، فاسمحوا لي أن أذكر لكم مشهدا من مشاهدها.. لقد استوحيت فكرتها ـ مثل الكثير من أصدقائي الملاحدة ـ من أساطير هوميروس اليونانية القديمة.. وهي تهدف للثورة ضد الله، حتى يستطيع الإنسان أن يعيش حرًا، يفعل كل ما يريد بضمير مستريح.

ذلك المشهد الذي لا تزال صورته بين عيني هو خطاب [أوريست] للإله قائلة له: أنت يا جوبتر ملك الآلهة.. ملك النجوم والحجر.. ملك أمواج البحر.. ولكنك لستَ ملك البشر.. فيرد جوبتر، وهو رمز في المسرحية لله: ألست ملكك أيها الدودة الوقحة؟ من خلقك إذًا؟.. فترد عليه أوريست: أنت. لكن ما كان عليك أن تخلقني حرًا.. فيقول جوبتر: منحتك الحرية لتخدمني.. فترد أوريست: لربما، إلا أنها انقلبت عليك، ولا نستطيع بعد شيئًا، لا أنت ولا أنا.. منذ أن خلقتني لم أعد ملكًا لك.. إنك حتى هذه الساعة كنتُ حجابًا على عيني وسدادًا من الشمع في أذني، خلقتني لأنفذ خططك.. وفجأة انقضت عليَّ الحرية وأتعبتني، وشعرت بنفسي وحيدًا كل الوحدة. ولم يبقَ شيء في السماء من خير أو شر، وما من أحد يلقي إليَّ أوامره.

لعل هذا المشهد يختصر تصوراتي عن الله، والتي جعلتني لا أرى حلا لنفيه عن حياتي، وتحققي بالحرية التامة إلا جحودي له.

نعم.. كان عقلي يرفض وجود الكون أو الإنسان أو الحياة من غير إله عليم قادر، له عناية مطلقة بعباده.. لكني كنت أخشى من هذا الإيمان أن يتسلط على حريتي.. فقد كنت أتصور الله مثل والدي تماما.. ذلك الوالد المتجبر الطاغية الذي فرحت بموته.

ولو أني خففت من غلواء حقدي على والدي، وعلى مجتمعي.. ورحت أتحرر من تلك البيئة القاسية التي تعلمت منها هذه المعاني لرأيت رحمة الله متجلية في كل شيء.. ولرأيت يده الحانية، وهي تربت على كتفي، وتمنحني من الحرية ما لم أكن أحلم به.

سكت قليلا، ثم قال: لا أزال أذكر ذلك اليوم الذي منحني الله فيه الفرصة للتعرف على الحقيقة، ومراجعة أفكاري.. لكني أشحت عنها بكبريائي وغطرستي وتأليهي لنفسي.

أذكر ذلك اليوم الذي التقيت فيه رجل دين.. لا أعرف بالضبط على أي دين كان.. ولكنه كان مؤمنا بالله، ومتحمسا للدعوة إليه.. لقد قال لي بعد أن عرضت عليه أفكاري عن تحرير الوجود الإنساني من الوجود الإلهي: وهل وجود الله يزاحم وجودك.. إن الصورة التي تحملها عن الله خاطئة.. فالله أغنى من أن يزاحمك وجودك..

إنك تتصور الله كذلك المتكبر الجبار الذي (يسعى دائما لإخضاع الإنسان وإذلاله والحد من حريته عن طريق وصايا ثقيلة.. وتتصور الإنسان الذي يؤمن بوجود الله بمثابة عبد ذليل لسيد قاسٍ، يحاسبه على أقل خطأ يرتكبه، وقد أعد له العذاب الأبدي.. وتتصور الله بصورة الإله الذي يفرح ويُسر بعذاب الإنسان.. وكل هذا تصور مقلوب لا حقيقة له)([16])

فالله (نبع يفيض على كل أحد، وشمس تشرق على كل أحد، وخير يعم الكل، وحب يشمل الجميع.. شاء بإرادته أن يخلق الإنسان حرًّا مريدًا، ولم يندم قط على أنه وهبه حرية الإرادة حتى لو استخدم الإنسان هذه الحرية ضد الله ذاته، ورفضه وجدَّف عليه، بل إنه لا يقبل الإنسان إلا إذا جاء إليه بكامل إرادته.. فالله لا يقبل إلا البشر الأحرار، والله لم ولن يكون عدوًا للإنسان قط، فالإنسان موضع حب الله وتكريمه.. وقد أعد لنا ملكوتًا يتسع للجميع)

ثم ذكر لي ما قاله القديس أغسطينوس: (إن الذي خلقك بدون إرادتك لن يخلصك بدون إرادتك)

والتقيت بآخر، قال لي: (أنت تحمل مفاهيم ممتلئة بالغالطات عن الله.. فالله لم يخلق الإنسان ليسخره، ولا ليسلب حريته، ولا حتى ليعبده، لأن الله كامل في ذاته متكامل في صفاته، فهو لم يكن محتاجًا إلى عبوديتنا، بل نحن المحتاجون إلى ربوبيته)

ثم راح يضيف: (إن الله خلق الإنسان لكي يتمتع بنعمة الوجود في حضرته، فالإنسان هو نتاج محبة الله، ولهذا عندما أراد أن يخلقه رتب له الكون كله، ودبر له كل احتياجاته، ثم خلقه على أفضل صورة ممكنة)

والتقيت بعدها بعض المؤمنين الممتلئين بالأنوار التي لم أملك التهرب منها.. بل إنه هو الذي قصدني، وقال لي: ألست أنت الذي تنادي بالحرية؟

قلت: بلى..

قال: فاعلم أنك لن تنالها إلا بالإيمان بالله.. (فالمؤمن حرّ في ذاته.. فالذي هو عبد لله رب العالمين لا ينبغي له أن يتذلل للناس.. فكلما رسخ الإيمان قويت الحرية.. أما الحرية المطلقة التي تنادي بها، فليست سوى وحشية مطلقة بل بهيمية مطلقة.. فأنت ترى قسماً كبيرا من السفهاء والمهملين يريدون أن يظلوا أذلاء أسارى النفس الأمارة بالسوء فلا يروق لهم إلا العيش البهيمي الذي يطلقون عليه تمويها وزورا لقب [الحرية])([17])

 وقال لي: (الحرية الخارجة عن القوانين الإلهية المنظمة لحياتنا والمنظمة لحياة كل شيء.. ليست سوى استبداد أو أسر بيد النفس الأمارة بالسوء، أو بـهيمية أو وحشية)

لكني لم أستمع له.. ولكل أصوات الحكمة التي كنت تناديني.. وظللت حياتي جميعا أعيش حياة الحرية.. عفوا حياة البهيمية.

قال ذلك.. ثم راح يبحث مع زملائه في السراب عن الماء.

جوزيبّي رينسي:

ما إن انتهى سارتر من حديثه، حتى قام رجل شاحب، قد بلغ به الهرم والعياء مبلغا شديدا، وكان فوق ذلك كله يلهث من العطش..

قام، وقال بصوت متقطع ممتلئ ألما: اسمعوني أيها الناس.. أنا الذي كنت أنادي معاشر المؤمنين في كل محل ساخرا منهم، ومستهزئا بهم، قائلا لهم: (ما دام الله الذي تعرفونه وتعبدونه وتخضعون له وتبذلون حريتكم من أجله لم يرنا نفسه.. فإنه غير موجود.. فلا موجود إلا ما تستشعره حواسنا)

اسمعوني، فأنا صاحب الكتاب الذي تصور أنه بمداد مختلط بالجنون والرذيلة يمكنه أن يمحو الله من الوجود.. أنا صاحب كتاب [دفاعا عن الإلحاد] بين أيديكم الآن.. يمكنكم أن تقاضوني وتجلدوني وتعذبوني كما شئتم.. فقد كنت أكذب عليكم.. وكنت أزخرف القول لأتلاعب بأكبر حقائق الوجود.. ليخلو الجو لي بعدها معكم، فنعيش عالم البهيمة والشياطين.

أنا كاهن الإلحاد الأكبر [جوزيبّي رينسي([18])] تعالوا لتنظروا إلي، لتروا حقيقتي كما هي بعيدة عن أنواع الطلاء التي كانت تسترني، والتي كانت جميع الشياطين تزينها لكم.

أو دعكم من محاكمتي، فأنا سأحاكم نفسي، وسأقدم اعترافاتي.. فالحقيقة أعظم من أن يحجبها أحد..

أنا الذي ألفت كتابي في الدفاع عن الإلحاد.. سأكتب بين أيديكم الآن وعلى أسماعكم كتابي في الدفاع عن الإيمان.. فكما سمعتم الأول، فهلموا لتسمعوا الثاني.

لقد قلت في كتابي الأول [دفاعا عن الإلحاد]: (إنّ قضيّة الإلحاد هي واحدة مع العقل، مع المنطق، مع الحس الإنساني السّليم، حيث إن الرغبة في دحض الإلحاد هي ببساطة تمردٌ على القوانين الأساسية للتفكير المنطقي.. وإنكار الإلحاد هو الوقوع في الهلوسة، في الجنون، في العقلية الضّبابية للبدائيين، غير القادرة على التمييز بين الكينونة والعدم)

وأنا الآن أقول في كتابي الجديد الذي لم يسجله التاريخ [دفاعا عن الإيمان]: كل ذلك كذب.. فلا علاقة للإلحاد بالعلم، ولا بالمنطق.. ولا بالذهنية المتقدمة والمتحضرة.. ولا بالفكر الرصين.. والعقل السليم.. بل هو نوع من الهلوسة التي تبعدنا عن الواقع وعن الحقيقة، وتجعلنا نعيش عالما افتراضيا وهميا أسسته لنا نفوسنا الأمارة بالسوء.. ليحلو لها الجو بعد ذلك أن تفعل ما تشاء، وكما تشاء..

إن حال العقل الملحد لا يختلف عن حال رئيس العصابة الذي يستعمل كل وسائل الخداع ليقنع أفراد عصابته أنه لا وجود للشرطة، ولا للمحاكم، ولا للسجون، ولا لأي نوع من أنواع الرقابة.. وأنه بإمكانهم أن يرتكبوا جرائمهم، وهم في راحة تامة.. وكل ذلك مجرد خداع ومكر لا علاقة له بالحقيقة.. فالكلمات وحدها لا تلغي الموجود، ولا توجد المعدوم.. والمنطق المزخرف بأنواع الطلاء الكاذب لا يمكنه أن يغير الحقائق.

لذلك فإن ادعاء ارتباط الإلحاد بالعقل والمنطق، وارتباط الإيمان بالهلوسة والاغتراب الذهني كذب على الحقيقة.. ولو كان الأمر كذلك لكان كبار فلاسفة العالم، بل الذين أسسوا المنطق نفسه بجميع أنواعه مهلوسين ومغتربين..

ولو كان الإلحاد مرتبطا بالتقدم والتحضر، لكانت الأنظمة الإلحادية من أعدل الأنظمة وأكثرها رفاها، وذلك لم يتحقق في التاريخ، فالدول التي قامت على أسس إلحادية كانت أكثر الدول إجراما وتسلطا وظلما.. والمجتمعات التي قامت على الإلحاد مجتمعات للرذيلة والانحراف والشذوذ، وهي أبعد المجتمعات عن كل القيم الإنسانية.

لذلك لا تصدقوا ما قلت لكم.. فقد كنت أكذب عليكم، لأعطي نفوسكم تلك الحرية الوهمية، التي تجعلها تتحرك بعيدا عن كل القيم.

سكت قليلا، ثم نظر إلى كفه، وراح يقول: وقلت لكم أيضا في كتابي الأول، وأنا أدافع عن الإلحاد: (من الأكيد أن البراهين المنطقية على عدم وجود الله تهزّ بقوّة كيان المؤمنين، وتصدم ناكري الإلحاد من المفكرين المهادنين مع الدين أو المتعاطفين مع المؤمنين، خصوصا إذا بيّنت لهم أنه لا يمكن التمسّك بالعقل، ثم التضحية به لأجل الإيمان. فالمَرء لكي يؤمن يجب عليه أن يَخنق عقله، أن يلويه ويحوّل وجهته عمدا، أن يتحيّز باطلا لإثبات ما يريد بالفعل أن يصدق، يُجبره على مداهنة نفسه قصد إرساء وتدعيم ما يرغب في الإيمان به)

وهذا كله كذب وزور.. فالمؤمنون الصادقون لا تهتز عقيدتهم في الله بسبب تلك الزخارف التي يزينها الملاحدة.. وهم إذا حزنوا لا يحزنون إلا على ذلك العقل المجنون الذي راح يكذب على نفسه، ليجعلها ممتلئة بالوهم الكاذب..

والكذب والخداع لن يحول الحقائق أبدا.. والتفكير الرغبوي لا يمكنه أن يغير الأمور، بل هو ـ فقط ـ يخدع صاحبه، ويحتال عليه.

لهذا فإن تلك المقالات الخطابية التي كنا نرددها عن خنق المؤمن لعقله، وإصابته بالهلوسة والاغتراب ليس سوى نوع من أنواع الخداع التي كنا نتلاعب بها لنخفي الحقائق.

وهي لذلك لا تصلح إلا مع أولئك المذبذبين المترددين المقلدين الذين ورثوا الإيمان ولم يعيشوه.. أما المؤمنون الراسخون الصادقون فإن عقولهم أرسخ من أن يؤثر فيها تلك الزخارف.

سكت قليلا، ثم نظر إلى أصحابه، وقال: لقد كانت الخدعة الكبرى التي مارستها لأدافع عن الإلحاد هي ذلك المفهوم الممتلئ بالمغالطات حول معنى الوجود.. لقد وضعت هذا السؤال [ما هو الوجود؟] في صلب كتابي، ثم رحت أجيب عنه بقولي: (إن الإجابة الصحيحة عن هذا السؤال تحلّ مسألة [وجود الله] وتمنح قضية الإلحاد الانتصار النهائي والتام.. الوجود يعني كل ما يمكن رؤيته، ولمسه، وإدراكه.. والإمكان هنا لا يعني أنه لا يوجد فعلا في هذه اللحظة إلا ما يمكن أن يُلقَى عليه بالبصر وتُوضَع عليه اليد ويُدرك بالعقل، ولكن بمعنى أنه حتى في حال لم يحدث هذا أبدا، فإن الشيء الموجود يجب أن يملك طبيعة تجعله قابلا لأن يكون مرئيا وملموسا ومُدركا.. [وجود] إذن، لا يعني شيئا آخر سوى هذا)([19])

لقد رددت بكلامي هذا كل ما قاله الأغبياء والمغفلون من أصحابي الملاحدة.. لقد رددت قول (ديلوس مكنون): (التخفي وعدم الوجود يتشابهان إلى حدٍّ كبير).. ورددت قول (جورج كارلن): (الأديان في الواقع أقنعت المؤمنين أن هناك رَجُلاً متخفيّاً يسكن الفضاء).. ورددت قول (وتني براون): (أنا لست ملحدة.. أنا ببساطة لا أؤمن بشيء لا وجود له؟).. ورددت قول (كارل ساغان): (لا تستطيع أن تقنع المؤمن بأي شيء فإيمانه لا يستند على أدلة وإنما على حاجة ماسة للإيمان)

لقد رددنا جميعا مثل هذه الكلمات، ونحن نطلب من الله أن يظهر نفسه بالأسلوب الذي نريده، لا الذي يريده.. لعلنا كنا نطلب منه أن يظهر كل فترة في السماء كجسم من الأجسام، ويقول أنا هنا.. أنا موجود؟.. وحينها سنتهمه بالنرجسية، أو بأنه يحاول إرهابنا لكي نضطر للاعتراف به وبتبعيته.. أو لعلنا كنا نطلب منه أن يتكلم بصوت مرتفع ليُسمع في كل الأرض.. وحينها سنتهمه بأنه يُقلِق راحتنا…. أو لعلنا كنا نطلب منه أن يتجسد في صورة إنسان.. أي أن يكون إنساناً مثلنا حتى نتأكد أنه موجود..

ربما كان الكثير منا يفعل ذلك.. فبعضهم يقول: سأؤمن بوجود الله إذا شفى أبي. وآخر سأؤمن به إذا جعلني غنياً.. وآخر إذا جعل حياتنا أكثر عدلاً.. وآخر سأؤمن به إذا رأيته بعيني ولمسته بيدي.. وآخر سأؤمن به إذا أعطاني إجابات منطقية لكل تساؤلاتي ([20])..

سكت قليلا، ثم قال: هذا كله كذب وزور، فالوجود الحسي ليس سوى لون من ألوان الوجود.. وهناك أشياء كثيرة ترتبط بنا، ونستعملها، ومع ذلك لا ندركها إلا من خلال آثارها.. من غير أن تستطيع حواسنا البسيطة المحدودة أن تدركها.

سأضرب لكم مثالا على ذلك.. وهو عالم الرؤى العجيب.. والذي جعله الله فرصة لنا لنعرف من خلاله أنواعا أخرى للوجود غير عالم الحس الذي نعيشه.. فلو أن البشر لم يتسن لهم أن يحلموا، ثم أخبرهم شخص أنه ـ وعند نومه، وفي حال توقف جميع مداركه الحسية ـ يسمع ويرى ويتحرك ويشم، ويمارس كل طاقاته، بل يعطى من الطاقات ما لم يعط مثله في اليقظة لسارعوا بالتكذيب.. فهم لم يدركوا ما أدرك.

وهكذا يقال للمدافعين عن الإلحاد.. ومنهم أنا.. فمن أين لنا بانحصار الوجود في العالم الذي تدركه حواسنا؟

وهل حواسنا هي التي تتعرف على الأشياء، أم أنها هي التي تنشئها؟

سكت قليلا، ثم قال: لو أننا ـ معشر الملاحدة ـ رجعنا إلى أنفسنا، وطبقنا هذا الضابط الإلحادي على دعاوانا لاستحيينا أن نجزم على الأقل بالإلحاد.. فهل اطلعنا على كل الكون بكل جزئياته وتفاصيله حتى نحكم بعد ذلك على خلو الكون من إله؟

وهل كانت المجرات البعيدة التي اكتشفها أهل هذا العصر عدما، ولم توجد إلا بعد أن اكتشفتها الوسائل الحديثة؟

هذا هو العقل الملحد وغباؤه وغفلته عن الأمور البديهية البسيطة.. لأنه لا ينطلق من العقل الموضوعي المحايد الذي يريد أن يصل إلى الحقيقة مهما كان، وإنما هو عقل مزاجي رغبوي يريد أن يقتنع بما يتناسب مع مزاجه ورغبته، لا مع الواقع.

سكت قليلا، ثم نظر إلى كفه، وراح يقول: وقلت لكم أيضا في كتابي الأول، وأنا أدافع عن الإلحاد: (الوجود هو مادة وحركة، والطبيعة هي قوة محايثة، مكتفية بذاتها، أو طبقا لتعريف أرسطو: هي سبب ومبدأ للحركة التي تحدث في الزمن، من ذاتها، والزمن هو عدد الحركة بحسب السابق واللاحق.. وأشكال الفكر تتطابق مع أشكال الوجود، فقط كل ما هو قابل للإدراك، للحس، كل ما هو مكاني، زماني، ممتدّ، مادّي قابل بصورة مشروعة للتعقل، ويمكن أن تنطبق عليه دون أن تقع في الفراغ)

قال ذلك.. ثم راح يضحك بصوت عال، وهو يقول: لقد قلت هذا الكلام في حالة هلوسة واغتراب ذهني كبير.. فأنا في ذلك الحين.. لم أكن أعرف حقيقة المادة، ولا حقيقة الحركة.. واستدعائي لأرسطو من الزمن البعيد ليشاركني دجلي وكذبي نوع من الكذب على نفسي وعلى جمهوري وعلى أرسطو نفسه.. فالمادة والحركة المرتبطة بها لا تزال محل بحث من علوم عديدة.. وكل ما وصل إليه أهل عصري حولها لا يساوي شيئا أمام ما وصل إليه أهل العصور التالية.. وكل ما وصلوا إليه لا يساوي قطرة من حقيقتها التي لا يعلمها إلا الله.. وهي فوق ذلك كله صورة من صور الوجود.. وصور الوجود لا يقدر العقل أن يحصرها.. فالممكنات لا حدود لها.

إن مثلي في ذلك مثل رجل لم ير في حياته إلا الحيوانات الأليفة.. فإذا ما جاءه شخص وقال له: ما دام يوجد في الطبيعة هذه الأنواع من الحيوانات، فلا مانع عقلا من أن يوجد غيرها، وبأشكال مختلفة.. فراح يكذبه، ويقول له: لا وجود إلا لما أراه، ويستحيل أن يوجد غيره.. فأيهما صاحب العقل المنطقي، وأيهما صاحب العقل المخادع؟

دعكم من هذا المثال، فأنا أعلم أن هناك من العقول المخادعة من سيجادل فيه.. سأضرب لكم مثالا بسيطا آخر.. هو عن ذلك الذي نسميه فراغا، وقد نسميه عدما، وقد نضرب به الأمثلة على عدم وجود الأشياء.. لقد كنت أفعل هذا مع طلبتي، فأشير لهم إلى الفراغ، وأقول لهم: كما أن هذا الفراغ معدوم، وليس شيئا، فالله كذلك معدوم وليس شيئا.. والعلة الجامعة بينهما هي عدم إدراكنا لهذا الفراغ.

وقد كنت أستند في هذا إلى ما قاله [ديمقريطس] في القرن الخامس قبل الميلاد، فقد عرف الفراغ أنه [ما ليس موجوداً]

لكن العلم أثبت بعد ذلك([21]) أنه لا يصح لعاقل أن يقول بأن هذا الفراغ الذي نراه عدم.. بل ذكروا أنه لا وجود للفراغ أصلا، بعدما اكتشفوا أن كل جزء من أجزاء الكون مهما كان صغيراً مشغول دائماً بالطاقة، مثل طاقة الضوء أو الأشعة الكونية أو الأشعة الراديوية وغير ذلك.. واكتشفوا أن الكون غني بالبناء، ففي كل ميليمتر مكعب هناك نوع من المادة والطاقة، ولا وجود للفضاء أبداً.‏

واكتشفوا أن طاقة الفراغ ـ الذي كنا نتوهمه عدما ـ شيء عظيم فوق ما يتصوره البشر، وهي تملأ الكون، وتتحكم بحركة المجرات، ولولا وجود هذه الطاقة لانهار الكون، ولم يستمر أبداً.

ليس هذا فقط ما أرد به على نفسي وعقلي المخادع.. فهناك ردود كثيرة، وكلها تتسم بالعقلانية والمنطقية والعلمية.. ولكن الوقت لا يسعفني لذكرها الآن.. ولعلكم ستمعونها من غيري.

سكت قليلا، ثم راح يقول: في تلك الأيام التي كنت أدافع فيها عن الإلحاد كنت أنظر إلى حواسي الخمس بكل ألوان الزهو والتعظيم، وأتصور أنها وحدها يمكنها أن تختصر لي الوجود.. كنت أقول ـ وأنا أنظر إليها بكل كبريائي وغروري ـ وأنا أخاطب المؤمنين: (إن من يعتمد طريقتكم في التفكير يقبع خارج العقل تماما، وهو فريسة للجنون.. من يتبنّى ويتعاطى هذا النمط من التفكير المُهيّئ لإثبات وجود الله، هو مجنون بالمعنى الأكثر صرامة للكلمة، تماما مثل من هو مقتنع بأن 2×2=5)([22])

وكنت أقول: (كيف لا يخرج عن طور العقل مَن يدّعي أنه يمكن أن يكون هناك موجود ذو طبيعة مختلفة عن تلك التي تُدرَك حسيّا، والتي هي خاصة بما هو موجود بالنسبة إلينا؟)

وكنت أقول: (التصريح بنسبوية الحكم بخصوص الوجود، هو مطابق للتصريح بواحدة من هذه الأقوال: ما الجسم؟ كل ما هو ممتدّ في المكان.. لكن، حذاري، هكذا هو الجسم بالنسبة إلينا؛ إلا أنه من الممكن ربما، بالنسبة إلى كائنات أخرى، لأمكنة أخرى، أو في ذاتها، أن توجد أجسام دون امتداد.. ما الشيء الصّلب؟ هو الجسم الذي يقاوم الاختراق. ومن قال إنه لا يمكن أن يوجد جسم صلب آخر، ذو طبيعة أخرى، يمكن اختراقه دون ملاقاة أية مقاومة.. ما الزمن؟ إنه عدد الحركة بحسب السابق واللاحق. لكن ما يمنع من أن يكون سَهم الزمن الذي ينتقل من الماضي إلى المستقبل، مرورا بالحاضر، هو كذلك فقط بالنسبة إلينا نحن؛ وأنه في أمكنة أخرى، الزمن يسير من المستقبل إلى الماضي، والشخص يبدأ بالموت وينتهي في رحم أمه، والتاريخ كله يسير في اتجاه تراجعي، والمستقبل، رغم أنه يتم الانطلاق منه، يبقى مستقبلا، والماضي، رغم أنه إليه يُوصل، يبقى ماضيا. النتيجة (كل هذا هو بَيّن الجنون)([23])

 كنت أقول هذا ردا على زميلي في الوجودية [هايدغر]، والذي أراد أن يحقق ذاته من غير أن يحكم بالإعدام على خالقه، لأن عقله لم يستطع أن يهضم كونا من دون مكون.

لقد قال لي [هايدغر] حين عرضت عليه ذلك الإشكال الذي تصورت أنه يقضي تماما على كل البراهين الدالة على الله.. قال لي بشفقة: (إن جسم الإنسان هو أساسا شيء آخر أكثر من مجرد كائن عضوي حيواني)

وقال لي: (أن يكون بإمكان الفيزيولوجيا والكيمياء دراسة الإنسان كهيئة عضوية من وجهة نظر العلوم الطبيعية، فذلك ليس بدليل على أن ماهية الإنسان تكمُن في [الخاصية العضوية] أي في الجسم المفسر علميا. فشبيه بهذا ادّعاء حصر ماهية الطبيعة في الطاقة الذرية؛ إذ من الممكن جدا أن تكون الطبيعة قد أخفت بالضبط ماهيتها في ذلك الجانب الذي تقدمه للهيمنة التقنية من طرف الإنسان.. فكما أن ماهية الإنسان لا تقوم في أن يكون عضوية حيوانية، كذلك القصور الذي يطبع هذا التحديد الماهوي للإنسان، لا يقصى ولا يختزل، حين نخص الإنسان بنفس خالدة وبملكة عقلية، أو بالخاصية التي تجعل منه شخصا)

وقال لي آخر، وهو يخاطبني مع مجموعة من الملحدين: (حسنا؛ ستكون أطروحتكم صحيحة لو أضَفتم: إلينا نحن.. إذا قلتم إنه بالنسبة إلينا نحن، يعني بالنسبة إلى طبيعة ذهننا المرتبطة بالحواسّ، فإنّ وجود شيءٍ ما، لا يتمظهر إلا بواسطة الإدراك الحسي، ولا ينطبق إلا على هذا العينيّ المُشار إليه فقط، الذي يتمظهر بتلك الصيغة، نستطيع أن نطبّق مفهومَكم للوجود، وما عدا ذلك فإن أطروحتكم غير جائزة. فعلا، من الذي سمح لكم بأن تُنصّبوا ما هو نسبي إلينا على أنه قانون كونيّ، أن تجعلوا من طبيعة ذهننا المعيار المطلق للكون، من مفهومنا للوجود المفهوم الوحيد الصحيح؟ مَن الذي أذِنَ لكم باستبعاد أن يكون هناك موجود ذو طبيعة مختلفة عن ذاك الوجود الذي هو موجود أو يظهر موجود بالنسبة إلينا؟)([24])

وقال لي آخر، وهو [ألبير كامو]، وهو يعاتبني بقسوة، ويشير إلى حواسي بسخرية([25]): (إنك تستطيع إدراك وحساب الأحداث من خلال العلم، ولكنك لا تستطيع إدراك الكون.. فهذه الشجرة، يمكنك أن تشعر بقسوتها، وهذا الماء يمكنك تذوقه.. وذلك الهواء يشعرك بالبرودة، ولابد أن تدرك كل هذا.. لكن جميع المعلومات الموجودة لدينا حول حقيقة العالم الذي نعيش فيه تنتقل إلينا عبر الحواس الخمس.. والعالم الذي نعرفه يتألف مما تراه عيوننا، وتشعر به أيدينا، ونشمه بأنوفنا، ونتذوقه بألسنتنا، ونسمعه بآذاننا. إننا لا نفكر أبداً في أن العالم الخارجي يمكن أن يكون شيئاً مختلفاً عما تقدمه لنا حواسنا باعتبار أننا نعتمد فقط على هذه الحواس منذ ولادتنا)

وقال لي آخر، وقد كان عالما كبيرا في الفيزيولوجيا، وهو يحدثني بلغة علمية حية، وكأنه يسخر من لغتي الفلسفية العقيمة، التي لا تعدو أن تكون مجرد خواطر مهلوس: (إن ما ندركه كعالم خارجي هو فقط نتيجة تحفيز العقل بواسطة الإشارات الكهربائية التي ترسلها إليه الأعضاء الحسية، وذلك حسب النتائج العلمية. فالتدرج المتعدد للألوان الذي تدركه بواسطة حس النظر، وشعور القساوة أو الليونة الذي ينتقل إليك بواسطة اللمس، والتذوق الذي تمارسه بلسانك، وإشارات الصوت المختلفة والأصوات التي تسمعها بأذنك، وأنواع الروائح التي تشمها، وعملك، وبيتك، وكل ما تملكه.. كل ذلك يتألف بصورة خالصة وبسيطة من إشارات كهربائية ترسلها أعضاء الحس لديك إلى الدماغ. ورغم أن هذا يبدو صعباً عند أول تحليل لكنه حقيقة علمية)

وقال لي آخر، وقد كان صديقا حميما لـ [برتراند راسل]، وهو يمسك بيده حبة ليمون: (مثلاً، هل حبة الليمون موجودة أم لا، وكيف وجدت.. فهذا أمر لا يمكن السؤال أو التحري عنه.. فحبة الليمون تتألف فقط من طعم نشعر به بلساننا، ورائحة نشمها بأنفنا ولون وشكل نحس به بالعين، هذه المظاهر هي التي يمكن فحصها وتقييمها.. فالعلم لا يستطيع أبداً معرفة العالم المادي)

وقال لي آخر، وكان صديقا لـ [فريدريك فيستر]: (إن عبارات بعض العلماء التي تقول بأن الإنسان هو صورة، وكل ما يقوم به هو مؤقت ومضلل، والكون عبارة عن ظل قد أثبتها العلم اليوم)

وقادني آخر ـ وكان طبيب عيون ـ إلى مخبر أبحاثه، وهو يسألني قائلا: هل تعرف كيف نرى؟

سخرت من سؤاله، وقلت: وهل هناك شك في ذلك.. إننا نرى بعيوننا.

فقال لي: عندما ننظر بالتفسير التقني لعملية الرؤية، فإن الأمر لا يبدو كذلك.. إن عملية الرؤية تتحقق بالتدريج. تنتقل الحزم الضوئية من الموضع إلى العين، وتمر من خلال العدسة الموجودة في العين الأمامية حيث تنكسر وتسقط مقلوبة على الشبكية في الجزء الخلفي من العين.. وهنا يتحول الضوء المرتطم إلى إشارات كهربائية تنتقل بواسطة النترونات إلى بقعة صغيرة تدعى مركز الرؤية في الجزء الخلفي من الدماغ.. وعملية الرؤية تتم فعلياً في هذه البقعة الصغيرة في الجزء الخلفي من الدماغ الشديد السواد والمعزول كلياً عن الضوء.. وبما أن الدماغ معزول عن الضوء، فمن المستحيل أن يصل الضوء إلى مركز الرؤية.. وهذا يعني أننا نرى عالماً واسعاً من الضوء والعمق في نقطة صغيرة معزولة عن الضوء.. وحتى عندما نشعر بضوء النار وحرارتها فإن داخل دماغنا شديد السواد ولا تتغير درجة حرارته أبداً)

ثم أضاف يقول: (إن الطبيعة المتعددة الألوان، والمناظر الطبيعية المتوهجة، وجميع درجات اللون، اللون الأخضر وألوان الفاكهة، وأشكال الأزهار، وإشراقة الشمس، وجميع الناس في شارع مزدحم والسيارات تتحرك سريعاً مع حركة المرور، ومئات الثياب في مجمع تجاري وكل الأشياء الأخرى هي عبارة عن صور تشكلت في هذه البقعة المظلمة وحتى تشكل الألوان في البقعة المظلمة لم يكتشف بعد)

ثم قدم لي مقالة لـ [ر. ل غريغوري] يقول فيها: (إن موضوع النظر مألوف جداً بالنسبة لنا بحيث نحتاج إلى قفزة خيال صغيرة حتى ندرك أن هناك مشكلات يجب حلها. ولكن فكر في هذا الأمر. إن لدينا صوراً مقلوبة في عيوننا، ونرى أشياء صلبة منفصلة في الفضاء المحيط. ومن خلال الأشكال الزائفة الموجودة على الشبكية نستطيع إدراك الأشياء الموجودة في العالم. وهذا ليس بأقل من معجزة)

ثم أردف يقول، وهو ينظر لي بسخرية: هذه الحالة تنطبق على جميع حواسنا. الصوت واللمس والذوق والشم، فكلها تدرك على شكل إشارات كهربائية في الدماغ..

ثم أمسك بأذني، وراح يقول: إن الدماغ معزول تماما عن الصوت كما هو معزول عن الضوء.. ولهذا ومهما كان مقدار الضجيج في الخارج، فإن داخل الدماغ ساكن تماماً. ومع ذلك فإن الدماغ يتلقى أدق الأصوات.. إن هذه العملية دقيقة للغاية بحيث تستطيع أذن الشخص السليم سماع كل شيء بدون أية أصوات تشويش أو تدخل.. وبواسطة دماغك، المعزول عن الصوت، وحيث الصمت المطبق، تستطيع الاستماع إلى سيمفونيات فرقة الأوركسترا، وسماع جميع الأصوات في مكان مزدحم، وتلقي كل الأصوات ضمن مجال تردد واسع، من صوت حفيف الورقة إلى أزيز طائرة الجت. ومع ذلك إذا تم قياس مستوى الصوت في دماغك بواسطة جهاز حساس في تلك اللحظة فيمكنك ملاحظة صمت مطبق يسود بداخله.

تركته بعد أن ملأني عتابا وسخرية، وفي طريقة التقيت بصديق آخر، لعلكم تعرفونه.. إنه [جورج بركلي]([26]) حدثته عما جرى لي مع المخالفين لي من أصدقائي، فقال: (لقد كنت مثلك أعتقد بأن الألوان والروائح وغيرها موجودة فعلاً لأني أدركها.. لكني بعد ذلك اكتشفت أنها موجودة فقط بالاعتماد على أحاسيسنا.. وبذلك اعتبار الأحاسيس وحدها أداة المعرفة واليقين)

ثم قال لي: أستطيع بواسطة النظر الحصول على الأفكار ا لمتعلقة بالضوء والألوان بدرجاتها المختلفة واختلافاتها. وأستطيع بواسطة اللمس إدراك ما هو قاسٍ وطري وحار وبارد ومقاوم.. وتزودني حاسة الشم بالروائح وحاسة الذوق بالطعم، والسمع بنقل الأصوات.. وبما أن العديد منها تترافق مع بعضها البعض فيمكن جمعها باسم واحد وبالتالي اعتبارها شيئاً واحداً.. وهكذا فمثلاً إن لوناً من الألوان وطعماً ورائحة وشكلاً وتماسكاً يلاحظ أنها تتماشى مع بعضها البعض تعتبر شيئاً واحداً له اسم تفاحة. ومجموعات الأفكار الأخرى تتألف من الحجر، الشجرة، الكتاب وما شابه ذلك من الأشياء الحسية.

ولهذا عند معالجة المعلومات في مراكز الرؤية والصوت والرائحة والطعم واللمس، فإن دماغنا لا يواجه، خلال حياتنا، أصل المادة الموجودة في الخارج، ولكنه يواجه الصورة التي تتشكل داخل دماغنا، وفي هذه المرحلة سنخدع بسبب افتراضنا أن هذه الصور هي أمثلة على المادة الحقيقية الخارجية.

وقال لي: عندما تفكر في أنك تسمع صوت التلفاز في الغرفة المجاورة، فإنك تقوم باختبار الصوت داخل دماغك فعلياً ولا تستطيع إثبات أن الغرفة موجودة إلى جانب غرفتك، ولا أنه صوت آتٍ من جهاز التلفاز في تلك الغرفة. إن كلاً من الصوت الذي تظن أنه آت من على بعد أمتار وحديث شخص يجلس بجوارك، يتم إدراكهما في مركز السمع بالدماغ الذي يبلغ عد سنتمترات مكعبة فقط. وبعيداً عن مركز الإدراك هذا فإنه لا يوجد أي مفهوم مثل يمين، أو يسار أو أمام أو خلف. وهذا يعني أن الصوت لا يأتي إليك من اليمين أو اليسار أو من الهواء لأن الأصوات الآتية ليس لها اتجاه.

وقال لي: إن الإحساس بالبرودة والحرارة، لا يمكن الحكم على وجوده من دون العقل.. لنفترض أن إحدى يديك ساخنة والأخرى باردة، ووضَعْتَ كليهما مرة واحدة في وعاء من الماء متوسط الحرارة، ألن يكون الماء بارداً بالنسبة ليد وساخناً بالنسبة للأخرى؟ ولو كانت الحرارة والبرودة موجودتين في المادة نفسها فإن كلتا اليدين ستشعران بالشيء نفسه.

تركته.. وسرت في طريقي حزينا على الحقائق التي كنت أتصور أنني بلغت غايتها.. وفي طريقي اشتريت [المجلة العلمية الأمريكية] المعروفة، وفي بيتي رحت أقلب صفحاتها ([27])، فوجدت هذا المقال الذي أكد لي حرف قاله أصدقائي.. لقد قرأت فيها: (إن العالم الخارجي الذي ندركه ليس إلا مجموعة من الإشارات الكهربائية التي تصل إلى دماغنا. ويقوم الدماغ، خلال الحياة، بمعالجة وتفسير هذه الإشارات، ونعيش دون التمييز بأننا أخطأنا في افتراض أن هذه الإشارات هي النسخ الأساسية للأشياء الموجودة في العالم الخارجي.. لقد خدعنا لأننا لا نستطيع الوصول إلى الأشياء نفسها بواسطة حواسنا. هذه النقطة مهمة جداً)

قطعت المجلة..ورحت أكمل كتابي في الدفاع عن الإلحاد.. وعن حواسي التي كاد أولئك الفلاسفة والأطباء والفيزيائيين أن يسلبوا مني ثقتي بقدرتها على تمييز الموجود من المعدوم.

بعدها جلس، وراح ينكت بعود على الأرض، وهو يقول: أذكر ذلك اليوم جيدا عندما كنت في بلد من بلاد المسلمين، وقد رأيت حينها رجلا مقعدا مشلولا، لم يكن يتحرك منه إلا لسانه، ومع ذلك كان ممتلئا سرورا، ولم تظهر عليه أي علامة من علامات الاكتئاب أو الإحباط.

اقتربت منه وسألته عنه، وعن سر ابتسامته وفرحه، وهل يتعاطى بعض الأدوية التي سببت له ذلك السرور الذي لا يتناسب مع حالته..

 فقال لي: أجل.. أنا أتعاطى دواء الإيمان.

قلت: ما تعني بذلك؟

قال: إن هذا الدواء جعلني أعلم علم اليقين أنني أعيش في هذه الحياة الدنيا مرحلة قصيرة فقط.. لا تساوي شيئا أمام الأزل والأبد.. وأعلم أنني بعد هذه المرحلة القصيرة سأعيش الحياة الأبدية الحقيقية التي أتنعم فيها بكل أصناف النعيم.. ولذلك لم أر مبررا لحزني ولا اكتئابي ولا يأسي.. فكل الحياة الدنيا لا تساوي ثانية واحدة من تلك الحياة الأبدية التي تنتظرني وأنتظرها بكل شغف.

لم أجد ما أقول له، لأني خشيت أن أحطم فيه هذا الإيمان، فيتحطم، ولا أستيطع بما لدي من معارف أن أجبره.. لكنه نظر في عيني، وكأنه قرأ سخريتي من حديثه فقال: يمكنك إلا تصدق قولي.. ويمكنك أن تعتبرني مجنونا لكنك لو نظرت إلى الكون ودقته وصنوف الجمال المبثوثة فيه، لعلمت أن صاحبه أعظم من أن يبتليني، ثم لا يحن علي.. وأعظم من أن يمن علي بنعمة الوجود، ثم يسلبني منها.. وأعظم من يريني دار ضيافته، ثم لا يدخلني إليها.

لم أجد ما أرد عليه، فقال، وهو يشير إلى أعضائه المشلولة: أنت تتصور أنني هذه الأعضاء المشلولة المقعدة أمامك.. لست ذلك أنا.. هذه مجرد كسوة لبستها.. أما حقيقتي فهي أعظم من ذلك.. لقد من الله علي بلطائف كثيرة يمكنني أن أعيش في رحاب جمالها من غير أن أحزن على ما أصاب جسدي.. ومشكلة الغارقين في أوحال أجسادهم أنهم ربطوا حياتهم بطينهم، فلم ينعموا بالفضائل والمكرمات التي وهبها الله لأرواحهم.. لذلك تراهم يعيشون وجودا ناقصا محدودا لا قيمة له.

سكت قليلا، ثم قال: لقد كانت هذه بعض الأصوات التي نادتني للإيمان.. لكني بكبريائي وغروري لم ألتفت لها.. ورحت أمارس حياة البهيمية المتحررة عن الله وعن كل القيم.

قال ذلك.. ثم راح يبحث مع زملائه في السراب عن الماء.

ميخائيل باكونين:

ما إن انتهى [جوزيبّي رينسي] من حديثه، حتى قام رجل على تلة من تلال تلك الصحراء القاحلة، وكان في قمة الضعف والشحوب، وقد بلغ به العطش مبلغا عظيما.

قام، وقال بصوت متقطع ممتلئ ألما: اسمعوني أيها الناس.. فأنا المحارب الأعظم لله.. وأنا المتحدي الأعظم لوجوده وخالقيته.. وأنا المتمرد الأعظم على سلطانه.. أنا [ميخائيل باكونين([28])] صاحب ذلك الفكر المتمرد على كل شيء.. أنا الداعية الأكبر إلى الحرية التي تتمرد على كل القيم والحقائق.. أنا الداعية الأكبر للفوضى.. اسمعوني لأحدثكم عن أفكاري التي وضعتني في هذه الصحراء القاحلة التي لا يوجد فيها إلا السراب.

وحق لي ألا أرى إلا السراب، فقد كنت مستكبرا مغرورا معرضا عن كل أولئك الذين دعوني لأشرب عذب مائهم، وأرتوي من بحار حقائقهم.. لكني تركتهم ورحت ألهث وراء السراب الذي دعاني إليه الشيطان الذي أحببته من كل قلبي، ورحت أدعو الكل إلى حبه.. لسبب بسيط، وهو أنه تمرد على سلطة الله، وتحققت له بذلك الحرية..

لعلكم تذكرون ما قلت عنه في كتابي [الله والدولة].. أما أنا فلا أزال أذكره وأتعذب به، فقد قلت: (هنا نترقي بالشيطان المتمرد الأبدي، أول مُفكر حُر ومُحرر للعوالم.. من يجعل الإنسان يخجل من رضوخه وبهيميته الجاهلة، لقد أعتقه ووسمه بوسم الحرية والإنسانية بحثه على العصيان وأكل فاكهة المعرفة)([29])

وكانت كل دعواتي إلى إزالة الله من قاموس الحياة، حتى تتاح لنا الحرية المطلقة، وحتى لا يتحكم فينا أحد.. لقد صحت في أولئك المتدينين أو الفلاسفة المثاليين: (أنا أعكس عبارة فولتير، فأقول: إن كان الله موجودا فعلاً، فسيكون من الضروري نَفيه).. وكنت أصيح فيهم: (زعيم في الجنة أفضل ذريعة لزعيم على الأرض؛ لذلك إن كان الله قد وجد، سيكون عليه أن يُلغى)

هكذا بكل تبجح وكبرياء كنت أتحدث عن الله.. وكنت أشعر أنني حققت حريتي الكاملة برفضه.. لأن سلطته قد رفعت عني، ولم يبق لي إلا نفسي التي بين جنبي.. والتي تركت لها الحرية في أن تقول ما تشاء، وتفعل ما تشاء، وتحكم بما تشاء.

لقد عبرت عن ذلك، فقلت: (تتألف حرية الإنسان من مُجرد التالي: أن يُطيع قوانين الطبيعة لأنه أدركها بنفسه على هذا النحو، وليس لأنها فُرضت عليه بواسطة سلطة خارجية، بشرية أو إلهية، جماعية أو فردية).. وقلت: (تتضمن فكرة الإله التخلي عن العقل والعدالة، إنها النفي الأكثر حسماً للحرية الإنسانية. وتنتهي بالضرورة إلى إستعباد الجنس البشري في كل من النظرية والتطبيق)

وهكذا دعوت في كتابي [سلطة الدولة والفوضى] الذي نشرته سنة (1873) إلى الفوضى المطلقة.. لأنني لبلاهتي لم أكن أتصور الحرية إلا في الفوضى.. لقد اعتبرت التدين جنونا جماعيا.. واعتبرته الثمرة الفجة لوعي الجماهير المتهورة.. أما الكنيسة، فقد اعتبرتها المكان الذي يلتمس فيه المتهورون السُّلْوان لتجاوز تعاساتهم اليومية.. ولذلك دعوت إلى أن تنسف الدولة أولاً، وأن يستبعد مبدأ السلطة من حياة الناس حتى تسير البشرية إلى مملكة الحرية.

سكت قليلا يسترجع أنفاسه، ثم قال: لست أدري على من ألقي اللوم.. هل على عقلي الكسول الذي لم يبحث في الأديان والفلسفات ليكتشف الحقيقة، ويسير في حياته وفق مقتضاها.. أم على البيئة التي كنت أعيش فيها، والتي جعلتني أبحث عن كل السبل للتمرد عليها.. وبما أن الكنيسة كانت هي السلطة العليا، فقد وجهت جهدي كله لمحاربتها.. ومحاربة كل الأديان معها.. بل محاربة الله نفسه.

لا أكتمكم أنني في بداية حياتي رحت للكتاب المقدس لعلي أجد فيه السلوى.. لكني اصطدمت بما فيه.. فلذلك رحت أنبذه وأنبذ معه كل الأديان والفلسفات والعقول.

لقد ذكرت ذلك في كتابي عن الله والدولة.. فقد قلت فيه: (يُعتبر الإنجيل كتابًا ملفتًا وعظيمًا في كونه أقدم التجليات الباقية عن الحكمة والوهم الإنساني، وهو يعبر عن هذه الحقيقة بسذاجة شديدة من خلال خرافة الخطيئة الأولى)

أجل.. لقد كانت تلك العقائد الكنسية المرتبطة بالخطيئة الأولى، ووراثة الإنسانية لها هي السبب الأول الذي جعلني أتمرد على الله، وأسخر منه، ومن كتبه المقدسة، لقد قلت في ذلك: (كان يهوه، الوحيد من بين بقية الآلهة الذي حظي بتقديس الإنسان له، الأكثر غيرة وغرورًا وضراوة وظلمًا ودمويةً واستبدادية وعدائية تجاه الكرامة والحرية الإنسانية.. وقد خلق يهوه آدم وحواء بدوافع نزوة لا نعلم ماهيتها، وبما لا يقبل الشك قد يكون بدواع قتل الوقت الذي يثقل عليه في عزلته الأنانية الأبدية، أو ربما ليخلق عبيدًا جددًا، وبكل كرم وضع تحت تصرفهم الأرض كلها بكامل خيراتها ووضع حدًا واحدًا أمام التمتع الكامل بهذا الكرم؛ فقد منعهم بكل وضوح من لمس شجرة المعرفة على أمل أن يبقى الإنسان المحروم من أي فهم لنفسه وحشًا أبديًا جاثيًا على قوائمه الأربع أمام الرب الأبدي خالقه وسيده)

وكل ما ذكرته في هذا أوهام جرني إليها حقدي لا عقلي.. فإن كان العقل يقر بكون الله موجودا وخالقا، فإنه من العظمة والعلم والخبرة ما لا يحتاج معه أن يسأل عن سر خلقه.. فالحكيم لا يفعل إلا ما تدعوه إليه حكمته.. والكريم لا يفعل إلا ما يتطلبه منه كرمه.. والطبيب لا يسأل عن سر الدواء المر الذي يعطيه للمريض، ولا عن سر الحمية الثقيلة التي يكلفه بمراعاتها.

كان في إمكاني أن أفهم أن سر النهي عن الأكل من الشجرة مرتبط بحكمة الله.. وأن الله الرحيم الطبيب الخبير بعباده هو الذي نهى عن ذلك.. لكني لم أفعل لعقلي الكسول أولا.. ولتلك التحريفات التي وردت في الكتاب المقدس ثانيا.. والتي اعتبرت الشجرة المنهي عنها هي شجرة المعرفة..

ولهذا رحت أمجد الشيطان، لكونه هو الذي دعا إلى الأكل من الشجرة، فقلت: (وهنا يأتي دور الشيطان، المتمرد الأبدي والمفكر الحر الأول ومحرر العوالم، هو من يجعل الإنسان يشعر بالعار من جهله وخضوعه الوحشي، هو من يحرره ويدمغ على جبينه ختم الحرية والإنسانية عندما يدفعه إلى عدم الطاعة، وتناول ثمار المعرفة)

طبعا أنا لم أكن أؤمن.. لا بالله.. ولا بالشيطان.. ولا بشيء مما ورد في الأديان.. ولكني كنت أسخر فقط من المتدينين، ومن إيمانهم بالله، والذي اعتبرته طول حياتي وهما لا وجود له.

لكني كنت أذكر أنني إن كنت مخيرا بين تمجيد الله في حال وجوده، أو تمجيد الشيطان، فإنني أميل إلى تمجيد الشيطان.. لأنه أتاح للإنسان أن يأكل من شجرة المعرفة التي نهاه ربه عنها([30]).

سكت قليلا، ثم قال: ليس هذا فقط ما انحرف بي عن الدين.. وجعلني ألحد بالله.. هناك أشياء أخرى كثيرة في الكتاب المقدسة.. ومن بينها تلك الصفات التي وضعت لله.. والتي تجعله عاجزا عن أن يفعل شيئا.. لقد قلت في ذلك.. وفي أثناء حديثي عن قصة بداية خلق الإنسان كما وردت في الكتاب المقدس: (نحن نعلم ما حدث بعد ذلك، فالله الخيِّر الذي يتمتع بالبصيرة كإحدى قدراته الإلهية، فشل في رؤية ما سيحدث ودخل في حالة غضب عظيمة وسخيفة، ولعن في إثرها الشيطان والإنسان وكل العالم الذي خلقه بنفسه، وأصاب بذلك نفسه تمامًا كما يفعل الأطفال عندما يغضبون.. لم يكتف فحسب بقتل أسلافنا بل لعن سلالتهم ومن سيأتي بعدهم، وهم أبرياء، من جريمة ارتكبها أجدادهم)

ثم رحت أشنع على رجال الدين وتلك العقائد التي يفرضونها على العقول، ويطالبونها بالتسليم لها من غير نقد ولا مراجعة، فقلت: (ينظر رجال اللاهوت الكاثوليك والبروتستانت إلى هذا على أنه عظيم جدًا وعادل، مع أنه وبكل دقة حكم جائر وغير مقبول إلى حد كبير، ولكن يتذكرون آنذاك أن الرب ليس فقط الرب المنتقم والغاضب بل أيضًا رب المحبة. الرب الذي أخذته الشفقة على من تبقى بعد أن عذب مليارات من المخلوقات البشرية المسكينة وحكم عليهم بالجحيم الأبدي، ورغبة منه في إنقاذهم ورأب الخلاف بين محبته الإلهية الأبدية وغضبه الأبدي والإلهي، ولأنه متعطش دومًا للمزيد من الدماء، أرسل إلى العالم ابنه الوحيد، كتكفير، ليقتله البشر. وهذا ما يدعى بسر الفداء؛ أساس كل الطوائف المسيحية. بالرغم من هذا، هل أنقذ المخلص الإلهي العالم البشري؟! لا لم يفعل، ففي الجنة التي وعد بها المسيح كما تقول النصوص الرسمية سيكون المختارون لدخلوها قلة، بينما البقية الغالبية من الأجيال الحالية والقادمة ستحترق في الجحيم إلى الأبد. في الوقت ذاته ومن أجل أن يخفف الرب علينا، ولأنه عادل وطيب كما هو دومًا، أعطى السلطة في الأرض لحكومة نابليون الثالث وويليام الأول وفريناند النمسا والكسندر روسيا)

سكت قليلا، ثم قال: كان في إمكان عقلي حينها أن يبحث عن الحقائق من جهات أخرى، ومصادر أخرى لعلها تكون أكثر عقلانية وعلمية.. وكان في إمكاني التمييز بين ما يقبله العقل من الدين، وما لا يقبله.. لكنني لم أفعل ذلك.. لأن العقل الملحد عقل كسول، لا يبحث في الحقائق، وإنما يكتفي بالحكم عليها.

لقد ذكرت في كتابي السر الذي دعاني إلى هذه الهجمة الشرسة على الله.. وهو لا يعود للبحث العقلي، بقدر ما يعود للرغبات النفسية، والنزوات الغضبية.. لقد قلت معبرا عن ذلك: (هذه هي القصص السخيفة والعقائد الوحشية التي كانت تروى وتُعلَّم في وضح النهار خلال القرن التاسع عشر في كل المدارس الحكومية الأوربية وبتوجيه من الحكومات، ثم يدعون هذا تثقيف وتمدين الشعب! أليس واضحًا بأن كل هذه الحكومات هي سجون منظمة وأداة تغبية وتتفيه للجموع؟)

ثم علقت على هذا بقولي: (أعلم بأنني ابتعدت عن موضوع اهتمامي، وذلك لأن الغضب يتمكن مني كلما فكرت بالأدوات المنحطة والإجرامية التي يستخدمونها لإبقاء الأمم في عبودية أبدية بدلاً من تحريرها، وهم الأقدر على ذلك بلا شك)

أرأيتم.. لقد كان دليلي الوحيد على نفي الله والدعوة لإلغائه هو ما رأيته من استبداد وخرافة.. وكان في إمكاني تمييز الدين عن رجال الدين.. وتمييز ما يدعو إليه العقل من الدين عما تدعو إليه الخرافة.. ولكن عقول الملحد كسول كما ذكرت.

سكت قليلا، ثم قال: لقد اعتبرت ـ كأولئك التنويريين المغفلين ـ تحرر الإنسان من الله هو الوسيلة الوحيدة لتحضره وتطوره وسيره في مراتب الكمال.. لقد قلت في ذلك: (لقد خلَّص الإنسان نفسه وفصلها عن الحيوانية مؤسِّسًا بذلك ذاته البشرية، وعلى إثر ذلك بدأ تاريخه البشري المميز بفعل العصيان والعلم أي بفعل التمرد والفكر)

ولهذا رحت أضع ثلاثة شروط للتطور البشري، بشقيه الجمعي والفردي، وهي: [أولاً: الحيوانية الإنسانية.. ثانيًا: الفكر.. ثالثًا: التمرد]، أما العنصر الأول، فهو وثيق الصلة بالاقتصاد الاجتماعي والخاص.. أما العنصر الثاني، فيتصل بالعلم.. أما العنصر الثالث، فيتصل بالحرية.

وقد رأيت أن أكبر من يقف في وجه هذا المشروع الكبير لتطور الإنسان هم الدعاة إلى الله أو إلى القيم التي لها علاقة به.. ولهذا لم أحارب فقط رجال الدين، وإنما وجهت سيفي لكل داعية للمثل العليا، أيا كان توجهه.. لقد قلت عن رجال الدين: (قضى رجال الدين وصناع القوانين والأنبياء والمكرسون حياتهم في البحث عنه ولم يجدوا شيئًا غير التعذيب والموت. تمامًا مثل أبو الهول، هذا اللغز الذي افترسهم لأنهم فشلوا في فهمه)

وقلت عن الفلاسفة: (كتب فلاسفة عظام انطلاقًا من هيرقليطوس وأفلاطون حتى تصل إلى ديكارت وسبينوزا ولبينتز وكانط وفيخته وشيلنغ وهيغل بالإضافة إلى الفلاسفة الهنود، أكومًا من المجلدات ووضعوا نظمًا خلاقة وعظيمة في وصف العديد من الأشياء الجميلة والعظيمة وكشف الستار عن العديد من الحقائق الخالدة، ولكنهم تجاهلوا هذا اللغز والموضوع الأساسي الذي تتمحور حوله كشوفاتهم الروحية، وبالتالي بقي عصيًا على سبر غوره كما كان في السابق. ولم تثمر جهود الكثير من العباقرة الرائعين المعروفين عالميًا ومن أخذوا على عاتقهم منذ أكثر من ثلاثين قرنٍ مضى هذه المهمة أي شيء سوى تعقيد هذا اللغز أكثر فأكثر. هل هناك أمل في الكشف عنه مستقبلاً عبر التأملات الروتينية لمنهج شديد التدقيق في التفاصيل متصل بفلسفة ما ورائية أعيد احيائها اصطناعيًا وفي وقت تتخلى فيه كل الأرواح الحية والجسورة عن ذلك العلم الغامض، هذا العلم الذي كان نتيجة تسوية ما، تسوية مفهومة تاريخيًا، بين لاعقلانية الإيمان والعقلانية العلمية السليمة؟)

وهكذا أصبح [الله] في تصوري هو اللغز الذي حال بين البشرية والتطور، وأنه العقبة التي لا يمكن تحقق الإنسان بإنسانيته وحريته من دونها.

سكت قليلا، ثم قال: لا أخفي عليكم أنني تأثرت كثيرا بنظرية التطور.. فقد جعلتني أرى المسيرة التاريخية للإنسان بصورة أخرى غير الصورة التي تعلمتها من الكنيسة.. وهي التي جعلتني أتكبر على كل شيء.. لأنني أكثر تطورا من كل من سبقني..

لقد تصورت أن التحرر التام من الله ومن كل القيود هي الدرجة العليا التي يسير إليها الإنسان، ولذلك فإن كل من يقف في طريقها يقف في وجه التطور.

لقد عبرت عن هذا بصيغ كثيرة، منها قولي في انتقاد المتدينين والمثاليين: (بعيدًا عن التمييز بين مستويات النظام الطبيعي من الأسفل إلى الأعلى، من الدنيء إلى السامي، من البسيط نسبيًا إلى الأكثر تعقيدًا، وبدلاً من مواكبة الحركة الواقعية والتطورية بكل حكمة وعقلانية؛ حركة الانتقال من العالم اللاعضوي إلى العالم العضوي بما في ذلك النبات والحيوان والإنسان على وجه الخصوص، الانتقال من المادة الكيميائية أو الكائن الكيميائي إلى المادة الحية أو الكائن الحي، والانتقال من الكائن الحي إلى الكائن المفكر؛ ارتأى المثاليون أن ينحوا بالتحديد منحى مختلفًا يدفعهم إلى ذلك عماهم وهوسهم بهذا الشبح الإلهي الذي ورثوه عن علماء الدين. فانتقلوا من الأعلى إلى الأسفل، من السامي إلى الدنيء، من المعقد إلى البسيط. انطلقوا من عند الله سواء كان شخصًا أو مكونًا إلهيًا أو حتى فكرة. فكانت خطوتهم الأولى إلى تحقيق ذلك سقطة مروعة من القمة العظيمة للمثالية الأبدية إلى مستنقع العالم المادي، من الكمال المطلق إلى اللاكمال المطلق، من الفكرة إلى الكينونة أو بالأحرى من الكينونة السامية إلى العدم. أما متى وكيف ولماذا خلق هذا الكائن الإلهي الأبدي اللامحدود والكامل تمامًا لدرجة الارهاق الإنسان الفاني فهذا أمر لن يقدر أي مثالي أو عالم لاهوتي أو ماورائي أو شاعر أن يفهمه بنفسه أو يشرحه للعلمانيين)

ولهذا، فقد بذلت جهدا كبيرا في الانتصار لنظرية التطور، وللمادية المرتبطة بها.. ورحت كأبناء عصري المنبهرين ببعض الاكتشافات العلمية أستثمرها لنصرة المادية ومواجهة المثالية والدين.. لقد قلت في ذلك: (تُجمع مجمل فروع العلوم الحديثة على هذه الحقيقة العظيمة، هذه الحقيقة الأساسية والقاطعة، حقيقة أن العالم الاجتماعي، أو كما يجب تسميته العالم الإنساني أو الإنسانية باختصار، ما هو إلا التطور الأخير والأسمى، على كوكبنا على الأقل، والتجلي الأرقى للحيوانية. لكن كل تطور يتضمن بالضرورة نفيًا إما لقاعدته أو منطلقاته. تعبر الإنسانية عن النفي المدروس والتدريجي للعنصر الحيواني في الإنسان، وهذا النفي بحد ذاته، المنطقي بقدر ما هو طبيعي، وهو منطقي لأنه طبيعي وبالتالي أصبح تاريخيًا ومنطقيًا بحتمية تطور وتحقق كل القوانين الطبيعية في العالم، هذا النفي الذي يؤسِّس المثالي وعالم المعتقدات الفكرية والأخلاقية كأفكار)

وقلت: (نعم، إن لم يكن أجدادنا الأوائل، آدم وحواء، غوريلات فقد كانوا أقرب إليها: حيوانات تقتات على كل شيء، وحوش ذكية وضارية امتلكت دون بقية الحيوانات من الأجناس الأخرى مقدرتين هامتين: القدرة على التفكير، والرغبة بالتمرد)

وقلت: (على حد سواء يمكن فهم التطور التدريجي للعالم المادي وللحياة الحيوانية العضوية ولذكاء الإنسان المتطور تاريخيًا سواء كان فرديًا أو اجتماعيًا. فهذا التطور هو حركة طبيعية تمامًا من البسيط إلى المعقد، من الأسفل إلى الأعلى، من الدنيء إلى السامي.. إنه حركة تتسق مع كل خبراتنا اليومية وتتسق أيضًا مع المنطق الطبيعي بما في ذلك القوانين الخاصة بعقولنا التي تطورت فقط بمساعدة هذه الخبرات بالذات، وإن جاز التعبير فهذه الحركة ما هي إلا نسخة عقلية ودماغية أو مجرد خلاصة منعكسة)

هذه بعض أفكاري التي تعلقت بها، وحجبت بها عن الله وعن جميع حقائق الوجود، وجميع القيم المرتبطة بذلك.. وهي من السخافة بحيث لا تحتاج مني إلا الاعتراف بأنني لم أكتبها إلا في فورة غضب، ونشوة تمرد وجنون.. وربما لا يلغي آرائي المتطرفة حول الله مثلي، فقد عبرت عن ذلك بقولي: (أنا أعكس عبارة فولتير، فأقول: إن كان الله موجودا فعلاً، فسيكون من الضروري نَفيه)

فقد نفيت الله.. لا لدليل عقلي أو منطقي دل عليه.. وإنما لأني كنت متشوفا إلى التحرر والتمرد.. ولم يكن يتاح لي ذلك في ظل وجود الله.. لهذا كنت أصيح في قومي: (إن كان الله قد وجد، فسيكون عليه أن يُلغى)

قال ذلك.. ثم راح يبحث مع زملائه في السراب عن الماء.

كريستوفر هيتشنز:

ما إن انتهى [ميخائيل باكونين] من حديثه، حتى قام رجل على تلة من تلك الصحراء القاحلة، وقد بلغ به العطش مبلغا عظيما.. قام، وقال بصوت متقطع ممتلئ ألما: اسمعوني أيها الناس.. أنا [كريستوفر هيتشنز([31])]..صاحب كتاب [الله ليس عظيما].. وصاحب تلك المشاهد الساخرة المستهزئة بالله، وبكل القيم الإنسانية.

إن كنتم لا تعرفونني([32]) فأنا من أركان [الإلحاد الجديد].. أنا أحد الأربعة الذين يقوم عليهم بنيان الإلحاد الجديد.. الإلحاد المستهتر بكل القيم.. أنا والبيولوجي [ريتشارد دوكينز]، والفيلسوف [دانيال دينيت].. والكاتب والباحث [سام هاريس].. وأنا الصحفي المتحذلق [كريستوفر هيتشنز]

لقد انتهجت مع زملائي من فرسان الإلحاد الجديد أسلوبا خاصا في نقد الدين، والدعوة للإلحاد.. وكان لي النصيب الأوفر من هذا الأسلوب.. إنه أسلوب السفالة والبذاءة وفحش اللسان في مهاجمة الأديان ومقدساتها.. وفي مواجهة الله وعظمته.. حتى أنني كنت أقوم وبشكل تلقائي عادي بالنطق بألفاظ نابية خادشة للحياء في مناظراتي العلنية مع خصومي مما يربكهم، ويجعلهم مستسلمين لسلاطة لساني، لا لقوة حجتي..

ولم أكن أكتفي بذلك، بل كنت أذهب وأسب وأشتم عامة الحضور في تلك المحافل العامة التي كنت أدعى إليها.. لحجة بسيطة.. وهي أنني حر، ليس علي رقيب، ولا أخاف أي جهة تفرض علي سلطتها.. حتى ضميري قتلته، لأني كنت أعتقد ـ بما يقوله صديقي دوكينز ـ أنني ابن للجين الأناني المتسلط علي.

لا أخفي عليكم أن تأثيري لم يكن قاصرا على تلك المجالس.. ولا على من يشاهدونها في الوسائل المختلفة.. وإنما تعدى تأثيري إلى كثيرين اكتسبوا من لساني سلاطته.. ومن عقلي إلحاده.. ومن قلبي غلظته.

وأصدقكم القول أنه لم يكن لدي حجج فلسفية، ولا براهين علمية أستطيع أن أناقش بها خصومي، ولهذا كنت أستبدلها بلساني السليط المتدرب على كل ألوان الاستهزاء والسخرية.

لقد كنت في بداية حياتي العملية مراسلا صحفيا في مجلة من مجلات اليسار السياسي في أمريكا، وكنت لا أختلف في قدراتي العلمية والثقافية عن عامة الصحفيين والمحررين ممن يكتبون في أمثال تلك المجلات.

ولكن الذي أكسبني شهرتي العريضة تخصصي في النقد اللاذع العنيف للدين وأهله، فقد كان نقد الدين تجارة مربحة لا تقل عن التجارة التي يمارسها رجال الدين المزيف.. لأن كليهما كان يخدم مشروعا واحدا، وهو مشروع الشيطان.

وقد كان من الوسائل التي كسبت بها جمهوري أني كنت أطلب منهم أن يلقبوني بعدو الإله.. أي أنني لم أكن كأولئك المتواضعين من الملاحدة الذين وقف بهم إلحادهم عند حد الاعتقاد بعدم وجود إله لعدم كفاية الأدلة، بل جاوزت ذلك لإعلان الحرب على مفهوم الإله نفسه، واعتقاد أنه هو الشر المحض ومصدر كل وبال في تاريخ البشرية!

لاشك أنكم سمعتم بالصفعة الهيتشية.. إنها صفعتي.. فأنا [هيتشنز] كنت أستعمل في محاوراتي أسلوب الصفع، لا أسلوب الحجة.. وأسلوب الصخب، لا أسلوب الهدوء والروية.. ولذلك كنت أفاجئ خصمي من حيث لا يحتسب..

لقد انتشرت صفعاتي تلك.. أو ضرباتي القاضية في ساحات الملاكمة.. معذرة المناظرة.. وفرح بها الملحدون القساة الغلاظ كما فرحت بها زمنا طويلا.. ولو أني لم أكن أؤمن بها.. ولا بما أقوله فيها.. لأني لم أكن أؤمن إلا بنفسي.. وبضربتي القوية.

سأذكر لكم أمثلة على ذلك.. لا أزال أذكرها، لأنها جلبت لي الكثير من الشهرة والأتباع.. ومعها الكثير من الأموال.. ووضعتني فوق ذلك في مصاف العباقرة العظام من أصحاب الإلحاد الجديد.

من تلك الصفعات قولي، وأنا أخاطب خصمي، وألكمه بلساني: (يجب على صانع هذا العالم إن وجد أن يجعله حفلة أبدية)

كنت أقول هذا كل حين.. وخاصة عندما تعرض مسائل الحياة بعد الموت.. وقلت مرة لمحدثي، وأنا أسخر منه: (يحدث لك في مرحلة ما من مراحل حياتك أن تجد من يربت على كتفك ولا يقول لك: الحفل انتهى، وإنما يقول: الحفل مستمر، وعليك أن تغادر الآن، وسيستمر الحفل بدونك)

وهنا يضحك الجمهور.. وهنا أنتفخ أنا.. ثم أقول: (هذه هي الفكرة التي تضايق البشر بشأن هلاكهم.. ولكن هب أنه بدلا من أن يقال لك هذا الكلام، قيل لك نقيضه التام: الحفل مستمر إلى الأبد، ولا يمكنك أن تغادر.. السيد صاحب المكان يصر على أن تبقى، ويصر أيضا على أن تقضي وقتا ممتعا)

ثم رحت أقص عليهم، لأمزج بين كل أساليب التشويق، فأقول: (لقد قرأت عن والد ديفيد.. وقد مررت أنا نفسي بوقت عسير على أثر وفاة والدي.. ولكن الأب الذي يقترحه أصحاب الديانات التي تؤمن بالخالق هو أب لا يموت.. فهو يطمئن أولاده: لا تقلقوا لن أترككم أبدا.. لن تروا نهايتي أبدا.. لن تسنح لكم الفرصة للشعور بالأسف على فقدي.. فأنا دائم الوجود.. أنا صاحب الديكتاتورية المحضة المطلقة.. وفي محاكمي ليس ثمة استئناف.. فهل حقا تعتقدون أن هذا سيسعد أي مخلوق عاقل ذي شعور أو النوع البشري أو أي كائن قادر على الشعور بأي شيء؟ أنا أشهد بأن هذا محال!)

وهنا يصفق الجمهور تصفيقا حادا.. وأزداد انتفاخا، وتزداد فطرتي انكماشا..

وعندما أعود إلى بيتي، وأتذكر كل الكلام الذي قلته.. أصفع وجهي.. وأضرب رأسي على الجدار جراء تلك السخافات التي كنت أرددها.. لأنه إن كان الله موجودا، فله أن يفعل في ملكه ما يشاء.. له أن يطرد من يشاء، ويبقي من يشاء.. وليس لي الحق في أن أفرض عليه سلوك والدي، ولا أحد من الناس.

ومن أدراني أن الذي أقام حفلة بسيطة هنا، يمكنه أن يقيم حفلة أجمل منها هناك.. وأنه إن رأى في بعض الناس أدبا واحتراما وخلقا رفيعا، قال لهم: حفلتكم هناك أفضل وأكرم.. فارحلوا إليها، واستأنسوا بها أبد الآباد.

وإن رأى في بعضهم سوء أدب وانحرافا عن حقيقتهم طردهم من هذه الحفلة، وطردهم من تلك الحفلة أيضا.. فالملك له، وهو العادل الذي يفعل ما يشاء.

ثم من الذي قال: إن كل من كان قادرا على فعل شيء يحبه أولئك الذين يخضعون لسلطانه، تعين عليه أن يفعله مطلقا؟.. من أين جاء ذاك الوجوب وبأي قاعدة أخلاقية أطلقه؟ ثم من ذا الذي قال: إن خالقك هو أبوك الذي عليه أن يرعاك رعاية الأب لولده، لا رعاية الإله لعبده؟

سكت قليلا، ثم قال: إن كلامي ذلك لم يكن إلا تعبيرا ساخرا لمشكلة الشر التي رددها الجميع منذ أبيقور إلى آخر ملحد في الدنيا.. إنهم يرددون قوله: (لماذا خلقنا، أما كان خيرا لنا أن يتركنا في العدم ولا يكلفنا بشيء أصلا؟.. أما كان خيرا لنا أن يخلقنا في نعيم أبدي سرمدي ولا يسلط بعضنا على بعض ولا يبتلينا بشيء البتة؟.. لماذا علينا أن نقبل منه أن يرسل إلينا رسلا يكلفوننا بعبادته والخضوع التام لسلطانه المطلق ونحن لا نراه؟)

إلى آخر تلك الاعتراضات التي ينطلق منها كل فلاسفة الإلحاد، ويلبسونها لباس الدليل المنطقي أو العقلي ليلبسوا بها على الناس.

والعجب أني في مواقفي من البشر كنت أكثر سلاسة وتقديرا لسلوكاتهم الحازمة.. فأنا أحرم على الله أن يحزم مع عباده، ليربيهم ويهذب سلوكهم وأخلاقهم، ويرتقي بأرواحهم.. ويشتد عليهم إذا شاءت عدالته وحكمته ذلك.. بينما أبيح للبشر أن يفعلوا ما يرونه مناسبا..

من الأمثلة على ذلك أني كنت من أكثر الناس تأييدا لحرب أمريكا للعراق.. مع علمي أنه سيسقط ضحايا كثيرون جدا، وستهدم بيوت، وتشرد أسر.. ومع ذلك نظرت إلى العواقب، ورأيت أنها هي الأصل الذي ينبغي أن يراعى.. ولذلك أجزت لأمريكا وسلاطين أمريكا المستبدين الظلمة أن يقوموا بدور الشرطي في العالم، يضربوا من يشاءون، ويقتلوا ما يشاءون، ويتحركوا بما تقتضيه مصالحهم.

ولو أني راعيت ذلك في الحكم على أفعال الخالق الحكيم الرحيم الذي يوجب العقل له كل الكمالات في صفاته لما رددت ما رددت.

سكت قليلا، ثم قال: من صفعاتي التي لا أزال أذكرها قولي: (نحن لا نستحسن فكرة هلاك أنفسنا أو هلاك الكون نفسه الذي سيكون سببه الانخفاض الإنتروبي لدرجة الحرارة فيه إلى حد التجمد، ولكن لدينا الكثير من الأدلة التي تدل على أن هذا ما سيحدث. وفي المقابل فثمة أدلة قليلة جدا جدا على أنني سأراكم كلكم مرة أخرى فيما يشبه [حديقة الملاهي] (يعني بعد الموت).. ليس ثمة أدلة تدعم هذا الأمر مطلقا.. لذا فأنا على استعداد لأن أقبل ـ تأسيسا على الأدلة ـ نتائج قد لا تكون محببة لنفسي. اعذروني إن كنت أبدو وكأني أملي هذا الكلام إملاءً..)

بعدما انتفخت كثيرا جراء تصفيق الجمهور، وعندما خرجت من المسرح، رأيت شبابا من المسلمين مجتمعين، ويظهر عليهم سيما المتدينين، وقد كانوا من الشباب الذين حضروا المناظرة.. فاقتربت منهم أسترق السمع، لعلي أجد في حديثهم ما ييسر علي التحضير لمحاضراتي أو مناظراتي الجديدة.. فقد سئم الناس من تكراري لصفعاتي القديمة.

لا أكتمكم القول أن حديثهم صفعني صفعات كثيرة، كان يمكنني أن أفطن بعدها وأستفيق، وأتخلص من كبري وغروري.. لكني لم أفعل.

سأذكر لكم بعض ما قالوا، فهي من الأحاديث التي لم أنسها في حياتي، لأنها ظلت تعذبني، وتكدر علي، وليتني سمعتها بقلبي، ولم أسمعها بغروري..

لقد قال أحدهم، وهو يخاطب رفاقه بلطف وأدب([33]): أمن الممكن لـمَن له شأن الربوبية وسلطنة الألوهية، فأوجد كوناً بديعاً كهذا الكون؛ لغايات سامية ولمقاصد جليلة، إظهاراً لكماله، ثم لا يكون لديه ثواب للمؤمنين الذين قابلوا تلك الغايات والمقاصد بالايمان والعبودية، ولا يعاقِب أهل الضلالة الذين قابلوا تلك المقاصد بالرفض والاستخفاف؟

قال آخر: أمن الممكن لربّ هذا العالم ومالكه الذي أظهر بآثاره كرماً بلا نهاية، ورحمة بلا نهاية، وعزة بلا نهاية، وغيرة بلا نهاية، أن لا يقدّر مثوبة تليق بكرمه ورحمته للمحسنين، ولا يقرر عقوبة تناسب عزته وغيرته للمسيئين؟

قال آخر: أمن الممكن لخالق ذي جلال أظهر سلطان ربوبيته بتدبير قانون الوجود ابتداء من الذرات وانتهاء بالمجرات، بغاية الحكمة والنظام وبمنتهى العدالة والميزان.. أن لا يعامل بالاحسان من احتموا بتلك الربوبية وانقادوا لتلك الحكمة والعدالة، وأن لا يجازي أولئك الذين عصوا بكفرهم وطغيانهم تلك الحكمة والعدالة؟.

قال آخر: أمن الممكن لجود وسخاء مطلقين، وثروة لا تنضب، وخزائن لا تنفد، وجمال سرمدي لا مثيل له، وكمال ابدي لا نقص فيه، أن لا يطلب دار سعادةٍ ومحل ضيافةٍ، يخلد فيه المحتاجون للجود، الشاكرون له، والمشتاقون الى الجمال، المعجبون به؟

قال آخر: صدقتم.. فإنه لما كان ذلك الجود في العطاء غير المحدود، وذلك الحسن في الجمال الذي لا مثيل له، وذلك الكمال الذي لا نقص فيه.. يقتضي خلود الشاكرين، وبقاء المشتاقين المستحسنين، ونحن نشاهد رحلة كل شخص واختفاءه بسرعة في دار ضيافة الدنيا هذه، دون أن يستمتع باحسان ذلك السخاء إلا نزراً يسيراً بما يفتح شهيته فقط، ودون أن يرى من نور ذلك الجمال والكمال اِلاّ لمحة خاطفة.. إذن الرحلة منطلقة نحو متنزهات خالدة ومَشاهدَ أبدية.

قال آخر: مثلما أن هذا العالم يدل بموجوداته دلالة قاطعة يقيناً على صانعه الكريم ذي الجلال، فصفاته المقدسة سبحانه وأسماؤه الحسنى تدل كذلك على الدار الآخرة بلا ريب وتظهرها، بل تقتضيها.

سكت قليلا، ثم قال: هذا بعض ما قالوا.. وقد بقيت بعد سماعي لذلك أياما أتحسر على نفسي التي خرجت من سيطرتي.. لكنها ما إن مضت حتى رحت أحضر نفسي لصفعة جديدة أصفع بها الإيمان والمؤمنين.

لقد رحت أقول في تلك الصفعة: (من المرجح أنه قبل حوالي 180 ألف سنة مضت، حدثت كارثة كبيرة للاحتباس الحراري على الأرض، والتقديرات تشير إلى أن عدد البشر في إفريقيا انخفض إلى ما بين ثلاثين وأربعين ألفا، أي أنهم كانوا في غاية القرب حينئذ من الانضمام إلى جميع الكائنات التي سبق لها الانقراض على الأرض.. فثمة نوع من الغرور عند من يفترض أن كل هذا التقلب الفاحش في أحداث العالم وأحواله، كان جميعه من أجلنا نحن البشر! هذا الإهدار الفائق الذي يظهر فيه، هذه القسوة البالغة التي تغلب عليها، هذه العشوائية وهذا التخبط الفاحش الذي يتسم به، كل هذا لا يهم، ما دمنا نعيش فيه! الكون كله قد صمم لك وحدك!)

لقد قلت هذا، وأنا أحاسب الله العظيم.. المدبر الحكيم على أفعاله في خلقه، دون أن أسأله أو أسأل أوليائه عن أسرار حكمته في أفعاله.. مع أني كنت لا أسأل الطبيب الجراح الذي يبقر البطون عن سر جرحه وتمزيقه للأجساد.

لقد كان السبب في تلك الأفكار الشيطانية هو حصري الحياة في تلك الدنيا، وتصوري أن قدرة الله العظيم توقفت عندها، ولم يبق له قدرة على الخلق، ولذلك فإنه بإماتة المخلوق يكون قد أعدمه، وانتهى أمره.

ولو أن عقلي كان معي لاعتبر ذلك من الأدلة على وجود حياة ثانية تتحقق فيها من المقاصد ما لم يتحقق في هذه الحياة..

لقد قال لي بعض المؤمنين، وهو يحدثني عن هذا، بعد أن قرأ علي بعض النصوص من كتابه المقدس.. أذكر منه هذه الآيات: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج: 5- 7]

وحين سخرت منه، وقلت له: كيف تذكر لي أنها كلمات إله، وأنا لا أؤمن به أصلا.. أثبت إلهك أولا.. ثم أثبت أنه تكلم.. ثم أثبت أن كلامه وصلك.. ثم أثبت أن هذا من كلامه.. ودون كل هذا خرط القتاد؟

ابتسم، وقال: انظر إلى الكلام والحجج المبثوثة فيه.. ودعك من المتكلم.. فالله يذكر أنه خلق خلقه على مراحل عديدة ابتداء من النطفة، وانتهاء بالموت.. ويذكر أن هناك مراحل أخرى بعد الموت.. ويشبه ذلك بالأرض الميتة، وكيفية عودتها إلى الحياة من جديد.

قلت: تفسير ما يقع في الأرض سهل.. فما دامت البذور موجودة، فإنه حالما تتوفر الظروف تعود الحياة إليها.

قال: وهكذا الإنسان، فإن بموته لا يعدم.. وإنما يتحول إلى حياة جديدة لها شروطها الخاصة.

ضحكت بصوت عال، وقلت: ذلك مستحيل..

قال: فهل العقل هو الذي أحاله، أم أن مزاجك هو الذي فعل ذلك.. أم لك كتابا دلك على ذلك.. لقد قال الله تعالى بعد تلك الآيات التي تلوتها عليك: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10)} [الحج: 8 ـ 10]

قلت: إن إلهك يهددني، ويعلن الحرب علي.

قال: لا.. إلهي ينذرك ويوجهك.. ويحذرك أن تحاربه.. فهو أعظم من أن يحارب.

قلت: لكن عقلي الذي تذكر أنه خلقه يحيل هذا.. فكيف أفرض على عقلي ما لا يقبل؟

قال: ولم قبل عقلي هذا؟.. ولم نرى ملايين الناس على مر العصور يقبلونه؟.. أم أنك تريد أن تركب الكون على مزاج عقلك؟

قلت: أليس من الغريب أن تأتي لعظام قد بلت.. ثم تذكر أن ربك سيحييها؟

قال: لقد ذكرتني بآيات كريمة من كتابي المقدس، يقول فيها ربي: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)} [يس: 78 ـ 83]

قرأ ذلك.. ثم انصرف عني.. وكم تمنيت لو بقي.. وقد كان لتلك الآيات مفعولها الكبير على نفسي.. لكني بعد أن قدرت العواقب أحضرت قلمي ودفاتري، ورحت أسجل صفعة جديدة.. كنت أريد إلقاءها، أو ضرب خصومي بها في ندوة عامة في جامعة يهودية أمريكية.. يمكن تلخصيها في هذه العبارة الوجودية التي استفدتها من سارتر وغيره: (دعوني أموت وزجاجة الخمر في يدي)

لقد قلت فيها: (يبدو أمرا طبيعيا للغاية في هذا المجتمع، أن تقترب من رجل يحتضر على فراش الموت وأنت لا تعرفه، وهو ممن يكفرون بالخالق، فتقول له: هل ستغير رأيك الآن؟.. إنهم يعتبرونه سؤالا مهذبا للغاية!)

وهنا يضحك الحضور، وأنتفخ أنا، وتنكمش فطرتي، ثم أعقب على ذلك بقولي: (وكما تعلمون فإن ثمة تاريخا طويلا للتزوير في هذا الأمر، فمن الناس من زعم أن داروين رجع إلى النصرانية على فراش موته.. وكذلك اختلقوا الأكاذيب حول توماس بين.. والأمر يقع كثيرا. إنها قطعة مقززة من تاريخ البشرية. إنها كذلك صورة رديئة من صور الابتزاز، كأن يقال: (أنظر، لديك فرصة واحدة الآن، ألن تغتنمها؟ أنا أكتب إليك هذا الكلام كصديق!).. لقد حاولوا معي ذلك في يوم من الأيام عندما كنت مريضا للغاية في إحدى المستشفيات، ولكن لم أكن متمكنا من الرد عليهم كما كان يحلو لي يومئذ.. ولا مانع عندي من سماع هذا الكلام على أي حال، فإنه بوسعي أن أتحمله.. ولكن في ظني أن كثيرا من الناس ممن هم أكبر مني سنا وأشد مني مرضا، وربما أقل تعلما منا، هذه التجربة تكون شديدة عليهم للغاية، فهي مسألة محبطة ومقلقة ولا شك أن يخاطبوا بمثل هذا الكلام. يعني لو أني كونتُ أنا وسام.. أعني صديقي العزيز [سام هاريس].. فريقا يذهب إلى المستشفيات الدينية ـ وهو عكس ما يحصل في الواقع -، فنقول لأناس يرقدون في الألم: هل قلت إنك كاثوليكي؟.. فإذا قال: نعم.. قلنا له: حسنا اسمع، ربما لا يزيد ما بقي لك من العمر على بضعة أيام، ولكنك لست مضطرا لأن تحياها كعبد! حسبك أن تعلم أن هذا كله لم يكن إلا..

ثم أردد كلمة بذيئة لا أستطيع بعد أن اكتشفت الحقيقة أن أنطق بها.. وحينها يضحك الحضور ويقهقهون ويصفقون.. فأضيف: (لقد كان الرهبان يخدعونك.. وأنا أضمن لك أنك ستشعر بالراحة).. لا أظن أن هذا سيكون عملا أخلاقيا! أعتقد أنه سيكون نوعا من خرق الذوق العام.. ولكن ما دام باسم الإله، فإنه يحظى بالرخصة الاجتماعية، وأنا أقول:..

ثم أقول كلاما بذيئا يضحك له الحضور ويصفقون تصفيقا حادا.. وأنتفخ أنا انتفاخة جديدة..

لن أستطيع الآن أن أعقب على هذا التهريج.. فأنا كنت أناقش أسلوب المؤمنين، ولا أناقش في الحقائق.. وقد كان في إمكاني أن أعذر المؤمنين في نصيحتهم لي.. ولا أعذر الملحد في نصيحته للمؤمنين.. لأن المؤمن يرى أن لموقفي آثارا سليبة على حياتي المستقبلية التي يؤمن بها.. أما أنا فلم أكن أرى ذلك.. ولذلك فإنه حتى لو مات على مات عليه لن يضره شيء.

فرق كبير جدا بين رهانينا.. رهاني أنا الذي لا يحوي شيئا.. ورهان المؤمن الذي يحوي كل شيء..

سكت قليلا، ثم قال: اسمحوا لي أن أختم حديثي بمحاورة عقدتها معي بعض القنوات.. سألني المذيع حينها: ماذا لو كان الإله موجودا بالفعل يا سيدي؟ أما كان ليحسن إليك؟.. وهنا أجبته بسرعة، ومن غير تفكير وروية: كلا، ما كان ليفعل ذلك.. لأنه لو كان هذا صحيحا، لكان معناه أن لدي والد أبدي خالد، دائم المراقبة لأفعالي، فلن يموت ليتركني أمضي في حياتي وأن أنضج، وإنما سيبقيني تحت المراقبة الدائمة، ويشرف على كل دقيقة من حياتي، ويطلب مني أن أكون شاكرا له وممجدا له على الدوام.

وحينها قال لي المحاور مقاطعا: ولكن لك إله بالفعل يا سيدي!

وهنا رددت عليه دون التفات لما يقول: أعتقد أن هذا سيكون أشبه بالعيش في كوريا الشمالية.. أعتقد أن النتائج ستكون شنيعة.

وهنا قال لي: لا أظن أن الإله هو [كيم جونغ]، ولكن ماذا لو كان ما قلته لك صحيحا؟

حينها رددت عليه بكل برودة: إذن اسأل [كيم جونغ] وفستسمع منه رأيا مختلفا!

هذا هو موقفي من إلهي، وهذا تصويري له في حال وجوده.. وهذه كبريائي أضعها بين أيديكم لتصفعوني بها.. وتصفعني بها رمال هذه الصحراء القاحلة..

قال ذلك.. ثم راح يبحث مع زملائه في السراب عن الماء.

***

بينما أنا في قمة استغراقي في سماع ما قاله هؤلاء الملاحدة الوجوديون، نبهني صاحبي المرشد، وقال لي: أظن أن ما سمعته هنا من اعترافات يكفي.. فهلم بنا إلى جناح آخر.. لترى أهله، وتعرف أسرار إلحادهم.


([1])  انظر مقالا بعنوان: في آخر حوار معه الدكتور عبدالرحمن بدوي، نعم.. عدت إلى الإسلام بعد اغتراب ستين عاماً، أجرى الحوار: صلاح حسن رشيد، مجلة الحرس الوطني.

([2])  جان بول سارتر (1905 -1980) فيلسوف وروائي وكاتب مسرحي كاتب سيناريو وناقد أدبي وناشط سياسي فرنسي.. من مؤلفاته: الوجود والعدم (1943) والكتاب المختصر الوجودية مذهب إنسانى (1945) أو نقد العقل الجدلي (1960) وأيضا النصوص الأدبية في مجموعة القصص القصيرة مثل الحائط أو رواياته مثل الغثيان (1938) والثلاثية طرق الحرية (1945). كتب سارتر أيضا في المسرح مثل الذباب (1943) والغرفة المغلقة (1944) والعاهرة الفاضلة (1946) والشيطان والله الصالح (1951) ومساجين ألتونا (1959)، وغيرها.

([3])  نقلا عن: القس أنجيلوس جرجس، وجود الله وصور الإلحاد 85.

([4])  انظر: رحلة في قلب الإلحاد.

([5])  الإلحاد.. نشأته وتطوُّره ج 1 ص 169.

([6]) [15] نفس المرجع السابق.

([7])  دراسات في علم اللاهوت، القمص بولس عطية بسليوس،  ص 265، 266.

([8])  الشيطان والإله الطيب ص 131.

([9])  كواشف زيوف، عبدالرحمن الميداني، ص 359-377)

([10])  الصراع في الوجود ص 323 ـ 329، بتصرف كثير.

([11])  سيمون دي بوفوار (1908، 1986) كاتبة ومفكرة فرنسية، وفيلسوفة وجودية، وناشطة سياسية، ونسوية إضافة إلى أنها منظرة اجتماعية..  كتبت العديد من الروايات والمقالات والسير الذاتية ودراسات حول الفلسفة والسياسة وأيضاً عن القضايا الاجتماعية. اشتهرت برواياتها [المدعوة] و[المثقفون] كما اشتهرت بكتابها [الجنس الآخر] والذي كان بمثابة نص تأسيسي للنسوية المعاصرة.

([12])  انظر كتاب [رأس إلى رأس] الذي تتحدث فيه مؤلفته [هيزال راولي] عن حياة سارتر وزوجته دوبوفوار، وقد ذكرت فيه أنها قبلت هذا على مضض، فكان مسموحًا لكل منهما أن يقع في حب أي إنسان، ورأيا أن هذه الفكرة وجودية، وتحمل المساواة بين الرجل والمرأة، وبذلك كان لسارتر عشيقاته، وأيضًا دوبوفوار كانت تفعل هذا ولكن بصورة أقل من زوجها، وكم تألمت على فراق عشيقها [نيسلون] الروائي الأمريكي.

([13])  وجود الله وصوَّر الإلحاد، القس أنجيلوس جرجس، ص 85.

([14]) في كتابه (تاريخ الفلسفة المعاصرة في أوروبا ) ترجمة ( محمد عبدالكريم الوافي ).

([15])  ملحدوث محدثون ومعاصرون، د. رمسيس عوض،  ص 71.

([16])  انظر: رحلة في قلب الإلحاد.

([17])  سيرة ذاتية، النورسي، ص: 99.

([18])  جوزيبّي رينسي (1871-1941) فيلسوف إيطالي، من كتبه في الدفاع عن الإلحاد [دفاعا عن الإلحاد]، نشره عام 1926، وقد نال اهتمام الملاحدة العرب، ونحن نناقش هنا أهم أطروحاته التي أوردها د. محمد المزوغي في مقال له بعنوان [الإلحاد المحض] في مجلة ذوات: 13 مارس 2017.

([19])  دفاعا عن الإلحاد، ص20.

([20])  انظر مقالا بعنوان: هل الله موجود؟ موقع المعرفة.

([21])  انظر مقالا بعنوان: الفراغ الكوني…القوة التي تحمي العالم، مجلة الثورة، بتاريخ: 13-8-2013.

([22])  دفاعا عن الالحاد: ص29.

([23])  دفاعا عن الإلحاد: 30.

([24])  مارتن هايدغر، رسالة في النزعة الإنسانية، ترجمة، مينة جلال، مجلة مدارات فلسفية، العدد السادس، صيف 2001.

([25])  انظر هذه النصوص وغيرها في مقال علمي بعنوان: [الإدراك لدى الإنسان، وحقيقة الروح]

([26])  انظر كتابه [بحث حول مبادئ المعرفة الإنسانية]

([27])  المجلة العلمية الأمريكية، بتاريخ 30 كانون الثاني 1999:.

([28])  ميخائيل باكونين [1814، 1876) روسي فوضوي، وهو واضع أيديولوجية المذهب الفوضوي، ربط أفكار الحريات الفوضوية بحركة تحرر الطبقة العاملة، وأرسى أسس الاشتراكية المناهضة للتسلط، كما أرسى أسس النقابية الفوضوية نظرياً وممارسة، من أعماله [الله والدولة]، وهو أشهر أعماله الإلحادية، ولذلك اخترناه هنا.

([29])  هذه النصوص من كتابه [الله والدولة]

([30])  وهذا يذكر بموقف صادق جلال العظم ـرغم إلحاده- من إبليس، فقد كتب كتابا سماه (مأساة إبليس)، ومما جاء فيه قوله في (ص85): (يجب أن نرد له اعتباره بصفته ملاكاً يقوم بخدمة ربه بكل تفان وإخلاص!… يجب أن نكف عن كيل السباب والشتائم له، وأن نعفو عنه ونطلب له الصفح ونوصي الناس به خيراً)

هذا مع العلم أنه صرح في بداية كلامه أنه لا يعترف بوجود إبليس لأنه لا يعتقد أصلاً بوجود خالقه ولكن بحثه ـكما يدعي- (ص57): (يدور في إطار معين لا يجوز الابتعاد عنه على الإطلاق؛ ألا وهو إطار التفكير الميثولوجي الديني الناتج عن خيال الإنسان الأسطوري وملكاته الخرافية) فهو يريد دراسة شخصية إبليس (باعتبارها شخصية ميثولوجية أبدعتها ملكة الإنسان الخرافية، وطورها وضخمها خياله الخصب) (ص 57)

وقد ذكر الشيخ محمد حسن آل ياسين في كتابه [هوامش على كتاب نقد الفكر الديني: ص61] بأن بحث العظم عن إبليس: (لم يكن من بنات أفكاره، ولا من وحي ثقافته العلمية، وإنما استقى خطوطه الأساسية من بحث المستشرق [ترتون] عن الشيطان، وبحث المستشرق [فنسنك] عن إبليس المنشورين في الانسكلوبيديا الإسلامية)، انظر البحثين في دائرة المعارف الإسلامية (14/46-57)

([31])  كريستوفر هيتشنز (1949، 2011): من كبار دعاة الإلحاد الجديد، وهو كاتب وصحفي إنجليزي-أمريكي، كان له عمود في عدد من المجلات بالإضافة إلى كتابات في النقد الأدبي، وهو معروف بإلحاده ونقده للأديان، ومن كتبه كتاب [الله ليس عظيما] الذي انتقد فيه الديانات الإبراهيمية بالإضافة إلى الديانات التي لم تكن تُنتقد في الأوساط الغربية مثل الهندوسية.

([32])  اقتبست بعض المادة العلمية في هذا المحل من مقال بعنوان: سلسلة الصفعات المتتابعات على قفا المدعو [كريستوفر هيتشنز] منتدى التوحيد، بالإضافة لحوار أجري معه.

([33])  هذه مقتطفات من رسالة الحشر للنورسي.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *