هاشم صالح.. والتنوير الأوروبي

هاشم صالح.. والتنوير الأوروبي

من الشخصيات التنويرية التي صدرها لنا السربون، وأخرجها لنا أستاذ الحداثة الأكبر [محمد أركون]، وكانت من أكثر الشخصيات مساهمة في شرح أفكاره، ونشرها، والدعوة إليها شخصية [هاشم صالح]([1])، الذي نستطيع من خلال كلماته الصريحة والجريئة أن نفهم الأهداف الكبرى من التنوير والحداثة، وكونها لا تعدو تقليدا حرفيا للتنوير الأوروبي، واعتباره نموذجا مثاليا يمكن تطبيقه، بل يجب تطبيقه على واقعنا الإسلامي بمصادره المقدسة.

وهم يفعلون هذا من غير نظر إلى الفوارق الكبيرة بين الإسلام والمسيحية، ولا بين القرآن الكريم والكتاب المقدس، ولا بين رؤية المسلمين للإسلام، ورؤية المسيحيين له.. فهم يعتبرون الكل واحدا، ولذلك يرون أن التجربة التي نجحت في أوروبا ستنجح إن طبقت حرفيا في بلاد المسلمين..

وكل ذلك مغالطات.. فالإسلام يختلف عن المسيحية، والقرآن الكريم يختلف عن الكتاب المقدس، والمؤسسات الدينية الإسلامية تختلف جذريا عن المؤسسات الدينية المسيحية.. وكون أوروبا تخلصت من الكنيسة، لم يضعها في التنوير الحقيقي، بل إن جرائمها بعد فترة التنوير كانت أكبر بكثير من جرائمها في الفترة التي حكمت فيها الكنيسة، فالاستعمار والحروب العالمية والإبادات الجماعية كلها ممارسات وجرائم حصلت في عصر التنوير وابتداء من الثورة الفرنسية، ولم تقع الكنيسة في كل ذلك.

لكن التنويريين لا يلتفون لكل هذا، بل يتصورون أن الغرب يمثل الغاية الكبرى، ونهاية التاريخ، ولذلك يجب أن نضحي بكل مقدساتنا للتحقق ما وصل إليه.

وقد كتب هاشم صالح لنشر هذه الأطروحة التنويرية الكثير من الكتب، وترجم أعمالا كثيرة، وخصوصا لمحمد أركون الذي أعجب به إعجابا شديدا، ومن مؤلفاته كتاب [معضلة الأصولية الإسلامية]، وكتاب [الانسداد التاريخي]، وكتاب [مدخل إلى التنوير الأوروبي]

والكتاب الأخير يمثل جوهر ما يدعو إليه هاشم صالح، والذي ذكر مصادره الفكرية فيه في مقال له بعنوان [نقد العقل التقليدي للإسلام.. المشروع الفلسفي الكبير لمحمد أركون]([2])، والذي ذكر فيه أثر محمد أركون في تشكيل عقله وطريقة تفكيره، فقال: (كل ما كتبه أركون منذ أربعين سنة وحتى اليوم يندرج تحت العنوان العريض التالي: [نقد العقل الإسلامي] إنه مشروع العمر وخلاصة الفكر)

وحتى يزيل الالتباس المرتبط بهذا النوع من النقد، وعدم توجهه للتراث فقط، وإنما للمصادر المقدسة أيضا، عقب على ذلك بقوله: (.. وانما تعني ما يلي، وبحسب ما أفهم فكر أركون بعد أن عاشرته أو بالأحري عاشرت فكره طيلة أكثر من ربع قرن: كل التراث العربي الإسلامي منذ البداية وحتى اليوم ينبغي أن يتعرض لغربلة عامة شاملة، من أجل معرفة بنيته الداخلية، أو كيفية تشكّله التاريخي طيلة القرون الستة الأولى بشكل خاص، فما جف منه وتخشب ومات نطرحه، ونبقي فقط على الجوهر الروحي والأخلاقي لرسالة الاسلام العظيم)

وهو طبعا، كسائر التنويريين يستعملون مثل هذه الألفاظ [الجوهر الروحي والأخلاقي لرسالة الاسلام العظيم]، ليوهموا القارئ أن نقدهم وهدمهم لا يمس الإسلام، وإنما يمس ما تخشب منه، وهم لا يعلمون أنهم يقصدون بهذا التخشب كل الحقائق الإسلامية ابتداء من العقائد الأساسية القطعية التي لا يمكن أن يقوم الدين من دونها.

وقد عبر هاشم صالح عن ذلك بصراحة بقوله: (فالمعرفة التي نمتلكها عن الفترة التأسيسية للتراث الإسلامي لا تزال لاهوتية، أسطورية تضعه فوق التاريخ، أو فوق المشروطية الاجتماعية التاريخية)

وهذه العبارة هي التي تلخص جوهر أكثر الحداثيين والتنويريين، وهي اعتبار الإسلام ومقدساته وليد فترة تاريخية محددة، ولذلك لا يمكن اعتباره عندهم معبرا عن الحقيقة المطلقة، أو رسالة إلهية عابرة للزمان، وإنما هو ـ بحسبهم ـ يعبر عن الفكر الذي ساد في تلك البيئة الزمنية، والذي يمكن تطويره، بل تحويره ليتحول إلى أي بيئة جديدة بما يتناسب معها.

ولذلك كان جوهر رسالة جميع الحداثيين هو تحويل الإسلام من مرحلته التاريخية التأسيسية إلى مرحلة حديثة، ولو بتفريغه من محتواه تماما، باعتبار أن ذلك المحتوى المقدس لم يعد نافعا ولا صالحا في هذا الزمان.. فالنفعية البراغامتية هي المحدد عندهم لصلاحية الشيء، لا الحقيقة التي تدل عليها الأدلة أو البراهين.

وقد ذكر هاشم صالح هذا المعنى عند إجابته على سؤال طرحه بقوله: (لماذا يشكل ذلك حاجة تاريخية لا بد منها، أو لا مندوحة عنها؟)

ثم أجاب على ذلك بقوله: (لأن المسلمين، كل المسلمين وليس فقط العرب، وصلوا الآن إلى مفترق طرق: فإما أن ينخرطوا في هذه العملية الجراحية الخطيرة الضرورية لمصالحة الاسلام مع الحداثة، وإما أن يستسلموا للمقادير، وينقطعوا عن حركة التاريخ كلياً في عصر العولمة الكونية ويصبحوا مهمشين وواقعين في مؤخرة كل الأمم)

وهو يشبه هذه العملية الجراحية الخطيرة التي يريد إجراءها للمصادر العميقة للإسلام بما حصل لأوروبا عندما راحت تسخر من الكنيسة والدين وتستبدله بالمذاهب والفلسفات المادية، فيقول: (ويراهن كاتب هذه السطور علي الحقيقة التالية: لو لم تخض أوروبا معركتها مع نفسها، لو لم تصفّ حساباتها مع ذاتها التاريخية – أي مع تراثها المسيحي القديم- لما استطاعت أن تقلع حضارياً وأن تسيطر على العالم. فأزمة الوعي الأوروبي مع نفسه كانت قد وصلت إلي حد التفاقم الأقصي الذي يهدد بالانفجار أو بالانهيار)

ثم يحدد بدقة نوع النقد الذي يجب أن يوجه للعقل المسلم، حتى ينسجم مع الحداثة؛ فيقول: (مشروع المستقبل ليس نقد العقل العربي كما يتوهمه الجابري على الرغم من تقديرنا لجهد المحاولة لديه ولبعض النقاط الايجابية أيضا، وإنما هو مشروع نقد العقل الإسلامي التقليدي. لماذا نقول ذلك؟ لأنه لا يوجد شيء اسمه عقل عربي أو تركي أو إيراني وإنما يوجد عقل إسلامي أو ديني بالأحري مثلما يوجد عقل علمي أو فلسفي أو وضعي سمه ما شئت. وبينهما قطيعة الحداثة)

وبذلك، فإن النقد الحداثي للعقل عنده هو نقد لطريقة تفكير المسلم، أي مسلم، وفي أي مرحلة من مراحل التاريخ، ما دام يؤمن بالغيب، ويعتقد أن مصادره المقدسة، تحوي قيما عقدية وسلوكية ثابتة، وقد عبر عن هذا المعنى بقوله: (وبالتالي فالعقل البشري واحد عند جميع الشعوب. فقط هناك شعوب تحررت من العقل اللاهوتي الغيبي الطائفي القديم كشعوب أوروبا الغربية مثلا، وشعوب لم تتحرر بعد.. وهذه هي حالتنا نحن)

وليؤكد هذا المعنى، يعود كسائر الحداثيين إلى أوغست كونت، وفلسفته الوضعية، باعتبار أن كل التقدم والتطور (الذي نشهده أمام أعيننا اليوم في مختلف مجتمعات الغرب هو ثمرة الفلسفة الوضعية التي ازدهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فهذه الفلسفة كانت تعتقد اعتقاداً جازماً بأن العقل والعلم هما اللذان ينبغي أن يقودا البشرية نحو الحضارة والتقدم والرقيّ، وبالتالي فينبغي أن يحلاّ محل اللاهوت المسيحي التقليدي الذي أدى إلى محاكم التفتيش، والتواكل، وتأخر المجتمع على كافة الأصعدة والمستويات)([3])

ووضح ذلك في محل آخر بصراحة، فقال: (وبالتالي فالشعوب تمر بعدة مراحل من التطور العقلي والفكري؛ فهناك أولا المرحلة الأسطورية البدائية للعقل، تليها المرحلة الدينية الأكثر تطورا، ثم أخيرا المرحلة العلمية الفلسفية، وهي أعلى درجات العقل أو العقلانية)

وهو ينتقد الجابري وأمثاله ممن لم يتجرؤوا على اقتحام المقدسات خلافا لأستاذه أركون؛ فقال: (قناعتي هي أن الجابري لم يتجرأ على مواجهة المشكلة اللاهوتية وجها لوجه؛ فقرر خوض المعركة مع العقل العربي لا العقل الإسلامي)

لكنه يعود فيعتذر له، ولأمثاله بأن السبب ليس عدم قناعتهم بضرورة مواجهة المقدسات، وإنما لكونهم يمارسون بعض التقية مع المجتمعات التي يعيشون فيها حتى لا يصطدموا معها، يقول في ذلك: (.. وهذا تحايل على الموضوع في نهاية المطاف أو تهرب من المواجهة، ولكنه مفهوم لأن للتقليديين سطوة في الشارع، ويستطيعون تهديد أي مثقف وتخويفه)

ليس ذلك فقط، وإنما لكونهم أيضا ـ بحسبه ـ يفتقرون لتلك المناهج التي يملكها أستاذه أركون.. ذلك أنه وحده من (يمتلك التكوين المنهجي الكافي والعدة المفهومية والمصطلحية للقيام بنقد العقل الديني في الإسلام.. ووحده من بين كل المثقفين العرب من يمتلك ذلك الآن.. وكل من يفهم في شؤون الفكر وشجونه يعرف ذلك.. وكل مطلع على الفكر الحديث وتاريخه ومناهجه العويصة ومصطلحاته يعرف ما الذي أقصده هنا.. ولذلك راهنت علي هذا الفكر منذ ثلاثين عاما ولا أزال)


([1])  مفكر وكاتب ومترجم سوري متخصص في قضايا التجديد الديني ونقد الأصولية ونقاش قضايا الحداثة وما بعدها. حاصل على الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث من جامعة السوربون 1982. وعلى دبلوم الدراسات العليا من جامعة دمشق 1975. يكتب بأهم الصحف والمجلات الدولية، نقل هاشم صالح العديد من مؤلفات محمد أركون إلى اللغة العربية، انظر: حوار مع الكاتب والمفكر السوري هاشم صالح : سوف تحصل في الإسلام ثورة معرفية كتلك التي حصلت في المسيحية الغربية، مولاي أحمد صابر، مؤسسة مؤمنون بلا حدود.

([2])  نقد العقل التقليدي للإسلام.. المشروع الفلسفي الكبير لمحمد أركون:بقلم: هاشم صالح، الفجر نيوز، نشر في الفجر نيوز يوم 03 – 02 – 2008.

([3])  أوغست كونت: الفلسفة الوضعية ومفهوم التقدم، هاشم صالح، مجلة الأوان، ديسمبر 2013.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *