مصارعون

مصارعون

سرنا إلى الجناح الخامس في فندق الملاحدة، وقد كتب على بابه قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان: 60]

سألت المرشد عن الآية، وعلاقتها بهذا الجناح، فقال: هذا جناح المصارعين..

قلت: المصارعون.. عجبا.. لم أكن أعلم أن في هذا الفندق محلا خاصا للمصارعة.. ما نوع المصارعة التي تمارس هنا؟

قال: هنا تمارس كل أنواع المصارعة، ابتداء من المصارعة مع الله إلى المصارعة مع الكون والبشر، وكل شيء.. أهل هذا الجناح يتصورون أنه لا يمكن أن تستقر الحياة، ولا أن تستمر دون أن يصارع أصحابها بعضهم.

قلت: لكن ما علاقة هذا بالإلحاد؟

قال: أول شيء يفعله الملحد مصارعته لربه.. وعدم سلامه أو استسلامه له..

قلت: لقد عرفت هذا في جناح الوجودية.. فهم يتصورون أن الله سيسلبهم حريتهم لو آمنوا به.. لذلك آثروا أن يغمضوا أعينهم عن آياته.. ويصموا آذانه عن نداءاته، حتى لا تحجبهم معرفته عن حقيقتهم وحريتهم.

قال: ومثلهم التنويريون، فقد تصوروا أن إيمانهم بالله سيسلبهم عقولهم وحضارتهم ورفاههم، لذلك راحوا يستعملون كل حيلة ليجحدوه.

قلت: وهكذا الحسيون الذين توهموا أن إيمانهم بالله يتصارع مع عقولهم وحواسهم.. وأن الحقيقة فقط ما تريه إياه مداركهم.

قال: وهكذا كل الملاحدة مصارعون.

قلت: ما دام الأمر كذلك، فلم خص هذا الجناح بالمصارعين؟

قال: لأن الصراع عندهم قد بلغ ذروته، حتى أنهم يتصورون أن الكون وجد بسبب الصراع بين العدم والبقاء، فانتصر البقاء، هكذا دون حاجة إلى صانع ومؤثر.. وهكذا تراهم يجعلون الصراع سببا في حصول كل شيء.. ولذلك يدعون المجتمعات إلى صراع بعضها لبعض.. وقد ملأوها إبان حكمهم بالصراع.

قلت: وعيت ما ذكرته، وهو لا ينطبق إلا على الشيوعيين، فهم الذين يذهبون إلى ما ذكرت.. لكن ما علاقة الآية بهم.

قال: الآية الكريمة تنطبق عليهم كما تنطبق على كل الملاحدة.. فهي تخبر أن الله تعالى خلق الكون والإنسان برحمته، وأنه لم يرد منه ولا من البشر إلا الخير والرحمة والفضل العظيم.. لكن أولئك المصارعين الجاحدين أبوا أن يسجدوا للرحمن.. وأبوا أن يتقبلوا الرحمة الإلهية، فوقعوا في النقمة الإلهية.. فتحول كل شيء في أعينهم إلى نقمة.

ما إن قلت هذا حتى فتح الباب، فرأيت شيئا عجيبا ملأني بالضحك في نفس الوقت الذي ملأني بالألم.. لقد رأيت نفرا كثيرين جدا، يضعون على أيديهم قفازات ملاكمة تبدو قاسية يابسة، وكأنها صنعت من الخرسانة المسلحة، وكانوا في الظاهر يتدربون، لكنه كان تدريبا قاسيا جدا، فقد كان يضرب بعضهم بعضا بمنتهى القسوة إلى أن تسيل الدماء منهم.. وكانت الدماء تملأ المكان.. والجروح الغائرة تكسو كل واحد منهم.

فجأة سمعت صوتا عاليا في الجناح يقول: كفوا الآن.. خذوا بعض الوقت للراحة.

ما إن صدر هذا الصوت حتى ارتمى الجميع على تلك الدماء، وهم يئنون من شدة الألم، وقد رأيت بعضهم من شدة عطشه يشرب الدماء التي تمتلئ بها ساحة الجناح.

لودفيج فويرباخ:

ما هي إلا لحظات حتى قام رجل، كانت الدماء تغطي كل نواحي جسمه، فلم أستطع تمييز لون وجهه، ولا معرفة شكله بسبب تلك التشويهات الكثيرة التي أحدثتها اللكمات التي وجهها لها بيده، أو بيد غيره.

قام، وقال: اسمعوني أيها الرفاق، فأنا [لودفيج فويرباخ ([1])] أستاذ ماركس في المادية، ومخلصه من المثالية، يريد أن يحدثكم.. ويعترف بين يديكم بالحقائق التي لم أسجلها في قراطيسي، ولا رواها التاريخ عني.

لا شك أنكم قرأتم عبارتي التي تحدد فلسفتي، وتصور نظرتي للوجود والكون والحياة، والتي قلت فيها: (إن الغرض من كتاباتي، هو تحويل علماء الآلهة إلى علماء الإنسان، ورجال الكهنوت إلى فلاسفة، وتطوير حكماء كل الأزمنة إلى مستوى طلاب حداثة، وتحرير العبيد من هيمنة الدين والسلطة الأرستقراطية، ليصبحوا مواطنين أحراراً، مفعمين بالوعي والإرادة الحرة)

هذه العبارة تلخص مذهبي ورسالتي التي استعملت كل الوسائل لنشرها، إنها مواجهة الدين، وكل فلسفة مثالية تريد أن تقترب منه.. فلهذا رحت أصوغ فلسفة بعيدة عن المثالية والدين.. فلسفة تتخذ من الإنسان نقطة للانطلاق، بعيدة عن الجوهر المطلق، قريبة من الكيان البشري النسبي، ومن تجاربه الملموسة، لذلك أُطلق على فلسفتي لقب [الفلسفة المادية الأنثروبولوجية]

لاشك أن الكثير منكم لم يفهم هذا العنوان، فلذلك سأشرحه لكم قبل أن أرد عليه.. وقد يكون شرحي وحده كافيا لنقده والرد عليه.. فليس هناك شيء أكثر تشويها للباطل من عرض صورته العارية من كل لباس يسترها أو يزينها.

لقد فسرت الدين في فلسفتي المادية بكونه ليس سوى انعكاس لأمنيات البشر وتصوراتهم، ومن أجل منفعة الإنسانية الحقيقية، وحتى يرى الإنسان نفسه وحدة متكاملة.

لقد صحت في الجموع الملتفة حولي، والتي جمعت لي من المال ما يكفي لأيام كثيرة بعد انهيار مصنعي، وطردي من مسكني: إن الكيان الإلهي لا وجود له.. وإن الضمير اللانهائي ليس سوى ضمير للانهائية الضمير.. وبذلك فإن ضمير الإله ماهو إلا الضمير الشخصي للإنسان.. ومعرفة الإله ماهي إلا معرفة الإنسان لِذاته.. والإله ليس سوى محض تعبير عن الذكاء البشري، والإرادة البشرية، بما فيها الكمال والعدالة والحب.. وقد صاغ الخيال الإنساني كيانا سماه [الإله] ليجسّد كل ما عنده من غرائز وقوى بشكل متكامل.

وقلت لهم: أما الدين فليس سوى سلوك الإنسان تجاه ذاته، وكأنه يتعامل مع كيان آخر.. ففي الدين يفصل الإنسان كيانه النهائي الفردي، عن كيانه اللانهائي كنوع، ويزيّن الأخير بنفائس الصفات، ثم يبدأ بعبادته.

وقلت لهم: إن التمييز الخاطئ بين الصفات البشرية والصفات الإلهية (أي فوق البشرية)، يؤدي إلى أن الفرد (الأنا الأول) يستشعر أنه ذو قيمة دونية، ومفعم بالخطايا، بينما يُبجّل نصفه الثاني (الأنا الآخر) كإله (كيان النوع البشري).. وينتج عن ذلك معاناة الإنسان من حدوث انفصام شخصي، واغتراب، وبؤس.

وقلت لهم: إن الإنسان هو الذي ابتدع فكرة الإله ليكون على شاكلته.. وقد آن الأوان لكي يستعيد العقل البشري حسيته، حتى تعود الوحدة الموضوعية بين الجسد والعقل.. وذلك ما أطلق عليه أصحابي [المادية الإنسانية]

لم أكتف بطرح تلك الأفكار على أولئك العمال البسطاء من أهل مدينة [بافاريا] الألمانية، وإنما رحت أسجله في الدفاتر والكتب، وأنشره بين الناس، ليبقى تأثيره في الأجيال التي لم أرها.

وقد حصل ذلك، فقد تأثر كل أعلام الشيوعية بكتاباتي ومجدوها ابتداءا من الرفيق العزيز [كارل ماركس]

لكم وجهه ببعض اللكمات، ثم راح يقول: لقد طرحت كل هذه الأفكار في كتابي [جوهر المسيحية] الذي أردت من خلاله أن أتقدم أشواطا جديدة في نقد الدين مقارنة بما فعله من قبلي من أمثال [جوردانو برونوز]، أو [باروخ سبينوزا]

وكنت أيضا أريد أن أتقرب من كل التنويريين من أمثال [فولتير]، و[ديدرو]، و[دولباخ].. والذين ركبت من فلسفاتهم وانتقاداتهم للدين ذلك التصور الجديد الذي وضعته له.

لكم وجهه بعض اللكمات، ثم راح يقول: أتذكر ذلك اليوم الذي ذهبت فيه إلى إلقاء محاضرة في جامعة هايدلبرج.. لقد قلت حينها: (سأذهب إلى هايدلبرج لإلقاء محاضرات حول جوهر الدين. ولو أن بذرة واحدة فقط مما سوف أزرع هناك، نبتت بعد مئة عام، وأصبحت شجرة، فإنني أكون قد أديت خدمة إلى البشرية)

وقلت: (حقاً أن الإنسان يجهل الكثير مما يحدث له من حوله، لكن ذلك لايبرر اللجوء إلى ماوراء الطبيعة، للعثور على التفسير.. كم من أسرار عجز أسلافنا عن معرفة كنهها، واليوم يلم الإنسان بكل خفاياها)

وقد حصل بالفعل ما أملته، فقد تتلمذ الكثير على فلسفتي من الشيوعيين وغيرهم، حتى أنه صار كل من يكتب عن الفكر الديني يذكر نظريتي التي صار يطلق عليها [النظرية الإسقاطية]، وتفسر بأنها النظرية التي تنص على أن الإنسان ابتدع الآلهة حسب صورته، وأن الإله ليس سوى الفكرة التي يتمناها كل إنسان لنفسه، ولا يفقه عنها شيئاً، رغم وجودها في داخله، أو ما عبرت عنه بقولي: (لا شئ حقيقياً سوى البشري الفعلي المحسوس)

اسمحوا لي أن أقرأ لكم بعض ما علق في ذاكرتي من كتابي [جوهر المسيحية]([2])

لقد قلت فيه: (إن الكائن الإلهي ليس سوى الكائن الإنساني، أو بالأحرى، الطبيعة الإنسانية، وهي خالصة ومتحررة من كل قيود الإنسان الفرد، مجعولة موضوعية، أي متأمل فيها ومحترمة باعتبارها وجودا منفصلا. الإله هو تأليه الطبيعة الإنسانية)

وقلت: (إن الإنسان، وخاصة الإنسان المتدين، هو بالنسبة لنفسه مقياس لكل الأشياء، لكل الواقع. كل ما يؤثر بقوة على الإنسان، وكل ما أنتج تأثيراً على عقله، إذا كان صوتا مميزا أو غير مفهوم، أو ملاحظة، فهو يشخصها باعتبارها كائنا إلهيا)

وقلت: (كي تدرك الإله باعتباره مقدساً ولا تدرك أنك نفسك مقدس؛ كي تدرك البركة ولا تعرف أنك نفسك مصدرها، فهذه هي حالة من الانفصال، التعاسة. الكائنات العليا لا تعرف مثل هذه التعاسة؛ فهي ليس لديها أي تصور عما هي ليست عليه)

وقلت: (طالما كان الإنسان في حالة الطبيعة الأولى، فإن إلهه هو إله طبيعي ـ تشخيص لقوة الطبيعة. وعندما يسكن الإنسان بـيوتا، فإنه يُسكِن آلهته في معابد. فالمعبد هو مجرد تعبير عن القيمة التي يضفيها الإنسان على الأبنية الجميلة. إن المعابد المهداة للدين هي في حقيقتها معابد مهداة لفن العمارة)

وقلت: (كي يكون الإله غنياً، يجب أن يكون الإنسان فقيراً؛ وكي يكون الإله هو كل شئ، يجب أن يكون الإنسان لا شئ..ما يخرجه الإنسان من ذاته وينكره على نفسه، يتمتع به في مقياس أعلى وأكمل، في الإله)

وقلت: (إن أفكار الإله هي أفكار إنسانية، دنيوية. فالإله مثله مثل الإنسان، لديه خطط في ذهنه، ويكيف نفسه مع الظروف ومع الأذهان، مثله مثل المعلم مع تلاميذه. إنه يحسب بدقة أثر منحه ووحيه؛ إنه يراقب الإنسان في كل ما يفعل؛ إنه يعرف كل شئ، حتى أكثر الأشياء دنيوية وعمومية وعرضية)

وقلت: (الإنسان في علاقته بالإله ينكر معرفته وأفكاره ذاتها كي يضعها في الإله. الإنسان ينكر شخصيته؛ لكن في المقابل فإن الإله القادر اللامتناهي هو الذي يتمتع بأعلى شخصية. الإنسان ينكر على نفسه الكرامة البشرية والأنا البشرية، لكن في المقابل فإن الإله بالنسبة له هو كائن أنوي، يسعى لذاته فقط، لمجده وحده، لأهدافه وحسب؛ إنه يصور الإله على أنه يهدف إشباع ذاته فقط)

وقلت: (الدين هو انفصال الإنسان عن نفسه؛ إنه يضع الإله إزاءه باعتباره نقيضه. الإله هو كل ما ليس عليه الإنسان، والإنسان هو كل ما ليس عليه الإله. الإله لا متناه، الإنسان متناه.. الإله كامل، الإنسان ناقص.. الإله خالد، الإنسان فان..الإله مطلق القدرة، الإنسان ضعيف.. الإله مقدس، الإنسان مدنس. الإله والإنسان نقيضان: الإله هو الموجود بإطلاق، والإنسان هو السالب بإطلاق)

وقلت: (كلما كانت الحياة خاوية، كلما كان الإله ممتلئاً وعينياً. إن إفقار العالم الحقيقي وإغناء الإله هو نفس الفعل. الإنسان الفقير وحده هو الذي يحوز على إله غني. الإله ينشأ من الشعور بالحرمان؛ كل ما يحتاجه الإنسان، سواء كان هذا الاحتياج واعياً أو غير واع، فهذا هو الإله. وبالتالي فإن الشعور البائس بالفراغ والوحدة يحتاج إلهاً به يجتمع، وحدة من الكائنات المحبة لبعضها)

وقلت: (كان الإلحاد ولا يزال مفترضاً فيه أنه نفي لكل مبدأ أخلاقي، ولكل الأسس والروابط الأخلاقية: فإذا لم يكن الإله موجوداً، فإن كل تمييز بين الخير والشر، الفضيلة والرذيلة، يصبح لاغياً. ولذلك فإن هذا التمييز يكمن فقط في وجود الإله؛ فواقعية الفضيلة لا تكمن في ذاتها بل خارجاً عنها. وبالتأكيد فإن ارتباط الفضيلة بالإله لا ينبع من ارتباط بها هي ذاتها أو بيقين قيمتها الذاتية. بل على العكس، فإن الاعتقاد في أن الإله هو الشرط الضروري للفضيلة هو الاعتقاد في عدمية الفضيلة في ذاتها)

وقلت: (كلما كانت رؤية الإنسان محدودة، وكلما جهل بالتاريخ والطبيعة والفلسفة، كلما ارتبط أكثر بدينه. ولهذا السبب فإن الإنسان المتدين لا يشعر بحاجة إلى الثقافة. لماذا لم يكن لدى اليهود فناً أو علماً، مثلما كان لدى اليونان؟ لأنهم لم يشعروا بأي حاجة لهذه الأشياء. فبالنسبة إليهم فإن هذه الحاجة كان يشبعها إلههم يهوة)

وقلت: (في الإله كلي العلم يرفع الإنسان نفسه خارج حدود معرفته؛ وفي الإله كلي الحضور، يرفع نفسه خارج حدود نقطة ارتكازه المحلية؛ وفي الإله الخالد يرفع نفسه خارج حدود زمانه)

وقلت: (الإنسان المتدين سعيد في مخيلته، فلديه كل شئ ضمنيا، وكل ممتلكاته محمولة، في خياله. الإله يصحبه أينما ذهب: أنا لا أحتاج الخروج عن ذاتي، فأنا أمتلك في إلهي مجموع كل الثروات والأشياء القيمة، وكل ما يستحق المعرفة والتذكر. لكن الثقافة تعتمد على الأشياء الخارجية؛ ولديها احتياجات كثيرة ومختلفة، لأنها تتغلب على حدود الوعي والحياة الحسية بالنشاط الواقعي، لا بالقوة السحرية للمخيلة الدينية. ولذلك فالدين..لا يمتلك في جوهره مبدأ للثقافة، ذلك لأنه ينتصر على حدود وصعوبات الحياة الدنيوية من خلال المخيلة وحسب، الإله وحسب، في السماء وحسب)

وقلت: (طالما يضع الدين نفسه في مواجهة العقل، فإنه يضع نفسه نقيضا للحس الأخلاقي، لأن الحس الأخلاقي الحقيقي قائم على العقل. ففي الحس بالحقيقة وحده يتواجد الحس بالصدق والخير. إن إفقار العقل هو في نفس الوقت إفقار للقلب. إن ذلك الذي يخدع عقله ليس لديه قلب فاضل وكريم. إن من لا يحترم عقلي لا يستحق إحترامي)

لطم وجهه ببعض اللكمات، ثم قال: هذا بعض ما كتبته.. وهو يدلكم على غيره، فقد كنت أسعى كل جهدي لتصوير الإله بكونه منتوجا بشريا محضا.. وأنه لا وجود له في الحقيقة إلا في الضمير الإنساني المغفل واللاعقلاني.

لقد قلت هذا تحت تأثير تلك الحركة الساخطة على المسيحية ورجال الدين المسيحي الذين صوروا أنفسهم ورثة للمسيح نفسه، والذي يعتبرونه إلها، أو ذا طبيعة مزدوجة بين الإله والإنسان.. وكانوا يتحدثون عنه كما يتحدثون عن الإنسان.. وذلك أول ما أوحى لي هذه الفكرة التي تصور البعض أنها من إنتاجي بينما لم تكن في الحقيقة إلا نتاج أولئك الرجال الذين اتشحوا بلباس الدين، وصوروا أنفسهم أوصياء عن الله، وراحوا يتحدثون باسمه.

يمكنكم اعتبار موقفي هذا، وإلحادي من نوع [الإلحاد الانتقامي]، لأني لم أذكر في كتبي ولا محاضراتي أي دليل على نفي وجود الله.. ولم أناقش كل ذلك الركام الذي وضعه الفلاسفة والمفكرون وعلماء الدين للبرهنة على وجود الله.. إنما اكتفيت فقط بأن أجلس على أريكتي، لأبرر وجود الدين ووجود الإله، بكل برودة وسخافة.

مع العلم أن كل مواقفي كانت مرتبطة بالبيئة التي ولدت فيها، وعشت بينها، ومت وأنا في أحضانها، فأنا لم أتحرك من أوروبا لأرى العالم وأديانه ومذاهبه وفلسفاته حتى أطلع على ما ينير عقلي للحقيقة، فقد كنت مشغولا في معظم وقتي في حماية مصنع زوجتي الذي كان يهتز كل حين، ويصيبه من الكساد ما يملؤنا بالتشاؤم إلى أن سقط أخيرا، وصرنا شحاذين نأكل فتات موائد الناس.

ربما كان من أسباب كتابتي لتلك الأفكار الشيطانية هو إرضاء ذلك الواقع الساخط على الأديان، والذي كان لا مناص لي من إرضائه، فحياتي كانت متوقفة عليه..

قال ذلك.. ثم راح يلكم وجهه، ثم يرتمي على بطنه، ويشرب الدماء السائلة التي تمتلئ بها الأرضية.

كارل ماركس:

ما هي إلا لحظات حتى قام رجل آخر تبدو عليه ملامح كارل ماركس([3]) بلحيته الطويلة، لكن وجهه كان مشوها جدا بفعل الضربات الكثيرة التي تلقاها، وقد كانت لحيته حمراء، وكل شيء فيه كان أحمر قانيا.

وقف، وقال: أنا كارل ماركس.. أنا المصارع الأعظم لله.. أنا صاحب (المادية الجدلية).. تلك التي تلخص حقائق الوجود في هذا الشعار الذي ابتدعته، ورحت أنشره بين العالم (لا إله والكون مادة).. وأنا صاحب شعار (وحدة العالم تنحصر فى ماديته).. وغيرها من الشعارات الكثيرة التي راح أتباعي ينعقون بها من غير أن يفهموها، ولا أن يقتنعوا بها.. فقد كان يكفيهم أن يكون قائلها المصارع الأكبر لله وللوجود وللقيم.

أنا صاحب قانون (المادة سابقة فى الوجود على الفكر).. وصاحب قانون (لم يكن هناك وقت لم تكن المادة موجودة فيه، وليس هناك وقت لا تكون المادة موجودة فيه).. وصاحب قانون (الإنسان نتاج المادة).. وصاحب قانون (الفكر نتاج الدماغ والدماغ مادة)..

وهكذا راح عقلي المستكبر يفرض قوانينه على الوجود، وهو لا يعرف أبسط الحقائق المرتبطة بإنسانيته ولا كينونته، بل لا يعرف أدنى الحقائق المرتبطة بجسده.. ومع ذلك راح بكبريائه يضع القوانين، لا قوانين بيئتة أو المكان الذي وجد فيه فقط.. وإنما قوانين الكون جميعا.. بل قوانين الوجود جميعا..

قام يفعل ذلك، وهو سكران بخمرة النعم الكثيرة التي أفاضها الله عليه، وبدل أن يشكرها، ويعرف حقها، راح يزاحم صاحبها ويحاربه ويصارعه.

ولم أكتف بذلك، بل رحت أفرض الصراع على المجتمعات، وعلى حركة التاريخ، كما فرضته على الكون.. ولذلك أضفت إلى قوانين (المادة الجدلية) التي تفسر الكون والوجود.. قوانين (المادية التاريخية) التي تفسر حركة التاريخ، وتربطها بالمادة، وبوسائل الإنتاج، وتجعل الصراع بين البشر قائما على أساس المادة.. المادة وحدها.

حتى أني فسرت الأديان والأخلاق والقيم جميعا على أساس مادي..

لقد كان لكل ذلك عوامله الكثيرة التي ورثتها من بيئتي التي عشت فيها، ومن قومي الذين ربيت بينهم.. فقد كانت المادية طبيعة متجذرة فيهم، ورثوها من قديم الزمان.. من الإغريق والرومان.. وبما أنني يهودي، فقد أضفت إليها يهوديتي الممتلئة بالتعلق بالمادة، والعشق لها.

ثم ورثتها من بيئتي الزمانية، فقد كان عصر النهضة الأوروبية يموج بالإلحاد وإلغاء الإله، وكان السباق فيه على من يكون أكثر إلحادا، وأكثر قدرة على إعطاء بديل كامل للدين، يفسر الوجود، ويبين كيف نشأ الكون، ويضع للحياة والإنسان القيم المرتبطة بها، والتي تكون بديلة عن الدين الذي وضعه الله لعباده..

لقد انتشرت فيه كل القيم التي تلغي الله لتستبدله بالإنسان، وتجعله مصدر المعرفة.. وتجعل الفكر الإنسانى ـ لا الوحى الربانى ـ المرجع الذى يرجع إليه الإنسان فى النظر إلى أمور حياته ومتطلباتها.

لقد قال [رايوبرث] يصف عصر النهضة الذي عشت فيه: (وامتاز ذلك العصر بشعور الإنسان فيه بشخصيته المطلقة وبمعارضته للسلطة وذويها، وذهابه شوطا بعيدا فى اعتبار العالم كله وطنا له.. وقد أعلت النهضة شأن الطبيعة الإنسانية والحياة الدنيوية مخالفة فى ذلك طريقة التفكير فى القرون الوسطى.. ولذلك يسمى العلماء الذين خصصوا أنفسهم لدراسة آداب اليونان والرومان والعلوم عند القدماء [الإنسانيين].. وكان من خير ما أحدثه هؤلاء الإنسانيون [نمو الفردية] أعنى الرأى القائل بأن الإنسان ينبغى أن يفكر بنفسه لنفسه. وهو رأى كان قد أهمل فى عصر عبودية العقل)([4])

وقال [برينتون] واصفا له، ولتدخل العقل فيه في كل شيء: (فالمذهب العقلى يتجه إلى إزالة الله وما فوق الطبيعة من الكون، ومن الوجهة التاريخية فإن نمو المعرفة العلمية وازدياد الاستخدام البارع للأساليب العلمية يرتبط بشدة مع نمو الوضع العقلى نحو الكون)([5])

وقد أصبحت الفكرة السائدة في ذلك العصر تعتبر تحصيل الإنسان للحقائق الكونية ومعرفته بها محصورا في التجربة الحسية وحدها.. أي أن الحس المشاهد لا غيره هو مصدر المعرفة الحقيقية اليقينية.. أما انتزاع المعرفة مما وراء الظواهر الطبيعية الحسية، والبحث عن العلة فى هذا المجال، فأمر كان مرفوضا، بل كان يدعو إلى السخرية ([6])

وهكذا استغلت الاكتشافات العلمية لتفسر تلك النظرة المادية الحسية.. ومن الأمثلة على ذلك أنه بعد اكتشاف نيوتن لبعض القوانين التي يسير بها الكون، لم يرجع أهل ذلك الزمان أو من بعدهم ذلك لتصريف الله، وتقديره، وحكمته في خلقه، وإتقانه لتدبيره لهم..وإنما راحوا ينفون الله ويزيلون الحاجة إليه.

وأحسنهم حالا من راح يعطي الله راحة أبدية، ويصور أنه خلق الكون، ثم اعتزله.. كما عبر عن ذلك بعض أصحابنا من الطبيعيين، فقال: (الإله فى عرف نيوتن أشبه بصانع الساعة.. ولكن صانع هذه الساعة الكونية، ونعنى بها الكون، لم يلبث أن شد على رباطها إلى الأبد، فبإمكانه أن يجعلها تعمل حتى الأبد. أما الرجال على هذه الأرض فقد صممهم الإله كأجزاء من آلته الضخمة هذه ليجروا عليها. وإنه ليبدو أن ليس ثمة داع أو فائدة من الصلاة إلى الإله صانع هذا الساعة الكونية الضخمة، الذى لا يستطيع إذا ما أراد التدخل فى شئون عمله)([7])

وقال معبرا عن الصنف الذي راح يلغي [الله] انبهارا بتلك النظريات العلمية البسيطة التي اكتشفها أهل ذلك العصر، وتبين بعد ذلك خطأ الكثير منها: (ولكن ثمة أناس ذهبوا إلى أبعد من ذلك واعتبروا فكرة الإله فكرة شريرة، وخاصة إذا ما كان إله الكنيسة الكاثوليكية. وأطلقوا على أنفسهم بكل فخر اسم الملحدين. وهم يعتقدون أن ليس ثمة وجود لمسيح أو لإله المسيحية، ويقولون إن الكون ليس إلا مجموعة متحركة ذات نظام معين يمكن فهمه باللجوء إلى السببية المعتمدة على أساس العلوم الطبيعية)([8])

وقال آخر: (إنه لأقرب إلى الطبيعى والمعقول أن نشتق من صور المادة كل شئ موجود، لأن كل حاسة من حواسنا تبرهن على وجودها، ونختبر كل لحظة نتائجها بأنفسنا. ونراها فاعلة متحركة، تنقل الحركة وتولد القوة دون انقطاع، من أن نعزو تكون الأشياء لقوة مجهولة ولكائن روحى لا يستطيع أن يخرج من طبيعته ما ليس هو بذاته، كائن بعجز بحكم الجوهر المنسوب إليه أن يفعل أى شئ أو أن يحرك أى شيء)([9])

هذه بعض المقولات التي راحت تتردد على عقلي الصغير، وتطلب منه أن يبدع إبداعا جديدا يفسر من خلاله الكون.. بل يعطي من خلاله القيم المرتبطة بكل شيء.. فلست أقل شأنا من أولئك الفلاسفة الماديين أو الطبائعيين أو الوجوديين أو الإنسانيين..

وكنت حينها قد قرأت بعض الفلسفات التي كانت تحاول أن تفسر الوجود.. وكان مما شدني منها ثلاثة رؤى.. رحت أمزج بينها لأشكل بكل بلاهة فلسفتي خاصة.. لأصبح نبيها وإلهها الذي يسبح الملاحدة بحمده.. بل حصل ذلك، فقد سبح بحمدي الملايين وعشرات الملايين الذين ألغوا عقولهم وعقول الأنبياء والفلاسفة والأولياء على مدار التاريخ.. لأتحول أنا أنموذجهم الأعلى، ومثالهم الأسمى.

أما الفلسفة الأولى.. فهي الفلسفة التي عرضتها لكم.. والتي تفسر الوجود بالمادة البحتة.. وكان لي فيها أساتذة كثر.. ابتدأوا منذ بدأت هذه الحضارة.. لكن أشهرهم اثنان (أوجست كونت)، و(لودفيج فويرباخ).. وقد قامت فلسفتهما على سيادة الطبيعة، بل عبادتها.. فالطبيعة هى التى تنقش الحقيقة فى ذهن الإنسان.. وهى التى توحى بها وترسم معالمها.. هى التى تكون عقل الإنسان.. والإنسان ـ لهذا ـ لا يملى عليه من ذاته الخاصة.. إذ ما يأتى من (ما وراء الطبيعة) خداع للحقيقة، وليس حقيقة..ومثله ما يتصوره العقل من نفسه هو ليس إلا وهما وتخيلا للحقيقة، وليس حقيقة أيضا.

وبناء على هذه النظرة يكون الدين الذي يعبر عما بعد الطبيعة مجرد خدعة.

وأما الفلسفة الثانية.. فهي الجدلية.. وقد كان من أساتذتي فيها (فيشته) و(هيجل)..

ربما لم تفهموا المراد منها، لا عليكم، فقد تعمدت ذلك.. لأني رأيت أنه لا تنال فلسفة من الفلسفات حظها من الاهتمام حتى تكون فلسفة غريبة، تفسر الأشياء بأنواع من التعقيد.. حتى يتبارز الكل في محاولة التوضيح والتفسير الذي لا يزيدها إلا تعقيدا، ولكن ذلك يفيدهم أيضا حتى يبرزوا عقولهم ونفوسهم وأنانيتهم التي هي المنطلق والغاية.

سأشرح لكم لم اخترنا الجدل.. لقد اخترناه لسبب بسيط، وهو تفسير وجود المتناقضات فى الكون والحياة.. ذلك أننا عزلنا الخالق الذي يفعل ما يشاء، ويدبر كونه كما يريد.. ولهذا احتجنا إلى بدائل عن الإله المدبر صاحب الإرادة الحرة.

لقد كان المنطق اليونانى القديم، وهو المنطق الصورى ينفى وجود التناقض فى الكون والحياة، ويقيم تفكيره على أساس أن الشئ ونقيضه لا يمكن أن يجتمعا، فوجود أى شئ هو ذاته نفى قاطع لوجود نقيضه.

لكن الفكر الذي ولدت في أحضانه.. أي الفكر الأوروبى في عصر النهضة كانت له وجهات نظر مختلفة، ولهذا قام بعض الفلاسفة يشير إلى وجود التناقض فى الكون والحياة، ويحاول تفسيره، وكان من أبرزهم (فيشته) و(هيجل)

أما فيشته، فقد استخدم مبدأ النقيض كى يدعم سيادة العقل كمصدر للمعرفة مقابل الدين والطبيعة.. وأما هيجل فاستخدم مبدأ النقيض لتأكيد قيمة العقل من جهة، ثم لدعم فكرة الألوهية من جديد، وتأكيد الوحى كمصدر أخير للمعرفة، فهو يعتبر الخالق عقلا.

لقد تصور هيجل ـ الذي ربط بعضهم فلسفتي به ـ أن هناك فكرة مطلقة.. أطلق عليها اسم (العقل المطلق)، انبثقت عنه الطبيعة، وهى تغايره تماما، لأنها مقيدة ومتفرقة وهى عنده العقل المقيد.. ثم انتقلت الفكرة من الطبيعة أو العقل المقيد إلى جامع يلتقى فيه الشئ ونقيضه، وهو العقل المجرد الذى هو نهاية الطبيعة المحدودة وغايتها.

وأما الفلسفة الثالثة.. فهي نظرية التطور.. وتتلمذت فيها على دارون صاحب هذه النظرية وتلاميذه وخصوصا الملحدين منهم..

لقد جاءت نظرية التطور ـ وخصوصا في شقها الملحد ـ تؤله الطبيعة، وتذكر أنها تخلق كل شئ، ولا حد لقدرتها على الخلق.. وجاءت لتؤكد أن الإنسان هو نهاية سلسلة التطور الحيوانية.. وأن التطور ذاته ـ الذى أنشأ الحياة المادية الميتة أول مرة، ثم تدرج بها من الكائن الوحيد الخلية إلى الإنسان ـ هو نتيجة أسباب مادية بحتة، وأنه يتم مستقلا عن إرادة الكائن الحى، وبصورة حتمية لا يملك الكائن الحى الخروج عليها ولا معارضتها ولا الوقوف فى طريقها.

هذه هي الفلسفات الثلاثة التي مزجت بينها لأشكل فلسفتي الخاصة..

راح يضحك بصوت عال، ويلكم وجهه لكمات كثيرة، يتطاير الدم خلالها من أنفه وفمه، ثم يقول: أنتم تتساؤلون عن الجديد الذي أتى به ماركس ما دام قد ذكر أنه اعتمد على كل هؤلاء..

سأجيبكم على ذلك.. فأنا الأبله الغبي الذي راح ينافس المجرمين إجرامهم.. رحت أمزج بينها كما يمزج الطباخ بين الخضر والتوابل.. وكأن الكون كان بين يدي مطبخا، وكنت الطباخ الوحيد الذي ينتظر الكون جميعا إعداده لوجبة الوجود، ليأكلها.

لقد رحت بكبريائي وغروري، وبكبرياء بيئتي وغرورها أنشأ فلسفة مترابطة متكاملة تحاول أن تحل العقد، وتفسر كل المعضلات بعيدا عن الدين وعن الله وعن القيم التي توارثتها الإنسانية، وارتضتها الفطرة.

لقد رحت أفسر الوجود بالمادية الجدلية.. وهي الفكرة التي تعزل (الله) عزلا تاما عن تفسير الوجود.. فالمادة هى الشئ الوحيد الأصيل فى هذا الكون، وكل ما فى الكون ومن فيه منبثق منها ومحكوم بقوانينها، ولا وجود له خارج نطاقها.

ولأقنع العقول التي تتساءل عن سر هذا الانبثاق رحت أدعي أنه [وجود التناقض فى طبيعة المادة].. ومن ثم فى كل ما ينبثق عنها من مخلوقات ومن كيانات بما فى ذلك الكيان الإنسانى، فهو كيان مادى من جهة، ومحكوم بصراع المتناقضات من جهة أخرى.

وهكذا أخذت من هيجل جدليته.. ولكني خالفته مخالفة كبرى، فهيجل اعتبر الفكرة هى الأصل، وهى سابقة فى وجودها على المادة ومسيطرة عليها، بينما ذكرت أنا أن المادة هى الأصل، وهى سابقة على الفكرة ومسيطرة عليها.. ولهذا سميت جدلية هيجل (الجدلية المثالية)، بينما سميت جدليتنا (الجدلية المادية) أو (المادية الجدلية)، أو (المادية الديالكتيكية)

أما (الله)، فقد كنا نعتبره مجرد خرافة ابتداعها خيال الإنسان.. لأن الحقيقة الوحيدة هى المادة، والوحدة التى تجمع الكون هى ماديته.

قال ذلك، ثم راح يلطم وجهه ورأسه بكل قوة، ويتطاير الدم أثناء ذلك، ثم قال: لقد كنت أقول هذا وأكتبه، وكان الناس يسمعون لي، لكن فطرتي كانت تسخر مني، وتضحك علي، وتستهزئ بي لأنها تعلم أن الطبيعة والمادة لا يمكنها أن تفسر الوجود بتلك الصورة التي فسرتها بها.. ذلك أن أي ذهن سيتساءل لا محاله: ما الطبيعة على وجه التحديد؟.. وأين تكمن قدرتها على الخلق؟..وفى أى مكان منها؟

وكنت أعجز عن الإجابة، لأن إجابتي عن ذلك لن تؤدي إلا للإيمان بالله الذي كنت أهرب منه، كما كان قومي يهربون منه.. ذلك أني أعلم ـ كما يعلم قومي ـ أن الطبيعة ليست سوى اسم اخترعناه لنفسر به الظواهر مع أنه ليس لها وجود ولا مكان ولا حيز.. فإذا لم تكن محسوسة، ولم يكن يحدها المكان، ولا الحيز، وكانت (غيبا) لا تدركه الأبصار، إنما تدرك آثاره فقط ومظاهره، فما الذى يبرر فى منطق العقل أن نعدل عن الاسم الحقيقى، اسم (الله)، ونلجأ إلى هذه المسميات؟

وإن كان (الله) فى هذا المنطق لا حقيقة له، فما الذى يبرر ـ فى منطق العقل أو فى منطق العلم ـ أن يقول قائل: إنه ليس حقيقة حين يكون اسمه (الله)، ثم يكون هو ذاته حقيقية حين يكون اسمه (الطبيعة)؟

لقد قالت لي فطرتي، وهي تعرض علي مثل هذه الأفكار: إن كان سبب هذا التحريف هو الخوف من الكنيسة وطغيانها، أو هو البغض لها والحقد عليها.. فليكن ذلك.. وفي هذه الحالة، فلنهجر الكنيسة، ونفر منها إلى الله الحق، وهو إله لا كنيسة له فى الحقيقة، ولا رجال دين.

وقالت لي: ثم ما المادة الأزلية الأبدية الخالقة، وما قصتها؟ وكيف نناقشها مناقشة علمية؟ ألا تعلم ـ حضرة الرفيق ـ أن القول بأن (المادة لا تفنى ولا تستحدث) لم يعد صحيحا من الوجهة العلمية، وهو القول الذى تصيده أساتذتك تصديا ليبنوا عليه تفسيرا علميا للكون والحياة والإنسان، ولقضية الألوهية؟

ألا تعلم ـ حضرة الرفيق ـ أن طلاب الجامعات يدرسون هذه الأيام أن الكون المادى حدث ذات يوم، ولم يكن موجودا من قبل، وأن عمر هذا الكون المادى يكاد يحدد الآن تحديدا علميا دقيقا على ضوء المعلومات التى ترسلها الأقمار الصناعية التى تدور حول الشمس وغيرها من الأفلاك.

ألا تعلم ـ حضرة الرفيق ـ أن أساتذتك الذين تتيه بهم وبعلومهم لم يكونوا مطالبين بثقافة علمية أكبر من ثقافة عصرهم الذى وجدوا فيه، ولكنهم ـ مع ذلك ـ مسؤولون ولا شك مسؤولية كاملة عن دعواهم بأن المادة هى التى تخلق، وأن من بين خلقها الإنسان؟

وقالت لي، وهي تشد على تلابيب ثيابي، وتوبخني على جرأتي على الله: متى شوهدت المادة وهى تخلق؟ وكيف تخلق؟!

سكت قليلا، ثم قال: لم تكن فطرتي تذكر لي ذلك فقط، بل كانت تؤنبني كل حين، فكنت ألكمها وأصفعها وأسيل الدم من كل جزء منها حتى أرديتها في الأخيرة ميتة.. ولم أعد بعدها أسمع عتابها ولا توبيخها.

ارتمى على ظهره فوق الدماء التي تمتلئ بها الأرضية، ثم راح يقول: أتذكر آخر مرة حدثتني فيها، لقد قالت لي، وهي تعتصر ألما وحزنا على حالي([10]): إنك تستعمل الحق لتنصر به الباطل، فما ذكرته من من أن الطبيعة كلٌّ واحد متماسك ترتبط فيه الأشياء والحوادث فيما بينها ارتباطاً تاماً صحيح لاشك فيه، ولكنه لا يدل على ما ذهبت إليه.. بل يدل على أن هذه الظاهرة تدل على أن الخالق البارئ المصور واحد مهيمن على كونه.. وهو يدبّره كونه بنظام واحد مترابط الأسباب متشابك العناصر.

أما ما ذكرته من أن الطبيعة (أي الموجود المادي الذي هو كل الوجود) سرمدية أزلية أبدية لا بداية لها ولا نهاية، فهو ادّعاء منقوض ببراهين العقل ودلائل العلم، التي تثبت حدوث الكون، وتثبت مصيره إلى الفناء.. وما عليك إلا أن تسير في هذه البلدة قليلا لترى من العلماء من يبيبن لك ـ حسا ـ أن المادة ليست أزلية كما تزعم.

أما ما ذكرته من أن الطبيعة ليست ساكنة، بل هي ملازمة للحركة، وهي في تطور وتغير دائمين.. فهو مبدأ لا حرج فيه.. بل إنه من مقررات المؤمنين بالله، سواءٌ أكانوا أتباع دين رباني صحيح أو فلاسفة مثاليين.. وهو من الأدلة التي هدتهم إلى حدوث الكون، وحاجته إلى محدثٍ خالق بارئ مصور، إذ يقولون: العالم متغير، وكل متغير حادث، فالعالم حادث، وكل حادث لا بد له من محدث، فالعالم لا بد له من محدث.

أما ما ذكرته من أن الوعي لمادة عالية التنظيم وهي الدماغ، وأن الحياة وظيفة من وظائف المادة متى وصل تركيبها إلى وضع خاص، فهو مخالف لما كشفته العلوم الكثيرة.. فآخر ما توصلت إليه العلوم الإنسانية، والتي أنفقت في سبيلها ألوف الملايين، وعشرات السنين، قد انتهت إلى قرار علمي جازم هو أنه لا تتولد الحياة إلا من الحياة، وأن وسائل العلوم الإنسانية لا تملك تحويل المادة التي لا حياة فيها، إلى أدنى وأبسط خلية حية([11]).

وبما أن الوعي مرتبط بالحياة فهو مظهر من مظاهرها وصفة من صفاتها، فلا سبيل للمادة الميتة أن يكون الوعي أحد وظائفها، مهما كانت عالية التنظيم([12]).

على أن هذا المبدأ في الأساس ادعاء غير مقترن بأي دليل عقلي أو علمي، وهو من لوازم المبدأ الباطل الذين يرى أن المادة هي أساس الوجود وجوهره.

أما ما ذكرته من أن كل الأشياء وحوادثها تحوي تناقضات داخلية، مجتمعة متزاحمة في وحدة، يعبر عنها بوحدة الأضداد أو وحدة المتناقضات. وهي تتصارع فيما بينها وفق نظام (جدلية هيجل) فيدفع بها الصراع إلى التطور الصاعد لأنه السبيل الوحيد لحل التناقض أو التضادّ القائم بينها.. فهي قضية تحوي مغالطات كثيرة.

منها أن النقيضين كالوجود والعدم، وكإيجاب الشيء وسلبه، لا يجتمعان في شيء واحد ووقت واحد، واجتماعهما مستحيل عقلاً.. ولا يرتفعان معاً من شيء واحد في وقت واحد، وارتفاعهما معاً مستحيل عقلاً.. فلا يكون الشيء الواحد في الوقت الواحد موجوداً ومعدوماً معاً، ولا موجباً وسالباً معاً من الجهة التي يكون فيها موجباً.. ولا يكون الشيء الواحد في الوقت الواحد غير موجود وغير معدوم معاً، أو غير موجب وغير سالب معاً.

ومنها أن الضدين كالأبيض والأسود، وكالواجب والحرام، وكالجبر على الهداية والجبر على الضلال، لا يجتمعان معاً في شيء واحد ووقت واحد، واجتماعهما معاً مستحيل عقلاً.. فلا يكون الشيء الواحد بالذات أبيض وأسود معاً من الجهة نفسها في وقت واحد، ولا يكون حكم العمل الواحد واجباً وحراماً معاً فيوقت واحد لشخص واحد من جهة واحدة، ولا يكون المخلوق الواحد مجبوراً على الهداية ومجبوراً على الضلالة معاً، في وقت واحد، ومن جهة واحدة.

لكن الضدين ـ خلافا للمتناقضين ـ قد يرتفعان معاً في وقت واحد، فيكون الجسم لا أبيض ولا أسود معاً في وقت واحد، إذ قد يكون أحمر أو أصفر أو غير ذلك من ألوان..

لكن المادية الجدلية نسفت هذا الأصل العقلي المنطقي نسفاً كلياً، فأقامت الوجود كله على فكرة اجتماع الأضداد أو المتناقضات واتحادها.

وفي ادعاء اتحاد الأضداد والمتناقضات استهانة بالغة بالعقل البشري، وإقامة مذهب كامل على أمر باطل واضح البطلان.. فاللحظة التي يكون فيها الشيء متحركاً، لا يمكن أن يكون فيها ساكنا، واللحظة التي يكون فيها ساكناً لا يمكن أن يكون فيها متحركاً.. لكن الشيء الواحد قد تتداول عليه الحركة والسكون بلحظات متتابعات مهما صغرت ودقت هذه اللحظات، وقد ينخدع بذلك بعض أهل الفلسفة، فيظن أن السكون كامن في الحركة، فيعتبر ذلك من اجتماع النقيضين، وليس الأمر كذلك.

وقد يمثل مدعو اجتماع الضدين أو النقيضين بتماس السالب والموجب في الكهرباء، الذي ينجم عنه الظواهر الضوئية والحركية.. لكن التمثيل بهذا تمثيل باطل، فالسالب والموجب في الكهرباء ليسا ضدين ولا نقيضين منطقيين.

إن السالب المنطقي للكهرباء هو لا كهرباء، ويصدق ذلك بأي شيء غير كهرباء في الوجود، فالخشب والحجر والتراب والثلج والملح والحلاوة والملاسة والخشونة وغير ذلك كلها ليست بكهرباء.

أما السلك السالب في الكهرباء، فليس هو السالب المنطقي للكهرباء، إنما هو مشتمل على قوة أخرى منافرة للقوة الكهربائية.

فالموجب والسالب في الكهرباء قوتان متنافرتان متقابلتان، إذا تماسا تفاعلا، فأنتجا بحسب قوانين إنتاجهما ظواهر ضوئية أو حركية، كالذكر والأنثى، وما ينتج عنهما.

إن القوى المتنافرة والمتآلفة والمتفاوتة كلها إذا تلاقت أو تماست أو اجتمعت كانت ذات آثارٍ ما، وآثارها تخضع لقوانين خاصة بكل منها.

وقالت لي: أما ما ذكرته من أن حركة التطور هي تغير ينتقل من تغيرات كمية تتراكم، إلى تغيرات كيفية، بشكل سريع ومفاجئ وارتقائي من حالة أدنى إلى حالة أعلى وبشكل ذاتي.. فإن هذا المبدأ لا يمكن أن يعتبر قانوناً عاماً ينطبق على كل حركة تطور في الطبيعة، فالعلوم المادية الإنسانية لا تقر به، وهو إن صدق ببعض الأمثلة، فإنه لا يصدق بآلاف الأمثلة الأخرى.

إن التراكم في الكم لا يقتضي دائماً تطورا في الكيف، ما لم يكن نظام ذلك الشيء يقتضي ذلك.. فالملاحظة تثبت أن لكل حالة تطور في الكون شروطاً معينة في أنظمته وسننه الثابتة، فمتى استوفيت هذه الشروط تحقق التطور.

فبيضة الدجاجة الملقحة إذا وجدت ضمن حرارة ذات مقدار معين، ورطوبة ذات مقدار معين، بدأ جنينها يتكون تدريجياً حتى يتكامل داخل القشرة، وفي نهاية ثلاثة أسابيع يكون قد تكامل، وبدأ ينقر القشرة من الداخل حتى يكسرها، وعندئذٍ يخرج من غلافه إلى الهواء، ليبدأ رحلة حياته على الأرض.

لقد حصل التطور، ولكن على خلاف ما ادعاه أساتذتك المدعين، فلا تراكم الحرارة هو الذي أحدث ظاهرة التغير، ولا تراكم الرطوبة، بل ثبات درجة الحرارة، وثبات درجة الرطوبة، قد ساعدا على تكون جنين البيضة تكوناً تدريجياً، ضمن الوقت المخصص في نظام الكون لتكامل تكوينه.

ولو أن الحرارة تراكمت أكثر من المقدار المحدد في نظام التكوين لسلقت البيضة، ولهلكت نواة جنينها، ولو زاد هذا التراكم لاحترقت البيضة.

فنظام الكون هو نظام تحديد مقادير لكل شيء، ضمن خطط ثابتة، وليست تغيراته ثمرة تراكمات.. هذه هي الحقيقة التي تدل عليها الملاحظات والتجارب العلمية.

إن هذا المثال وحده كافٍ لنقض فكرة التراكم التي تعتبرونها قانوناً شاملاً لكل تطور في الوجود.. وهو كافٍ لنقض فكرة التطور السريع المفاجئ، إذ الأمور تتطور في الغالب تطوراً تدريجياً..

بالإضافة إلى هذا، فإن الكائنات الحية تبدأ حركة بنائها منذ لحظة التقاء خلية لقاح الذكر بخلية بييضة الأنثى، ثم يسير بناء الكائن في نمو متدرج، حتى إذا استوفى الشروط اللازمة لظهور الحياة دبت الحياة فيه.. ثم يسير ضمن نظام نمو متدرج، حتى إذا استكمل نموه الجنيني، تمخضت عنه أمه فولدته.. ثم يسير في نمو تدريجي حتى يبلغ، ويتدرج في النماء حتى يكون شاباً فكهلاً.. ثم يعود إلى طور الانحدار، فيصير شيخاً، فهرماً، ثم يقضي أجله المقدر له، فيموت، فيتفسخ جسمه، ويعود تراباً كما بدأ من التراب.

وقد يموت في أي مرحلة من المراحل السابقة، فينحدر ويعود إلى مثل مرحلة البدء، دون أن يمر في المراحل المعتادة للأحياء.

وتخضع كل المراحل لنظام المقادير المحددة في كل شيء، في العناصر، وفي الصفات، وفي الزمان، وفي درجة الحرارة، وفي سائر ما يلزم لتكوين الحي، وإعداده لأداء وظائفه.

ولهذا، فإن فكرة التراكم المقررة عندكم فكرة منقوضة، ذلك لأن الأحياء تخضع لنظام المقادير المحددة سواء في جواهرها وأعراضها، ولا تخضع لفكرة التراكم الكمي.. ومثلها فكرة التطور السريع المفاجئ، ذلك أن الأحياء تسير وفق نظام البناء المتدرج، لا وفق التطور السريع المفاجئ.

وفكرة الارتقاء المقررة عندكم على أنها قانون شامل عام، فكرة لا تصلح لأن تكون مبدأً عاماً، فعمومها منقوض، وذلك لأن تطور الأحياء ليس حركة ارتقائية دائماً، بل قد تكون حركة إلى الأدنى أو إلى المساوي.. فالتعميم المدعى في المبدأ تعميم باطل.

قال ذلك، ثم راح يضحك بهستيرية، وهو يضرب وجهه وكل جسمه بقوة إلى أن أصابه الإنهاك والعياء الشديد، فارتمى على الأرض، ثم احتسى بعض الدماء المنتثرة، وراح يقول: يا لغبائي وغفلتي.. لقد كنت أتصور عقلي شيئا كبيرا استطاع أن يحيط بكل شيء، ويفهم كل شيء، ويفسر كل شيء.

فبعد أن صارعت الله، رحت أصارع أنبياءه ودينه.. لأن تفسير الدين للوجود والكون والإنسان تفسير جميل وعقلاني، ولكنه مع ذلك يقضي على كل فكري وفلسفتي وشخصي وأنانيتي التي كانت أهم عندي من كل شيء.

لقد كان في إمكاني أن أميز بين الأديان، وأبحث عن الحق فيها.. لكني لم أفعل، بل رحت أستغل أخطاءها وضلالاتها وانحرافاتها لأقضي عليها جميعا، واعتبرها مجرد أفيون مخدر استعمله السلاطين ليلهوا شعوبهم.

لقد رحت أعتبر الدين مجرد مرحلة من مراحل تطور الفكر الإنساني.. وأن الإنسان عند مواجهته للطبيعة القاسية كان يطلب المساعدة من قوى تصور أنها قادرة على مساعدته أو أنها سبب معاناته. فعبد كفه مثلا لأن كفه كانت وسيلته الكبرى للحصول على طعامه، وعبد الحيوان الذي كان يعيش على اصطياده..

ورحت أعتبره مجرد حركة تلبي بعض حاجات المجتمع في حينها سرعان ما تنسجم مع التكوين الطبقي للمجتمع. فكما أن المجتمع في كافة المراحل يتكون من طبقات مستغلة وطبقات مستغلة تصبح الديانات أيضا جزءا من هذا التركيب الطبقي. فتتألف فئات دينية تشكل جزءا من الطبقات المستغلة وجزءا لا يتجزأ من دكتاتورية الدولة القائمة بينما تتحول الأغلبية الساحقة من أتباع تلك الديانات إلى جزء من الطبقات المستغَلة. وبذلك تتحول الديانة إلى أدوات استغلال لتابعيها.

قال ذلك.. ثم راح يرتمي على بطنه، ويشرب الدماء السائلة التي تمتلئ بها الأرضية.

فريدريك إنجلز:

ما هي إلا لحظات حتى قام رجل آخر تبدو عليه ملامح [فريدريك إنجلز([13])] الصديق المقرب من كارل ماركس.. وكان وجهه لا يقل تشويها عن باقي زملائه في الجناح، قام وقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا [فريدريك إنجلز] ذلك الذي لولاه ما كان ماركس، ولا كانت الشيوعية..

أنا الذي قمت عام 1849م مع ماركس بإصدار النداء المعروف باسم [المانيفتسو الشيوعي]، والذي رفعنا فيه شعار [يا عمال العالم اتحدوا].. ودعونا فيه إلى أكبر خدعة في التاريخ.. خدعة المجتمع المثالي الذي يتساوى فيه الجميع.. والذي تصير فيه وسائل الإنتاج ملكًا للجميع.. وتنتهي الملكية الفردية، والنظام الملكي.. إلى المجتمع الذي يرتفع فيه مستوى المعيشة، ويعيش الكل متحررين من البطالة والفقر والجهل، وتختفي الرغبات الأنانية وتتحول إلى مشاعر جماعية.

وكل هذا لم يكن إلا كذبا وخداعا، فلم نكن ندعو إلى المجتمع المثالي، بل كنا ندعو إلى المجتمع البهيمي.. ولم نكن ندعو إلى المساواة الإنسانية، بل كنا ندعو إلى الصراع الإنساني.. ولم نكن ندعو إلى الرفاه الذي تحققه الشيوعية، وإنما كنا ندعو إلى السرقة والنصب باسم الشيوعية، وباسم العمال.

وكيف لا نكون كذلك، ونحن لا نعرف الله، ولا نعرف القيم، ولا نعرف الإنسانية.. وهل يمكن لمن يجهل هؤلاء جميعا أن يكون صادقا مع نفسه أو مع غيره؟.. وهل يمكن للإلحاد أن يقيم أي منظمة أخلاقية أو اجتماعية أو إنسانية؟

لقد كانت اللبنة الأولى التي أسسنا عليها دعوتنا هي تلك الضلالات التي اجتمع عليها كل ملاحدة التاريخ، وهي التفسير المادى لكل شيء ابتداء من الدين.. وانتهاء بالأخلاق والأسرة والمجتمع.

لا أزال أذكر تلك المنشورات التي كنت أكتبها مع صديقي ماركس، وأوزعها على أولئك الذين لا يعرفون من وجودهم غير الخبز..

لقد قلت في بعضها ـ وأنا أحاول إعطاء تفسير للدين وكل الحقائق والقيم المرتبطة به ـ: (ومهما يكن من شئ فليس الدين إلا الانعكاس الوهمى فى أذهان البشر لتلك القوى الخارجية التى تسيطر على حياتهم اليومية، وهو انعكاس تتخذ فيه القوى الأرضية شكل قوى فوق طبيعية (يقصد قوى خارقة)([14])

وقلت ـ وأنا في قمة كبريائي وعتوي وتطاولي على التاريخ ـ: (من الأزمنة الموغلة فى القدم وصل الفكر بالناس وهم بعد فى جهل تام ببنياتهم الجسدية الخاصة، وتحت تأثير أحلامهم، إلى القول بأن أفكارهم وأحاسيسهم ليست من فعل أجسادهم ذاتها، بل من فعل روح خاصة تسكن هذا الجسد وتفارقه لحظة الموت.. منذ ذلك الحين اضطروا لأن يصطنعوا لأنفسهم أفكار عن علاقات هذه الروح مع المعالم الخارجي)

وقلت ـ أنا الذي لم أسر في الأرض، ولم أبحث في الأديان، ولم أتجاوز العمل في مشاريعي التجارية ـ: (وعلى هذا النحو تماما ـ عن طريق تشخيص القوى الطبيعية ـ ولدت الآلهة الأولى التى اتخذت خلال التطور اللاحق شكلا غير أرضى أكثر فأكثر، إلى أن حدث أخيرا عملية تجريد.. فنشأ على نحو طبيعى خلال التطور العقلى أن تولدت فى عقل الناس من الآلهة المعتددين ذوى السلطة الضعيفة والمقيدة بعضهم حيال بعض، فكرة الآله الواحد المنفرد فى الديانات التوحيدية)

وقلت: (وهكذا كانت الآلهة ـ وهى الكائنات المهمة الجبارة المسيطرة على الطبيعة والمجتمع ـ انعكاسا ذاتيا لعجز الناس الموضوعى أمام الطبيعة والمجتمع، وكان على تقدم العلوم الطبيعية والاجتماعية أن يظهر طابع المعتقدات الوهمى: الاعتقاد بوجود آلهة متعددة، ثم الاعتقاد بوجود إله واحد)([15])

وقلت ـ على لسان قدراتي الوهمية التي تصورت أنها لم تكتف بالتحدث باسم التاريخ، بل راحت تتحدث عما قبله ـ: (أما المجالات الأيدلوجية التى تحوم أعلى فى الفضاء كالدين والفلسفة.. فإنها مؤلفة من بقية تعود إلى ما قبل التاريخ وقد وجدها العهد التاريخى أمامه فالتقطها لما نسميه اليوم غباء. إن هذه التصورات المختلفة الخاطئة عن الطبيعة. وعن تكوين الإنسان ذاته، وعن الأرواح، وعن القوى السحرية، ليس لها فى الغالب إلا أساس اقتصادى سلبى، فالتطور الاقتصادى الضعيف لعهد ما قبل التاريخ تكون فيه كتكملة، ولكن كذلك على نحو جزئى كشرك أو حتى كسبب، تصورات خاطئة عن الطبيعة)([16])

وهكذا رحت إلى نظرية التطور البيولوجية لأطبقها على الأديان من غير دراسة علمية لمحتوياتها.. فذكرت أن الأديان تطورت نتيجة تغير الأوضاع المادية والاقتصادية.. وأن الدين فى عهد الرق والإقطاع استغل لتخدير الكادحين حتى لا يشعروا بالظلم الواقع عليهم، ولتمنيتهم بنعيم الجنة تعويضا عن عذاب الدنيا.

هذا موقفي من الدين أما موقفي من الأخلاق، فإنني رحت أصارعها كما صارعت الدين، وكما صارعت كل القيم، وقد عبرت عن بعض صراعي لها بقولي: (وهكذا فإننا نرفض كل محاولة لإلزامنا بأية عقيدة أخلاقية مهما كانت على اعتبارها شريعة أخلاقية أبدية، نهائية، وثابتة أبدا، بحجة أن للعالم الأخلاقى أيضا مبادئه الدائمة التى تنهض فوق التاريخ وفوق الفوارق بين الأمم.. إننا ننادى على النقيض من ذلك بأن سائر النظريات الأخلاقية قد كانت حتى هذا التاريخ، فى آخر تحليل، نتاجا لأوضاع المجتمع الاقتصادية السائدة فى زمنها)([17])

وقلت: (وما دام المجتمع قد تطور حتى الوقت الحاضر ضمن التضادات الطبقية، فإن الأخلاق كانت على الدوام أخلاقا طبقية، فهى إما أن تبرر سلطة الطبقة الحاكمة ومصالحها، وإما أن تمثل ـ حالما تحوز الطبقة المضطهدة ما يكفى من القوة ـ التمرد على تلك العقيدة، ومصالح المضطهدين المقبلة فى الوقت نفسه)([18])

وهكذا قضيت بجرة قلم ـ أنا البرجوازي صاحب المشاريع الاقتصادية ـ على كل القيم الجمالية التي تملأ حياة الكادحين راحة وطمأنية وأملا وسلوكا رفيعا.. رحت أحطمها لأحول من البشر مجرد حجارة قاسية لا مشاعر لها إلا تلك المشاعر التي تتنزل عليها من وسائل الإنتاج.

لقد عبرت عن ذلك بقولي: (إن الأخلاق التى نؤمن بها هى كل عمل يؤدى إلى انتصار مبادئنا مهما كان هذا العمل منافيا للأخلاق المعمول بها)([19]).. وقلت: (يجب على المناضل الشيوعى الحق أن يتمرس بشتى ضروب الخداع والغش والتضليل، فالكفاح من أجل الشيوعية يبارك كل وسيلة تحقق الشيوعية).. وقلت: (إذا لم يكن المناضل الشيوعى قادرا على أن يغير أخلاقه وسلوكه وفقا للظروف مهما تطلب ذلك من كذل وتضليل وخداع فإنه لن يكون مناضلا ثوريا حقيقيا) ([20])

ولم تتوقف جرائمي عند هذا الحد، بل رحت إلى تلك العلاقة المتينة التي جعلها الله لأفراد الأسرة فيما بينهم.. والتي يتفق عليها البشر جميعا، وعلى فطريتها.. بل إننا نجدها في الحيوانات نفسها.. رحت إلى هذه العلاقة أستعمل كل الوسائل لتحطيم كل القيم التي تحفظها.

لقد قلت في كتابي [أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة]: (ولئن كان ثمة أمر أكيد فهو أن الغيرة عاطفة نشأت فى عهد متأخر نسبيا،وهذا يصدق على مفهوم [المحرم]، لأن الأخ والأخت لم يكونا وحدهما يعيشان فى الأصل كما يعيش الزوج والزوجة، بل إن العلاقات الجنسية بين الآباء والأولاد مسموح بها أيضا لدى شعوب عديدة حتى اليوم، وقبل اختراع المحارم لم يكن الوصال الجنسى بين الآباء والأبناء ليثير من الاشمئزاز أكثر مما يثيره الوصال بين أشخاص من أجيال مختلفة، كذلك الذى يحدث فعلا اليوم حتى فى أكثر البلاد تظاهرا بالتزمت من دون أن يثير النفرة الشديدة)([21])

وقلت: (إذا كان التقدم الأول يتألف من حرمان الآباء والأولاد من العلاقات الجنسية المتبادلة، فإن التقدم الثانى يتألف من حرمان الأخوة والأخوات منها.. وقد حدثت هذه الخطوة بالتدريج، مبتدئة فى أقرب الاحتمالات بحرمان الأخوة والأخوات الطبيعيين (أى من جهة الأم) من العلاقات الجنسية، وذلك فى حالات متفردة فى أول الأمر، ثم أصبح حرمانهم بالتدريج هو القاعدة، وتنتهى هذه الخطوة بتحريم الزواج حتى بين الأخوة والأخوات الأباعد)([22])

وقلت: (فى جميع أشكال الأسرة الجماعية لا يعرف من هو والد الولد معرفة أكيدة، أما والدته فتعرف معرفة أكيدة.. وفى أغلبية الحالات يبدو أن مؤسسة العشيرة قد انبثقت مباشرة من أسرة الشراء)

وقلت ـ عند حديثي عن المرحلة التالية من مراحل تطور الأسرة الزوجية ـ: (فى هذه المرحلة يعيش الرجل الواحد مع امرأة واحدة، لكن تعدد الزوجات والخيانة الزوجية يقللان من امتيازات الرجال، وإن لم يكن تعدد الزوجات يمارس إلا نادرا لأسباب اقتصادية فقط، وفى الوقت ذاته يطلب من المرأة الإخلاص التام طوال فترة العيشة المشتركة، فإذا زنت عوقبت بقسوة. غير أن رباط الزيجة يمكن حله من قبل أى الطرفين، فيرجع الأولاد إلى أمهم كما كان الأمر فى السابق) ([23])

أما أحلامي بالأسرة المثالية التي تنتجها الشيوعية، والتي تمثل آخر تطور للأسرة الإنسانية، فقد عبرت عنها في كتابي [المرأة والاشتراكية] بقولي: (إن العلاقات بين الجنسين ستصبح مسألة خاصة لا تعنى إلا الأشخاص المعنيين والمجتمع لن يتدخل فيها، وهذا سيكون ممكنا بفضل إلغاء الملكية الخاصة، وبفضل تربية الأولاد على نفقة المجتمع، وبنتيجة ذلك يكون أساسا الزواج قد ألغي، فالمرأة لن تعود تابعة لزوجها، ولا الأولاد لأهلهم، هذه التبعية التى لا ما تزال موجودة بفضل الملكية الخاصة)([24])

وقلت في كتابي [أصل الأسرة]: (فبانتقال وسائل الإنتاج إلى ملكية عامة لا تبقى الأسرة الفردية هى الوحدة الاقتصادية للمجتمع، وينقلب الاقتصاد البيتى الخاص إلى صناعة اجتماعية، وتصبح العناية بالأطفال وتربيتهم من الشئون العامة. فيعنى المجتمع عناية متساوية بجميع الأطفال سواء كانوا شرعيين أم طبيعيين، وبذلك يختفى القلق الذى يستحوذ على قلب الفتاة من جراء العواقب التى هى فى زمانها أهم حافز احتماعى اقتصادى وخلقى يعوقها عن تقديم نفسها بلا حرج لمن تحب.. أفلن يكون هذا سببا كافيا لازدياد حرية الوصال الجنسى شيئا فشيئا، ومن ثم لنشوء رأى عام أكثر تساهلا فيما يتعلق بشرف العذارى وعار النساء؟!)([25])

قال ذلك، ثم لكم وجهه لكمات كثيرة، وانبطح على الأرض يشرب بعض الدماء، ثم رفع رأسه، وقال: هذه بعض مقولاتي التي كان لابد لي أن أقولها.. لأن من تخلى عن الله، وتخلى عن القيم التي أرسل بها رسله، سوف لن يهتدي إلا إلى عوالم الأنعام أو أضل سبيلا.

فلاديمير لينين:

ما هي إلا لحظات حتى قام رجل آخر تبدو عليه ملامح [فلاديمير لينين ([26])]، لكنها كانت أشبه بتمثاله الذي بقي فترة كبيرة معلقا.. وقد زاد في تشويهها الدماء الكثيرة التي كانت تنبعث من كل أنحاء جسده.

قام، وقال: اسمعوا جيدا أيها الرفاق، فإن فلاديمير لينين العظيم يريد أن يحدثكم عن كل خدعه وتلبيساته وأكاذيبه واستبداده وظلمه.. اسمعوه فإنه المثال الأعلى، والقدوة الأسمى لشخصية الملحد.

 أنتم ترونني الآن على شكل تمثال.. وحق لكم ذلك.. وحق لربي أن يحولني إلى هذه الصورة.. فأنا لم أنشغل في حياتي إلا بصناعة تمثال ذاتي وصنمها.. ولذلك حاربت الله لأني شعرت أنه يزاحمني في ألوهيتي.

اسمعوني جيدا.. فأنا لينين.. أو [حيام غولدمان] كما سماني والدي اليهودي الألماني.. وكما سمتني أمي اليهودية (صوفيا غولدمان).. وقد عرفت فيما بعد باسم (فلاديمير ايليتش أوليانوف).

بدأ أمري بعدما أعدم أخي (الكسندر أوليانوف) في تهمة اغتيال امبراطور روسيا سنة (1881م) (اسكندر الثاني)، وقد كان لإعدامه أعمق الأثر في نفسي، مما جعلني أفكر بالإنتقام من الشعب الروسي، بل من كل البشر.. لقد كان الانتقام هو بداية أمري.

لكم وجهه لكمات كثيرة، وسال منه دم كثير، ثم تنفس الصعداء، وقال: نفيت أكثر من مرة.. وأخيرا استقر بي المقام في سويسرا مع سبعة من اليهود.. وقمنا للتخطيط للثورة في روسيا.

أخرجنا حينها مجلة اسمها (إسكرا) أي (الشرارة)، وكانت زوجتي اليهودية المتعصبة (تروبسكايا) هي سكرتيرة التحرير، وكانت الأموال تغدق علينا من (جاكوب شيف) المليونير اليهودي صاحب شركة (كوهين لوب) في نيويورك.. وكانت هذه الشركة إحدى الشركات الكبرى للبارون اليهودي (هيريش) فولاها (جاكوب شيف).

لقد كنا نخطط ـ حسب النظرية الشيوعية ـ لقيام الثورة في بريطانيا، ولأجل ذلك تسللنا إلى المناصب الكبرى في بريطانيا، ولكن الأمر تغير بعد إعلان البيان الشيوعي سنة (1848م).

وفي سنة (1897م) عقد هرتزل مؤتمر بال للمنظمات الصهيونية العالمية، وكان التأكيد على إقامة الثورة البلشفية في روسيا، أحد بنود مقررات صهيون التي انبثقت عن هذا المؤتمر.

ثم حدث حادث جلل، لقد قمنا باغتيال الإمبراطور الإسكندر الثاني سنة (1881م).. فاندفع الشعب الروسي يعمل فينا تقتيلا وتشريدا، وأقاموا لنا مجازر كثيرة، فصممنا على الانتقام من الشعب الروسي.

سكت قليلا، ثم قال: نعم كنت يهوديا.. ولكن موقفي من الأديان كان شديدا وقاسيا.. مثلي مثل زملائي وأساتذتي في اليهودية.. فقد رددت مع كارل ماركس قوله:(الدين أفيون الشعوب)، وقوله: (إن الله لم يخلق الجنس البشري، بل الإنسان هو الذي خلق الله)

ورددت مع ستالين قوله: (يجب أن يكون مفهوما أن الدين خرافة، وأن فكرة الله خرافة، وأن الإلحاد مذهبنا)

ورددت مع [البرافدا السوفييتية]:(نحن نؤمن بثلاثة: ماركس ولينين وستالين، ونكفر بثلاثة: الله، الدين، الملكية الخاصة)([27])

وكنت أقول في كل التجمعات الشعبية: (الدين خرافة وجهل)

وكنت أردد في كل المجالس:(إننا لا نؤمن بإله، ونحن نعرف كل المعرفة أن أرباب الكنيسة والإقطاعيين والبرجوازيين لا يخاطبوننا باسم الإله إلا استغلالا)

وكنت أسجل في دفاتري وكتبي: (إن كل فكرة دينية، أو فكرة عن الله، حتى التمادي بفكرةٍ عنه، هي قباحة لا يُنطق بها، وهي أعظم خطرًا وأشد عدوى من أية عدوى كانت، فملايين الخطايا والأعمال القبيحة ومظاهر الضعف والعدوى الجسدية، لهي أقل خطرًا من فكرة روحيَّة خدَّاعة عن الله)([28])

وكنت في خطاباتي التي يسمعها الملايين أقول بكل وقاحة: (الدين هو أفيون الشعوب.. الدين نوع من الخمر الروحية يُغرِق فيها عبيد الرأسمالية صفتهم الإنسانية ومطالبهم بأي حياة إنسانية كريمة)([29])

سكت قليلا، ثم قال: لن أحدثكم بلغة الفلسفة التي حدثكم بها رفاقي في الشيوعية، فأنا ـ مع كوني فيلسوفا شيوعيا ـ كنت أميل إلى تنفيذ أخلاق الشيوعية أكثر من الحديث عنها.. ولذلك سأحدثكم عن منجزاتي.. وهي منجزات طبيعية لشخص ملحد، ليس له ضمير، ولا عليه رقيب.

خلاصة تلك الأخلاق هي أنني ذهبت أنشر الخراب في كل مدينة استولي عليها.. فلم يشهد التاريخ في أحقابه جميعا مثيلا للمجازر التي أقمتها مع رفاقي للمسلمين، فعند قيام الثورة البلشفية وجهت مع ستالين في (15/12/1917م) نداء للمسلمين قلنا فيه:(أيها المسلمون مساجدكم، صلواتكم، أعيادكم، تقاليدكم في أمان، قوموا وساعدوا الثورة ضد القيصرية، لقد جاءت ساعة خلاصكم)([30])

فصدقنا المساكين ببلاهة منقطعة النظير، بل لقد تصوروا أن ساعة الخلاص قد حانت، فهبوا للتخلص من القيصرية والاستراحة من نيرها، وإذا بهم يقعون بين أنيابنا، لنمزقهم تمزيقا.

لقد وقع حوالي (60-65) مليونا من المسلمين تحت وطأة الثورة البلشفية، وهؤلاء المسلمون ينتشرون على أرض مساحتها أكثر من (15) مليون ميل مربع (أكثر من مساحة إفريقيا).

وبعد أن انتصرنا حصدناهم حصدا.. ففي تركستان الشرقية التي احتلتها الصين سنة (1934م) ـ بمساعدة الجيش الأحمر الروسي ـ قتلنا (ربع مليون مسلم) من المفكرين والعلماء والشباب.

وعندما قامت الثورة الصينية سنة (1952م) قتلت (122) ألفا من المسلمين.

وفي يوغسلافيا أباد تلميذنا المخلص [تيتو] بعد الحرب العالمية من المسلمين (24) ألفا.

وفي القرم، أبدنا سنة (1921م) (مائة ألف)، وهجرنا (خمسين ألف) في عهد بيلاكون، وكان عدد مساجدها قبل احتلالنا لها زمن كاترينا الثانية (1554) مسجدا، وعدد سكانها (5) ملايين، فما زالت تهجر وتقتل وتنفي إلى سيبريا حتى بقي منهم (3) مليون وبقي من المساجد (700) مسجد.

وعندما ذهبنا إليها سنة (1920م) أغلقنا المساجد، وشننا على أهل القرم حرب التجويع.. لقد نشرت الأزفستيا في (15) يوليو سنة (1922م) تقريرا للرفيق (كالينين) عن مجاعة القرم يقول:(بلغ عدد الذين أصابتهم محنة الجوع في يناير (302090) مات منهم (14413)، وارتفع عددهم في مارس إلى (379000)([31])

وفي سنة (1946م) كان قد بقي من شعب القرم نصف مليون نفاهم ستالين إلى سيبريا([32]).

وفي القفقاس، بلاد الشيشان والشركس، نفى ستالين إلى سيبريا وأذربيجان جميع الشعبين: (800) ألف من الشيشان، و(300) ألف من شعب كارة شاي و(250) ألفا من شعب كالموك.

ولم نترك في جمهورية الشيشان كلها مسجدا واحدا.. لقد هدمنا المساجد وحولناها إلى اصطبلات ودور للسينما ومراكز للحزب ودور للترفيه ونوادي..

أما المساجد الباقية في المناطق الأخرى، فقد أجبرناها على أن تدفع ضرائب للدولة، فمسجد لينين جراد الباقي للسياحة، يدفع عنه المسلمون ضريبة سنوية قيمتها (24 ألف) روبل.

وفي تركستان الغربية كان مجموع ماقتل من المسلمين فيها (6) ملايين مسلم سنة (1919م)، هرب منها مليونان ونصف، وسنة (1934م) قتلنا مائة ألف مسلم.. وفي سنة (1937-1939م) أعدم ونفي إلى سيبريا نصف مليون مسلم.. وفي سنة (1934م) نفي منها 9300 ألف مسلم.. وفي سنة (1950م) قتل منها (7) آلاف مسلم.. وفي سنة (1932-1934م) مات جوعا 3 ملايين مسلم، أخذت محاصيلهم وقدمت إلى الصين.. وفي سنة (1951م) اعتقل منهم (13565) مسلما.. وفوق هذا لقد ثبت بالإحصائيات الروسية أن ستالين قتل وحده 11مليونا من المسلمين ([33]).

لكم وجهه ببعض اللكمات، ثم قال: لم نحكم لنقتل الأجساد فقط.. بل حكمنا لنقتل الأرواح والعقول والقلوب أيضا.. لقد رأينا أنه لا يمكن أن نقيد الإنسان بقيودنا التي لا ترحم إلا بعد أن نقيد عقله ونفسه وروحه وحقيقته.

فلذلك استعملنا كل الوسائل لتحقيق ذلك.. بدأنا بالتعليم.. فمنعناه منعا باتا في مدارس الدولة في السوفيات.. باستثناء المدارس الدينية المحضة التي تخرج الأنماط التي نريدها من العلماء.. ومع ذلك، فمنذ سنة (1945م) لم يسمح إلا بمدرسة واحدة، وهي مدرسة (ميري عرب) في بخارى التي أعيد فتحها([34]).

أما المساجد، فقد كان عددها في روسيا وحدها ـ عدا مساجد بخارى وخيوه الكثيرة جدا ـ (26279) مسجدا، ولم يبق منها مفتوحا للمصلين سنة (1931م) إلا (1312) مسجدا.

وفي سنة (1964م) صدرت نشرة عن طشقند بالفرنسية تخبر أنه يوجد في كل آسيا الوسطى بما فيها قزقستان (250) مسجدا فقط.

هذا عن الصلاة والمساجد، أما الزكاة، فقد كانت فمحظورة، وأما الحج فكان مستحيلا، ثم سمح به بعد سنة (1945)، ولكن عدد من حج منذ تلك السنة حتى سنة (1977م) فكان لا يزيد على مائة شخص.

أما صيام رمضان، فلم يمنع رسميا إلا أنه يكاد يكون مستحيلا من الناحية العملية، حتى اضطر بعض المفتين أن يفتوا المسلمين بصيام ثلاثة أيام تحسب لهم عن ثلاثين يوما([35]).

أما رجال الدين، فقد كان عددهم سنة (1917م) ـ فيما عدا بخارى وخيوه ـ لا يقل عن (45339).. لكنه تضاءل سنة (1955م) إلى (8052).. لأن معظمهم سحق في الثلاثينات.

ولم نكتف بهذه المحاربة لكل ما يمت للإسلام بصلة، بل رحنا نروج الدعايات ضد الإسلام.. وقد أنشأنا اتحادا سميناه (إتحاد من لا إله لهم) وبعد الحرب (جمعية نشر المعلومات السياسية)، وقد كان معظم عملها محاربة الإسلام.

ففي الفرع القازاقي: نظمت الجمعية بين سنة (1946-1948م) ما يساوي (30528) محاضرة منها (23000) محاضرة ضد الإسلام.

وفي أوزبكستان: سنة (1941) نظمت الجمعية أكثر من (10) آلاف محاضرة ضد الإسلام.

وفي تركمانستان: سنة (1963م) نظمت الجمعية أكثر من (5) آلاف محاضرة ضد الإسلام.

وطبعت من الكتب بين سنة (1955-1957م) (84) كتابا في (800) ألف نسخة ضد الإسلام.

وطبعت من الكتب بين سنة (1962-1964) (219) كتابا ونشرة ضد الإسلام وموجهة للمسلمين.

لكم وجهه لكمات كثيرة، ثم راح يقول: لقد تصور الكثير أننا فعلنا هذا لنحقق الرفاه للمجتمعات التي حكمناها، وكذب في ذلك.. فقد أفسدنا حياة الناس ودمرناها وملأناها فقرا وخرابا..

لقد استطعنا في فترة حكمنا أن نثبت أن حكم الإلحاد أخطر وأشد ظلما من الحكم الذي مارسته الكنيسة بأضعاف كثيرة..

أذكر جيدا أن الفيلسوف الفرنسي (أندريه جيد) كان متحمسا للشيوعية ويرى أن خلاص البشرية من آلامها سيكون في ذلك الفردوس. وقد كان يقول عن الإتحاد السوفيتي:(إنه لم يكن مجرد الوطن المختار أو المثال، أو مهبط الوحي، بل كان أكثر من ذلك وأسمى، لقد خيل إلي في البداية أن أشق الأمور قد أنجزت، فكنت على استعداد لأن أوقع عن البشرية المعذبة دون قيد ولا شرط)([36])

لكنه ما إن زار روسيا سنة (1936م) حتى تحطمت كل آماله، وعاد يائسا من الشيوعية وقال:(هل هنالك دولة أخرى في العالم قد كان فيها الروح والعقل أقل حرية وأكثر ذلة واستعبادا وجبنا منها في السوفيات)

وقال يخبر عن الحياة الخالية من البركة التي أسسها استبدادنا:(لقد كانت الوجبة الواحدة من الطعام الذي يقدم إلي تكلف (200-300) روبل بينما لا تزيد أجرة العامل عن (5) روبلات في اليوم)

ويقول:(لقد ذهبت إلى الإتحاد السوفياتي حتى لا أجد فيها فقراء، ولكنني وجدت أناسا يعيشون في أعشاش حقيرة، كل حجرة من حجرها الصغيرة بمساحة (6 قدم2) مخصصة لأربعة أفراد)

ويقول:(لقد آن للعمال في خارج الإتحاد السوفياتي أن يعلموا أنهم خدعوا من قبل الأحزاب الشيوعية، كما خدع عمال الإتحاد السوفياتي من قبل)([37])

لكم وجهه لكمات كثيرة، ثم راح يقول: وكيف لا نفعل ذلك والإلحاد لا يعرف شيئا اسمه القيم.. ولا شيئا اسمه الأخلاق.. ولذلك فإن الخداع عنده مساو للصدق.. والمكر عنده مساو للإيثار.. والظلم عنده مساو للعدل.. فمن يا ترى يحاسب الملحد على أي سلوك يسلكه؟

لقد خدعنا في مسيرتنا التي حاولنا أن نطبق فيها أفكارنا الإلحادية الكثير من الناس.. ولكن أول من خدعنا العمال، فقد جذبناهم ببريق المساواة، وبعد نجاح الثورة البلشفية فاتحناهم بأن المساواة مستحيلة، وأن المساواة هي تحطيم الطبقات، أي الوصول إلى الحكم.

لقد صرحت للجماهير في (6/2/1919م) قائلا:(لقد أصاب انجلز ألف مرة حين صرح بأن كل طلب للمساواة يتجاوز المناوأة لمحو الطبقات، هو تحيز سخيف عن دائرة المعقول)([38])

وصرح ستالين في تقريره إلى مؤتمر الحزب السابع عشر عام (1934م) قائلا:(نحن نستطيع أن نجد في فوارق الأجور بين الأعلى والأدنى في الإتحاد السوفيتي، وهذا ما ذهب إليه إنجلز ولينين وستالين، فهذه الفوارق كثيرا ما تزيد مثيلتها في المجتمعات الغربية أو تبلغ حدوده، فهي مرة عشرة أمثال، وهي مرات عشرون مثلا أو يزيد)([39])

أما المساواة التي رفعنا شعارها.. فقد احتلنا عليها هي الأخرى.. نعم.. لقد أزحنا الطبقية القديمة، ولكن لنؤسس على أنقاضها طبقية جديدة.. طبقية يتربع الحزب الشيوعي في قمة قممها.. فهو الذي يعيش، وبقية الشعب لا حياة له.

أما الحرية والديمقراطية التي كنا ننادي بها، ونتصورها أنها لن تتحقق إلا مع الإلحاد.. فلم تكن سوى شعارات مزخرفة.. خدعنا الكل بها.. لقد كان ماركس يرى أن ديكتاتورية البروليتاريا ضرورية في البداية لتصفية الرجعية والبرجوازية، ثم تختفي الحاجة إلى السلطة والدولة، وتسقط الدولة طبيعيا، وتدار الدولة بلا جيش ولا بوليس.. ولهذا درجت الدول الإشتراكية على تسمية نفسها الديمقراطية الشعبية.

لقد كان الشعب كله يعيش بين مطرقة اللجان المركزية للحزب، وبين سندان قواعده.

لقد قسمت برلين سنة (1945م) إلى قسمين الغربي تحت حكم الغرب والشرقي تحت سيطرة الشيوعيين، وفصل بينهما بجدار، ولو اطلعت على هذا الجدار وما يسلط عليه من أضواء، لعجبت وهلعت، هناك شبكة من الأسلاك الكهربائية التي تصعق كل من يمسها أو يقترب منها، وكم من الناس صعقوا على هذا الجدار وهم يحاولون الهرب من جحيم الشيوعية إلى برلين الغربية.

لقد تحدثت الصحف الغربية في شهر أيلول (1979م) عن قصة عجيبة، قصة هرب أسرتين من برلين الشرقية.. بقيت الأسرتان تجمع قطعا من محلات كثيرة مختلفة حتى ركبتا منطادين ثم خاطرتا بأنفسهما وركبتا المنطادين وطاروا إلى برلين الغربية.

وأما اللجوء السياسي للأدمغة الهاربة، ومن أناس من جميع القطاعات، وعلى جميع المستويات: فنانين ورياضيين وصحفيين وكتاب، والكل ناقم ساخط يتنفس الصعداء بمجرد فتح أقفال الستار الحديدي الأحمر.

لقد أبادت الثورة البلشفية عشرات الملايين من أعدائها، ثم عادت تصفي جنودها، سحقت ثلاثة أرباع قيادات الحزب في روسيا.. كان مجلس الشعب سنة (1936م) 21 شخصا لم يبق منهم بعد سنتين سوى خمسة والبقية أبيدوا.. وكان أعضاء اللجنة المركزية سنة (1938م) (71 شخصا)، ولم يبق منهم سنة (1938) سوى (21) شخصا، وأما الباقون: ثلاثة ماتوا طبيعيا، واحد ذبح، و(36) اختفوا في منافي سيبريا، و(9) قتلوا بالرصاص، ومارشال انتحر.

لم يكن أي إنسان يستطيع أن يتفوه بكلمة في داخل الإتحاد السوفياتي ضد الحزب؟.. ولم يكن أي إنسان يستطيع الدفاع عن نفسه أو توكيل محام عنه.

وقد جر الظلم الشديد الممارس على طبقات الشعب عامة، والمثقفين خاصة إلى انتحار كثير من الكتاب المرموقين في سن الشباب أمثال: (مايكو فسكي، دايسين، وباجر سسكي) اذ انتحر ثلاثتهم قبل سن الخامسة والثلاثين([40]).

أما الإنتاج.. ذلك الإله الذي بعنا الله من أجله، فقد تمرد علينا هو الآخر.. لقد أصبح الانتاج يقل عاما بعد عام حتى اضطرت روسيا لبيع رصيد الذهب من أجل شراء القمح من الدول الرأسمالية.. لقد أصبح المارك في برلين الغربية يعدل أربعة ماركات شرقية.

لكم وجهه لكمات كثيرة، ثم قال: لقد أسسنا استبدادنا على المادية.. والمادية لا يمكن أن تنشئ فكرا أو حضارة.. لقد كنا نتعامل مع الإنسان كآلة من الآلات، أو حيوان يعيش بلا شعور، ويحيا بلا فكر.. إن كان فيورباخ يرى أن عظماء الرجال هم الذين يصنعون التاريخ ويقيمون الحضارات ويبنون الإقتصاد، فإن ماركس ـ نبي استبدادنا ـ فقد كان يرى ـ وكنا نرى معه ـ أن الإقتصاد هو الذي يصنع عظماء الرجال.

كان ماركس يرى أن المجتمعات البشرية عبارة عن حظائر تنقلها من حالة إلى حالة مقادير الطعام والشراب والفساد.

وبعد أن قامت الثورة البلشفية أصبح الأدب والفن والشعور والقصص والمسرحيات كلها تدور مع دولاب الآلة، وأصبح الكلام صناعة ونفاقا لأن أية كلمة تخرج عن خط الحزب ستدفن مع صاحبها تحت التراب أو تحت سياط العذاب.

لقد عبر ريمون أرون -أستاذ العلوم الإجتماعية في المدنية المعاصرة في كوليج دوفرانس عن هذه الحقائق المرة التي تفننا في فرضها:(وخرافة الثورة إلتي يذهب الماركسيون إلى أنها طوق النجاة للإنسانية من آلامها ليست إلا خدعة كبيرة لا تعني سوى إضرام حرائق الفتيل لدك الأسس الحضارية للمجتمعات وسفك الدماء البريئة، ليعقبها قيام نظام دكتاتوري رهيب يفرض سيطرته بقوة الحديد والنار على جموع الشعب، وما يلازم ذلك من تقييد الحريات وخنق الأفكار وإخماد التطلعات المشروعة نحو حياة أفضل ومستقبل أمثل)([41])

وقال صديقنا الذي تحول إلى عدو لدود لنا:(إن أية ثقافة أو فن لا يتفق مع آراء الحزب يعتبر شكليا، ويدفن ويسخر منه ولا يستطيع أن يرى النور)([42])

لم يكن للكاتب والمبدع في ظل الاستبداد الذي أنشأناه إلا ثلاثة خيارات:

إما الهرب إلى الدول الغربية ـ إن تسنى له ذلك ـ وهذه ظاهرة كبيرة في الدول الإشتراكية، فقد هجرت الأدمغة هذه الأوطان التي عاشت فيها.

وإما أن يتخلص من الحياة بالإنتحار أو الشذوذ النفسي والتمرد.

وإما أن يجد مكانة بين المصفقين الذين يحرقون البخور ويهللون ويكبرون باسم الحزب، ويدفن جميع أفكاره لتصبح الحياة وقيمها عنده لقمة غذاء أو خرقة كساء.

لكم وجهه لكمات كثيرة، ثم قال: وأخيرا انهارت امبراطورية الاستبداد التي أسسناها.. وكان لا بد أن تنهار كما تنهار كل الامبراطوريات.. لقد انهارت امبراطوريتنا ـ التي أرادت أن تزاحم الله ـ في معاقلها بعد قرابة سبعين عاماً من قيام الحكم الشيوعي، وبعد أربعين عاماً من تطبيق أفكارها في أوروبا الشرقية.

لقد أعلن كبار خلفائنا من المستبدين في الاتحاد السوفيتي قبل تفككه أن الكثير من المبادئ الماركسية لم تعد صالحة للبقاء، وليس بمقدورها أن تواجه مشاكل ومتطلبات العصر.

قال ذلك.. ثم انعقد على لسانه، وراح يصيح بهذيانه، وهو يلكم وجهه وكل أجزاء جسمه بحركات جنونية.

ثم ما لبثت بعدها حتى سمعت صوتا يردد: انتهت فترة الراحة.. هيا أسرعوا إلى العودة للتدريب.

ثم رأيت جميع أولئك المجانين ـ بمجرد سماعهم للصوت ـ يضرب بعضهم بعضا بقسوة وشدة لا نظير لها.

***

بينما أنا في قمة استغراقي في تلك المشاهدات العجيبة لهؤلاء الملاحدة المصارعين، نبهني صاحبي المرشد، وقال لي: أظن أن ما سمعته هنا من اعترافات يكفي.. فهلم بنا إلى جناح آخر.. لترى أهله وتعرف أسرار إلحادهم.


([1])  ودفيغ أندرياس فويرباخ [1804 ـ 1872] فيلسوف ألماني.. كان تلميذاً لهيغل ثم أصبح من أبرز معارضيه.. من مؤلفاته: في نقد الفلسفة الهيغلية ) (1839) ـ ( جوهر المسيحية ) (1841) ـ ( الموضوعات الجارية لاصلاح الفلسفة ) (1842) ـ ( أسس فلسفة المستقبل ) (1843)، مات في مدينة نورنبرج الألمانية، إثر نوبة رئوية حادة، وكان في حينها فقير الحال، مشوش الأفكار.. ونشرت الصحف في ذلك الحين وصفاً لدفنه في مقبرة يوهان، في مدينة نورنبرج البافارية، جاء فيه: (لقد شارك في التشييع عدد هائل من الناس، والمنظمات، وحزب العمال الإشتراكي الديمقراطي)

([2])  النصوص المقتبسة هنا بين قوسين هي من كتابه [جوهر المسيحية]

([3])  كارل ماركس (1818-1883م)، وهو فيلسوفٌ ألماني واجتماعي وثوري محترف، كان المؤسس الرئيسي لحركتين جماهيريَّتين قويتين هما: الاشتراكية الديمقراطية، والشيوعية الثورية.

([4])  كتاب مبادئ الفلسفة، ترجمة محمد امين، ص 119 ـ 120.

([5])  المرجع السابق.

([6])  الفكر الإسلامى الحديث وصلته بالاستعمار الغربى ص 297.

([7])  منشأ الفكر الحديث ص 151.

([8])  المصدر السابق 152.

([9])  تكوين العقل الحديث ج1، ص 439.

([10])  هذه المناقشات ملخصة بتصرف واختصار من كتاب (كواشف زيوف) لحبنكة..  وقد اقتصرنا منها على الجانب المتعلق بالمادية الجدلية، دون سائر المبادئ الشيوعية المرتبطة بالتاريخ والاقتصاد لعدم تناسبها مع الموضوع.

([11])  سنرى الأدلة العلمية المفصلة على هذا في محلها من هذه السلسلة.

([12])  الوعي المراد هنا هو الوعي الكامل.. أما أصل الوعي فقد ذكرنا في مناسبات كثيرة أنه لا تخلو منه ذرة من ذرات الكون.. انظر رسالة (أكوان الله)

([13])  فريدريك إنجلز: [1820، 1895] كان فيلسوفا ورجل صناعة ألماني، يُلقّب بـ [أبو النظرية الماركسية] إلى جانب كارل ماركس.. اشتغل بالصناعة وعلم الاجتماع وكان كاتبا ومنظرا سياسيا وفيلسوفا.. في عام 1848، أصدر مع ماركس، بيانهما المشهور والمعروف ببيان الحزب الشيوعي، والذي يسمى اختصارًا البيان الشيوعي. وقد ساعد كارل ماركس ماديا من أجل أن يكتب هذا الأخير كتابه الرأسمال. بعد وفاة ماركس، نشر إنجلز الجزئين الثاني والثالث من هذا الكتاب. إضافة إلى ذلك، نظم انجلز مختلف تخمينات كارل ماركس، مما أعطى الجزء الرابع من كتاب الرأسمال.

([14])  هذا النص وما بعده من كتاب [ضد دوهرنغ]، وهو كتاب بقلم فريدريك إنجلز، نشر لأول مرة باللغة الألمانية في عام 1878. ضد دوهرنغ، ص 381.

([15])  أصول الفلسفة الماركسية،  ج1 ص 296 ـ 297.

([16])  نصوص مختارة، فردريك إنجلز، جمع جان كانابا، ترجمة وصفى البنى، ص 177 ـ 178.

([17])  ضد دوهرنج، ص 114 ـ 115.

([18])  ضد دوهرنج، ص 115.

([19])  عن كتاب اشتراكيتهم وإسلامنا، تأليف بشير العوف ص 36.

([20])  عن كتاب اشتراكيتهم وإسلامنا، تأليف بشير العوف ص37.

([21])  أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة، ترجمة أديب يوسف ص 53.

([22])  أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة، ص 58.

([23])  أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة، ص 72.

([24])  المرأة والاشتراكية، ص 51.

([25])  أصل الأسرة، ص 118.

([26])  فلاديمير لينين (1870-1924م): ثوري روسي ماركسي وقائد الحزب البلشفي والثورة البلشفية، كما أسس المذهب اللينيني السياسي.. بالإضافة إلى عمله ونشاطه السياسى كان فيلسوفا ومؤلفا سياسىا غزير الإنتاج، كتب العديد من النشرات والكتب والمقالات، مجموع ما ألف يصل إلى خمسة وأربعين كتابا من مؤلفاته [ما العمل]، و[الامبريالية واعلى حالات الراسمالية] و[المادية والمذهب النقدي التجريبي]

([27])  كتاب المسلمون والحرب الرابعة ص(47).

([28])  ريتشارد وورمبلاند، تعريب كريم خاشو، العذاب الأحمر ص 98.

([29])  ريتشارد كيتشام، ترجمة عزت فهيم، هذه هي الشيوعية ص 63.

([30])  انظر: مجلة البلاغ الكويتية العدد (478) نوفمبر سنة (1978م)

([31])  انظر: الإسلام في وجه الزحف الأحمر لمحمد الغزالي ص(142)

([32])  انظر: مجلة البلاغ الكويتية العدد (478) نوفمبر سنة (1978م)

([33])  المسلمون في الإتحاد السوفياتي لكاتبين فرنسيين هما (شانتال كلكجي، الكسندر بينيغسن) تعريب د. إحسان حقي ص(267).

([34])  انظر: المسلمون تحت السيطرة الشيوعية، محمود شاكر، ص(64) فما بعدها.

([35])  أول ومنتصف وآخر رمضان، انظر: المسلمون في الإتحاد السوفياتي ص(267) فما بعدها للمؤلفين الفرنسيين.

([36])  الصنم الذي هوى ص(236)

([37])  الصنم الذي هوى ص(236)

([38])  التاريخ السري للعلاقات الشيوعية الصهيونية ص(197-198)

([39])  التاريخ السري للعلاقات الشيوعية الصهيونية ص(197-198)

([40])  كتاب أفيون الشعوب للعقاد ص(135)

([41])  كتاب أفيون المثقفين لريمون أرون الفرنسي ص(61)

([42])  الصنم الذي هوى ص(236)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *