عبثيون

عبثيون

سرنا إلى الجناح الرابع في فندق الملاحدة، وقد كتب على بابه قوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]

سألت المرشد عن الآية، وعلاقتها بهذا الجناح، فقال: هذا جناح العبثيين..

قلت: العبثيون.. عجبا.. هل هناك مدرسة إلحادية تحمل هذا الاسم؟

قال: أجل.. فكل الملاحدة عبثيون..

قلت: فلم كانوا كذلك؟

قال: لأنه لا توجد وراء الكون والحياة ـ عندهم ـ إرادة حكيمة تحدد مساره، وتضبط حركته، وتقيد وجهته.. لذلك فإنه عندهم جسد بلا روح، وحس بلا معنى.. هو كون ميت، وحياة مفعمة بالأسى، لأنه لا غاية لها، ولا مستقبل.

قلت: لقد ذكرني حديثك هذا بقول قاله [شوبنهاور] فيلسوف التشاؤم المعروف.. فقد قال: (حياة الإنسان كلها ليست إلا نضالا مستميتا من أجل البقاء على قيد الحياة مع يقينه الكامل بأنه سيهزم في النهاية).. وقال: (ينبغي أن ندمر في داخلنا، وبكل الأشكال الممكنة، إرادة الحياة، أو الرغبة في الحياة، أو حب الحياة).. وقال: (يُقال أن السماء تحاسبنا بعد الموت على ما فعلنا في الحياة الدنيا.. وأنا أظن أنه بإمكاننا أن نحاسبها أولًا عن المزحة الثقيلة للوجود الذي فُرض علينا من دون أن نعلم لماذا؟ وإلى أي هدف؟)

ومثله قال عالم الأعصاب، والمحلل النفسي النمساوي (فكتور فرنكل): (للكثير من الناس اليوم وسائل للحياة، غير أنهم يفتقدون معنى يعيشون لأجله)

قال: كل ملحد يقول هذا.. لكن منهم من يصرح به.. ومنهم من يكذب على نفسه وعلى الناس ليفر منه، فالإلحاد لا يلد إلا العبث، والعبث لا يلد إلا التشاؤم والاكتئاب.

قلت: ولكني أرى الملحدين يتبجحون بحريتهم في ممارسة كل شيء من دون رقيب، ويتصورون أنهم بذلك قد تحرروا من الله.

قال: هم يكذبون على أنفسهم، ويكذبون على الخلق، وإلا فإن فطرتهم تصيح فيهم كل حين، فلا يمكن لمن يرى الحياة بالصورة التي يراها الملحد أن ينعم بعيش، أو يهنأ بحياة.. ألم تسمع قوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125]

قلت: بلى.. فما فيها من العلم؟

قال: كما أن الرئتين تحتاجان إلى الأكسوجين لتتنفس، وتستمر الحياة.. فكذلك القلب يحتاج إلى الإيمان، ليهنأ، ويحصل السعادة.. فلا سعادة من دون الإيمان.

قلت: صدقت.. وقد ذكرتني بحديثك هذا واقعة ذكرها بديع الزمان النورسي قارن فيها بين الرؤية الإيمانية للوجود، والرؤية الملحدة، فقال: (لقد رأيت في واقعة خيالية أن هناك طودين شامخين متقابلين نصب على قمتيهما جسر عظيم مدهش، وتحته واد عميق سحيق، وأنا واقف على ذلك الجسر والدنيا يخيم عليها ظلام كثيف من كل جانب، فلا يكاد يرى منها شيء، فنظرت إلى يميني فوجدت مقبرة ضخمة تحت جنح ظلمات لا نهاية لها.. ثم نظرت إلى طرفي الأيسر فكأني وجدت أمواج ظلمات عاتية تتدافع فيها الدواهي المذهلة والفواجع العظيمة وكأنها تتأهب للانقضاض. ونظرت إلى أسفل الجسر فتراءت لعيني هوة عميقة لا قرار لها.. كنت لا أملك سوى مصباح يدوي خافت النور، أمام كل هذا الهدير العظيم من الظلمات، فاستخدمته فبدأ لي وضع رهيب، إذ رأيت أسوداً وضواري ووحوشاً وأشباحاً في كل مكان، حتى في نهايات وأطراف الجسر، فتمنيت أن لم أكن أملك هذا المصباح الذي كشف لي كل هذه المخلوقات المخيفة، إذ أنني أينما وجهت نور المصباح شهدت المخاطر المدهشة نفسها)([1])

قال: لقد عبر بذلك المصباح الباهت الضعيف عن رؤيته الذاتية للأشياء، والتي أحالتها في عينيه إلى تلك الصور المفزعة.

قلت: أجل.. وقد ذكر أنه بعد أن استشاط غيظا من مصباحه الضعيف، والتجأ إلى السراج المنير الذي تنكشف به الحقائق رأى أمورا مختلفة تماما.. لقد (انقشعت تلك الظلمات، وانكشفت وزالت نهائياً، وامتلأ كل مكان وكل جهة بذلك النور وبدت حقيقة كل شيء ناصعة واضحة.. فوجدت أن ذلك الجسر المعلق الرهيب ما هو إلا شارع يمر من سهل منبسط، وتبينت أن تلك المقبرة الهائلة التي رأيتها على جهة اليمنى ليست إلا مجالس ذكر وتهليل وندوة كريمة لطيفة وخدمة جليلة وعبادة سامية تحت إمرة رجال نورانيين في جنائن خضر جميلة تشع بهجة ونوراً، وتبعث في القلب سعادة وسروراً.. أما تلك الأودية السحيقة والدواهي المدهشة والحوادث الغامضة التي رأيتها عن يساري، فلم تكن إلا جبالاً مشجرة خضراء تسر الناظرين، ووراءها مضيف عظيم ومروج رائعة ومتنزه رائع، نعم هكذا رأيت بخيالي، أما تلك المخلوقات المخيفة والوحوش الضارية التي شاهدتها فلم تكن إلا حيوانات أليفة أنيسة) ([2])

قال: صدق بديع الزمان.. لقد صور في مثاله هذا حقائق الوجود التي تاه عنها كل ملاحدة الدنيا، فأمضوا حياتهم ممتلئين رعبا.. ناسين أنهم في فنادق الضيافة الإلهية.

قلت: لقد فسر بديع الزمان تلك الواقعة، فقال: (فذاكما الجبلان هما: بداية الحياة ومنتهاها، أي هما عالم الأرض وعالم البرزخ، وذلك الجسر هو طريق الحياة، والطريق الأيمن هو الماضي من الزمن، والطريق الأيسر هو المستقبل منه، أما المصباح اليدوي فهو أنانية الإنسان المعتدة بنفسها والمتباهية بما لديها من علم، والتي لا تصغي إلى الوحي السماوي. أما تلك الغيلان والوحوش الكاسرة فهي حوادث العالم العجيبة وموجوداته) ([3])

وعلى هذا، فلا الزمان الماضي مقبرة كبيرة واسعة للأموات يسودها الصمت الرهيب، بل تاريخ مفعم بالحيوية والعبادة ونور الإيمان، ولا الموت عدم وفناء، بل بداية لحياة جديدة وعالم آخر، ولا تحمل تغيرات الطبيعة وثوراتها المدمرة الدمار والخراب للبشرية، بل أدوات طيعة بيد القدرة الإلهية يسوقها لحكم ومقاصد خيرة([4]).

قال: أجل.. فأنانية الإنسان وكبره وغروره وحبه المبالغ فيه لنفسه، هي التي تصور له الأشياء على غير حقيقتها.

قلت: لقد ذكر ذلك بديع الزمان، فقال: (فالإنسان الذي يعتمد على أنانيته وغروره ويقع في شراك ظلمات الغفلة ويبتلى بأغلال الضلالة القاتلة، فإنه يشبه حالتي الأولى في تلك الواقعة الخيالية ـ حيث يرى الزمن الماضي ـ بنور ذلك المصباح الناقص الذي هو معرفة ناقصة منحرفة للضلالة، كمقبرة عظيمة من ظلمات العدم، ويصور الزمن من المستقبل موحشاً تعيث فيه الدواهي والخطوب محيلاً إياه إلى الصدفة العمياء كما يصور جميع الحوادث والموجودات التي كل منها موظفة مسخرة من لدن رب رحيم حكيم، كأنها وحوش كاسرة وفواتك ضارية)([5])

ما إن قلت هذا حتى فتح الباب، فرأيت ما ملأني تعجبا واستغرابا.. لقد رأيت بشرا كثيرين، وعندهم أشياء كثيرة في منتهى الجمال.. وكان يمكنهم أن يسعدوا بها.. لكنهم لا يعرفون كيف يتناولونها، ولا أين يضعونها..

وكمثال على ذلك، فقد رأيت رجلا يلهث من العطش.. لكنه بدل أن يضع فمه في صنبور الماء ليشرب، رأيته يضع أذنه، ثم يصيح ألما بسبب الماء الذي دخلها.. ثم يعاود الكرة، ويضع يده.. وهكذا كان حاله..

ورأيت آخر يحمل إناء، فتصورت أنه قد اهتدى إلى الحيلة التي يصل بها إلى الماء، لكني رأيته يقلب الإناء، ويضعه أسفل الحنفية، منتظرا أن يمتلئ.. ولكنه يظل فارغا.. فيرميه بقوة، ويصرخ في وجهه بكل ألفاظ البذاءة.

أبيقور اليوناني:

ورأيت رجلا كانت عليه ملامح الفلاسفة القدماء، فتحيرت أن يكون في هذا المحل.. وتحيرت أكثر عندما رأيته يجلس هادئا متأملا في المحيطين حوله، وقد تصورت أنه مختلف عنهم، لكني بعد أن سمعت حديثه، عرفت أنه أحدهم، ولا يختلف عنهم إلا في كونه أكثر هدوءا، وأقل صخبا.. لكن صدى الصوت الصادر من داخله، والذي أتيح لي أن أسمعه كان أكثر ألما وحزنا وشعورا بالعبث واللاجدوى.

ما هي إلا لحظات حتى قام من مجلسه، وقال يخاطب المحيطين به: قفوا جميعا.. فأبيقور([6]) الصادق يريد أن يحدثكم.. فاسمعوا له.. لقد كنتم جميعا في نشأتكم الأولى تلاميذ لفلسفته الممتلئة بالإفلاس، فاسمعوا لنا آخر النتائج التي وصل إليها..

لقد كنت أقول لكم: إن اللذة هي الخير الأسمى.. وأنها وحدها غاية الحياة السعيدة.. وأن على الإنسان أن يسعى لأجلها، ويجعلها هدفه الأعلى، ومطلبه الأسمى، ومعبوده الأكبر.

وكنت أقول لكم: بما أن الإنسان جسد ونفس، فإن سعادته تكمن في تحقيق الخير الملائم لطبيعة كليهما.. والخير الملائم لطبيعة الجسد هو اللذة.. أما الخير الملائم لطبيعة النفس فهي الطمأنينة.

لقد قلت لكم في ذلك: (أما أن اللذة خير فذلك أمر بديهي يشعر به الإنسان كما يشعر أن النار حارة وان الثلج أبيض).. وقلت: (إن اللذة هي بداية الحياة السعيدة وغايتها).. وقلت: (بالنسبة لي لا يمكنني أن أتصور ماهو خير إذا استبعدنا ملذات الطعام والحب وكل ما يمتع العين والأذن).. وقلت: (إننا لا نبحث عن أية لذة.. ولا ينبغي أن نتجنب كل ألم، فاللذة التي نقصدها هي التي تتميز بانعدام الألم في الجسد والاضطراب في النفس.. وبمجرد أن تتحقق لنا هذه الحالة حتى تهدأ كل عواصف النفس ولن يكون على الكائن الحي أن يسعى إلى شيء ينقصه)

وعندما سألتموني عن السبيل إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من اللذة لينعم الجسد.. وعن السبيل إلى تحقيق الطمأنينة لتنعم النفس كذبت عليكم كثيرا.. وانحرفت بالبوصلة التي تدلكم على قبلة اللذة والسعادة الحقيقية.

لقد رحت أقول لكم: (لاتخف من الله، لاتخف من الموت، لاتخف من الألم، عش ببساطة، ابحث عن المتعة بحكمة، واعقد صداقات وابحث عن أصدقاء وعاملهم بحسن، كن مخلصاً في حياتك وعملك، وابتعد عن الشهرة والطموح السياسي)

ورحت أشرح لكم دعوتي هذه في كل الرسائل التي كتبتها.. وقد ذكرت فيها أن الطمأنينة النفسية التي هي أساس السعادة وسببها الأكبر لا تتحقق إلا بالتخلص مما يسبب اضطراب النفس..

وكان يمكنني أن أدلكم على الحقائق التي تحمي نفس الإنسان من الاضطراب، وتعيد لها الهدوء والتوازن.. كان يمكنني أن أردد على مسامعكم ما قاله الأنبياء والعقلاء الذين دعو إلى الارتباط بالله، والعيش في جواره، والأمل في لقائه، فالسعادة لا تتحقق بذلك.

لكني لم أفعل ذلك، وإنما رحت إلى مصدر الشقاء، لأحوله إلى مصدر السعادة.. فقد ذكرت لكم أن السعادة لا تتحقق إلا بالتخلص من الله، والتخلص من الخوف..

أما التخلص من الله، فقد ذكرت لكم أن الله في حال وجوده منشغل بنفسه وبكماله، وأنه لا يعيركم أدنى اهتمام.. فلذلك لا حاجة لكم للخوف منه، ولا الطمع فيه.

أما المخاوف المرتبطة بالموت، فقد رحت أضع لكم بعض الخدع التي تنسيكموه.. فذكرت لكم أنه ليس هنالك ما يدعو إلى الخوف منه.. وقلت لكم عبارتي التي حفظتموها، ورددتها الأجيال المخدوعة: (عندما أوجد لايوجد الموت، وعندما يكون الموت لن أكون موجودا فلم الخوف إذا؟)

ولهذا وقفت من الدين موقفي الذي تعرفونه، والذي طبقتموه بحذافيره من غير أن تميزوا بين الأديان.. لقد رحتم تعتبرون أن الذي يؤمن بالأديان يرتكب خطيئة دينية في الواقع، بينما الذي لا يؤمن بها هو الذي يسلك سبيل الصواب.

بل رحتم ترددون مع [لوكرتيوس([7])] ذلك الأبيقوري المخلص قوله: (إن الدين شر ما بعده شر، وإن الواجب على الإنسان ومهمة الفلسفة الأولى أن تتخلص نهائيا من كل دين، لأن الدين هو ينبوع كل شر)

وعندما راح بعض المتدينين يجادلني في الله، ويذكر لي أدلة وجوده، وأن منها عنايته بعباده، ورحمته بهم، والمتجلية فيما وفره لهم من مرافق، رحت أطرح بديلا لذلك، وتفنيدا له ما سميتموه بـ [معضلة الشر].. تلك المعضلة التي أصبحت دليلكم الأوحد على نفي الله، وتقديس الإلحاد([8]).

لقد عبرت عن هذه المعضلة بتلك العبارة التي رددتها الأجيال.. فقد قلت: (هل يريد الله أن يمنع الشر، لكنه لا يقدر؟ حينئذ هو ليس كلّي القدرة!.. هل يقدر لكنه لا يريد؟ حينئذ هو شرير!.. هل يقدر ويريد؟.. فمن أين يأتي الشر إذن؟.. هل هو لا يقدر ولا يريد؟ فلماذا نطلق عليه الله إذن؟)

وعبر عنها آخرون جاءوا بعدي بقولهم: (كيف يسكت الله عن كل هذه الانتهاكات في حق الأطفال كل يوم؟ كيف يرضى الله عن كل هذا الشر، وكل هذا الدم؟ لماذا يخلق أطفالًا مُشوّهين إذا كان قادرًا على خلقهم في صورة سويّة؟.. هل الإله عاجز، فهو لا يستطيع أن يوقف كل هذا السوء والشر في العالم؟.. أم أنه شرير، فهو يتغنّى بصراخ الأطفال، ويتلذذ بإهراق الدماء، ويستمتع بقتل العزل والأبرياء؟)

وعبر عنها كل واحد بلغته الخاصة.. ورددوها في كل المحافل ليقضوا بها على وجود الله بدليل عدم عنايته بعباده..

أما ملاحدة الفلاسفة، فقد اتخذوها وسيلتهم الأكبر للتنفير من الله والتحذير منه.. بل تصوروا أنها البرهان الأكبر والدليل الأعظم على نفي الله.. وقد قال (رونالد ناش): (الاعتراضات على الإيمان بالله تظهر وتختفي … لكن كل الفلاسفة الذين أعرفهم، يؤمنون أن أهم تحد جاد للإيمان بالله، كان في الماضي، وكائن في الحاضر، وسيبقى في المستقبل، هو مشكلة الشر)

وقال (مايكل روس)، أشهر فلاسفة العلوم المنافحين بشراسة عن الداروينية، في مناظرته مع (فزالا رنا)، فقد ذكر له أنه (لا يرفض الإيمان بوجود الله إلا لسبب واحد، وهو مشكلة الشر)

وهكذا اعتبرها الشاعر الألماني الملحد (جورج بوخنر) بأنها [صخرة الإلحاد]

أما كاهن الإلحاد الأكبر (ريتشارد دوكنز)، فقد اعتبر هذه المشكلة من أدلته الكبرى على الإلحاد، فقال في كتابه [وهم الإله]: (لا بد من المسير إلى قول بسيط وسهل وهو الإقرار بوجود الشر، ورد وجود الله)

سكت قليلا، ثم قال: قد اعتبر كل هؤلاء، وأولهم أنا أن وجود الشر في العالم يتنافى مع كون الإله عليما؛ لأن علمه يقتضي أن يمنع هذا الشر من الوجود.. ويتنافى مع كونه قديرا؛ لأن قدرته تقتضي أن يمنع هذا الشر من الوجود.. ويتنافى مع كونه رحيما؛ لأن رحمته تقتضي أن يمنع هذا الشر من الوجود.. ولذلك فإن وجود الشر ينفي وجود هذا الإله الذي لا يمكن أن يفتقد الصفات الثلاث السابقة جملة [وجود إله كامل العلم.. كامل القدرة.. كامل الرحمة]

لقد كان في إمكاني وإمكان هؤلاء جميعا، لو أننا استعملنا ذرة واحدة من عقولنا أن نستحيي من هذه التي سميناها معضلة، بينما هي ليست سوى خدعة خدعنا بها عقولنا لتنحرف عن ربها.

وأول ما يرد علي وعلى أولئك الملاحدة الذين نفوا الله بحجة وجود الشر([9]).. هو أنه لو فرضنا كون الشر مقصودا لذاته، وأنه من عمل الإله، فإن ذلك لا ينفي وجوده، فـ (من الممكن جدًا أن يكون موجودًا، لكنه شرير، هو خلق البشر، ومن حقه أن يعذّبهم)([10]).. ونحن نرى الملوك الظلمة، والطغاة المستبدين.. فهل ينفي طغيانهم حقيقة وجودهم؟

هذا على التسليم الجدلي الذي يمكن لأي عاقل أن يصل إليه.. فالشر لا يعني العدم.. بل الشر يعني أنه ليس شيئا جميلا.. ولكنه ليس شيئا معدوما.. بدليل أننا نرى أشياء كثيرة شريرة، فهل ذلك ينفي وجودها.

وبهذا فإن هذه التي سميناها معضلة تقضي على نفسها بنفسها.. فكيف تثبت وجود الشر، ثم تنفي وجود صانع له بحجة أنه لا يمكن أن يكون الصانع شريرا.

هذا على التفكير المبدئي البسيط الذي يتناسب مع العقل الملحد الكسول.. أما على التفكير المتأني الراقي.. فإننا نجد أن الأصل في كل شيء هو الخير، وأن الشر غير موجود إطلاقًا، غير أنه يتخلل الخير، كشذرات أو استثناءات.

فالأصل في كل شيء هو الصحة، وأما المرض فيدخل عليها، ولا يلبث ـ عادة ـ أن يذهب ثانية، وترجع الصحة مرة أخرى. والأصل في المطر أنه خير، ولكن يتخلل هذا الخير استثناءات، فيصير المطر سيولًا تدمّر الطرق والبيوت، لكن هذا مجرد استثناء.. والأصل في الحياة أنها سلام، ولكن يشوب هذا السلام استثناءات؛ فتحدث حروب ونزاعات تدمر القرى والبلاد، لكن هذا مجرد استثناء.. والأصل في الجو الاعتدال، وأما العواصف، أو موجات البرد والحر، فتحدث خلال فترات قليلة من السنة، ويظل الجو معتدلًا باقي السنة.. والأصل في البراكين أنها تنفجر في المحيطات أو بعيدًا عن البشر، لكن تحدث استثناءات، فتنفجر بجانب قرية ما.

أما لماذا صرنا نشعر بأن كل المطر شر، وأن الحروب والمعارك تسود العالم، وبأن البراكين تنفجر يوميًا مسببة مئات الآلاف من القتلى، فذلك لأننا نسمع أخبار هذه الاستثناءات ونهتم لها، حتى أمسينا نعتقد أنها الأصل: فنحن لا نسمع في الأخبار ـ مثلًا ـ عن هطول الأمطار بسلام في بلد كذا، وأنها سقت الناس، بعد ظمأ، وروت الزرع، بعد جفاء، وصار الناس يهللون من الفرحة، ولا نسمع في الأخبار عن الدولة كذا، التي تنعم بالسلام، ويسودها الأمن والأمان، ولا نسمع عن البركان الذي انفجر في المحيط، ولم يؤذ أحدًا! نحن لا نسمع عن هذا أبدًا، بل نسمع عن الآلام والمصائب فقط؛ حتى ثبت في عقولنا أن الكوارث والحروب تعمّ الأرض.

ولذلك فإن الشر محدود جدا مقارنة بالخير.. ومن يعترض على أسباب الشر، كمن يعترض على خلق الماء؛ اعتراضًا على الفيضانات.. أو كمن يعترض على خلق المعادن المخصّبة للتربة، والحرارة اللازمة لحياة الإنسان؛ إعتراضًا على ثوران البراكين.

فالشر، ليس مطلقًا.. بل هو شرٌ نسبي.. وليس حقيقيًا، فما يكون شرًا لشخص ما، قد يكون خيرًا لآخر.. بالإضافة إلى أن الشر يعد استثناء، والخير هو القاعدة، فإذا قلنا إن سُم الحية والعقرب شر، فهذا ليس وصفًا واقعيًا، بل هو وصفٌ انتزاعيّ، فبالقياس إليَّ أنا الذي أتأذي وأتضرر وأفقد حياتي الثمينة؛ جراء لدغة الحية أو العقرب، هذا يعد شرًا، لكن بالنسبة إليها ـ الحية ـ هل سُمها شر؟ بالعكس، فهو يعد من لوازم وجودها وبقائها، فلولا هذا السم لهلكت الحية.. إذن السم موجود والحية موجودة، وصف واقعيّ، أما السم شر، والحية شر، فوصف انتزاعي قياسي.

وهكذا إذا رأينا كائنات حية تموت مثل الجراثيم والحشرات، ثم نقول: هذا شر، وهذا يعد شرًا بالفعل؛ إذا ما نظرنا له وحده.. أما إذا نظرنا إلى المنظومة ككل ـ إلى الكون ككل، سيتضح لنا أنه عين الخير، فهذه الكائنات لو عاشت لغطت سطح الأرض بكثرتها، أو لانقرضت كائنات أخرى كانت تتغذى عليها هذه المخلوقات، هذا ما يسمى بالتوازن، فكل شيء في الوجود، مهما كان هيّنا وصغيًرا، هو ضروري للحياة.

إن هذا وغيره كان يمكنه أن يحرك عقولنا للتساؤل عن هذا السر.. فلو كان الإله شريرًا.. فلماذا الشر نسبي؟.. ولو كان الإله شريرًا، لماذا أعطانا العقل، وسخر لنا الأرض، وأمدنا بالأدوات اللازمة؛ لكي نتغلب على هذا الشر النسبي؟

سكت قليلا، ثم قال: لو أننا معشر الملاحدة قارنا بين ما نراه في عالم الدنيا من خير وما نراه فيها من شر نسبي، لعلمنا أن هذا الإله له كامل العناية بعباده.. وأن عدم إدراكنا لسر وجود ما نراه من شر، لا يعني أنه شر بالفعل، وأن المقصود منه إذيتنا.

ولو أننا تركنا كبرياءنا وغرورنا ورحنا إلى المصادر المقدسة للأديان، لوجدنا عندها الحل السهل البسيط العقلاني لهذه التي سميناها معضلة..

فالإيمان بالله وبالمصير إليه حل وحيد يجعل الإنسان قادرا على التعامل مع وجود الشر والألم في حياته، فالذي يؤمن بالله واليوم الآخر يؤمن أن كل ما يصيبه من شر وألم في الدنيا، سيجد ما يقابله يوم القيامة من ثواب.. أما الذي يؤمن بأن الحياة الدنيا هي فترة الحياة الوحيدة، وأن الموت هو نهاية الوجود، فإنه محبوس بين جدران الميلاد والوفاة، وبالنسبة له تصبح كل قرصة ألم، وكل لسعة أنين، مجرد خسارة لدقائق من أيام فانية تسير بالإنسان إلى حتفه.

قال ذلك.. ثم عاد إلى سكونه وهدوئه.. وكأنه لم يلاحظ أن الجميع كان منشغلا عنه بالعبث والفوضى والتشاؤم، ولم يسمع كلامه أحد إلا أنا وصاحبي.

آرثر شوبنهاور:

ما هي إلا لحظات حتى قام رجل آخر كانت الكآبة تكسو وجهه، وكان الحزن القاتم يعلو محياه.. قام، وهو يقول: أنا (آرثر شوبنهاور)([11]).. لا أحد منكم إلا يعرفني.. ومن لم يعرفني، فيكفي أن يقرأ ما كتب على صفحة وجهي من حروف الحزن والكآبة ليعرفني، ويعرف حقيقتي.

قد ترون أن سبب ذلك ما مررت به من ظروف عائلية وشخصية.. فتذكرون أن أبي مات منتحرا، وأنا في السابعة عشرة من عمري، وأنني عشت بعدها حياة شقية تعيسة بسبب خلافي مع أمي التي تحررت من كل قيود الفضيلة بعد وفاة أبي، وأنني لذلك قاطعتها، فلم أرها حتى ماتت، وأن ذلك سبب لي شعورا بالمقت الشديد للنساء لازمني طوال حياتي، فلذلك لم أرتبط بامرأة أبدا.

وتذكرون أني عند قيامي بالتدريس بجامعة برلين لم أكن موفقا ولا مقبولا من الطلاب.. وأن الأساتذة تآمروا علي.. وأن كتبي لم تلق الرواج الذي تستحقه.

وتذكرون أني ظللت في الثلاثين عاما الأخيرة من عمري أعيش في حجرتين في فندق، وحيدا بلا أم ولا زوج ولا ولد ولا أسرة ولا وطن ولا صديق، سوى كلبي الذي أطلقت عليه اسم (أطما)، أي روح العالم، أو الروح الكلي ـ كما يذكر البراهمة ـ وأطلق عليه الناس [شوبنهاور الصغير] سخرية مني واستهزاءا بي وعبثا بمشاعري.

وتذكرون أني ولدت في عصر دمرت الحروب فيه أوربا تدميراً شديداً، وشردت عشرات الآلاف من الأسر، ونشرت الفقر والبؤس بين الناس على مستوى دول أوربا.

قد تذكرون هذا وغيره لتبرروا غدوي كئيباً ساخراً مرتاباً، شديد الخوف والقلق، تستبد بي الهواجس والمخاوف، وأسيء الظن بالناس، وأخشى على نفسي من شرورهم وغدرهم، وأنه بسبب ذلك كنت أغلق على نفسي الأبواب بعناية شديدة، ولا أسلم ذقني لموسى الحلاق خوفاً من أن يتآمر مع الآخرين على ذبحي، وأني ظللت طيلة حياتي لا أنام إلا والسلاح بجواري محشواً بالرصاص في انتظار من تحدثه نفسه من اللصوص بالسطو علي أو قتلي.

قد تقولون كل هذا لتفسروا به حالتي النفسية، ولعلكم تفسرون به حالتي العقلية، وموقفي من العالم، وتعذروني بعد ذلك.. لأن ظروفي كانت ظروفا استثنائية.

وكل هذا غير صحيح.. فالكثير من الناس مروا بالظروف التي مررت بها، بل ربما يكونون قد مروا بظروف أخطر منها، ومع ذلك لم يقفوا ضد الإيمان، ولم يذكروا ما ذكرت عن الدين من أنه (صنيعة البشر، ابتكروها لتفسير ما هو مجهول لديهم من ظواهر طبيعية أو نفسية أو اجتماعية، وكان الغرض منه تنظيم حياة مجموعة من الناس حسب ما يراه مؤسس الدين مناسبا، وليس حسب الحاجات الحقيقية للناس الذين عن جهل قرروا بالالتزام بمجموعة من القيم البالية، وأنه من المستحيل أن تكون كل هذه الديانات من مصدر واحد، فالإله الشديد البطش الذي أنزل 12 مصيبة على المصريين القدماء، وقتل كل مولود أول ليخرج اليهود من أرض مصر هو ليس نفس الإله الذي ينصحك بأن تعطي خدك الآخر ليتعرض للصفع دون أن تعمل شيئا)

هل سمعتم موقفي من الدين ومن الله.. وهل هذا الموقف يتناسب مع الظروف القاسية التي مررت بها؟

هذا ما تقولونه أنتم، وكأنكم تلقون باللوم على الله، وليس علي.. وكأن الله لو وفر لي ظروفا أفضل لكنت مؤمنا به، وكنت أخرجت فلسفة مليئة بالإيمان والمحبة والتفاؤل.

وهذا كله غير صحيح.. فالإنسان ابن لأفكاره، وليس ابنا لظروفه.. والكثير من الملاحدة وفرت لهم كل أسباب الدنيا، ومعها كل ألوان السعادة، ومع ذلك حجبوا عن الله.. والكثير من المؤمنين نزلت بهم كل ألوان المصائب والبلاء، ومع ذلك لم يزدد إيمانهم إلا رسوخا وقوة.

فكفوا عني.. ودعوني أعذب نفسي الأمارة بالسوء التي راحت تحاول حجب الشمس بأهوائها، وتجعل من حرب الحقيقة رسالتها في الحياة.

جلس قليلا، ثم وقف قائما، وقال: لا تصدقوا كل ما كتب عني من ظروف قاسية مررت بها.. فقد وفر الله لي الكثير من فرص السعادة.. فقد أمضيت حياة ناعمة متنقلًا بين ربوع إيطاليا، وأنا أقول: (هذا البلد الجميل الذي فيه يشع الغناء).. وكنت حريصًا على حضور الحفلات الموسيقية والمسرحية.. وحريصًا على أموالي التي استثمرتها في [دانزج]، وقد قلت للتاجر الذي أفلس الذي لم يستطع سداد ديوني: (بوسع المرء أن يكون فيلسوفًا، دون أن يكون بسبب ذلك مغفلًا)، وقد كتبت إلى [يوهان أدوار ايرومان] أقول: (لقد كنت رجلًا موفقًا، وذا حظ عظيم، أعلمُ كيف أؤمّن مصدر عيشي على الدوام، ولا أضطر للعمل من أجل النقود أو البحث عن وظيفة)

قال ذلك، ثم راح يغلق أذنيه بيديه، ويقول: إليك عني أيتها الضوضاء.. لقد مللت منك.. هل تذكرين ما فعلت بسببك.. لقد دفعت جارتي التي كانت تعمل بحياكة الملابس، بسبب ما أحدثته آلتها اللعينة من ضوضاء، على درج السلم، فأُصيبت بعجز، ورفعت الأمر للقضاء، فحكم علي بدفع جزء من تكاليف الحياة لها، وظللت أدفع لها حتى موتها.

ثم هدأ قليلا، وقال يخاطب أصحابه الذين كانوا معه في الجناح، وكانوا مشغولين عنه بالحديث مع أنفسهم، ومع الأحوال الغربية الممتلئة بالعبث التي يعيشونها: اسمعوني جيدا أعزائي الملاحدة المغفلين، لأحدثكم عن نفسي، وعن حقيقتي.. فلا شك أن الكثير منكم مر في يوم من الأيام على كتبي وأفكاري، وامتلأ بها شؤما وعبثية وإلحادا.

لكني اليوم سأقول الحقيقة المجردة التي دل عليها كل شيء.. لا ذلك التزييف الذي ملأت به كتبي ودفاتري، ثم سوقتها لكم، لتحتلكم الشياطين وأفكار الشياطين([12]).

أقول لكم.. وأنا في كامل قواي العقلية.. أنني كنت ـ مع تلك الظروف الشديدة التي مررت بها ـ أرى كل ما في الوجود من حكمة وخبرة وعناية وغائية.. وكنت أرى أنه يستحيل أن يكون هذا الوجود من تلقاء نفسه، من غير صانع صنعه، ولا مدبر دبره.. كانت فطرتي تصيح بهذا، وتكاد تجهر به.

كنت أرى ذلك متجليا ناطقا مفصحا عن نفسه في الجمادات والنباتات والحيوانات، وكل شيء.. رأيت كيف يسعى هؤلاء جميعا للحصول على الغذاء، للإبقاء على النفس والنوع..

وكنت أراه متجليا في الإنسان وما أوتي من قوة عاقلة، وقوة غريزية، للإبقاء على نفسه وعلى تميزه عن كل ما حوله بإعمال عقله.

لاحظت ذلك كله، وكان يمكنني أن أتعرف من خلاله على الخالق العظيم، والصانع البديع.. لكني لم أفعل على الرغم من إقراري بوجود حكمة وقدرة وإرادة وإتقان.

لقد أقررت بذلك كله، لأنه لا يمكنني أن أكذب ما تراه عيني، وما تعيشه جوارحي.. ولكني لغفلتي وكبريائي، رحت أنسب ذلك إلى إله سميته [الإرادة الكلية العمياء الشريرة]، ورحت أضع لهذه الإرادة الكلية التصورات العقدية المرتبطة بها.

فذكرت أن لها غايات تسعى لتحقيقها، ووسائل تنفذ من خلالها ما تشاء.. وأن الوجود كله مسخر لها.. وخانع ذليل أمام رغباتها.

قد تذكرون أنني بهذا لم أفعل سوى أن أبدلت اسم [الإله] باسم [الإرادة الكلية].. وذلك غير صحيح، فلم أكن أرى الوجود إلا شيئا واحدا، وهو المادة المطلقة.. ولم أكن أقول بوجود مفارق لمادة غير مادي فاعل فيها.. بل كنت أعتبر ذلك خطأ، وفكرة فاسدة، ترجع إلى تصورات الذات، وأوهام النفس التي لا حقيقة لها في الخارج.

وكنت أنظر بتشاؤم كبير إلى تلك [الإرادة الكلية] التي تتحكم في الطبيعة، والتي لا تلقي بالاً إلى الأفراد الذين تطحنهم الآلام، ويعذبهم الشقاء، ويغرقون في بحار المآسي والشرور.. لأن همها كله مصروف للنوع، وليس للأفراد.

لقد كنت بذلك كله أحاول أن أعطي تفسيرا ماديا طبيعيا للغز الشر الذي حير الفلاسفة.. وحولهم إلى مؤمنين أو ملاحدة.. وقد تصورت أنني قد وجدت الحل من خلال هذه [الإرادة الكلية العمياء الشريرة]

وقد جعلني زهوي وفرحي باكتشافها أتتبع ما أتوهمه من حركاتها، وأرسم لها صورة ممتلئة بالسوداوية والتشاؤم.. فذكرت أن الموت هو عدو هذه الإرادة الكلية.. فهو الذي يحاول أن يقضي على الحياة والأحياء.. وأن الإرادة الكلية تستعمل كل ما تملكه من وسائل وغرائز لتهزمه.. وبذلك تعوض عن طريق النسل ما يأخذه الموت، وتبقي الحياة والأحياء تحقيقاً لرغبة الإرادة الكلية.

وذكرت أن الحياة كلها، بل الوجود كله شرور وأحزان ومشقات وآلام، وليس في الوجود كله خير قط، ولا يعرف معنى السعادة، وأن أقصى ما يتصور من خير في الوجود، أن تقل شروره، أو تخف آلامه.

وذكرت أن الشر والشقاء والتعاسة هي جوهر الحياة، وحقيقة الوجود.. وأن هذه الأشياء هي الجانب الإيجابي في الحياة.. أما ما يسمي بالسعادة، أو اللذة، أو الخير أو غير ذلك، فليست سوى سلب للآلام، وإخفاء للشقاء أو تخفيف منه..

وقد دعوت من خلال كل هذا إلى أن يقتل الإنسان نفسه منتحراً ليتخلص نهائياً من حياة كلها آلام وشقاء وتعاسة لا تنتهي.. وذكرت أنه لو فعل كل الناس ذلك لانتهت الحياة، وفشلت الإرادة الطبيعية في تحقيق أغراضها.

وقد ذكرت أن العقبة الكبرى التي حالت بين البشر وهزيمة الإرادة الكلية هو (العقل الذي هو من صنع الإرادة).. وليس من صنع الحقيقة..فلذلك يقوم بفلسفة الأشياء، واختراع الأفكار والمسوغات التي لاوجود لها، حتى يقتنع الإنسان بتقبل الشقاء والآلام والبؤس الذي تشتمل عليه الحياة، والرضى بذلك، بناء على أفكار وتصورات غير حقيقية يخترعها.

وذكرت أن من تلك المخترعات (وجود إله اقتضت حكمته ذلك.. وأن ما نراه من شرور إنما هو لحكمة لا نعرفها.. وأن هناك بعثا بعد الموت، ودارا أخرى سوف ينال فيها الصابرون أجر صبرهم ورضاهم، بل وترحيبهم بالشقاء والآلام في هذه الحياة)

لقد اعتبرت كل هذه الحقائق التي دلت عليها الأدلة العقلية، ودعا لها الأنبياء والرسل، وقامت عليها الأديان.. اعتبرتها جميعا أفكارا وتصورات من اختراع العقل الذي هو أداة من أدوات الطبيعة الكلية العمياء.

وتصورت أنني بدعوتي للانتحار أكون قد حققت الغاية الكبرى التي تاهت عنها البشرية منشغلة بما توهمته من أفكار..

كنت أعلم ما تحمله هذه الدعوة من آلام.. ولهذا كنت أحاول البرهنة على أن الموت في ذاته لا يسبب للإنسان ألما قط، ولكن الناس يتألمون من فكرة الموت أكثر مما يتألمون من الموت نفسه؛ لأن الإنسان لايلتقي بالموت أبدا، فكيف يتألم منه؟.. فالإنسان طالما هو حي لم يمت، فهو لا يرى الموت، ولا يلتقي به، ومن ثم لا يتألم منه، فإذا ما انتحر الإنسان ومات، فإن الموت حين يجيء يكون الإنسان قد ذهب، وعلى ذلك فالإنسان يخاف من فكرة الموت، لكن الموت حين يقع يكون الإنسان قد استراح من شقاء الحياة وآلامها، وتخلص نهائيا من الإرادة الكلية العمياء الشريرة التي لا عمل لها إلا ترغيبه في الحياة وإغراؤه بها ليظل يصلى شقاءها وآلامها.

هذه هي فلسفتي التي تلقفها الكثير من الأغبياء، وراحوا يدافعون عني وعنها لسبب بسيط، وهو أنها ألغت الله من الوجود..

لقد تأثر بها إلى درجة الثمالة [نيتشه([13])] الذي راح ينتصر لها، ويتتلمذ على كتبي وأفكاري، وراح من بعده [هتلر] ونازيته ينهلان من نيتشة.. وكانت تلك التصورات هي السبب فيما حصل من مآسي خلال الحرب العالمية الثانية.. لأن الموت لم يعد موتا، والقتل لم يعد قتلا، وإنما صارت الحرب بين الإنسان والإرادة الكلية العمياء الشريرة.

لا أستطيع أن أذكر جميع من تأثر بأفكاري من الملاحدة.. لكن لا أزال أذكر كاهن الإلحاد الأكبر (ريتشارد دوكنز)، الذي عبر عن أفكاري بلغة تتناسب مع أهل عصره، فقال في كتابه [وهم الإله]: (في الحقيقة، أصحاب الميول الدينية لديهم أيضا عدم تمييز مزمن بين الحقيقة والأمر الذي يرغبون أن يكون هو الحقيقة. بالنسبة للمؤمن بنوع من الذكاء [الكوني] الخارق [إله]، من السهل جدا التغلب على مشكلة الشر. يكفي أن تفترض وجود إله قذر، مثل ذاك المتفشي في كل صفحة من صفحات العهد القديم [التوراة]، أو إذا لم يعجبك ذلك، اخترع إلها شريرا مستقلا بذاته، وسمه الشيطان، وانسب الشر الذي في العالم إلى صراعه الكوني مع الإله الخير. وإن شئت هناك حل أكثر تطورا؛ افترض وجود إله له اهتمامات أعظم من أن يأبه لكروب الإنسان، أو إلها ليس سلبيا أمام الآلام التي تصيب البشر، لكنه يراها ثمنا لا بد أن يدفع مقابل [نعمة] حرية الإرادة البشرية في كون منظم وخاضع للنواميس. كثير من اللاهوتيين يعمدون إلى تبني مثل هذه التعقلنات)([14])

سكت قليلا، ثم قال يخاطب من حوله: هل تسمحون لي أن أذكر لكم مثالا يصورني، ويعبر عن حقيقتي.. إنني مثل رجل جاء من الغابات لا يعرف عن المدينة شيئاً، ولا يعرف عن التعليم وأنظمته قليلاً ولا كثيراً.. وعندما دخل المدينة رأى الطلاب يدرسون نهاراً، ويذاكرون ليلاً، ثم يسرعون إلى الامتحانات متوترين مرهقين، ثم ينتظرون متلهفين نتيجة الامتحانات، فإذا ما ظهرت ورأى السعادة طافحة على وجوه الناجحين.. ثم رآهم يسرعون فرحين في بداية العام إلى المستويات الجديدة ليبدأوا رحلة كفاح جديدة، وهم سعداء فرحين مستبشرين.

إذا رأى هذا من غير أن يفقه أسراره يقف فاغراً فاه في بلاهة وعته وغباء، يتعجب من هؤلاء البشر الذين يكدون ويكدحون، ثم ينتقلون إلى المراحل التالية، بعد أن حققوا المراحل السابقة، كل ذلك وهم سعداء..

إن رجل الغاب هذا بدل أن يسألهم عن حالهم وسرهم ليستكنه حقيقة وضعهم راح يصفهم بالعته.. ويصف حياتهم بالشقاء.. ثم يصنفهم على أنهم آلات في يد إرادة عمياء تسخر منهم وتسخرهم ليعيشوا في شقاء..

قال ذلك.. ثم عاد إلى سكونه وهدوئه.. وكأنه لم يلاحظ أن الجميع كان منشغلا عنه بالعبث والفوضى والتشاؤم، ولم يسمع كلامه أحد إلا أنا وصاحبي.

مايكل مارتن:

لفت نظري رجل كان كثير الحركة، وكان يخلط بين البكاء والضحك، ويتحرك حركات كثيرة تشبه حركات المدمنين.. وكان العرق يتصبب من جسده، ولكنه يضم ثيابه إليه بقوة، وكأنه يشعر بالبرد.. ثم ما لبث حتى خف عنه بعض ذلك، وراح يستجمع أنفاسه، ويقول: أنا [مايكل مارتن([15])].. صاحب المخدر الخاص بالمدمنين، لأشغلهم عن تشاؤمهم وآمالهم، وأضع لهم الرهانات التي يمكنهم أن يواجهوا بها رهانات المؤمنين، وتحدياتهم.

لاشك أنكم تعرفونني، وتعرفون الرهان الذي وضعته مقابل الرهان الذي وضعه باسكال حول وجود الإله.. وسميته [رهان الملحد].. لقد وضعته عام 1990 في كتابي [الإلحاد: تعليل فلسفي] الذي قلت فيه: (ليس هدفي من الكتاب جعل الإلحاد معتقدا شائع أو حتى الحيلولة دون كونه معتقدا غير منظور.. فهدفي ليس مثالي..هدفي هو مجرد تقديم أسباب جيدة للإلحاد.. غرضي هو أن أبين أن الإلحاد موقف عقلاني، وأن الاعتقاد بوجود الله ليس كذلك.. إنني ادرك جيدا أن المعتقدات الإلحادية ليست قائمة دائماً على المنطق.. برأيي هي يجب ان تكون كذلك)

لقد ذكرت أن ذلك الرهان يعتبر عوضاً عن الجزاء الحسن للإيمان كما في رهان باسكال، فقد يجازي الإله ـ في حال وجوده ـ عدم الإيمان جزاء حسناً، وفي هذه الحالة قد يخاطر الشخص بخسارة السعادة الأبدية عن طريق الإيمان بإله دون دليل، عوضاً عن عدم الإيمان على نحو مبرر.

لست أدري هل فهمتم هذا الرهان أم لم تفهموه.. لأني أنا شخصيا صاحب الرهان، لم أستطع استيعابه، ولا فهمه، ولا تعقل ما فيه.. بل كنت خائفا كل حين من رهان [بليز باسكال([16])]، فقد كان أعقل مني حين استعمل الاحتياط في رهانه المشهور الذي عبر عنه بعضهم، فقال: (قال الملحد للمؤمن: ما موقفك اذا مت ولم تجد الله! فرد المؤمن: لن يكون اسوأ من موقفك اذا مت ووجدت النار!)([17])

أذكر أن مثل هذا الرهان خطر على بالي قبل أن أضع رهاني.. وكاد يؤثر في.. وكاد يدعوني إلى تعديل حدتي وموقفي من الدين، ومن الله.. بل كاد يدعوني إلى الرحلة للبحث عن الإله الحقيقي، والدين الحقيقي.. لكن كبريائي وتجبري وأحقادي الدين منعاني من ذلك.

لقد قلت حينها: إنني بين أربع احتمالات لا خامس لها.. أما أولها، فهو أنني إن آمنت بالله، وكان الله موجوداً، فسيكون جزائي الخلود في الجنة، وهذا ربح لامحدود، ولا ينبغي أن أرغب عنه.. وأما الثاني، فهو أنني إن لم أؤمن بالله، وكان الله موجوداً، فسيكون جزائي ـ كما يذكر الكتاب المقدس ـ الخلود في جهنم، وهذه خسارة لامحدودة.. وأما الثالث، فهو أنني إن آمنت بالله وكان الله غير موجود، فلن أجزى على ذلك، وهذه خسارة محدودة يمكنني تحملها، لأنها لن تضرني شيئا.. وأما الرابع، فهو أنني إن لم أؤمن بالله وكان الله غير موجود، فلن أعاقب لكني سأكون قد عشت حياتي متحررا من شيء غير موجود، وهذا ربح محدود، لكنه مكتنف بخسارات كثيرة يجدها المؤمنون في إيمانهم بالله، ولا أجدها أنا بسبب إلحادي.

لقد التقيت بعض المؤمنين حينها، وقلت له ساخرا: (ماذا يكون الحال لو اخطأت حساباتك وانتهيت بعد عمر طويل إلى موت وتراب ليس بعده شيء؟)

فقال لي بكل برودة: (لن أكون قد خسرت شيئا.. ولكنكم أنتم سوف تخسرون كثيرا لو أصابت حساباتي وصدقت توقعاتي.. وإنها لصادقة.. سوف تكون مفاجئة هائلة يا صاحبي)([18])

لكني مع ذلك لم أستطع أن أخضع للإيمان.. لأن ارتباطاتي ومصالحي كلها كانت مع الملاحدة.. لقد كنت مخيرا بين الله ومصالحي.. فانحزت إلى مصالحي وبعت الله بأبخس الأثمان.. وها أنذا أدفع ثمن اختياري.

لقد رحت أجادل وأشاغب وأعبث بأبسط الضروريات العقلية في سبيل إرضاء نزوتي ونزوة زملائي الإلحادية.. والمشكلة لم تكن متوقفة على الأدلة العقلية على وجود الله.. بل كانت هناك مشاكل أخرى لا تقل خطرا([19]).. ولهذا رحت أضع رهاني لأتداركها، وأعلم الملاحدة كيف يجيبون المؤمنين.. وشتان ما بين رهاني ورهان المؤمنين.

لقد رأيت أثناء دراستي للتراث الإلحادي في القديم والحديث أنه لا يصطدم فقط بالعقبات العقلية التي تحول بين العقول وتقبله.. فقد كنت أعلم أن كثيرًا من الناس لا يعير موضوع العقل اهتمامًا حقيقيًا، وإن كان يبدي اهتمامًا ظاهرًا مبالغًا فيه بالعقل ومنزلته ومجالاته، ليغطي عجزه وقصوره أمام العقل المؤمن المنسجم مع كل حقائق الوجود.

لكنه يقف في مواجهة البدائل الكثيرة التي يطرحها الدين، ولا يستطيع أن يعوضها.. وقد كان له ـ ما دام يطرح نفسه كبديل للدين ـ أن يعوضها، وأن يتسع مجاله لما يتسع له المجال الديني.. فالمجال الديني يتسع لأغلب مجالات النشاط الإنساني، وهو يتخطى المساحات العقدية لينطلق إلى مساحات أخرى تتعلق بالفرد والجماعة، تتمثل في العبادات، والأخلاق، والمعاملات، وهذا هو ما نعنيه بالمجال العملي للدين.

لقد وضع [نينيان سمارت] فيلسوف الدين الشهير، نموذجا سباعي الأبعاد لوصف أي مذهب بأنه الدين.. وهي: البعد الطقسي أو العملي، والبعد التجريبي أو العاطفي، والبعد السردي أو الأسطوري، والبعد العقائدي أو الفلسفي، والبعد الأخلاقي أو القانوني، والبعد الاجتماعي أو المؤسسي، والبعد المادي.

وكل هذه الأبعاد ما عدا البعد العقائدي أو الفلسفي والبعد السردي ذات طابع عملي، بطريقة مباشرة.. ولذلك فإنه إذا خلا أي منظور علمي أو عملي من أحد تلك المحددات؛ غدا مجرد مذهب فلسفي، أو تقنية عملية، مع ملاحظة أن خلو المذهب الفلسفي من الأثر السلوكي الواضح يحوله لمجرد كلام بارد، لا فائدة منه، وهكذا إذا خلت التقنية من المعنى والأساس النظري؛ غدت عبثًا مجردًا، لا قيمة له.

نعم.. نحن نرى أن جميع كهنة الإلحاد لم يزعموا.. أو لم يزعم أكثرهم.. أنهم يطرحون دينا جديدا مقابل الدين المعتمد على الإله.. حتى يمكن إلزامهم باستيفاء الجوانب التي يقدمها الدين للإنسان، ولكن الذي لا يمكن إغفاله أن الإلحاد الذي يقدم رؤية كونية للإنسان والعالم ينحي بها الدين جانبا؛ لا يمكن أن يرضى بأن يكون فلسفة باردة، أو تقنية عبثية، ولذا ينبغي عليه، علميًا وأدبيًا وإجرائيًا، أن يقدم بدائل عن تلك التي يطرحها الدين لكافة المجالات، لأن الإلحاد بطبيعته مذهب نفيٍ للدين، فيجب أن يشتغل على كافة مساحات شغل الدين لينفيها ويؤكد صحته، وإلا فإنه لا يستطيع الزعم أن الدين خرافة والإلحاد حقيقة؛ لأننا ببساطة لا يمكن أن نترك الحقيقة لأجل الخرافة، ولو في مجال واحد من مجالات الحياة، هذا إذا كانت خرافة بالفعل!

لقد كنت أقول لأصحابي الملاحدة كل حين: يجب علينا أن نثبت فاعلية الإلحاد في كل المجالات التي يسهم الدين بفعالية فيها؛ حتى نحصل على مشروعية وجودنا.

وكنت أقول لهم: ألا ترون معي أن الإلحاد يخوض صراعات محمومة في مجال الأخلاق، وفي مجال البعد العاطفي، وفي المجال الطقسي والعبادي، ويحاول أن يقدم بدائل في تلك المجالات.. ولكنه يتلقى دائما صدمات موجعة على المستوى النظري التأسيسي، وعلى المستوى العملي الإجرائي.

وكنت أقول لهم: انظروا جيدا إلى الدين كيف يقدم للحياة معنى، فهو ينص على أن الله خلق الكون، وخلق الإنسان، ووهبه الحياة، وقضى عليه الموت.. وأن الله يبعث الموتى للحساب، ويكون هناك الثواب والعقاب.. إن كل هذه المعاني لا نجد لها أي بديل في طروحاتنا الإلحادية على الرغم من أهميتها، وصلتها الكبيرة بالنفس الإنسانية.

وكنت أقول لهم: إن هذه التصورات محل اتفاق بين الأديان الإبراهيمية جميعا، فهي تدعو إلى عبادة الله، وموافقة رضاه، والتنعم بذلك الرضا الحسي والمعنوي في الفردوس السماوي.. وهي موجودة في بعض الأديان غير الإبراهيمية.. فلا تخلو الحياة فيها من معنى متعلق بالألوهية، حتى في الأديان الهندوسية التي تتشبث بالتناسخ والكارما، أو النيرفانا البوذية التي تتوصل إلى السكون المطلق للتخلص من الألم، والاتحاد بالروح الكلي.

وكنت أقول لهم: إن الأسس التي تقوم عليها الأخلاق تعتمد على تلك البدائل التي نفتقدها. فالحرص على الفضيلة واجتناب الرذيلة يكون مبررًا على نحو عملي في الدين، وليس له أي مبرر عند الملاحدة.

وكنت أقول لهم: حاولوا أن تستفيدوا من الرؤية الكانطية للدين، فرغم أنه كان يرى أن (الدين في حدود العقل) غير مبرهن.. وكان يرى وجود الإيمان من نقائض العقل إلا أنه ومع قيامه بمحاولة تفنيد الأدلة العقلية الذائعة على الوجود الإلهي في (نقد العقل المحض)؛ راح يقر بأن الدين من مصادرات (العقل العملي)؛ لأنه وحده فقط الذي يضمن الأخلاق، وحرية الإرادة.

وكنت أقول لهم: ما تراكم تجيبون المؤمنين إن طرحتم عليهم الإلحاد بديلا للدين، فسألوكم عن معنى الحياة بعد أن يحذف الوجود الإلهي من الحياة.. أو سألوكم: لماذا نحن هنا؟.. وإلى أين سنصير؟.. وهل سينتهي الأمر إلى العدم؟.. ولماذا نلتزم الفضيلة: الخير والحق والجمال؛ إذا كان أورع العٌبَّاد مستويا في المصير مع أفجر المجرمين؟

وكنت أقول لهم: ألا ترون معي أن الإلحاد يؤدي إلى اليأس، ويحرم المظلومين من الأمل في تصحيح ذلك الظلم يومًا ما، ويحبط الرغبة الإنسانية الفطرية في الخلود، ومن ثم فإنه يحرم من أي دافع حقيقي ـ غير آنٍ ـ للعمل في هذه الحياة.

طبعا لم أكن أقول هذا في العلن، بل كنت أقوله في مجالسي الخاصة المغلقة معهم، والتي كلفوني بعدها بأن أتولى وضع إلحاد بديل للإيمان، يتوفر على كل عناصر التفاؤل، ويقضي على كل سموم التشاؤم.

ولهذا رحت أحاول ـ يائسا ـ تجاوز مشكلة عدمية الحياة إلى تعليق معنى الحياة بالمنجزات الشخصية، فكنت أقول لهم، وأنا أكذب عليهم وعلى نفسي: (أنتم تبحثون عن معنى للحياة في ظل الإيمان.. وأنا أقول لكم: يمكنكم أن تجدوا لحياتكم معنى مادمتم تضعون لها هدفًا تسعون لتحقيقه، كالدراسة، والعمل، والكفاح السياسي، وهكذا يمكنكم أن تجربوا أشياء كثيرة تحفظكم من القلق والاكتئاب والتشاؤم الذي يسببه الإلحاد)

لقد كنت أقوم بذلك، وأنا معرض عن لب المشكلة الحقيقية، فاعتقادنا بالفناء الكلي للكون والإنسان، والذي هو النهاية التي تنتظر كل شيء كما كنا نعتقده تقضي على كل تلك الأطروحات.. لأنه إذا فني الكون، فقد فني الإنسان بإنجازاته وطموحاته، حتى لو حقق بعض المعنى لنفسه في إنجازاته الجزئية الآنية، لكن لابد أن يأتيه الوقت الذي يرى نفسه بمثابة من يزرع وردة في مزبلة.. لأنه سيموت وتموت نجاحاته، ويصبح عدما، لا قيمة له، ولا إنجاز، ولا معنى بطبيعة الحال.

سكت قليلا، ثم راح يضحك بهستيرية، ويقول مخاطبا بعض من كان في ذلك الجناح: هل تسمعني يا [لامتريه([20])].. لقد رحت تقترح علينا في ذلك المجلس أن ننسى الموت، ونتجاهله، وذكرت لنا أن القلق من الموت لا ينشأ إلا من العقائد الدينية، لما في الآخرة من عقاب.. ومن ثم فإن إلغاءه من الذاكرة من شأنه أن يلغي القلق.

وأنت يا [هولباخ].. لقد طرحت علينا حينها الرؤية الأبيقورية للموت، وأنه لا يخضع للتجربة، ومن ثَمَّ فإنه لا ينبغي أن يمثل أهمية للبشر، لأن المذكور في الأديان عن عواقب الموت لا يمثل قلقًا للملحد.

وأنتم جميعا يا من رحتم تتلاعبون بالحقائق، وتجادلون في اليقينيات.. لقد كنتم تخدعون أنفسكم، وتخدعون عقولكم في الوقت الذي تصورتم أنكم تسخرون فيه من المؤمنين الذي كانوا أكثر منكم طمأنينة، وأسعد منكم حالا.

التفت يبحث في المحيطين به، ثم صاح: أين أنت [كلود أدريان هيلفيتوس].. وأنت يا [دنيسديدرو].. لقد كنتما صادقين مع نفسيكما على الرغم من إلحادكما، فقد اعترفتما بأن النتائج المترتبة على الإلحاد تتسق مع الاكتئاب.

لكنكما كسائر الملحدين رحتما تخدعان نفسيكما بالمخدرات التي تبعدكما عن الواقع وعن جوهر الحقيقة.. كذلك الغبي الذي تصور أنه لإيجاد الراحة والقضاء على القلق من الموت طرح فكرة بقاء الأنواع.. لقد قال معبرا عن ذلك: (الفرد يموت.. لكن الأنواع لا نهاية لها)

أو كذلك الأحمق [إتيان دي سينانكور] الذي ذكر أن الحل الوحيد لمشكلة الموت هو شفاء البشر من مرض الرغبة في الخلود.. وذلك من خلال استغلال جميع طاقته دفعة واحدة في حياته الحاضرة.

أو كذلك التلميذ الغبي له [ماركيزدي ساد] الذي دعا إلى رفض الرغبة في الخلود، بل وازدرائها، والاستغراق الكامل في الشهوانية، وإلحاق المعاناة بالآخرين، باعتبارها وسيلة لإطفاء الخوف من الموت…

أو كذلك الأحمق المغفل المتكبر [نيتشه] رائد العدمية الذي فسر الرغبة في الخلود بالرغبة في القوة والسلطة.. واعتبر أن ذلك هو معنى الحياة، ومعيار الحسن والقبح والسعادة.. أو كما عبر عن ذلك بقوله: (أي شيء يعد حسنا؟ كل ما ينمي الشعور بالقوة.. أي شيء يعد سيئا؟ كل ما يتأتى من الضعف.. ما هي السعادة؟ الإحساس بأن القوة في تنام، وأن هناك مقاومة يتم التغلب عليها. ليس الرضا، بل مزيدا من القوة، ولا السلم في كل الأحوال، بل الحرب، لا الفضيلة، بل البسالة.. لابد أن يضمحل الضعفاء وذوي التكوينة المعوقة، وعلينا أن نساعدهم على ذلك)

أو كذلك الوجودي المتحرر [سارتر] الذي عبر عن أطروحاته الغبية في هذا المجال بقوله: (كنت أعلم جيدًا أنه (العالم)، (العالم) العاري الذي يظهر فجأة، وكنت أختنق غضبًا من هذا الكائن العبثي الضخم. لم يكن بإمكان المرء حتى أن يتساءل من أين كان ذلك كله خارجا؟، ولا كيف تم إن وجد عالم؟، ولم يوجد لا شيء؟. لم يكن لذلك أي معنى. كان العالم حاضرًا في كل مكان، أمام ووراء. لم يكن ثمة شيء (قبله) على الإطلاق. لم تكن ثمة لحظة لم يكن يستطيع فيها ألا يوجد).. ولذلك راح يدعو إلى الحرية المطلقة، لأنه ـ بحسب تصوره الأبله ـ لن يكون هناك أي معنى قبلي للوجود، ولا غرض بعدي له.

لقد عبر عن ذلك بقوله: (لقد كتب ديستوفيسكي مرة: إذا لم يكن الله موجودًا؛ فكل شيء مباح. وما كتبه ديستوفيسكي هو النقطة التي تنطلق منها الوجودية. والتي نعتقد فيها أن إنكار وجود الله يعني أن كل شيء يصير فعلاً مباحًا، وأن الإنسان يصير وحيدًا مهجورًا، لا يجد داخل ذاته أو خارجها أية إمكانية يتشبث بها)

هكذا قال أصحابي من المتفائلين من الملاحدة.. أما المتشائمون منهم.. فقد راحوا يغرقون في العبثية والتشاؤم والاكتئاب..

أذكر منهم زميلنا في مدرسة الإلحاد [نيكولا دي شامفورت] الذي اعتبر الحياة مرضا، وأن الموت هو الدواء.. وأن الحياة ليست سوى تعذيب طويل، يمثل الموت تحررا منها.. وقد كتب يقول في لحظات انتحاره: (إنه من المؤسف حقًا أننا ولدنا)

وأذكر منهم زميلنا [برتراند راسل] الذي تحدث في محاضرته (لماذا لست مسيحيًا؟) عن حتمية فناء العالم، ثم التفت إلى ما تسببه تلك النظرة من اكتئاب وتشاؤم، ولا ينكرها، وإنما يحاول توجيهها إلى أنها ليست بتلك القدرة على الإِحْزان، فقال: (عندما يأخذ المرء قوانين العلم العادية سيجد المرء أن الحياة البشرية على هذا الكوكب والحياة بشكل عام ستنتهي في نقطة زمنية معينة، أي أنها مرحلة انتقالية في دمار وخراب المجموعة الشمسية. في مرحلة انتقالية معينة تكون البلازما مناسبة للحياة وذلك لمرحلة قصيرة من عمر المجموعة الشمسية. القمر يعرض أمام العيون كيف ستكون نهاية الأرض، ميتة، باردة، وبلا حياة. ماذا سيحدث للعالم بعد ملايين السنين؟، لا تتسبب في بؤس وتعاسة أي إنسان. بالرغم من أنها في الحقيقة نظرة قاتمة عندما يرى المرء أن الحياة ستنتهي، ورغم ذلك عندما أرى أحيانًا ماذا يصنع البشر في حياتهم، أرى ذلك نوعًا من التعزية. ولذلك فإن هذه النظرة التشاؤمية لا تتسبب بتعاسة حياتنا، إنما تدعونا إلى لفت النظر إلى أشياء أخرى)

قال ذلك.. ثم راح يبكي ويضحك.. ويتحرك كالقردة والمجانين.

ديفيد رونيجارد:

قام بعده رجل بحركات عشوائية كثيرة لا لم أفهم مقصوده منها.. ثم راح يحاول أن يحول من بكائه المرير إلى ضحك، ويحاول أن يرسم ابتسامة على وجهه، فيفتح شفتيه بكلا يديه، لكن الابتسامة تأبى أن ترتسم، ويبقى الحزن هو الوحيد الذي يكسو وجهه..

قام، وقال: أنا [ديفيد رونيجارد([21])].. اسمحوا لي معشر العبثيين أن أسرد عليكم ما كتبته من كلمات قبل موتي.. وما لم أكتبه.. ما سجله التاريخ.. وما لم يسجله.. ما عبر عنه لساني، وما عبرت عنه فطرتي التي قمعها لساني..

لقد كتبت في آخر رسالة لي للبشرية أقول([22]): (أنا فيلسوف علماني التفكير.. لا يشكل الإيمان لدي فضيلة من الفضائل.. أدحض جميع الحجج التي تثبت وجود الرب وقدرته.. فلسفتي في الحياة مبنية على التفكير العقلاني، والأدلة المنطقية.. أعتبر الموت نهاية لحياتنا الواعية، وأرى أن الإنسان يصنع قدره بنفسه)

وكتبت أقول: (إن التأملات العامة التي تكتب عن الموت غالبا ما تكتب خوفاً منه لا أثناء مواجهته.. أنا في وضع متميز كوني أكتب عن الموت وأنا أواجهه.. للتو قيل لي، في سن 37 عاماً، أنني في المرحلة الرابعة من سرطان الرئة.. إن الإلحاد وتلقي أنباء الاقتراب الوشيك للموت لمزيج مؤسف حقاً.. من أين يستمد الفيلسوف الملحد العزاء؟ من الذي يعطي للحياة المعاشة معنى، ومن أين يتأتى التسليم بالمصير المتوقع؟)

وكتبت أقول: (لم يكن لدي ميل أبداً نحو الخوارق، ولم يشكل الدين في حياتي ذا مصداقية أو مصدراً للعزاء.. كما لم يشجعني الموت الذي يلوح في الأفق على فهم العزاء بصورة زائفة، بالرغم من حاجتي الماسة إليه.. في الواقع، أجدني بالرغم من هوسي بالموت، ألتمس العزاء من وصف سقراط للفلسفة بأنها عملية قبول الإنسان لموته.. الآن، وأنا أواجه النهاية الحتمية للحياة في سن مبكرة، أتساءل عما إذا كنت قد استطعت الوصول إلى مرحلة القبول بها على الصعيد الشخصي)

وكتبت أقول: (غالباً ما يتم تصوير الفلاسفة بأنهم يحاولون الإجابة عن الأسئلة الكبيرة، خاصة سؤال ما معنى الحياة؟ في الواقع أن هذا السؤال لا يتناوله الفلاسفة إلا في محادثاتهم العابرة، ولكنني نادراً ما لاحظت أنه مدعاة للقلق بين مدرسي الفلسفة، على الرغم من أن عدد غير قليل من المفكرين غير المتدينين قد حاول الإجابة عن هذا السؤال بوجه أو بآخر.. يكمن السبب في تجاهل الفلاسفة الإجابة عن سؤال معنى أو قيمة الحياة في أن لدى هؤلاء فهم ضمني بأن مثل هذا المعنى أو القيمة تجربة شخصية.. وإن كان معظم الفلاسفة لا يضيعون أوقاتهم في التفكير في معنى لحياتهم فلماذا يتوجب على سواهم فعل ذلك؟ إنها أمثولة الفيل في الغرفة بالنسبة للفكر العلماني..)

وكتبت أقول: (إن سؤال [معنى الحياة] في الفلسفة التحليلية غائب تماماً، فإلى وقت قريب تركزت المساهمات الفلسفية على فهم معنى [المعنى] و[الحياة] بدلاً من فهم [معنى الحياة].. وفي هذا تجيء مقولة برتراند راسل بأن [كل شيء غامض لدرجة أنك لا تدرك ذلك إلا عند محاولتك جعله دقيقاً] لتذكرنا بمدى الإعجاب الذي نكنه للفلسفة التحليلية التي تطمح إلى جعل كل شيء واضحاً.. لكن بصراحة، لا شيء من هذا مفيد لفرد يبحث عن معنى للحياة وهو موشك على الموت.. أما بالنسبة لعامة الناس فإنه أمر لا يحمل دلالة واضحة بل هو عصي على الفهم، كما أنه منزوع العاطفة ولا يفيد كتجربة شخصية.. ما يفيد في هذا المجال هي الفلسفة الوجودية كونها ترتكز على أصالة الوجود واعتبارية الماهية، مما يقربنا من فهم ما يشكل قيمة في حياتنا ويساعدنا بالتالي على إيجاد معنى لها ونحن نحاول أن نحقق هذه القيمة.. ولهذا، فإن سؤال [المعنى] لدى الفيلسوف الوجودي يعتبر بالنسبة له صيغة وصفية لا علاجية)

وكتبت أقول: (في هذا الفراغ، يزعم الدين احتكاره لصيغة حصرية لمعنى الحياة والموت.. هنا يرد المعنى الديني مع وعد في نهاية المطاف بالنجاة من الموت تماماً (على سبيل المثال، إنجيل يوحنا (25: 11) (من آمن بي ولو مات سيحيا).. إن توق الإنسان إلى الدين ينبع جزئياً من خوفه من الموت وبحثه عن العزاء من خلال الإيمان بالدار الآخرة.. ومع ذلك، فإن الفكرة المطمئنة عن الدار الآخرة من غير المرجح أن تكون صحيحة، بل ليست هناك حاجة إليها.. ففي رأيي، لا أعتقد أن الموت يجب أن يخشى، لأنه حالة من العدم وامتداد للصمت المطبق الذي جئنا منه.. علاوة على ذلك، مع عدم وجود الحياة الأخروية، علينا أن نستغل ما تبقى لدينا من وقت في هذه الحياة بالصورة المثلى، خاصة وأن فرص الاستفادة مما تبقى لنا من هذا الوقت مجهولة إلى حد كبير لدى معظمنا.. ولذلك يجب أن تكون مخاوفنا، إما بسبب ضياع هذا الوقت، أو بسبب عدم حصولنا على ما يكفي منه..)

وكتبت أقول: (إن النظرة غير الدينية لا تشكل وعداً بالخلود، ولكنها توفر بعض الراحة.. على سبيل المثال، ليس لدي أي شعور بأنني قد عوملت بشكل غير عادل.. أنا لا أتساءل ماذا فعلت لاستحق ما يحدث لي، وأنا بالتأكيد لا أعتقد أن أي شخص آخر هو أحق بمصابي مني.. حسناً، أستطيع أن أفكر في بعض من يستحق ذلك، ولكن هذا خارج عن الموضوع.. المهم في الأمر بأنه ما من أحد كتب علي هذا المصير، وبالتالي لست بحاجة إلى تبديد ما تبقى لدي من وقت في التفكير بظلم ما وقع علي.. ببساطة كنت كمن وقعت في يديه ورقة يانصيب الطفرة الجينية الخبيثة..)

وكتبت أقول: (يقول رجال الدين أحياناُ بأنه ما من ملحد يستطيع بمجرد الوقوع في حفرة الاحتفاظ بإلحاده، بافتراض أن الملحد سيغير معتقداته ويؤمن بالخوارق بمجرد تغير حظوظه الدنيوية.. ولكن إن كان التمني سهلاً وفاعلاً في هذه الحالة، لكنت ببساطة تمنيت شفائي من السرطان.. إن المنحى الإنساني الذي يتجنب الخوارق يتيح لنا الاستفادة مما تبقى لنا من أعوام في هذه الحياة.. المعضلة تكمن في أننا لم نحصل على أعوام كافية كما كنا نأمل (ناهيك عن الآخرة).. أتمنى أن أقول في هذه اللحظة ما يبعث على المواساة ولكن ربما هي جزء من أزمة وجودية يتوجب أن يعيشها أي إنسان..)

وكتبت أقول: (عندما لا يوجد ما يمكننا أن نخسره فإننا ندرك تماماً ما يتوجب علينا ألا نخسره.. أنت تعيش الحياة بطريقة مغايرة تماماً لأنك تعلم أنك ميت.. لدى ممرضتي وشم على ذراعها مكتوب فيه [عش حياتك كأنك ستموت اليوم، وأحب كأنك ستعيش إلى الأبد].. يصبح العيش في الحاضر أكثر يسراً عندما يدرك المرء بأن حياته شارفت على الانتهاء.. إنه يعي أيضاً أهمية من يحبهم، وتفاهة ما يملكه من أموال ومقتنيات مادية.. أنا أقول هذا الكلام لكوني أعيش في السويد وأتمتع بالرعاية الصحية الشاملة ولذلك لا أقلق بشأن الفواتير الطبية العالية المترتبة على علاجي.. ولكن بغض النظر، فإن المال لا نفع منه إن لم تستطع إنفاقه.. إن غياب القلق المادي، يمكن الإنسان من رؤية كل شيء بوضوح تام..)

وكتبت أقول: (تتبدى الحياة لدى معظم الناس كنوع من التطلع إلى المستقبل لا كعد تنازلي.. ولكننا نحتاج كلا المنظورين.. ففي مرحلة ما من حياتنا، سوف يلوح لنا الأفق وعلينا ساعتها أن نسأل أنفسنا السؤال التالي: ما الذي أراه عندما أنظر في المرآة الخلفية، وبماذا أشعر حيال ما أتركه ورائي؟)

وكتبت أقول: (إن التمييز بين ما هو [مطلق] و[نسبي] لمعنى الحياة يتوقف على ما إذا كان أي شيء ذو قيمة خارج تصورنا لمفهوم القيمة.. إن النظرة الدينية تفرض علينا تصوراً خارجياً مطلقاً للقيمة بينما تفرض النظرة الإنسانية علينا تصوراً نسبياً للقيمة.. لا أعتقد أن هناك تصوراً مطلقاً للقيمة لأنها حالة ذهنية تتطلب وجود طرف خارجي يقوم بها.. ومع ذلك، فقد يكون هناك مجال لمشاعر نعتبرها جميعاً ذات قيمة.. إن قرب انتهاء الحياة قد يساعدنا على رؤية تلك القيمة..)

وكتبت أقول: (إننا عندما نتطلع إلى المستقبل، فإن حياة الانغماس الذاتي لا تبدو غير معقولة، ولكن ما نقدره في الوقت الراهن قد لا يبدو في غاية الأهمية عندما ينظر إليه في سياق الحياة المحدودة.. عندما نضطر أن ننظر من خلال المرآة الخلفية، فإن حياة الانغماس الذاتي قد ولت تماماً.. ماذا تبقى بعد ذلك من قيمة تمكننا من الإحساس بأننا عشنا حياة ثرية؟ ما هي المشاعر التي ستبقى خالدة؟.. كما أراها، فإن المشاعر الخالدة هي الذكريات التي اجتازت اختبار الزمن كلحظات الفرح مع من نحب، وتلك السعادة التي تشع في النفس من إنجازات حققناها.. إنه لمن الصعب إيجاد كلمات تصف هذه المشاعر الخالدة لكنها مشاعر تحوي جانباً روحانياً.. يقال بأن الفلسفة تبتدئ حيث ينتهي الدين، ولكن في هذه اللحظة فإن الشعر قد يعبر عن هذه المشاعر بطريقة تعجز عنها الفلسفة التحليلية.. إننا نحتاج بدلاً عن الدقة المفاهيمية إلى إفساح المجال للغة أكثر ملاءمة للمشاعر..)

وكتبت أقول: (إن ما يثير مشاعر خالدة يختلف من شخص لآخر، ولكنني أرى بتواضع أن هذه المشاعر سوف تنبع من الأحداث التي مست حياة الآخرين، وظلت محفورة في ذاكرتهم.. إن النظرة الإنسانية للخلود ليست مادية بل تتبدى في صور متعددة تمس حياة الغير مثل الصداقات المتينة، ولحظات الولادة الأولى، والمشاريع التي نؤسسها، والكتب التي نكتبها.. في جوهرها، هي آثار الأقدام التي نتركها وراءنا..)

وكتبت أقول: (إن الحياة المعاشة بحق هي تلك التي عشناها من خلال الآخرين ونحن أحياء، إذ أن الآخرين يضفون معنى لحياتنا من خلال إتاحة الفرصة لنا كي نحبهم.. أما عند موتنا، فإن المعنى الذي نقدمه لهم يكمن في الاستمرار في أن نكون موضع محبتهم.. إن الوعي بالموت يسلط الضوء على مثل هذه المشاعر الخالدة ويبين لنا ما يتوجب علينا تقديره بعمق.. ضمنياً، فإن الإيمان بالدار الآخرة، والذي يصل إلى حد إنكار الموت، قد يحجب عنا هذه البصيرة..)

هذا ما كتبته، وما قرأه الناس، ووجد فيه الكثير من الملاحدة سلوى عن الآلام التي تصيبهم جراء تذكرهم للموت وللعدم بعده.. وللعبثية التي سبقت ذلك ولحقته.

لا أكتمكم أني كتبت ذلك، وأنا أتجرع آلاف الغصص والآلام.. وكنت أتجرع معها كذلك الكثير من الكبرياء.. وكانت رسالتي للبشرية هي نوع من الاستغاثة لرب البشرية الذي تكبرت عليه، ولم أحترمه، ولم أقدره.. ولست أدري لم؟

لقد كانت فطرتي تود أن تصيح في كل كياني مخاطبة المبدع العظيم قائلة له: (ها أنذا يا إلهي قد أنهيت مرحلة هذه الحياة بحلوها ومرها، وأنا أريد منك أن تبدلني منها حياة خيرا منها، وأكرم في جوارك الكريم).. لكني لم أفعل.

وقد شاء الله أن يرسل لي في تلك اللحظات من ينبهني من غفلتي، ويوقظني من سباتي، لأرى الوجود بصورته الحقيقية، لا صورته التي رسمتها لي الفلسفة التحليلية والوجودية والعبثية التي حطمت فطرتي وحقيقتي.

بعد أن خرجت من عيادة الطبيب، وتجرعت غصص الخبر المؤلم الذي هز كياني كله، التقيت رجلا مؤمنا.. كان من المسلمين.. وكان لا يختلف عمره عن عمري كثيرا.. وكان هو الآخر أيضا دارسا للفلسفة ومهتما بها لكنه درس معها كتابه المقدس الذي كان يحمله معه..

والعجيب أنه خرج من نفس العيادة، وأخبره الطبيب أن حالته لا تختلف عن حالتي، وأن أيامه معدودة في الدنيا.. لكني مع ذلك وجدته بحالة مختلفة عن حالتي التي كنت أحاول سترها.

اقتربت منه، وقلت له: ألا يمكنك أن تخبرني عن حالتك النفسية في هذه اللحظات.. فأنا أريد أن أكتب مقالا في الموضوع.. ولعله آخر مقال أكتبه في حياتي.

قال، والابتسامة على وجهه: هذا يسرني كثيرا.. نعم أنا حزين.. لأن كل إنسان فطر على حب الحياة الدنيا.. ولكني مع ذلك سعيد..

قاطعته، وقلت: ألأنك ستذهب للعدم؟

ضحك، وقال: وهل في العدم سعادة.. وهل هناك من يسعد لأنه سيعدم؟

قلت: فإلي أين ستذهب؟ أليس إلى القبر؟

قال: ذلك جسدي.. وهو من التراب.. ولابد أن يعود إلى التراب.. أما أنا فشيء آخر.. أنا أكثر قداسة وسموا ورفعة.. أنا كائن سماوي هبط إلى الأرض ليؤدي وظائفه.. وأظن أنني سأسرح وأحال إلى التقاعد عن قريب.. وأظن أن الله قد وفقني فعملت الكثير من الأشياء الطيبة.. ولذلك فأنا بمقدار حزني سعيد لأني سألاقي ذلك الجميل الذي عشت حياتي كلها في صحبته.

قلت: هذه فلسفة المجانين؟

قال: بل هذه فلسفة العقلاء والأنبياء والأولياء.. فمن خلق هذا الكون جميعا، بهذا الإبداع لا يمكن أن يكون قد خلقه عبثا.. العبثية شأن المهرجين لا شأن الحكماء.. والله أحكم الحكماء.

قلت: هلا وضحت لي ما تقصد.

قلت هذا وأنا أنوي أن أقارن بين فلسفته للحياة والموت وفلسفتي.. وللأسف فإني لم أتلق كلماته بقلبي، ولا بعقلي، وإنما تلقيتها لأسخر منها، وأهزأ بها، وأكتب مقالي الذي قرأته عليكم للرد عليها.. مع أنه لا دليل لي إلا هواي المجرد.

لكنه أجابني بكل أدب، وقال([23]): اعلم يا أخي أن الخالق الرحيم والرزاق الكريم والصانع الحكيم الذي أبدع هذا الكون جميعا، جعل هذه الدنيا على صورة عيد بهيج، واحتفال مهيب، وزينها بالآثار البديعة لأسمائه الحسنى، وخلع على كل روح صغيرا كان أم كبيرا، عاليا كان أم سافلا، جسدا على قدره، وجهزه بالحواس والمشاعر، وكل ما يوافقه للاستفادة من النعم المتنوعة التي لا تعد ولا تحصى، والمبثوثة في ذلك العيد البهيج.

لكن بعد انتهاء الاستعراض الرباني لكل طائفة من الطوائف، وبعد استحصال النتائج المقصودة من ذلك العرض، يتفضل الفاطر الرحيم والصانع الكريم على كل طائفة من الطوائف، فيمنحهم رغبة في الراحة واشتياقا إليها، وميلا الى الانتقال الى عالم آخر.

وحينما يرخصون من تكاليف الحياة ويسرحون من وظائفها، ينبه سبحانه في أرواحهم رغبة قوية وحنينا إلى موطنهم الأصلي..

ولذلك فإن المؤمن لا ينظر إلى الموت باعتباره إعداما، بل يعتبره تبديل مكان.. والقبر عنده ليس فوهة بئر عميق، بل باب لعوالم نورانية.. والدنيا مع جميع مباهجها في حكم سجن ضيق بالنسبة لسعة الآخرة وجمالها.. ولذلك، فإنه يشعر أن الخروج من سجن الدنيا والنجاة من ضيقها إلى بستان الجنان الأخروية، والانتقال من منغصات الحياة المادية المزعجة الى عالم الراحة والطمأنينة، والانسلاخ من ضجيج المخلوقات وصخبها الى الحضرة الربانية الهادئة المطمئنة الراضية، سياحة بل سعادة مطلوبة بألف فداء وفداء.

قلت: ألا ترى أنك تكذب على نفسك بذلك؟

قال: ومن قال لك إنك تصدق معها.. ألا يمكن أن يكون الحق معي.. أم أن الحق حكر عليك، وعلى الفلاسفة الذين بعتهم روحك.

قلت: ولكن الذي ذهب إلى ما ذهبت إليه فلاسفة أصحاب عقول.

قال: والذي ذهب إلى ما ذهبت إليه أنبياء أصحاب عقول وأرواح، وقد أثبتوا لي صدقهم بآلاف الحجج والبراهين.

قلت: تلك خرافات الأديان.

قال: بل تلك حقائق الوجود الكبرى التي تلاعب بها الإنسان ليفر من ربه إلى هواه.. وفي الأخير لن يجد شيئا.

قلت: فما قيمة الحياة عند ربك.. هذا الذي يستضيفنا، ثم لا يلبث حتى يقهرنا بالموت.

أخذ ينظر إلى الأفق البعيد.. وكأنه يتحدث نيابة عن ربه: ربي قال لي: الحياة الدنيا التي تعيشها ليست سوى مزرعة للآخرة.. فازرع واجن ثمراتها واحتفظ بها، واهمل قذاراتها الفانية.. واعلم أنها مجاميع مرايا متعاقبة، فتعرف إلى من يتجلى فيها، وعاين أنواره، وأدرك معاني أسمائه المتجلية فيها واحبب مسماها، واقطع علاقتك عن تلك القطع الزجاجية القابلة للكسر والزوال.. واعلم أنها موضع تجارة سيار، فقم بالبيع والشراء المطلوب منك، دون أن تلهث وراء القوافل التي أهملتك وجاوزتك، فتتعب..

وقال لي: اعلم أن الحياة الدنيا متنزه مؤقت، فاسرح ببصرك فيها للعبرة، ودقق في الوجه الجميل المتستر، المتوجه إلى الجميل الباقي، وأعرض عن الوجه القبيح الدميم المتوجه إلى هوى النفس، ولا تبك كالطفل الغرير عند انسدال الستائر التي تريك تلك المناظر الجميلة..

وقال لي: اعلم أنها دار ضيافة، وأنت فيها ضيف مكرم، فكل واشرب بإذن صاحب الضيافة والكرم، وقدم له الشكر، ولا تتحرك إلا وفق أوامره وحدوده، وارحل عنها دون أن تلتفت إلى ورائك.. واياك أن تتدخل بفضول بأمور لا تعود اليك ولا تفيدك بشئ، فلا تغرق نفسك بشؤونها العابرة التي تفارقك.

التفت إلي، وقد رآني مستغرقا في حديثه، وقال: بمثل هذه الحقائق الظاهرة يخفف ربي عني آلام فراق الدنيا، وينبهي إلى أن ذلك ليس سوى أثر من آثار رحمته الواسعة في كل شئ، وفي كل شأن.. فلذلك أنا سعيد لألقى ربي.. وربما نلتقي هناك.

عندما قال لي هذا رحت أسخر منه.. وقد صادف أن متنا في يوم واحد.. وقد رأيته في حلة جميلة.. وأنا في الحلة التي ترون.. وقد قال لي حينها: ألم أقل لك إننا في دار الضيافة الإلهية.. وأننا عائدون لا محالة إليه.

قال ذلك.. ثم راح مثل أصحابه يخلط الضحك بالبكاء.. ويتحرك كالقردة والمجانين.. ويحاول أن يرسم الابتسامة على وجهه، وتأبى الابتسامة أن تكذب عليه.

***

بينما أنا في قمة استغراقي في سماع ما قاله هؤلاء الملاحدة العبثيون، نبهني صاحبي المرشد، وقال لي: أظن أن ما سمعته هنا من اعترافات يكفي… فهلم بنا إلى جناح آخر… لترى أهله وتعرف أسرار إلحادهم..


([1])  الكلمات، النورسي،  ص 350.

([2])  الكلمات، النورسي،  ص 351.

([3])  الكلمات، النورسي،  ص 351.

([4])  انظر: الأمثال في رسائل النور، د. الشفيع الماحي أحمد.

([5])  الكلمات، النورسي،  ص 352.

([6])  إبيقور(341-270 ق.م) فيلسوف يوناني قديم، وصاحب مدرسة فلسفية سميت باسمه (الإبيقوريّة)، كتب أبيقور كثيراً حتى أنه فاق العديد من الفلاسفة، وبلغت مؤلفاته 300 كتاب كانت من خالص فكره.. وقد اختلف الكتَّاب في أفكاره وحياته الخاصة، فبعض الكتَّاب المتأخرين يصف حياته بالحياة المنعمة اللاأخلاقية، إلا أن البعض الآخر يقول بأن كل خطاباته تدل على أنه كان متواضعاً في طعامه، وأن مفهوم اللذة عنده لا يقصد به الإباحية الأخلاقية أو ما شابه ذلك من مفاهيم.. وهكذا اختلفوا في إيمانه وإلحاده، فبعضهم يعتبره ملحدا لا يؤمن بإله، وبعضهم يعتبره ملحدا لكونه أنكر الوثنية، ولم ينكر الله نفسه.

([7])  يعدّ تيتوس لوكريتيوس كاروس واحداً من كبار الشعراء والفلاسفة الرومان. ويصنّفه بعض الدارسين ضمن الفلاسفة الأبيقوريّين. ولد نحو 99 ق.م. وتبدو المصادر التاريخيّة شحيحة في الإخبار عن تفاصيل حياته وطبيعة شخصيّته.

([8])  تعتبر [مشكلة الشر] في الغرب اليوم، أهم شبهة إلحادية، وقد صرح كثير من أئمة الإلحاد، مثل (أنتوني فلو)، أهم منظري الإلحاد في العالم، في النصف الثاني من القرن العشرين، قبل تراجعه في بداية القرن الواحد والعشرين، أن شبهة الشر هي سبب إلحادهم، وجحدهم وجود إله خالق.. وهكذا نرى الفيلسوف الأمريكي (مايكل تولي) في مناظرته مع (ويليام لين كريغ) (2010م)، اكتفى ـ تقريبا ـ باستعراض مشكلة الشر لإنكار وجود الخالق، مصرحا أن الحجة المركزية للإلحاد هي حجة الشر، وهو ما فعله أيضا الفيلسوف البريطاني الملحد (ستيفن لاو)، في مناظرته مع كريغ (2011م)، وقد نشر (باري وتني) دراسة ببليوغرافية عن المؤلفات الفلسفية واللاهوتية التي نشرت عن مشكلة الشر في ثلاثة عقود فقط، من (1960-1990)، فإذا هي تبلغ 4200 دراسة.

([9])  اقتبسنا بعض الردود هنا من مقال بعنوان: [هل يمكن للإله أن يكون شريرًا؟] محمود ماهر.

([10])  طبعا هذا من باب التسليم الجدلي..

([11])   آرثر شوبنهاور: (1788-1860م) فيلسوف ألماني، ولد في دانزيج (غدانسك ببولندا).. أهم أعماله: العالم رغبة وعَرَض، إضافة إلى مجموعة مقالات بعنوان باريرجا وباراليبومينا، جلبت له شهرة عالمية حتى نهاية حياته. وقد ذكر د. عبد الرحمن بدوي الظروف النفسية التي عاشها في حياته، فقال: (ويقولون لنا أنه كان طوال حياته فريسة لكثير من المخاوف الشاذة التي تصل إلى حد الفزع المرضي، وفي سنة السادسة في أثناء تريّضه توقف مرة وشعر بالوحدة المخيفة وتخيل أن أبويه يريدان الخلاص منه، وحينما كان طالبًا في جامعة برلين كان يتصوَّر أنه مصاب بالتدُّرن، ولا يكاد يسمع دنو الحرب من برلين حتى يولي هاربًا مذعورًا، وظل دائمًا يَحذر الناس، ويعتقد أنهم جميعًا أعداء واقفون لإيذائه بالمرصاد) [د. عبد الرحمن بدوي ـ شوبنهور، ص30]

([12])  استفدنا بعض المادة العلمية هنا من مذاهب فكرية معاصرة، عرض ونقد -، للدكتور محمود مزروعة، 189-207.

([13])  كتب نيتشه [شوبنهاور مربّياً] عام 1873 ضمن الجزء الثالث من كتابه [تأملات خارج الأوان] ونشره في 1887. وكان في الأصل اعترافاً بفضل أستاذه..

([14])  وهم الإله، ص108.

([15])  مايكل ل. مارتن: (1932 ـ2015) فيلسوف أمريكي، وأستاذ فخري بـجامعة بوسطن، وهو متخصص في فلسفة الدين، على الرغم من أنه عمل أيضاً على فلسفة العلوم الطبيعية والإجتماعية، وفلسفة القانون.. وهو مؤلف ومحرر لعدد من الكتب، منها الإلحاد: تبرير فلسفيّ (1989)، مرافعة ضد المسيحية (1999)، استحالة الإله (2003)، لااحتمالية الإله (2006)، دليل كامبريج إلى الإلحاد (2006). هو أيضاً عضو في هيئة تحرير جورنال فيلو.

([16])  بليز باسكال (19 يونيو 1623، 19 أغسطس 1662)، فيزيائي ورياضي وفيلسوف فرنسي اشتهر بتجاربه على السوائل في مجال الفيزياء، وبأعماله الخاصة بنظرية الاحتمالات في الرياضيات هو من اخترع الآلة الحاسبة. استطاع باسكال أن يسهم في إيجاد أسلوب جديد في النثر الفرنسي بمجموعته الرسائل الريفية..

([17])  رهان باسكال لا يعني الإيمان الحقيقي، ولكنه نافع للمتحيرين كمقدمة للبحث العقلي، وكمخلص للدوافع النفسية التي تدعو للإلحاد، وقد ذكر بعض المتحيرين كيف استفاد منه للوصول إلى الإيمان الحقيقي، فذر أنه كان في مرحلة من مراحل حياته مؤمنا بوجود الله، لا عن اقتناع عقلي ولكن لأن الإيمان ـ في نظره ـ مناسب له، وملائم للطمأنينة التي يرجو تحقيقها في حياته، ويفتقر إليها الملحد في معيشته المضطربة المتحيرة.. وقد عبر عن هذا بقوله: أنا مؤمن لأن الإيمان يلائمني! ثم ما زال الرجل مستمرا في رحلته الإيمانية، متنقلا من الإشارات الوجدانية إلى البراهين العقلية، حتى تحول إلى الإيمان الحقيقي.

([18])  حوار مع صديقي الملحد.

([19])  استفدت المادة العلمية هنا من مقال بعنوان [الأسس اللا عملية للإلحاد.. مشكلة معنى الحياة نموذجًا]، لعمرو بسيوني.

([20])  فيلسوف ملحد فرنسي (1709-1751)

([21]) د. ديفيد رونيجارد، بروفيسور فلسفة سويدي في جامعة غوتنبرغ، وهو باحث ومدرس متخصص في مجال المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات.. وقد اقتبسنا حديثه هنا من مقال له بعنوان: [ملحد في الجحر: كيف يجد الملحد العزاء في مواجهة الموت؟] وقد نشر المقال في نوفمبر من عام 2014م في مجلة [الفلسفة الآن]، وترجمه: فواز البنفلاح، وهو يحكي انطباعات ما قبل الموت لدكتور سويدي ملحد مصاب بسرطان الرئة.. انظر: مجلة الفلسفة الآن، العدد 105، نوفمبر/ديسمبر 2014.

([22])  النصوص التي بين قوسين هي من مقاله [كيف يجد الملحد العزاء في مواجهة الموت؟]

([23])  اقتبسنا هنا بتصرف كبيرا نصا من الكلمة السابعة عشرة من كليات رسائل النور للنورسي.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *