طبائعيون

طبائعيون

سرنا إلى الجناح السابع في فندق الملاحدة، وقد كتب على بابه قوله تعالى: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا } [الكهف: 51]

سألت المرشد عن الآية، وعلاقتها بهذا الجناح، فقال: هذا جناح الطبائعيين..

قلت: الطبائعيون.. أتقصد أولئك الذين يذكرون بأن العالم وجد بفعل (الطبيعة)، أي أن ذوات الأشياء؛ من نبات، أو حيوان، أو جماد، وخصائصها، أوجدت نفسها، وحركاتها بنفسها، من غير تدخل طرف خارجي أجنبي عنها.

قال: أجل.. أولئك الذين قال الله تعالى تعالى لهم متحديا: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35]

قلت: صدق الله العظيم.. فما ترك القرآن من شيء إلا ذكره.. ولكن لم سموا الطبائعيين.. وهل هناك فرق بينهم وبين الصدفيين القائلين بأن الخلق تم عن طريق المصادفة المحضة.. أي أن الذرات، والجزيئات تجمعت عن طريق الصدفة.. ثم تكونت المادة.. ثم ظهرت الحياة، وتكونت المخلوقات المتنوعة بلا تدبير ولا إحكام مسبق..

قال: كلاهما شيء واحد.. وكلاهما هارب من ربه مستسلم لهواه.. يبحث عن أي علة تبعده عن الدين، وتقربه من الشياطين.. كما قال تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ} [المجادلة: 19]، فهؤلاء كذلك استحوذ عليهم الشيطان، فأبدلهم ذكر الله بذكر الطبيعة، وأبدلهم ذكر العناية الإلهية بذكر الصدفة العبثية.

قلت: ولكن ما علاقة الآية الكريمة المعلقة على الباب بهذا؟

قال: لأن هؤلاء الطبائعيين سواء كانوا من القائلين بالطبيعة المحضة، وأنها الخالق المدبر، أو القائلين بالصدفة، دخل عليهم الشيطان أثناء بحثهم عن سر الخلق، وكيف بدأ، ومن قام به؟ ولذلك طلبت الآية الكريمة من هؤلاء أن يعودوا إلى رشدهم ووعيهم، فهم لم يحضروا ساعة خلق السموات والأرض، ولا خلق أنفسهم، فمن أين لهم الحديث في هذا؟

قلت: ذكرتني بطرفة تروى عن الشّعبي، فقد جاءه رجل، فقال: يا إمام إني خبأت لك أسئلة ـ يقصد التحدي ـ فقال له الشعبي: هاتها.. فقال: يا إمام ما اسم زوجة ابليس؟ فقال الشعبي: ذاك عرس لم أشهده.

قال: ليت هؤلاء أجابوه بما أجاب به الشعبي.. فمن أين للعقول أن تتكهن بما لا تعلم؟

قلت: صدقت.. وقد تعجبت في بحث هؤلاء في مثل هذه المسائل التي خلطوا فيها بين العلم والفلسفة والدين.. مع أنهم يذكرون أن العلوم لا تدرس سوى ما يتعلق بالمادة الجامدة أو الحية وحركتها، والطاقة وأنواعها، وتحاول أن تفهم الظواهر المرتبطة بها، والقوى المؤثرة في سيرها، وصياغة المعرفة في قوانين دقيقة مضبوطة.

قال: ولكن الشيطان لم يدعهم دون أن يفتهم عن عقولهم ودينهم.. ولذلك أضاف لتلك المعاني العلمية فضولا لا دليل عليه سوى الهوى المجرد.. وهو محاولة التعرف على حقيقة الكون ومصدره وصيروته وغيرها من غير أن تكون لديهم الأدوات الكفيلة بذلك.

قلت: صدقت في هذا.. ولهذا أرى الباحثين في هذا مع اتفاقهم على أكثر الحقائق العلمية يختلفون في مثل هذه المسائل.. وهذا دليل على أنه لا علاقة لها بالنتائج العلمية التي وصلوا إليها، وإنما هي متعلقة بأذواقهم ورغبتهم.. ولهذا توزع أعلام العلوم الفيزيائية والفلكية بين مؤمنين وملحدين.. وتوزع أعلام علوم الحياة كذلك بين مؤمنين وملحدين.

ما إن قلت هذا حتى فتح الباب، فرأيت مشهدا جميلا جدا كدت أفتن به، وكدت أطلب من صاحبي أن أدخل الجناح، وأسكن بين أهله.. فقد كانت المناظر في غاية البهاء والجمال، وكانت الحدائق مليئة بالزهور، وكانت الأرض ممتلئة بالعشب الجميل.

لكن ما هي إلا لحظات حتى ظهر بشر كثيرون يشبهون الخنازير البرية الوحشية الشرسة، خرجوا من مخابئ لهم تحت الأرض.. كانت مملوءة بكل أنواع القاذورات.. وكان بعضهم يأكلها.. وقد تعجبت من ذلك مع كونهم يعيشون في مثل تلك الحدائق الغناء الممتلئة بكل صنوف الثمار.

والذي زاد من عجبي أنهم عند خروجهم أخذوا يفتكون بتلك المروج الجميلة، ويفسدونها، ويستعينون بخطمهم القوي على حفر الأرض للوصول إلى النباتات وجذورها مع الاستعانة بأنيابهم الحادة.

ثم لم يأكلوا من ذلك النبات الذي أفسدوه، وإنما راحوا إلى القاذورات يملأون بطونهم منها..

ديموقريطس اليوناني:

فجأة وقف أحدهم، وقد كان يشبه في ملامحه صورة تمثال كنت أراه كثيرا في الكتب المؤرخة للحضارة اليونانية، والتي كانت تذكر أنه تمثال فيلسوف اسمه [ديموقريطس([1])].. وصح ظني، فما هي إلا برهة قصيرة، حتى قال: من عرفني منكم، فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا [ديموقريطس] اليوناني.. الفيلسوف العبقري.. صاحب [المذهب الذري ([2])]

لاشك أن كل من في هذه الغابة المتعفنة بالنبات والزهور كان في يوم من الأيام من تلاميذي.. فأنا أبو الكل.. أبو جميع الطبائعيين والماديين.. الأولين والآخرين.. القدامى والمتأخرين.. حتى الذين تصوروا أنهم عرفوا كل شيء، وتحققوا من كل شيء لم يعرفوا إلا ما عرفته أنا في ذلك الزمن الغابر.

أنا الذي أمليت عليهم أن الوجود واحد لاغير.. وهو ذلك الوجود المادي الذي لا روح فيه، ولا خالق وراءه.. وأنه ينقسم إلى عدد غير متناهٍ من الوحدات غير المتجانسة وغير المدركة بالحسّ، والواحد منها هو الجوهر الفرد، أو الجزء الذي لا يتجزأ.

وأمليت عليهم أن هذه الوحدات غير المتجانسة قديمة أزلية، نظراً إلى أن الوجود لا يمكن أن يخرج من العدم الكلي المحض.. وهي دائمة أبدية، إذْ لا ينتهي الوجود إلى العدم الكلي المحض (اللاوجود مطلقاً)

وأمليت عليهم أن النفس مادّية أيضاً، وهي مؤلفة من أدقّ الجواهر وأسرعها حركة.. وأن كلّ ظواهر الوجود الكوني تتحكم بوجودها آلية الحركة الذاتية للوحدات غير المتجانسة التي يتألف منها الوجود كله.

وأمليت عليهم أن كلّ شيء امتداد وحركة فقط.. ولم أستثن في ذلك أي شيء.. لا النفس الإنسانية.. ولا الآلهة التي كان يعتقد بها أجدادنا اليونانيّون.. فالآلهة مركبة من جواهر كالبشر، إلا أن تركيبهم أدقّ، فهم لذلك أحكم وأقدر، وأطول عمراً بكثير، ولكنهم لا يخلدون.

هذا ما كنت أعتقده، وما كنت أمليته.. وما حولني إلى هذه الصورة الخنزيرية وطباعها القذرة.. فأنا في حياتي لم أمارس سوى ما تمارسه الخنازير من الفتك بالمزارع وإفساد الحقول.. وتخريب العقول.

لقد أعطاني الله من الفرص، وأرسل لي من الحجج، ما كان يمكن أن يحافظ على إنسانيتي.. لكني صرفت نظري عن ذلك كله، ورحت إلى ثياب الخنازير أتقمصها.. وإلى وظائفها أؤديها.

أذكر في ذلك الزمن الغابر أن الله أرسل لي تلميذا من تلاميذ الأنبياء الذين كانوا ينتشرون في الأرض في اليونان وغيرها.. وجلس إلي ليستمع لحججي، وبعد أن انتهيت منها، راح بكل أدب يقول لي([3]): أنت عرضت علي ما تراه من أطروحات تفسر الوجود.. ولم تذكر لي دليلا واحدا يدل عليها.

فقلت له، وقد تملكني الغضب: هي بمنطقيتها وبساطتها تفسر الوجود بما لا تحتاج معه إلى أي برهان.. فهي نفسها برهان على نفسها.

فقال لي بكل هدوء: فأذن لي أن أناقشك فيما ذكرته.. لأبين لك أنها مجرد مقولات لا تستند إلى أي منطق، ولا إلى أي عقل.

لم أملك إلا أن أجيبه، وأنا أسخر منه، لأن قلبي كان مغلقا دون الاستماع له.. لكني أحببت أن أتسلى بحديثه.. قال لي بكل هدوء وأدب: لقد ذكرت لي أنك تذهب إلى أن العدم الكلي المحض لا يمكن أن يتحول إلى الوجود بنفسه، وأن ما هو أزلي لا بد أن يكون أبدياً.. وهذا حق لا يمكنني أن أجادلك فيه.. لأن العدم الكلي المحض لا يمكن ـ عقلاً وبداهة ـ أن يتحوّل بنفسه إلى الوجود، فالعدم لا شيء، ويستحيل عقلاً أن يتحول اللاشيء إلى شيء.. وما هو أزلي ـ أي: واجب الوجود ـ لا يمكن أن تأتيه حالة يكون فيها ممكناً حتى يقبل فيها العدم.

انفرجت أساريري عن ابتسامة عريضة، فقال: لقد صدقت في هذا.. لكنك لم تأت فيه بجديد، فكل العقول توقن بهذا..

قلت: ولكني استنتجت من هذا أزلية المادة.

ابتسم، وقال: ما ذكرته هو قانون.. وإثبات أزلية المادة يحتاج إلى أدلة خاصة تثبتها.. ولا توجد مثل هذه الأدلة.. فالمادّة بطبيعتها المتغيّرة والمتحوّلة القابلة للتحليل والتركيب، لا تصلح أن تكون أزلية، وما ليس أزلياً فهو حادث، وما هو حادث لا بدّ له من مُحْدث.

قلت: فما أدلة الحدوث([4]

ابتسم، وقال: هناك أربعة دعاوى تتعلق بهذا، لكل دعوى برهانها، وهي تشكل جميعا البرهان الدال على حدوث الكون([5]).

قلت: فما الدعوى الأولى، وما برهانها؟

قال: نحن ندعي أن العالم مكون من أجسام وأعراض.. فالأجسام هي ما قامت بنفسها.. والأعراض ما قامت بغيرها وهي الأجسام ومثالها الحركة والسكون والافتراق والاجتماع.

ولا أظن أنك تجادلني في هذا.. فالإنسان ـ مثلا ـ يبدأ نطفة، ثم يتحول علقة، فمضغة، ثم يكتمل خلقه فى رحم أمه، ثم يولد فيصير طفلا، فشابا، فكهلا، فشيخا، حتى يدركه الموت.. فكلها تغيرات مرتبطة بالزمن.. ويقاس على ذلك كل ما فى الكون من جزئيات.. فكل ما فى الكون متغير.

قلت: لا أجادلك في هذا.. فما الدعوى الثانية؟

قال: نحن ندعي أن الأعراض محدثة.. والدليل على ذلك أنها تعدم.. والقديم لا يعدم..

قلت: فما الدليل على عدمها؟

قال: الحس هو دليلي على ذلك.. فنحن نشاهد كل ما هو متحرك ينعدم، فيسكن، وهكذا في الباقي.

قلت: فما الدليل على عدم انعدام القديم؟

قال: الدليل على أن القديم لا ينعدم هو أن القديم إما أن يكون لذاته أو لغيره.. وليس من الجائز أن يكون القديم لغيره.. لأنه لو كان كذلك فمن حق هذا الغير الذي هو علته تقدم هذا القديم فيكون حادثا.. وليس من الجائز أن يكون قدمها لذاتها، فإذا كان كذلك فإن ذاتها باقية، فيستحيل عدمها لكنها عدمت، فيلزم أنها حادثة.

قلت: فما الدعوى الثالثة؟

قال: الدعوى الثالثة، هي أن الأجسام لم تخل من الأعراض المحدثة، ولم تتقدمها في الوجود.. والدليل على ذلك أنها لو خلت من الأعراض المحدثة أو تقدمتها في الوجود لجاز أن يكون الجسم لا متحركا ولا ساكنا.. وهذا لا يمكن فإنه إن كان غير متحرك فمعناه أن يكون ساكنا.. أما أن يكون الجسم ساكنا وغير ساكن في آن واحد فهذا مستحيل.

قلت: فما الدعوى الرابعة؟

قال: الدعوى الرابعة هي أن مالم يخل من الحوادث ولم يتقدمها في الوجود فهو حادث مثله.. والدليل على ذلك هو أن الحادث هو ما له أول، وكان معدوما قبلها، فلو كانت الأجسام قديمة، وهي غير منفكة عن الأعراض لكانت الأجسام موجودة قبل وجود الأعراض، وبالتالي انفكت عن وجود الاعراض، وهذا خلف فتعين أنها حادثة.

قلت: فما ترد على من من يجيز حوادث لا أول لها؟

قال: إن إثبات حوادث لا أول لها يلزم عنه ثلاثة محالات([6])..

أما الأول، فإنه لو ثبت ذلك لكان قد انقضى ما لا نهاية له، ووقع الفراغ منه وانتهى، ولا فرق بين قولنا انقضى ولا بين قولنا انتهى، ولا بين قولنا تناهى، فيلزم أن يقال قد تناهى ما لا يتناهى، ومن المحال البين أن يتناهى ما لا يتناهى وأن ينتهي وينقضي ما لا يتناهى.

وأما الثاني، فهو أن دورات الفلك إن لم تكن متناهية، فهي إما شفع وإما وتر، وإما لا شفع ولا وتر، وإما شفع ووتر معاً.. وهذه الأقسام الأربعة كلها محال؛ والمفضي إليها لا شك أنه محال..

إذ يستحيل عدد لا هو شفع ولا هو وتر، أو لا هو شفع ووتر.. فإن الشفع هو الذي ينقسم إلى متساويين كالعشرة مثلاً، والوتر هو أحد الذي لا ينقسم إلى متساويين كالتسعة، وكل عدد مركب من آحاد إما أن ينقسم بمتساويين، أو لا ينقسم بمتساويين، وأما أن يتصف بالانقسام وعدم الانقسام، أو ينفك عنهما جميعاً فهو محال.. وباطل أن يكون شفعاً لأن الشفع إنما لا يكون وتراً لأنه يعوزه واحد، فإذا انضاف إليه واحد صار وتراً، فكيف أعوز الذي لا يتناهى واحد؟.. ومحال أن يكون وتراً، لأن الوتر يصير شفعاً بواحد، فيبقى وتراً لأنه يعوزه ذلك الواحد، فكيف أعوز الذي لا يتناهى واحد؟

وأما الثالث، فإنه لو ثبت ذلك للزم عليه أن يكون عددان، كل واحد منهما لا يتناهى، ثم أن أحدهما أقل من الآخر، ومحال أن يكون ما لا يتناهى أقل مما لا يتناهى، لأن الأقل هو الذي يعوزه شيء لو أضيف إليه لصار متساوياً، وما لا يتناهى كيف يعوزه شيء؟

قلت: دعنا من هذا.. وأجبني على ما ذكرته من أنّ هذا الوجود نشأ صدفة.

قال: سأجيبك بما ذكره أحفادك وتلاميذ مدرستك ممن هم أوفر علما، وأقدر على البحث في هذا باعتبار تخصصهم فيه([7]).

انتفضت غاضبا، وقلت: أحفادي!؟.. من تقصد؟.. لا.. يستحيل أن يقول أحفادي هذا.. لقد قال (هكسلى) ضاربا المثل على إمكانية الصدفة: (لو جلست ستة قردة أمام آلات كاتبة، وظلت تضرب على حروفها لملايين السنين، فلا نستبعد أن نجد في بعض الأوراق الأخيرة التي كتبوها قصيدة من قصائد شكسبير! فكذلك كان الكون الموجود الآن نتيجة لعمليات عمياء، ظلت تدور في (المادة) لبلايين السنين)

قال: وما أدرى (هكسلى) بمثل هذا.. إن كلامه هذا يناقض ما أثبته كل الرياضيين والعلماء الذين يحترمون أنفسهم وبحوثهم.

قلت: فأخبرني بما قالوا.

قال: لقد قال البروفيسور (ايدوين كونكلين): (إن القول بأن الحياة وجدت نتيجة (حادث اتفاقي) شبيه في مغزاه بأن نتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار صدفي يقع في مطبعة)

ويقول أحد العلماء الأمريكيين: (إن نظرية الصدفة ليست افتراضا وإنما هي نظرية رياضية عليا، وهى تطلق على الأمور التي لا تتوفر في بحثها معلومات قطعية، وهى تتضمن قوانين صارمة للتمييز بين الباطل والحق، وللتدقيق في إمكان وقوع حادث من نوع معين وللوصول إلى نتيجة هي معرفة مدى إمكان وقوع ذلك الحادث عن طريق الصدفة)

وقال أحد العلماء..

قلت: دعنا من آراء الرجال.. وأقنعني بالحقيقة التي تدل عليها العقول.

قال: صدقت.. فآراء الرجال لن تزيدنا إلى تيها.. ولهذا سأحاول إقناعك بعدم إمكانية الصدفة علميا بتصوير ما تحتاجه الصدفة لتحقيق أي عمل.. لو تناولت عشرة دراهم، وكتبت عليها الأعداد من1 إلى 10، ثم رميتها في جيبك وخلطتها جيدا، ثم حاولت أن تخرجها من الواحد إلى العاشر بالترتيب العددي، بحيث تلقى كل درهم في جيبك بعد تناوله مرة أخرى.. فإمكان أن نتناول الدرهم المكتوب عليه في المحاولة الأولى ه واحد على عشرة؛ وإمكان أن تتناول الدرهمين (2،1) بالترتيب واحد في المائة وإمكان أن تخرج الدراهم (4،3،2،1) بالترتيب هو واحد في العشرة آلاف.. حتى إن الإمكان في أن تنجح في تناول الدراهم 1إلى 10 بالترتيب واحد في عشرة بلايين من المحاولات!!

لقد ضرب هذا المثال العالم الأمريكي الشهير (كريسى موريسن)، ثم استطرد قائلا: (إن الهدف من إثارة مسألة بسيطة كهذه، ليس إلا أن نوضح كيف تتعقد (الوقائع) بنسبة كبيرة جدا في مقابل (الصدفة)

قلت: فكيف تطبق هذا المثال على ما نحن فيه من محاولة تفسير وجود الكون؟

قال: لو افترضنا أن المادة وجدت بنفسها في الكون.. وافترضنا أن تجمعها وتفاعلها كان من تلقاء نفسها ـ وليس هناك أي دليل على هذا ـ ففي هذه الحال أيضا لن نظفر بأي تفسير الكون، فإن (صدفة) أخرى تحول دون طريقنا.. فالرياضيات التي تعطينا نكتة (الصدفة) الثمينة هي نفسها التي تنفى أي إمكان رياضي في وجود الكون الحالي بفعل قانون الصدفة.

لقد استطاع العلم الكشف عن عمر الكون وضخامة حجمه، والعمر والحجم اللذان كشف عنهما العلم الحديث غير كافيين في أي حال من الأحوال لتسويغ إيجاد هذا الكون عن قانون الصدفة الرياضي.

سأضرب لك مثا يقرب لك ذلك.. أنت تعلم أن الأجسام الحية تتركب من (خلايا حية).. و(الخلية) ـ كما تعلم ـ مركب صغير جدا، ومعقد غاية التعقيد، وهى تدرس تحت علم خاص يسمى (علم الخلايا) ومن الأجزاء التي تحتوى عليها هذه الخلايا: البروتين وهو مركب كيماوي من خمسة عناصر هي الكربون والهيدروجين والنتروجين والأوكسجين والكبريت.. ويشمل الجزيء البروتيني الواحد أربعين ألفا من ذرات هذه العناصر.

وفي الكون أكثر من مائة عنصر كيماوي كلها منتشرة في أرجائه، فأية نسبة في تركيب هذه العناصر يمكن أن تكون في صالح قانون (الصدفة)؟

أيمكن أن تتركب خمسة عناصر من هذا العدد الكبير لإيجاد (الجزيء البروتيني) بصدفة واتفاق محض؟

إننا نستطيع أن نستخرج من قانون الصدفة الرياضي ذلك القدر الهائل من (المادة) الذي سنحتاجه لنحدث فيه الحركة اللازمة على الدوام؛ كما نستطيع أن نتصور شيئا عن المدة السحيقة التي سوف تستغرقها هذه العملية.

لقد حاول رياضي سويسري شهير هو الأستاذ (تشارلز يوجين جواي) أن يستخرج هذه المدة عن طريق الرياضيات، فانتهى في أبحاثه إلى أن (الإمكان المحض) في وقوع الحادث الاتفاقي الذي من شأنه أن يؤدى إلى خلق كون، إذا ما توفرت المادة هو واحد على 60/10 (أي 10×10 مائة وستين مرة)، وبعبارة أخرى:نضيف مائة وستين صفرا إلى جانب عشرة.. وهو عدد هائل وصفه في اللغة.

إن إمكان حدوث الجزيء البروتيني عن (صدفة) يتطلب مادة يزيد مقدارها بليون مرة عن المادة الموجودة الآن في سائر الكون، حتى يمكن تحريكها وضخها، وأما المدة التي يمكن ظهور نتيجة ناجحة لهذه العملية فهي أكثر من 243/10 سنة.

إن جزيء البروتين يتكون من (سلاسل) طويلة من الأحماض الأمينية، وأخطر ما في هذه العملية هو الطريقة التي تختلط بها هذه السلاسل بعضها مع بعض فإنها لو اجتمعت في صورة غير صحيحة سما قاتلا، بدل أن تصبح موجدة للحياة.

لقد توصل البروفيسور ج. ب. ليتز إلى أنه لا يمكن تجميع هذه السلاسل فيما يقرب من 48/10 صورة وطريقة.. وهو يقول: إنه من المستحيل تماما أن تجتمع هذه السلاسل بمحض الصدفة في صورة مخصوصة من هذه الصور التي لا حصر لها، حتى يوجد الجزيء البروتيني الذي يحتوى أربعين ألفا من أجزاء العناصر الخمسة التي سبق ذكرها.

ولابد أن يكون واضحا أن القول بالإمكان في قانون الصدفة الرياضي لا يعنى أنه لابد من وقوع الحادث الذي ننتظره بعد تمام العمليات السابق ذكرها، في تلك المدة السحيقة؛ وإنما معناه أن حدوثه في تلك المدة محتمل لا بالضرورة، فمن الممكن على الجانب الآخر من المسألة إلا يحدث شيء ما بعد تسلسل العملية إلى الأبد.

وهذا الجزيء البروتيني ذو وجود (كيماوي) لا يتمتع بالحياة إلا عندما يصبح جزءا من الخلية، فهنا تبدأ الحياة، وهذا الواقع يطرح سؤالا مهما علينا هو: من أين تأتى الحرارة عندما يندمج الجزيء بالخلية؟.. ولا جواب عن هذا السؤال في أي سفر من أسفار العلم.

إن من الواضح الجلي أن التفسير الذي يزعمه هؤلاء المعارضون، متسترين وراء قانون الصدفة الرياضي لا ينطبق على الخلية نفسها وإنما على جزء صغير منها هو الجزيء البروتيني وهو ذرة لا يمكن مشاهدتها بأقوى منظار بينما نعيش، وفي جسد كل فرد منا ما يربو على أكثر من مئات البلايين من هذه الخلايا.

لقد أعد العالم الفرنسي (الكونت دى نواي) بحثا وافيا حول هذا الموضوع وخلاصة البحث:أن مقادير (الوقت، وكمية المادة،والفضاء اللانهائي) التي يتطلبها حدوث مثل هذا الإمكان هي أكثر بكثير من المادة والفضاء الموجودين الآن، وأكثر من الوقت الذي استغرقه نمو الحياة على ظهر الأرض، وهو يرى: أن حجم هذه المقادير الذي سنحتاج إليه في عمليتنا لا يمكن تخيله أو تخطيطه في حدود العقل الذي يتمتع به الإنسان المعاصر، فلأجل وقوع حادث- علي وجه الصدفة- من النوع الذي ندعيه، سوف نحتاج كونا يسير الضوء في دائرته82/10 سنة ضوئية (أي:82 صفرا إلى جانب عشرة سنين ضوئية) وهذا الحجم أكبر بكثير جدا من حجم الضوء الموجود فعلا في كوننا الحالي؛ فإن ضوء أبعد مجموعة للنجوم في الكون يصل إلينا في بضعة (ملايين) من السنين الضوئية فقط.. وبناءا على هذا، فإن فكرة أينشتين عن اتساع هذا الكون لا تكفى أبدا لهذه العملية المفترضة.

أما فيما يتعلق بهذه العملية المفترضة نفسها، فإننا سوف نحرك المادة المفترضة في الكون المفترض بسرعة خمسمائة (تريليون) حركة في الثانية الواحدة، لمدة243/10 بليون سنة (243 صفرا أمام عشرة بلايين)، حتى يتسنى لنا حدوث إمكان في إيجاد جزيء بروتيني يمنح الحياة.

ويقول (دى نواي) في هذا الصدد: (لابد إلا ننسى أن الأرض لم توجد إلا منذ بليونين من السنين وأن الحياة- في أي صورة من الصور- لم توجد إلا قبل بليون سنة عندما بردت الأرض)

هذا وقد حاول العلماء معرفة عمر الكون نفسه، وما ذكروه لا يكفي على أي حال من الأحوال خلق إمكان، يوجد فيه الجزيء البروتيني، بناء على قانون الصدفة الرياضي.

وأما ما يتعلق بأرضنا التي ظهرت عليها الحياة، فقد عرفنا عمرها بصورة قاطعة، فهذه الأرض كما يعتقد العلماء جزء من الشمس انفصل عنها نتيجة لصدام عنيف وقع بين الشمس وسيار عملاق آخر، ومنذ ذلك الزمان أخذ هذا الجزء يدور في الفضاء، شعلة من نار رهيبة، ولم يكن من الممكن ظهور الحياة على ظهره حينئذ لشدة الحرارة، وبعد مرور زمن طويل أخذت الأرض تبرد ثم تجمدت وتماسكت، حتى ظهر إمكان بدء الحياة على سطحها.

ونستطيع معرفة عمر الكون بشتى الطرق.. ومنها الطريقة التي توصلنا إليها بعد كشف (العناصر المشعة)، فإن الذرات الكهربية تخرج من هذه العناصر بنسبة معلومة بصفة دائمة؛ وهذا (التحلل) يقل الذرات الكهربية في هذه العناصر، لتصبح تلقائيا عناصر غير مشعة عبر الزمان، واليورانيوم أحد هذه العناصر المشعة، وهو يتحول إلى معدن (الرصاص) بنسبة معينة نتيجة لتحلل الذرات الكهربية، وهذه النسبة في الانتشار لا تتغير تحت أي ظروف من أدنى أو أقصى درجات الحرارة أو الضغط، ولهذا سنكون على صواب لو اعتبرنا أن سرعة تحول اليورانيوم إلى (الرصاص) محددة وثابتة لا تتغير.

إن قطع اليورانيوم توجد في كثير من الهضبات والجبال منذ أن تجمد في شكله الأخير، عند تجميد الأرض.. وإلى جانب هذا اليورانيوم نجد قطعا من الرصاص، ولا نستطيع أن ندعى أن كل هذا الرصاص نتج عن تحلل اليورانيوم، والسبب في هذا أن الرصاص الذي يتكون من تحلل اليورانيوم يكون أقل وزنا من الرصاص العادي، وبناء على هذه القاعدة الثابتة يمكننا أن نجزم بما إذا كانت أية قطعة من الرصاص من اليورانيوم، أو أنها قطعة رصاص عادى ونحن هنا نستطيع أن نحتسب المدة التي استغرقتها عملية تحلل اليورانيوم بدقة، فهو يوجد في الجبل من أول يوم تجمد فيه ونستطيع بذلك معرفة مدة تجمد الجبل نفسه!

لقد أثبتت التجارب أنه قد مر ألف وأربعمائة مليون سنة على تجمد تلك الجبال التي تعتبر- علميا- أقدم جبال الأرض، وقد يظن البعض منا أن عمر الأرض يزيد ضعفا أو ضعفين عن عمر هذه الجبال ولكن التجارب العلمية تنفي بشدة هذه الظنون الشاذة، ويذهب البروفيسور (سوليفان) إلى أن (المعدل المعقول) لعمر الأرض هو ألفا مليون سنة([8]).

انظر.. فبعدما تبين لنا أن المادة العادية غير ذات الروح تحتاج إلى بلايين البلايين من السنين، حتى يتسنى مجرد إمكان الحدوث لجزيء بروتيني فيها بالصدفة، فكيف ـ إذن ـ جاءت في هذه المدة القصيرة في شكل مليون من أنواع الحيوانات، وأكثر من 200.000 نوع من النبات؟ وكيف انتشرت هذه الكمية الهائلة على سطح الأرض في كل مكان؟ ثم كيف جاء من خلال هذه الأنواع الحيانية ذلك المخلوق الأعلى الذي نسميه (الإنسان)؟

لقد قال عالم الأعضاء الأمريكي مارلين ب. كريدر ملخصا كل هذا:(إن الإمكان الرياضي في توفر العلل اللازمة للخلق- عن طريق الصدفة ـ في نسبها الصحيحة هو ما يقرب من (لا شيء)

وقال الأستاذ (كريسى موريسن) ـ ردا على مقولة (هيكل): (إيتونى بالهواء وبالماء وبالأجزاء الكيماوية وبالوقت وسأخلق الإنسان) ـ: (إن هيكل يتجاهل في دعواه: الجينات الوراثية ومسألة الحياة نفسها فإن أول شيء سيحتاج إليه عند خلق الإنسان، هو الذرات التي لا سبيل إلى مشاهدتها، ثم سيخلق (الجينات)، أو حملة الاستعدادات الوراثية بعد ترتيب هذه الذرات، حتى يعطيها ثوب الحياة.. ولكن إمكان الخلق في هذه المحولة بعد كل هذا لا يعدو واحدا على عدة بلايين، ولو افترضنا أن (هيكل) نجح في محاولته فإنه لن يسميها (صدفة)، بل هو حاكمه ومديره ومدبره، بل سوف يقررها ويعدها نتيجة لعبقريته)

وقال عالم الطبيعة الأمريكي (جورج إيرل ديفيس): (لو كان يمكن للكون أن يخلق نفسه فإن معنى ذلك أنه يتمتع بأوصاف الخالق، وفي هذه الحال سنضطر أن نؤمن الكون هو الإله.. وهكذا ننتهي إلى التسليم بوجود (الإله)؛ ولكن إلهنا هذا سوف يكون عجيبا: إلها غيبيا وماديا في آن واحد!! إننى أفضل حاكمه ومديره ومدبره، بدلا من أن أتبنى مثل هذه الخزعبلات)

ما إن قال هذا حتى تغير وجهي، ثم نظرت إلى الأفق البعيد، ورحت أحضر الموقف المناسب للتعامل معه.. وهل أسير معه في طريق الأنبياء.. أم أختار طريقي الخاص، طريق الفلسفة، وتلاميذي الذين كانوا يلتفون بي بسببها، والذين يعتبرونني نبيا.. بل أكثر من نبي.

وبعد تفكر وتدبر وتقدير للعواقب اخترت أن أكون ديموقريطس الغبي صاحب المذهب الذري.. واخترت أن أكون خنزيرا بريا بدل أن أكون إنسانا سويا.

قال ذلك ثم راح يمد أنفه الطويل إلى الأرض ليحفرها، ويستخرج بعض الجذور منها، ثم يرميها، ويأكل بدلها بعض القاذورات المحيطة به.

فيكتور شتينجر:

بعد توقف [ديموقريطس] عن الحديث، وانصرافه إلى الفتك بجذور الأشجار.. قام آخر، عرفته من ملامحه التي تشبه ملامح بعض الملاحدة المعاصرين الذين يظهرون كل حين على القنوات الفضائية، كان اسمه [فيكتور شتينجر([9])]، وهو صاحب العبارة المشهورة التي يمجد فيها العلم، ويسخر فيها من الدين، والتي يقول فيها(العلم يطير بك إلى القمر، والدين يطير بك إلى داخل المباني)

كان وجهه مثل غيره أقرب إلى الخنازير البرية منه إلى الإنسان، وكان أنفه الطويل ممتلئا بالتراب، وكان يمضغ بعض القاذورات التي كان يحملها بيده..

عندما جاء دوره في الحديث رمى ما بيده من قاذورات، ومسح عن أنفه بعض التراب، ثم راح يقول: أهلا بكم أعزائي المشاهدين.. معكم على الهواء مباشرة أكبر غبي في التاريخ.. إنه المقامر.. صاحب الفرضية الفاشلية التي لم تسلب منه ماله فقط، بل سلبت منه حقيقته أيضا، لتحوله إلى خنزير بري يمارس دوره في إفساد الحقول، كما مارس دوره في إفساد العقول.

مسح عن أنفه بعض التراب العالق، ثم قال: لاشك أنكم تعرفونني، فأنا فيكتور شتينجر الذي كنت أزهو كل حين بأني أفكر بطريقة علمية منهجية.. لكني لم أكن كذلك، بل كنت أخلط بين العلم والأهواء، وأمزج بين رأيي والحقيقة، وبين ما هو كائن وبين ما أحب أن أكون.

لذلك كنت ساحرا، ولم أكن عالما.. وكنت أفاكا ولم أكن محققا.. وكنت أفكر برغبتي ومزاجي، ولم أكن أفكر بعقلي.. فقد أعطيت عقلي إجازة منذ رحت أستعمل أهوائي التي استعبدتني، وملكت علي حقيقتي.

سأذكر لكم بعض ما قلت.. وبعض ما رددته الأجيال من تلبيساتي التي لا أزال أدفع ثمنها..

لقد كنت أدعي العلمية والعقلية، وأن العالم لا يمكن أن يحكم على شيء دون أن يحيط معرفة به.. لكني كنت أكذب في ذلك، لأن إلحادي كان بسبب تصورات عامية بسيطة، ولم تكن وليدة بحث معمق، وكانت ناتجة عن فهوم سطحية لبعض النصوص الدينية، ولم تكن وليدة فهم حقيقي.. وكانت نابعة من مواقف عشتها، لا مواقف بحثت عنها.

من الأمثلة على ذلك أني قلت في كتابي [فشل فرضية الاله]: (ولكن الله يفترض أن يكون موجودا فى كل مكان، بما فى ذلك فى كل صندوق مهما صغر، ولهذا علينا إما أن نجده مؤكدين بذلك وجوده، أو لا نجده مفندين بذلك وجوده)([10])

وهذا قول في منتهى السخافة، ومبني على معلومات خاطئة عن الدين.. فالدين الحق، ومعه العقل الخالص ينزهان الله عن المكان مطلقا.. فالله غني عن المكان، كما هو غني عن الزمان، كما هو غني عن كل شيء.. أما كيف ذلك.. فالعقل يستحيل أن يتصور ذلك، لأنه لا يدرك إلا ما هو من عالمه وجنسه.. والعقل دوره أن يبحث ويتعقل، لا أن يتصور ويتخيل.

لقد كان في إمكان أي مؤمن بأي دين أن يسخر مني، ويقول لي، وهو يمسك ببعض أعضائي([11]): هيا أرنا [شتينجر].. أخبرنا فى أى عضو سنجده، أو فى أى خلية سنجده.. فإذا لم نجده، فذلك لا يعني سوى أنه ليس موجودا.

وهكذا قد ننكر كل شيء بحجة أننا لم نره ولم نلمسه ولم تصله حواسنا..

لم أكتف بذلك الغباء الفلسفي الصبياني، بل رحت أسأل: (إن كان الله موجودا فأين هو؟)، ثم أعقب على ذلك بقولي: (لقد سمى الفيلسوف ثيودور درينج هذا برهان غياب الأدلة)([12])

وهذا طرح عجيب.. فهل من العقل أن أنكر أي شيء بسبب عدم معرفتي بالمحل الذي يوجد فيه.. أو بسبب عجز إدراكي عن الوصول إليه؟

في هذه الحالة يمكنني أن أنكر المغناطيسية، والجاذبية، والمادة المظلمة، والطاقة المظلمة، بسبب أن مداركي لا تشاهدها.. وأنها تكتفي للإيمان بها بمعرفة آثارها.. وهكذا الله لم يؤمن به المؤمنون والفلاسفة والعقلاء إلا لمعرفتهم بآثاره.. فالآثار تدل على المؤثر.

هذا بعض دلائل بعدي عن التفكير المنطقي، أما الدليل الأكبر.. وهو أيضا يدل على غبائي وغفلتي، فهو أنني ـ مع كوني عشت في عصر أتيح لي أن أتصل فيه بأي شخص من أي منطقة على أي دين للتحقق والبحث ـ لكني لم أفعل، ورحت أبرز جهالاتي بالأديان من خلال فهومي البسيطة التي تضحك الصبيان.

من الأمثلة على ذلك أني قلت في كتابي: (لقد ادعى مؤسسو وقادة الأديان الكبرى دوما أن الله يمكن رؤيته فى العالم من حولنا.. والقرآن يقول: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53])([13])

فمع أن الآية واضحة في الدلالة على أن الله يعد عباده، بأن يريهم الآيات والبراهين الدالة عليه إلا أنني رحت أحرف الآية، وأستنتج منها أن الله أخلف وعده بأن يري عباده ذاته.. وذلك كله نتيجة تصوري الحسي لله، وعدم تثبتي في الحديث عن الحقائق، لأن الرغبة كانت هي المسيطرة، ولم يكن العلم.

وهكذا رحت أحكم على [الله] من خلال صفاته الواردة في الأديان كما أفهمها، لا كما هي في حقيقة الأمر.. لقد قلت في ذلك: (لاحظ أن الصفات التقليدية: العلم الكلى، والقدرة الكلية، والرحمة الكلية.. الكليات الثلاث المرتبطة عادة بالإله اليهودى المسيحى الإسلامى قد تم حذفها)([14])

ثم ذكرت من الأدلة على ذلك بعض تلك الفهوم الخاطئة التي لا يصح نسبتها للدين نفسه.. فكلام أتباع الأديان لا يمثل الأديان، ولا يمكن أن يلغي الحقيقة الكبرى، حقيقة الله وصفات كماله..

من تلك الأدلة قولي: (كقولهم أن الأرض المسطحة ساكنة فى مركز فلك من النجوم والكواكب كان ببساطة خطأ)([15]) مع أن هذا القول ليس قول العلماء المحققين، بل هو قول الأتباع المخرفين.. وكان يمكنني أن أتجاهلهم، لكن مصلحتي كانت معهم، ولم تكن مع المحققين، فلذلك راح مزاجي أميل لهم.

وهكذا قلت: (ولكن هذا ليس هو الله فى اليهودية والمسيحية والإسلام الذى يولى قيمة كبيرة للكائن البشرى، وكذلك يفترض أنه خلقنا على صورته ومثاله)([16])

وهذه أيضا معلومة خاطئة، وهي مقتبسة من تحريفات الدين لا من حقيقته.. وكان في إمكاني أن أسأل المحققين.. لكن مزاجي لم يسمح لي.

وهكذا قلت: (واتخذ الله فى اليهودية والمسيحية والإسلام هيئة ملك ذكر مستقر على كرسى يعلو خلقه) ([17])

وهذا كذب وتدليس.. فليس في العقائد الإسلامية على الأقل هذه الخرافات.. بل فيه هذه الآية التي تصفه بدقة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]

وهكذا رحت أقول: (فى أديان التوحيد الثلاث يعد الله كائنا فائقا متعاليا وراء المادة والزمان والمكان، ولكنه أيضا أساس كل ما تلتقيه حواسنا.. فالإله اليهودى المسيحى الإسلامى مشارك بنانوثانية بعد نانوثانية فى كل حدث يحصل فى كل نانومتر مكعب من الكون من تفاعلات الكواركات داخل نوى الذرات إلى تطور النجوم إلى أبعد المجرات، وفوق ذلك فالله يستمع لكل فكرة، ويشارك فى كل فعل لخلقه المميز جدا قطعة صغيرة من كم المادة تسمى البشرية وتتحرك على سطح نقطة صغيرة فى كون شاسع)([18])

ولست أدري ما الضرر في هذا؟.. وهل يدل العقل على استحالة علم الإله الذي صمم كل هذا الوجود بكل جزئياته وتفاصيله بكونه الذي خلقه؟.. أم أن العقل يدل على ضرورة علم الإله بخلقه.. لأنه لا يمكن تدبير شؤونهم من دونه؟

لقد قرأت في القرآن هذا، وبهرني ما فيه من دلائل لكني ـ لكبريائي ـ امتنعت من الاستجابة له.. لقد قرأت فيه قوله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، فهذه الآية تنبئ عن سر علم الله بكل شيء.. وهو لطفه وخبرته.

لكن عقلي البسيط لم يهضم ذلك لسبب بسيط، وهو أني كنت أتخيل الله في حال وجوده مثل تخيلي لنفسي.. ولذلك فقد كنت أتصور أنه كما أحتاج أنا إلى المكان يحتاج هو أيضا إلى المكان.. وكما أن قدراتي العلمية وغيرها محدودة، فالله كذلك ينبغي أن يكون كذلك.

لقد كان صديقي [دوكينز] في مثل غبائي وغفلتي وجرأتي، فهو أيضا يتحدث عن عقائد الأديان الثلاثة بثقة مطلقة من دون أن تكون لديه معرفة حقيقية بها.. كل ما قرأه عنها لا يعدو قصاصات الجرائد الساخرة، أو بعض الأشرطة الوثائقية الممتلئة بالتلفيق والتزوير.

لقد قال في كتابه [وهم الإله]: (إن موسى يمكن اعتباره كمثل أعلى أكثر من إبراهيم لأتباع الديانات التوحيدية الثلاث، ربما يكون إبراهيم الأب الأول لتلك الديانات، ولكن الذى يمكن دعوته بالمؤسس والملقن الأول لتلك الديانات هو موسى)([19])

وهذا خطأ كبير.. والخلط بين الله فى الأديان الثلاثة وهم كبير.. فتلك الديانات تختلف عقائدها في الله اختلافا جذريا، فبعضها منزهة وبعضها مجسمة، ومن الخطأ الجمع بينها في محل واحد.

مسح بعض التراب عن أنفه، وأخذ بعض القاذورات، ووضعها في فمه، ثم قال: من مغالطاتي التي كنت أنشرها، فيتقبلها الحمقى من غير اعتراض ادعاء عجز المؤمنين عن إثبات وجود الله، وكونه المصمم للكون.. لقد قلت في ذلك: (إن كنت أو لم تكن توافق على تفسيرى لأصل القانون الفيزيائى أتمنى أنك ستقبل بأنى على الأقل قدمت تتابعا طبيعيا معقولا لفجوة فى المعرفة العلمية تتمثل بإجماع واضح على أصل القانون الفيزيائى، ومن جديد لا يقع على عبء إثبات هذا التتابع، أما المؤمن الذى يحاول المجادلة بأن الله هو مصدر القانون الطبيعى، فعليه عبء إثبات أن تفسيرى خطأ أنه ما من تفسير طبيعى آخر ممكن وأن الله فعل ذلك)([20])

ولست أدري لم ذكرت هذا.. وهل يتعارض التفسير العلمي للظواهر الكونية مع وجود الله؟.. وهل تفسير أحد من الناس للكيفية الفيزيائية التي تعمل بها الطائرة يدل على أنه ليس هناك من صممها، وأن القوانين الفيزيائية وحدها هي التي تولت ذلك؟

هذه من الأغلوطات التي كنت أمارسها.. لأن كنت موقنا أنها ستنطلي على أولئك الذين يتبعونني لأنهم أصلا لم يتبعوني إلا لقدرتي على التحايل على العقول.

من الأغلوطات التي كنت أحتال بها قولي: (أما القرآن فهو لا يقل وحشية عن العهد القديم، إذ يمكن العثور على إشارات وفيرة إلى المصير المرعب الذى ينتظر الكفار، ولكن الله بنفسه هنا هو من يوزع هذا العذاب {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا } [النساء: 56] والمسلمون مأمورون بقتل الكفار أينما وجدوهم، ولكن فقط حين يبدأون بالعداوة)([21])

وهذه مغالطة واضحة.. فالقرآن الكريم يصور الله بصورة الرحيم الودود اللطيف، وفي نفس الوقت يبين قدرته على كل شيء، وعدالته المطلقة، ومن مقتضيات العدالة معاقبة المستحقين للعقوبة..

ثم ما دخل العقل بهذا.. وهل يمكن للطائرة أن تفرض على مخترعها ما تريد من الصفات.. وهل يمكن لأحد أن يستنبط صفات شخص من خلال ما اخترعه؟

ثم إن أي عاقل يقارن القرآن الكريم بالعهد القديم يجد الفرق الشاسع.. فلا يوجد في القرآن ما فى العهد القديم من جرائم الإبادة ليس للناس وإنما لكل ما فى البلدة من ناس وحيوانات ونبات ومساكن.

من الأغلوطات التي كنت أمارسها لأنشر الإلحاد قولي: (والمفجر الانتحارى المسلم قد تم اقناعه بأن فعله الاجرامى سيضمن له الجنة، وأما من جهة أخرى فسلوى الملحد أنه لا يخشى من حياة أخرى، ولا يسعى لتفجير نفسه)([22])

وقد ردد المترجم المسكين هذا الكلام كالببغاوات، وقال: (هل سمعنا عن انتحارى ملحد صرخ العزة لداروين قبل أن يفجر حزامه الناسف فى وسط الأبرياء؟.. هل سمعنا أن مسئولا ملحدا سرق أموال الغذاء والدواء لينفقها ببذخ على نسائه الأربعة وعشيقاته العديدات؟.. هل رأينا ملحدين متعصبين ينظمون استعراضات فى وسط العاصمة يستفزون بها كل أم ثكلى وأب مكلوم وأخ انكسر ظهره على أيديهم؟)([23])

وهذا كله تدليس.. فأنا أعلم مقدار الجرائم التي ارتكبها الملحدون.. فمن قتل الملايين فى الاتحاد السوفيتى، ومن سجنهم أو نفاهم لسيبريا، ومن أغلق المساجد والكنائس ومن كان يستعرض قوته فى الميدان الأحمر؟.. أليس الملاحدة هم الذين فعلوا ذلك؟

ومن قتل الملايين فى الصين وسجنهم، ومن كان يستعرض قوته فى ميدان السلام السماوى؟.. ومن صاحب الثورة الثقافية فى الصين، وماذا فعل بالمقاومين لها؟.. ومن صاحب مذبحة ميدان السلام السماوى تيان آن مين؟.. أليس الملاحدة هم الذين فعلوا ذلك؟

وما دام الأمر كذلك، فلم لم يعتبر الإلحاد جريمة أيضا، كما اعتبر الدين جريمة؟

هكذا كنت أفكر، وهكذا كنت أتلاعب بالحقائق.. لكن الحقائق تأبى إلا أن تنتصر.

قضم بعض القاذورات، ثم راح يضحك بهستيرية، ويقول: هل تعلمون سر كل ذلك؟.. سأجيبكم.. إنها الكبرياء التي ختمت على قلبي، فجعلتني أرى الأشياء بالصورة التي تتناسب مع ذاتي وطبيعتي..

لقد عبرت عن هذا في كتابي، فقلت: (العلم المشار إليه يدعى [العلم الغربى] الذى طوره الأوربيون أصلا مستغلين بصائر رياضية من الهند.. فكرة الصفر العالم العربى.. الأعداد الجبر وثقافات أخرى.. والشعوب فى كل المجتمعات إلا أشدها بدائية اليوم تستغل العلم)([24])

هل سمعتم اعتباري للعلم بأنه [العلم الغربي] وهذا تعبير عنصرى ناتج عن عنصريتي المقيتة.. وهي التي جعلتني أحجب عن كل الحقائق التي لم ينطق بها ذلك العلم الغربي، والرجل الأبيض الذي يقف وراءها، لتصوري أن الحقائق حكر على أصحاب العيون الملونة.

قال ذلك ثم راح يمد أنفه الطويل إلى الأرض ليحفرها، ويستخرج بعض الجذور منها، ثم يرميها، ويأكل بدلها بعض القاذورات المحيطة به.

ريتشارد دوكينز:

بعد توقف [فيكتور شتينجر] عن الحديث، وانصرافه إلى الفتك بجذور الأشجار.. قام آخر، عرفته من ملامحه التي تشبه ملامح كاهن الإلحاد الأكبر [ريتشارد دوكينز([25])]، وكان مثل زملائه صاحب ملامح خنزير بري، لم يبق منه من البشرية غير ملاح محدودة قليلة.

قام، ومسح التراب عن أنفه، ثم أكل بعض القاذورات، وقال: شكرا جزيلا صديقي فيكتور.. أظن أن الوقت حان لإدلائي بتصريحاتي.. لا بأس لن أطيل عليكم أعزائي المشاهدين.. فأنتم تعرفون أني حريص عليكم، وعلى رضاكم عني، فلهذا لا تقلقوا، فلن آخذ من وقتكم الكثير.

أردتم أن أحدثكم اليوم عن إلحادي.. ولست أدري من أين أبدأ مع كوني نلت شرف لقب [كاهن الإلحاد الأكبر].. ومع كوني أسست المؤسسات، وألفت الكتب، وشكلت الجمعيات، واستعملت كل الوسائل للدعوة إلى الإلحاد.

ربما أحسن بداية أبدأ بها هي ما وقع لي في مناظرتي مع بروفيسور الرياضيات المسيحي [جون لينوكس]، والمعنونة بـ [هل دفن العلم الله؟].. لقد كان المناظر قوي الحجة، ولم أستطع ـ مع براعتي في المناقشات ـ التفلت منه، ولا مواجهة أدلته، ولذلك اضطررت إلى الاعتراف بأني لست ملحداً صرفاً.. وربما كان ذلك أصدق تعبير عن حقيقي التي حاولت أن أخفيها عن الناس.

وقد عبرت عن هذا في الشعار الذي رفعته للدعوة إلى الإلحاد، والذي ألصقته على وسائل النقل العام في لندن، وقلت فيه: (على الأرجح ليس هناك إله، فتوقف عن القلق، واستمتع بحياتك)

لكني مع ذلك كنت أكابر، وكنت أحاول إقناع نفسي وقرائي بأن الحقيقة لا تكمن إلا في الإلحاد.. لقد قلت في مقدمة كتابي [وهم الإله]: (لو كان لكتابي هذا مفعوله الذي بذلته له: سيُلحد المؤمنون قبل أن يضعوه جانبا)([26]).. ووضعت على غلافه هذه العبارة: (إذا لم يُغير هذا الكتاب العالم، فالويل لنا جميعا)

هذه هي حقيقتي التي كنت أخفيها بالكتب التي أؤلفها، والصيحات التي كنت أصرخ بها.. لأنه لا يمكن لأحد أن يجزم بعدم وجود الإله.. فلا أحد يملك دليلاً يقينيًا على ذلك، ولذلك نلجأ ـ معشر الملاحدة ـ في أحسن أحوالنا للإيمان بـ (غيبٍ) آخر غير الغيب الديني.. حتى نهرب من الله.. ومن الالتزامات التي يكلفنا بها.

وقد كان ذلك التردد محيرا للكثير من أتباعي.. وقد سألني بعضهم قائلا: (كيف لعاقلٍ أن يرهن حياةً أبديةً في نارٍ وعذابٍ إذا صحت احتمالية الخالق في الأديان.. وكيف يفرط في نعيم مقيم إن صح ما تعد به الأديان؟)، وقد احتلت عليه بإجابات كثيرة، جعلت عقله ينغلق مرة أخرى، لكن عقلي بقي في حيرته.

والعجب أني شاهدت صاحب العقل الذي تصورت أني أغلقته بتلك الإجابات الملفقة يتدخل في بعض القنوات الفضائية، ويعلن إيمانه بالله، ويعلن في نفس الوقت البراءة مني، وعندما سأله المذيع عن سبب ذلك، حكى لهم ما حصل له معي، ثم عقب عليه بقوله: عندما عدت إلى بيتي رحت أتأمل فيما ذكره لي، ورحت أتساءل بيني وبين نفسي قائلا([27]): نعم إن [ريتشارد دوكينز] عالم وباحث متخصص في علم الأحياء.. ولكن هل الحديث عن الله وإنكار وجوده مرتبط بعلم الأحياء.. فإن كان كذلك، فلم كان أستاذ أساتذة هذا العلم مؤمنا.. ولم كان كبار أعلام علم الأحياء مؤمنين، حتى المعتقدين منهم بنظرية التطور؟

وعندما قلت لنفسي هذا راحت تقول: أجل.. فلا يمكن الوثوق في العالم إذا تحدث خارج معمله.. لأنه ساعتها لا وزن لـ (علمه) بل وجب النظر إليه كأي شخص من الأشخاص له عقيدة وأفكار يدافع عنها وعن صحتها مهما كانت صوابا أو خطأ.

وقالت لي نفسي: ماذا لو كان العلماء (الملحدون) ليسوا سوى مجموعة من المضطربين نفسيا.. ولا يتبعهم الملايين اتباعا لعلمهم، وإنما انخداعا بهم وبشعاراتهم الرنانة عن حرية (التفكير) و(العقل) و(العلم)

وقالت لي: إلا يمكن أن يكون الدافع خلف آرائهم الإلحادية شخصياتهم المضطربة أو مشاكل حصلت لهم في الصغر أو الكبر مع رجال الدين أو غيرهم؟

وقالت لي: ماذا لو كان كلام [بول فيتز] صحيحا، وهو بروفيسور متخصص في علم النفس بجامعة نيويورك، ويتحدث عن مجاله الخاص به، والذي كتب فيه كتابه [إيمان اليتيم: علم نفس الإلحاد]

وقالت لي: ماذا لو كان لكل من (العلماء) (الملحدين) جوانب ودوافع نفسية وحياتية مظلمة هي التي دفعتهم لأدلجة العلم بأفكارهم، مثلما أشار [د. جيري برجمان] في كتابه [الجانب المظلم من تشارلز داروين: تحليل نقدي لأيقونة العلم]

مسح دوكينز بعض التراب من أنفه، وأكل بعض القاذورات، ثم قال: لست أدري كيف بدا لي أن أشاهد تلك الحلقة المخصصة لنقدي.. ولست أدري كيف أعجبتني على الرغم من الانتقادات الشديدة التي تعرضت لها فيها.

ربما يكون ذلك لأن القناة استعملت كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لإظهاري على حقيقي.. وأنا كنت أحتاج إلى أن أرفع ذلك الطلاء المزيف الذي وضعه أتباعي علي فمنعني من رؤية حقيقتي.

اسمحوا لي ـ معشر المشاهدين الأعزاء ـ أن أنقل لكم بعض الشهادات التي وردت في تلك الحصة عني..

لقد تدخل أحدهم، وكان من زملائي في الدراسة الجامعية، بل كان متفوقا علي فوق ذلك إلا أنه لكونه مؤمنا لم يلق من الاهتمام ما لقيته.. تدخل وقال: على عكس ما يظن البعض أن ريتشارد دوكينز (جراح) مثلا أو متخصص في (التشريح) أو حتى في (االحفريات ولمتحجرات).. هذا كله غير صحيح.. فالرجل عالم (سلوك حيوان) في الأصل من جامعة أكسفورد بريطانيا ـ وعندما أرادوا ترقيته لحديثه عن التطور صار يُرفق بتعريفه وصف [عالم البيولوجيا التطورية].. وكل ذلك من باب الدعاية، لا من باب الحقيقة.

حينها تدخل الناقد البريطاني الكبير [تيري إيغلتون]، وقال عني: (تخيل رجلا يُسهب في الحديث عن علم البيولوجيا ومبلغه فيه لا يتجاوز ما ورد في (كتاب الطيور البريطانية!!)

ضحك الجميع، وضحكت معهم، لأنه لم يعدو الحقيقة، فمعلوماتي حتى في تخصصي كانت محدودة جدا.

بعده تدخل بروفيسور البيولوجيا الملحد [آلين أور]، وقال: (بالرغم من إعجابي السابق بنشاط دوكينز، لكنني أخشى أنني من أولئك العلماء المضطرين لمفارقته هنا. بالتأكيد يبدو لي كتاب [وهم الإله] معيبًا بشدة، فأنا مجبر بعد قراءة كتابه الجديد لاستنتاج أنه في الحقيقة مجرد هاو!!)

وقال آخر: لم يكن هذا المدعي [دوكينز] ليحصل على هذه الشهرة لولا حادثة تفجيرات 11 سبتمبر 2001م، فقد استغلته القنوات الفضائية حينذاك مثله مثل الملحد [سام هاريس] وغيرهما لتوجيه النقد اللاذع للأديان، واعتبارها أصل الشرور في العالم، على الرغم من أن مئات الملايين في القرن العشرين ماتوا وأبيدوا بوحشية على أيدي الملحدين من الشيوعيين والاشتراكيين والعلمانيين، وبمباديء تطورية تماما مثل البقاء للأصلح، وتفوق الجنس الأوروبي على باقي أجناس البشر)

وقال آخر ـ وكان متخصصا في علم النفس ـ: إن فصل الحديث عن أفكاره وعن طفولته شيء مستحيل.. رغم أن البعض قد يحاول وصف ذلك بمغالطة (الشخصنة) أو (تسميم البئر).. ولكننا نتحدث هنا عن (شخصية) و(تفكير) مَن يراه الملايين مفكرا في الحياة كذلك وليس مجرد عالم محدود بمعمله..

وعندما سأله المذيع عن طفولتي، قال: يمكنكم أن تسألوه، وسيجيبكم.. ويمكنكم أن تشاهدوا حديثه عن طفولته، فقد قال فيه: (وأنا أنظر عدة عقود إلى الوراء، إلى طفولتي، أرى أشياء مثل الضرب بالعصا أو الاعتداء الجنسي على الاطفال، هذه الاشياء لايمكن أن أدينها بنفس المعايير التي أُدين بها شخصا يقوم بنفس الفعل في وقتنا الحالي)

سأله المذيع عن معنى قوله هذا، فقال: هذا القول واضح.. فهل يمكن أن نقول أنه في الماضي مثلا (عندما كان طفلا غير ملحد) كانت هذه الأشياء (سيئة) و(مرفوضة) و(ظالمة) و(مستبدة)، أما اليوم (عندما صار رجلا ملحدا ماديا لا يعترف بالروح والنفس والمشاعر والعواطف) صار لا يمكنه إنكارها؟!

طلب منه المذيع أن يوضح أكثر، فقال: المشكلة أن دوكينز لا يرى إشكالا في (التحرش بالأطفال) طالما كان بلطف، ولا يرى أن (الاعتداء الجنسي) على الأطفال (بلطف واعتدال) سيسبب الأذى لهم.. فهل يمكن تفسير ذلك الكلام علميا أو عقليا ومنطقيا؟.. هل يمكن تفسيره (إلحاديا) و(ماديا) حيث لا معنى للحياء أو الضمير أو المشاعر والعواطف التي لا يرى دوكينز لها وجودا للتأذى أصلا!!

كان المذيع لحوحا، فسأله أن يوضح أكثر، فقال: أنت تضطرني لأن أدلي ببعض المعلومات الخطيرة التي قد أتعرض بسببها للمحاكمة ([28]).

قال آخر: دعوني من الجوانب النفسية.. وهلم إلى الحديث عن القيم الخطيرة التي طرحها.. فالإنسان يحاسب على أفكاره، لا على تاريخه أو جغرافيته.

قال المذيع: فهلم حدثنا عن القيم التي طرحها.

قال الرجل بغضب: إن دوكينز يريد أن يدك عرش الإنسانية السامي، ويحولنا إلى خنازير برية.. إنه يهدد كل الأخلاق المتعارف عليها بين البشر.. لقد سمعته مرة يذكر أن المجتمع هو الذي يُشكل تصرفات البشر بصورة آلية مهما كانت، حتى الاغتصاب.. فلا وجود لمعاني الخير والشر الفطري أبدا لتحكم على ذلك.

وعندما سأله [جاستن بيرلي] إبان مناظرته مع عالم الرياضيات وفلسفة العلم جون لينوكس عن الاغتصاب، استعمل دوكينز كل الوسائل التهرب من الإجابة التطورية المعروفة له (كملحد).. وحتى لا تنكشف الصورة (الهمجية) أو (الوحشية) للإلحاد قال له بيرلي أخيرا بعد عدة محاولات: (في نهاية المطاف: إيمانك بأن الاغتصاب خطأ هو مثل القول بأنه تطور لنا 5 أصابع بدلا من 6).. يقصد أن التطور لو اعتبره صوابا فسيكون صوابا)، فرد دوكينز: (نعم.. يمكنك قول ذلك)

قال آخر: صدقت.. وقد قرأت له مقالا بعنوان (إبعاد الوحش ذي العين الخضراء)، حاول فيه أن يغرس فكرة أن (الخيانة الزوجية) لا شيء فيها بالصورة التي يراها الناس من التهويل، وأن فرض اكتفاء الزوج أو الزوجة جنسيا بالآخر فقط هو من باب السيطرة المكروهة، وليس من حقه..ومما بقي في ذهني من المقال قوله: (لماذا كل هذه الهواجس حول الإخلاص لزوجة واحدة؟).. وكتب فيه: (لماذا نعتبر كلمة (الغش) هي الوصف لذلك؟! ولماذا يشعر الإنسان بأن له ملكية خاصة في جسد إنسان آخر؟)

قام بغضب، وقال: أنتم أمام إنسان قام ببرمجة نفسه في حياته على التجاهل التام لكل معاني المشاعر الإنسانية أو العاطفية أو القلبية.. ماذا يعني كل ذلك في عالم من الذرات المادية؟

قال آخر: صدقت، وقد قرأت له مقالا يذكر فيه أنه كان بالفعل في الماضي يملك الشعور بالغيرة، ولكن ذلك الشعور الآن ينضم إلى المشاعر التي تركها وصار يندم عليها، وقد قال معبرا عن ذلك: (لو افترضنا أننا وجدنا طرقا للقضاء على الأمراض الجنسية المعدية، ووجدنا طرقا للقضاء على مشاكل الأبوة.. السؤال: ما الخطأ في حب أكثر من شخص؟ ولماذا تستنكر المتعة الجنسية لحبيبك مع شخص آخر إذا كان هذا ما يميل إليه؟)

قال آخر: إن أردتم أن تفهموا دوكينز، فاقرأوا كتابه [الجين الأناني]، فهو أشهر كتبه على الإطلاق.. وهو من المتسببين في شهرته.. لقد ذكر في هذا الكتاب أن (الجينات) هي الهدف من الحياة ذاتها.. وأن كل الكائنات الحية ليست سوى مجرد عبيد عندها، تخدمها وتتصرف وفق ما تمليه عليها، وتحمي نفسها من خلالها، وتحمي بقاءها..

وبناء على هذا فما أسهل أن يرمي المجرم بتبعة جريمته على الجينات الأنانية.. ذلك أنه لا شيء عند دوكينز يحمل اسم (حرية إرادة)

قال آخر: وهل للجينات عقل أصلا أو حرية اختيار وتفكير ومشيئة لتقرر بها أو لا تقرر.. إنها منذ اكتشافها أول مرة وإلى اليوم، وهي خاضعة للإنزيمات التي تتحكم فيها.. هي التي تقطعها وتنسخها وتحدد ما سيتم تكراره منها أو مزجه وخلطه من صفات الكائن الحي وصفاتها.

قال آخر: والعجيب أن دوكينز كتب كتابه هذا سنة 1976.. أي قبل التعرف على كامل الجينوم البشري ولا الحيواني.. لقد أراد بذلك ـ كعادة الملاحدة ـ أن يستثمر فرصة اهتمام الناس بالجينوم البشري قبل خروجه، ليعطي النتائج قبل الحصول عليها.. إنها الحركة الاستباقية التي يحجز بها التطوريون والملحدون دوما مكانا لإلحادهم على الساحة.

قال آخر: ذلك يشبه تماما فكرة (الأعضاء الضامرة أو الآثارية) منذ أواخر القرن التاسع عشر، والتي ذكروا أنها لا وظيفة لها، لأنها من بقايا التطور.. ثم راحوا يتكهنون حولها بما شاء لهم الهوى إلى أن اكتشف العلم وظائفها بعد ذلك.

قال آخر: والأغرب من ذلك أن دوكينز وضع نظرية أخرى سماها نظرية (الميميتك) أو (الميمات)، وهي الشق (الفلسفي) من خرافة الجين الأناني، والذي حاول به دوكينز تبرير الدين.. فتلك الميمات التي لا وجود لها إلا في خياله لتبقى شاهدة على تناقض الملحدين مع العلم التجريبي المادي الذي يزعمونه: هي وحدة التناقل الثقافي بين الأجيال.. أي هناك ميم للدين، وميم للعادات، وعن طريق هذه الميمات ينتقل الدين بين الأُمم جميعا.

ضحك آخر، وقال: من العجيب أن دوكينز العالم الملحد الذي ينشر بين الناس عدم الإيمان إلا بالمحسوس والمرصود والتجريبي يتحدث عن ِشيء أسماه الميمات لم يرصده أحد لا في الجينات، ولا في الخلايا، ولا حتى في العصبونات، ولا في أي شيء، فماذا نسمي ذلك؟

قال آخر: هل رأيتم كيف تنتشر الأفكار الساذجة بالبروباجاندا والتهويل الإعلامي.. لقد تم فك الجينوم البشري بالكامل في عام 2001، ولم يظهر أي شيء له علاقة بما يمكن وصفه بالجين الأناني.. ولم يظهر أي شيء له علاقة بما يمكن وصفه ميمات.. ولكن مع ذلك بقيت البروباجاندا والإعلام تصف الكتاب على أنه (من أعظم كتب الأحياء والتطور في العصر الحديث بعد كتاب داروين!!)

قال آخر: كما كان هناك تداعيات خطيرة لأفكار داروين على الأشخاص والمجتمعات، فكذلك حذر العلماء من أفكار دوكينز الشاذة والتي تصور البشر والكائنات الحية على أنها آلات نسخ لا أكثر لخدمة الجينات، وذلك مثلما ذكره كتاب بينتز بيريبيسكا [الميميتيك: الفكرة الخطيرة]

قال آخر، وهو يضحك: ما دامت الميمات موجودة للدين.. فلماذا ظهر ريتشارد دوكينز نفسه كملحد؟.. ولماذا كان هناك ملحدون منكرون للأديان أصلا.. وهل هو تمرد على الميميز؟.. وإذا كانت الميميز ثابتة في تاريخ البشر فلماذا الاختلاف في الأديان والمعتقدات؟

قال آخر: من الأمور التي تحتاج إلى الاهتمام ما ذكره دوكينز في كتابه (الجين الأناني).. فهو عندما يتحدث عن دافع مثل أكل اللحم مثلا في الأسود، والتي يذكر أن لها سببا جينيا، يتساءل: (لماذا لا تأكل الأسود بعضها البعض طالما هي أيضا مكونة من لحم؟).. ثم يستشهد بظاهرة أكل بعض إناث العناكب لذكورها في بعض الأنواع، ثم يتعرض بوجه عام لظاهرة أكل الجنس الواحد لبعض أفراده.. والغريب هو قوله بأن مثل هذا السلوك.. أي أكل الجنس الواحد لأفراده.. تمثل تماما ما يعنيه من وصف الجينات بالأنانية.

قام، وقال: اسمعوني.. ما المفترض انتظاره في رأيكم من شخص يقرأ مثل هذا الكتاب بعد تلك الهالة الإعلامية التي أشهرته، ووصفته بأن كل ما فيه حقيقة لا تقبل النقاش.. هل ـ يا ترى ـ يقتنع القارئ البسيط بالكتاب، ولا يكبح أي تصرف يشعره بأكل إنسان آخر أو قتله أو اغتصابه أو الاعتداء عليه.. أم يقتنع بالكتاب، ولكنه لا يفعل ذلك، ويكبح رغباته واحتياجاته التي فيها تعدي على الآخرين؟ وهنا يكون إما متناقضا أو منافقا أو يحارب شيئا من المفترض أنه سينتصر في النهاية لأنه هو السيد الجيني.. أم أنه يغلق الكتاب، ويعرف أنه أمام تفكير شخص غير سوي شاء الإعلام والبروباجاندا أن تلبسه لباس التفخيم والتعظيم لتمرير إلحاده وأفكاره الشاذة والفاسدة للناس، تماما كما فعلوا مع غيره.

قال آخر: بالطبع لسنا في حاجة للتذكير بخطر مثل هذه الأفكار الإلحادية العدمية في الحياة، حيث يمكن لأي أحد أن يرتكب أبشع الجرائم بدعوى أنه مُجبر، وليس لديه اختيار.. بل سيكون الأعجب من ذلك لو سيطر الملحدون على القضاء في يوم من الأيام، وحينها كيف سيحاسبون المجرمين إذا لم يؤمنوا بحرية اختيارهم حين ارتكبوا جرائمهم.

قال آخر: والأخطر من ذلك.. هل يمكن أن تقول أن هذه الذرات تصرفت تصرفا صحيحا، والأخرى تصرفت تصرفا خاطئا.. أين المرجعية التي ستحتكم إليها، أو تقارن بها، إذا كانت تصرفات واستجابات العالم المادي لا تتغير إذا تكررت في نفس الظروف، ولو لمليارات المرات؟

قال آخر: إن مطالبة الملاحدة بتفسير مصدر حرية الاختيار عند الكائنات الحية والإنسان رغم كونها مكونة من ذرات مادية فقط معضلة من أكبر معضلات الإلحاد القاتلة.. ولذلك فالأسهل عندهم هو نفي وجودها أصلا.

قال آخر: أنا لا أدري أي الفكرتين الإلحاديتين سبقت أولا إلى عقل دوكينز؟.. هل فكرة انعدام حرية الإرادة في العالم.. وهذا ما ينادي به الإلحاد المادي الذي لا يرى الكون إلا ذرات لا حياة فيها.. أم فكرة الجين الأناني التي سبقت إلى عقل دوكينز للتوافق بعد ذلك مع فكرة انعدام حرية الإرادة؟.. والحقيقة أن الإجابة لا تعنينا كثيرا لأن الناتج واحد، وهو غير مقبول، بل غير واقعي، ولم يحدث في حياتنا كبشر ولا عند دوكينز المتناقض نفسه.

قال آخر: أنا لا أدري لم يصر الملاحدة على الربط بين التطور والإلحاد.. مع أنه ـ حتى في حال القول بصحة نظرية التطور، فإنها لا علاقة لها بالإلحاد، كما يذكر ذلك سماسرة الإلحاد لتمريره إلى المؤمنين.. لأن السؤال سيبقى دائما عن المحرك الذي أظهر الكون أولا، وطوره ثانيا.

قال آخر: صدقت.. ولذلك، فإن الذين يربطون نظرية التطور بالإلحاد لا يستعملون أي منطق علمي، بل هم يعبرون فقط عن أمزجتهم وأذواقهم ورغباتهم الشخصية التي لا تقدم ولا تؤخر.. لقد قال الملحد الأمريكي التطوري الشهير [ويليام بروڤين] ـ بروفيسور تاريخ العلوم والبيولوجيا التطورية ـ يذكر هذا: (إن نظرية التطور تعتبر أكبر محرك تم اختراعه للإلحاد)

ومثله قال دوكينز في مقابلته الشهيرة عام 2005 بعنوان [المشكلة مع الله]: (شعوري الشخصي أن فهمي للتطور قادني إلى الإلحاد)، وعندما سئل: (ماذا كنت لو عشت قبل داروين؟)، فرد قائلا: (على الأرجح كنت سأؤمن بالله إن عشت قبل داروين)

وهكذا قال في كتابه [صانع الساعات الأعمى]: (داروين جعل من الإمكان أن تكون ملحدا متكامل الفكر)

ضحك آخر، وقال: ألا تعجبون من هذا العنوان (صانع الساعات الأعمى).. ألا ترون إلى أي مدى انحدرت القوى العقلية للملحدين بسبب خرافات التطور؟.. لقد انحدرت لدرجة الإيمان بإمكانية صنع الساعة من رجل أعمى!

قال آخر([29]):لقد قرأت هذا الكتاب، وهو يحاول بكل صنوف المراوغة والخداع أن يثبت أن الحركة الفوضوية والعمياء لذرات المادة في الخلايا الحية تستطيع صناعة المليارات من الصور المبدعة والذكية والمبهرة والنظم المعقدة والراقية في الأنواع الحية، والتي تتجاوز عشرة ملايين نوع على وجه الأرض.. وهو يقر مراراً أنه من المحال أن يتخلق هذا الكم من الجمال والنظام شديد الضبط والتعقيد دفعة واحدة تبعاً لقوانين الاحتمال التي يوردها بإسهاب كفيصل في مثل هذه الأفكار، ولكن الفكرة العظيمة بنظره، والتي اكتشفها داروين جعلت ذلك ممكنا.. وهي في المراهنة على الزمن الطويل جداً، والتغيرات الصغيرة جداً في الكائنات الحية والمتراكمة عبر هذه السنين.

قال آخر: لقد حاول دوكينز بكل دهاء وحيلة أن يتجاوز كل تلك الإشكالات التي يضعها العقل أمام تشكل الحياة بهذه الصورة البديعة، فراح يضع قانون احتمال يراعي الزمن.. لقد ذكر ذلك بصراحة، فقال: (لتقييم مصداقية أي فكرة، فإن الطريق الصحيح هو قياس قلة احتمالها)([30]).. والقانون الذي يراعي الزمن يسمى [الحد الكوني]، وهو القانون الذي يضع حداً لأصغر احتمال ممكن، اعتماداً على حدود الكون أو جملته المكونة من عمر الكون وعدد ذرات الكون، وأقصى حركة ممكنة لهذه الذرات خلال ذلك العمر.. وبهذا كل احتمال يصغر عن هذا الحد يكون مستحيلا بغض النظر عن الزمن، وقد حسب بعضهم، وهو [وليام ديمبسكي ([31])] هذا الرقم، وكان الناتج هو الاحتمال (1/10)150 أو أن الاحتمال الذي يساوي واحد إلى واحد وأمامه مئة وخمسين صفر هو العدم، والرقم الذي يصغره هو المستحيل.

قال آخر: أما التطور فيحتاج إلى قانون أقل بقيمه بكثير من قيم هذا القانون، فنحن نحتاج إلى أربعة مليارات عام فقط لعمر التطور، كما يدعون، وليس عمر الكون مضروباً بمليار مرة.. ونحتاج لعدد ذرات الكائنات الحية فقط، وليس عدد الجسيمات الذرية بالكون كله، ولأقصى حركة ممكنة في الثانية لكل ذرة، وليس لحركة الجسيمات الذرية الجنونية المفترضة على حسب زمن بلاك.. وبذلك فإن الرقم الناتج سيكون صغيراً جداً أمام رقم ديمبسكي!

قال آخر: لقد حاول دوكينز في كتابه [صانع الساعات الأعمى] أن يحسب قوانين الاحتمال في المادة الحية، وحسب احتمال ظهور بروتين واحد مكون من 146 حمض آميني، فقال: (يتكون جزء الهيموغلوبين من أربع سلاسل من الحموض الآمينية المضفورة، ولننظر في سلسلة واحدة فقط، إنها تتكون من 146 حمض آميني، والحموض الآمينية عشرون حمضاً، ومنه فإن احتمال ظهور هذه السلسلة من الفوضى هو 20 مضروبة في نفسها 146 مرة أو1 إلى 10 أس 190.. أو واحد إلى واحد وأمامه 190 صفر، واسمه [حد أو عدد الهيموغلوبين])([32]).. فسلسلة واحدة من أربع سلاسل بروتينية تشكل الهيموغلوبين، والذي تشكل في فترة متأخرة من التطور لكي تظهر من الفوضى تحتاج إلى هذا الرقم الذي تجاوز الحد الكوني بأربعين صفراً.. وذلك لا يعني سوى نسف نظريته بالكامل في جملتين!

قال آخر: يمكننا قراءة هذه النتيجة بطريقة أخرى، وهي أن طريقة ظهور هذا البروتين هو احتمال واحد للمصادفة مقابل مجموعة احتمالات تساوي (1/10)190 لوجود الله.

قال آخر: ويمكننا قراءة هذه النتيجة بطريقة ثالثة، وهي أن ظهور هذا البروتين الصغير نتيجة الفوضى هو أمر مستحيل، لأن نتيجة الاحتمال تخطت [الحد الكوني] بأربعين صفراً.. وبعبارة أخرى فإن حجم كل الكون المرئي المكون من ألف مليار مجرة.. في كل مجرة ألف مليار نجم.. مع 17 مليار عام.. مع أقصى حركة لكل جزيئاته.. كل هذا غير قادر على توليد بروتين واحد طوله 1 نانومتر.. أو جزء من مليون جزء من الميليمتر نتيجة المصادفة!

ضحك الجميع، وقال أحدهم: إن هذا وحده كاف لرمي صاحب الكتاب بالجنون لا بالعبقرية.. فدوكينز بنفسه نسف مراده من كتابه بالكامل..

قال آخر بهدوء: مع ما ذكرتم من أن قوانين الاحتمال تنقض بالكامل نظرية التطور الأعمى والعشوائي، وتنقض جوهر هذا الكتاب إلا أن الأخطاء في الكتاب لا تقف عند هذا الحد.. من ذلك مثلا قوله: (الكون الذي نعرفه اليوم بالطبع هو شظية دقيقة من الكون الفعلي)، وتوكيده لهذه الفكرة بقوله (بالطبع) تعطي صورة واضحة عن استهزاء الكاتب بالموضوعية العلمية، محاولاً تغييب الحقيقة وتمييعها والإيحاء للعامة والسذج بأن هذه الفرضيات هي حقائق.. ففرضية الكون المتعدد بكل الصور المفترضة إلى الآن هي مفهوم فلسفي افتراضي ليس له أي برهان رصدي([33]).

قال آخر: صدقت.. فالكاتب نفسه بعد عشرين عاماً من هذا الكتاب، وفي كتابه [وهم الإله] يتراجع بكل بساطة عن هذا التوكيد، ويذكر أنها مجرد [مقترح!]([34])

قال آخر: صدقتما، فقد وضِعت هذه الفرضية في محاولة للهروب من صدمة الفيزيائيين من يقينهم بأن احتمال ظهور نجم واحد كشمسنا من الفوضى هو محال.. كيف لا، ومركب بروتيني طوله جزء من مليون جزء من الميليمتر لا يمكن ظهوره من الفوضى ولو اجتمع الكون كله على ذلك، فقد قال [بول ديفيس] في كتابه [العوالم الأخرى]: (إن ظهور الشمس نتيجة الفوضى تساوي واحد إلى واحد وأمامه مئة مليار مليار صفر وهذا رقم معدوم بكل المقاييس)([35]).. أي أن ظهور الشمس من الفوضى هي احتمال واحد يقابله مجموعة احتمالات تساوي واحد وأمامه ألف مليار مليار صفر.. وليس ألف مليار مليار احتمال.. لوجود الله!

قال آخر: تلك الحقيقة تؤدي إلى أن الله هو يقين مطلق، ولكنهم ـ لتعنتهم وكبريائهم ـ يرفضون ذلك جملة وتفصيلاً، ولهذا يلجؤون للفلسفة والفرضيات التي لا برهان عليها للهروب من هذه النتيجة، ومن ثم الإيحاء للسذج أن هذه الفرضيات عبارة عن حقائق علمية.. مع أنه ليس سوى منطق نفسي وعاطفي وغير علمي.

قال آخر: لقد رأيت دوكينز في كتابه [وهم الإله] يتجاهل هذه النسب الاحتمالية ويضع القارئ بين خيارين.. إما الله.. وإما الأكوان المتعددة.. فيقارن بين يقين وبين فرضية! ويعتبر أن فكرة الإله معقدة وغير قابلة للفهم، لذا فلا خيار أمامه إلا الأكوان المتعددة([36]).

قال آخر: عندما طالعت كتبه الإلحادية جميعا، وجدت أنه لا يبحث في كل هذه المسائل بطريقة منهجية علمية، وإنما يبحث فيها بطريقة عاطفية مجردة، فهو يستعمل كل الوسائل للهرب من الله، لا لكونه إلها، وإنما لكونه رمزا للأديان، أو للكنيسة، أو للتخلف، أو للقرون الوسطى، كما عبر عن ذلك بصراحة في قوله: (ثمة إغراء بمعارضة هذا الفرض على الأسس العاطفية التالية.. أليس في ذلك شيء رهيب من روح العصور الوسطى؟)([37])، ويقول: (إني ممتن قلبياً أننا هربنا من ضيق عقل كنيسة العصور الوسطى) ([38])..فهل من أسس البحث العلمي تقديم النتيجة على المقدمة بناءً على العاطفة والامتنان القلبي؟ وهل هذا هو المنطق العلمي؟.. ثم إلا يوجد على الأرض دين سوى دين الكنيسة؟

قال آخر: لقد اعترف دوكينز بوجود مشكلة بنشأة الحياة على الأرض، فقد قال: (لابد من افتراض وجود التناسخ [الجينات] لافتراض وجود الانتخاب التراكمي، والتناسخ يحتاج إلى نظام ماكينات معقد [الخلية]، فإذا كان هذا النظام يحتاج للانتخاب التراكمي فنحن أمام مشكلة).. وطرحه هذا عجيب جدا، فمن أين أتى التناسخ ونظام الماكينات المعقد.. أو من أتت الخلية والشيفرات الوراثية؟

قال آخر: لقد اعترف دوكينز أن نظام التشفير، ونظام التناسخ، وتركيب البروتي نظام مبهر وذكي، وأنه مصمم تصميماً خاصاً.. والعجيب أنه يصر مع هذا أن الصانع يتصف بالعمى وفقدان العقل.. مع أنه يعترف أنه من المحال أن يظهر مثل هذا النظام دفعة واحدة، فقوانين الاحتمال تمنع ذلك.. وبحسب الحد الكوني فإن ذلك لا يمكن أن يظهر، لا دفعة واحدة، ولا بالتدريج.

قال آخر: لقد رأيته في كتابه [وهم الإله] يقدم مغالطة كبرى حين يذكر أن احتمال ظهور الشيفرة الوراثية هو 1 من مليار، ويكرر ذلك عدة مرات، ويؤكد أن ذلك نتيجة حساباته المبنية على عدد الكواكب في العالم، وليس على ارتصاف الرموز الرقمية في الشيفرة الوراثية ([39])، وهو يرى أن هذا رقم ممكن ومقبول بنظره.. وهذا غير صحيح، فالرقم الصحيح أربعة أس مليار ونصف أو 2 أس ثلاثة مليارت أو 2 مضروبة بنفسها ثلاثة مليارات مرة.. والرقمان غير واقعيين على الإطلاق.. وهذه النتيجة تكفي المؤمنين بالله ليس لأن تصل بهم للإيمان بل لليقين، والعثرة لاتقف عند ظهور الترتيب فقط، بل بظهور فكرة التشفير والبرمجة، وبظهور هذه الرموز نفسها، والقاعدة التي يرتبط بها، وطريقة لف وجدل هذا الشريط الوراثي في الخلية، ثم بظهور [RNA]، ثم بظهور الإنزيمات والتركيب المعقد للخلية.. حتى أبسط خلية مفترضة قابلة للحياة والتطور كما يدعي.. تلك الآلة التي يتم من خلالها نجاح عمليات النسخ وصناعة البروتينات لملايين المرات خلال عمل الخلية وتصحيح كل خلل في الشيفرة الوراثية أثناء النسخ المستمر!

قال آخر: من خلال قراءتي لكتابه هذا، ولسائر كتبه عرفت أنه ـ هو وغيره من التطوريين ـ لا يملكون البرهان الرصدي لكيفية نشأة الحياة.. ولا لكيفية نشأة الشيفرات الوراثية.. ولا لكيفية نشأة النظم المعقدة التي تضمن عمل هذه الشيفرات.. ولا لكيفية بداية التطور.. ولا لكيفية تدرج التطور.. وليس لهم أي برهان رصدي عن تلك الأعين البدئية والوسيطة ولا عن كل الأعضاء الأخرى القلب والكبد.. وكل المستحاثات التي وجدت يمكن تفسيرها بسهولة كبيرة بدون نظرية التطور.

قال آخر: بل لا يوجد عندهم براهين تجريبية حول ظهور الحياة.. ولا على قدرة الطفرات على التلاعب بالشيفرة الوراثية بالدمج والإنقاص والزيادة لصنع شيفرات وراثية خلاقة وغير مسبوقة ومفيدة وبالمليارات.

قال آخر: اسمحوا لي أن أعطيكم مثالا يدلكم على بطلان فكرة التطور المتدرج بقوانين الاحتمال.. فلنفرض أنه كان لدينا عشرة ملايين نوع من الكائنات الحية.. لو أن كل نوع فقط تميز برمزين فقط من رموز الشيفرة الوراثية، لوجب أن تظهر هذه الأنواع نتيجة الفوضى باحتمال إلى احتمال يساوي حاصل ضرب رقم 2 في نفسه عشرة ملايين مرة.. أو 2 أس عشرة مليون.. وهو رقم يتخطى الحد الكوني والمستحيل بملايين المرات.. ولكن الاختلاف هو أكثر بكثير من رمزين فقط.

قال آخر: صدقت.. اسمحوا لي أن أذكر مثالا آخر، يبعث السرور في قلوب التطوريين، ولكنه مع ذلك يهدم مذهبهم.. فلنفرض أن هناك تقاربا بين جينات الشمبانزي والإنسان بنسبة 98.5 بالمئة.. التطوريون يذكرون هذا، ويفرحون به.. وبعضهم يقول لك أن هناك كرموزوم 02 مدمج.. وبعضهم يشرح لك عن مدى التوافق في كلا الجينات والتي تدل على الأصل المشترك ويقفون بكل نشوة، ويقولون: إنها الأدلة الدامغة على التطور.. وربما لشغفهم أوبساطتهم أو لدهائهم يتجاوزون قيمة الفارق بين جينات الإنسان والشمبانزي وهو واحد ونصف بالمائة..

فلنفرض جدلا صحة ما ذكروا.. هل تعلمون كم يساوي الواحد والنصف بالمئة؟.. إنه يساوي اختلاف في 45 مليون رمز رقمي مزدوج في الشيفرة الوراثية.. وهذا رقم مذهل.. فحتى تنجح الفوضى في تحقيق الضبط لهذه الملايين الخمسة والأربعين، ويتحول الشمبانزي لإنسان نحتاج إلى احتمال مساوي لاثنين مضروبة بنفسها 45,000,000 أو 45 مليون مرة، أي 2 أس 45 مليون.. وهو رقم يتجاوز العدم والمستحيل والحد الكوني بملايين المرات..

والنتيجة أنه لا الزمن الطويل، ولا التدرج البطيء، قادرين على تحقيق هذا الأمر من الفوضى.. مع العلم أننا نتكلم عن قفزة بسيطة بين نوعين متقاربين، حدثت ـ حسبما يذكرون ـ قبل زمن صغير جداً نسبة للزمن المطبق بالحد الكوني.. فكيف بأحد عشر مليون نوع حي؟

قال آخر: إن قوانين الاحتمال تقف دائماً بنسبة تتخطى المستحيل والحد الكوني بملايين ومليارت المرات المضاعفة ضد ظهور المجرات والنجوم من الفوضى.. وضد ظهور الخلايا الحية والشيفرات الوراثية والبروتينات وكل نظام الخلية من الفوضى وضد التطور المتدرج من الفوضى.. وقوانين الاحتمال تقف بنسبة كاملة لا نقص فيها أبداً مع احتمال أن القصد والتدبير الإلهي هو وراء ظهور كل نظم الكون المذهلة والمعقدة واللانهائية..

قال آخر: إن كتابه هذا وغيره من كتبه التي تتحدث عن هذا الموضوع من وجهة نظر قوانين الاحتمال والبراهين التجريبية والرصدية والواقع التجريبي والعملي ليس سوى أوهام وظنون.

قال آخر: دعونا من [صانع الساعات الأعمى]، وحدثونا عن [وهم الإله] ذلك الكتاب الذي أثار ضجة كبرى، فقد رأيت ما ذكره الملاحدة من تمجيده، فتعجبت لذلك، لأنني لم أجد فيه شيئا مما ذكر.. لقد قال بعضهم فيه: (عندما يتناول دوكنز نقد الأديان في كتابه [وهم الاله] فإن الله بكل عظمته وجلاله يقف وجهاً لوجه أمام عالم الأحياء على خط نار العلم والمنطق، الله يقدم ما عنده من أنبياء وكتب، ودوكنز يقدم ما عنده من أدلة وبراهيين علمية ومنطقية لا تقبل الشك في دراما علمية وعقلية رائعة تتخطى كل ما قرأت سابقاً من كتب تناولت نقد الأديان)([40])

قال آخر([41]): عندما خرج الكتاب، وصاحبه ذلك التضخيم الإعلامي قام كبار رجال الفكر والعلم للرد عليه، وبيان مدى تهافته.. والمخجل أن منهم كبار علماء البيولوجيا، بل حتى من الملاحدة أنفسهم.. من الأمثلة على ذلك موقف فيلسوف العلوم والبيولوجيا المُلحد الشهير [مايكل روس]، وصاحب ترجمات كتب داروين العالمية، فقد قال عن هذا الكتاب: (كتاب وهم الإله جعلني أشعر بالخجل من كوني ملحدا، دوكينز وجماعة الملحدين الجُدد يزدرون حتى من يحاول أن يفهم الدين، إنه كطالب في السنة الجامعية الأولى يدور بفرح ويصرخ بصوت عال: (مَن خلق الخالق؟) وكأنه اكتشف مسألة فلسفية خطيرة)

قال آخر: ومما قرأته في رده عليه قوله: (ريتشارد دوكينز كارثة حقيقية، إننا نخسر المعركة.. يقصد معركة تدريس التصميم الذكي في المدارس.. إنه من السخافة بمكان والوقاحة اللاأخلاقية أن يزعم أن النصرانية قوة للشر).. ويقول: (دوكينز ملحد وقح في جهله بالفلسفة واللاهوت وتاريخ العلم).. ويقول: (دوكينز سيفشل في أي كورس يدرس مقدمة لعلم الفلسفة أو الدين، وبفخر ينتقد مجالاً لا يعرف عنه شيئًا، لقد قلت في مكان آخر: لأول مرة في حياتي أشعر بالخجل لأجل الحجة الأنطولوجية)

قال آخر: ومن الردود الجميلة التي قرأتها عنه ما كتبه الصحفي [توم شيفرز] في جريدة التلغراف البريطانية تحت عنوان [أرجوك يا ريتشارد دوكينز، التزم الصمت، إنني أتوسل إليك كمعجب]

قال آخر: لقد اكتشفت أن تأثيره كان سلبيا على الملاحدة أنفسهم، فقد قال الملحد [بيرنارد بيكيت] في مجلة النيوساينتيست الشهيرة: (كيف أخرجني دوكينز من الإلحاد إلى اللاأدرية).. وقال الفيلسوف الملحد [توماس ناجل]: (الكتاب عبارة عن نقد ساخر، مجرد فلسفة هواة لا أكثر)

قال آخر([42]): دعونا من أحكام الغير على الكتاب، وهلم نستعرضه، لنرى بعض محتوياته، ومدى الدجل الذي يحويه.. سأذكر لكم مثالا على ذلك من فصل من فصول الكتاب.. هو الفصل الرابع.. لعله يكفي في بيان الطريقة التي يفكر بها الرجل.. أو الملحد على العموم.

نجده في بداية هذا الفصل مملوءا بالسباب والأحكام الجزافية الحاقدة على المؤمنين من غير ترو ولا تثبت ولا تحقيق.. فهو يصفهم مثلا بكونهم(لصوصا وخبثاء ذوي الألبسة الرخيصة).. ويصفهم بالعميان.. وبأنهم يختفون وراء قناع سياسي.. وبأنهم كسولين وانهزاميين وضعيفي الشخصية.. وبأنهم في منتهى الوقاحة.. وبأنهم ذوي عمى مدهش ووعيهم محدود.. وغير ذلك من الأوصاف التي تدل على أن إلحاده ليس سوى إفرازا لنفسه الممتلئة بالحقد على المؤمنين.

قال آخر: ليس ذلك هو السبب فقط في إلحاده.. هناك ناحية أخرى مهمة.. وهي أن معارفه عن الله الذي يؤمن به المؤمنون محدودة جدا.. فهو يعترف بعدم امتلاكه القدرة على التفريق بين الوجود والماهية.. ولهذا نراه عندما لايدرك الماهية يرفض الوجود.. وهذا منطق يشبه كل شيء إلا المنطق العلمي والعقلي.

قال آخر: هو طبعاً لا يضع قوانين الاحتمال في هذا الكتاب ويتجاهلها، بعكس ما فعل في كتابه [صانع الساعات الأعمى] حتى لايقع في الفخ.. بل إنه يصر على أنه مهما كانت النتائج الاحتمالية قاطعة في حتمية وجود القصد والتدبير وراء ظهور الأنظمة الكونية غير القابلة للإحصاء فإنه يرفضها، لأنها تؤدي إلى الله، ثم تؤدي للسؤال من خلق الله؟.. وهذا بالنسبة له الطامة الكبرى والمعضلة التي لاحل لها، لذا يضرب بعرض الحائط كل الرياضيات والبراهين الرصدية والتجريبية اليقينية من أجل هذه المصيبة الكبرى التي يوقعه بها الوصول لله.

قال آخر: إن البديل الذي يضعه لله هو الانتخاب المتدرج الأعمى والفوضوي وغير العاقل الذي ثبت بقوانين الاحتمال والبرهان الرصدي والتجريبي استحالته.. ومع هذا يصفه بالحل المذهل بأناقته وقدرته.

قال آخر: لقد رأيته في كتابه يعود كل مرة على مثال [العين]، ويتجاهل بقية الأعضاء الأشد ضرورة للحياة كالقلب والكليتين والكبد وغيرها.. فهو في تفسير التخليق المتدرج لها يقول 10 بالمئة رؤية خير من لاشيء، ونقول له: فماذا عن القلب مثلاً، وهل 10 بالمئة قلب خير من لاشيء؟.. وعن أي تعقيد قابل للإختزال هذا الذي نراه في الأعضاء الحية بالغة التعقيد وفائقة القدرة ومتكاملة الإبداع؟

قال آخر: من العجائب التي ذكرها في الكتاب كبراهين على الإلحاد ما ذكره من أن [فكرة الإله] تمنع البحث العلمي.. فقد ذكر أنه كلما وجد المؤمنون بالله معضلة لم يعرفوا عنها شيئا ينسبونها لله، حتى يأتي العلم بحلها، وحينها يتبخر الله.. وبذلك يصبح [الله] حلا للكسولين والانهزامين وضعيفي الشخصية.. وهذا خلط عجيب بين فكرة وجود الموجود، وبين الموقف الخاطئ منه.. فممارسة بعض الناس الخاطئة لهذه الفكرة ليس مبررا لرفضها.

قال آخر: لقد ذكرتني بحديثك هذا مقابلة أجراها دوكينز مع بعض القنوات الفضائية، وقد سأله حينها الإعلامي الأمريكي [بين شتاين] عما إذا كان يرى مانعاً من أن يكون أصل الخلية الحية الأُولى تصميماً ذكياً من عمل بعض كائنات [اليوفو] التي زارت الأرض في زمان سحيق، فقرر دوكينز مباشرة أنه لا يرى ما يمنع ذلك، بل إنه وصفها بكونها نظرية جديرة بالإهتمام.

لم يجد شتاين حينها إلا أن يعقب على جواب دوكينز بتلقائية وفطرية تامة قائلاً: (إذن لا مانع عندك من قبول فكرة التصميم الذكي عموماً، وإنما أنت تعترض على نسبتها إلى الخالق تحديداً)

قال آخر: إن افتراض كائنات ذكية، أو أكوان أُخرى، كلها تفتح السؤال المتسلسل (مَن الذي خلق تلك الكائنات الذكية؟) وهكذا.. ثم كيف لصاحب افتراض كهذا أن يَعيب على الجواب الديني، بل إن الجواب الديني أكثر منطقية وتناسقاً مع نفسه، ويمتلك دعماً نقلياً مباشراً، وهو النص المُقدس.. ويمتلك مستند عدم المعارِض، حيث لم تترك لنا تلك الكائنات تلك الدعوى العريضة، التي تُثبت قيامها بذلك.. أيضاً الجواب الديني أكثر عقلانية لعدم وجود التسلسل اللانهائي بداخله، والذي هو مستحيل عقلاً، فالتسلسل اللانهائي تضطر فرضية اليوفو للتسليم به، أو العودة للقول بالخالق الأبدي المستقل عن حدود الزمان والمكان.. فالجواب الديني يقدِّم للعاقل المُنصف ما لا تُقدمه الفرضيات الإلحادية الهاربة من فخ المعايرة الدقيقة للكون، والمعايرة الدقيقة لحظة الخلق، والتشفير في الكائنات الحية، وهي أمور تدعو كلها للتسليم بخالق واعٍ حكيمٍ قادر.

قال آخر: إن فرضية مُصمم ذكي من كون آخر أو غرباء زاروا الأرض ليس جواباً في حد ذاته، وإنما هو إرجاء المطلب المعرفي الذي يرومه السائل إلى درجة من درجات تسلسل لا نهائي لا يوصلنا إلى جواب البتة.. فما فعل المُلحد بهذا في الحقيقة سوى إضافة افتراض متهافت لعلةٍ وسيطة لا يجد العقلاء من القرائن ما يوحي، ولو من بعيد، بوجودها أصلاً.. لكنه الهروب من التكليف الديني إلى دين بلا قيود ولا إلزامات، وهو دين اليوفو.. أو دين الملاحدة الجديد.

قال دوكينز ذلك ثم راح يمد أنفه الطويل إلى الأرض ليحفرها، ويستخرج بعض الجذور منها، ثم يرميها، ويأكل بدلها بعض القاذورات المحيطة به، وهو يقول: لقد استمعت إلى تلك الحوارات بطولها، لكني ـ لغبائي الشديد ـ بدل أن أناقشها في ذهني، وأبحث عن وجه الصواب والخطأ فيها، رحت في تلك الليلة أؤلف كتابا جديدا لأثير ضجة جديدة.. لقد كان هدفي ليس الحقيقة.. وإنما الضجة.

قال ذلك.. ثم استأنف حفره، وأكله.

ستيفن هوكنج:

 بعد توقف [ريتشارد دوكينز] عن الحديث، وانصرافه إلى الفتك بجذور الأشجار.. قام آخر، عرفته من ملامحه التي تشبه ملامح [ستيفن هوكنج([43])]، وكان مثل جميع من في ذلك الجناح صاحب ملامح خنزير بري، لم يبق منه من البشرية غير ملامح محدودة قليلة ممتلئة بالتشويه.

قام، ومسح التراب عن أنفه، ثم أكل بعض القاذورات، وقال: شكرا جزيلا صديقي دوكينز.. أظن أن الدور لي الآن في الحديث.. لا بأس دعوني أولا أكمل هذه القاذورات العفنة.. ثم سأحدثكم عن كل شيء.. وأعدكم أنني لن أكذب عليكم كما كنت أفعل، فزمان الكذب قد راح إلى ما لا نهاية.. نحن الآن في زمان المكاشفة التامة.

جلس بهدوء، وأكل القاذورات التي في يده.. ثم مسح على فمه وأنفه، ثم قال: أظن أن علي أن أبدأ.. على الرغم من صعوبة الاعتراف إلا أنه لابد لي من أن أفعل.

قبل أن أحدثكم عن نفسي، سأحدثكم عن الطريق الذي اخترته.. طريق الإلحاد.. والذي لم يكن له أي علاقة بمجال تخصصي، فقد كان في إمكاني أن أكون عالما مؤمنا مثلي مثل نيوتن وأينشتاين وغيرهما، وفلم ينقص من علمهما ولا شهرتهما الإيمان.. لكن هذا ما شئت، وهكذا أردت بسبب البيئة التي كنت تحيط بي، والتي كانت تملي علي ما أقول كما تملي علي ما أفعل.

أنا لا أبرئ نفسي، فقد كان في إمكاني أن أرفض ما يملى علي.. ولكني ركبت الموجة، ثم رأيتها تتناسب مع مزاجي الممتلئ بالأحقاد.. فقلت ما قلت.. وفعلت ما فعلت.

سكت قليلا، ثم قال([44]): في بدايات القرن العشرين وعلى مدار التاريخ السابق له كان الملحدون يشعرون بزهو عندما يناقشون المؤمنين، لأن النظرية الفيزيائية التي كانت سائدة وقتها هي [سرمدية الكون].. أي أنه بلا بداية ولا نهاية.. ولذلك كانوا يزعمون أنه ليس بحاجة لخالق.. لكن بعد اكتشاف نقطة بداية الكون وانهيار نظرية [الكون الثابت] بدأ الملاحدة يشعرون بالحرج..

فقد كان ذلك داعية للكثيرين للبحث عن قوة عاقلة حكيمة لا تخضع للزمان والمكان أخرجت الكون من العدم.. وهذا ما جعل الكثير من العلماء الملحدين كـ [فريد هويل] يبذلون جهدا كبيرا، ومحاولات مستميتة لطرح تفسير علمي بديل من أجل دحض بداية الكون غير أنها ذهبت كلها أدراج الرياح بعدما ثبت علميا حدوث الانفجار الكبيربشكل نهائي.

وهذا ما دعا إلى البحث عن بدائل أخرى تسلم بنشأة الكون، وفي نفس الوقت تضع بدائل عن الله.. وقد جذبني هذا التحدي، خاصة أني وجدت الملاحدة قد توقفوا توقفا تاما عن أي إجابة يدلون بها للمؤمنين الذين شعروا بزهو النصر عليهم.

في ذلك الحين.. وبالضبط في نهاية عام 2010 خطرت لي البدائل التي وضعتها في كتابي [التصميم العظيم].. والذي زعمت فيه أن الكون ليس بحاجة لخالق، لأنه يستطيع خلق نفسه من العدم، وذلك من خلال [نظرية كل شيء] التي سماها النظرية إم.

أكل بعض القاذورات بهدوء تام، ثم قال: أنتم تعلمون الفرحة العظيمة التي استقبل بها الملاحدة الكتاب، والتي جعلتهم يحدثون ضجة إعلامية كبيرة حوله.. ليس فقط لأن موضوع الكتاب يعيد حرارة النقاش بين الملحدين والمؤمنين، ولكن لأن الكاتب.. أي أنا.. كان لي شهرة عالمية واسعة اكتسبت جزءا كبيرا منها بسبب وضعي الصحي الفريد.. فأنتم تعلمون أني كنت مصابا بشلل رباعي منذ عدة عقود، ولا أتحدث إلا من خلال برنامج كمبيوتر.. وهذا ما جعل الكثير ينجذب لي.. لا بسبب حجج الكتاب القوية، وإنما بسبب التحدي الذي قمت به في مواجهة مرضي المستعصي..

ليس ذلك فقط، وإنما لكوني أيضا، حاولت أن أخرج الملاحدة من القمقم الذي وضعهم فيه اكتشاف بداية للكون.. ولذلك بمجرد أن طرحت نظريتي صاح الجميع: (وأخيرا ظهر دارون الفيزياء)

لقد راح حينها الملحد التطوري [ريتشارد دوكينز] يقيم الأفراح بالمناسبة، ويعلن عن نبوتي، وتنصيبي كاهنا جديدا في هيكل [الإلحاد الجديد].. وقد قال في تلك المناسبة: (لقد طرد دارون الإله من البيولوجيا، ولكن الوضع في الفيزياء بقي أقل وضوحاً، ويُسدد هوكينج الضربة القاضية الآن!!)

وعندما منحت لي الفرصة للحديث، قلت: (تماما مثلما فسر دارون ووالاس كيف أن التصاميم المعجزة المظهر في الكائنات الحية من الممكن أن تظهر بدون تدخل قوة عظمى، فمبدأ الأكوان المتعددة من الممكن أن يفسر دقة القوانين الفيزيائية بدون الحاجة لوجود خالق سخر لنا الكون، فبسبب قانون الجاذبية فالكون يستطيع ويمكنه أن يُنشيء نفسه من اللاشيء، فالخلق الذاتي هو سبب أن هناك شيء بدلا من لاشيء، ويفسر لنا لماذا الكون موجود، وكذلك نحن)([45])

أنتم تعلمون أن الحيلة التي اعتمدتها لذلك هي التعلق بما يطلق عليه [الأكوان المتعددة]، وهي تشبه إلى حد كبير ما قام به أصحاب نظرية التطور في علم الأحياء من استبدال (الخلق) بالتطور الصدفي والعشوائي في الكائنات الحية.

ولأجل إثبات هذا النوع من الصدفة افترضت في كتابي [التصميم العظيم] وجود 10 أس 500 كون [أي 10 وأمامها 500 صفر] كون، لأهرب من الاعتراف بالإله الذي آمن به من سبقني من كبار الفيزيائيين كنيوتن وأنشتين وماكس بلانك وغيرهم.

أكل بعض القاذورات بهدوء قاتل، ثم قال: لقد كان هدفي الأكبر من كل ذلك هو الهروب من فكرة البداية الكونية، بأي شكل، ولهذا، فقد صرحت في كتابي [الكون في قشرة جوز]، فقلت: (إن الفيزيائيين ينفرون غريزيا من فكرة أن يكون للزمان بداية أو نهاية)([46])

وبذلك فإن طروحاتي في هذا المجال لا تعدو طروحات رغبوية مزاجية لا علاقة لها بالعلم ولا بالمنهج العلمي.. فدور العلم أن يكتشف الحقيقة كما هي في الواقع لا أن يفرض عليها قناعاته.

من طالع كتابي [التصميم العظيم] الذي بثثت فيه هذه الأفكار، سيدرك لا محالة هذا المنهج الذي كنت أكتب به.. لقد قلت فيه مثلا: (طالما يوجد قانون كالجاذبية، فالكون يستطيع، وسيقوم بخلق نفسه من لاشيء.. الخلق التلقائي هوسبب وجود شيء بدلا من لاشيء.. ليس لازما أن نقحم إلها ليبدأ عمل الكون)([47])

ولأجل تحقيق هذا، فقد فرضت أن تموجات الكوانتم([48]) (تؤدي إلى خلق أكوان متعددة بأعداد كبيرة لا يدركها العقل البشري، بعضها سينكمش على نفسه وينهار على نفسه وهو في مرحلة ميكروسكوبية ضئيلة.. ولكن غيرها الكثير سيتكون ويكبر، وبالتأكيد سيصادف في أحدها وجود بيئة وقوانين تصلح لتطور الكون إلى ما هو عليه، ومن ثم نشوء الحياة وتطورها كما حدث في حالتنا، وعليه فوجودنا ليس معجزة بل مجرد أحد الإحتمالات الحادثة في الأكوان المختلفة)

وعندما سألني بعض الطلبة في بعض الجامعات عن معنى قولي هذا راحت أشرح لهم قائلا: (سيستعير الكون الطاقة اللازمة لخلق المادة من قوي الجاذبية.. وبالطبع كلامي مجرد نظرية أو فرض لايمكن اختباره، وقد تدعمه المشاهدات، لكن بالطبع لن يمكنها إثبات صحته.. إننا نعلم تماما أن بداية الكون والزمان الحقيقي هو الانفجار الكبير، وعليه فما قبل الإنفجار الكبير هو شيء خارج نطاق قوانين الفيزياء..ولكن لنفرض أن هناك زمن خيالي كان قبل الإنفجار الكبير، ولنفرض أن الكون في هذا الزمان الخيالي مغلق على نفسه فهو محدود، ولكن لانهاية له أو حد تسقط خارجه (مثل سطح الكرة).. في هذه الحالة نستطيع تطبيق قوانين الفيزياء (كقانون الجاذبية)([49])

لقد كان كلامي هذا مجرد محاولة يائسة، لإحياء (نظرية الكون الثابت) أو سرمدية الكون مرة أخرى.. وقد كانت تلك الفرضية التي طرحتها محل تساؤلات كثيرة من الطلبة إلى درجتي خرجت من القاعة، وأنا ألعن عقولهم التي تتحدى عقلي..

لقد قال لي أحدهم: ما دمت قد ربطت نشأة الكون بالجاذبية.. فمن خلق الجاذبية؟ ومن خلق قانون الجاذبية؟

حينها حاولت أن أتخلص منه، فقلت له: الجاذبية قانون حتمية.. أي واجبة الوجود.. ولا يصح أن نسأل عن سر وجوب واجب الوجود.

قال الطالب: لكن هذا نفس ما يقوله المؤمنون حين نسألهم عمن خلق الله.. فهم يذكرون أنه واجب الوجود.. فلم ترفضون تبريراتهم مع أنكم تستخدمونها.

حينها رحت أستعمل طريقتي التي تعودت عليها من السخرية من الدين، فقلت له: هل تعلم أن أولئك المتدينين الذين تدافع عنهم يذكرون أن عمر الكون لا يعدو 4000 سنة فقط.. (إذا هل وضع الإله الحفريات القديمة التي عمرها يقدربملايين السنين ليخدعنا؟)([50])

 ضجت القاعة بالضحك، فقال الطالب: ولكن ليس كل المتدينين يقولون هذا.. وحتى لو قالوه، فلنعتبرهم مخطئين، ولا نحمل الله جريرة أخطائهم.

لم أشأ أن أجادله، لأني أعلم أنه من الصعوبة الانتصار على أمثال هؤلاء.. لذلك تركت المجال لطالب آخر، ظننت أنه سيقف في صفي، لكنه وقف ضدي، وقال: لو فرضنا حتمية وجود القوانين..فيجب أن نفهم أن القانون نفسه ماهو إلا تعبير رياضي عن ما يحدث في الطبيعة، ولكنه لا يعمل تلقائيا فلا بد من وجود مشغل له.. ولابد من وجود المادة أو الطاقة أو المجال أو الشيء الذي ينطبق عليه القوانين، فمن أوجد كل هذا؟

قال آخر: ذلك صحيح.. فقوانين نيوتن للحركة مثلا لن تحرك كرة البلياردو بدون وجود لاعب يضرب الكرة.. ووجود الطاولة لتجري عليها.. فضلا عن وجود الكرة نفسها.

قال آخر: لقد أثبت العلم وبوضوح أن هناك بداية للزمان والمكان كانت مع الانفجار الكبير، وهذا ما يفهمه كل البشر.. فلماذا نحيد عن المثبت الواضح لنغرق في الخيال العلمي، والافتراضات الخرافية بعد الافتراضات من نوع الزمن الخيالي والكون المغلق على نفسه غير الواضح المعنى لمجرد سد فراغ العلم فيما قبل الانفجار الكبير.

قال آخر: لقد ذكرت أنت نفسك في كتابك [مختصرتاريخ الزمن] أن نظرية الأوتار تكاد تتساوى مع القول بأن الكون محمول على ظهر سلحفاة، فكلاهما بلادليل يمكن إثباته.

قال آخر: ألاترى ـ مستر هوكنج ـ أن النظرية [إم] عمليا غير موجودة أصلا، فلا توجد معادلة رياضية واحدة للتعبير عنها، وكل ما تفعله يا مستر هوكنج هو أنك تبشر أنها ستحل كل العضل.. وسترد على كل الإشكالات..لقد ظللت تردد هذا الكلام منذ 30 عاما.. ونحن نسمع جعجعتك، ولا نرى طحينك.

قال آخر: حتى لو استطعت ـ مستر هوكنج ـ إثبات نظريتك نظريا.. فستظل غير قابله للإثبات عمليا، لا الآن، ولا في المستقبل، فإثباتها مستحيل.. أنت نفسك تقر بهذا، ولهذا نجد في كتابك أمثال هذه العبارة (هذا ما أؤمن به) أو (ما أعتقده)

قال آخر: صدقت.. فتأكيد وجود الأوتار أو الأغشية طبقا للنظرية إم ـ مثلا ـ يحتاج إلى جهازمصادم جزيئي بحجم عشرات الآلاف من السنين الضوئية.. ولنفهم ضخامة هذا.. فإن المجموعة الشمسية بالكامل ليست سوى يوم ضوئي واحد.. وبناء على هذا نحن نحتاج إلى جهاز مصادم بحجم مجرة.. مع العلم، فإن مجرتنا بها حوالي 4 بليون شمس كشمسنا.. فمن أين يا ترى تجلب لنا هذا الجهاز مستر هوكنج.

قال آخر: اسمعني جيدا مستر هوكنج.. هل يمكن لنظريتك حتى لو سلمنا جدلا بتصديقها، وأنه يمكن إثباتها عمليا.. هل يمكنها أن تفسر سبب وجود البشر والحياة على الأرض.. اللهم إلا بالإحالة على نظرية أخرى لا تقل اهتراءا وتهاويا [نظرية النشوء والإرتقاء].. ولذلك، فستبقى الحياة لغزا، بل طلسما لا حل له بعيدا عن الخالق.

قال آخر: ألا ترى ـ مستر هوكنج ـ أنك تتناقض في كلامك.. فمرة تذهب إلى أن الكون خلق من العدم، ثم لا تلبث حتى تعود لتحدثنا عن زمن خيالي، وقوانين، ومن ثم تموجات الكوانتم، ولا أدري كيف نسمي كل هذا عدما؟.. اسمح لي مستر هوكنج أن أذكر لك بأن كلامك هذا ليس خطأ فقط، بل هو متناقض أيضا..إلا إذا كنت تقصد أن فراغ الكوانتم ليس عدما.. لكن مع ذلك من أين أوجدته؟.. وكيف أوجدته؟

قال آخر: أنت تعلم جيدا ـ مستر هوكنج ـ أن وجود الأكوان المتعددة أمر خرافي أو في أحسن أحواله ميتافيزيقي لا يمكن إثباته أو اختباره.. ولذلك فهو طرح فلسفي مجرد من أي دليل علمي.. هذا الكلام ليس من عندنا.. بل درسناه عند زميلك البروفسور [جون بولكنجهورن]، وهو من كبار علماء الفيزياء النظرية، فقد قال لنا: (إن الأكوان المتعددة ليست فيزياء، إنها في أحسن الأحوال فكرة ميتافيزيقيه، ولا يوجد سبب علمي واحد للإيمان بمجوعة من الأكوان المتعددة.. إن ماعليه العالم الآن هو نتيجة لإرادة خالق يحدد كيف يجب أن يكون)

قال آخر: فلنسلم لك جدلا ـ مستر هوكنج ـ بما ذكرت.. ألا يدعو هذا إلى التساؤل عن المصدر الذي وجد به هذا النظام المغلق الذي تزعمه.. فمهما كانت الآلية أو القانون أو الطاقة أوالميكانيزم أوالتموج أو النظام أوالشيء.. فإن هذه جميعا يستدعي وجودها وجود خالق..

قال آخر: ألا ترى ـ مستر هوكنج ـ أن الإيمان بمعجزات الأنبياء التي تسخر منها أيسر وأقرب للعقل والمنطق مما تطرحه.. فأنت تذكر أن تناسق الكون ونظامه البديع ليس دليلا على الخالق، بل مجرد صدفة ضمن الاحتمالات العديدة.. وكلامك هذا يعني أن مليارات المليارت المليارات من الصدف تتآلف وتتآزر كل حين لصالح الإنسان.. فأي عقل يقول هذا؟.. إنها نفس عقلية التطوريين التي ترى أنه يمكن لقرد يجلس على كمبيوتر أن يخرج بعد مليار سنة قصيدة لشكسبير من ضمن كتاباته.. أوأن إعصارا جارفا يمكنه أن يشتت مواقع الخردة كلما مرعليها منذ آلاف السنين لينتج في مرة من المرات طائرة بوينج.

قال آخر: من الملاحظات المهمة التي خرجت بها من كتابك أنك عند عرضك لاحتمال وجود الخالق، تذهب لتنفر منه باستخدام أساطير الأديان الوثنية المتسربة للكتاب المقدس أو لتفسيرات أتباعها، ثم تذكر أن ما ورد في تلك الأديان يصطدم مع العلم، وأن البديل لذلك ليس سوى الفلسفة الإلحادية.. وهذا خروج عن المنهج العلمي، لأن إثبات وجود الله شيء، والأديان شيء آخر.. فيمكنك أن تؤمن بوجود الله من غير أن تؤمن بأي دين من الأديان، كما يمكنك أن تدرس الفلسفة من غير أن تكون على أي مذهب من مذاهب الفلاسفة.

قال آخر: لقد رأيت أنك في كتابك تنقل قصص الخلق عند شعوب العالم بداية من ديانات وثنية ربما لايدين بها أحد الآن، في أدغال إفريقيا، وصحارى أستراليا، مرورا بديانات لشعوب أمريكا اللاتينية والهنود الحمر وشعوب آسيا.. وانتهاء بقصة الخلق كما وردت في الكتاب المقدس.. ثم تأخذ في السخرية منها، وتجعل من تلك الدراسة الوحيدة ذريعة للقول بأن الدين لا أمل فيه ولا فائدة منه.. وأنت في خضم ذلك كله تنسى دينا يدين به مليار ونصف مليار من البشر، وهو يتوافق مع العقل والعلم والفطرة السوية بشهادة العلماء في المجالات المختلفة.. لكنك اختصرت موقفك منه كما اختصره زميلك دوكينز في تلك التصرفات الحمقاء التي قام بها بعض أتباعه.. فهل خطيئة الأتباع تجر إلى الحكم على المتبوع وإلغائه؟)

أكل بعض القاذورات بهدوء تام، ثم قال: بعد أن ألقى علي طلبتي وابل إشكلاتهم واعتراضاتهم، خرجت من عندهم ممتعضا قلقا.. لكني ما إن خرجت حتى وجدت دعوة لحضور مناقشة علمية لكتابي عقدتها بعض القنوات المحلية.. فذهبت، وأنا أرجو أن يمسح العلماء والباحثون آثار التشكيكات التي ألقاها علي الطلبة.

في بداية المجلس استبشرت كثيرا، وشعرت أن معنوياتي بدأت ترتفع، فقد سمعت الكثير من الثناء من بعض الأصدقاء، حتى أن بعضهم اعتبرني [نبي الإلحاد].. لكن المشكلة أنني أعرفهم، وأعرف أنه لا علاقة لهم بالبحث والعلم، وإنما كانوا مثلي ومثل دوكينز ميالين للإلحاد، ولكل ما يبرره من غير اهتمام بالحقيقة العلمية.

ما انتهى حديثهم حتى بدأ الطرف الثاني يتحدث، وبكل قوة، وقد كانوا جميعا من العلماء الذين لهم حضورهم القوي في المجالات العلمية المختلفة، وأهمها مجالي.. ولذلك كانوا أعرف بخبايا ما طرحته من طلبتي.

قال أحدهم، وهو يحمل كتابا بعنوان [في البدء كان هوكنج..والمنطق انتهى]، ثم شرع يشرح كيف أني في نهاية حياتي حاولت التخلص من وجود الله بأي شكل، وبأي ثمن لأبني مجدا شخصيا، ولأشبع جوع الملاحدة، وأطمئنهم بأن خطاياهم لا تشكل أي خطر عليهم..

ثم قام آخر، وقد كان من كبار الفيزيائيين في العالم، وهو البروفيسور [راسل ستانارد]، وقال: (إن فلسفة هوكنج هي تحديدا ما أعارضه، فهي كما وصلتني مثال واضح على التعالم.. فاعتبار العلم الحديث مصدر المعلومات الوحيد، وأننا لدينا فهم كامل لكل شيء هراء، بل وهراء خطير أيضا، فهو يشعر العلماء بالكبر والغرور بشكل مبالغ فيه)

قال آخر: قد يظن أحدكم بأن هوكنج جاء بالجديد علميا فلماذا نهاجمه؟.. والجواب على ذلك هو أن هذا الكتاب لم يأت بجديد علميا.. فهو يجتر معظم ماقاله في كتبه السابقة، ويتناول نظريات معروفه ومتداولة منذ زمن مثل (الأكوان المتعددة) و(نظرية الأوتار) ونسختها المطورة (النظرية إم) أو كما قال عنها [نظرية كل شيء].. ربما كان الشيء الجديد هو تصريحه بأن الكون قادر على خلق نفسه، وحشد كتابه بكلام عن تاريخ العلم والنظرات الفلسفية التي تعجب العوام تماما كما تعجبهم الرسومات الكرتونية التي ملأت الكتاب الذي يخلو تماما من المراجع العلمية، كما يخلو أيضا من أي معادلة رياضية أو فيزيائية مما يؤكد أن دعواه ليست بالفعل إلا توظيف لرغبتة الجامحة للقيام بزلزال إعلامي، بحثا عن مكانة تاريخية بغض النظر عن امتلاكه مفرداتها.

قام آخر، وهو [روجرزبنروز]، الفيزيائي الشهير الذي أثبت معي حدوث الانفجار الكبير، وقال: (على عكس ميكانيكا الكم، فإن النظرية إم لاتملك أي إثبات مادي إطلاقا)

قام آخر، وهو البروفيسور [باول ديفيز] الفيزيائي الإنجليزي، وقال: (تبقى القوانين المطروحة غير قابلة للتفسير.. هل نقبلها هكذا كمعطى خالد؟.. فلماذا لانقبل الله؟.. حسنا وأين كانت القوانين وقت الإنفجار الكبير؟.. إننا عند هذه النقطة نكون في المياه الموحله)

 قام آخر، وهو الفيزيائي وعالم الفضاء [مارسيلو جليسر]، وقال: (ادعاء الوصول لنظرية نهائية يتنافى مع أساسيات وأبجديات الفيزياء والعلم التجريبي وتجميع البيانات، فنحن ليس لدينا الأدوات لقياس الطبيعة ككل، فلا يمكننا أبدا أن نكون متأكدين من وصولنا لنظرية نهائية، وستظل هناك دائما فرصة للمفاجآت كما تعلمنا من تاريخ الفيزياء مرات ومرات.. وأرى ادعاء باطلا أن نتخيل أن البشر يمكن أن يصلوا لشيء كهذا..أعتقد ان على هوكنج أن يدع الله وشأنه)

قام آخر، وهو الفيزيائي [بيتر ويت] من جامعة كولومبيا، وقال: (لست من أنصار إدخال الحديث عن الله في الفيزياء لكن إذا كان هوكنج مصرا على دخول معركة الدين والعلم فما يحيرني هو استخدامه لسلاح مشكوك في صلاحيته أو فاعليته مثل النظرية إم)

قام امرأة، وهي الطبيبة والعالمة البريطانية الرائدة [سوزان جرين فيلد]، وقالت: (بالطبع يمكنهم أن يدعوا ما يشاؤون، لكن عندما يستخدم طريقة حركة طالبان بأن يدعي بأن لديه كل الحقائق والإجابات فهذا يشعرني بعدم الارتياح)

قام آخر، وهو [ويليام كريج] الفيلسوف الأمريكي، وقال ساخرا: (لاشيء جديد علميا في هذا الكتاب بالمرة، ولكن نقاش فلسفي بحت خصوصا في الثلث الأول، وهو شيء غريب إذا علمنا أن هوكنج في أول صفحة من كتابه يذكر أن الفلسفة قد ماتت)

قام آخر، وهو فيلسوف الفيزياء [كريج كالندر] من جامعة كاليفورنيا، وقال ساخرا: (منذ ثلاثين عاما صرح هوكنج بأننا على أعتاب نظرية كل شيء، وبحلول عام 2000 وحتى الآن في عام 2010.. لاشيء..لكن لايهم، فهوكنج رغم ذلك قرر أن يفسرسبب الوجود بالرغم من عدم وجود النظرية.. إن ما يتحدث عنه هو مجرد حدس غير قابل للاختار أبدا)

قام آخر، وهو [راسل ستانرد] العالم الفيزيائي الشهير، وقال: (نظرية الأوتار تحتاج لمصادم هيدروني بحجم مجرة لاختبارها، وهذا غير ممكن.. حسنا لو قلنا ـ طبقا للنظرية إم ـ إن الكون خلق نفسه فمن أوجد النظرية إم؟.. ومن أوجد القوانين الفيزيائية الخاصة بها؟.. ورغم ذلك فلاتوجد لها معادلة فيزيائية حتى الآن.. أطلب منهم أن يكتبوا معادلة فيزيائية..لن يفعلوا لانهم ببساطة لايمتلكونها)

قام آخر، وهو [دون بيج] الفيزيائي الكندي الذي كان تلميذا لدي، وشاركني في كتابة ثمان ورقات علمية، وقال: (أتفق بكل تأكيد مع القول بأن حتى لوتمكننا من الحصول على صياغة كاملة للنظرية إم، ثم ثبتت أيضا صحتها، فهذا لا يتضمن أبدا أن الله لم يخلق العالم)

قام آخر، وهو [فرانك كلوز] الفيزيائي بجامعة أوكسفورد، وقال ساخرا: (النظرية إم غير معرفة، حتى وقيل لنا أن لا أحد يعرف على ماذا يرمز الحرف (إم) ربما من كلمة ميث (أي أسطورة) إنها لا تضيف شيئا في الحديث عن الله)

قام آخر، وهو العالم [جون بترورث] الذي كان يعمل في مصادم الهادرون بسويسرا، وقال: (النظرية إم خارج نطاق العلم))

قام آخر، وهو البروفيسور [محمد باسل الطائي]، وهو أستاذ الفيزياء الكونية بجامعة اليرموك بالأردن، وقال: (قوانين الفيزياء على الحقيقة بحاجة إلى مشغل.. هذا ما نتعلمه من ميكانيك الكم، فجميع الصياغات القانونية في ميكانيك الكم تتخذ الصياغة الرياضية الإجرائية، وهذه الصياغة تخفي في مضمونها وجود المُشغل.. من جانب آخر فإن جميع الفيزيائيين الدارسين لميكانيك الكم يعلمون أن الصفة المؤسسة لميكانيك العالم وظاهرات العالم هي الصفة الاحتمالية، وليست الحتمية، أي أن نتائج فعل قوانين العالم (القياسات) ليست حتمية بل هي احتمالية.. هذه الحقيقة تغيب عن عقل واينبرغ وعن عقل هوكنج حين يتحدثون عن الله)

قام آخر، وهو [د.هاميش جونستون] محررموقع عالم الفيزياء، وقال: (توجد فقط مشكلة صغيرة، وهي ضحالة الدليل التجريبي للنظرية إم، بمعنى آخر إن هناك عالما كبيرا يخرج بتصريح للعامة يتحدث فيه عن وجود الخالق اعتمادا على إيمانه بنظرية غير مثبته.. إن الفيزياء بحاجة لدعم العامة حتى لاتتأثر بتخفيض النفقات، وهذا سيكون صعبا جدا إذا ظنوا أن معظم الفيزيائيين يقضون وقتهم في الجدال عما تقوله نظريات غير مثبته عن وجود الخالق)

قام آخر، وهو الصحفي العلمي [جون هورجان]، وقال: (هوكنج نفسه قال باستحالة اختبار نظريته..أن تضع نظرية لكل شيء فأنت لديك لاشيء.. أن يكون خلاصة بحثه هو النظرية إم غير القابلة للإثبات..إننا نخدع أنفسنا إن صدقناه)

قام آخر، وهو بروفيسورالرياضيات [جون لينوكس]، وقال: (إن قول أن الفلسفة قد ماتت خطير جدا خصوصا عندما لا تتوقف أنت نفسك عن استخدامها.. ولأن هوكنج لديه فهم مغلوط لكل من الفلسفة والدين، فهو يريدنا أن نختار بين الله وقوانين الفيزياء.. إن القوانين الفيزيائية لايمكن أن تخلق شيئا، فهي مجرد الوصف الرياضي للظواهر الطبيعية.. فقوانين نيوتن للحركة لن تدفع كرة البلياردو على الطاولة بدون لاعب يضربها، فالقوانين لن تحرك الكرة فضلا عن خلقها.. إن ما يقوله هو خيال علمي بحت.. من أين جاءت الخطة الكونية التي تحدث عنها هوكنج؟ إنها ليست من الكون فمن جعلها تعمل إن لم يكن الله؟.. إن محاولة العلماء الملحدين الهروب من فكرة الخالق يجعلهم يعزون الوجود لأشياء أقل مصداقية كالطاقة والقوانين أوالكتل.. بالنسبة لي كلما زاد فهمي للعلم كلما زاد إيماني بالله لتعجبي من اتساع وتعقيد وتكامل خلقه)

ثم شرح كيف آمن عمالقة العلماء عبر التاريخ بوجود خالق عظيم لهذا الكون فقال: (إسحق نيوتن بعدما اكتشف قانون الجاذبية، وألف أهم كتاب علمي في التاريخ (برينسيبا ماثيماتيكا)، قال: إنه يأمل أن يساعد أصحاب العقول أن يؤمنوا بالله.. وكانت قوانين آينشتين الرياضية مثار اندهاشه الدائم وإيمانه بوجود قوة حكيمة جبارة خلف هذا الكون.. وآلان سانداج المعروف بالأب الروحي لعلم الفلك الحديث الحائز على أرفع الجوائز قال: إن الله هو التفسير لمعجزة الخلق)

بعد استماعي لكل أولئك الذين انتقدوني.. رحت أتأمل فيما ذكروا.. لا في انتقادهم لنظريتي، ولا في كونها لا تمت للعلم بصلة، فقد كنت مقتنعا بذلك كله، ولم يكن لي حاجة في أن يذكروه لي.. ولكني رحت أتأمل العواقب التي تنجر من وراء تراجعي عن تلك الطروحات الإلحادية.. وعندما حسبت حساباتي قررت أن أستمر في جنوني إلى الآخر.. وها أنذا أدفع ثمرة جنوني.

قال ذلك ثم راح يمد أنفه الطويل إلى الأرض ليحفرها، ويستخرج بعض الجذور منها، ثم يرميها، ويأكل بدلها بعض القاذورات المحيطة به.


([1])   ديموقريطَسْ (460؟ ق.م -370؟ ق.م)، هو فيلسوف مادّي يوناني، حاول أن يبرهن أنَّ العالم مكوَّن من عدد غير محدود من الذَّرات، يتحرك في فراغ لا حدود له. وهذه الذَّرات جُسَيمات من المادَّة غير المرئية، وغير القابلة للانقسام، وغير المولّدة أو القابلة للإتلاف. وتختلف عن بعضها في الحجم والشَّكل والوضع. وكل شيء في هذا العالم مكوّن من مجموعة مختلفة عن غيرها من هذه الذَّرات، وقد جاء عالمنا من تركيب عَرَضي لهذه الذَّرات. وبسبب وجود عدد غير محدود من الذَّرات، فقد وجدت عوالم أُخرى أَيضًا.

([2])   المذهب الذرّي هو عبارة عن فكرة فلسفية تطوّرت في اليونان خلال القرن الخامس قبل الميلاد.. وهي ترى أن العناصر الأساسية للحقيقة تتشكّل من الذرة غير القابلة للانقسام والإتلاف، وهي مادة سابحة في الفضاء.. ويظنّون أن الذرّة لها حركة، ولكنها تنعدم وترتدُّ بعد ارتطامها. وقد تكوّنت الدنيا نتيجة هذه الحركات. ووجدت لفترة من الزمن ثم اختفت. وهذه العوالم والأشياء الظاهرية التي وجدت عليها تختلف فقط في الحجم والشكل وموضع ذراتها.

([3])  نذكر هنا باختصار وتصرف ما ذكرناه في المناظرة الأولى من كتاب [الباحثون عن الله]، وهي مناظرة افتراضية أجريناها بين ديموقريطس والباقلاني.

([4])  ذكرنا هنا أدلة المتكلمين.. والعلماء المحدثون يستدلون على الحدوث بأن الكون لو كان قديما لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد وتوقف كل نشاط في الوجود، وهذا ما يؤكده العلم التجريبي في (القانون الثاني للحرارة الديناميكية)، والذي ينص على أن الطاقة في الكون تقل تدريجياً بصورة مطردة.

([5])  هذا الدليل هو متمسك المتكلمين على اثبات حدوث العالم، وهو مذكور في أكثر كتب الكلام كالتمهيد للباقلانى، وأصول الدين لعبد القاهر البغدادى، وشرح المقاصد للتفتازانى وشرح العضدية للجرجانى.. وقد عبر الباقلاني عنه باختصار في الإنصاف مستدلا له بالنقل، فقال: (يجب أن يعلم: أن العالم محدث؛ وهو عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى، والدليل على حدوثه: تغيره من حال إلى حال، ومن صفة إلى صفة، وما كان هذا سبيله ووصفه كان محدثاً، وقد بين نبينا a هذا بأحسن بيان يتضمن أن جميع الموجودات سوى الله محدثة مخلوقة، لما قالوا له: يا رسول الله: أخبرنا عن بدء هذا الأمر؟ فقال: نعم. كان الله تعالى ولم يكن شيء، ثم خلق الله الأشياء فأثبت أن كل موجود سواه محدث مخلوق. وكذلك الخليل u، إنما استدل على حدوث الموجودات بتغيرها وانتقالها من حالة إلى حالة؛ لأنه لما رأى الكوكب قال:﴿  هَذَا رَبِّي)(الأنعام: من الآية76)، إلى آخر الآيات، فعلم أن هذه لما تغيرت وانتقلت من حال إلى حال دلت على أنها محدثة مفطورة مخلوقة، وأن لها خالقاً، فقال عند ذلك وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض)

([6])  انظر: الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي.

([7])  استفدنا المعلومات الواردة هنا من كتاب (الإسلام يتحدى) لوحيد الدين خان.

([8])  المعلومات العلمية المحضة هنا ـ والتي استفدناها من كتاب (الإسلام يتحدى) ـ  ربما تكون قد تغيرت بفعل التطور العلمي، ولكنها مع ذلك تبقى صالحة للاستدلال.

([9])  فيكتور شتينجر: (1935 -2014 ) أمريكي مختص في فيزياء الجسيمات، وفيلسوف وكاتب و مشكك ديني.. وهو من أعلام الإلحاد الجديد، و كاتب للأدبيات العلمية.. نشر اثني عشر كتابا عن الفيزياء و ميكانيكا الكم، وعلم الكون، والفلسفة، والدين، والإلحاد، والعلوم الزائفة، وآخرها كتاب [فشل فرضية الاله: كيف يظهر العلم ان الله غير موجود] الذي نشر في عام 2007، و [الإلحاد جديد: اتخاذ موقف للعلوم والعقل] (2009 )، و[مغالطة التوافق الدقيق: كيف أن الكون ليس مصمما من أجل الإنسانية] (2011 )، و[الله و حماقة الإيمان: التعارض بين العلم والدين] (2012 )، و[الله و الذرة: من ديموقريطس إلى هيغز بوسون] (2013 )

([10])  فشل فرضية الاله، ص33.

([11])  اقتبست بعض المادة العلمية الموجودة هنا من مقال بعنوان [نقد كتاب الله: الفرضية الفاشلة لستينجر]، لرضا البطاوى، مع العلم أن الكثير من ردوده خاطئة، لأنه ينكر الكثير من الحقائق العلمية من دون دليل.

([12])  فشل فرضية الاله، ص27.

([13])  فشل فرضية الاله، ص28.

([14])  فشل فرضية الاله، ص42.

([15])  فشل فرضية الاله، ص51.

([16])  فشل فرضية الاله، ص150.

([17])  فشل فرضية الاله، ص220.

([18])  فشل فرضية الاله، ص20.

([19])  وهم  الاله، ص245.

([20])  فشل فرضية الاله، ص128.

([21])  فشل فرضية الاله، ص200.

([22])  فشل فرضية الاله، ص146.

([23])  فشل فرضية الاله، ص3.

([24])  فشل فرضية الاله، ص46.

([25])  لينتون ريتشارد دوكينز  (ولد 1941 في نيروبي، كينيا) عالم بيولوجيا تطورية وإيثولوجيا بريطاني وكاتب أدبيات علمية..من كتبه التي يتعلق بها الملاحدة، ولها انتشارها الواسع في المواقع المختلفة [الجين الأناني] الذي حاول فيه تصحيح ما وصفه بسوء الفهم للداروينية، ومنها [النمط الظاهري الموسع] (1982)، [صانع الساعات الأعمى] (1986)، النهر الخارج من عدن (1995)، والصعود إلى جبل اللااحتمال (1996). في التسعينيات، بدأ دوكينز بإصدار برامج تلفزيونية وأفلام وثائقية عن التطور. في كتابه [تفكيك قوس القزح] المنشور عام 1998.

ومن أهم كتبه وأكثرها شهرة بين الملاحدة [وهم الإله] المنشور عام 2006 الذي زعم فيه أنه يشرح المغالطات المنطقية في المعتقدات الدينية ويستنتج أنه لا يوجد أي خالق غيبي وأن الإيمان هو مجرد وهم. في نفس العام أطلق دوكينز مؤسسته المعروفة بـمؤسسة ريتشارد دوكينز للمنطق والعلوم، وهي مؤسسة تسعى لتعزيز القبول بالإلحاد وتدافع عن الأجوبة العلمية للأسئلة حول الوجود. أطلق دوكينز عام 2007 الحملة العلنية لتشجيع الملحدين (اللاربوبيين) على الظهور والإعلان عن اعتقاداتهم.

([26])  وهم الإله، ص5.

([27])  استفدت المادة العلمية الواردة هنا من مقال بعنوان: [الوجه الآخر للعلم ريتشارد دوكينز في ميزان العلم والعقل والمنطق والنفس والأخلاق] من موقع [الباحثون المسلمون]، وقد ذكروا في كل محل المصادر المرتبطة به، والموجودة على النت، وخصوصا على اليوتيوب، وقد أعرضنا عن ذكرها لإمكانية الوصول إليها بسهولة ويسر من غير حاجة لتوثيق.

([28])  أعرضنا عن ذكر بعض المعلومات هنا، والتي ذكرها دوكينز بنفسه، من باب حفظ الأعراض، وإنما أشرنا إلى هذا هنا حتى نبين دور الآثار النفسية والاجتماعية على الملاحدة.

([29])  استفدنا المادة العلمية هنا من مقال مطول بعنوان: الرد على كتاب صانع الساعات الأعمى، للدكتور فؤاد دمشقي، والفصل الرابع من كتاب [وهم الإله] لريتشارد دوكنز.

([30])  صانع الساعات الأعمى، ص70.

([31])  وقد حسب هذا الرقم اعتمادا على عدد الجسيمات الذرية في الكون، وهو 1080 وهذا الرقم أكده ستيفن هوكنج في كتابه تاريخ موجز للزمن صـ 133.. وأقصى عدد من الحركات الممكنة لكل جسيم في الثانية الواحدة حسب زمن بلانك 1045 (زمن بلانك هو أصغر زمن ممكن ويساوي جزء من الثانية قيمته (1045-) وبالتالي لا يمكن أن توجد حادثة تحدث أسرع من هذا الزمن). وعمر الكون (بعد أن ضاعف عمره مليار مرة) ويساوي بالثواني (1025).. والنتيجة هي: (1080) × (1045) × (1025) = (10150)، وهذا الرقم في الواقع هو أكبر من الرقم الواقعي بكثير فلا يمكن للجسيمات أن تتحرك باستمرار بمثل هذه السرعة من بداية الكون إلى الآن إضافة لمضاعفة عمر الكون مليار مرة.

ومع هذا نجد من يعترض على هذا القانون بقوله: (إن عدد الجسيمات الذرية في الكون هو أكثر من ذلك بكثير وإذا سألناهم كم هو بالضبط وما هو مصدركم؟) لا نجد إجابة، وإن كانت هنا إجابة قوية فلم لا لنأخذ بها ونعدل القانون فالأمر بسيط، ففي كتاب تاريخ موجز للزمن لستيفن هوكنج ص 133 يذكر: (أن عدد الجسيمات الذرية يساوي 1 وأمامه 80 صفر)، وهؤلاء المعترضون لا يعترضون لما ضاعف عمر الكون مليار مرة ولما جاء بهذا الرقم المفرط لحركة جسيمات المادة.

([32])  صانع الساعات الأعمى، ص 75.

([33])  انظر في الرد على هذه النظرية: مجلة العلوم عدد يوليو 2012 مقالة [الكون المتعدد]

([34])  وهم الإله، ص 147.

([35])  العوالم الأخرى ص 186 لبول ديفيس.

([36])  وهم الإله، ص149.

([37])  صانع الساعات الأعمى، ص 199.

([38])  صانع الساعات الأعمى، ص 200.

([39])  وهم الإله، ص 140.

([40])  النص من بعض المواقع الإلحادية العربية التي تعطي الكتاب وصاحبه مساحة كبيرة من الثناء إلى درجة التقديس.

([41])  الاقتباسات الوارد هنا، وما بعدها من مقال بعنوان: [الوجه الآخر للعلم ريتشارد دوكينز في ميزان العلم والعقل والمنطق والنفس والأخلاق] من موقع [الباحثون المسلمون]، وقد ذكروا في كل محل المصادر المرتبطة به.

([42])  استفدنا المادة العلمية هنا من مقال مطول بعنوان: نقد الفصل الرابع من كتاب [وهم الإله] للدكتور فؤاد دمشقي.

([43])  ستيفن ويليام هوكينج: (ولد في أكسفورد، إنجلترا عام 1942)، هو من أبرز علماء الفيزياء النظرية على مستوى العالم، درس في جامعة أكسفورد وحصل منها على درجة الشرف الأولى في الفيزياء، أكمل دراسته في جامعة كامبريدج للحصول على الدكتوراه في علم الكون، له أبحاث نظرية في علم الكون وأبحاث في العلاقة بين الثقوب السوداء والديناميكا الحرارية، كما له أبحاث ودراسات في التسلسل الزمني.

([44])  اقتبست المادة العلمية هنا من مقال بعنوان [الرد على ستيفن هوكنج ونقد التصميم العظيم]، د.محمد الروسي، وهو من مدونة [مختصر تاريخ الحقيقة]

([45]) مختصر تاريخ الزمن، ستيفن هوكينج، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة القراءة للجميع، ص 165.

([46])  الكون في قشرة جوز، النسخة العربية، طبعة عالم المعرفة  صفحة 35.

([47])  التصميم العظيم، ص 142.

([48])  أي أقل مقدارممكن من الطاقة يمكن أن يوجد منفردا.

([49]) المحاضرة موجودة على موقعه على النت.

([50])  التصميم العظيم، ص43.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *