حسيون

حسيون

سرنا إلى الجناح الثالث في فندق الملاحدة، وقد كتب على بابه قوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } [الروم: 6، 7]

سألت المرشد عن الآية، وعلاقتها بهذا الجناح، فقال: هذا جناح الحسيين..

قلت: فمن هم؟

قال: أولئك الذين تصورا العلم خاصا بما تكشفه مخابرهم، وتدل عليه تجاربهم، وأنكروا كل ما عدا ذلك.

قلت: أهذا هو العلم بظاهر الحياة الدنيا الذي ذكرته الآية الكريمة؟

قال: هذا بعض العلم بظاهر الحياة الدنيا.. وهو لا يعدو أن يكون نقطة من بحره..

قلت: ومع ذلك غرقوا فيها..

قال: من لم يتعلم السباحة في بحر الإيمان، فسيغرق في أي بحر، وستلتهمه أي موجة حتى لو كانت في حجم قطرة ماء.

قلت: فمن يسكن هذا الجناح من الفندق؟

قال: يسكن فيه كل من صاح مع قارون الذي ذكر القرآن الكريم أنه قال: { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص: 78].. ويسكن فيه كل أولئك الذين عارضوا الرسل عليهم الصلاة والسلام وسخروا منهم اغترارا بما عندهم من العلم، كما قال تعالى: { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83]

قلت: فسنجد علماء كثيرين هنا إذن؟

قال: ستجد العلماء المغترين المتكبرين، لا العلماء المتواضعين..

قلت: وما الفرق بينهما؟

قال: العالم المتواضع هو الذي لا يعدو قدره، ولا يتجاوز حده، ولا يعطي لنفسه السلطة على الكون، بل يحكم بما علم على ما علم، ويردد ما ذكره الله من قول يوسف عليه السلام لإخوته: {وَمَا شَهِدْنَا إلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} [يوسف: 81].. أما المتكبر، فهو الذي يحكم ما علم على ما لم يعلم، فيفرض سلطته ورأيه وغروره على الكون جميعا.. وقد قال الله تعالى في هؤلاء ردا على كبريائهم: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} [الكهف: 51]

قلت: صدق الله العظيم.. وقد أثلجت صدري بما ذكرت، وقد مررت على كلا الصنفين من الناس.. وقد رأيت أن الإنسان كلما ازداد علمه ازداد أدبه وتواضعه.. وكلما نقص علمه أو انحصر في مجالات عديدة كل ما تاه به واغتر، حتى أنه قد يتيه على الله نفسه.

قال: لقد ذكر الله تعالى ذلك، فقال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، وقد جاءت هذه الآية الكريمة في معرض الحديث عن الكون وعجيب صنع الله فيه، وهي دليل على أن الخشية تتحقق لأصناف العلماء المختصين في هذا النوع من العلم.

قلت: صدقت في هذا.. وأنا أعرف الكثير من العلماء الذين امتلأوا إيمانهم من مفرق رأسهم إلى أخمص أقدامهم، ولم تججبهم علومهم عن الله.. بل زادتهم اتصالا به وتواصلا معه ومعرفة له.

ما إن قلت هذا حتى فتح الباب، فرأيت شيئا عجيبا لا طاقة لي، ولا لأحد من الناس، بتصويره.. لقد رأيت بشرا كثيرين لهم ملامح عجيبة هي أشبه ما يكون بفئران التجارب.. والعجب أنهم جميعا موضوعون في قوالب تشبه أنابيب الاختبار.. والأعجب من ذلك كله هو ما وضع تحت تلك الأنابيت من آلات تسخين وتبريد وغيرها..

سألت صاحبي عن سر هذه الحالة التي يعيش فيها هؤلاء، فقال: هذه صورة أعمالهم وهممهم جسدت لهم، ليعيشوها.. فلا يرى الإنسان في آخرته إلا ما صنع في دنياه.. ولا يرى في عالم الملكوت إلا ما هيأه لنفسه في عالم الملك.

قلت: أعلم هذا.. ولكني لا أعلم لم كان مصير هؤلاء بشعا إلى هذا الحد.

قال: لقد كانت حياة هؤلاء الذين تراهم متوقفة على هذه الأنابيب وأخواتها، فكانوا ينكرون كل شيء لا تصل إليه تجاربهم، ولا تدل عليه اختباراتهم، فلذلك اُبتلوا بما اَبتلوا به الحقائق التي امتهنوها وعذبوها وأنكروها..

دافيد هيوم:

بينما نحن كذلك إذ قام من أولئك النفر رجل قد اشتعلت عليه ثيابه نارا، ومع ذلك كان يلتفت إليها، وهو يضحك مسرورا، ويقول: ها قد اشتعت النار أخيرا.. وهذا يدل على أن هناك كاربونا في ثيابي.. وأخيرا تأكدت أنني كنت ألبس ثيابا تحتوي على مادة الكاربون الجميلة..

لكن النار ما لبثت أن وصلت جسده، فراح يتألم ألما شديدا، ثم يطفئها، ويقول: إلى متى نظل عبيدا لهذه التجارب المجنونة التي قتلتنا.. لقد تحولنا بسببها إلى هذه الصور المشوهة.. ثم راح يقول: كل هذا بسببك يا جون لوك..ويا جورج بركلي.. ويا إسحاق نيوتن..ويا ساميل كلارك.. ويا فرانسس هتشون.. ويا جوزف بتلر.. لقد كنتم أساتذتي الذين تعلمت منكم ألا أصدق إلا ما تخبرني به المخابر..

ثم راح يقرع نفسه بأنبوبة اختبار، ويقول: إلى متى تلقي اللوم على غيرك يا [دافيد هيوم([1])]، فأنت السبب في كل ما حصل لك.. كان في إمكانك أن تصبح كالآلاف من أولئك الذين لم تحجبهم مخابرهم وعلومهم عن ربهم وعن حقيقتهم، ولكنك أبيت ذلك، فرحت تتدخل في كل شيء.. رحت بآلاتك البسيطة تريد أن تكشف سر الكون جميعا، وتحكم عليه بأحكامك القاسية، من دون أن تكون لديك الأدوات العلمية الكافية.

وها أنت اليوم تتجرع الغصص التي جرعتها للحقائق.. وللأجيال التي انحرفت بها عن جادتها، فصارت تسبح بحمدك، وتقدس لك، ونسيت خالقها ومبدعها وبارئها.

أخذ يضمد بعض الجراح التي أحدثها الحريق في جسمه، ثم راح يقول: هل نسيت كتابك (محاورات في الدين الطبيعي)، وكتابك (التاريخ الطبيعي للدين)، واللذين ملأتهما بكل أنواع السفسطة والمغالطات والحروب على الله والأديان..

ها أنت اليوم، وبعد فوات الأوان تكتشف أن كل ما سطرته عن حقائق الوجود الكبرى زيف وخرافة وأسطورة.. وأن العلم الحقيقي هو العلم الذي حجبت عنه، واكتفيت بالظاهر عن الباطن، وبالملك عن الملكوت.

لقد حجبك حسك الممتلئ بالزهو والغرور عن كل شيء.. فرحت تعتبره المجال الوحيد للمعرفة، والمنبع الفريد للإدراك.. ورحت تحصر المعارف في المادة الجامدة، وما ارتبط بها.. ورحت تعتبر كل ما يتحدث عنه العلماء المحققون المتدينون من مصادر للمعرفة غير الحس والمادة أوهاما لا حقيقة لها، وخرافة لا وجود لها إلا في مخيلة أصحابها.

ولم تكتف بذلك، بل رحت تعتبر كل معتقدات الإنسان وآراءه عن العالم الخارجي مجرد خيال وأوهام لا وجود لها.. وأنها مجرد مدركات ذهنية مختزنه، وأن الإنسان لا يفعل سوى أن يسقط كل ذلك على العالم الخارجي، ويفسره به، فتكون الحصيلة أن يعلن عن ذاته، وعن مكونات نفسه، ولا يعلن عن الحقائق الخارجية التي يزخر بها العالم الواقعي.

ولم تكتف بذلك، بل رحت تمعن في الحس والكثافة، فتعتبر كل أفعال الإنسان وكل سلوكاته مجرد ردود أفعال لما يعتمل في نفسه من إحساس باللذة أو الألم، واستجابة لكل ما يشعر به اتجاه الأشياء من سعادة أو شقاء.. وبذلك أصبحت الحواس الظاهرة هي المتحكمة في كل شيء ابتداء من الإحساس باللذة والألم.

بل إنك اعتبرت الحواس الباطنة مجرد تابع ذليل للحواس الباطنية.. فألغيت بذلك وجودها وحقيقتها.

ولم تكتف بذلك، بل رحت تلغي كل القيم النبيلة، باعتبارك الفرق بين الخير والشر لا يعدو أن يكون نتيجة للذه والألم.. فكل ما سبب للإنسان لذة أو سعادة فهو خير، وكل ما سبب له ألماً أو تعاسة فهو شر.. وبذلك أصبحت الفضيلة والرذيلة خاضعة للمقاييس الذاتية الممعنة في التزوير، مثلها مثل كل شيء عندك.

ولم تكتف بذلك، بل رحت تلغي إرادة الإنسان الحرة المختارة نفسها.. لأن الإنسان لم يكن عندك سوى آله تحركها مشاعر الألم واللذة، وتتحكم فيها الأوهام والخيالات التي ينشئها عن العالم الخارجي، والذي لا يتعامل معه إلا من خلال ردود الأفعال.

أتدري ما فعلت بفلسفتك الرعناء هذه.. لقد قضيت على كل حقائق الوجود، كما قضيت على كل القيم النبيلة.. وكيف لا تقضي عليها، وقد جعلت الأخلاق قائمة على أصول حسية مادية بحتة.. وكيف لا تقضي عليها، وقد جردت الإنسان من مسئوليته على أفعاله، وجعلت حركاته كلها مجرد ردود أفعال لما يحس به من لذة، أو ما يحس به من ألم..

لقد كنت بكبريائك تتصور أن هذه الأنابيب وحدها من يكشف حقائق الأشياء.. ورحت مثل أولئك البلهاء من أصحاب الفلسفة الوضعية، تدعي أن أكثر الفلسفات التي ظهرت قبل هذه الفلسفة، خاطئة في جوهرها، بل وعديمة الأهمية، لأنها لم تعتمد على المعرفة التي تصل للإنسان عبر الحواس والمعرفة التجريبية.

ورحت مثل ذلك الغبي أوجست كونت، تقسم التاريخ العلمي للبشرية لثلاثة أطوار: الطور اللاهوتي.. والطور الميتافزيقي.. والطور العلمي الوضعي.. ثم رحت تسخر من كل الأطوار السابقة للطور الذي اعتبرته الطور العلمي الوحيد.. ورحت تدعو إلى العزوف عن البحث عن أصل الكون ومصيره أو علله الأولى، وتعتبر البحث في ذلك أو الاهتمام به أوهاما وخرافة.

وأنت وجميع أصحاب الفلسفة الوضعية مجرد بلهاء مغرورين، فالبشرية في أطوارها جميعا، كانت تعتمد التجربة وتهتم بها، من غير أن تجعلها وسيلتها الوحيدة للمعرفة.

فالإنسان القديم الذي استعمل حجر الصوان لقدح الشرارة وتوليد النار منها لم يكن ليصل إلى ذلك من غير أن يكون قد أجرى تجارب كثيرة على أنواع مختلفة من الأحجار إلى أن وصل إلى توفر هذه الخاصية في حجر الصوان دون غيره من الأحجار.

وهكذا فعل الفيلسوف [سكستس ايرامبيريكوس] رائد مدرسة الأطباء التجريبيين في القرن الثاني قبل الميلاد، والذي كان من أبرز روادها أبقراط صاحب تجربة كسر بيض الدجاج في مراحل مختلفة لمعرفة مراحل تطور الجنين.

بل هكذا كان يتصرف الكثير من الحرفيين والصناعيين للوصول إلى النتيجة التي يرغبون فيها..

بل إن الكثير من العلماء المنتمين للأديان المختلفة كانوا يجمعون بين المنهج التجريبي وبين المناهج العقلية والإشراقية التي أوصلتهم إلى الله من غير أن تحجبهم عن عالمهم وعن عالم المادة والحس..

فجابر بن حيان، ذلك العالم المسلم الكبير كان من رواد العلوم التطبيقية، وكان علما كبيرا في الكيمياء، واستعمل المنهج التجريبي فيها، كما استعمل عقله في التعرف على حقائق الوجود ليؤمن بها، ويؤمن عن طريقها برسوله ودينه وقيمه.

ومثله روجر بيكون، الذي كان مثالاً لامتزاج الدين والعلم والعمل.. فقد عالج مسائل عصره اللاهوتية والفلسفية، وأضاف إليها نظرية العلم التجريبي الذي تنبأ بمستقبله..و بسط عدداً من التخمينات العلمية والفنية الحديثة. فكان أول من وصف عملية صنع البارود، واقترح صنع الطائرات والسفن. كما كان له دراسات حول طبيعة الضوء وقوس قزح وأنظمة العدسات وغيرها ([2]).

وهكذا كان الكثير من أعمدة العلم الكبار يجمعون بين العلم والدين، ولا يرون غضاضة في التفريق بين منهج البحث في كليهما.. فلكل ميدان وسائل إدراكه الخاصة به.

سكت قليلا، ثم قال: لكني لغروري وكبريائي لم أكن كذلك.. بل لم أكن حتى من أولئك المترددين المتوقفين اللاأدريين من أصحاب الإلحاد السلبي.. بل كنت من أصحاب الإلحاد الإيجابي الذين راحوا يحاولون التماس الأدلة على نفي وجود الله.. وقد رأيت من أصحابي في كل تاريخ البشرية من وضع لذلك مبادئ ونظريات ممتلئ بالعبث واللاعقلانية كنقض مبدأ الخلق، ومشكلة العدل والشر، واستحالة الوحي، ونقد الكتب المقدسة للأديان، واستحالة الحياة بعد الموت..

فرحت أضيف إليها شيئا جديدا لم يسبقني إليه أحد، بل لم يفكر فيه أحد أصلا، وهو [إبطال مبدأ السببية]([3]) الذي اتفقت عليه جميع العقول، بل اعتبر من (إحدى بدائه الفكر الأساسية)، ذلك أنه (لا يحدث شيء بلا علة، أو على الأقل بلا سبب محدد)([4])

بل إن الفطرة تقتضيه، فالطفل الصغير إن تعرض لتأثير مؤثر ما؛ تراه يطلب ذلك المؤثر ويبحث عنه، فيلتفت ليبحث عمن ضربه خلسة، لكونه مما ارتكز في فطرته، وفي مبادئ عملياته العقلية الأولى أن لكل فعل فاعلا، ولكل مصنوع صانعا.. بل إنه إن لم يجد ذلك المؤثر يرتبك، بل لعله يخاف ويهلع، وسبب ذلك الخوف ليس الجن أو الشياطين.. فالطفل لا يدرك وجود تلك القوى غير المنظورة أصلا في تلك المرحلة المبكرة من حياته، ولكن سبب ذلك هو الاضطراب النفسي الذي يصيبه نتيجة اختلال المبادئ التي يفهم بها الوجود.

ولهذا كان البحث في العلل قديما قدم الفكر نفسه، فمنذ العصور الفلسفية لليونان نجد أرسطو قد اهتم بدرس العلل، وقسمها إلى علل أربع: المادية، والصورية (الهيولى)، والفاعلية، والغائية([5]).. وقد أثبت بالأدلة العقلية أن الله هو العلة الأولى، وليس معلولا لشيء آخر.

لكني رحت ـ وبدافع الدفاع عن الإلحاد ـ أنكر هذا المبدأ الذي رأيت أن جميع المؤمنين من فلاسفة ورجال دين يعتمدون عليه لإثبات وجود الله.

فقد ذكرت في كتابي الأكبر(بحث في الطبيعة الإنسانية) أن فكرة العلية قائمة على أسس ثلاثة: هي الاتصال ([6])، والأسبقية ([7])، والارتباط الضروري.. ثم رحت أفند السبية فيهما جميعا.

أذكر جيدا مقولتي في الارتباط الضروري، ومحاولتي لنفيه، فقد عبرت عن ذلك بقولي: (رؤية أي شيئين أو فعلين، مهما تكن العلاقة بينهما، لا يمكن أن تعطينا أ ي فكرة عن قوة، أو ارتباط بينهما، وأن هذه الفكرة تنشأ عن تكرار وجودهما معا، وأن التكرار لا يكشف ولا يحدث أي شيء في الموضوعات، وإنما يؤثر فقط في العقل بذلك الانتقال المعتاد الذي يحدثه، وأن هذه الانتقال المعتاد من العلة إلى المعلول هو: القوة والضرورة)

وقلت: (ليست لدينا أية فكرة عن العلة والمعلول غير فكرة عن أشياء كانت مرتبطة دائما، وفي جميع الأحوال الماضية بدت غير منفصلة بعضها عن بعض، وليس في وسعنا النفوذ إلى سبب هذا الارتباط. وإنما نحن نلاحظ هذه الواقعة فقط، ونجد أنه تبعا لهذا الارتباط المستمر فإن الأشياء تتحد بالضرورة في الخيال، فإذا حضر انطباع الواحد كوَّنا نحن في الحال فكرة زميله المرتبط به في العادة)([8])

لقد كان لحكمي هذا آثاره الكثيرة على مسيرة الفلسفة الإلحادية.. وكان له دوره في إمداد الملاحدة بمادة لاعقلانية جديدة يقضون بها على كل الحجج العقلية للمؤمنين.

لقد عبر بعضهم عن ذلك، فقال: (هيوم أول فيلسوف أوروبي نقل فكرة العلة من معانيها الأرسطية إلى معنى التتابع المجرد بين السبب والمسبب، أي التتابع الذي لا يعني شيئا أكثر من أن السبب سابق لمسببه فيما دلت عليه العادة (التجربة). وقد كان يمكن عقلا أن يجيء الترتيب على صورة أخرى، لكنه جاء هكذا)([9])

لقد استفاد من مقولتي هذه عمانويل كانط ([10])، الذي أعطى الملاحدة المبرر العقلي لنفي وجود الله، باعتبار أنه لا يمكن التدليل عليه بالدليل العقلي.. بل راح ـ تحت تأثير مقولتي ـ يزعم أنه يستحيل إثبات وجود الله بالعقل، كما أنه يستحيل إثبات عدمه.. ثم ترك القضية بعد ذلك للضمير، ولمصادرات العقل العملي.

لقد كان قبل احتكاكه بكتبي وأفكاره لا يقول بذلك، بل كان يقرر العلية في كتبه، كما نص على ذلك في كتابه (إيضاح جديد للمبادئ الأولى للمعرفة الميتافزيقية)، حيث جعل قسمه الأول: لمبدأ عدم التناقض، أو الهوية، وقسمه الثاني: لمبدأ العلة الكافية، الذي نص فيه صراحة على أنه (لابد للموجود الممكن من سبب سابق يحدده)، و(أننا إذا تصاعدنا في سلسلة العلل إلى العلة الأولى؛ فإنه لا مجال بعدُ لأي تصاعد)([11])

إلا أنه بعد اطلاعه على مقالتي([12]) تحول إلى كانط المؤمن الوحيد الذي يحبه الملاحدة، ويستدلون بمقالاته لضرب الدين.. لقد قال في ذلك: (إن هيوم أيقظني من سباتي الاعتقادي، وكان ذلك برأيه في مبدأ العلية بنوع خاص، إذ كان قد قال: إن مبدأ العلية ليس قضية تحليلية، أي: إن المعلول ليس متضمنًا في العلة أو مرتبطًا بها ارتباطًا ضروريًّا، وإن الضرورة التي تبين له ما هي إلا وليدة عادة تتكون بتكرار التجربة)([13])

وهكذا استفاد من مقالتي حبيب الملاحدة الأكبر [برتراند راسل([14])] الذي لم تكن مقالاته في هذا المجال سوى صدى لمقالاتي.. فقد قال عند نقده للاستناد إلى الخبرات الحسية في التفسير: (أنقتصر على خبراتنا الحسية وما تأتي به؟، فإذا لم يكن بين هذه الخبرات خبرة مباشرة بما يسمى (قوة) فلا داعي لافتراضها عند تفسير الطبيعة وظواهرها، إنها أحداث تتلاحق وتترابط مجموعات بمجموعات، فإذا اطرد حدوث مجموعة منها كان ذلك واحدا من قوانين الطبيعة، فالأمر كله حوادث وارتباطها بالتجاور، ولا شيء غير ذلك في علمنا؛ إلا ما نتبرع به ظنا ووهما، فإذا اعترض علينا معترض بأن (القوة) الرابطة بين السبب ونتيجته هي مما يرد في خبراتنا؛ أجبناه بأنه يخلط بين ما (يخبره) وبين ما (يستدله)

ثم راح يفسر ذلك بقوله: (إنه قد يرى الريح تقتلع الشجرة، فيظن أنه قد رأى بعينه (القوة) التي فعلت بها الريح ما فعلت، لكنه أحس الريح، وأحس الشجرة تقتلع، ثم (استدل) من عنده (قوة)؛ لأنه يميل بفطرته أن يسأل (لماذا)، على حين أن النظرة العلمية تسأل (كيف)، ولا تزيد على ذلك؛ إننا لا نلاحظ إلا أحدثا في تتابعها المطرد، من اطراد التتابع تتألف القوانين الطبيعية، أما (لماذا) كانت هذه القوانين على نحو ما كانت؛ فشيء لا يأتي بين ما يأتينا عن طريق الخبرة الحسية)

ثم راح يؤسس على هذا المثال المبدأ الذي أقمت عليه فلسفتي الإلحادية، فقال: (ولو حاولنا تعليل القوانين بقولنا (لماذا) لاحتاج التعليل إلى تعليل، وهذا إلى ثالث، وهلم جرا، ونكون عندئذ كالهندي الذي سأل (لماذا) لا تسقط الأرض في الفضاء؟، وأجاب نفسه بقوله: لأنها تستند إلى فيل، ثم سأل مرة أخرى: ولماذا لا يسقط الفيل في الفضاء؟، وأجبا نفسه بقولك: لأنه بدوره يستند إلى سلحفاة، لكنه سأل نفسه: ولماذا لا تسقط السلحفاة في الفضاء؟، فأخذته الربكة، وقال: إنه ملَّ البحث الميتافيزيقي، ولا يردي المضي فيه)([15])

سكت قليلا، ثم قال: ولهذا، فقد رحت أقطع طريق البحث من الأول.. لأن العقل الذي يبدأ في التساؤل عن السبب الأول، لابد أن يتساءل عن السبب الثاني.. وهكذا، فإنه سيصل لا محالة إلى السبب الأخير.. وإلا وقع في التسلسل أو الدور.

ولهذا، فقد راح [دفيد هيوم] فيلسوف الشك والعدمية بكل عبقريته الغبية ينفي صحة ذلك الدليل العظيم الذي يستند إليه المؤمنون [دليل الغائية والتصميم] معتبرا ذلك من باب قياس الغائب على الشاهد.

وضع بعض الدهن على جرحه، ثم صاح صيحة شديدة من الألم، ثم قال([16]): لقد كنت أقول للمؤمنين: أنتم تزعمون أنه إذا كان للبيت مهندس، فلا بد أن يكون للكون خالق.. وهذا قياس فاسد.. فنحن لم نشاهد عالَما آخر لنقارنه بعالمنا كي نستنتج أن هذا العالم مخلوق بالضرورة.

كنت أقول هذا، وأنا مدرك تمام الإدراك أن البيت والكون من جنس واحد، فكلاهما كيان مادي حادث في الزمان والمكان، وكلاهما يحتاج إلى طاقة، والاختلاف بينهما يقتصر على الصفات فقط، وليس الجنس.

لم يكن موقفي هذا مخالفا للمؤمنين البسطاء فقط، بل كان مخالفا لكل ما ذهب إليه العقلاء، بما فيهم فلاسفة قومي الذين لا يشك أحد في سلامهم عقولهم وتفكيرهم..

ومنهم الفيلسوف الفرنسي الكبير [رينيه ديكارت] الذي أوضح أن ما يسميه المؤمنون [برهان التصميم] من القوة بحيث لا يحتاج إلى دليل خارجي، فهو دليل يعتمد على الحدس الفلسفي.. أي بالإدراك العقلي المباشر، وليس بالاستنتاج والقياس.. ولذلك ذكر أن أولى الحقائق التي يدركها العقل هي وجود الذات (أنا أفكر إذن أنا موجود)، ثم يدرك مباشرة أن هناك خالقا موجودا بالضرورة، وهو الذي أوجده، وهذا الإدراك ليس قياسا بل حدسا.

وما ذكره ديكارت من الوضوح والقوة بحيث لا يحتاج إلى أي دليل، فإذا هبط أحدنا مثلا على سطح كوكب بعيد ووجد عليه جهازا معقدا وهو لا يعرف شيئا عن حقيقته وآلية عمله، فسيدرك فورا وبدون قياس ولا مقدمات أن هناك مصمما ما قام بتصميم هذا الجهاز.

سكت قليلا، ثم قال: لقد حاول الملحدون من أصحابي، وبكل الوسائل استغلال ما ذكرته لضرب الإيمان والسخرية من المؤمنين الذين يرجعون كل شيء إلى الله، ويعتبرونه المدبر الوحيد لكل ما في الكون..

وهم غافلون واهمون، لأنهم يخلطون بين العلتين الفاعلة والغائية.. فالرؤية المادية للكون لا تتجاوز العلة الفاعلة لتفسير الظواهر الكونية، وهي علل يعترف بها المؤمن ويدرسها ويتعامل معها وفقا لقوانينها، إلا أنه يرى في الوقت نفسه أن هناك علة غائية وراءها تعود إلى إرادة الإله وقدرته.

ولا يمكن أن تتعارض العلتان، فعندما نذكر أن شخصا حُكم عليه بالإعدام شنقا قد فارق الحياة بسبب الشنق؛ فنحن نتحدث هنا عن العلة الفاعلة.. أي كيفية موته.. وسنكون على حق أيضا إذا قلنا إنه مات، لأنه قتل شخصا بريئا.. أي علة موته.. فيكون الحديث هنا عن العلة الغائية التي لأجلها تم لف حبل المشنقة حول رقبته.

سكت قليلا، ثم قال: يتصور الكثير أني صاحب تلك المقالة.. كلا.. وإنما استفدتها من بعض علماء المسلمين، وخصوصا الغزالي.. لكن شتان ما بين طرحي لها، وطرحه لها.. أما طرحي لها، فكان دافعه نفي الخالق وتأثيره.. وأما طرحه لها، فكان لإثبات قدرة الخالق المطلقة، وتدخله في كل شيء، وتدبيره لكل شيء.

لقد أنكر الغزالي السببية ردا على أولئك الذين ذهبوا إلى أن العلاقة بين السبب والمسبب علاقة حتمية ضرورية، وأن نقض هذه العلاقة من المحالات.. بل ذهب بعضهم إلى أن الأسباب تفعل في مسبباتها بذواتها.. ولهذا أنكروا خرق العادات، وشغبوا على معجزات الأنبياء.. فأراد الغزالي أن يبين أن هذه الأسباب لا تفعل بذاتها، وإنما تفعل بإرادة الله وتدبيره.. وأن الله يمكنه في أي لحظة أن يوقف فاعليتها.

سكت قليلا، ثم قال([17]): من أوهامي المرتبطة بنقض أدلة المؤمنين دعواي أن [البحث عن علة للوجود المادي يدفع بنا إلى أن نبحث عن علة لله نفسه].. وهذا من جهلي بالتفريق بين الأسباب الناقصة والأسباب التامة، أو بين الأسباب الوسائطية والأسباب النهائية.

فالدواء سبب في الشفاء، لكن الدواء نفسه مسبب، وسببه هو الصيدلي الذي أعده في صيدليته، والصيدلي نفسه لم يأت بذلك من نفسه، بل إن السبب في إعداده الدواء هو الطبيب الذي أرسل إليه ورقة فيها تحديد الدواء المطلوب لهذا المريض، ثم إن الطبيب نفسه مدين بعلمه ذلك لمن علمه، فهو السبب في أن الطبيب عرف المرض ووصف الدواء.. وهكذا تسير سلسلة الأسباب والمسببات، وكلها تترقى من مستوى إلى مستوى، لكنها جميعها مشتركة في أنها أسباب ناقصة، أي أنها في حاجة إلى من يقف وراءها، مثل الدواء، فإنه سبب محتاج إلى الصيدلي، والصيدلي سبب لكنه محتاج إلى الطيب وهكذا.

ولا نجد في هذه السلسلة جميعا سببا كافيا مكتفيا بنفسه، بل كلها معلولات لما قبلها، وذلك هو معنى كونها أسبابا وسائط.. وهذا النقص يصل بنا إلى السبب التام، والفاعل الكامل، الذي هو وراء كل شيء يجري في هذا الوجود، خالق الكل، ومدبر الكل، ومقدر الكل، والذي بيده كل شيء.. من يحتاج إليه الكل، وهو غني عن الكل.

سكت قليلا، ثم قال: تلك بعض أوهامي حول الألوهية.. أما أوهامي المرتبطة بعلاقة الإنسان بالعالم الخارجي، وأن الناس يعيشون داخل ذواتهم، وأن صلاتهم بالعالم الخارجي مقطوعة، وأن كل ما يعرفه الإنسان عن العالم الخارجي إنما هو أوهام من صنع نفسه، ولا صله لها بالواقع.. فكل ذلك تدلس ومغالطات.

فالعالم الذي نعيشه حقيقة واقعة، ونحن نتعامل مع قوانينه ومعطياته في كل لحظة من لحظات حياتنا، وليس هناك ما يختلف حوله الناس من تلك القوانين والمعطيات، فهل يختلف الناس على أن النار محرقة؟ وهل هذه حقيقة من الحقائق الخارجية أم أنها وهم من أوهام الذات؟

قال ذلك، ثم راح يشعل عود ثقاب، ويقول: سأجري الآن تجربةأخرى على تأثير النار على سترتي، وهل ستحرق أم لا.. لاشك أنها لن تحرق، لأنه لا يوجد شيء اسمه علة وسبب.. فكل شيء وهم لا وجود له إلا في ذهني..

قال ذلك، ثم وضع الثقاب على سترته، وانتظر إلى أن اشتعلت النار فيها.. وراح يصرخ من الفرح: ها قد احترقت.. ها قد نجحت التجربة.. ثم ما لبت أن وصلت النار إلى جسده، فصاح يصرخ من الألم..

كان منظره وحالته تستدعيان شفقة كبيرة.. فقد كانت حالته لا تختلف عن حال المجانين إن لم تكن أشد منها.. لهذا تركته، ونظرت إلى أنبوبة اختبار أخرى.

برتراندرسل:

كان في أنبوبة الاختبار رجل يبدو من ملامحه صورة أعرفها جيدا، وكلكم يعرفها.. إنها صورة الفيلسوف الكبير [برتراند راسل([18])].. لكنها كانت مشوهة جدا، فقد اختلطت فيها الملامح الإنسانية بملامح فئران التجارب.. وكان من الصعب التمييز بينهما.

وقف يقول، والسيجار في فمه: لقد قمت اليوم بما يكفي من التجارب.. سأخلد للراحة قليلا.. لقد كانت متعتي في ذلك العالم الجميل الذي عشته في التأمل والتفكير والكتابة.. وقد عرف الكثير من الناس من هو [برتراند راسل]، وكلهم حن إلى صحبته، والجلوس إليه.. لكنني اليوم وحدي.. لم يبق لي من أنيس سوى هذه الآلات المتعفنة التي عشت طول عمري أمجدها، وأدعو لها، وأمحو الله من أجلها.. وها أنا اليوم في صحبتها.. فلن ينال أحد في الدار الثانية إلا ما عاش في صحبته في الدار الأولى.

جلس فوق جهاز يشبه أجهزة الطرد المركزي الذي راح يتحرك به حركات عشوائية مختلفة، وكان يصرخ كلما زادت سرعته.. ثم ما لبث أن نزل عنه، وراح يقول بألم شديد: لقد أعطاني الله في الدار الأولى فرصا كثيرة جدا، كان يمكنني لو استثمرتها أن أكون الآن في محل آخر أكمل وأجمل.. لكنني لم أستفد منها، بل رحت أعلن من على منصتها الحرب على ربي، وتشكيل جيش من الأغبياء والمغفلين لذلك..

أذكر أنني كنت من عائلة أرستقراطية تسكن إنجلترا.. وكنت عضوًا في مجلس اللوردات.. فأنا سليل اللوردات النبلاء.. وكنت مع تلك الحالة المادية الطيبة، أحب الفلسفة والتفكير.. وكان من طالعي السيء أني رحت أستقبل همزات الشياطين باعتبارها خواطر فلسفية راقية.

أذكر أنني عندما كنت في سن الثامنة عشر كنت مؤمنًا بوجود الله.. لكني عندما قرأت حياة [جون ستيوارت مل]، وتساؤله الذي حيرني: (إن كان لكل سبب مُسبّب، ولكل فعل فاعل، ولكل حركة مُحرّك، فمن الذي أوجد المُسبّب الأول والفاعل الأول والمُحرّك الأول) رحت أرمي الإيمان، وأعتنق دين الإلحاد.

لقد ذكرت في كتابي [لماذا لستُ مسيحيًا] أنني عندما كنتُ طفلًا كانوا يقدمون لي [الله] باعتباره إجابة على كل الأسئلة التي تُثار عن الوجود، لكن عندما لم أجد إجابة عمن خلق الله انهار إيماني جملة.

ولم أهتم بعدها بالبحث عن حل لتلك المشكلة التي علقت في ذهني، وإنما رحت أدعمها، وأحاول بكل الوسائل أن أتملص من الإيمان.. بل رحت أرمي كل من يؤمن بالله بالجنون وخفة العقل.. وأصور أن الإيمان لا يمكن أن يكون وليد العقل، وإنما هو وليد للعواطف المجردة من البصيرة.. وأن الأطفال يرضعون هذا الإيمان من أمهاتهم، ويشبون عليه دون أن يعرفوا دليلا يثبته.. وأما الكبار، فإنهم لا يؤمنون إلا بسبب خوفهم من المجهول، وسعيهم للبحث عن قوة تحميهم من المخاطر التي قد يتعرضون لها.

وكنت أصور ذلك في مقالاتي ورواياتي بأساليب مختلفة.. لقد قلت في ذلك: (الإنسان استمد فكرة الإيمان بالله من نظم الطغيان والجبروت السائدة في الشرق، فعلاقة الإنسان بالله أشبه ما تكون بعلاقة العبد الذليل بالحاكم المستبد، وهي ذلة تأباها كل نفس تشعر بالمعزة والكرامة)([19])

وقلت: (إن الدين لا يقوم إلا على عوامل الترهيب والتلويح بالعقاب، وبالتالي فإن الدين يشكل ضرباً من ضروب الشر التي تملأ هذا العالم.. وهذا هو السبب في أننا نجد أن أولئك الذين لم يبلغوا بعدُ درجة كافية من النضج الأخلاقي والعقلي هم وحدهم الذين ما زالوا يتمسكون بالمعايير الدينية التي تناهض بطبيعتها جميع المعايير الإنسانية الخيرة التي يجب أن تسود عالمنا الحديث)

وهكذا رحت أضرب كل المعاني الدينية، بحقائقها وقيمها.. وكنت أكذب في كل ذلك، فهل كان الخوف من القوى الطبيعية هو الذي دفع كبار العباقرة وأساطين العلم والفكر الذين برعوا في إلجام الطبيعة، وتسخير بعض قواها، ودرؤوا الكثير من أخطارها إلى الإيمان بالله.

هل يمكن أن يكون اعتقاد سقراط وأفلاطون وأرسطو، وغيرهم من كبار الفلاسفة الإغريق.. والفارابي وابن سينا والرازي وابن الهيثم ونصير الدين الطوسي وجابر بن حيان وغيرهم من عمالقة الشرق.. وغاليلو وديكارت ونيوتن وباستور وغيرهم من رجالات الغرب.. سببه عامل الخوف من الحوادث الطبيعية، وهم أهل عقل وفهم، ورجال علم واستدلال؟

وإن لم يكن اعتقاد هؤلاء ناشئا عن الخوف من الطبيعة، فلم لا يكون اعتقاد الإنسان البدائي ـ على غرار اعتقاد هؤلاء العلماء ـ مبنيّاً على الاستدلال العقلي المتناسب مع مداركه، وناشئاً من فطرته النقية([20]

سكت قليلا، ثم قال: أذكر ذلك اليوم الذي سئلت فيه عن حياة الإنسان بعد الموت.. ومع أن المسألة خطيرة جدا، وخاض فيها كبار الفلاسفة والعقلاء.. بل آمن بها أكثرهم.. إلا أنني بغروري وكبريائي رحت أملي فيها على السائل ما أملته علي الشياطين.. لقد قلت له بكل كبر: (عندما ننظر إلى هذا السؤال من زاوية العلم، وليس من خلال ضباب العاطفة نجد أنه من الصعب اكتشاف المبرر العقلي لاستمرار الحياة بعد الموت، فالاعتقاد السائد بأننا نحيا بعد الموت يبدو لي بدون أي مرتكزٍ أو أساسٍ علمي، ولا أظن أنه يتسنى لمثل هذا الاعتقاد أن ينشأ وأن ينتشر لولا الصدى الانفعالي الذي يحدثه فينا الخوف من الموت. لا شك أن الاعتقاد بأننا سنلقى في العالم الآخر أولئك الذين نكن لهم الحب، يعطينا أكبر العزاء عند موتهم، ولكني لا أجد أي مبرر لافتراض أن الكون يهتم بآمالنا ورغباتنا، فليس لنا أي حق في أن نطلب من الكون تكييف نفسه وفقاً لعواطفه وآمالنا، ولا أحسب أن من الصواب والحكمة أن نعتنق آراء لا تستند إلى أدلة بينة وعلمية)([21])

وقلت بعدها.. أظن أن ذلك كان عام 1925م.. حينها كنت الثالثة والخمسين من عمري، وكنت أظن أنني سأموت قريبا..: (أؤمن بأنني عندما سأموت فأنني سأتعفن، ولن يبقى شيء مني. لست شابًا، ولا أزال أحب الحياة، ولكن علىَّ أن أزدري الارتجاف برعب من فكرة الزوال. السعادة بذاتها هي سعادة حقيقية لأنها ستصل لنهايتها. لا يفقد الحب والفكرة قيمتهما بسبب أنهما غير دائمين، الكثيرون من الرجال مضوا محمولين على السقالة بفخرٍ، وبالتأكيد فإن الفخر ذاته يجب أن يعلمنا أن نفكر بمكانة الإنسان في العالم)([22])

ولم يكن لي في ذلك أي حجة إلا الظن والوهم والخيال.. فمن أين لعقلي القدرة على التعرف على حقائق الوجود، وهو لم يتح له إلا التعرف على أشياء بسيطة جدا لا تكاد تذكر.. لكن لذة الغرور والكبر كانت تحول بين عقلي وبين التفكير في هذه المسألة الخطيرة.

وهكذا كنت أسخر من الدين ومن جميع القيم والحقائق والأخلاق.. لقد ذكرت في بعض كتبي أن للإنسان إرادة حرة تدفعه لأن يقيم لنفسه في الحياة مثلاً عليا، يطمح بها إلى تحقيق حياة خيرة، تسير على هدى المعرفة والمحبة الإنسانية، ومن شأن حرية الاختيار هذه أن تغني الإنسان عن البحث عن نظريات أخلاقية لا طائل وراءها.. وذكرت أنه لا جدوى للنظريات الأخلاقية التجريدية لضرورات الحياة العملية، وبرهنت على ذلك بالأم التي تواجه مرض طفلها الصغير، وقلت في ذلك: إن تلك الأم لا تحتاج في سعيها وراء شفاء طفلها إلى مشرعين أخلاقيين، وإنما تحتاج إلى طبيب ماهر قادر على وصف العلاج المناسب.

ولم أكتف في دعوتي للإلحاد بما كان يسجله قلمي الممتلئ بالمداد المسموم، وإنما رحت أؤسس التنظيمات التي تنشر الإلحاد، وتدعو إليه.. لقد أسست مع [جورج مور([23])] و[جون الفيس ماك] ما سميناه [جامعة الرسل]

كان أمامه دورق كرويّ كبير([24])، فقفر إليه بخفة مثل الفئران، وما لبث حتى اشتعلت النار أسفله، فراح يصيح ويصرخ ويطلب النجدة.. وما هي إلا لحظات حتى خفت النار، ثم انطفأت، فخرج من الدورق، وهو يقول: أظن أنني تأكدت الآن من أنني في يقظة، ولست في حلم.. فالنار قد أحرقتني، وقد وصل حريقها إلى قلبي.. هذا ما كنت أخافه.. وهذا ما حصل لي..

ثم سكت قليلا، وقال: كم يعذبني ذلك المشهد الذي التقيت فيه ذلك العالم الهندي المسلم([25])، والذي راح يلقمني كل حين من الحجج ما لم أجد له مدفعها.. لكنني بكبريائي وغروري رحت أدفعه عني، وكيف لمثلي وأنا اللورد ابن اللوردات.. النبيل ابن النبلاء أن أستسلم لرجل ليس سوى ابن لمستعمر من مستعمرات دولتي العظمى التي لا تغيب عنها الشمس.

لقد قال لي حينها، وهو يحمل روايتي عن السديم: لقد كتبت قصة أدبية ذكرت فيها أن السديم الحار دار عبثاً في الفضاء عصوراً لا تعد ولا تحصى دوراناً ذاتيا، ثمّ نشأت عن هذا الدوران هذه الكائنات المنظمة البديعة، بطريق المصادفة، وأن اصطداماً كبيراً سيحدث في هذا الكون، يعود به كل شيء إلى سديم، كما كان أولاً.. أتعرف هذه القصة؟

فقلت: أجل.. وكيف لا أعرفها، وهي بنات أفكاري.. فأنا العبقري الذي أبدعها.. لقد استطعت أن أبين من خلالها نشوء الكون وتطوره.. ونشوء الحياة وتطورها.. وأصل الإنسان ونشأته وتطوره.. ونشوء الديانات والعبادات والطقوس وتطورها.. وذكرت فيها أن النهاية الحتمية لجميع الأشياء هي الفناء والعدم، ولا أمل لكائن بعدها بشيء.. فالحياة من السديم، وإلى السديم تعود.

فقال لي: لقد رأيت من خلال روايتك تلك، ومن خلال كل كتبك أنك ترى ـ انطلاقا من معارفك في البيولوجيا ـ أن الحوادث تحدث طبقا لقانون الطبيعة.. ولهذا لا حاجة لأن نفترض لهذه الحوادث إلها مجهولا.

فقلت له بكل كبرياء: صحيح أنا أقول هذا.. ولست وحدي في ذلك.. فكل الفلاسفة الماديين يرددون هذا.

فقال لي: ذلك غير صحيح.. فكثير من علماء المادة يؤمنون بالله، ولا يرون تناقضا بين العلم والدين.. وقد قال بعضهم يعبر عن علاقة الطبيعة بالكون: (إن الطبيعة حقيقة من حقائق الكون، وليست تفسيرا له)

شعرت حينها بهزة عظيمة، فهذه الجملة تعبر عن الحقيقة بدقة ووضوح، ولو أنني لم أكن حينها أفكر بعقل اللوردات والنبلاء، لقبلت الفكرة بكل سرور، وتخليت عن كبريائي، وغطرستي.. لكنني لم أفعل.. بل رحت أقول له: وما يعني هذا المجنون بقوله هذا؟

فقال: لتفهم هذا سأستعير لك مثالا بسيطا مقربا.. ألا ترى الكتكوت يعيش أيامه الأولى داخل قشرة البيضة القوية، ويخرج منها بعدما تنكسر وكأنه مضغة لحم؟

قلت: ذلك صحيح.. وقد كان الإنسان البدائي الخرافي القديم يؤمن بأن الله أخرجه.. ولكننا اليوم بالمنظار نعلم أنه في اليوم الحادي والعشرين يظهر قرن صغير على منقار الكتكوت يستعمله في تكسير البيضة لينطلق خارجا منها، ثم يزول هذا القرن بعد بضعة أيام من خروجه من البيضة.. وبذلك قضى العلم على التفسير الخرافي الذي جاء به الدين.. فالقرن هو الذي أخرج الكتكوت، لا الإله.

ابتسم صاحبي الهندي، وقال: إن التأمل فيما كشفه العلم ـ بعيدا عن الغرور والكبرياء والزهو ـ لا يدلنا إلا على حلقات جديدة للحادث، ولا يفسر الحادث..

فقلت له: كيف ذلك؟

فقال: إن العلم لم يكتشف بعد السبب الحقيقي.. لقد غير صيغة السؤال فقط.. فبدل أن يكون السؤال عن تكسر البيضة أصبح عن (القرن)؟.. فالسبب الحقيقي سوف يتجلى لأعيننا حين نبحث عن العلة التي جاءت بهذا القرن، العلة التي كانت على معرفة كاملة بأن الكتكوت سوف يحتاج إلى هذا القرن ليخرج من البيضة، فنحن لا نستطيع أن نعتبر الوضع الأخير.. وهو مشاهدتنا بالمنظار إلا أنه مشاهدة للواقع على نطاق أوسع، ولكنه ليس تفسيرا له.

لم أجد ما أرد عليه.. فشجعه ذلك، فقال: لا بأس.. يمكنك ألا تقبل هذا من هندي منبوذ متخلف.. لكن يمكنك أن تسمعه من عالم أمريكي متخصص.

قلت مستغربا: عالم أمريكي متخصص؟

قال: أجل.. لعلك تعرفه.. إنه البروفيسور (سيسيل بايس هامان)، وهو أستاذ أمريكي في البيولوجيا، فقد ضرب مثالا قريبا من هذا، فقال: (كانت العملية المدهشة في صيرورة الغذاء جزءا من البدن تنسب من قبل إلى الإله، فأصبحت اليوم بالمشاهدة الجديدة تفاعلا كيماويا.. ولكن هل أبطل هذا وجود الإله؟.. فما القوة التي أخضعت العناصر الكيماوية لتصبح تفاعلا مفيدا؟.. إن الغذاء بعد دخوله فى الجسم الإنساني يمر بمراحل كثيرة خلال نظام ذاتي، ومن المستحيل أن يتحقق وجود هذا النظام المدهش باتفاق محض، فقد صار حتما علينا بعد هذه المشاهدات أن نؤمن بأن الله يعمل بقوانينه العظمى التي خلق بها الحياة!)

وعلى هذا المنوال نقول بأن الإنسان كان في القديم يعرف أن السماء تمطر، لكننا اليوم نعرف كل شيء عن عملية تبخر الماء في البحر، حتى نزول قطرات الماء على الأرض، وكل هذه المشاهدات صور للوقائع، وليست في ذاتها تفسيرا لها.

فالعلم لا يكشف لنا كيف صارت هذه الوقائع قوانين؟ وكيف قامت بين الأرض والسماء على هذه الصورة المفيدة المدهشة، حتى أن العلماء يستنبطون منها قوانين علمية؟ والحقيقة أن ادعاء الإنسان بعد كشفه لنظام الطبيعة أنه قد كشف تفسير الكون ليس سوى خدعة لنفسه، فإنه قد وضع بهذا الادعاء حلقة من وسط السلسلة مكان الحلقة الأخيرة.

لقد قال العالم الأمريكي سيسيل في هذا: (إن الطبيعة لا تفسر شيئا (من الكون) وإنما هي نفسها بحاجة إلى تفسير)

لم أجد ما أرد عليه، فراح يسترسل في قوله: لو أنك سألت طبيبا: ما السبب وراء احمرار الدم؟.. لأجاب: لأن في الدم خلايا حمراء، حجم كل خلية منها جزء من البوصة.. فتقول له: حسنا.. ولكن لماذا تكون هذه الخلايا حمراء؟.. فيجيبك: في هذه الخلايا مادة تسمى (الهميوجلوبين)، وهى مادة تحدث لها الحمرة حين تختلط بالأكسجين فى القلب.. فتقول له: هذا جميل.. ولكن من أين تأتى هذه الخلايا التي تحمل الهميوجلوبين؟.. فيجيبك: إنها تصنع في كبدك.. فتقول له: عجيب! ولكن كيف ترتبط هذه الأشياء الكثيرة من الدم والخلايا والكبد وغيرها بعضها ببعض ارتباطا كليا، وتسير نحو أداء واجبها المطلوب بهذه الدقة الفائقة؟.. فيجيبك: هذا ما نسميه بـ (قانون الطبيعة).. فتقول له: ولكن ما المراد بـ (قانون الطبيعة) هذا، يا سيدي الطبيب؟.. فيجيبك: المراد بهذا القانون هو الحركات الداخلية للقوى الطبيعية والكيماوية.. فتقول له: ولكن لماذا تهدف هذه القوى دائما إلى نتيجة معلومة؟ وكيف تنظم نشاطها حتى تطير الطيور في الهواء، ويعيش السمك في الماء، ويوجد إنسان في الدنيا بجميع ما لديه من الإمكانات والكفاءات العجيبة المثيرة؟.. فيجيبك: لا تسألني عن هذا، فإن علمي لا يتكلم إلا عن: (ما يحدث)، وليس له أن يجيب: (لماذا يحدث؟)

قال ذلك، ثم التفت لي بحزن، وقال: من هذه الأسئلة يتضح لك مدى صلاحية العلم الحديث لشرح العلل والأسباب وراء هذا الكون.. ولا شك أنه قد أبان لنا عن كثير من الأشياء التي لم نكن على معرفة بها، ولكن الدين جواب لسؤال آخر لا يتعلق بهذه الكشوف الحديثة العلمية، فلو أن هذه الكشوف زادت مليون ضعف عنها اليوم فسوف تبقى الإنسانية بحاجة إلى الدين، لأن جميع هذه الكشوف (حلقات ثمينة من السلسلة)، ولكن ما يحل محل الدين لابد أن يشرح الكون شرحا كليا وكاملا، فما الكون على حاله هذه إلا كمثل ماكينة تدور تحت غطائها لا نعلم عنها إلا أنها (تدور)، ولكنا لو فتحنا غطاءها فسوف نشاهد كيف ترتبط هذه الماكينة بدوائر وتروس كثيرة يدور بعضها بعضا، ونشاهد حركاتها كلها.. هل معنى هذا أننا قد علمنا خالق هذه الماكينة بمجرد مشاهدتنا لما يدور داخلها؟ هل يفهم منطقيا أن مشاهدتنا هذه أثبتت أن الماكينة جاءت من تلقاء ذاتها، وتقوم بدورها ذاتيا؟ لو لم يكن هذا الاستدلال منطقيا فكيف إذن نثبت بعد مشاهدة بعض عمليات الكون أنه جاء تلقائيا ويتحرك ذاتيا؟

كان لكلماته من القوة والوضوح ما لم أستطع مواجهته، فرحت أسخر منه، ومن لونه وشكله، فابتسم، وكأنه لم يسمع شيئا، بل راح يواصل حديثه بقوله: لقد استغل البروفيسور هريز هذا الاستدلال حين نقد فكرة داروين عن النشوء والارتقاء فقال:(إن الاستدلال بقانون الانتخاب الطبيعي يفسر عملية (بقاء الأصلح)، ولكنه لا يستطيع أن يفسر حدوث هذا الأصلح)

حينها انتفضت غاضبا، وقلت: دعنا من هذا، وأجبني على ما يقوله علم النفس الحديث المؤيد بالكثير من الوسائل العلمية.. لقد أعطى هذا العلم العظيم تفسيره للدين والإله.. فذكر أن الإله والآخرة ليسا سوى قياس للشخصية الإنسانية وأمانيها على مستوى الكون.. ما تقول في هذا؟

فابتسم، وقال: سأسلم جدلا بما ذكرت.. فأعتبر أن ما تقوله صحيحا.. ولكني أضم إلى ذلك دعوى أخرى، وهي أن الشخصية الإنسانية وأمانيها ليست محصورة في الإنسان فقط.. بل هي موجودة أيضا على مستوى الكون.. ولا يهمني ما عسى أن يبطل ادعائي هذا من منطق المعارضين.. لأنه ليس لديهم ـ بالنسبة للإنسان في هذا ـ أي دليل.

نحن نعرف أن المادة (الجنين) التي لا تشاهد إلا بالمنظار تنبئ في ذاتها عن إنسان طوله 72 بوصة، وأن (الذرة) التي لا تقبل المشاهدة تحتوى نظاما رياضيا كونيا يدور عليه النظام الشمسي، فلا عجب إذن أن يكون النظام الذي نشاهده على مستوى الإنسان في الجنين، وعلى مستوى النظام الشمسي في الذرة موجودا أيضا.. بل موجود بصورة أكمل.. على مستوى الكون.. فضمير الإنسان وفطرته ينشدان عالما متطورا كاملا، فلو كان هذا الأمل صدى لعالم حقيقي، فلست أرى في ذلك أي ضرب من ضروب الاستحالة.

هذا أولا.. ثانيا.. أنا لا أكذب ما يورده علماء النفس وغيرهم من أن الذهن الإنساني يحتفظ بأفكار قد تظهر فيما بعد في صورة غير عادية.. ولكن سوف يكون قياسا مع الفارق أن نعتمد على هذه الفكرة كي نبطل الدين.. لأن ذلك قياس في غير محله، وهو ـ بذلك ـ يعتبر استدلالا غير عادى من واقع عادى.. وذلك يشبه من يشاهد رجلا يصنع صنما، فيصيح: هذا الذي قام بعملية خلق الإنسان.

ثالثا.. أرأيت لو أن رجلا كان يسير في شارع، ثم أخذ يهذي بكلام غريب نتيجة لأفكار مختزنه في ذهنه.. فجاء فيلسوف مثل حضرتكم، وراح يستغل هذا الحادث في البحث في كلام الأنبياء، وهو الكلام الذي يكشف سر هذا الكون.. ألا ترى أن هذا النوع من الاستدلال غير علمي وغير منطقي.. بل إنه يدل على أن صاحبه يفتقر إلى القيم حتى يستطيع التفرقة بين كلام رجل الشارع وكلام الأنبياء، فلا يدعى أن هذا الهذيان هو المسئول عما جاء به الدين؟

ثم تخيل معي لو أن رهطا من سكان بعض الكواكب هبط الأرض، وهم يسمعون، ولكنهم لا يقدرون على الكلام.. ولنتصور أنهم ذهبوا يبحثون عن الأسباب التي تجعل الإنسان يتكلم.. وبينما هم في طريقهم إلى هذا البحث هبت الرياح واحتك غصنان أحدهما مع الآخر، فنتج صوت، وتكررت العملية غير مرة حتى توقفت الرياح، وإذا بهم يعلن كبيرهم: لقد عرفنا سر كلام الإنسان، وهو أن فمه يحتوى على فكين من الأسنان، فإذا احتك الفك الأعلى بالأسفل صوت.

لا شك أن هذا الكلام صحيح.. ولكن واقع الكلام الإنساني أعظم من أن يفسر بمثل هذا.. فلهذا لا يصح تفسير أسرار النبوة بكلام غريب كهذيان رجل الشارع، في حال الجنون أو الهستيريا.

رابعا.. لاشك أن اللا شعور ـ من الوجهة العلمية ـ ليس سوى مخزن للمعلومات والمشاهدات التي شاهدها الإنسان في حياته ولو مرة، ومن المستحيل أن يختزن اللاشعور حقائق لم يعلمها من قبل..

ولكن الذي يثير الدهشة أن الدين الذي جاء على لسان الأنبياء يشتمل على حقائق أبدية لم تخطر على بال أحد من الناس في أي زمان، فلو كان اللاشعور هو مخزن هذه المعلومات، فمن أين يأتى بها هؤلاء الذين يتكلمون عن أشياء لا طريق لهم إلى العلم بها؟

إن الدين الذي جاء به الأنبياء يتصل من ناحية أو أخرى بجميع العلوم المعاصرة([26]) من الطبيعة، والفلك، وعلم الحياة، وعلم الإنسان، وعلم النفس والتاريخ والحضارة والسياسة والاجتماع وغيرها من العلوم..

وكل حديث في التاريخ الإنساني مصدره (الشعور)، فضلا عن اللاشعور، لا يخلو من الأغلاط والأكاذيب والأدلة الباطلة.

أما الكلام النبوي فإنه بريء ولا شك من كل هذه العيوب رغم اتصاله بجميع العلوم.. فقد مرت قرون إثر قرون أبطل فيها الآخرون ما ادعاه الأولون، وما زال صدق كلام النبوة باقيا على الزمان، ولم يستطع أحد أن يدل على باطل جاء به، وكل من حاول ذلك أخفق.

لم أجد ما أجيبه إلا أنني امتلأت احتراما له، ولقوة حجته، وأدبه.. فأبديت له بعض اللطف، فقال لي: أنا أشفق عليك يا أخي.. فأنا أعلم من خلال اطلاعي على مؤلفاتك ومؤلفات إخوانك من الذين يستدلون بالتاريخ أو الاجتماع أنكم لا تدرسون الدين من وجه صحيح.. ولهذا يبدو في نظركم شيئا غريبا.. أنتم تتناولون الدين على أنه (مشكلة موضوعية)، فلهذا تجمعون في سلة واحدة كل ما أطلق عليه اسم (الدين) من رطب ويابس، في أي مرحلة من التاريخ، ثم تتأملون في ضوء هذا المحصول حقيقة الدين.

إن هذا موقف ينحرف بكم عن الصواب من أولى مراحله، ولهذا يبدو لكم الدين ـ جراء هذا الموقف الفاسد ـ عملا اجتماعيا، لا كشفا لحقيقة.. ومن المعلوم أن لكل ما يكشف عن حقيقة من الحقائق مثلا أعلى، ولا بد عند البحث عن هذه الحقائق أن ندرس مظاهرها وتاريخها في ضوء مثله الأعلى.. أما الأمور التي تأتى بها أعمال اجتماعية فليس لها مثل أعلى.. وبقاؤها رهن بحاجة المجتمع إليها.

ومنهج البحث عن الدين يختلف عن هذا كل الاختلاف.. فليس من الصحيح البحث عن حقائقه، كما يبحث المؤرخون عن تطورات فنون العمارة والنسيج والحياكة والسيارات، لأن الدين علم على حقيقة يقبلها المجتمع أو يرفضها، أو يقبلها في شكل ناقص.. ويبقى الدين في جميع هذه الأحوال حقيقة واحدة في ذاتها، وإنما يختلف في أشكاله المقبولة، ولهذا لا يمكن أن نفهم حقائق (الدين) بمجرد فهرسة مماثلة لجميع الأشكال الموجودة في المجتمعات باسم الدين.

لقد قلت له حينها، وقد خف بعض كبريائي: أراك انتقدت منهج بحثنا عن الإله.. فما المنهج الذي تراه سليما للبحث عنه؟

فقال: هذا أهم سؤال طرحته.. وينبغي لأي باحث أن يطرحه.. فقضية العصر الحاضر وكل العصور ضد الدين هي قضية طريقة الاستدلال.. سأضرب لك مثالا يوضح ذلك..

في بداية القرن العشرين كنا كذلك نملك تلسكوبا ضعيفا، فلما شاهدنا السماء بهذا النظار وجدنا أجراما كثيرة كالنور، فاستنبطنا أنها سحب من البخار والغاز تمر بمرحلة قبل أن تصير نجوما، ولكنا حين تمكنا من صناعة منظار قوى وشاهدنا هذه الأجرام مرة ثانية علمنا أن هذه الأجرام الكثيرة المضيئة هي مجموعة من نجوم كثيرة شوهدت كالسحب نتيجة البعد الهائل بينها وبين الأرض.

وهكذا نجد أن التجربة والمشاهدة ليستا وسيلتي العلم القطعيتين، وأن العلم لا ينحصر في الأمور التي شوهدت بالتجربة المباشرة.

لقد اخترعنا الكثير من الآلات والوسائل الحديثة للملاحظة الواسعة، ولكن الأشياء التي نلاحظها بهذه الوسائل كثيرا ما تكون أمورا سطحية وغير مهمة نسبيا، أما النظريات التي يتوصل إليها بناء على هذه المشاهدات فهي أمور لا سبيل إلى ملاحظتها.

والعلم الحديث لا يدعى ولا يستطيع أن يدعى أن الحقيقة محصورة فيما علمناه من التجربة المباشرة، فالحقيقة أن (الماء سائل)، ونستطيع مشاهدة هذه الحقيقة بأعيننا المجردة، ولكن الواقع أن كل (جزيء) من الماء يشتمل على ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأكسجين، وليس من الممكن أن نلاحظ هذه الحقيقة العلمية، ولو أتينا بأقوى ميكروسكوب في العالم، غير أنها ثبتت لدى العلماء لإيمانهم بالاستدلال المنطقي.

يقول في ذلك البروفيسور ا. ى. ماندير: (إن الحقائق التي نتعرفها مباشرة تسمى (الحقائق المحسوسة)، بيد أن الحقائق التي توصلنا إلى معرفتها لا تنحصر في (الحقائق المحسوسة)؛ فهناك حقائق أخرى كثيرة لم نتعرف عليها مباشرة، ولكننا عثرنا عليها على كل حال، ووسيلتنا في هذه السبيل هي الاستنباط، فهذا النوع من الحقائق هو ما نسميه (بالحقائق المستنبطة)، والأهم هنا أن نفهم أنه لا فرق بين الحقيقتين، وإنما الفرق هو في التسمية، من حيث تعرفنا على الأولى مباشرة وعلى الثانية بالواسطة، والحقيقة دائما هي الحقيقة سواء عرفناها بالملاحظة أو بالاستنباط)

ويضيف ماندير قائلا: (إن حقائق الكون لا تدرك الحواس منها غير القليل، فكيف يمكن أن نعرف شيئا عن الكثير الآخر؟.. هناك وسيلة، وهى الاستنباط أو التعليل، وكلاهما طريق فكرى، نبتدئ به بوساطة حقائق معلومة حتى ننتهي بنظرية: أن الشيء الفلانى يوجد هنا ولم نشاهده مطلقا)

قاطعته قائلا: كيف يكون هذا الرجل بروفيسورا وهو يقول هذا؟.. كيف يصح الاستنباط المنطقي لأشياء لم نشاهدها قط؟.. وكيف يمكن أن نسمى هذا الاستنباط بناء على طلب العقل (حقيقة علمية)؟

ابتسم، وقال: لقد أجاب ماندير عن تساؤلك هذا.. فقال: (إن المنهج التعليلي صحيح، لأن (الكون) نفسه عقلي.. فالكون كله مرتبط بعضه بالآخر؛ حقائقه المتطابقة، ونظامه عجيب، ولهذا فإن أية دراسة للكون لا تسفر عن ترابط حقائقه وتوازنها هي دراسة باطلة)

وقال: (إن الوقائع المحسوسة هي أجزاء من حقائق الكون، غير أن هذه الحقائق التي ندركها بالحواس قد تكون جزئية، وغير مرتبطة بالأخرى، فلو طالعناها فذة مجردة عن أخواتها فقدت معناها مطلقا، فأما إذا درسناها في ضوء الحقائق الكثيرة مما علمناه مباشرة أو بلا مباشرة فإننا سندرك حقيقتها)

وقد تحدث نيوتن في خطاب أرسله إلى (بنتلى)، فقال: (إنه لأمر غير مفهوم أن نجد مادة لا حياة فيها ولا إحساس وهى تؤثر على مادة أخرى مع أنه لا توجد أية علاقة بينهما)

فنظرية معقدة غير مفهومة ولا طريق إلى مشاهدتها، تعتبر اليوم بلا جدال حقيقة علمية.. لماذا؟

لأنها تفسر بعض ملاحظاتنا فليس بلازم إذن أن تكون الحقيقة هي ما علمناه مباشرة بالتجربة، ومن ثم نمضى إلى القول بأن العقيدة الغيبية التي تربط بعض ما نلاحظه، وتفسر لنا مضمونه العام تعتبر حقيقة علمية من نفس الدرجة.

قال ذلك، ثم التفت لي، وقال: كما رفض العلماء نظرية الضوء التي قدمها نيوتن لأنها لم تنجح في تفسير مظاهر حديثة للضوء؛ فإننا نرفض أفكار الفلاسفة الملحدين لأنها فشلت في تفسير مظاهر الطبيعة.

قال ذلك، ثم أخذ يضرب رأسه بأنبوبة زوجية إلى أن تكسرت، وسال دم كثير من رأسه، وهو يقول: يا ويلتى ليتني استمعت إليك أيها الهندي المسلم.. ليتني اتبعتك.. ليتني جلست تلميذا بين يديك..

قال ذلك.. ثم ركب الدورق، وراح يشعله ويحترق..

كارل ساغان:

لم أستطع مشاهدة [برتراند راسل]، وهو يحترق، ولهذا صرفت بصري عنه إلى أنبوبة أخرى، حيث رأيت رجلا أعرفه تمام المعرفة.. كان يظهر كثيرا في البرامج والفيديوهات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان الإقبال على مشاهدته كثيرا، لأن له طريقة خاصة جذابة في طرح أفكاره، وكان يستعملها كوسيلة للتنفير من الدين والدعوة للإلحاد.

أذكر من تلك الفيديوهات التي شدت انتباهي فيديو بعنوان [نقطة زرقاء باهتة([27])] يحاول من خلاله أن يبين صغر حجم الأرض أمام الكون الهائل، وقد تصورت في البداية أنه شريط يدعو إلى الإيمان بالله، وإلى بيان عظمته وجميل إبداعه، وينعى على البشر كبرياءهم وغطرستهم وظلمهم، لكني وجدت الأمر مختلف تماما، فهو لا يصور الأرض بتلك الصورة إلا ليحقرها، ويحقر أهلها، ويحقر المعاني الإيمانية المنتشرة فيها..

ومما جاء في الشريط قوله: (كوكبنا، هو ومضةٌ وحيدة، في فراغٍ كونيٍّ مظلم. خلال وجودنِا في هذا الظلام الهائل، لا نمتلك أيَّ دليلٍ بأن مساعدةً ستأتي يوماً من الخارج، لإنقاذنا، من أنفسنا. للآن، الأرض هو الكوكب الوحيد الذي يمكنه احتضان الحياة، ولا يوجد أيُّ مكانٍ ـ على الأقل خلال الفترة القريبة هذه ـ يمكننا الرحيل إليه. ربما يمكننا زيارة الخارج، أما البقاء خارجَ الأرض! فليس بممكنٍ بعد. سواءٌ أعجبتك الفكرة أم لا؛ هذا الكوكب: هو مصيرُنا)

وقد تعجبت حين سمعت هذا كثيرا، لأني لم أر أي علاقة بين صغر حجم الأرض وبين احتقاره لها.. فالصغير أو النادر لا يحتقر، بل يوضع في محله من سائر الأشياء.. وهل يمكن لعاقل أن يرفض الأفكار التي طرحها أينشتاين بحجة أنه فرد من ملايير البشر، أو أجاء بأفكاره وهو في بقعة جغرافية محدودة، أو في زمن محدود من بحر الزمن العظيم..

وهكذا نجد مصير الإنسان مرتبطا بخلايا محدودة.. ومصير المجتمعات مرتبطا بأشخاص معدودين.. بل حياة الإنسان نفسها مرتبطة بقرارات محدودة، وكلمات محدودة، كان لها تأثيرها بعد ذلك في شيء.

لكني مع ذلك لم أملك إلا أن أشاهده كما شاهده سائر الناس.. لأنه كان يملك طريقة خاصة جذابة مملوءة بألوان السحر والمغالطات.. فطربت لمشاهدته كما أطرب لمشاهدة السحرة والمشعوذين.

أظن أنكم عرفتموه، أو رأيتم بعض فيديوهاته، أو قرأتم بعض كتبه، فهي من أكثر الكتب مبيعا في العالم.. إنه الفلكي الأمريكي [كارل ساغان] صاحب كتاب [العالم المسكون بالشياطين: العلم الطبيعي كشمعة في الظلام]، والذي ألفه سنة 1995.. وقام فيه بحملة ترويجية للعلم الطبيعي وطرائقه في البحث والنظر، باعتباره السبيل الوحيد للنجاة من الخرافة والأسطورة.. وكان ذلك الكتاب من أوائل الحملات المُعاصرة المبشرة بملة الإلحاد الجديد.. أو النِّحلة الطبيعية المعاصرة.. والتي كان من أعلامها الكبار ريتشارد دوكينز، وسام هاريس وآخرون بدعوى محاربة الخرافة في القرن الواحد والعشرين.

كانت صورته ـ كصور كل من في ذلك الجناح ـ شبيهة بالفئران البيضاء.. ولكن ملامحه الإنسانية لم تختف كليا، بل بقي منها ما يدل عليه، وما عرفته به..

كان يحمل تلسكوبا ضخما ينوء به ظهره، فيتصبب العرق من جبينه ومن كل أنحاء جسده، وكان يصيح فيه بشدة: إلى متى أظل أحملك أيها العبء الثقيل.. إلى متى أتخلص منك إلى الأبد.. لقد ملأت حياتي بالنكد.. لا أريدك.. ابتعد عني..

ثم يرميه إلى الأرض.. لكنه يسرع إليه، ويمسحه ويخاطبه كما يخاطب الإنسان، ويقول له، وعيناه ممتلئتان بالدموع: اعذرني أيها التلسكوب العزيز.. اعذرني فقد أسأت إليك.. لقد علمني الله كيف أستخدمك لأتعرف عليه، وأعبده، وأعيش حياتي عاشقا له.. لكنني أنا الظالم لنفسي جعلت من وسيلة هدايتي وسيلة ظلالي، وحولت من أداة الإيمان به إلى أداة الجحود له.

لعلك تذكر معي كتابي [العالم المسكون بالشياطين: العلم الطبيعي كشمعة في الظلام].. فقد كتبته، وأنا بجانبك.. ذلك الكتاب الذي أردت من خلاله ـ في الظاهر ـ تعليم عامة الناس المنطق العلمي الطبيعي للتمييز بين ما هو صالح من الناحية العلمية، وما ليس كذلك، أو ما هو من قبيل العلم الكاذب.. لكن باطنه كان ممتلئا بالخبث والمغالطات التي تؤدي بالواقع في شباكها إلى الإلحاد.

فقد أقمت الكتاب على إنكار عالم الغيب وتسفيه التصورات الدينية للوجود جملة وتفصيلا، وقطع السبيل أمام العقل البشَري للتمييز بين الحق والباطل إلا من خلال أدوات العلم الطبيعي التجريبي.

نعم لم يكن كتابي يحمل تلك الجرأة التي جاء بها كتاب [وهم الإله] لدوكينز، أو [الإله ليس عظيمًا] لهيتشنز، أو [نهاية الإيمان] لهاريس.. لأن منظمتنا الإلحادية الكبرى، والتي يقودها الشيطان منعتنا أن نظهر بمظهر واحد.. بل نصحتنا بأن نتبادل الأدوار.. حتى يقتنص كل واحد منا أصنافا مخصصة من الناس.

وقد كلفت بجر أولئك البسطاء العامة الذين لا يعرفون جيدا كيف يستعملون عقولهم.. فرحت أضع لهم هذا الكتاب، وأمزج فيه بين الصواب والخطأ.. والعقل والوهم.. حتى تختلط عقولهم بأوهامهم، لأنه لا يمكن أن يجحد الله صاحب العقل الخالص.

وقد كان منهجي([28]) في ذلك هو صياغة جملة من القواعد العقلية والفلسفية المستنبطة من فلسفة العلم الطبيعي المعاصرة لتكون بمنزلة حقيبة أدوات صغيرة يستعملها عامة الناس لكشفِ الأباطيل والخرافات التي قد تروج تحت دعاية العلم.

هذا هو الهدف الظاهر من الكتاب، وهو هدف نبيل وطبيعي وجذاب.. لكن السم كان يتخلل كل قاعدة منها على شكل مثال، أو توضيح، أو نحو ذلك.. لأحول الحقيقة عن مجراها الطبيعي إلى المجرى الذي حددته رغبتي وأهوائي وشياطيني.

لا أخفي أنني قلدت في هذا الأسلوب من المكيدة الأسلوب الذي استعمله تلميذي النجيب [مايكل شيرمر] ذلك العالم النفساني الملحد الذي جمَع عشرة أسئلة واعتبرها بمنزلة [حقيبة أدوات لكشْفِ الخرافات والترَّهات]

سكت قليلا، ثم راح يربت على التلسكوب كما يربت على ظهر إنسان، ثم يقول، وهو يبتسم: هل تذكر معي استثماري للأخطاء التي يقع فيها رجال الأديان المختلفة، واستعمالي لها في نصرة الإلحاد؟

هل تذكر معي الأمثلة التي ذكرتها عند حديثي عن قاعدة [الاحتجاج بالجهل المُطلَق]، أو [الجواب بالأماني]، أو [التفسير بالجهل].. فقد ذكرت من الأمثلة على ذلك أنه إذا سئل أحدهم: (كيف يمكن لإله رحيم أن يَلعن أجيالاً مستقبلية من الناس لعذاب لا نهائي بسبب امرأة واحدة أغرَت رجلاً واحدًا ليَأكُل تفاحة؟)، فيجيب عنه بقوله: (أنت لا تفهم الطبيعة الفريدة لمفهوم الإرادة الحرة!)

فمع أن أصل السؤال مرتبط بدين واحد من الأديان، إلا أني رحت أطبقه على الأديان جميعا، مع أني كنت أعلم أن هناك أديانا لا تردد هذا، لأنها لا تؤمن أصلا بتوارث الخطيئة.

ولو أنني كنت صادقا لضربت الأمثلة على هذا من أصحابي الملاحدة أنفسهم.. أو مزجت على الأقل بين أخطاء المتدينين وأخطاء الملاحدة.. حتى لا أقع في الانتقائية.

ذلك أن أولى الناس بأن يُخاطَبوا بهذا الكلام هم أصحابي من الملاحدة.. فلا يكاد يُناظرهم أحد في بطلان كثير من القضايا الفلسفية التي يُشيدون عليها اعتقادهم في إنكار الصانع وفي أصل الحياة وأصل الكون إلا رأيتَهم يُسارعون إلى تجهيله، واتهامه بأنه جاهل لا يفهم نظرية الارتقاء، ولا يفهم الانتخاب الطبيعي؛ إذ يخلط بينه وبين معنى الصدفة المحضة، وأنه لا يُحسن تصور نظرية الاحتمالات الإحصائية، ولا يحسن تطبيقها، ولا دراية له بضوابط العلم الطبيعي وقيود ممارسته، إلى آخر ما يثيرونه من دعاوى مشابهة لإسكات المخالف.

كان حريا بي أن أضرب المثل على ذلك بالكاهن الأكبر للملاحدة [ريتشارد دوكينز] الذي ذكر في أكثر من موضع من كتابه [وهم الإله] بأن تحقيق الفهم والاستيعاب الأكمل لنظرية داروين، وما يترتَّب عليها من تصورات تخالف الحدس البشري الطبيعي يتطلب ما يسميه بالرقي بالوعي البشري..

ألا ترى يا صاحبي التلسكوب أنه لا يختلف كثيرا عن زعم بعض علماء اللاهوت أن فهم الثالوث واستيعابه على حقيقته لا يصل إليه إلا قديس، يأتيه الرب بنفسه ويجالسه ويخاطبه كل ليلة.

سكت قليلا، ثم راح يربت على التلسكوب، ويقول: هل تذكر معي تلك القاعدة التي وضعتها في كتابي، والتي سميتها [الاستدلال بالعدم]، ونصصت عليها بأن (ما لم يَثبت بطلانه فإنه حق ولا بد، والعكس بالعكس).. وضربت على ذلك مثالا، فقلت: (قد يكون هناك البلايين من العوالم الأخرى، ولكن ما مِن واحد من تلك العوالم يُعرَف عنه أن فيه ما في الأرض من تقدم أخلاقي، وبالتالي فنحن لا نزال مركزيِّين في هذا الكون)، ثم ذكرت أن هذا الحكم يمكن انتقاده في عبارة واحدة، وهي: (إن عدم الدليل ليس دليلاً على العدم)

لاشك أنك تعرف نوع المغالطة التي أريد أن أمررها بهذا المثال.. وهي احتقار الأرض، واحتقار الإنسان.. وذلك كله لاحتقار المعارف التي يحملها عن الكون، بحجة أنه ليس مركزيا فيه.. وبالتالي التشكيك في المعرفة بالله، وفي كل القيم التي جاءت بها الأديان.

سكت قليلا، ثم راح يقول: من الأمثلة التي كنت أتلاعب بها بعقول البسطاء والسذج ما ذكرته عند حديثي عن [الاحتجاج بالعواقب غير المرغوبة].. فقد ضربت لذلك مثالا قلت فيه: (الزعم بأن إلهًا يضع للخلائق العقوبات والمكافآت يجب أن يوجد؛ لأنه إن لم يكن موجودًا، فإن المجتمع سينفك من القانون ويفتقر إلى الأمن، وربما يكون غير قابل للحكم والقيادة)

وقد أردت من هذا المثال تحطيم تلك الحجج التي يستعملها المتدينون لإثبات المعاد والجزاء والعدالة الإلهية.. ثم يبنون على أساسها كل القيم الإنسانية النبيلة.

سكت قليلا، ثم قال: دعك من كل تلك القواعد، وما تحويه من مغالطات.. وهلم بنا إلى المغالطة الكبرى.. تلك المغالطة التي تستند إلى [شفرة أوكام]، وهي التي تنص على أننا (عندما نواجَه بفرضيتين تستويان في معقولية تفسيرهما لجملة من البيانات، فعلينا أن نتخير الأيسر والأبسط منهما)

فهذه القاعدة من الركائز الأساسية التي يشيد عليها أصحابي من الملاحدة ـ بمختلف مدارسهم ـ عقيدتَهم الإلحادية.. فهي تتناسب مع عقولهم الكسولة التي لا تريد أن تغرق في مناقشة الفرضيات الفلسفية.. لذلك تعتبر (التفسيرات الأيسر مقدَّمة على التفسيرات الأعقد عند التساوي)

مع أن هذه القاعدة تخالف المنطق العقلي، لأنه لا دليل عليها.. فلم يدل الاستقراء الطبيعي على أن التفسيرات الأيسر أو الأبسط ـ حتى في دائرة البحث الطبيعي ـ تكون هي الأحظى بالصواب؟.. وهل هناك حدٌّ مُنضبِط يمكن الاتفاق عليه للحكم على تفسير من التفسيرات بأنه بسيط، وعلى آخر بأنه معقد.

لا شكَّ في أن أفضل الطرق للوصول من نقطة (أ) إلى نقطة (ب) هو الطريق المستقيم، ولكن عن أي طريق نتحدث، وعن أي نقطتين؟ هنا يأتي الخلط عند كثير من فلاسفة العلم الطبيعي ومن تابعهم من علماء الملاحدة.

ولا شك كذلك في أن زيادة الافتراضات الطبيعية في تفسير ظاهرة من الظواهر دون مسوِّغ من القرائن العلمية المعتبَرَة يعدُّ تكلفًا لما لا حامل عليه، ومخالفةً لغاية العلم الطبيعي نفسه.. لكن هذا لا يعني ـ بالضرورة ـ أن التفسير الأيسر أو الأقل عددًا في فرضياته ومقدماته ـ أو فيما يفترضه من أسباب وتعليلات ـ هو الصواب الذي لا شك فيه..

لذلك فإنه إن كانت غاية التبسيط والتيسير: تسهيل التصور لتسهيل إصابة المقاصد الكلية من العلم الطبيعي، فإن هذه الغاية لا ينبغي أن تتجاوز أو تتقاطع مع غاية الوصول إلى معرفة الحقيقة بتمامها..

ولهذا فإنه لا يصح أن تطلق تلك القاعدة للاعتراض على وجود العامل الغيبي في سلسلة الأسباب، بدعوى أنه افتراض زائد لا داعي له ولا يمكن إثباته! لا داعي له عند مَن؟ ولأي غاية؟

صحيح أنَّه لا يفيد العالم الطبيعي في الوصول إلى الأسباب المادية المباشرة التي يُمكنه من خلال التعامل معها أن يتحكم في الظاهرة.. ولكن هذا لا يعني أن ذلك العامل الغيبي لا وجود له، أو أنه زائد عن الحاجة.. فالعلم الطبيعي قائم على الشهادة بأنه مهما أحصى الباحث من متغيرات ذات تأثير على الظاهرة محل الدراسة، فقام بعزلها وتثبيتها جميعًا لصالح البحث في واحد منها بعينه، فإنه لن يصل يومًا ما إلى إحصاء سائر الأسباب الطبيعية.

سكت قليلا، ثم قال: أتذكر معي روايتي [اتصال] التي حولتها [هوليود] إلى فلم سينمائي يحكي قصة عالِمة فلك تدعى [إيلي] كانت تدرس مع زملائها في مركز أبحاث [سيتي] إشارات واردة من أعماق الفضاء، ويتبين من خلال البحث أنها تتمتع بصفتي التفرد والتعقيد، وذلك ما جعل أعضاء فريق البحث يؤكد أنها يستحيل أن تكون قد نشأت بالصدفة، ولذا يصيحون: (إنها ليست تشويشا كونيا.. إنها تحمل نظاما).. ثم تكشف أحداث الفيلم عن ورود تلك الرسائل بالفعل من عوالم أخرى.

فالفيلم الذي هو من تأليفي يؤكد أن رسالة معقدة واحدة تكفي لإثبات وجود مرسل ذكي، لكنني لم أستخدم نفس هذا المنطق عندما أرى أن تعقيد الحمض النووي لا يمكن أن ينشأ عن صدفة عشوائية.

لقد عبر بعض علماء المسلمين عن هذه الازدواجية التي وقعت فيها مع إخواني من الملاحدة، فقال: (إذا وجدنا في اكتشاف أثري حجرين موضوعين في نظام معين أو قُطّعا لغرض معين، فإننا جميعاً نستنتج بالتأكيد أن هذا من عمل إنسان ما في الزمان القديم. فإذا وجدنا بالقرب من الحجر جمجمة بشرية أكثر كمالاً وأكثر تعقيداً من الحجر بدرجة لا تقارن، فإن بعض العلماء المكتشفين لن يفكر في أنها من صنع كائن واع، بل ينظرون إلى هذه الجمجمة الكاملة أو إلى الهيكل الكامل الذي تتجلّى فيه قدرة صانعه كأنهما قد نشئا بذاتيهما أو بالصدفة)([29])

وهكذا ترانا نقيم مشاريع عملاقة للبحث عن مؤشرات لوجود كائنات حية في كواكب أخرى، وذلك برصد الإشارات اللاسلكية والميكروية القادمة من أعماق الكون، أملا في أن تحمل رسائل مشفرة تختلف عن النبضات والموجات الكونية العادية.. وهذا يدل على أننا نعتقد فعلا بأن العوالم الأخرى لا يجب أن تنسحب عليها مبادئنا العقلية.

قال ذلك، ثم راح يحمل تلسكوبه على ظهره.. ويصيح من شدة ثقله.

سام هاريس:

صرفت بصري عنه إلى أنبوبة أخرى، شدني إليها ما كتب عليها، وهو هذه العبارة [نهاية الإيمان]، وهي عنوان كتاب كنت قد رأيت الكثير من الشباب يهتم به ويطالعه، وهو لناشط من نشطاء الإلحاد الجديد يدعى [سام هاريس([30])]

وبالفعل كانت صورة صاحب الأنبوبة تشبهه تماما، إلا أنها مزودة كسائر من في ذلك الجناح بملامح الفئران البيضاء.

كان يحمل على ظهره أوراقا كثيرة جدا موضوعة في كيس كبير شفاف.. وكان يدور على نفسه، وهو يحملها، ويتألم من شدة ثقلها.. ثم ما لبث حتى وضعها، وأخذ ورقة منها، وراح يقرؤها، ويقول: لقد ظللت طول حياتي أحاربك أيتها الورقة.. أنت وجميع زميلاتك.. ولم أكن أدرك خطورة تلك المحاربة.

لقد كنت أضرب بعضكن ببعض.. وأحمّل بعضكن أخطاء بعض.. وأتعامل معكن بكل أنواع التزييف والتزوير.. بحجة واحدة وهي أنكن جميعا أطلق عليكن في يوم من الأيام [كلمات مقدسة]

كان في إمكاني أن أتعامل بكل حيادية وموضوعية مع الحقائق الواردة على صفحات وجوهكن الجميلة.. لكنني لم أفعل.. بل رحت أرميكن جميعا بالدمامة.. وأرمي جميع المؤمنين بما ورد في صفحاتكن بالخرافة والضلالة..

لقد رحت أصيح في الإنسانية بكل غرور: (آن الأوان أن نشكك بفكرة الدين بشكل حر).. وبناء على ذلك رحت أضع الأديان جميعا في سلة واحدة، ثم أحكم عليها بأنها جميعا (من أشنع أنواع الإنحراف الذي يسيء استعمال الذكاء والإدراك الإنساني)

لقد قلت في كتابي [نهاية الإيمان]، وأنا في قمة غروري وكبريائي([31]): (.. لماذا يحتاج الله القوي الجبار إلى السلطه الدنيويه لفرض وجوده، وتثبيت مؤسساته على الأرض؟.. ولماذا يحتاج الله الكامل إلى الإنسان الفاني؟.. ولماذا يحتاج الكامل الجبار إلى الإنسان الناقص لتفسير آياته؟.. ألايعتبر كل ذلك نقصا خطيرا في كمال الرب؟)

وكل هذا كان تلفيقا وتزويرا مني للحقائق، لأن كل مؤمن بشيء يحتاج إلى الدعوة إليه، والاستدلال له، ونصرته.. وأنا أريد أن أحرم المؤمنين من شرف تلك الدعوة، وشرف تلك النصرة.. مع أنني أنا الملحد وسائر زملائي كنا نمارس كل الأساليب لنصرة الإلحاد.. فهل الإلحاد محتاج لنا أيضا؟.. ولماذا لا يقف على قدميه بنفسه بدون دعاة هو أيضا؟

سكت قليلا، ثم قال: لا أزال أذكر تلك المكاييل المزدوجة التي تعاملت بها مع الحقائق.. من ذلك أني ذكرت أن كل الحروب التي وقعت بين البشر كانت بأسباب دينية، وأننا لو تخلينا عن الدين، فسيعم العالم السلام ([32]).. لقد كنت تابعا في ذلك لكل أزلام الإلحاد، وخصوصا الجديد منه، والذي استفاد من هجمات 11 سبتمبر ليستأصل الإله من قلوب المؤمنين.

وقد كان أستاذي الكبير [ريتشارد دوكنز] من أوائل من لقنني هذه الحجة.. حيث قال في مذكراته التي كتبها عام 2013: (الدين هو العلامة الرئيسية والأخطر التي بموجبها نقسم أنفسنا إلى طرفين: نحن وهم).. ثم أضاف: (إنه لو ألغي الدين لأصبحت الفرصة أكبر بكثير لعالم بلا حروب، كما كنا لاحظنا انخفاضاً في منسوب الكراهية لأن الكثير منها يعود للطائفية كما في إيرلندا الشمالية والهند وباكستان)

وكل هذا الذي صدر مني ومن أستاذي دوكنز وغيره من الأساتذة كذب وزور.. فالدراسات الأكاديمية كلها تدحض النظرية التي تربط بين الحروب والدين.. ففي بحث نشره معهد نيويورك وسيدني للاقتصاد والسلام في أكتوبر تبين أنه عموماً لا توجد علاقة بين الدين والنزاعات في أي من الحروب التي اندلعت سنة 2013. ومن بين خمسة وثلاثين نزاعا مسلحا خمسة فقط (14 بالمائة) كانت أسبابها المباشرة مرتبطة بالدين، في حين غاب العامل الديني تماماً في أربع عشرة حالة أخرى (40 بالمائة)، واشتركت جميع الحالات قيد الدراسة في تعدد مسبباتها، وكانت أكثر الأسباب شيوعاً هي ما تعلق بمعارضة الحكومة أو النظام الاقتصادي أو الايديولوجي أو السياسي أو الاجتماعي للدولة، حيث برزت في ثلثي الحالات التي تمت دراستها.

وهكذا نجد في موسوعة الحروب ـ وهي دراسة شاملة لكافة الحروب الألف وسبعمائة وست وثلاثين عبر تاريخ الإنسانية ـ أن الحروب الدينية في طبيعتها لم تتجاوز المئة وثلاثة وعشرين حرباً.. أي أقل من 7 بالمائة.

بل إن [معهد الاقتصاد والسلام] ذكر في تقرير علمي له أن انحسار الدين في دولة ما لا يجعلها تلقائياً تتمتع بالسلم أكثر، وأن نسبة الملحدين في الدولة لا علاقة لها بمستوى السلم فيها.. فالدول التي تعلو فيها نسبة الملحدين ـ بالأخص الدول الشيوعية أو التي كانت شيوعية مثل روسيا والتشيك ـ لم تنعم بالسلام.

وبحسب التقرير أيضاً كانت كوريا الشمالية ضمن لائحة الدول العشر الأقل سلاماً رغم أنها الأقل نسبة من حيث عدد السكان المنتمين إلى ديانة ما.

وعندما نترك هذه التقارير وننظر إلى الحروب الكبرى في المئة عام الأخيرة كالحرب العالمية الأولى والثانية والحرب الباردة وحرب فيتنام.. نرى بوضوح كيف يمكن للدوافع غير الدينية أن تكون أكثر تدميرا من الدوافع الدينية.. ففي الأنظمة الفاشية في القرن العشرين كنظام ستالين وتيتو وماو تسي تونج وبول بوت وغيرهم.. صرع الملايين من الناس، كما أعدم الملحدون عشرات الآلاف من الروس المسيحيين بسبب معتقداتهم بهدف إفراغ الدولة من الدين.

وقد ذكر [جون وولف]، وهو أستاذ متخصص في هذا المجال، سبب ربط النزاعات بالدين، فذكر أنه عندما يكون الواقع معقداً يتم توصيف الصراعات بأنها دينية كوصف مقتضب لها.

ويضيف: (حتى عندما نرجع بالتاريخ إلى ما يعرف بالحروب الدينية في القرنين السادس عشر والسابع عشر فيما بعد حركة الإصلاح البروتستانتي في غرب وشمال أوروبا نجد أن العامل الديني كان مهماً ولكن يتبين أنه كان هناك أيضاً تأثير الأسر الحاكمة والسلطة والاقتصاد التي كان من شأنها تحريك الحروب)

ثم يعقب على ذلك بقوله: (لعلني أتفق مع الطرح القائل بأنه تم توريط الدين في معظم الحروب، لكن القول بأن الدين هو المسؤول عنها هو تحريف للأدلة)

وهكذا ذكرت الكاتبة الأسترالية [ريتشل وودكوك] في كتابها [لفهم الإله] أن الاستخدام المشوه للدين في العنف لا علاقه له به، وضربت مثالا على ذلك بصدام حسين الذي استخدم العنف كثيرا، بينما كان يظهر على شاشات التلفاز وهو يصلي لله، ثم علقت على ذلك بقولها: (للأسف يوفر الدين غطاء مناسباً ومحركاً قوياً لأصحاب النوايا السيئة.. في الحقيقة يكون الدين مختلفاً تماماً عندما يمارسه المتعطشون للسلطة عما يبدو عليه عند الأتقياء والصالحين، وهذا يدل على نفسية الإنسان أكثر مما يدل على الدين. ولذلك نرى الكثير من النزاعات الإنسانية تحوم حول الدين)

وهكذا حصل في ايرلندا الشمالية حين تم توظيف الخطاب الديني من قبل الطرفين، وبالأخص في حالة القس البروتستانتي إيان بيزلي الذي قال عن البابا أنه عدو المسيح.

سكت قليلا، ثم قال مخاطبا أوراقه: هل رأيت كم كنت أكذب على الناس.. لقد حاولت أن أخفي جميع الأسباب التي جعلت العالم يتقاتل.. ولم أظهر إلا سببا واحدا، قد لا يكون هو السبب الحقيقي.. ذلك أن الناس ـ كما قالت وودكوك ـ (يتشاجرون أيضاً بسبب قطع صغيرة من الكربون المضغوط، أو قطعة أرض، أو مواد تسبب الإدمان، أو مباريات كرة القدم)

قال ذلك.. ثم راح يجمع أوراقه ويحملها..ويتألم من شدة ثقلها.

***

بينما أنا في قمة استغراقي في سماع ما قاله هؤلاء الملاحدة الحسيون، نبهني صاحبي المرشد، وقال لي: أظن أن ما سمعته هنا من اعترافات يكفي.. فهلم بنا إلى جناح آخر.. لترى أهله وتعرف أسرار إلحادهم.


([1])  ديفيد هيوم (1711، 1776)، فيلسوف واقتصادي ومؤرخ اسكتلندي ولد وتوفي بأدنبره، أهم كتبه: بحث في الطبيعة الإنسانية، ثلاثة أجزاء، وفحص عن الفهم الإنساني، وفحص عن مبادئ الأخلاق، والتاريخ الطبيعي للديني، وغير ذلك راجع تاريخ الفلسفة الحديثة ليوسف كرم 172 ـ 173.

([2])  الموسوعة العربية.

([3])  استفدنا المادة العلمية هنا من مقال مهم بعنوان: الأسس اللا عقلية للإلحاد.. مشكلة مبدأ العالم نموذجاً، لعمرو بسيوني.

([4]) المعجم الفلسفي لجميل صليبا، 1/649.

([5]) تاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم، 148.

([6])  يقصد بالاتصال أن الأسباب والمسببات متصلة ببعضها، وأن الشيء لا يمكن أن يحصل في زمان أو مكان يبْعُد عن زمانه ومكانه بالفعل.

([7])  لا يرى هيوم ضرورة أن تكون العلة ـ بحسب الظاهر ـ سابقة على معلولها، بل يراها أمرا يحتمل ( الجدل )، ومع تسليمه أن التجربة في معظم الأحيان تنتصر لأسبقية العلة على المعلول، لكن مبدأ الأسبقية يبقى ـ عنده ـ دائما غير قابل للتدليل بنوع من الاستنتاج أو البرهان !.

([8]) انظر: تحقيق في الذهن البشري لهيوم، ترجمة د محمد محجوب، 116 ـ 117، و 126 وهيوم لزكي نجيب محمود 148.

([9]) مناهج البحث عند مفكري الإسلام لعلي سامي النشار، 164.

([10]) عمانويل كانط ( 1724 ـ 1804 )، حاول التوسط بين التجريبية والعقلانية المثالية، ووجه نقدا عقليا للدين، أهم كتبه: نقد العقل الخالص النظري ( المشهور بنقد العقل المحض )، ونقد العقل العملي، ونقد الحكم، وميتافيزيقا الأخلاق، ورسالة في السلام الدئم راجع يوسف كرم 208 ـ 216.

([11])  بدوي 2/271.

([12]) قال عبد الرحمن بدوي: ( التحول الحاسم في فكر كانط قد حدث ـ فيما يبدو ـ في سنة 1796، ويبدو أن ذلك كان بتأثير هيوم، على خلاف في بيان ذلك شديدٍ بين الباحثين ذلك أن هيوم نبَّه كنت إلى مشكلة الكلية والضرورة في الأحكام )، بدوي، 2/271.

([13]) تاريخ الفلسفة الحديثة، ليوسف كرم 210.

([14]) سنتحدث عنه لاحقا.

([15]) الفلسفة بنظرة علمية، لبرتراند راسل، تلخيص وتقديم د زكي نجيب محمود، 95 ـ 102، باختصار.

([16])  انظر: الإلحاد ووجود الله، أحمد محمد حسن وأحمد دعدوش.

([17])  انظر: مذاهب فكرية معاصرة، عرض ونقد -، للدكتور: محمود مزروعة، ص 169-185.

([18]) برتراند راسل ( 1872 ـ 1970 )، إنجليزي، أستاذ للفلسفة بجامعة كمبردج، وأحد أعلام المنطق الرياضي المعاصرين، أهم كتبه: تاريخ الفلسفة الغربية، وتحليل المادة، وموجز الفلسفة، والمدخل إلى الفلسفة الرياضية، وغير ذلك انظر: يوسف كرم 431.

([19])  ملحدون محدثون معاصرون، د. رمسيس عوض، ص 56.

([20])  انظر: الله خالق الكون: دراسةٌ علميّةٌ حديثة للمناهج والنظريّات المختلفةِ حولَ نشأةِ الكونِ ومسألةِ الخالقِ، جعفر الهادي، ص31.

([21])   انظر الرد على هذا القول وما يشبهه في رواية ( أسرار الحياة) من هذه السلسلة.

([22])  نقلا عن: ريتشارد دوكنز، وهم الإله ص 164.

([23])  كان جورج مور (1852-1933م) لا أدريًّا، فقد قال: (بقدر ما أعتقد أنه لا يوجد دليل على وجوده، فإني أعتقد كذلك أنه لا يوجد دليل على عدم وجوده. ومن ثمَ فإني لستُ مُلحدًا بمعنى ما. إنني لا أنكر أن الله موجود، فالمحاجات التي أسوقها هي لمجرد حث الناس على أنه لا يوجد ثمة أسباب للاعتقاد بوجوده.. إني لا أؤمن أن الله موجود ولكن في الوقت نفسه لا أؤمن بعدم وجوده. ليس هناك ذرة واحدة من دليل ينم عن أدنى احتمال لوجود الله أو لعدم وجوده)[ د. رمسيس عوض، ملحدون محدثون ومعاصرون ص 60، 61]

([24])  من الأدوات المستخدمة في المخابر الكيميائية، وويستخدم في تحليل المواد الكيميائيّة، ويتميز بقدرتهِ على تحمل درجات الحرارة المرتفعة، ومن الممكن توصيله بدوارق أخرى من أجل إجراء اختبارات للتفاعلات بين المواد الكيميائيّة.

([25])  أشير به إلى  (وحيد الدين خان)، وهو مفكر مسلم هندي معاصر يجمع بين الفكر الإسلامي، والفكر العلمي الفلسفي.. وبتلك المقومات استطاع أن يناظر الملحدين واللادينيين بحججه الدامغة في العديد من كتبه، وقد استفدنا بعض مادته العلمية في نقد برتراند راسل من كتابه ( الإسلام يتحدى)، مع العلم أننا قد ذكرنا حواراته معه على شكل مناظرة في كتاب [الباحثون عن الله]

([26])  لا ينطبق هذا انطباقا صحيحا شاملا إلا على الإسلام ومصادره المقدسة، وقد برهنا على هذا بتفصيل في رواية (معجزات علمية) من سلسلة [حقائق ورقائق]

([27])  عنوان كتاب لكارل ساغان.

([28])  استفدت بعض المادة العلمية الوارد هنا من كتاب: آلة الموحِّدين لكشفِ خرافات الطبيعيين، أبو الفداء ابن مسعود.

([29])  الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزت بيجوفيتش.

([30])  سام هاريس: ولد سنة (1967) مؤلف وفيلسوف ومفكر وعالم أعصاب أمريكي، وهو أحد مؤسسي مشروع إدراك ومديره التنفيذي. وهو مؤلف كتاب [نهاية الإيمان] الذي صدر عام 2004 والذي ظهر في لائحة النيويورك تايمز لأفضل المبيعات 33 أسبوعًا على التوالي. كما تُوّج الكتاب بجائزة بَنْ عام 2005.. وفي عام 2006، قام هاريس بنشر كتابه [رسالة إلى أمة مسيحية] ردّا على انتقادات كتاب [نهاية الإيمان]. تَبِع هذا العمل كتابه [المشهد الأخلاقي]، الذي صدر سنة 2010، ليتبعه بمقاله من الطراز الطويل [أنْ تكذب] سنة 2012، لتتم سلسلة مؤلفاته مع كتاب [الإستيقاظ: دليل إلى الروحانية الخالية من التدين].. وهو أحد المنتقدين المعاصرين للأديان، كما يُعتبر أحد أهم مؤيدي الشكوكية العلمية وحركة الإلحاد الجديد..

([31])  النصوص المقتبسة هنا من مقال بعنوان [سام هاريس و الإلحاد و الإيمان: رد على سام هاريس في كتابه نهاية الإيمان]، وقد اقتبس نصوص الكتاب من [منتدى الملحدين العرب]، ساحة الترجمة.. وقد تصرفت في النصوص بناء على الأخطاء الكثيرة الواردة فيها أو في الترجمة.

([32])  استفدت بعض المعلومات الواردة هنا من مقال بعنوان [هل الدين مسبب حقيقي للحروب؟ وهل يخلو تاريخ الملحدين منها؟]، موقع السوري الجديد..

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *