حرب.. وسلام

حرب.. وسلام

سأقص عليكم اليوم قصة حزينة لحرب وسلام، تعرفان من خلالها دور العنف واللين، أو الحرب والسلام في انغلاق العقول وانفتاحها.. وتعطيلها وتفعيلها.. ولتعلموا أن شجرة الحقيقة المقدسة لا تؤتي ثمارها الطيبة إلا لأصحاب القلوب الطاهرة الممتلئة بالسلام والمحبة..

فالعلم لا يتعلق بالمرسل فقط، بل يتعلق بالمستقبل أيضا.. كالمطر الذي ينزل على الورود فيزيد أريجها الطيب انتشارا، وينزل على المستنقعات الآسنة، فيملأ الجو من حولها قذارة.

وحرب وسلام موجودان توأمان في كل شخص منا.. ففينا جميعا، ومع أول ميلادنا ولد فينا هذان الشخصان.. لكن من الناس من يعتني بحرب، فيطعمه ويسقيه ويعتني به.. فيقوى ويشتد.. فإذا ما بلغ أشده واستوى، كان أول ما يفعله أن يقتل أخاه سلاما، حتى لا يزاحمه في طعامه أو ينافسه في شرابه.. فحرب لا يحب إلا أن يكون وحده..

وفينا من يعتني بسلام.. فيقوى ويشتد.. وبقوته وشدته يضمر حرب، أو يموت غيظا.. لأن الحرب لا تطيق أن ترى السلام، أو تتعايش معه.

ومن حكمة الله تعالى في تربيته لخلقه أن يريهم نفوسهم في نفوس الآخرين وحركاتهم.. لأن الخارج ـ عند أهل الحقائق ـ ليس سوى صدى للداخل، وكل إناء بما فيه ينضح.

وقد أراني الله بحكمته ولطفه التوأمان اللذان ولدا معي كما ولدا معكم في صورة صديقين عرفتهما مذ كنت صبيا صغيرا، وصحبتهما في جميع مراحل الدراسة، وعندما افترقت بنا الدنيا ظللت أتابع أخبارهما إلى آخر لحظة..

وقد فكرت مرات كثيرة في أن أكتب مسرحية حولهما.. وبما أن بضاعتي مزجاة في هذا الفن النبيل من الفنون الإنسانية، فإني سأذكر هنا مشاهد من تلك المسرحية، وأترك لإخواني وأصدقائي من الفنانين الموهوبين ليحولوا من هذه المشاهد كائنا حيا يراه الناس بأعينهم، ويلمسونه بأرواحهم، عساهم يلتفتوا لتلك الكائنات التي تتكون منها ذواتهم، قبل أن يلتفتوا لذوات الآخرين.

أما الفصل الأول من مسرحة حرب وسلام، فيبدأ من صبانا الباكر، حيث كان حرب يميل إلى كل اللعب والرياضات الممتلئة بالعنف والقسوة، وخصوصا الملاكمة، فقد كان يحبها حبا شديدا، وكان لذلك يقابل كل من لقيه بلكمة ثقيلة يمازحه بها.. وكان إذا صافح زملاءة ضغط على أيديهم بشدة، ليقيس عضلاته بعضلاتهم، أو ليفرض شخصه عليهم بتلك القبضة القوية.

وكان يحدثنا بإعجاب شديد على تلك اللكمات التي هشم بها الأنوف، وأسال بها الدماء، وكسر بها الأسنان.. كما يحدثنا عن الطيور التي طاردها، والحشرات التي وطئها، والحيوانات التي خنقها بقبضته القوية..

وقد ظلت هذه الصفات معه، وكبرت مع كبره، ونمت شجرتها في نفسه مع نموه.. فكانت قبضة يده القوية ـ في كبره ـ يستعملها في كل محل حتى وهو يمسك بعصا المحراب، أو هو يلوح بها خطيبا، أو هو يحاور بها غيره من مخالفيه.. حتى وهو يروي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو هو يقص قصص الأنبياء كان يتحدث عنهم، باعتبارهم أصحاب قبضات قوية كقبضته، وأصحاب نفوس عنيفة كنفسه.

وبخلاف حرب كان سلام ممتلئا سلاما من صغره الباكر.. فكان أبعد الناس عن العنف وأميلهم إلى الهدوء والسكينة والسلام.. هو كاسمه تماما.. ولذلك كان يؤثر الرياضات والألعاب التي تتناسب مع تلك الطبيعة التي جبل عليها، أو آثرها، أو ربي عليها.

وقد كان لذلك مستضعفا من طرف زملائه وخصوصا حرب، الذي كان يلكمه بلكمة قوية كلما التقى به، وكان سلام لحبه السلام، لا يقابل تلك اللكمة إلا بابتسامته التي ظلت معه إلى آخر لحظة من حياته.. وقد كانت تلك الابتسامة وما يصاحبها من كلمات طيبة سما قاتلا لحرب يجعله لا يكتفي باللكمة واللكمتين، بل يضيف إليها ما يرضي غريزته العدوانية، أو السبع الذي كان يتربع على عرش قلبه.

وأحب أن أنبه هنا إلى أن الأمر لم يكن مرتبطا بقوة جسد حرب، ولا بضعف جسد سلام، فقد كان كلاهما متشابهين في القوة الجسدية، بل لعل قوة جسد سلام كانت تفوق قوة جسد حرب.. ولكن نفسه المسالمة كانت تتحكم في جسدها الذي اؤتمنت عليه، بينما كانت نفس حرب تمد حربا بمدد إضافي يجعله يرى نفسه مثل الهرة عندما تنتفخ، وترى في انتفاخها أنها تحولت أسدا هصورا.

وهكذا كان حرب، فقد كان أشبه الناس في تلك المرحلة بالهرة التي تنتفخ كل حين، لتري غيرها أنها ليست سبعا ضعيفا، بل هي سبع قوي لا يصح لأي أحد أن يقترب منه.

هذه مشاهد من الفصل الأول من مسرحية حرب وسلام.. وقد تطورت هذه المشاهد بعد ذلك، فانتقلت من عالم الجسد إلى عالم الفكر إلى غيرها من العوالم.. فالقبضة القوية لا تقتصر على الجسد فقط، بل تشمل النفس والروح والسر وكل اللطائف الإنسانية لتغذيها بغذائها.

أما الفصل الثاني، فيبدأ من أيام تكويننا الدراسي، وخصوصا في المرحلة الجامعية حيث كان لكل من حرب وسلام منهجه الخاص في الدراسة، وفي التعامل مع المعلومة، وفي الانفعال لها.

أما حرب، فكان ـ بطبيعة اهتماماته التي ربي عليها ـ أميل إلى العنف منه إلى السلام، وإلى الشدة منه إلى اللين.. ولذلك كان إذا رأى اختلاف مواقف الناس من أي جهة من الجهات آثر العنف والشدة على السلام واللين.. وقد أراح ذلك عقله كثيرا.. فلم يتكلف من التعب والعناء في الدراسة ما تكلفه سلام.. لأن السلام يحتاج جهدا مضاعفا، وقوة كبيرة حتى لا يقع في أحكام خاطئة، فيظلم أو يجهل أو يجور أو يعتدي.

ومن الأمثلة على ذلك أننا عند دراستنا المنطق، رأيت سلام مقبلا عليه بكل جهده، يتعلم مسائله دقيقها، وجليلها، ويحاول التدرب عليه، وتكوين ملكة فيه.. أما حرب، فقد رمى الكتاب من اليوم الأول، لأن عقله لم يستطع أن يفهم تلك المصطلحات، ولا وقته كان يسمح له بالتدرب على تلك البراهين..

ولكنه لم يكتف بذلك.. بل راح يبحث عمن تكلم فيه، أو نهى عنه، أو ذمه.. وسرعان ما وجد ضالته.. فراح بدل تعلم المنطق يتعلم كيفية نقضه ونقده وسبه وحربه.

وهكذا عند دراستنا المقاييس المرتبطة بالأديان.. فقد رأيت معاناة سلام في البحث عن كل دين، وعقائده، وتاريخه.. وكان يفرح كثيرا كلما رأى قواسم مشتركة بينها وبين الإسلام، أو بينها وبين القيم الإنسانية..

وأذكر أنه كان يقص علي كل حين أخبار الرهبان الطيبين الذين قضوا حتفهم في بعض الخدمات الاجتماعية أو الإنسانية.. وكان يغضب عندما يسميهم بعض زملائنا بالصليبيين الحاقدين، ويقول لهم بكل قوة: هل اطلعتم على ذلك؟.. هل شققتم على قلوبهم؟.. لم ترمونهم بفعل الجبابرة والطغاة والظالمين من غير بينة؟

وأذكر أنه جاءني مرة بكتيب صغير، كان اسمه [إنجيل بوذا]، وقرأه علي فرحا مسرورا، وهو يقول: لا شك أن هذا الرجل لا يختلف عن أولئك الأنبياء أو الأولياء أو الصديقين.. وإن كان التحريف قد لحق أتباعه في بعض الأمور، فإن هناك مساحة مشتركة بيننا وبينهم يمكننا لو صدقنا النية أن نردمها بسهولة، وأن نبني بيننا وبينهم علاقات ممتلئة بالطيبة والإنسانية.

وهكذا كان في تعامله مع الأديان المختلفة.. وقد جر عليه ذلك حروبا كثيرة من طرف حرب وأصحابه حتى اتهموه بالردة وأخواتها.

هذا حال سلام مع تلك العلوم.. أما حال حرب، فكان مختلفا تماما، فهو لم يقرأ أي كتاب، ولا طالع أي بحث، ولا عرف أي دين من خلال مصادره، ولا من خلال واقعه.. وإنما اكتفى عقله الصغير بمقالات خطابية قصيرة ألفها بعض الخطباء المشهورين في ذلك الحين، يدعو فيها إلى هدم كل كنيسة، وقتل كل راهب، وذبح كل رجل دين..

وكان أحب المشاهد إلى نفسه ـ والتي كان يرددها كثيرا ـ مشهد ذلك المجنون الذي حرق الإنجيل في أكبر شارع للمسيحيين، لينتقم للقرآن الكريم الذي حرقه بعض القساوسة.

وكان يصيح كل حين، ومع الأستاذ والطلبة بقوة: كيف تسمح قلوبكم بأن يعيش على هذه الأرض من يشرك بالله، أو يشوهه أولا يؤدي فرائض دينه.. أين غيرتكم.. أين إيمانكم.. أين دينكم؟

وعندما كان يقول هذا كان الأستاذ يطأطئ رأسه، ولا يدري بما يجيبه، لأن حربا كان قد شكل في كبره، كما شكل في صغره، عصابة لا تردد إلا ما يقول، ولا تصيح إلا بما يصيح..

ولهذا كان الأساتذة يتحاشونه، بل يرشونه بالنقاط الكثيرة هربا منه ومن شره.. وذلك ما جعله ينجح في كل المراحل، وبتفوق، ومن غير أن يبذل أي جهد.. فقد كانت قبضته لا عقله سبب تفوقه ونجاحه.

وهكذا عندما درسنا التصوف الإسلامي.. فقد رأيت سلاما ينسجم معه انسجاما كبيرا، فكان يبيت الليل مع كبته الصفراء القديمة، يطالعها حرفا وحرفا، ويتجاوب معها، فيهتز ويتواجد من حيث شعر أو لم يشعر..

ولم تكفه تلك المطالعات، بل راح يبحث عن المشايخ والطرق، ويسألهم، ويجلس معهم، ويستفيد منهم.. وكان يحدثنا كثيرا عن تلك المواجيد والأذواق والأشواق التي يعيشها الصوفية في رحاب الملأ الأعلى.. وكان يحدثنا كذلك على ذلك التسامح والسلام الذي تمتلئ به أرواحهم وعقولهم وقلوبهم.

لكن حربا كان مختلفا في ذلك تمام الاختلاف مع سلام.. فبمجرد أن بدأنا دراسة هذه المادة، وأخبرنا الأستاذ عن تسامح أهله وسلامهم، حتى انقبض انقباضا شديدا، وراح يبحث عمن يعاديهم، وينفر منهم، وسرعان ما وجد ذلك..

ولذلك فإنه بدل أن يجهد ذهنه وعقله في البحث عن تلك الحقائق التي يتحدث عنها الصوفية، ويسلكون في سبيلها كل طريق، راح يحفظ فتاوى تكفيرهم وتضليهم وتبديعهم وهدر دمائهم..

ثم راح يبشر بكل ذلك في الجامعة، وبين الطلبة الذين أعجبوا به، وبقوة ذاكرته، وبشدته في الحق، ونصرته للسنة، وحربه للبدعة.. وقد أكسبه ذلك شهرة كبيرة، وأتباعا كثيرين.. عرف بعد تخرجه كيف يستثمرهم ليصل إلى كل ما يريد.

وهكذا كان الأمر، أو أشد منه عند دراستنا للفرق الإسلامية، فقد كان سلام حريصا على الوحدة الإسلامية، وعلى تهوين الخلافات الواقعة بين المسلمين، وكان يلتمس لذلك كل ذريعة، ويبحث عن كل مبرر، وكان يصيح كل حين مرددا الآيات القرآنية الداعية إلى الوحدة، والمنفرة من الخلاف.

وكم أذكر فرحته الشديدة عندما وجد الكتب المعتدلة التي تشرح حقيقة مواقف الشيعة من القرآن أو السنة أو من العقائد والشرائع المختلفة.. فقد كان يقرؤها، ويرددها في كل مجلس يسمع فيه من ينشر قيم العداوة والبغضاء، وما يتبعها من التكفير والتضليل.

ولم يكتف سلام بذلك، بل كان يتصل بمشايخ تلك الفرق، ويجلس بين أيدهم كما جلس مع الصوفية، ويستفيد منهم، وقد أكسبه ذلك التعرف على مدارسهم ومناهجهم وعلومهم ورجالهم.. وقد تراكم ذلك كله في عقله، فجعل منه عقلا جامعا منفتحا على آفاق كثيرة لم يكن يصل إليها من دون ذلك الانفتاح.

وبخلافه كان حرب.. فقد كان حربا على كل تلك الفرق.. فكل فرقة ندرسها يذهب إلى ما كتب فيها أعداؤها من خطب وفتاوى، فيحفظها عن ظهر قلب، ثم يصيح بها في كل محل، وسرعان ما يتلف الناس حوله منبهرين بشجاعته وقوته وفصاحته.. وبتلك الذاكرة العجيبة التي حفظت كل تلك الفتاوى.

وهكذا كان الأمر عند دراستنا للمذاهب الفلسفية، والأفكار والرؤى الإنسانية، فقد كان سلام منفتحا على كل رؤية، دارسا لكل مذهب فلسفي، يحاول أن يفهمه، ويستوعبه، ليخرج من بين أشواكه ما شاء له سلامه من رحيق وعسل..

وعلى خلافه حرب الذي لم يكن عقله يطيق أن يسمع غيره، ولا غير ما رآه.. فلذلك كان يكتفي بحفظ أسماء تلك المذاهب ورجالها، وكان يصيح في كل مجلس بتضليلها وتكفيرها والتحذير منها.. وكان ذلك يعجب الكثير من الناس الذين يجدون فيه صدى لما في نفوسهم، وبوقا لحرب الذي يجثم على عرش قلوبهم.

وهكذا كان الأمر عند دراستنا للفنون المختلفة.. فقد كان سلام ميالا لها جميعا، معتبرا أنها هدية من الله لعباده ليعبروا به عن الجمال الذي لا تطيق الحروف الجافة التعبير عنه.. ولذلك راح يقرأ لكل شاعر وكاتب وروائي.. وكان فوق ذلك يتدرب على كل تلك الفنون، ويحاول أن يعبر بها عن السلام الذي يملأ قلبه.

أما حرب، فقد كان حربا على كل تلك الفنون.. وقد حفظ الفتاوى الكثيرة التي تحرمها، وتسد الطريق على أهلها.. وقد أكسبه ذلك أيضا أتباعا جددا، وشهرة جديدة.

وهكذا كان الأمر عند دراستنا للحركات الإصلاحية.. فقد كان سلام منبهرا بالحركات العقلانية والتنويرية في نفس الوقت الذي كان حرب منبهرا بالحركات المسلحة والمتشددة.. وكان معجبا إعجابا شديدا بالشيخ محمد بن عبد الوهاب وحركته النجدية، فقد أخذت منه كل مأخذ، وكان يقول لنا كل حين: إن هذه الحركة هي الحركة الوحيدة التي تمثل الإسلام الحقيقي.. لأنها وقفت بكل قوة في وجه كل ذلك التزييف والتحريف الذي تعرض له الإسلام..

وقد كان من أعجب ما رأيته منه، وأنا أعرف كسله ونفوره من العلم والدراسة، هو ذلك الاستغراق الذي حصل له وهو يقرأ كتب ابن عبد الوهاب وتلاميذه وحفدته، ويرددها كل حين.. ولا يكتفي بذلك، بل راح يستعمل كل الوسائل للتواصل بهم والاستفادة منهم..

ثم راح بعد ذلك، يبشر بهم في الجامعة وبين الطلبة، وبين الناس، وسرعان ما كسب أتباعا كثيرين، وشهرة جديدة.

وهكذا كان الأمر في كل العلوم والفنون إلى أن تخرجنا..

وبتخرجنا ينتهي الفصل الثاني من هذه المسرحية، ليبدأ الفصل الثالث، وهو فصل ممتلئ بالأسى والحزن.. ولذلك أنصح أصحاب القلوب الضعيفة أن يتوقفوا عند هذا الحد، ويخرجوا من المسرح.

أما غيرهم، فأذكر لهم أننا بعد تخرجنا مباشرة.. اختلفت بنا السبل..

أما حرب، فقد وجد عناية كبيرة من جهات متعددة، كانت كلها تتنافس على توظيفه والاستفادة من قدراته العجيبة.. وكانت كلها تدفع له مبالغ طائلة جعلته يتحول في وقت قصير إلى غني من الأغنياء، بل يتحول إلى رجل أعمال كبير..

وأول تلك الجهات هي القنوات الفضائية التي تحب الصوت المرتفع، والقبضات القوية، إرضاء لأذواق الجماهير.. وقد أعطته ما شاء من الوقت لينشر فكره التجديدي المتمثل في القوة والتغيير.. ولذلك كان شعاره الذي تبدأ به كل حصة هي قبضة قوية مكتوب عليها شعار [الله أكبر]

وسرعان ما تحول الشعار بعد ذلك إلى [الشعب يريد إسقاط النظام]، وقد وجد حرب فرصته تحت هذا الشعار، فقد كان لا يكتفي بتلك المساحة الكبيرة التي أعطيت له من جميع القنوات العالمية.. وإنما كان يذهب بنفسه مشجعا لكل تلك الأيادي التي تسفك الدماء، وتخرب الأوطان، وتقضي على الحياة.. في نفس الوقت الذي كان ينعم فيه بحماية أكثر الأنظمة طغيان وظلما وعتوا.

أما سلام.. فقد كان آخر من توظف من دفعتنا.. وسرعان ما طرد من العمل بعد اتهامه بالزندقة والهرطقة والردة.. لأنه كان يدعو إلى السلام في مجتمع لا يحب إلا الحرب.

وقد اضطره ذلك إلى أن يعود إلى الريف الذي ولد فيه، ليرعى غنم أهله، ويعيش حياة التأمل التي كان يحلم بها..

وبعد عشر سنين من رعي الغنم.. وبعد أن رأى بنيان الأمة يكاد ينهد.. ورأى حرب، وكيف أصبح بوقا لكل شيطان.. خرج من الريف، وذهب يصيح في كل مدينة يحل بها ينفر من الدجل، ويحذر منه، ويستعمل في ذلك كل ما في السلام من قوة وحق.

وقد شاء الله الذي بيده كل شيء أن يقيض له من يقف بجنبه من الأقوياء، وأصحاب المال والجاه.. فأخذوا بيده، وطلبوا منه أن يقف في وجه مشروع حرب..

وهنا بدأت الحرب بين حرب وسلام..

أما حرب، فقد توقف عن إشعال تلك النيران التي كان يوقدها بين الشعوب والحكام، وراح يشعلها بين الشعوب وسلام.. وكان يخاطب الشعوب بقوله: لا يمكنكم أن تتخلصوا من الاستبداد والظلم والطغيان، وسلام بينكم.. فاشنقوه.. فلا يشنق حكام الجور إلا بأمعاء علماء السلطان.

وقد نسي أنه من كبار علماء السلطان، فلم يكن يتغدى إلا عند الأمراء، ولم يكن يتعشى إلا عند الملوك..

وما هي إلا سنوات قليلة حتى استجابت بعض العقول لدعوة حرب، وراحت تنفذ كل ما يطلبه منها..

وبما أن سلام كان بسيطا ومتواضعا، ولم تكن له حراسة خاصة، بل لم يكن له أبواب قوية تحمي بيته.. فإنه سرعان ما وصل إليه تلاميذ حرب، وغرزوا فيه أنياب حقدهم.. وقد وجد من رآه قتيلا ثلاثا وثلاثين جراحة، ووجدوا في ثوبه مائة وبضعة عشر خرقا من السكاكين الحادة، بالإضافة إلى أثر الضرب([1]).. ووجدوا مع ذلك كله ابتسامته العذبة التي لم تفارقه في جميع حياته.

هكذا انتهى الفصل الثالث والأخير من هذه المسرحية.. ومع كونه فصلا مؤلما إلا أن الواقع كان هكذا، وما كان لي أن أتجاوز الواقع.. ولو كان الأمر بيدي لما أنهيت المسرحية بهذه النهاية المؤلمة.

نعم بقي فصل رابع، لن أقصه للجميع، بل سأخص به فقط من يثق في من الناس.. أما من عداهم، فأدعوهم إلى مغادرة المسرح، حتى لا تتغير نظرتهم لي، فيتهموني بالجنون أو الهرطقة.. ذلك أن هذا الفصل يتجاوز الملك إلى الملكوت.. ويتجاوز الظاهر إلى الباطن.. ويتجاوز السراب إلى الحقيقة.. وما أصعب أن نرى الحقيقة.

وخلاصته التي أذن لي في الحديث عنها هي أنني بعد ما حصل لسلام من القتلة الشنيعة التي قتل بها، وبعد أن أقيمت الأفراح في تلك الأيام ابتهاجا بما حصل له أصابني حزن شديد، لم أجد مطفئا له غير ذهابي لقبره الذي وضع على رأس جبل، وفي مكان خال حتى لا يستطيع زيارته أي أحد.

وهناك تجاوزت الملك إلى الملكوت.. وهناك اكتشفت حقيقة سلام، وسر ابتسامته، وتمنيت لو أني قضيت حياتي كلها في صحبته، بل تمنيت لو كنت خروفا من تلك الخراف التي رعاها، أو عصا من تلك العصي التي حملها، وهو يرعى الغنم.

بينما كنت على قبره أبكي وأتألم شعرت بيد تربت على كتفي، فالتفت لها، فإذا به سلام واقف أمامي تظلله أنوار كثيرة لا طاقة لي بوصف جمالها.. كان كله يشع من الأنوار، وكانت تنبعث منه روائح طيبة، لم أشم مثلها في حياتي جميعا.. وكانت ابتسامته بلسما لكل الجراح التي تألمت لها، أو شكوت منها.

قلت له بمجرد أن رأيته، والانبهار قد أخذ مني كل مأخذ: هل أنت سلام؟

قال لي: أجل.. هل نسيتني؟

قلت: ولكنك مت.. وهذا قبرك.. لقد رأيت صورتك وأنت ميت، وقد طعنت في كل مكان من جسمك.. حتى أن البعض أخبرني بأنهم اجتزوا رأسك، وفصلوه عن جسدك.

ابتسم، وقال: لقد أخطأوا فيما ذكروه لك.. وما أكثر ما يخطئون.

قلت: كيف تقول ذلك، وقد تناقلته جميع وكالات الأنباء.. وقد رأيت صورتك قتيلا بعيني؟

قال: ومن أين لوكالات الأنبياء أن تصور الإنسان.. إنها لا تصور سوى كفن الإنسان ولباسه الذي يلبسه.. أما حقيقته، فأعظم من أن تصور، أو يحاط بها.

قلت: لقد تألمت كثيرا لما حصل لك.

قال: لو عرفت حقيقة ما حصل لي لسررت سرورا لا يطيقه جسدك، ولفرحت فرحا يظل معك طول عمرك.

قلت: فهلا حدثتني عن حقيقة ما حصل لك؟

قال: ذلك أعظم من أن يصور.. فلعالم الملكوت أذواقه وألوانه التي لا توجد في عالم الملك.. ولا يمكن لأي لغة في الدنيا أن تعبر عنها.

قلت: وتلك الطعنات ألم تؤلمك؟

قال: لقد كنت أرى الملائكة، وهي تضع مكان كل طعنة سلاما ومحبة وسعادة، تمنيت معها لو تحولت إلى غبار أو رماد لتنعم كل خلية من خلاياي بذلك النور المقدس.

قلت: لم يكن ألمي بسبب تلك الطعنات فقط.. بل تألمت لأنك طردت من عملك، واضطررت مع علمك الكثير إلى أن ترعى الغنم.

قال: لو كنت تعيش المشاعر التي أعيشها، وتشاهد المشاهد التي كنت أشاهدها لما تألمت لحظة واحدة.. لقد كنت أشعر بعبوديتي الله، وفضله العظيم علي.. وكنت مع تلك الشياه التي أرعاها، أعيش مع كل من رعاها من الأنبياء والأولياء والصديقين، فآنس بهم، وبلقائهم أنسا لا يمكن التعبير عنه.

قلت: وقد تألمت لما كان حرب يذيقك إياه من ألوان بطشه.

ابتسم، وقال: يحق لك ذلك.. لأنك كنت ترى جسدي، ولم تكن ترى روحي، ولم تكن ترى تلك الطيور الجميلة التي كان تغرد حولي، وتؤانسني..

قلت: هل تقصد أنك لم تكن تشعر بالقبضة القوية التي كان حرب يسلطها عليك؟

قال: كان يشعر بها جسدي.. ولكن روحي لم تكن تتألم لها، لأن بلسم السلام الذي تضعه الملائكة والأرواح النورانية على جراحي وآلامي كان يكسبني من السعادة ما لا يمكن تصوره.

قلت: الذي أعرفه أن ذلك يكون في الآخرة.. وليس في الدنيا.

قال: الدنيا والآخرة أخوان.. أحدهما يعيشه الظاهر والجسد، والآخر يعيشه الباطن والروح.. فمن شاء أن يدخل جنته في دنياه دخلها، ومن شاء أن يدخل ناره دخلها.

قلت: على حسب قولك هذا، فإن حربا يعيش في نار أحقاده.

قال: عندما كنت أراه كنت أرى الثعابين تحيط به، والحيات تطوق عنقه، والنيران تلتهم قلبه.. وكنت أشفق عليه إشفاقا شديدا، ولذلك لم أكن أقابله إلا بالابتسامة لأطفئ تلك النيران التي تحرقه.. لكن نيرانه لم تكن تنطفئ بابتسامتي، بل لم تكن تزيد إلا التهابا.

قلت: أخبرني عنك الآن.. كيف أنت؟

قال: أنا الآن في عالم السلام الذي أحببته وعشت له ومن أجله.. وفي عالم السلام كل سعادة وراحة وطمأنينة وصدق..

قلت: وحرب؟

قال: إن الله بفضله العظيم لا يعطينا إلا بحسب قابلياتنا.. ولو أنه أعطى حربا ما أعيشه الآن لما أطاق، ولازداد عذابه، ولتعذب كما كان يتعذب بابتسامتي، ولذلك كان من عدل الله ورحمته أن ينزله في المحل الذي تأنس فيه نفسه.. ولم تكن نفسه لتأنس إلا بالصراع.. ولهذا وفر له كل ما يشتهيه من صراع، ليتنعم به.

قال ذلك، ثم غاب عني من غير أن أعرف كيف حضر، ولا كيف غاب.. ولكن حضوره كان أعظم مؤنس له.. وقد ظللت أشم عطره زمنا طويلا.. وظللت أشاهد أنواره المشعة كل حين.

وكنت في كل مناسبة يقيمها حرب فرحا بقتله.. أفرح معهم، وأوزع الحلوى، وأتبادل معهم التهاني والتباريك.


([1]) أشير بهذا إلى حصل للإمام الحسين في كربلاء، انظر: المحمودي، العبرات: 2/136.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *