تنويريون

تنويريون

سرنا إلى الجناح الأول في فندق الملاحدة، وقد كتب على بابه قوله تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 16]

سألت المرشد عن الآية، وعلاقتها بهذا الجناح، فقال: هذا جناح التنويريين..

قلت: فمن هم؟

قال: هم الذين اختلط عليهم الأمر، فتصوروا ظلمات الغواية أنوارا.. كما تصوروا أنوار الهداية ظلمة.

قلت: أعرفهم.. إنهم أولئك الذين اكتووا بنار الاستبداد، ورأوا كيف يعلق العلماء والمطالبون بالعدالة على أعواد المشانق، فراحوا يكفرون بالسلطتين الزمنية والدينية، ويصيحون: (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس)

قال: ليسوا كلهم كذلك.. فبعضهم لم ير شيئا من ذلك.. وإنما راح يحقد على الدين وعلى الله.. ويربط كل تخلف واستبداد وجور وجهل بالله.. وكأن الله هو الذي أمر عباده بذلك.

قلت: صدقت في هذا.. وقد رأيت من قومي من يربط الدين بالتاريخ الأسود للطغاة والمجرمين.. فيسقط عليه كل ما أحدثوه من جرائم.. وكأن الله هو الذي أمر بذلك.

قال: لقد اتخذ الشيطان من ذلك وسيلته للدعوة للإلحاد.. فربط الإيمان بالتخلف، وربط الإلحاد بالتحضر، مع أن الله وضع للتحضر والتخلف سننه التي من راعاها وتحقق بها تحققت له نتائجها سواء كان مؤمنا أو كافرا، وقد قال تعالى في القرآن الكريم: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 20

قلت: صدق الله العظيم.. بل إن الله تعالى أخبر أن الحضارة والتطور والرفاه متحقق للمؤمنين الذين يقيمون الكتاب حق إقامته، فقال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } [المائدة: 66]، وضرب لنا المثل على ذلك بسليمان عليه السلام الذي آتاه الله من خير الدنيا والآخرة من غير أن يحرمه ذلك من الإيمان.

قال: وضرب له المثل بذي القرنين الذي اتبع سنن الله، وسعى في الأرض ليحقق العدل والرفاه، وقد تحقق له ذلك.. فكل من سعى وصل.

قلت: وعيت هذا.. ووعيت ذلك الكبر الذي يعاني منه أمثال هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم متنورين.. فيضعون من مقاييس الحقيقة ما لا علاقة له بالعقول.

التفتّ إلى باب الجناح الضخم، وقلت: ألا يسكن في هذا الجناح إلا المتنورون؟

قال: بلى..

قلت: إنه جناح ضخم.. فهل هم كثيرون لهذه الدرجة؟

قال: هم أكثر مما تتصور.. كل الملاحدة يكادون ينزلون فيه.. أو لهم جزء فيه.. أو لهم زيارة له بين الحين والحين.

قلت: أتقصد أن من الملاحدة من يسكن هذا الجناح، وفي نفس الوقت يسكن جناحا آخر؟

قال: أجل.. ألم تقرأ قوله تعالى: { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ } [الحجر: 43، 44]؟

قلت: بلى.. فما فيها من العلم؟

قال: لقد أخبر الله تعالى أن سكان الجحيم تتعدد منازلهم بحسب تعدد جرائمهم.. فيعذب في كل محل بالعذاب المناسب لجريمته.

قلت: وعيت هذا.. فهل ستفتح لي الباب لأعاين هؤلاء التنويريين؟

قال: أجل.. سأفتحه.. ولكنك لن ترى أحدا منهم.. بل ستمع كلامهم فقط.

قلت: لم.. أتراهم يضعون على رؤوسهم طاقية الإخفاء؟

قال: لا.. ولكن جناحهم مظلم تماما..

قلت: ولم لم تصلح إدارة الفندق إضاءة جناحهم؟

قال: هي صالحة.. ولكنهم يرفضون استعمال الإضاءة.. هم يحبون الظلام المطبق.. فلا يحلو لهم الحديث إلا فيه..

قلت: فهمت ذلك.. أنا أيضا لا يحلو لي الحديث إلا في الظلام المطبق؟

قال: ظلامهم ليس خاصا بعيونهم فقط.. بل هو ممتد إلى قلوبهم وبصائرهم.. وما الظلمة الحسية إلا صورة من صور الظلمة التي تحجبهم عن رؤية الحقائق.

فتح المرشد الباب.. فإذا بظلمة مطبقة.. لا ينطبق عليها إلا قوله تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40]

بارون دي هولباخ:

فجأة سمعت صوتا يقول: سيتقدم الآن [بول هينري ثيري] المعروف بـ [بارون دي هولباخ]([1])).. لا شك أنكم تعرفونه.. إنه كاتب وفيلسوف وموسوعي فرنسي ألماني.. عرف بكونه أحد رواد عصر التنوير الفرنسي.. كما عرف بالصالونات الأدبية.. وهو موجود بيننا طبعا بسبب إلحاده.. فلا ينزل فندق الملاحدة إلا الملاحدة.. وهو ملحد جلد كانت له كتابات مهمة ضد الدين، ساهمت في نشر الإلحاد بين ثلة كثيرة من الناس..

سكت قليلا، ثم قال: نسيت أن أذكر لكم أن كارل ماركس العظيم كان واحدا من المتأثرين بأفكاره.. ولذلك كلاهما موجود بيننا.. لن أطيل عليكم.. سيصعد إلى هذه المنصة ليحدثكم بنفسه عن سر إلحاده.

سمعت قرع أقدام تتقدم نحوي، ثم سمعت بعدها صوتا خشنا باردا يقول: ربما لا أحتاج لكلام كثير.. فكلكم تعرفونني.. وكلكم ربما قرأتم كتبي.. فأنا من أوتاد الإلحاد الكبار.. ولعل الكثير من الملاحدة الذين يتبجحون بإلحادهم لم يكونوا سوى تلاميذ طيعين على أفكاري وكتبي..

ولعلمكم، فقد كنت من أسرة غنية.. وكان لي ضيعة ضخمة.. إلى درجة أن أطلق علي المحيطون بي لقب البارون.. وقد أهدرت جزءا كبيرا من تلك الثروة في نشر الإلحاد والدعوة إليه، فقد أقمت صالونا كبيرا كنت أدعو إليه كبار التنويريين لنسخر من الدين..

في ذلك الصالون كان الكلام مباحًا في كل شيء، وضد كل شيء.. ضد الألوهية.. وضد القيامة.. وضد الغيب.. وضد المعجزات.. وكان الكل في ذلك الصالون يفخرون بإلحادهم، أو مواجهتهم للدين.

أذكر جيدا أني خطبت كثيرا في ذلك الصالون، وصفق الكثير إعجابا بخطبي وبجرأتي.. ومن تلك الخطب التي لا أزال أذكرها.. والتي نالت استحسان الجميع قولي في إنكار المعجزات التي كان رجال الدين المسيحي يعتمدونها في التبشير بالمسيح: (ما هي المعجزة؟ قيل لنا إنها عملية مضادة لقوانين الطبيعة التي ثبتها الله بنفسه؛ وأرُد وأقول إنه وفقاً للأفكار التي كونتها عن الحكمة الإلهية، يظهر لي أنه من المستحيل على إله لا يتغير أن يغير القوانين الحكيمة التي أسسها هو بنفسه.. وأستنتج من ذلك أن المعجزات مستحيلة، متأكداً من أنها غير متفقة مع أفكارنا عن حكمة وثبات خالق الكون.. وبجانب ذلك فإن مثل هذه المعجزات لا نفع منها للإله.. فإذا كان كلي القدرة، ألم يكن قادراً على تغيير عقول مخلوقاته وفق إرادته؟ فكي يقنعهم يكفيه أن يقتنعوا.. إذ لم يكن عليه إلا أن يقول لهم أشياء واضحة ومعقولة، أشياء يمكن البرهنة عليها؛ وكانوا سيجدون أنفسهم قابلين لما هو على بينة واضحة.. وكي يفعل ذلك لم يكن بحاجة إلى معجزات أو متأولين؛ فالحقيقة وحدها كانت كافية لفوزه بتصديق الإنسانية كلها)([2])

لقد قلت ذلك، وأنا ممتلئ زهوا وفرحا وخيلاء، وكأن الله كان بين يدي مثل ذلك القطيع من الخدم الذي كنت أتحكم فيه.. بل إنني كنت أتصور نفسي أعظم من الله نفسه، فأنا لم أكن أتقيد بالقوانين أبدا.. لا التي أضعها، ولا التي وضعها غيري.. كنت متمردا على كل شيء.. ومع ذلك كنت أطالب الله ألا يخرق القوانين التي يضعها.

لاشك أن في كلامي ذلك مغالطات كثيرة ليس هذا محل الرد عليها.. ولكني أردت أن أشهد بين أيديكم فقط، بأني لم أقل ذلك إلا لأستمطر منهم الثناء والمديح، ولأبين لهم أني متنور متحرر لا يصدق بالخوارق، ولا يؤمن بها.

لم يكن ذلك وحده ما كنت أقوله عن الله.. بل كنت أقول كلاما أكثر خطرا.. كنت أقول مثلا: (إله حكيم لا يصل تدبيره إلى النجاح أبداً؛ إنه إله عظيم، يشغل نفسه دائماً بصغائر الأمور وأتفهها؛ إله مكتف بذاته، لكنه عرضة للغيرة؛ إله قوي، لكنه شكاك ومنتقم وقاس؛ إله عادل، لكنه يسمح بحدوث أكثر الأفعال ظلماً)([3])

وكنت أقول: (إن الأزلي [الإله] بعد أن ملَّ من عدم الفعل، قدر ذات يوم أن يخلق عالماً ضرورياً لمجده. وكي يحقق ذلك فقد خلق مادة من العدم؛ روح خالصة تنتج جوهراً ليست بينه وبينها أي نسبة؛ وعلى الرغم من أن هذا الإله يملأ كل المكان بعظمته، إلا أنه لا يزال يجد مكاناً فيه يسمح بوجود الكون، بالإضافة إلى كل الأجسام التي يحتويها)([4])

هذا الكلام لم يكن وليد قناعات عقلية، وبحوث محايدة، وإنما كان وليد قراءتي للكتاب المقدس، وما رأيت فيه من النصوص التي تصور الله بصور لا تليق به..

لقد ذكرت ذلك في بعض خطبي، فقلت: (كل الصفات التي يصف بها الكتاب المقدس الإله مستقاة دائماً من الإنسان أو من حاكم فخور؛ ونجد فيه دائماً أنه بدلاً من أن يخلق الإله الإنسان على صورته، فإن الإنسان هو الذي خلق الإله على صورته، وأنه هو الذي ألحق بالإله طرقه في التفكير وفضائله ومساوئه)

لقد دفعني إلى قول هذا ما رأيته في الكتاب المقدس من صفات لا تتناسب مع الله الذي يدل عليه العقل والعلم.. فهو إله يأكل ويشرب ويتعب ويستريح ويضحك ويبكي، غضوب متعطش للدماء، يحب ويبغض، متقلب الأطوار، يُلحق العذاب بكل من ارتكب ذنباً سواء ارتكبه عن قصد أو ارتكبه عن غير قصد، ويأخذ الأبناء والأحفاد بذنوب الآباء، بل يحس بالندم ووخز الضمير، وينسى ويتذكر، وهو ليس عالماً بكل شيء، ولذا فهو يطلب من أعضاء جماعة إسرائيل أن يرشدوه بأن يصبغوا أبواب بيوتهم بالدم حتى لا يهلكهم مع أعدائهم من المصريين عن طريق الخطأ.. وهو إله متجرِّد، ولكنه في الوقت نفسه يأخذ أشكالاً حسية محددة، فهو يطلب إلى اليهود أن يصنعوا له مكاناً مقدَّساً ليسكن في وسطهم، كما يسير على شكل عمود دخان في النهار كي يهديهم الطريق، أما في الليل فكان يتحول إلى عمود نار كي يضيء لهم.

هذا بعض ما صرفني عن الله، وألجأني إلى الإلحاد عند قراءتي للكتاب المقدس.. لا أقول لكم هذا لأبرر لنفسي أخطاءها في حق الإله.. ولكني أقوله لأبين لكم سببا من أسباب إلحادي.. مع أنني كنت ولا زلت أوقن أنه كان في إمكاني ألا أكون ملحدا، مثل الكثير من الفلاسفة الذين انتقدوا الكتاب المقدس، ومع ذلك ظلوا على إيمانهم بالله..

كان في إمكاني أن أعتبر كل تلك النصوص تحريفا بشريا للكتاب المقدس.. كما نص على ذلك الكتاب المقدس نفسه.. فقد كان موسى يردد كثيرا الوصية بعدم الكذب على الله.. لأنه كان يعلم ما سيلحق كتابه.. لقد كان يقول:(لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه لتحفظوا وصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها)(التثنية: 4/ 2).. وهكذا كان النبي إرميا يقول:(فقال الرب لي: بالكذب يتنبأ الأنبياء باسمي..لم أرسلهم ولا أمرتهم ولا كلمتهم.. برؤيا كاذبة وعرافة وباطل ومكر قلوبهم هم يتنبأون لكم) (إرميا: 14:14)، وكان يقول: (الأنبياء يتنبأون بالكذب والكهنة تحكم على أيديهم وشعبي هكذا أحب.. وماذا تعملون في آخرتها)(إرميا:5: 31)، وكان يقول: (وأقاوم الأنبياء الذين يسخرون ألسنتهم قائلين: الرب يقول هذا.. ها أنا أقاوم المتنبئين بأحلام كاذبة ويقصونها مضلين شعبي بأكاذيبهم واستخفافهم) (إرميا: 23 /31 ـ 32)

وكان في إمكاني أن أعتبرها من النصوص المتشابهة، وأردها إلى المحكم الذي ورد في الكتاب المقدس.. فقد ورد فيه أوصاف كثيرة لله ممتلئة بالجمال.. كما في (اللاوين 11: 44-45): (أنا الرب إلهكم، فكرسوا أنفسكم وتقدسوا، لأني أنا قدوس، ولا تنجسوا أنفسكم بشيء من الدبيب المتحرك على الأرض. لأني أنا الرب الذي أخرجكم من ديار مصر لأكون لكم إلها. فكونوا قديسين لأني أنا قدوس)

وكان في إمكاني أن أبحث في الديانات المختلفة لأعرف الله الحقيقي..

وكان في إمكاني أن أستعمل العقل الذي استعمله كبار الفلاسفة في التاريخ لأصل إلى صفات الله بعيد عن تحريفات الأديان..

وكان في إمكاني أن أستعمل الإشراق والتوجه الروحي لأعرف الحقيقة مثلما فعل الكثير من رجال الإشراق..

كان في إمكاني أن أفعل كل ذلك وغيره.. فلله طرائق بعدد الخلائق.. لكني كنت كسولا عن كل ذلك لسبب بسيط، وهو أنني كنت أبغض الكنيسة.. وبما أن الكنيسة لها علاقة بالله.. فقد صرت أبغض الله لأجل بغضي لها.

لقد أفرز بغضي للكنيسة وحقدي عليها كتبا كثيرة، كانت نواة لمن كان بعدي من الملاحدة، لينسجوا عليها، وليؤسسوا عليها مقولتهم الشهيرة [الدين أفيون الشعوب]

هي ليست مقولتهم.. بل هي مقولتي، فأنا الذي كتبتها في كتابي [المسيحية في خطر]، وحتى أتجنب خطر محاكم التفتيش نسبته إلى بولانجيه، الذي مات من سنوات.. وقد مُنع هذا الكتاب من التداول.. بل إنهم عندما ضبطوا أحد الباعة المتجولين وهو يبيع الكتاب حُوكم، وحُكم عليه بالتجديف في المراكب الشراعية لمدة خمس سنوات، كما حُكم على غلام آخر أشترى الكتاب ليعيد بيعه، بنفس الحكم السابق لمدة تسع سنوات.

لم يكن ذلك كتابي الوحيد حول المسيحية.. فقد كان حقدي عليها أعظم من أن يضمه كتاب واحد.. فمن كتبي [الأدب المعادي للكنيسة].. و[قائمة القديسين].. و[الوقفة المقدَّسة].. و[آباء الكنيسة بغير قناع].. و[القساوسة الدينية وتحطيم الجحيم]

وفي سنة 1770م أصدرت أخطر كتبي ضد المسيحية، والذي نال شهرة كبيرة عند التنويريين.. كتاب [فضح أسرار المسيحية ومنهج الطبيعة].. كتبته طبعا باسم مستعار، وهو مسيو ميرابو.. وهو اسم لرجل كان يشغل منصف سكرتير الأكاديمية الفرنسية من قبل، ومات منذ عشر سنوات..

لقد قام رجال الدين بحملة قاسية شديدة على هذا الكتاب.. أذكر أنه في تلك السنة بعد أن قررت جمعية رجال الدين أن تجمع كل أربع سنوات منحة مالية للملك، وأهابت به أن يمنع تداول المؤلفات المعادية للمسيحية، والتي انتشرت كثيراً في فرنسا، أصدر لويس الخامس عشر أوامره إلى النائب العام أن يتخذ الإجراءات فوراً.. وشجب برلمان باريس سبعة كتب من بينها كتابي [فضح أسرار المسيحية ومنهج الطبيعة]

وقد كان من المبررات التي وضعها لمصادرة كتابي هذا وكتبي الأخرى: كونها مليئة بالتخريف، محرضة على الفتنة، نزاعة إلى القضاء على كل فكرة عن الألوهية، وإلى إثارة الشعب للتمرد على ديانته وحكومته، والقضاء على كل مبادئ الأمن العام والأخلاق، وصرف الناس عن واجب الطاعة والإذعان لمليكهم.

كان يمكن أن أكون قد ذبحت أو أحرقت أو اعتقلت بسبب كتبي تلك.. لكن كل ذلك لم يحصل.. وكأن الله كان يعطيني الفرصة تلو الفرصة لأصحح معتقداتي، وأترك أحقادي، وأتعامل مع الحقيقة بكل شفافية وموضوعية.. لقد عرف الكثير من الناس أنني أنا [دي هولباخ] هو المؤلف.. لكنهم كتموا السر لمدة عشرين عاماً.. ولم أتب طيلة تلك المدة.

لقد وصل كتابي [منهج الطبيعة] مهرباً من هولندا، وتهافت على شرائه جمهور كبير يشمل ـ كما ذكر لي صديقي العزيز المتنور [فولتير] ـ العلماء والباحثين والجهّال والسيدات.. وسر به ديدرو، وقال عنه: (إن ما أحب هو فلسفة واضحة محددة صريحة مثل تلك الموجودة في كتاب [منهج الطبيعة]، والمؤلف ليس ملحداً في أي من الصفحات، وهو ربوبي في بعضها، وفلسفته تجري على نسق واحد)([5])

لست أدري هل كان يكذب على نفسه أم على القراء، أم أنه لم يقرأ الكتاب إطلاقا، أو لم يكن لديه أدوات فهمه.. فأنا كنت ملحداً في كل صفحات الكتاب.. وكنت أصرح بذلك، لكن حقدي على رجال الدين كان طاغيا على الكتاب..

لقد قلت في مقدمة الكتاب أبين فيه دوافعي لتأليفه: (إن مصدر شقاء الإنسان وبؤسه هو جهله بالطبيعة.. إن إصراره على التمسك بالآراء الخاطئة العمياء التي تلقنها في طفولته.. وما نتج عن ذلك من تحيز وهوى ظللا عقله وأفسدا ذهنه.. يبدو أنهما قضيا عليه بالاستمرار على الخطأ.. أنه يستمد أسلوب تفكيره من الآخرين تحت مسئوليتهم، ثقة منه بهم، وهم أنفسهم مخطئون، أو أن لهم مصلحة في تظليله وخداعه. ولإزالة هذه الغشاوة وإخراجه من هذه المتاهة فإن الأمر يتطلب يداً حانية وحباً شديداً.. كما يقتضي أعظم الشجاعة التي لا يعتريها خوف ولا وجل وتصميماً أكيداً لا يكل ولا يمل.. ومن ثم يكون أهم واجب علينا أن نفتش عن الوسائل التي نقضي بها على الأوهام التي تظللنا وتخدعنا)([6])

لاشك أن هذا كلام صحيح.. وهو يدعو إلى إعمال العقل، ونبذ التقليد، والشجاعة في مواجهة التقاليد البالية، والأفكار الخرافية.. لكن الحكمة التي دعوت إليها لم أنفذها، بل رحت أستأصل بحقد شديد شجرة المسيحية بجذورها وأغصانها وثمارها.. وكل ما يرتبط بها.. وبذلك تغلب الحقد على العقل، ومنعه من الرؤية البصيرة للحقيقة.

لذلك ما إن أقنعت القارئ بالرجوع للعقل، ونبذ الدين حتى رحت أبشره بأفكاري الممتلئة بالمادية والإلحاد.. لقد عبر عن ذلك مؤرخ الحضارة الكبير [ويليام جيمس ديورَانت]، فقال عني: (بعد أن انتهى دي هولباخ من بيان برنامجه على هذه النحو تقدم في ترتيب ونظام ليفند كل الكائنات والاعتبارات والأفكار الخارقة للطبيعة. ويحبذ الطبيعة بكل ما فيها من جمال وقسوة وتقييد وإمكانات، وليختزل كل الحقيقة والواقع إلى مادة وحركة، ويبني على هذا الأساس المادي منهجاً للفضيلة والأخلاق يأمل أن يكون في مقدوره أن يحول المتوحشين إلى مواطنين، ويشكل الخلق الفردي والنظام الاجتماعي ويضفي سعادة معقولة على حياة مقرر لها الموت المحتوم. إنه يبدأ ويختتم بالطبيعة، ولكنه ينكر أية محاولات لتشخيصها أو تجسيدها، إنه يحددها ويعرفها بأنها الكل الأعظم الذي ينتج من اجتماع المادة في مجموعاتها المختلفة. وهذا هو الاسم المحبب لدى دي هولباخ للكون، فهو يعرف المادة في حرص وحذر بأنها بصفة عامة، كل ما يؤثر على حواسنا بأي شكل كان)([7])

ثم اقتبس من كتبي هذه القوانين التي لا يزال الملاحدة يتعلقون بها: (كل شيء في الكون في حركة دائبة.. وجوهر المادة هو أن تعمل، وإذا تأملناها في يقظة تامة لاكتشفنا أنه ليس ثمة جزء صغير فيها ينعم بسكون مطلق، وكل ما يبدو لنا أنه ساكن لا يبقى ولو للحظة واحدة على نفس الحالة، وكل الكائنات تتناسل وتتكاثر وتتناقص وتتفرق باستمرار.. إن أشد الصخور صلابة تتصدع بدرجات متفاوتة أمام لمسات الهواء.. إن هذا الكل لا يقدم لمجال تأملنا وتفكيرنا إلا مجرد تعاقب ضخم متصل غير متقطع لأسباب ونتائج.. وكلما ازدادت معرفتنا وجدنا أبلغ دليل على أن الكون يعمل من خلال الأسباب الطبيعية وحدها. وقد يكون من العسير أن ندرك كيف أن المادة الجامدة يمكن أن تكون فيها حياة، ولكن يكون من الأصعب أن تصدق أن الحياة خلق أو نتاج خاص لوجود خفي خارج عن الكون المادي)

هذا بعض ما ذكرته في ذلك الحين، وأنا أعزل عقلي تماما عن الحقيقة العظمى.. حقيقة وجود الله.. ذلك أني أعطيت الطبيعة ما لا تستحق، وما لا تقدر عليه.. فكيف تكون القوانين الطبيعية فاعلة، وهي صماء بكماء عمياء ([8]).

لهذا كنت شديد النفور من اسم [الله]، وكنت شديد الحساسية منه، مع أني كنت أعطي الطبيعة جميع وظائف الله.. ولو أني أبدلت اسم الطبيعة باسم الله لتخلصت من إلحادي، لكني كنت أرفض ذلك.. وكنت أذكر لمحدثي أن لفظتي [الله] و[يخلق] ينبغي أن تختفيا تمامًا من لغة الذين يريدون أن يتحدثوا بلغة مفهومة، فهاتان اللفظتان أبتدعهما الجهل، و(أن صديق الجنس البشري لا يمكن أن يكون صديقًا للإله الذي كان في كل الأوقات سوطًا مُسلطًا على الأرض)

أذكر جيدا أنه في سنة 1704م عندما أصدر [صامويل كلارك] كتابه [مبحث عن وجود الله وصفاته]، ونسب لله الصفات الواجبة له مثل الخلود والقدم واللامحدودية واللانهائية، ضحكت من ذلك، وقلت بكل كبرياء ردا عليه: (إن جميع الصفات التي نسبتها يا كلارك لله غير قابلة للفهم، بل هي تنطبق على المادة والطبيعة بصورة أوضح)

لم يتوقف تأليهي للطبعية عند ذلك الحد، بل رحت أناجيها كما يناجي المؤمنون الله، فقد قلت في فقرة ختامية من كتابي [منهج الطبيعة] أناجيها، وكأنها الله نفسه: (أيتها الطبيعة، يا سيدة كل الكائنات.. إن بناتك الفاتنات الجديرات بالتوقير والعبادة.. الفضيلة والعقل والحقيقية.. يبقين إلى الأبد معبوداتنا الوحيدات.. إن إليك تتجه كل تسابيح الجنس البشري وينصب عليك ثناؤه، وإليك يقدم كل ولائه وإجلاله)

وكان من تجليات تأليهي للطبعية قولي: (إن صديق الجنس البشري لا يمكن أن يكون صديقاً للإله الذي كان في كل الأوقات سوطاً مسلطاً على الأرض.. إن رسول الطبيعة لن يكون أداة الأوهام المظللة التي تجعل الدنيا مقراً للخداع.. إن من يقدس الحقيقة لن ينسجم مع الزيف والباطل.. إنه يعلم أن سعادة الجنس البشري تقتضي بشكل لا رجعة فيه، تقويض صرح الخرافة المظلم المقلقل من أساسه، لكي يقيم على أطلاله معبداً للطبيعة ملائماً للسلام.. هيكلاً مقدساً للفضيلة.. فإذا ذهبت جهوده أدراج الرياح وإذا لم يستطع أن يبث الشجاعة في الكائنات التي اعتادت أن ترتعد فرائصها جبناً، فإن له على الأقل أن يفاخر بتجاسره على أن يقوم بالمحاولة)

لذلك كله أطلق علي المعاصرون لي.. والذين شاهدوا صلفي وكبريائي على الله هذا اللقب الذي كنت أتصف بكل مقتضياته [العدو الشخصي لله].. بل أنني أنا الذي كنت أدعوهم إلى إطلاقه، وأفرح بذلك.

وقد سرى موقفي من الله إلى موقفي من الإنسان.. ذلك الكائن المعقد العجيب.. فقد قلت فيه: (الإنسان كائن مادي صرف خاضع لنفس القوانين التي تحكم سائر العالم.. وكيف يتسنى لجسم مادي وذهن غير مادي أن يتفاعل كل منهما مع الآخر؟)

وذكرت أن (الروح مجرد تنظيم الجسم ونشاطه، ولا يمكن أن يكون له وجود مستقل.. وأن القول بأن الروح ستحس وتفكر وتنعم وتعاني بعد فناء الجسم مثل الزعم بأن الساعة التي تتهشم إلى ألف قطعة تستمر في دقاتها ساعة بعد ساعة!)

قلت هذا طبعا مدفوعا بمعارفي الطبيعية المحدودة، وإلا فإن قدرة الله التي أوجدت كل شيء لا يستحيل عليها أن تربط الروح بالجسد، أو بأي شيء آخر..

لكن كبري وغروري ومالي الكثير والوجهاء الذين كانوا يملأون علي قصري.. حجبونني عن رؤية الحقيقة التي يدل عليها كل شيء.

لقد رحت ـ أنا القزم الحقير ـ أصور قدرة الله المطلقة من خلال معارفي العلمية البسيطة التي ثبت جهل الكثير منها في العصور التالية..

لقد أنتجت تلك التصورات التي ألغيت فيها الله، وعبدت فيها الطبيعة تصورات كثيرة منحرفة، كان لها أثرها بعد ذلك على من بعدي من الملاحدة والماديين واللادينيين، منها ـ مثلا ـ ما ذكرته في الفصل الحادي عشر من كتابي.. فقد ذكرت فيه رؤيتي للحتمية الطبيعية.. أو القضاء والقدر الذي تفرضه الطبيعية.. أو الجبرية الطبيعية.

لقد قلت موضحا لهذا المذهب المصادم للحرية الإنسانية: (إن حياة الإنسان قضت عليه الطبيعة برسنه على سطح الأرض دون أن يكون لديه القدرة على الانحراف عنه قيد أنملة.. أنه ولد دون رضاه.. أن كيانه أو تنظيمه لا يتوقف البتة على نفسه.. إن الأفكار التي تخالجه تأتي قسراً لا طوعاً، وعاداته واقفة تحت سيطرة الذين يحملونه على التخلي عنها.. ويتعدل الإنسان ويتغير بلا انقطاع نتيجة أسباب وعلل مرئية أو خفية ليس له سلطان عليها ولا تحكم فيها، وهي بالضرورة تنظم أسلوب وجوده وتصبغ تفكيره بصبغة معينة، وتقرر طريقة تصرفه وأفعاله، فهو طيب أو رديء، سعيد أو تعس، عاقل أو أحمق، ومتعقل أو غير متعقل دون أن يكون لإرادته دخل في أي من هذه الحالات المختلفة)([9])

طبعا لم يكن لي بد من هذا القول.. بل ليس هناك بد لأي ملحد إلا أن يقول هذا.. ذلك أن الحرية الحقيقية لا تتناسب إلا مع القول بوجود الله.. واعتقاد إرادته المطلقة وقدرته المطلقة.. في ذلك الحين فقط نتخلص من أسر الطبيعة وقوانينها.

ولهذا نرى المؤمنين الذي تنزلت عليهم الأمراض الشديدة التي يحكم الطب باستحالة علاجها، لا ييأسون من علاجها، لأنهم يعلمون أن هناك إله قادر على كل شيء.. وما دام قد خلق الداء، فلا يعجز عن خلق الدواء.

سكت قليلا، ثم راح يصرخ: ما أشد غروري، وغرور العلماء المعاصرين لي.. لقد كنا نتصور أن ما وصلنا إليه هو كل شيء.. لكن جاء من بعدنا، ليثبت، وبالعلم والعقل أن كل تلك التصورات التي كنا نتيه بها كانت خاطئة، ولا حظ لها من العلمية.

لقد أثبتت الحقائق العلمية في القرون التالية، وبالضبط في القرن العشرين أن مبدأ الحتمية الذي كنا ننادي به، ونعتبره حقيقة مطلقة، ليس مطلقا، ولا يصدق إلا على العناصر الأولية التي تتكون منها الظواهر الطبيعية، أو عالم الماكروفيزياء، أما عالم الميكروفيزياء، أي الظواهر المتناهية في الصغر فهو يفلت من قيود الحتمية، ويدخل في مجال آخر، هو مجال اللاحتمية.

لقد عبر عن هذه الحقيقة [لويس دوبري] في كتابه [المتصل والمنفصل] قائلا: (حين نريد في المجال الذري أن نحصر حالة الأشياء الراهنة حتى نتمكن من الإخبار عن الظواهر المستقبلية بدقّة أشدّ خسرنا بعض المعطيات الضرورية)

ومن الأمثلة التي تؤكد مبدأ اللاحتمية أن انشطار ذرة الراديوم لا يخضع لقاعدة ثابتة كما أن الذرة تصدر طاقة في شكل صدمات غير منتظمة يصعب معها التنبؤ الدقيق([10])..

سكت قليلا، ثم قال بألم: لقد كنت أنكر هذا الذي أصبح يردده العلم.. وكنت حزينا لإنكاري، لأني كنت أشعر أني سجين في سجون القوانين المادية التي لا تعرف الرحمة.. ولكني لم أستطع أن أتخلص من كبريائي لأعترف بالله.. وكيف أعترف به، وأنا ـ كما يذكر أصدقائي ـ [العدو الشخصي لله]

لقد عبرت عن هذا الألم بقولي: (إن الإنسان من عمل الطبيعة، وهو يوجد في الطبيعة، خاضع لقوانينها، ولا يملك تخليص نفسه من هذه القوانين، ولا يمكنه أن يخطو فيما وراءها خطوة واحدة حتى في فكره.. ولذلك فأنه بدلاً من البحث خارج العالم عن كائنات توفر له السعادة التي تنكرها عليه الطبيعة يحمل به أن يدرس هذه الطبيعة ويعرف قوانينها، ويتأمل في قواها ويراعي القواعد الثابتة التي تعمل بمقتضاها.. فليطبق الإنسان كل ما يتصل إليه على هناءته هو ويخضع في صمت لما تفرضه عليه من الحماية أو الوصاية التي ليس في مقدور أحد تبديلها أو تغييرها، ويرتضي مبتهجاً أن يتجاهل الأسباب والعلل التي يحول بينه وبينها حجاب كثيف لا يمكن اختراقه، ويستسلم دون تذمر لقوانين الضرورة الكونية التي يستحيل عليه إدراكها إطلاقاً. ولا تحرره أبداً من تلك القوانين التي فرضت عليه بحكم ماهيته أو جوهره)

لقد كنت أعلم النتائج الخطيرة التي تحملها هذه الجبرية الطبيعية، كنت أعلم أنها قد تؤدي إلى القول بأنه لا فائدة ترجى من وراء محاولتنا تفادي الشرور أو السيئات والأعمال المخزية أو المرض.. وتجعلنا نكف عن بذل أي جهود، أو عن الطموح أو التطلع وأن ندع الأمور تجري في أعنتها؟

كنت أعلم أن طرح مثل هذه التساؤلات قد يؤدي إلى ضرورة العودة إلى الدين، وإلى الله، لأنه وحده من يوجه مسيرة الإنسان نحو القيم الرفيعة.. لهذا رحت أستعمل كل الحيل للانصراف عن الدين، وإعطاء بدائل طبيعية له.. فذكرت (أن الجبرية لا توحي بعدم معاقبة الجريمة بل إنها على النقيض من ذلك ستؤدي بالشرع والمعلم والرأي العام أن يصنعوا بمقتضى القوانين أو الأخلاق عوائق أفضل في سبيل ارتكاب الجرائم، ويوفروا الدوافع والمغريات بالسلوك الاجتماعي القويم، وهذه العوائق والدوافع والمغريات ستنضم إلى العوامل البيئية التي تشكل سلوك الإنسان)

لقد ذكرت هذا وغيره، لأصرف عن كل تفكير في العودة للدين، ولو على سبيل الاستفادة من قيمه وأخلاقه وتصوراته، كما قال صديقي العزيز فولتير الذي كان أرجح عقلا مني.. فقد قال: (لو لم يكن الله موجودا ً لكان لابد من اختراعه)

وقلت هذا لأني أعلم أنه لا يمكن أن تكون هناك أخلاق ولا قيم من دون أن يكون هناك جزاء مرتبط بها.. فلا يمكن أن تتولد قيم الصّدق والنّزاهة والاستقامة والرّحمة والسّماحة والتّعاون والعدالة والكرم والإيثار وحبّ الخير ومساعدة المحتاج والعناية بالضّعيف من الطبيعة وحدها.. ومن دون أن يكون هناك علم بالجزاء المرتبط بمثل هذه التضحيات.

وأنا لم أكن أؤمن باليوم الآخر.. بل كنت أعتبر الإيمان بوجود حياة أخرى لا يعدو أن يكون سرابًا خادعًا من شأنه أن يصرف أنظار الناس عما هو أهم منها، وهو المجتمع في الوقت الحالي.. ولهذا لم أكن أملك أي مبرر لدعوة الناس لتلك القيم.

بل لا توجد أي فلسفة أخلاقية تجعل الملحد يرهق نفسه بما تتطلبه القيم الأخلاقية من تضحية وبذل وإيثار، ذلك أنه لا يؤمن بالحياة الأخروية، ولا بالجزاء الأخروي، وهذا ما جعل الدكتور [جون لينكس] يذكر أن الملحد ليس بعاجز عن أن يكون خيراً، ولكن الإلحاد لا يدعم أي أسس فكرية للأخلاق، لأن فرضية الإلحاد ليس لديها تأسيس لمبادئ الخير والشر([11]).

ويعبر عن ذلك بقوله: (كيف تستطيع في عالم مادي أن تفسر لي عدم السرقة والقتل إن كان فيهما مصلحة (أي منفعة) وإذا أمنت العقاب (عدم الضرر) أو أن يكشف أمرك أحد؟ كيف تفسر عدم غواية زوجة جارك أو أخيك أو صديقك واستغلال غيابه عنها إذا تأكدت من عدم الفضيحة؟ كيف تفسر عدم خيانتك لزوجتك؟ كيف تفسر أمانتك في العمل؟ بل ما هو الدافع المادي لديك مثلاً للمخاطرة بنفسك لإنقاذ طفل يغرق؟ هل يمكن (اختراع) أي فكرة مقنعة ساعتها للإجابة عن مثل هذه الأسئلة بالغاً ما بلغت من الخيال؟)([12])

ويقول: (من الصعب جداً أن نرى كيف للعملية التطورية غير الواعية أن تشرح لنا حالة الإيمان بالأخلاق ذات المكانة المتأصلة والشاملة في البشر والتي توجب علينا دعم الناس الذين ـ في طبيعة الأمور ـ مسؤولين عن إيقاف أو حتى تهديد التقدم التطوري كالضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى والكبار في السن)([13])

قال ذلك.. ثم راح يصرخ: هل رأيتم معشر الملاحدة ما فعلت بنا عقولنا.. هل رأيتم الأوهام التي كنا نتعلق بها، والتي لم تنفعنا، لا في دنيانا ولا في أخرانا.. كم تمنيت لو ظللت عاميا أبله بسيطا، ولم أدخل في هذه المتاهات التي حجبتني عن حقيقتي، وأبعدتني عن ربي..

لم يتمالك نفسه بعد أن قال هذا، فراح يبكي مثل الأطفال الصغار، وراحت القاعة كلها تضج بالبكاء.. كنت أسمع صراخهم ونحيبهم من غير أن أرى أحدا منهم.

جان مسلييه:

بعدها عم سكون عميق القاعة، قطعه قرع أقدام، ثم سمعت بعدها الصوت الأول يقول: من خلال الاعترافات التي أدلى بها زميلنا في الإلحاد [بارون دي هولباخ] يمكننا أن نكتشف سببين كبيرين لإلحاده: أولهما تلك المواقف الخاطئة لرجال الدين من العقل والعلم، والذي برز خصوصا في موقف الكنيسة من النهضة العلمية.. والثاني هو ذلك الاستبداد السياسي والاجتماعي الذي تغطى بغطاء الدين.

ولمزيد من التفصيل حول هذين السببين، سيتقدم الكثير من أساتذة الإلحاد في التاريخ، والذين اتخذوا من هذين السببين قنطرة لجحود الله.

وسيتقدم الآن أستاذ من أساتذة [بارون دي هولباخ] الكبار، بل أستاذ من أساتذة التنوير المتقدمين، لاشك أنكم تعرفونه جيدا، بل ربما تكونون من تلامذته المباشرين أو غير المباشرين.. فلا يمكن لملحد بعد عصر النهضة أن لا يكون قد عرفه، أو سمع باسمه، أو تتلمذ على من تتلمذ عليه.. إنه القس [جان مسلييه([14])].. قد تتعجبون من كونه قسا وملحدا.. لن أشرح لكم سر ذلك.. بل سأدعه للقس نفسه، فخير من عبر عن الإنسان لسانه.

سمعت قرع أقدام.. بعدها سمعت صوتا ممتلئا حزنا، راح يقول: لست أدري ما أقول لكم، وكيف أعبر لكم عن نفسي، وعن الأزمة الفكرية الحادة التي مررت بها، لا في أيام معدودة، بل في جميع حياتي..

لقد كنت راعي أبرشية (أتربيني) في شمبانيا.. وكنت محبوبا جدا بينهم.. وحق لهم ذلك، فقد كنت أمنح الفقراء كل ما يتبقى من راتبي بعد تسديد نفقات حياتي البسيطة البعيدة عن الإسراف والتبذير..

وبعدما أن ألقيت جسدي عني.. أي بعد ثلاثين عاماً من حياة هادئة مثالية في وظيفة الراعي.. كان عمري حينها خمسة وخمسين سنة.. وقد أو صيت بكل ما أملك لأهالي الأبرشية، الذين دفنوني بكل إجلال وتعظيم، ولم يعرفوا أي شيطان كان يختبئ في ثيابي.

طبعا لم أكن أغشهم ولا أكذب عليهم بتمثيل دور القس الورع، ولكني كنت خائفا من التصريح بأفكاري بينهم، لأن محاكم التفتيش كانت ستقضي علي، وتقتلني شر قتلة.. لهذا كنت أخزن كل أفكاري في مذكرات خاصة، سميتها (عهدي الجديد)([15])

لقد كتبت مجموعة نسخ منها.. وجهت إحداها إلى شعب الأبرشية، توسلت فيها إليهم على المظروف الذي وضعت فيه المخطوطة، أن يغفروا لي، لأني خدمت الخطيئة والأهواء طوال مقامي بينهم.. أي قبل أن أترسم كاهناً.. وذكرت لهم (أنني لم أتقلد عملاً يتعارض مع مشاعري بشكل صريح طمعاً في المال، بل أني امتثلت في هذا لأبوي)

طبعا بعد أن اطلع شعب الأبرشية على ذلك ـ بعد إلقائي لجبة جسدي ـ صبوا علي كل لعناتهم.. وحق لهم ذلك.

سأذكر لكم بعض الجنون الذي سطرته في اعترافاتي، وسأبين لكم موقفي منها الآن.. لقد قلت في عهدي الجديد: (لن أضحي بعقلي؛ لأنه وحده الذي يمنحني التمييز بين الخير والشر، وبين الحق والضلال! لن أتخلى عن الخبرة؛ لأنها خير مرشد وهاد، وهي أفضل بكثير من الخيال أو من سلطان المرشدين! لن أرتاب في حواسي، ولست أتجاهل أنها يمكن أحياناً أن تؤدي بي إلى الخطأ، ولكنني من جهة أخرى أدرك أنها لن تضللني دائماً. إن حواسي تكفي لتصحيح الأحكام والقرارات المتسرعة، التي ملت إلى اتخاذها)

ربما تشبه هذه الاعترافات ما حدث للغزالي.. ذلك العلم الكبير من أعلام المسلمين، والذي مر بتجربة شك خطيرة، ولكنه استطاع أن يتخطاها، واستطاع أن يتخطى معها كل الأطروحات المتلبسة بلباس الدين وغير الدين..

لكني لم أفعل ذلك.. لقد كانت تصوراتي للدين والحياة قاصرة على البيئة التي كنت أعيش فيها.. فتصورت أن الأخطاء الدينية التي وقعت فيها الكنيسة، لا تلزمها فقط، بل تلزم الله نفسه.. ذلك أن الكنيسة كانت تنشر بين جماهيرها أن (ابن الله هو الذي أقامها، وأنه هو الذي وضع عقائدها الأساسية)([16]).. ولذلك فإن أي حركة تنتقدها بغض النظر عن الأخطاء التي يرتكبها الذين يصرفون شئونها إنما هي خروج على السلطة القدسية، وخيانة للدولة الزمنية التي كانت الكنيسة درعها الأخلاقي الواقي.

لقد كنت أقرأ الكتاب المقدس، وأمتلئ من العجب من التناقضات التي يمتلئ بها، والتي لا يسمح لأحد بمناقشتها، لقد كنت أتساءل دوما (لماذا يختلف نسب السيد المسيح في إنجيل متى اختلافاً كبيراً عن إنجيل لوقا.. إذا كان كلاهما منزلا من عند الله؟.. لماذا لم تنته سلسلتا النسب هاتان بيوسف إذا كان سيعفي سريعاً من إنجاب يسوع.. لماذا يمتدح ابن الله بأنه ابن داود الذي صوره الكتاب المقدس بأنه كان زانياً بكل معنى الكلمة؟.. وهل تنطبق نبوءات العهد القديم على المسيح، أم أن هذه التطبيقات مجرد للقوة اللاهوتية؟.. وهل كانت معجزات العهد الجديد حيلاً أو خداعات ورعة، أم كانت عمليات طبيعية أسئ فهمها؟.. وهل نصدق هذه لحكايات أم نتبع العقل؟)([17])

كنت كلما قرأت أمثال هذه التناقضات أصيح بكل قوة: (لن أضحي بعقلي، لأن عقلي وحده يمكنني من التمييز بين الخير والشر وبين الحق والضلال..)

وكنت أكذب في ذلك..فقد كنت أتحكم في عقلي كما أشاء.. لأن وجود خطأ ما في مكان ما لا يلغيه، وإنما يدعو إلى تصحيحه.. فوجود أخطاء في الكنيسة، أو حتى في الكتاب المقدس نفسه لا علاقة له بوجود الله، أو بالقيم التي يرتبط بها.

ولو طبقنا ذلك المقياس الذي حكمت به على الله نتيجة أحقادي على الكنيسة لألغيت كل العلوم، لأنه لا يوجد علم من العلوم، ولا حقيقة من الحقائق إلا ارتبطت بالخرافة في يوم من الأيام.

لم يكتف عقلي الممتلئ بالحقد على الكنيسة بذلك، وإنما راح إلى الحقائق التي نطق بها الفلاسفة قبل أن ينطق بها الدين والمرتبطة بوجود الروح، وخلود النفس.. ليجحدها مثلما جحد الله.. لقد كنت أقول: (يجدر بنا أن نكون شاكرين أن تهيأ لنا جميعاً نوم أبدى بعد نصب وصخب الحياة الدنيا التي تسبب المشقة أكثر مما تسبب اللذة لغالبيتنا.. عودوا جميعاً في سلام إلى المستقر العام الذي جئتم منه، ومروا دون ضجة أو تذمر مثل كل الكائنات التي حولكم)

 وكنت أقول للمؤمنين الذين يدعون الجنة، ويعتبرونها عزاء لهم عن الآلام التي يعانونها في الدنيا: (إن أقلية ضئيلة، حققت هذا الهدف، على حين كان مآل الأغلبية إلى الجحيم. فكيف إذن يمكن أن تكون فكرة الخلود عزاء؟ إن العقيدة التي تخلصني من المخاوف الرهيبة تبدو مرغوباً فيها أكثر من الشك الذي تركني مؤمناً باله يتحكم في عطفه، فلا يمنحه إلا لذوي الحظوة لديه، ويهيئ للآخرين السبيل ليكونوا جديرين بالعذاب الأبدي، فكيف يمكن لأي إنسان متحضر أن يؤمن باله يحكم على المخلوقات بالخلود في الجحيم؟ هل هناك في الطبيعة إنسان بلغ من القسوة حداً يتعمد فيه تعذيب، لا أقول رفاقه من الكائنات، بل أي كائن واعٍ حساس أياً كان؟ فأقروا إذن يا رجال اللاهوت أن إلهكم طبقاً لمبادئكم، شرير أكثر بكثير من أي شرير من بني الإنسان.. إن القساوسة ورجال الدين جعلوا من الإله كائناً خبيثاً ماكراً صارماً إلى حد أن فئة قليلة في هذه الدنيا هي التي لا تود أن يكون الإله موجوداً.. وأية أخلاق نتحلى بها إذ كنا نقلد هذا الإله)

لاشك أنكم لاحظتم هذه الحدة التي في كلامي، والتي تتناقض مع العقل الذي أدعيه، لأني كنت أحكم على الله من خلال موقفي من القساوسة ورجال الدين..

ولم أتساءل أبدا حينها عن المانع الذي يمنع الله من أن يفعل في ملكه ما يشاء.. أن يعذب من يشاء، أو ينعم من يشاء.. وأي سلطة لي عليه.. وكيف أفرض عليه قوانيني وأنا عبده الضعيف الحقير.

ولم أتساءل، ولو من باب الاحتياط عن إمكانية أن يكون ذلك الجزاء صحيحا، وأن هناك جنة فعلية ونار فعلية.. وحينها كيف يكون الحال..

أتذكر حينها أبياتا سمعتها من بعض المسلمين يقول فيها:

زعم المنجم والطبيب كلاهما

  لا تبعث الأجساد قلت: إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر

  أو صح قولي فالخسار عليكما

طبعا لم أهتم لكل هذه الصيحات.. ولا كل هذه البراهين.. لأني كنت غارقا في أوحال أحقادي على الكنيسة ورجال الدين.. وكانت كل همتي منصرفة للفرار من الله، لذلك كنت أطرح الكثير من الإشكالات على أمثال تلك البراهين لأفر من الحقيقة التي يدل عليها كل شيء([18]).

لقد كنت أصيح كل حين: (إن إله المسيحية هو منشئ كل الشرور، لأنه حيث أنه قادر على كل شئ يتم دون رضاه وموافقه، فإذا وهبنا الحياة فإنه كذلك كتب علينا الموت، وإذا وهبنا الصحة والثروة، فإنه يعوض منهما بالفقر والقحط والمصائب والحروب)

وكنت أقول: (إن في العالم دلائل كثيرة على تصميم بارع، ولكن هلا توجد فيه علامات كثيرة بنفس القدر على أن العناية الإلهية، إن وجدت، قادرة على إيقاع أشد أذى شيطاني؟ إن كل الكتب زاخرة بأشد المديح والثناء رياء ونفاقاً على العناية الإلهية التي أفرطوا في الثناء على رقابتها اليقظة، ومهما يكن من أمر فإننا إذا تفحصنا كل أجزاء الكرة الأرضية لوجدنا أن الإنسان المتحضر وغير المتحضر على السواء في صراع دائم مع العناية الإلهية، فهو مضطر إلى أن يصد الضربات التي تنزلها به في صورة أعاصير وعواصف وصقيع وبرد وفيضانات وجدب وغيرها من مختلف النازلات التي تجعل كد الإنسان وجده غير ذي جدوى.. وفي إيجاز أرى أن البشر جميعاً مشغولون باستمرار في حماية أنفسهم من الحيل الشريرة الخبيثة التي تدبرها العناية الإلهية التي يقال إنها ساهرة على توفير السعادة لهم)

كنت أقول هذا وغيره لأهرب من الإيمان بالله، وإلا فإن تسليمي للتصميم البديع للكون، والذي يدل على وجود المصمم كاف في دفعي للإيمان به، والإيمان بمدى حكمته.

لكني كنت أردد ما يذكره كل الملاحدة قبلي وبعدي من غير شعور، ولا تريث، ولا بحث.. كنت أردد ما ذكره أبيقور عن الله: (هل هو يريد منع الشر لكنه لا يقدر؟ إذن هو عاجز. هل هو قادر لكنه لا يريد؟ إذن هو بغيض. هل هو قادر ويريد معًا؟ إذن هو شرير)

وكنت أردد ما قال ماكلوسكي: (يعتبر الشر مشكلة للمؤمن من جهة أن هناك تناقضًا بين حقيقة وجود الشر من جهة والإيمان بكمال الله، وعدم محدودية قدرته من الجهة الأخرى)

وكنت أردد ما قال ماكي: (مشكلة الشر ـ بالمفهوم الذي سأستعمله هنا ـ هي مشكلة فقط لمن يؤمن بوجود إله مطلق القدرة ومطلق الخيرية، وهي مشكلة منطقية في التوفيق بين عدد من الاعتقادات، وليست مشكلة علمية يمكن حلها بالمزيد من الملاحظة العلمية أو مشكلة عملية يمكن حلها بقرار أو إجراء عملي)

لكني لم أردد أبدا ما يقوله المؤمنون ([19])..

سكت قليلا، ثم قال: أتذكر حينها أني طرحت هذا الإشكال على بعض أهل قريتي من البسطاء قصد تشكيكه في معتقداته، وقد ذكرته له بطريقة لبقة ذكية حتى لا يسبب لي أي مشكلة.. فقال لي: إن وقوع الشر في العالم لا يناقض رحمة الله، ولا يعارض اتصافه بصفات الخير، نظرًا لكون هذا الشر سبيلٌ إلى خيرٍ أكبر وأعظم؛ فارتكاب الذنب سبيلٌ إلى التوبة، والبلاء سبيلٌ إلى الصبر والصمود والتحمل، والقتل والشهادة في سبيل الله سبيلٌ إلى أعلى الدرجات في الجنة.

قلت له حينها: ما دام الله قادرا على إيصال هذا الخير دون وقوع الشر، فلم يفعل ذلك؟

فأجابني ببداهة: هذا غير ممكن، فلا يتصور عقلاً وجود صفات الصبر والصمود وتحدي الصعاب ـ وهي من معاني الخير ـ دون وقوع البلاء.. وكذلك لا يتصور حدوث التوبة دون ذنب، فقد ربط الله تعالى الأسباب بمسبباتها.. وجعل الأسباب محل حكمته، فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات العقلية وقدح في العقول والفطر.

قلت له: لا شك أنك تؤمن بأن العالم العلوي.. أي عالم الملائكة.. ليس فيه شر.. فلم لا يكون عالمنا كذلك؟

قال لي: يلزمك في هذه الحالة أن تثبت أن الخير المجرد أعظم وأفضل من الخير الممزوج بالشر، وهذا صعب جدًا، بل مستحيل في حقيقة الأمر، وعقيدة المؤمن أن الله يسمح بالشر في هذا العالم لأجل تحصيل الخير الناتج عنه أو المترتب عليه شريطة أن تكون المحصلة العامة هي زيادة الخير على الشر بقدر أكبر من القدر الذي يمكن تحصيله من الخير البحت، وأن في وجود الشر من المصالح والمنافع والخيرات ما يبرر وقوعه ([20]).

كان لكلامه من القوة والحجة ما لم أملك أي سبيل لدفعه أو للرد عليه، لكني بعد أن رجعت إلى نفسي وشياطيني رحت أثير شبها أخرى لأهرب من الإيمان.. لقد رحت أصيح: (هل وجد إله أغرب وأبعد عن التصديق من هذا؟ أنه لآلاف السنين ظل مختفياً عن أعين البشر، وأستمع دون استجابة واضحة بريئة لصلوات آلاف الملايين ودعواتهم وثنائهم عليه. والمفروض أنه حكيم بالغ الحكمة، ولكن ملكه يسوده الخلل والاضطراب والخراب. والمفروض أنه خير ولكنه يعاقب شيطان مجرد من الروح الإنسانية. والمفروض أنه عادل وهو يهيئ للأشرار سبل الرخاء والازدهار، على حين يتعذب القديسون حتى الموت. إنه منهمك دائماً في الخلق والتدمير)([21])

 وهكذا رحت أطالب الله بأن يرني نفسه حتى أؤمن به.. وهذا من المستحيلات التي يدل عليها العقل.. فالله يستحيل أن يرى لأنه ليس جسما، ولا محدودا، وليس له مكان ولا محل.. وكيف يمكن أن يرى أو يدرك أو تحيط به الحواس؟

وهذا دليل على أنني لم أكن أعمل عقلي أبدا.. أو أنني لم أنكر الله المطلق، وإنما أنكرت ذلك الله المجسم الذي عبده الوثنيون، أو صورته الكثير من النصوص المحرفة في الكتاب المقدس..

وكان في إمكاني أن أتخلص من تلك الأوهام كما تخلص منها الفلاسفة بالبحث العقلي في صفات الله.. وكان في إمكاني أن أسير في الأرض لأبحث عن الحقيقة.. لكني لم أفعل ذلك.. بل ظللت في قريتي آكل من رزق الله.. في نفس الوقت الذي أقوم بمحاربته.

وقد بلغ من حقدي على الله أني كنت ـ خلافا لما ذكره فولتير من أن الإيمان بالله أمر طبيعي فطري عام ـ أقول عكس ذلك.. بل كنت أقول: (إن مثل هذا الإيمان أمر غير طبيعي، وأنه يجب أن يصب في أذهان المراهقين أن: كل الأطفال ملحدون، ليس لديهم فكرة عن الإله.. ويؤمن الناس بالله بناء على كلام أولئك الذين لا يعرفون عنه أكثر مما يعرف الأولون، إن مربياتنا هن أول معلمي اللاهوت.. إنهن يتحدثن إليهم عن الإله كما يتحدث عن آدميين تحولوا إلى ذئاب.. إن قلة قليلة من الناس كانت تتخذ إلهاً لولا ما يبذل من جهد في أن يجعلوا لهم إلهاً)([22])

بل إن حقدي على الله وصل إلى درجة لا تطاق.. لقد كنت أصيح من خلال عهدي الجديد: (اتركوا لرجال اللاهوت علتهم الأولى وليس للطبيعة من حاجة بهذا لإحداث كل الآثار والنتائج التي تراها.. وإذا كان لزاماً أن تعبدوا أحداً، فاعبدوا الشمس، كما تفعل شعوب كثيرة، فإن الشمس هي الخالق الحقيقي لحياتنا وللصحة والضوء والدفء والبهجة والسرور)

قال ذلك، ثم غرق في صمت عميق امتلأ بأنات كثيرة..

عبد الله القصيمي:

ساد بعدها صمت عميق ممتلئ بالأحزان، قطعه قرع أقدام.. سمعت بعدها الصوت الأول يقول: سيتقدم الآن علم من أعلام الإلحاد الكبار.. له قصة غريبة لا تختلف كثيرا عن قصة [جان مسلييه].. فقد كان هو الآخر رجل دين.. وكتب كتبا في نصرة الدين.. ثم تحول عنه إلى الإلحاد.. وكتب كتبا في نصرة الإلحاد.. إنه عبد الله القصيمي([23]).. لاشك أنكم سمعتم به، وبالضجة الكبيرة التي أثارتها كتبه التي يدعي فيها أنه تنويري مثلنا، وأنه ما قام بحركته إلا ليبدد الظلمات التي تنشرها الأديان..

قد تتعجبون من هذا التحول العجيب.. لن أشرح لكم سره.. بل سأدعه للقصيمي نفسه، فخير من عبر عن الإنسان لسانه.

سمعت قرع أقدام.. بعدها سمعت صوتا ممتلئا ألما، راح يقول: ما عساي أقول لكم، أنا المتألم الحزين الذي قضى على نفسه، بعد أن قضى على حقيقته.. لقد أعطاني الله من الفرص ما لم يعط الكثير منكم، ولكنني ـ ولغروري وكبريائي ـ فرطت فيها جميعا، ورحت أبحث في القمامة عما يسد رمق شهواتي.. فلم أجد في القمامة إلا ما ملأ حياتي بالضنك والضيق الذي رحت أفرزه في كتبي التي تعرفونها..

وأنا أريد من خلال موقفي هذا بين أيديكم أن أذكر لكم الأسباب الحقيقية لإلحادي، والتي حاولت أن أتستر عليها بتلك الدعاوى العريضة من التحرر والتنوير التي كنت أزعمها لنفسي، مع أني في حقيقة أمري لم يكن لي من دافع سوى عقدي النفسية التي ولدتها البيئة الاجتماعية والفكرية التي عشت فيها، والتي غذتني بلبان التدين المتطرف.

وأنا لا أرمي بأخطائي على بيئتي فقط.. بل أبدا بنفسي.. نفسي الأمارة بالسوء.. فقد كانت تراودني كل حين.. وكانت تتزين لي.. ولم أكن أملك إلا أن أخضع لها.. فكنت أملأ صفحات كتبي مدحا لها وثناء عليها، وكبرياء بها..

لقد كنت مزهوا بها لدرجة أنني رحت أطالب الجميع ـ حتى في فترة إيماني ـ بأن يروا نفسي المتكبرة، ويقدروها، ويعرفوا مكانتها..

لقد كتبت في تلك المرحلة قصائد كثيرة في مدحها وتعظيمها.. منها قولي([24]):

لو أنصفوا كنت المقدم في الأمر

  ولم يطلبوا غيري لدى الحادث النكر

ولم يرغبوا إلا إليّ إذا ابتغوا

  رشاداً وحزماً يعزبان عن الفكر

ولم يذكروا غيري متى ذكر الذكا

  ولم يبصروا غيري لدى غيبة البدر

فما أنا إلا الشمس في غير برجها

  وما أنا إلا الدر في لجج البحر

متى جريت فكل الناس في أثري

  وإن وقفت فما في الناس من يجري

وقلت مرة يثني على نفسه بأبيات ركيكة بعدما قرأت كتاباً للمتنبي فكتبت على هامشه:

كفى أحمداً أني نظرت كتابه

  لأن يدعي أن الإله مخاطبه

ولو شامني أني قرأت كتابه

  لقال إله الكون إني وخالقه !!

وقلت:

حاشا لهم أن يعدلوا بي واحدًا

  من بعد ما وضحت لهم أنبائي

وأُعيذهم من أن يعيل أديبهم

  وأديب كل الناس في النعماء

عابوا عليَّ تحدُّثي وتمدُّحي

  بأصالتي وشجاعتي وذكائي

إن لم يُبح مدح الفتى أخلاقه

  بيضًا فأي تمدح وثناءِ

لقد قلت هذا في المرحلة الأولى من حياتي، وبقي معي في المرحلة الأخرى التي أقمت فيها معابد لأعبد فيها نفسي وأنانيتي.. لقد كتبت في الغلاف الخارجي لكتابي (هذه هي الأغلال) هذه العبارة المشحونة بكل أصناف الكبرياء: (سيقول مؤرخو الفكر إنه بهذا الكتاب بدأت الأمم العربية تبصر طريق العقل!)

وقلت في ثناياه: (إن مافي هذا الكتاب من الحقائق الأزلية الأبدية التي تفتقدها أمة فتهوى، وتأخذ بها أمة فتنهض، ولن يوجد مسلم يستغني عن هذه الأفكار إذا أراد حياة صحيحة)

ولم تكن هذه الأنانية حبيسة نفسي أو كتبي، بل إن روائحها المنتنة فاحت لكل من حولي، وخاصة لمن خالفني أو اختلف معي..

لعلكم تذكرون موقفي من أستاذي الكفيف الشيخ يوسف الدجوي، والذي اختلفت معه في بعض المسائل.. فرحت أشنع به في الكتب والصحف والمجلات، وأتهمه بالغرور لأنه خالفني، ولم يخضع لأفكاري.. لقد قلت فيه: (وكأني بالدجوي المغرور عندما يرى هذه البراهين إن كان يرى التي ما كانت تخطر على فؤاده إن كان له فؤاد يغضب ويصخب، ويشتم، ويقول ماهذه البلوى؟ ما هذه المحنة التي خصصت بها؟ ما هذا النجدي الذي يريد أن يأكلني ويشربني؟ ما هذا العربي الذي منيت به لينزلني من منزلتي التي ارتقيتها بلقبي وكتبي وراتبي ورتبي وغفلة أهل العلم والفهم عني؟ ويقول يا ليتنا أرضينا هذا النجدي وأسكتناه عنا ولو بملء فيه دراً، ولو بكل ما نأخذه من راتب، وما نملكه من متاع)

أصدقكم القول بأنه كان يمكنني ألا أكون بهذه الصورة لو أنني لم أعش بين قوم نفخوا في من روح الكبرياء ما جعلني أستعلي على أستاذي الدجوي وغيره من علماء الأزهر، بل كل علماء الأمة.. لقد كانوا يصورون لي أننا وحدنا ـ أتباع محمد بن عبد الوهاب على الحق ـ وأننا ينبغي أن نعتز بكوننا كذلك.. وأننا ينبغي أن نتهم كل مخالف لنا بالشرك والكفر الجلي.. بل ينبغي لنا أن نفتي بسفك دمه..

لقد كان لإدماني على قراءة كتب ابن تيمية وابن عبد الوهاب ومشايخ نجد وغيرهم ممن يسمون أنفسهم الفرقة الناجية أثره الكبير على نفسي، فلذلك راح عقلي الضعيف يصور لي أنني أحمل الحق المجرد، وغيري يحمل الباطل المجرد.

لذلك رحت، ولأجل خلافات فرعية بسيطة بين مذهبي الذي ربيت عليه، وبين البيئة العلمية الجديدة التي انتقلت إليها، أتهم الأزهر ومشايخه بالإلحاد والضلال والكفر.. وأولهم شيخي الدجوي الذي اختلفت معه حول كفر القائلين بزيارة الأولياء، والتوسل بالصالحين، وطلب الشفاعة منهم، وكان شيخي ينهاني عن تكفير من يقول بهذا وتضليله، ورحت بالكبرياء التي نفختها في طائفتي أرد عليه بكل قوة وصلافة وحقد.. بل ألفت في ذلك كتابي [البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية]

وبعدها.. وبعد أن قرر مشايخ الأزهر فصلي منه، لسوء أدبي مع أساتذتي ([25]).. رحت أصب جام حقدي عليهم، وكتبت في ذلك كتابي [شيوخ الأزهر والزيارة في الإسلام]، و[الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم]

ولم أكتف بالتشنيع على الأزهر، وعلى المناهج الصوفية والكلامية التي كان يتبناها، بل رحت إلى طوائف المسلمين الأخرى، أصب عليهم جام حقدي وأنانيتي.. فأرميهم ـ كما ترميهم الوهابية التي كنت أنتمي إليها ـ بالوثنية.. وقد كتبت في ذلك كتابي الكبير [الصراع بين الإسلام والوثنية]، والذي لقي قبولا كبيرا من أبناء طائفتي، حتى قال فيه إمام الحرم المكي في ذلك الوقت ([26]):

صراعٌ بَين إسلامٍ وكفرٍ

  يقوم به القصيميُّ الشجاعُ

ألا لله ما خط اليراعُ

  لنصر الدين واحتدم النزاعُ

بل أخبرني بعضهم أن الملك عبد العزيز قال عني، وعن كتابي: (لقد دفع القصيمي مهر الجنة بكتابه هذا)([27])

هذا هو السبب الأول لإلحادي.. وهو السبب الذي نجتمع فيه جميعا.. فالكبرياء والغرور والعقد النفسية هي التي تحرمنا من تفضل الله علينا بالإيمان.. ذلك أن الإيمان هدية إلهية غالية، لا يستحقها إلا أصحاب القلوب المتواضعة، كما قال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} [الأعراف: 146]

أما السبب الثاني، فهو قومي الذين جنوا علي، فجنبت بعدهم على كل الناس.. وأنتم تعرفون قومي من النجديين أولئك الذين ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلادهم، واعتبرها موطن الفتن والزلازل، وأن منها يطلع قرن الشيطان([28]).

وصدق في ذلك، فلاشك أنكم سمعتم أن كل ذلك الإرهاب والعنف والتطرف والخرافة بدأت من تلك النجود العالية، لتشوه الإسلام، وتحارب الدين، وتنشر الإلحاد.

وكان أول ما لقنني قومي هو تحطيم كل الرموز والمقدسات التي أمر الله أن تعزر وتوقر وتحترم.. ابتداء من رسل الله، وانتهاء بأوليائه.. لقد أشاع قومي أن التعلق بهؤلاء والتمسك بهم والعشق لهم ليس سوى شرك مغلف.. ولهذا رحت أصب جام غضبي على الصوفية والشيعة وعامة المسلمين الذين امتلأت قلوبهم محبة لأولياء الله ورسله.. وفاحت تلك المحبة بكل تلك الألوان من السلوكات التي لم أفهمها، ولم يفهمها قومي، فراحوا يحاربونها ويكفرون أصحابها.

لقد حصل لنا ما حصل لإبليس عندما رفض السجود لآدم.. فوقع في كل ألوان الضلالة، وصبت عليه جميع ألوان اللعنات.

لم تكن عقولنا الصلبة لتفقه سر تلك المحبة التي تفوح من قلوب الصوفية أو الشيعة أو العوام لرسل الله وأليائه، كنا نتصورها شركا، بينما لم تكن سوى التوحيد المقدس.. لأن محبة الرسل والأولياء ليست سوى فيض من محبة الله.. فمن أحب أولياء الله، لا شك أنه يحب الله.

ولم تكن عقولنا لتفقه أن في كل إنسان نزوعا لحب الأبطال، لاتخاذهم مثلا عليا، يقتدى بها، ويهتدى بهديها، لأنه لا يكفي الهدي النظري دون أن تكون هناك معالم عملية يتخذها الناس منارات هدى يهتدون بها.

لم نكن نفقه أن الأولياء الذين يعشقهم الناس لم يكونوا سوى منارات هدى.. بل تصورناهم بجهلنا أصناما رحنا نحطمها، فحصل لنا من الكبرياء والغرور ما حصل لإبليس..

لقد عبرت عن ذلك في بعض قصائدي التي أمجد فيها نفسي، فقلت:

ولو أن ماعندي من العلم والفضل  يقسم في الآفاق أغنى عن الرسل!

هذه هي صورة الرسل عندي، وهي صورة باهتة ضعيفة.. حرص قومي على أن يلقنوني إياها حتى يحموني من الشرك الأكبر.. فوقعت في الإلحاد.

لعل هذا هو السبب الأكبر فيما حاق بي.. وهناك أسباب أخرى كثيرة، منها أنني، وبعد تأليفي لمجموعة كتبي في الرد على الصوفية والشيعة.. وحول تمجيد الوهابية وتعظيمها.. وبعد أن لاقيت القبول الحسن من قومي الذين راحوا يمجدونني ويثنون علي.. دعيت ونفر من قومي الذين التحقوا بالأزهر مع كبير مشايخ قومنا.. لن أسميه لكم.. فلن ينفعكم اسمه.. طلب منا أن نجلس إليه ليحمي عقائدنا مما تسرب إليها من ضلالات الأزهر.

وقد كان ذلك المجلس وحده كافيا لأطلق تلك الآراء الرعناء المتخلفة الوثنية التي ينشرها قومي، لأستبدلها بعقائد أفضل وأكرم وأكثر عقلانية.. لكني لم أفعل.. لأني كنت أتصور أن الإله إما أن يكون بالصورة التي صورها قومي.. وإما أن لا يكون موجودا.

وقد كانت الصورة التي صورها قومي، والتي وضحها لنا الشيخ في منتهى الدجل والخرافة.. فلذلك رحت أنفر منها، لأقع في الإلحاد.

سأذكر لكم بعض ما قال.. لقد روى لنا حديثا في منتهى الغرابة.. وهو أن حبرا من الأحبار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا محمد: إنا نجد أن الله عز وجل يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع. فيقول: (أنا الملك)، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَإلى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67]([29])

ذكر هذه الرواية ليبين عظمة الله، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضحك تصديقا لليهودي، فقلت له: ألا ترى يا شيخا أن تفسير ضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك لا يستقيم مع الآية الكريمة التي قرأها.. ولهذا فقد يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضحك لخفة عقول اليهود، ولعدم تقديرهم لله حق قدره.

وقد كنت قرأت في الأزهر أن الفخر الرازي قال ـ تعليقا على الرواية ـ نقلا عن الزمخشري صاحب (الكشاف) ـ: (وإنما ضحك أفصح العرب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أول كل شيء وآخره على الزبدة والخلاصة، التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام ولا تكتنهها الأذهان هينة عليه)

غضب الشيخ غضبا شديدا لترديدي لأسماء يمقتها ويكفرها من أمثال الرازي والزمخشري، وقال: أرى أن لوثات الأزهر علقت في رأسك.. وتحتاج إلى التخلص منها حتى يخلص لك دينك، وحتى لا تقع في الشرك الأكبر.

قلت له: وما علي أن أفهم من الحديث حتى يخلص لي ديني؟

قال: أن تفهمه كما هو.. كما يفهمه العوام.. فهذا الحديث قد نص على عقيدة من العقائد الكبرى التي اتفق عليها سلف أهل السنة وخلفهم.. وهي أن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع.. أي أن الله له خمس أصابع.. ويوزع عليها كل أولئك المخلوقات.. ألا يكفيك هذا لبيان عظمة الله؟

كبر أصحابي لقول الشيخ إلا أنا.. فقد رحت أقول له: ولكن عند عرض هذا الحديث على العلم يتبين لنا مدى ضحالة ما طرحه اليهودي من معان.. فقد ذكر أن الله تعالى (وضع السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع)، انطلاقا من أن السموات في حجمها ـ في تصوره ـ تساوي الأرض، ولذلك وضعت السموات جميعا بنجومها ومجراتها في أصبع، والأرض في أصبع أخرى.. وكأنها تساويها في الحجم أو الكتلة.. وهذا خلاف الحقائق العلمية التي تنص على أن الأرض لا تساوي شيئا أمام هذا الكون الواسع..

غضب الشيخ غضبا شديدا، وقال: ومن أين عرفت حجم وكتلة الأرض أو السموات حتى تتكلم عنها؟

قلت: لقد ذكر الفلكيون هذا..

قاطعني بشدة، وقال: ومن أين للفلكيين هذا.. ألم تقرأ ما كتبه علماؤنا في حرمة تعلم علم الفلك.. ألم تقرأ وأنت في الأزهر تلك الكتب الكثيرة التي ألفوها في الرد على أباطيل الفلكيين الكفرة المنجمين.. ألم تقرأ كتاب (الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة) للشيخ التويجري، وغيرها من الكتب؟

قلت: إن قولك هذا يوقعنا فيما وقع فيه رجال الدين المسيحي حينما تبنوا بعض النظريات العلمية، وربطوها بالدين، ثم حاربوا كل من يقول بخلافها واعتبار القول به هرطقة.

قال: مثل ماذا؟

قلت: مثل دوران الأرض حول الشمس.. فقد اعتبروا القول بهذا هرطقة.

قال: وصدقوا في ذلك.. ألم تقرأ كتاب (دوران الأرض حقيقة أم خرافة) لعادل العشري، وكتاب (هداية الحيران في مسألة الدوران) لعبد الكريم بن صالح الحميد، وكتاب (الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب) لابن باز.. وقد قال بعض علمائنا في ذلك: (ومن قال بدوران الأرض وعدم جريان الشمس فقد كفر وضل، ويجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً، ويكون ماله فيئاً لبيت مال المسلمين)

وقد نصَّ على (أن كثيراً من مدرسي علوم الفلك ذهبوا إلى القول بثبوت الشمس ودوران الأرض، وهذا كفرٌ وضلال وتكذيبٌ للكتاب والسنة وأقوال السلف،وقد اجتمع في هذا الأمر العظيم النقل والفطرة وشاهد العيان فكيف لا يكون مثل هذا كافراً)

وقد حاجَّهم بقوله:(لو أن الأرض تتحرك لكان يجب أن يبقى الإنسان على مكانه لا يمكنه الوصول إلى حيث يريد، لذلك فالقول بهذه المعلومات الطبيعية وتدريسها للتلاميذ على أنها حقائق ثابتة يؤدي إلى أن يتذرع بها أولئك التلاميذ على الإلحاد حتى أصبح كثير من المسلمين يعتقدون أن مثل هذا الأمر من المسلمات العلمية)

واستدل لهذا بأنَّه (لو كانت الأرض تدور كما يزعمون لكانت البلدان والأشجار والأنهار لا قرار لها، ولشاهد الناس البلدان المغربية في المشرق والبلدان المشرقية في المغرب، ولتغيرت القبلة على الناس، لأن دوران الأرض يقتضي تغيير الجهات بالنسبة للبلدان والقارات هذا إلى أنه لو كانت الأرض تدور فعلاً لأحسَّ الناس بحركة كما يحسون بحركة الباخرة والطائرة وغيرها من المركوبات الضخمة)

وقد وصف المسلمين الذين يؤمنون بكروية الأرض بأنهم بعيدون عن استعمال عقولهم وأنهم أعطوا قيادهم لغيرهم، فأصبحوا كبيهمة الأنعام العجماء بعد أن فقدوا ميزة العقل.

وقد خلص في الأخير إلى أن (القائل بدوران الأرض ضال قد كفر وأضل كذَّب القرآن والسنة، وأنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً، ويكون ماله فيئاً لبيت مال المسلمين).

ثم قام من مكانه، وأخرج لي كتابا بعنوان (الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة)، ثم راح يقرأ منه: الرد على من قال: (الأرض سابحة في الجو معلقة بسلاسل الجاذبية وقائمة بها.. ونقول أما قولهم إن الأرض سابحة في الجو فهذا باطل ترده الآيات والأحاديث الدالة على سكون الأرض وثباتها. ويرده أيضاً إجماع المسلمين على ثبات الأرض وسكونها. وقد تقدم كل ذلك فليراجع وأما قولهم إنها معلقة بسلاسل الجاذبية فهذا باطل يرده قول الله تعالى (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) وقوله تعالى (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) فالسماء قائمة بأمر الله تعالى وإمساكه لها من غير عمد والأرض قائمة بأمر الله تعالى وإمساكه لها من غير سلاسل)([30])

بعد أن قال لي هذا.. انهار كل البنيان الديني الهش الذي كنت بنيته لنفسي، وبناه لي قومي.. وكان في إمكاني أن أعود إلى الأزهر لأصحح الأخطاء الكثيرة التي أوقعني فيها قومي.. فقد كان فيه أعلام كبار يجمعون بين الدين والعلم، ولا يقولون بالتناقض بينهما.. وكان في إمكاني أن أذهب إلى الحوزات العلمية، لأستمع لكلام المتكلمين والفلاسفة عن تنزيه الله عن كل سمات الجسمية والحدوث.. لكني لم أفعل.. لأني كنت قد بدأت بالصراع معهما، قبل أن أكتشف الخدعة الكبرى التي كنت ضحية لها.

لقد كتبت معبرا عن ذلك، وعن التصورات التي بثها في نفسي مشايخ طائفتي، أقول: (إن البشر يضعون في اذهانهم صورة للإله، لو انها تجسدت كائناً حياً خارجياً مرئياً يعمل في الكون والحياة والمجتمع الذي يعيشون فيه على المكشوف والرؤية، ويعاملهم بالصفات التي تخيلوها وتمنوها له لأصبح لديهم أبشع كائن لا يمكن أن يقبلوا التعامل معه، ولا أن يكون لهم صديقاً وعليهم حاكماً، ولا أن يكون مجرد مواطن لهم، بل لكان محتوماً ان يحكموا عليه بالإعدام. ولا يوجد بين المؤمنين بهذا الإله على النحو الذي تصوروه من يرضى لنفسه بأن يعيش بالصفات التي اختاروها وألفوها له، أو يرضى بأن يكون إلهاً هذا الإله)([31])

وقلت: (كل الناس يعبرون عن عقائدهم ومذاهبهم ويفسرونها باستعداداتهم ورغباتهم لا بنصوص ولا بروح تلك العقائد والمذاهب ـــ بل لا يوجد من يعبر عن دينه أو مذهبه حين يعمل أو يفكر وإنما يعبر عن وجوده، فصفات المجتمع هي التي تفسر دينه وتعبر عنه لا روح ذلك الدين ولا نصوصه، كما أنها هي التي تصوغه، اذن فالأديان والمذاهب ليست مذمومة ولا ممدوحة إذا هان أهلها أو عظموا، وكذا إذا انحرفوا أو استقاموا) ([32])

كان في إمكاني بعد قولي هذا أن أقوم برحلة للبحث عن الدين الحقيقي، أو عن الحقيقة في الأديان والمذاهب، لكنني لم أفعل.. بل اعتزلت الدين كليا، واعتزلت أهله جميعا المحق منهم والمبطل، ورحت ألتمس أصحابا جددا.. كان من أولهم تلك المرأة المتحررة [هدى الشعراوي]، التي جلست إليها كما يجلس المريد إلى شيخه، فراحت تشنع على تلك العادات السخيفة التي ربطها قومي بالدين، فاستعبدوا المرأة وأذلوها.. وكان في إمكاني أن أصحح لها الخطأ الذي وقعت فيه.. وأذكر لها بأن ما عليه قومي ليس سوى عادات جاهلية بائدة لا علاقة لها بالدين.. لكن نفسي نفرت أن تسب قومي، فراحت تسب الدين نفسه، وتتمرد عليه، على الرغم من أن تشريعاته تحوي كل التكريم والصيانة والاحترام للمرأة وللإنسان ولكل شيء.

لقد سألني بعض أصحابي عند خروجي من عندها: من أين أقبلت؟ فقلت: من عند هدى شعراوي، فقال مستغربًا: هدى شعراوي؟ قلت: نعم، قال: وما تصنع عندها؟ قلت: تعلمت منها علمًا لا يعرفه علماء الأزهر، قال: ماذا تعلمت منها؟ قال: تعلمت منها كيف أحطم هذه الأغلال([33]).

بعد ذلك اللقاء كتبت مجموعة كتب لي.. أزعم أنها شريكتي فيها.. فقد كنت أضع صورتها بين عيني، وهي تحدثني عن تحطيم الأغلال.. وبعدها أحول قلمي إلى معول، وأحطم به ما كنت أرى أنه أغلال.. ومن تلك الكتب كتابي (هذه الأغلال).. و(أيها العقلُ مَن رَآك).. و(الإنسان يَعْصِي لهذا يَصْنَعُ الحَضَاراتِ).. و(هذا الكون ما ضميره)

لقد بلغ من جنوني وتمردي أني رحت أخاطب الشمس، وأطالبها بالتمرد على إلهها الذي خلقها، وعلى الوظيفة التي جبلت عليها، وتقبلتها وهي طائعة.. لقد قلت في كتابي [هذا الكون ما ضميره]: (إن الشمس ـ هذا الجرم الأبله الهائل الذي هو أكبر وأضخم وأجمل كائن دميم نراه في هذا الكون ـ لو أنها كانت تستطيع الاحتجاج على نفسها، وعلى كينونتها، وعلى سلوكها المثير في بلادته، لكان من المحتوم أن تبحث عن بحر كوني يتسع لبدانتها الجوفاء، لكي تموت فيه منتحرة غرقاً!)

وقلت بجنون وبلاهة: (لقد ظلت الشمس ـ مجد هذا الكون الذي نراه ـ في وقفتها الطويلة الخرساء، وفي دورتها الغبية المتسكعة، تعرض بافتضاح جسدها المزخرف، مثلما تفعل أجهل غانية رخيصة مستهترة، وتبدد طاقاتها الجزافية التي لا تعرف كيف ولا لماذا ملكتها بلا حساب، أو ذكاء، أو تدبير. وتواجه هذا الكون، والناس، والآلهة، واالحشرات، والفراغ الرهيب العقيم دون أن ترفض، أو تغضب، أو تبكي، أو تحزن، أو تمرض، أو تقاوم، أو تسأل: لماذا أنا، إلى أين أساق، من فعل بي ذلك. لمصلحة من، ما الهدف، ما البداية، ما النهاية، متى الاستراحة، من أين؟)

وقلت مخاطبا الكون جميعا أدعوه للتمرد: (لماذا لم يرفض الكون نفسه، لماذا لم يمت انتحاراً، أو اشمئزازاً مما يمارس ويواجه ويرى؟ لماذا لم يمت حزناً على المتألمين والمقهورين، وعلى الباحثين عن العزاء؟ إنه لم يفعل، لأنه لايحتج)

هل رأيتم المدى الذي يصل إليه العقل الملحد.. العقل المغرور المكابر الذي يتعدى حده وطوره، ليتدخل فيما لا يعنيه، وفيما لا قدرة له عليه..

كان في إمكاني، وأنا العربي البليغ، أن أرجع إلى الرسالة التي أرسلها الله لي، وبين لي من خلالها سر الكون، ووظائف المكونات، وأنها في عبودية تامة لله، وأنها في منتهى السعادة والسلام لأدائها لأدوارها التعبدية التي لا نفقهها.

وكان في إمكاني أن أرجع إلى عقلي، فأرى قصوره وضعفه، فلا أتجاوز به حدوده..

وكان في إمكاني أن أرجع إلى العلماء الكبار الذين أفنوا أعمارهم في صحبة الكون، وكيف هداهم الله بالنظر إليه إلى الإيمان..

لكني لم أفعل ذلك، لأني كنت خزانا مملوءا بالحقد الذي أعماني عن رؤية الحقائق، وعن التعبير عنها.. فرحت أدعو إلى التمرد على كل شيء.. ليصدق علي ما ذكره بعضهم عني من أن إلحادي [إلحاد انتقامي]، لا أساس له من العقلانية، ولا البحث ولا النظر..

لقد كان مخائيل نعيمة محقا حين قال عن كتابي (العالم ليس عقلا): (إنه كتاب هدم ونفي من الطراز الأول.. هدم الآلهة والأخلاق والفضائل والثورات والمثل العليا والغايات الشريفة، ولاعجب فأنت في أول فصل تنفي أن يكون لوجود الإنسان أي معنى، والذي لا يعرف لوجود الإنسان ولعبقريته أي معنى كيف يكون لكلامه أي معنى؟ إن قلمك ليقطر ألما ومرارة واشمئزازا وحقدا على خنوع الجماهير لا العباقرة، ولو كان لمثل حقدك أن تصنع قنبلة لكانت أشد هولا من قنبلة هيروشيما)

لم يكن ميخائيل وحده من اكتشف جنوني وعقدي.. بل كل المتنورين الذي كنت أحاول التقرب إليهم ضاقوا مني، ومن حماقاتي.. لقد قال حسين مروة، الاشتراكي القومي عني: (يبدو لي أن أول ما ينبغي إيضاحه منذ الآن، هو أنه لم يكن عسيرا علي، وليس عسيرا على أي قارئ غيري، اكتشاف كون المؤلف [عبد الله القصيمي] خاضعا في معظم أفكاره وتأملاته وخواطره إلى عدد من الضغوط النفسية والفكرية العنيفة، التي يصح أن نجعلها كلها في حالة أو وحدة تؤلف ما نسميه بالأزمة، إذا لم نسمها عقدة)

هل رأيتم كيف اعتبرني مجنونا ومعقدا.. يحق له أن يقول ذلك.. فأنا لم أكن إلا كذلك.. لكن غروري منعني أن أكتشف حقيقتي..

ومثله قال أدونيس.. شيخ الحداثيين.. عني، فقد قال: (عبد الله القصيمي لا تستطيع أن تمسك به، فهو صراخ يقول كل شيء ولا يقول شيئا، يخاطب الجميع ولا يخاطب أحدا، إنه الوجه والقفا)

بل أنا عبرت عن نفسي، وعن أمراضها.. فقلت في كتابي (العالم ليس عقلا): (إن كل دموع البشر تنصب في عيوني، وأحزانهم تتجمع في قلبي، وآلامهم تأكل أعضائي.. ليس لأني قديس، بل لأني مصاب بمرض الحساسية)

وقلت: (دعوني أبكي، فما أكثر الضاحكين في مواقف البكاء، دعوني أحزن فما أكثر المبتهجين أمام مواكب الأحزان، دعوني أنقد فما أكثر المعجبين بكل التوافه، دعوني احتج على نفسي)

ليسوا كلهم انتقدوني.. بل فيهم من بالغ في مدحي والثناء علي، واعتبرني بطلا كبيرا.. وفيهم من هو موجود بينكم.. لكن الذي آلمني منهم صديق من أصدقائي قرأ كتابي [الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات]، وتأثر به كثيرا.. لهذا راح يرتكب جميع المعاصي ليتحضر ويتنور..

لاشك أنكم تعرفونه، ولعله الآن بينكم.. إنه صديقي([34]) [فهد بن صالح بن محمد العسكر ([35])] ذلك الشاعر الكويتي الماجن، الذي سلك سبيلي في الدعوة إلى التمرد على الأخلاق والفضيلة.. وكان من كبار المتشككين والساخرين بالأديان في شعره.

كان في بدايته محافظا مثلي.. لكنه عندما قرأ كتبي، وبعض كتب المتنورين من أمثالكم أصابته الحيرة والشك، فمال معها، وتعاطى الخمر وأدمنها، وطفح شعره بالكفر والاستهزاء والعهر والمجون.. إلى أن عمي في آخر عمره، ونصحه الأطباء بترك الخمرة فأبى، فساءت صحته جدا، وأدخل المستشفى فمات بعد فترة، ولم يصل عليه أحد من أهله، وقاموا بإحراق جميع أوراقه وبقايا شعره.

وكيف يحتفظون بأمثال قوله:

ليلة ذكرياتها ملء ذهني

  وهي في ظلمة الأسى قنديلي

ليلة لا كليلة القدر بل

  خير وخيرٌ والله من ألف جيل

أنا ديني الهوى ودمعي نبيي

  حين أصبو ووحيه إنجيلي

ليس هذا هو صديقي الوحيد الذي أعجب بأفكاري، وراح ينشرها بين الحمقى والمغفلين، بل منهم آخرون كثيرون.. أذكر الآن منهم بطلا من أبطال الإلحاد.. لاشك أنه الآن بينكم.. إنه أحمد حسن علي القبانجي([36]).. إنه لا يقل عني ولا عنكم كبرياء ولا غرورا.. لاشك أنكم سمعتم سخريته من الجنة والنار.. وقوله عن الجنة أنها حظيرة الأغنام.. وغير ذلك من الهرطقات التي أراد أن يتقرب بها إلى التنويريين.. فخسر دينه، وخسرهم.

في آخر هذه الاعترافات التي أدليت بها إليكم، أود أن أذكر لكم بعض كلماتي التافهة التي قلتها، وأنا في تلك النشوة الموهومة التي زينها الشيطان لي، كان بودي أن أنزه أسماعكم عنها، ولكن لا مناص لي من ذكرها، ففي هذا الفندق لا يمكن لأحد أن ينكر أي جريمة من جرائمه.

من كلماتي التي ربما تدلكم على بعض أسباب انتكاستي، وإلحادي قولي في كتابي [هذي هي الاغلال] الذي نشرته عام (1946م): (من المعلوم أن أوروبا يوم أن كانت مؤمنة بالكنيسة متدينة كانت في ذلك الهوان والضعف والعجز الذي نعرفه ونقرأه، فلما أن فرت من إيمانها وتنازلت عن ذلك الأمل الأخروي ! وجعلت الصناعة والتجارة والحياة الكبيرة القوية هي آلهتها التي وحدتها، وأبت الإشراك بها، صعدت بالحياة)([37])

وهذا كلام في منتهى الكذب والتزوير، وهو دليل على أنني كنت ضحية لمجتمعي وبيئتي، ولم أستعمل عقلي يوما في البحث المستنير عن الحقيقة، لقد كتبت ذلك الكلام بعد زيارة لي للسويد التي أخبرني أصدقائي من الملاحدة أنها المثال النموذجي للدولة الملحدة، وأنها مثال التحضر الذي ينشره الإلحاد..ولأجلها كتبت كتابي [الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات]

لكني.. وبعد كتابة ذلك الكتاب.. وبعد أن توهمت أنني قد ألقمت الإيمان والتدين حجرا لن يتكلم بعده أبدا.. في ذلك الحين التقيت رجلا سويديا عليه كل ملامح الأوروبيين الذين كنت أراهم نماذج للتحضر والتنوير والعقلانية.. ولكني فوجئت أنه كان مؤمنا، وأنه زار بلدي ليؤدي فريضة الحج.

سألته حينها ساخرا: كيف تهبط من فردوسك الأعلى إلى هذا الجحيم الذي نعيش فيه؟

قال لي: وكيف لا يهفو قلبي للمكان الذي دعا له إبراهيم عليه السلام، فقال: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37].. وأنا أرجو أن يجعل الله قلبي من تلك الأفئدة التي تهفو إلى بيته.

ضحكت ساخرا، وقلت: لو أنك أجريت مقارنة بسيطة بين بلدك، والبلاد التي تهفو إليها.. لعرفت أن الحق لا يمكن أن يكون إلا للعقول التي تسكن بلدك.

قال: في بلدي يوجد المؤمن والملحد.. والطيب والخبيث.. والمنحرف والمستقيم.. هو كسائر بلاد الله.. ولا يمكننا أن نبحث عن الحق في الجغرافية ولا في التاريخ.. وإنما نبحث عنه في عقولنا.. ألم تسمع قوله تعالى: { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]

ولو أن الحق كان تبعا للبلاد التي تنتشر فيها الحضارة، لكانت الروم وفارس هي بلاد النبوة، لا الصحراء التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

ضحكت حينها كثيرا من طريقة تفكيره، وقلت: نحن لا نتحدث عن فارس ولا عن الروم.. بل نتحدث عن السويد؛ أيقونة الإلحاد، وكاتدرائية الحرية في العالم.. ومحراب الديمقراطية([38]).

ابتسم بأدب وقال: إن كان الأمر كذلك فلم لا تنظر إلى بتسوانا وناميبيا وجامبيا وموريشيوس والسنغال.. فهي كلها دول أفريقية تُدار بأنظمة ليبرالية علمانية رأسمالية ديمقراطية منذ عشرات السنين ومع ذلك لا تزال تعيش في قمة التخلف..

لم لا تنظر إلى دولة ليبريا الإفريقية، فهي دولة تعمل بالدستور الأمريكي مباشرًة، وعملتها الدولار، وبها مجلس شيوخ، ومجلس نواب منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، وهي علمانية ليبرالية عتيقة، وأهلها ليبراليون جدًا.. يرقصون الشارلستون.. ويأكلون لبان تشكلس.. ويرتدون أحذية نايكي.. ومع ذلك فهي مُصنفة كأفقر دول العالم على الإطلاق.

قلت: لكن السويد وأوروبا تختلف تماما.

قال بأسف: وكيف لا تكون كذلك، وقد ملأت خزائنها من ثروات الشعوب الفقيرة المستضعفة التي استعمرتها؟

قلت: مع ذلك، فإن السويد من أكثر ديموقراطيات العالم نجاحاً.

قال: كلامك صحيح، لكن الذي لا تعرفه، ولا يعرفه الملاحدة العرب أن السويد دولة ملكية دستورية، يحكمها الملك كارل السادس عشر غوستاف، والحكم وراثي في السويد.. وهذا يعني أن القيادة والحُكم مرتبطة بالدم، لا برجاحة العقل أو الاختيار.

قلت: لكن دولة السويد دولة محايدة تماماً، وآخر حرب دخلتها كانت عام 1814.

قال: نعم هي لم تدخل حربا منذ آخر حملة عسكرية شنتها على النرويج عام 1814، لكنها في واقع الأمر ارتكبت جريمة خطيرة لا تقل عن جرائم الحرب نفسها، فقد سمحت للنظام النازي باستخدام سككها الحديدية لنقل الجنود والعتاد، وأمدت هتلر بالحديد والصلب من مناجمها التي تقع في شمال البلاد، بل إن عِماد الصناعة العسكرية النازية اعتمد بشكل أساسي وجوهري على حديد السويد..

قلت: يكفي أن أنها دولة مستقرة، وهي من أقل دول العالم جريمة.. وهذا دليل على القيم العظيمة التي يحملها الملاحدة.

قال: أخطأت في كلامك من جهتين.. من جهة معدلات الجريمة.. فهي في السويد مرتفعة للغاية مثلها مثل الكثير من البلاد التي يفخر بها الملاحدة.. حتى أن معدلات الاغتصاب في السويد هي الأعلى عالمياً، حيث تأتي في المرتبة الرابعة بعد فرنسا وألمانيا وروسيا، بل إنها تشرفت بأن تكون في عام 2009 دولة الإغتصاب الرسمية في أوربا.. وفي نفس العام ذكرت الإحصائيات أنه تم ارتكاب مليون ونصف جريمة، مع العلم أن عدد السكان في ذلك الوقت كان 9 مليون نسمة، وهذا ما يجعلها من أكثر دول العالم جريمة.

وأما خطؤك الثاني، فهو حكمك على جميع السويديين بالإلحاد.. وهذا خطـأ كبير، فطبقاً لإحصائية 2012 فإن 67 بالمائة من الشعب السويدي مسيحيون، إلى جانب 5 بالمائة مسلمون، والباقي يؤمنون بوجود خالق.. ونسبة ترك المسيحية بالفعل في ارتفاع ليس في السويد وحدها، وإنما في الاتحاد الأوربي كله، لأن الصورة التي تقدمها المسيحية للإله تجعل النسبة في ارتفاع باضطراد، وهذا لا علاقة له بالإلحاد الذي يتشوق إليه ملاحدتكم.

هذا بعض حديثي مع ذلك السويدي المسلم الذي أبصر الحقيقة بقلبه، فآمن بها، وسلم لها، ولم تشغله عنه كل الشهوات التي تمتلئ بها بلده.

هذا بعض ما جرى لي مع ذلك الرجل السويدي.. وقد كان رسالة من الله لي، لأستعيد وعيي، لكني لم أفعل.. بل رحت أصر على رأيي مدفوعا بكبريائي وغروري.

أذكر جيدا أنه بعد انصرافه عني، رحت إلى دفاتري أكتب أمثال هذه العبارات، لأنتقم منه، ومن انهيار حججي أمامه: (من الهزل أن الكون أو الإنسان مخلوق بمشيئة إله أو بعدله أو برحمته أو بقدرته أو بذكائه)([39])

وقلت: (فكيف يكون وجود الإله أفضل لنا؟ إن وجوده يعني محاسبتنا، ومراقبتنا، ويعني الثواب والعقاب، ويعني الجنة والنار)([40])

 وقلت: (إن الأفضل لنا إلا تكون فوقنا قوة هائلة مطلقة مثل قوة الإله تسلبنا الحرية وتحاسبنا أقصى محاسبة، وتضعنا تحت أقوى رقابة وتخيفنا بمشيئتها، ثم تحكم علينا بالخلود في الجنة، أو في الجحيم.. إن وجود الإله يجعلنا محكومًا علينا أن نعيش عراة ونشعر بأننا عراة) ([41])

 وقلت: (فهل من الأفضل حقًّا للإنسان أن يكون فوقه إله.. كيف يكون الأفضل للبشر أن يكون فوقهم طاغية..لأحد لقدراته ولغيرته ولغضبه ولحبه لذاته ولبحثه عن المجد الذاتي)([42])

وقلت: (إننا في حالة آلية الكون نكون فيه سادة، نحكمه ونوجهه كما نشاء بقدر ما نستطيع، أما في حالة روحانيته وعبوديته، فإننا نكون فيه عبيدا مقهورين بقوة غيبية مثله لا نستطيع أن ننتصر عليها، ولا أن نتفاهم معها، أو نعرف متى تفعل، أو تكف عن الفعل، متى توقف النهر أو إلى متى تتركه جاريا)([43])

وقلت: (إني أتشاءم بحرارة ومعاناة وإيمان.. تشاؤمي نوع من الاحتجاج ضد الكون، وضد الآلهة وضد نفسي.. إني أتشاءم لأني لا أستطيع أن أكون إلهًا) ([44])

وقلت: (إن الدعاء والصلاة اتهام لله بليد ! إنك إذا دعوت الله، فقد طلبت منه أن يكون أو لا يكون.. إنك تطلب منه حينئذ أن يغير سلوكه، ومنطقه وانفعالاته.. إنك إذا صليت لله فقد رشوته لتؤثر في أخلاقه، ليفعل لك طبق هواك، فالمؤمنون العابدون قوم يريدون أن يؤثروا في ذات الله، أو يصوغوا سلوكه، لأن الصلاة والدعاء ليستا إهانة لله فقط؛ إنهما أيضًا إفساد للداعي والمصلي، وإنهما تقوية له على الرشوة وعلى نفي القانون والعدالة، والذي يتعلم رشوة الله، وينكر قوانين الأشياء، هل يمكن أن يكون في سلوكه أو تفكيره فاضلاً أو ذكيًّا؟.. إن الذي يصلي لله لا يريد أن يتصدق على الله بصلاته.. إذن هو يرشوه، إنه يريد منه أن يغير سلوكه، وإرادته وأن يفعل ما ليس فاعلاً.. أن يفعل إرادة المصلي ثمنًا لصلاته) ([45])

هذا بعض ما سطرته يداي في كتبي عن الله، وأنا ممتلئ حقدا عليه، وعلى قومي الذين كنت أستحيي منهم، ومن بلادتهم وتخلفهم، فرحت بدل أن أصب جام غضبي عليهم، أصب جام غضبي على الله.

أما مقولاتي عن القرآن الكريم، والذي تجلى الله فيه لعباده ليعرفوه، ويعرفوا عدله ورحمته وحكمته، ويعرفوا من خلاله أسرار الوجود والكون والحياة والإنسان، فقد رحت ـ بكبريائي، وبدواعي الانتقام التي أنشأها في قومي ـ أصب عليه كل ألوان حقدي، لقد قلت فيه: (إن معارضة القرآن ومحاولة التفوق عليه شيء واجب على المؤمنين أن يوجدوه ليحققوا للقرآن رغبة الضجيج، والاعلان والتوتر، والمخاصمة)([46])

سأكون صادقا معكم ومع نفسي، فإن الذي دعاني إلى قول هذا هم أولئك الأدعياء من قومي الذين راحوا يعارضون الحقائق العلمية الثابتة بما تفهمه عقولهم البسيطة من القرآن الكريم.. في نفس الوقت الذي راحوا يتهمون فيه كل مسلم مؤمن عالم بكونه ضحية للعلوم الحديثة.. وبما أني وضعت خيارين فقط لنفسي: إما الإلحاد أو دين قومي، فقد اخترت الإلحاد على دين قومي.

في تلك الأيام سمعت بطبيب فرنسي أسلم يقال له [موريس بوكاي]، وقد تعجبت من إسلامه.. بل عجبت من إيمانه بالله.. وعندما أتيحت لي الفرصة سألته عن سره، فقال لي، وهو يشير إلى كتاب في يده يحمل عنوان [القرآن والتوراة والإنجيل والعلم: دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة]: هذا الكتاب يجيبك عن سؤالك.

فقلت: أجبني أنت.. وسأقرأ الكتاب لاحقا.

فقال: لقد كنت في يوم من الأيام ملحدا، وأردت أن أثبت إلحادي بنقد المصادر المقدسة للأديان الكبرى، ووجدت أن أحسن طريقة لذلك هي عرضها على منتجات العلم الحديث.. وبالفعل، قمت بدراسة مقارنة للكتب السماوية الثلاثة.. واستغرقت مني الدراسة عشرين عاماً.

قلت: فما النتيجة التي خلصت إليها؟

قال: لقد قمت أولاً بدراسة القرآن الكريم، وذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة، باحثاً عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث، وكنت أعرف قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات، أن القرآن يذكر أنواعاً كثيرة من الظواهر الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة، وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أي مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث، وبالموضوعية نفسها قمت بالفحص نفسه على العهد القديم والأناجيل.

أما بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول، أي سفر التكوين، فقد وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخاً في عصرنا، وأما بالنسبة للأناجيل فإننا نجد نص (إنجيل متى) يناقض بشكل جلي (إنجيل لوقا)، وأن هذا الأخير يقدم لنا صراحةً أمراً لا يتفق مع المعارف الحديثة)([47])

قلت حينها لنفسي: (لو كان كاتب القرآن إنساناً، كيف استطاع في القرن السابع الميلادي أن يكتب ما اتضح أنه يتفق مع المعارف العلمية الحديثة، في الخلق وعلم الفلك، وعلوم الأرض والحيوان والنبات، والتناسل الإنساني التي تعكس التوراة أخطاء علمية ضخمة بشأنها؟ ليس هناك أي مجال للشك، فنص القرآن الذي نملك اليوم هو فعلاً النصّ الأوّل نفسه، ما التعليل الإنساني الذي يمكن أن نعطيه لتلك الملاحظة؟ في رأيي ليس هناك أي تعليل، إذ ليس هناك سبب خاص يدعو للاعتقاد بأن أحد سكان شبه الجزيرة العربية استطاع ـ يومها ـ أن يملك ثقافة علمية تسبق بحوالي عشرة قرون ثقافتنا العلمية فيما يخص بعض الموضوعات) ([48])

قلت: لكن قومك من الباحثين المحققين يذكرون أن محمدا نقل كتابه من الكتب السابقة.

قال: دعني من ترهاتهم وأحقادهم.. ولتفترض معي أن محمداً تلقى كتابه عن الآخرين من أهل الكتاب، فمن الذي أعطاه القدرة على تمييز الخرافات الواردة في تلك الكتب عن غيرها.. وكيف لم ينقل من خرافاته ما اتضح بعد ذلك للأجيال.. أليس هذا وحده كاف لإثبات نبوته؟

طبعا، بعد انصرافه عني لم أقرأ الكتاب، بل ذهبت وأحرقته خشية أن أعود للإيمان من جديد.. فقد كنت ضحية للإلحاد الانتقامي.. وهو نوع مرضي لا يجدي معه أي شفاء.

قال ذلك.. ثم غرق في صمت عميق.. مملوء بكل ألوان الألم والندم.

صادق جلال العظم:

ما هي إلا لحظات حتى سمعت قرع أقدام، سمعت بعدها الصوت الأول يقول: سيتقدم الآن علم من أعلام الإلحاد الكبار.. له قصة لا تختلف كثيرا عن القصص التي سبق لكم أن سمعتموها.. إنه صادق جلال العظم ([49]).. أدعه ليحدثكم، فخير من عبر عن الإنسان لسانه.

سمعت قرع أقدام.. بعدها سمعت صوتا ممتلئا ألما، راح يقول: لاشك أنكم تعرفونني، وأنني لم يتح لي ما أتيح للقصيمي أو لمسلييه من العيش في جو ديني.. فأبي، وهو من أصل تركي، كان من العلمانيين المعجبين بتجربة كمال أتاتورك في تركيا([50]).. ولهذا نشأت في جو علماني متحرر، لا يعرف أحكام الدين، ولا يهتم لها، ولا ينفذها.. لم يكن أحد حولي يصلي أو يصوم.. بل كانوا يسخرون من الصلاة والصوم.. ويعتبرون التدين رجعية، ويعتبرون الإلحاد تنويرا.

بعد أن شببت عن الطوق رحت أدرس الفلسفة، وكانت رسالتي للأسف عن الفيلسوف (كانط).. ليتها كانت عن الغزالي أو ابن سينا أو فولتير.. ولم تكن عن كانط.

لقد رحت أحفظ كتابه (نقد العقل الخالص) عن ظهر قلب.. وكان هو السند الذي اعتمدت عليه في فكري المعادي للدين ولله ([51]).. ففلسفة كانط شكلت خطوة مهمة في توجهي نحو الإلحاد..

لقد وجدت في نقده للعقل الخالص نقدا مهما لقدرات العقل، وإبعاده عن الانشغال بالدين، وبما وراء الطبيعة.. ذلك أنه انطلق من فيزياء نيوتن الموغلة في الحس، فخلص إلى الحد من مجال العقل.

لقد رحت من خلال دراستي لكانط أميز بين الظاهرة، والحقيقة.. وانتهيت إلى أن العقل البشري محصور في قدرته المعرفية على عالم الظاهر، ولا يمكن أن يبحث في حقائق الأشياء، ولا يحق له أن يسأل عنها، ولا عن مصدرها.

لم أكن وحدي في ذلك التأثر بكانط، فقد استثمر هذه الفكرة كل الفلسفات الناقدة للدين.. فهي جميعا تبشر به، وتوظفه على نحو مغاير لمقصوده هو نفسه.

ذلك أنه في القسم الخاص من كتابه [نقد العقل الخالص]، والذي عنونه بـ [الجدل المتعالي] وقف متسائلا عن سبب نزوع العقل البشري إلى تجاوز عالم الحس والتجربة، مذكرا بأفلاطون الذي وقف كثيرا عند نزوع العقل إلى التدين والتفكير فيما وراء العالم الحسي.

وبذلك، فإن كانط اعترف بأن هذه المجاوزة ذات حافز طبيعي يوجد داخل كينونة العقل، وليست مجرد افتعال أو سلوك من الترف الذهني، كما أنه في كتابه [نقد العقل الخالص] كان يرى أن العقل البشري عاجز عن إنتاج حقيقة فيما وراء عالم الحس، منتهيا إلى الاستحالة العقلية لتأسيس معرفي للميتافيزيقا، ولذلك عاد في كتابه [نقد العقل العملي] إلى تأسيس الدين على أساس أخلاقي، لا أساس معرفي.

اعذروني إن كنت قد أقحمتكم معي في هذه الأحاديث.. وأنا لا أريد أن أعتذر لكم من خلال ذكرها لكم عن نفسي، ولا أريد أن أجعلها مبررا لإلحادي، فأنا قد وفر الله لي في الفترة التي عشتها في عالم الدنيا الكثير من الفرص للمراجعة والتوبة، لكني لم أستفد منها.. فقد قام الكثير من الأعلام والمشايخ والمثقفين بتتبع أطروحاتي ومناقشتها والرد عليها، ودعوتي إلى التوبة منها.. لكني كنت أتكبر عليهم جميعا([52]).. وأنظر إليهم باحتقار، لأني كنت أعتبر نفسي الوحيد الذي يعقل، والوحيد الذي يحق له أن يتحدث باسم العقل والعلم.

لقد رحت أكتب في الرد عليهم كتابي [نقد الفكر الديني]([53]) الذي اعتبره أصحابي من الملاحدة دستورهم وقرآنهم وإنجيلهم، يستشهدون بما فيه، وكأنه حقائق مطلقة.

وكنت لا أقصد بالدين الرؤية البشرية له، أو التطبيق التاريخي لمعانيه وقيمه.. بل كنت أقصد به الدين نفسه.. أو كما عبرت عن ذلك بقولي في كتابي بأن الدين: (مجموعة المعتقدات والتشريعات والشعائر والطقوس والمؤسسات التي تحيط بالإنسان لا باعتباره ظاهرة روحية نقية وخالصة)([54])

ولهذا فإن نقدي كان لمعتقدات وقيم الدين المقدس نفسه، لا الدين الذي فهمه البشر، وطبقوه، وأخطأوا في تطبيقه..

وقد وظفت كل شيء لأصرف الأبصار عن الدين، وأحوله إلى الإلحاد والمادية والتنوير والحضارة التي كنت أتوهمها..ولهذا فإن كتابي شمل موضوعات كثيرة كلها تصب في بحر واحد.. بحر الإلحاد..

لقد رحت ـ بحقدي الدفين على الدين ـ أعلق عليه كل قيم التخلف والرجعية والهزيمة، حتى انتكاسة 1967، والتي حصلت تحت شعارات مختلفة ليس من بينها شعار الإسلام.. علقتها على الدين.. لقد رحت أقول: (تبين بعد هزيمة 1967 أن الإيديولوجية الدينية هي السلاح النظري والأساسي والصريح للرجعية العربية في حربها ومناوراتها على القوى الثورية والتقدمية في الوطن.. كما أن بعض الأنظمة التقدمية العربية وجدت في الدين عكازا تتكئ عليها في تهدئة الجماهير عن طريق مماشاة التفسيرات الدينية والروحانية للانتصار الإسرائيلي والخسارة العربية وصمتها حول انتظار النصر الجديد من عنده تعالى)([55])

هل رأيتم المدى الذي وصل إليه كذبي وتزويري للحقائق؟ فما علاقة الإسلام بالهزيمة؟.. وهل الهزيمة هي التي تحدد صوابية الحقائق أو خطأها؟.. وهل هناك مذهب في الدنيا تحققت له الانتصارات الدائمة؟.. وهل الانتصارات هي علامة الحقانية؟

ثم إن المعركة مع إسرائيل كانت باسم القومية العربية، لا باسم الإسلام.. وجميع الأنظمة تبرأت من الإسلام خوفا من الحرب الدينية..

لقد رد بعضهم علي حينها يقول: (يدعى الدكتور العظم أنه يثور على الدين لأجل ثورة فلسطين.. ولكن ما هي علاقة الموقف الثوري بالصوم والصلاة؟.. أمن الضروري أن نخسر فلسطين إذا صمنا وصلينا، ثم أمن الضروري أن نسترجع فلسطين إذا كفرنا وألحدنا؟)([56])

ورد علي حينها آخر بقوله: (ببالغ من التزييف الوقح بدأ الملحدون من أجراء صانعي الهزيمة العربية في عام 1967م يحمِّلون الدين وزور الهزيمة التي اصطنعوها، وكانوا قبل المعركة وفي أثنائها قد عزلوا الدين عزلاً كلياً عن جميع ساحاتها، حتى لم يبق له صوت ولا سوط يرتفعان، ثم يقولون: إن سبب الهزيمة هو وجود رواسب من الذهنيات الدينية الغيبية الاتكالية عند الثوريين الذين قادوا المعركة)([57])

والعجيب أنني وأصحابي من الملاحدة، والذين علقنا الهزيمة على الإسلام، لم ننبس ببنت شفة بالحديث عن حرب رمضان عام 1973م، والتي أظهرت لي، وللناس جميعاً ما للعقيدة من تأثير كبير في تحقيق النصر..

لم أكتف بربط الدين بالانتكاسة التي حصلت عام 1967.. وإنما رحت بكبريائي أربط بين الدين والجهل.. وأعتبر العلم مناقضا للدين.. بالرغم من أن الإسلام يحث على طلب العلم، ويؤكد على التوافق والتناسق بين العلم والدين.

لكنني كنت أرفض ذلك، وأقول: (النظرة الإسلامية نظرة غائبة تعتمد في تفسيرها لطبيعة الكون على العلل الغائبة والأهداف السامية وعلى مفاهيم أخلاقية مثل الحق والعدل، فهي لا تنسجم مع النظرة العلمية التي تسود العالم المعاصر وثقافته)([58])

لقد كنت بقولي هذا أقابل النظرة الإسلامية بما سميته [النظرة العلمية في تفسير طبيعة الكون]، وأنا أقصد من [النظرة العلمية] ذلك النتاج العقلي الوارد إلينا من المجتمعات الغربية، باعتباره نتاجا غير قابل للمناقشة والمراجعة والمواجهة النقدية..

قلت ذلك لأعزل الوحي الذي هو منحة الله لعباده لتحصيل المعرفة الصحيحة بالعالم الغيبي، ذلك أنه لا يمكن إدراك حقائق ذلك العالم من دون اتصال الله بعباده، وإخباره عما غاب عنهم، وعما يراد منهم وبهم.

وليس في ذلك أي مناقضة للعقل، ذلك أن برهان العقل هو الذي دلنا على أن ما يخبرنا به الرسول عن طريق الوحي صدق وحق..

والمشكلة التي كنت أعاني منها كما كان يعاني منها أكثر التنويريين هو تصورهم أن منهج البحث عن الحقيقة واحد مع أنه يختلف باختلاف الموضوع المراد البحث فيه.. فكل وسيلة صحيحة تعطينا صورة صادقة عن الواقع والحقيقة هي وسيلة يجب الاعتماد عليها والثقة بها في تحصيل المعرفة، والمرجع الأول والأخير دائماً هو الواقع، وبالواقع تقاس النتائج.

لن أحدثكم عن هذا الآن، فما اجتمعنا هنا لنناقش مثل هذه المسائل، ولهذا سأدخل في صلب الموضوع.. وهو موقفي من الله.. والذي تأسست عليه كل مواقف حياتي، فلو كنت أعرف الله، وأؤمن به، وأقدسه، وأعرفه حقه، لما كنت الآن بينكم.

لقد اختصرت موقفي الحاقد من الله في قولي: (وهل باستطاعتنا أن ننكر أن الإله الذي مات في أوربا بدأ يحتضر في كل مكان تحت وقع تأثير المعرفة والتقدم الصناعي والمناهج العقلية في تقصي المعرفة والاتجاهات الثورية في النمجتمع والاقتصاد؟)!! ([59])

هل رأيتم كيف رحت أنادي بما نادى به (نيتشه) من موت الإله.. وهل رأيتم القياس الفاسد الذي استعملته، والمغالطة الجدلية التي يحتوي عليها.. فأي علاقة للتقدم العلمي، والمناهج العلمية، والتقدم الصناعي، والمناهج العقلية في تقصي المعرفة.. وأي علاقة للاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد بذلك..

لقد كنا نتعمد خلط أمثال هذه العبارات وحشرها في كل مكان، ومع كل مناقشة، للتمويه والتضليل، وكأن التقدم العلمي والصناعي للإلحاد وحده، وليس للإيمان، مع أن الدنيا جميعها وما فيها من ماديات قد كانت وما زالت ولن تزال حتى تقوم الساعة للمؤمنين والكافرين وغيرهم على سواء، ضمن سنن الله الثابتة التي لا تتغير، وهي مجال مفتوح لكل الناس، إذ يمتحن الله بها إرادتهم وسلوكهم في الحياة، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً.

لم أكتف بذلك، بل رحت أحاول بمغالطة أخرى استعملها كل الملاحدة، وفي كل العصور أن أقضي على أساس الدين، وهو وجود الله، وطرح ذلك التساؤل الأبله [إذا كان الله قد خلقنا وخلق العالم من حولنا فمن خلق الله؟]

لقد قلت معبرا عن ذلك: (عندما تقول لي: إن الله هو علة وجود المادة الأولى التي يتألف منها الكون، وأسألك بدوري: وما علة وجود الله؟ إن أقصى ما تستطيع الإجابة به: لا أعرف إلا أن وجود الله غير معلول، ومن جهة أخرى عندما تسألني: وما علة وجود المادة الأولى فإن أقصى ما أستطيع الإجابة به: لا أعرف إلا أنها غير معلولة الوجود، في نهاية الأمر اعترف كل منها بجهله حيال المصدر الأول للأشياء. ولكنك اعترفت بذلك بعدي بخطوة واحدة، وأدخلت عناصر غيبية لا لزوم لها لحل المشكلة. والخلاصة، إذا قلنا: عن المادة الأولى قديمة وغير محدثة أو إن الله قديم وغير محدث، نكون قد اعترفنا بأننا لا نعرف ولن نعرف كيف يكون الجواب على مشكلة المصدر الأول للأشياء، فالأفضل إذن أن نعترف بجهلنا صراحة ومباشرة عوضاً عن الاعتراف به بطرق ملتوية وبكلمات وعبارات رنانة. ليس من العيب أن نعترف بجهلنا، لأن الاعتراف الصريح بأننا لا نعرف ما لا نعرفه من أهم مقومات التفكير العلمي، وتعرفون أن العالم ملزم على تعليق الحكم عندما لا تتوافر لديه الأدلة والشواهد والبراهين الكافية لإثبات أو لنفي قضية ما. هذا هو الحد الأدنى من متطلبات الأمانة الفكرية في البحث الجاد عن المعرفة والحقيقة)([60])

لا تحسبوا أن هذه الأطروحة من إبداعي، فأنا لم أكن سوى بوق ينعق بما يسمعه من أساتذته في الإلحاد.. لقد ردد هذا القول قبلي [هيوم] حين قال: (إذا كان لابد لنا من البحث عن علّة لكل شيء، لوجب إذن أن نبحث عن علّة للإله نفسه)

ورددها (هربرت سبنسر)، فقال: (استمع إلى هذا الناسك المتدين، هاهو ذا يقصّ عليك علّة الكون، وكيف نشأ، فخالق الكون عنده هو الله، ولكنه لم يفسّر بهذا الرأي من المشكلة شيئاً، ولم يزد على صاحبه (أي: المنكر للخالق) سوى أن أرجعها خطوة إلى الوراء)

وكنت ـ تبعا لهم ـ أرددها كل حين، حين كنت أقول للرفقاء الذين لا يزال فيهم بعض البصيص من الإيمان: (ألستم تقولون: إن كل موجود لا بد له من موجد، وإن هذا الكون موجود فلا بد له من موجد، وأن ذلك الموجد هو الله؟)، فيقولون: بلى. عندئذ أقول لهم: (إذن بما أن الله موجود، فلا بد له من موجد)، فلا يجد المساكين بما يجيبونني.

كان في إمكاني أن أعلمهم الجواب الصحيح على السؤال، لكني لم أفعل، لأني لم أكن لأستطيع أن أمرر عليهم أفكاري، وهم يعتقدون بوجود إله.. فأفكاري التي كنت أزعم أنها أفكار تنويرية كانت تستدعي قطيعة تامة بينهم وبين الله.

أنا لا أعذرهم بذلك، فقد كان في إمكانهم أن يردوا علي قائلين: إن مقدمتك القائلة (كل موجود لا بد له من موجد) مقدمة كاذبة غير صحيحة، فالخبير لا يسلم بها لفسادها، وإنما يقول بدلها: (كل موجود حادث لم يكن ثم كان لا بد له من محدث)، ثم يقول: (وهذا الكون موجود حادث لم يكن ثم كان بشهادة العقل وبشهادة البحوث العلمية)، عندئذٍ تتحصل النتيجة على الوجه التالي: (إذن فلا بد لهذا الكون من محدث)، وهذا المحدث للكون لا بد أن يكون موجوداً أزلياً غير حادث، ولا بد أن يكون منزهاً عن كل الصفات التي يلزم منها حدوثه، حتى لا يحتاج إلى موجد يوجده.

لقد كانت مغالطتي ومغالطة جميع الملاحدة قائمة على التعميم، إذ وضعنا (كل موجود) بدل (كل موجود حادث)، ومعلوم أن عبارة (موجود) تشمل الموجود الأزلي والموجود الحادث.

فالخالق موجود أزلي ليس له من الصفات ما يلزم منها حدوثه، ووجوده هو الأصل، فلا يسأل عن علة وجوده عند العقلاء أصلاً، والسؤال عن علة وجوده أمر مخالف للحقيقة العلمية المنطقية.

أما الكون، فإنه يحمل دائماً وباستمرار صفات حدوثه، تشهد بهذه الحقيقة النظرات العقلية المستندة إلى المشاهدات الحسية، وتشهد بها أيضاً البحوث العلمية المختلفة في كل مجالات المعرفة، والقوانين العلمية التي توصَّل إليها العلماء الماديون.

وإذا ثبت أن هذا الكون حادث له بداية وله نهاية كان لا بد له من علة تسبب له هذا الحدوث، لاستحالة تحول العدم نفسه إلى وجود، أما ما لا يحمل في ذاته صفات تدل على حدوثه فوجوده هو الأصل، ولذلك فهو لا يحتاج أصلاً إلى موجد يوجده، وكل تساؤل عن سبب وجوده تساؤل باطل منطقياً، لأنه أزلي واجب الوجود، وليس حادثاً حتى يُسأل عن سبب وجوده.

لقد طالعت كل ما ذكره العلماء والفلاسفة والمتكملون من البراهين على حدوث الكون، وكانت مقنعة جدا، ولكني كنت أعرض عنها مع كون القائلين بها من كبار الفلاسفة، بل من كبار العلماء الذين كنت أدعو إلى اعتماد مناهجهم في البحث العلمي.

فقد قرر الفلاسفة بمقدمات كثيرة أن هذا الكون حادث لخضوعه للتغير الملازم لكل شيء فيه، والتغير نوع من الحدوث للصورة والهيئة والصفات، وهذا الحدوث لا بد له من علة، وتسلسلاً مع العلل للمتغيرات الأولى، سنصل حتماً إلى نقطة بدء نقرر فيها أن هذا الكون له بداية، في صفاته وأعراضه، وفي ذاته ومادته الأولى، وحينما نصل إلى هذه الحقيقة لا بد أن نقرر أن خالقاً أزلياً لا يمكن أن يتصف بصفات تقتضي حدوثه، وهذا الخالق هو الذي خلق هذا الكون وأمده بالصفات التي هو عليها.

وتأييدا لهم اكتشف العلم الحديث القانون الثاني للحرارة الديناميكية، وهو القانون المسمى (قانون الطاقة المتاحة) أو يسمونه (ضابط التغير).. وهذا القانون يثبت أنه لا يمكن أن يكون وجود الكون أزلياً، إذ هو يفيد تناقص عمل الكون يوماً بعد يوم، ولا بد من وقت تتساوى فيه حرارة جميع الموجودات، وحينئذ لا تبقى أية طاقة مفيدة للحياة والعمل، وتنتهي العمليات الكيميائية والطبيعية، وبذلك تنتهي الحياة.

لقد ذكر هذا (إدوارد لوثر كيسل)، ثم قال: (وهكذا أثبتت البحوث العلمية دون قصد أن لهذا الكون بداية، فأثبتت تلقائياً وجود الإله، لأن كل شيء ذي بداية لا يمكن أن يبتدئ بذاته، ولا بد أن يحتاج إلى المحرك الأولى الخالق الإله)

وقال (السير جيمس): (تؤمن العلوم الحديثة بأن (عملية تغير الحرارة) سوف تستمر حتى تنتهي طاقاتها كلية، ولم تصل هذه العملية حتى الآن إلى آخر درجاتها، لأنه لو حدث شيء مثل هذا لما كنا الآن موجودين على ظهر الأرض حتى نفكر فيها، إن هذه العملية تتقدم بسرعة مع الزمن، ومن ثم لا بد لها من بداية، ولا بد أنه قد حدثت عملية في الكون يمكن أن نسميها (خلقاً في وقت ما) حيث لا يمكن أن يكون هذا الكون أزلياً)

كل هذه الطروحات التي تضع تفسيرا علميا وفلسفيا لنشأة الكون تتناسب مع الرؤية الدينية كنت أعرض عنها، بل أتقزز منها، لا لكونها غير مقنعة، وإنما لكونها تصطدم مع مشروعي التنويري الذي توهمته.

ولذلك تبنيت بدلها ذلك التفسير الخرافي الأسطوري الذي كتبه أستاذي في الإلحاد [برتراندرسل] في القصة التي ذكر فيها أن سديما حارا دار عبثاً في الفضاء عصوراً لا تعد ولا تحصى دوراناً ذاتيا، ثمّ نشأت عن هذا الدوران هذه الكائنات المنظمة البديعة، بطريق المصادفة، وأن اصطداماً كبيراً سيحدث في هذا الكون، يعود به كل شيء إلى سديم، كما كان أولاً.

لقد أعجبتني هذه القصة كثيرا، وعلقت عليها حينها قائلا: (هذا المقطع الذي كتبه [رسل] يلخص لنا بكل بساطة النظرة العلمية الطبيعية للقضايا التالية: نشوء الكون وتطوره.. نشوء الحياة وتطورها.. أصل الإنسان ونشأته وتطوره.. نشوء الديانات والعبادات والطقوس وتطورها.. وأخيراً يشدد على أن النهاية الحتمية لجميع الأشياء هي الفناء والعدم، ولا أمل لكائن بعدها بشيء، إنه من السديم وإلى السديم يعود) ([61])

سكت قليلا، وكأنه يتذكر شيئا، ثم قال: من المغالطات التي كنت أستعملها للتنفير من الدين ومن الاعتقاد في الله، وفي نشر الإلحاد أني كنت أخير مستمعي وقرائي بين العلم والإيمان، وكنت أقول لهم: لابد أن تختاروا أحدهما.. فإن شئتم العلم، فينبغي عليكم طرح الإيمان.. فلا يصح أن تجتمع الحقائق العلمية مع الخرافات التي يدعو إليها الإيمان.

لقد قلت في كتابي الذي انتقدت فيه الفكر الديني:(ولنلمس طبيعة هذا الفارق بين النظرة الدينية القديمة وبين النظرة العلمية التي حلت محلها، سنوجه انتباهنا إلى مثال محدد يبين بجلاء كيف يقودنا البحث العلمي إلى قناعات وتعليلات تتنافى مع المعتقدات والتعليلات الدينية السائدة، مما يضطرنا إلى الاختيار بينهما اختياراً حاسماً ونهائياً)([62])

ولأؤكد لهم هذه المغالطة، ضربت لهم هذا المثال الذي عبرت عنه بقولي: (لا شك أن القارئ يعرف التعليل الإسلامي التقليدي لطبيعة الكون ونشأته ومصيره: خلق الله هذا الكون في فترة معينة من الزمن، بقوله: كن فكان، ولا شك أنه يذكر حادثة طرد آدم وحواء من الجنة، تلك الحادثة التي بدأ بها تاريخ الإنسان على هذا الأرض. ومن صلب المعتقدات الدينية أن الله يرعى مخلوقاته بعنايته وهو يسمع صلواتنا وأحياناً يستجيب لدعائنا، ويتدخل من وقت لآخر في نظام الطبيعة فتكون المعجزات، أما الطبيعة فقد حافظت على سماتها الأساسية منذ أن خلقها الله، أي: إنها تحتوي الآن على نفس الأجرام السماوية وأنواع الحيوانات والنباتات التي كانت موجودة فيها منذ اليوم الأول لخلقه.. أما النظرة العلمية حول الموضوع ذاته فلا تعترف بالخلق من لا شيء، ولا تقر بأن الطبيعة كانت منذ البداية كما هي عليه الآن)

هل تعلمون الكم الكبير من المغالطات التي يحتوي عليها هذا الكلام.. لقد كنت أعلم بها، ومع ذلك كنت أحاول التستر عليها، لأني كنت أتصور أنه لا يمكن تمرير مشروعي التنويري في وجود الله.

 لقد أدخلت في أغلوطاتي تلك فكرة لا يعترف بها الدين أصلاً، ضمن عرضي لطائفة من المفاهيم والعقائد الدينية الصحيحة، لأضلل القارئ حتى يعتقد أن هذه الفكرة الدخيلة هي فعلاً من المفاهيم الدينية، ما دامت قد وردت ضمن مجموعة مفاهيم صحيحة يعرفها هو عن الدين.

لقد زعمت له أن الرؤية الدينية الإسلامية ترى أن الطبيعة قد حافظت على سماتها منذ أن خلقها الله.. أي أن الأجرام السماوية، وأنواع الحيوانات والنباتات كانت موجودة بهذه الصورة منذ اليوم الأول لخلقها.. وهذا افتراء صريح على الدين، تكذبه مصادره المقدسة.

فالقرآن الكريم عندما تحدث عن الحيوانات التي خلقها الله لركوب الإنسان، وليتخذها زينة له، ألحقها بقوله: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] بصيغة الفعل المضارع التي تدل على الحال والاستقبال، للدلالة على أن عمليات التجديد في الخلق الرباني للأشياء مستمرة غير منقطعة.

وهكذا بالنسبة إلى الأجرام السماوية، فإنه لا يوجد في الكتاب المقدس للمسلمين ما يدل على الفرية التي افتريتها.. بل فيه ما يناقضها، ففيه مثل هذه الآية: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47].. فكلمة (موسعون) في الآية تشير إلى أعمال التوسعة المتجددة في السماء، وذلك لأن هذه الكلمة من صيغ اسم الفاعل، وهي للتعبير عن الحال أولاً ثم عن الاستقبال.

أما الطامة الكبرى، فقولي: (إن النظرية العلمية لا تعترف بالخلق من لا شيء)، وأنا أشير بذلك إلى [نظرية لافوازيه] التي تقول: (لا يخلق شيء من العدم المطلق ولا يعدم شيء وإنما هي تحولات من مادة لطاقة، أو من طاقة لمادة، أو من مادة لمادة)

مع العلم أن هذه النظرية محصورة في مجال معين ذي أبعاد، وليس في مستطاعها أن تتحدث عن كل الوجود في كل أبعاده من الأزل إلى الأبد.. فهذا أمر لا تستطيع تقريره أي نظرية استقرائية مهما بلغ شأنها، إلا أن يكون كلامها رجماً بالغيب، وتكهناً لا سند له، وطرحاً تخيلياً محضاً.

فهل رصد [لافوازيه] جميع أجزاء الكون في كل الأزمان، وعرف منها أنه لم يخلق في الأزمان القديمة جداً شيء من العدم؟

وهل رصد جميع أجزاء الكون فيما يأتي من الأزمان، وثبت له أنه لا يمكن أن يخلق شيء من العدم، ولا يمكن أن يعدم شيء موجود؟.. وكيف يتسنى له رصد المستقبل، وهو لا يملك استقدامه؟

وهل رصد هذا الكون في كل أبعاده المكانية؟.. ألا يحتمل وجود مكان سحيق فيه لم يرصدوه ولم يعرفوا ما فيه؟.. أفيحكمون عليه إذن حكماً غيابياً قياساً على ما رصدوه منه في الأمكنة التي استطاعت أن تبلغ إلى مداها أجهزتهم وملاحظاتهم؟

أليس هذا الحكم الغيابي مع جهالة الخصائص والصفات حكم باطل؟

ثم إن هذه النظرية التي اعتمدت عليها لأثبت الإلحاد ليست سوى نتيجة لملاحظة الكون المنظور المدرك، أما عالم الغيب الذي لا تصل إليه الإدراكات الإنسانية المباشرة أو عن طريق الأجهزة، فهو عالم خارج بطبيعته عن مجال النظرية، لذلك فإنها لا تستطيع أن تحكم عليه، لأن حكمهما عليه هو من قبيل الحكم على الغائب المجهول في ذاته وفي صفاته.

ولذلك، فإن جُلُّ ما تستطيعه مثل هذه النظريات هي أن تعلق أحكامها تعليقاً كلياً، أو تصدر أحكاماً مشروطة احتمالية غير جازمة، وهذا ما تقتضيه الدراسة العلمية المنطقية الحيادية، وتوجبه الأمانة الفكرية في البحث الجاد عن المعرفة والحقيقة.

بالإضافة إلى هذا كله، فإنه لا يوجد نص مقدس عند المسلمين يتنافى مع ما تطرحه تلك النظرية في مجالها المحدود.. فكلمة [الخلق] الواردة في القرآن الكريم لا تعني دائماً الإيجاد من العدم المطلق، بل كثيراً ما تستعمل مراداً منها التحويل في الصفات والعناصر التركيبية من حال إلى حال، ومن وضع إلى وضع، ومن هيئة إلى هيئة، ومن خصائص إلى خصائص، دون زيادة شيء على المادة الأولى من العدم المطلق.

ففي القرآن الكريم نجد هذه الآيات: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) } [المؤمنون: 12 ـ 15]، وهي تشير بصراحة إلى أن كل صور الخلق هذه هي عبارة عن عمليات تحويل من وضع إلى وضع، ومن حال إلى حال، ومن صورة إلى صورة، ومن خصائص إلى خصائص، وقد أطلق على هذه التحويلات أنها خلق، باعتبار أن القدرة الربانية هي المتصرفة في كل هذه التحويلات.

وهكذا نجد في القرآن إطلاق الخلق على تغيير هيئة الطين وجعله على صورة طير، كما ورد في قوله تعالى للمسيح عيسى عليه السلام: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي} [المائدة: 110].. وبما أن كل التغييرات الكونية إنما تجري بإرادة الله وقدرته، فهي ظواهر لأعمال الخلق التي يقوم بها الله تعالى.

ولهذا فإن التسليم الكامل بنظرية (لافوازيه) ضمن حدودها، لا تتعارض أبدا مع المفاهيم الدينية التي دلت عليها نصوصه المقدسة.

هذه بعض مغالطاتي التي كنت أدافع بها عن إلحادي، مع أنني كنت أعلم أن العلم والفلسفة وكل شيء يسير في خطى متسارعة للدلالة على الله.. ولهذا كنت أغض طرفي، وأستغشي ثيابي حتى لا أرى ذلك..

لماذا كان ذلك كذلك؟

لاشك أنكم قد عرفتم الآن.. وفي هذا العالم.. أن الله أعز وأكرم من أن يتزلف لعباده حتى يؤمنوا به.. لقد وضع لهم الأدلة عليه، وهي في قمة الوضوح والعقلانية.. وأرسل لهم الرسل، وأيدهم بالمعجزات والبراهين، وبكل أصنافها، ثم تركهم بعد ذلك لاختياراتهم.. {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]

وقد شئنا نحن بكبرنا وغرورنا وتعالينا على الله أن نكفر ونلحد.. فلذلك لا يصح أن نلوم إلا أنفسنا، ولا نبكي إلا على القرارات التي اتخذناها ونحن في قمة وعينا.

قال ذلك، ثم انفجر يبكي.. ثم ما لبثت أن تحولت القاعة جميعا إلى صراخ وعويل.

***

بينما أنا في قمة استغراقي في سماع ما قاله هؤلاء الملاحدة التنويريون، نبهني صاحبي المرشد، وقال لي: أظن أن ما سمعته هنا من اعترافات يكفي.. فهلم بنا إلى جناح آخر.. لترى أهله وتعرف أسرار إلحادهم.


([1])  بارون دي هولباخ: [1723-1789] كاتب وفيلسوف وموسوعي فرنسي ألماني، عرف عن كونه واحدا من رواد في عصر التنوير الفرنسي، وقد عرف بتواجده في الصالونات الأدبية، وعرف بإلحاده، وقد كانت له عدة كتابات ضد الدين، وقد كان كارل ماركس واحد من المتأثرين بأفكاره..انظر في ترجمته د. رمسيس عوض، الإلحاد في الغرب ص 136.

([2])  هذا النص من كتابه [رسائل إلى يوجينيا، أو الحامي من التحاملات الدينية]

([3])  المرجع السابق، ص 45.

([4])  المرجع السابق، ص47.

([5])  انظر المواقف من الكتاب في: قصة الحضارة (38/ 140)

([6])  نقلا عن: قصة الحضارة (38/ 140)

([7])  قصة الحضارة (38/ 142)

([8])  انظر التفاصيل المتعلقة بالرد على هذه الشبهة في سائر أجزاء السلسلة.

([9])  نقلا عن: قصة الحضارة (38/ 143)

([10])  سنرى تفاصيل أكثر في الرد على مبدأ الحتيمة الطبيعية في سائر السلسلة.

([11]) أقوى براهين د.جون لينكس في تفنيد مغالطات منكري الدين، جمعه وعلق عليه م.أحمد حسن، ص509.

([12]) المرجع السابق، ص507-508.

([13]) المرجع السابق، ص532.

([14])  القس جان مسلييه (1678- 1733 م) راعي أبرشية (أتربيني) في شمبانيا الذي كان في كل عام يمنح الفقراء كل ما يتبقى من راتبه بعد تسديد نفقات حياته المعتدلة البعيدة عن الإسراف والتبذير)، ولكنه عاش أزمة فكرية حادة بقيت فيها أفكاره محبوسة في زنزانة الجمجمة طوال حياته في حالة خوف وترقب من أن يفتضح أمره ويقرأ الناس ما كتب من هرطقة.

([15])  نشر فولتير أجزاء من [العهد الجديد] 1762 وأصدر ديدروا ودي هولباخ خلاصة له في 1772 تحت عنوان [رجاحة عقل الكاهن مسلييه] ولم يطبع النص الكامل حتى 1861، 1864.

([16])  قصة الحضارة.

([17])  قصة الحضارة.

([18])  من الأمثلة على تلك الإشكالات السخيفة الواردة على رهان باسكال قول بعضهم في بعض الموقع الإلحادية: (يفترض المؤمنون بطرحهم لهذا الرهان أنه في صورة ملاقاة إله ما بعد الموت سيكون بلا شك هو إلههم الواحد، فإما العدم أو الله الذي يؤمنون به وهم بذلك يجعلون الرهان مقتصرا على إحتمالين فقط بينما تعرض لنا الميثولوجيا آلاف الالهة والديانات التي تعد أتباع الآلهة والمعتقدات الأخرى بالجحيم والعذاب الأبدي ! فلنفترض إذا وجود 3999 الهة مقترحة و احتمالا واحدا في عدم وجود الهة، احتمال أن يكون اعتقاد المؤمن صحيحا هو 1/4000 مساو لإحتمال أن يكون الملحد على حق للنجاة من الجحيم يملك المؤمن نسبة 2/4000 أي في أن يكون إلهه موجودا أو عدم وجود آلهة بينما يملك الملحد نسبة 1/4000 للنجاة من العقاب)، وهو إشكال لا يحتاج للرد عليه، لأن كل الأدلة العقلية تدل على الله الواحد.

([19])  سنرى التفاصيل الكثيرة المرتبطة بالرد على هذه الشبهة في سائر أجزاء السلسلة.

([20])  ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ص414، فما بعدها.

([21])  نقلا عن: قصة الحضارة.

([22])  من قصة الحضارة.

([23])  عبد الله القصيمي (1907، 1996) كاتب سعودي يُعتبر من أكثر الكتاب العرب إثارة للجدل بسبب انقلابه من موقع النصير والمدافع عن السلفية إلى الإلحاد، وبسبب مؤلفاته المثيرة للجدل.. من كتبه في الدعوة للإلحاد: (هذه هي الأغلال )..  (الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات ).. ( لئلا يعود هارون الرشيد مرة أخرى ).. ( فرعون يكتب سفر التاريخ ).. ( كبرياء التاريخ في مأزق).. ( هذا الكون ما ضميره؟).. (أيها العار إن المجد لك )..(العرب ظاهرة صوتية).. (العالم ليس عقلاً) وقد استفدت المعلومات الخاصة بعبد الله القصيمي وحياته من مقالة بعنوان [عبدالله القصيمي… قصة إلحاد وحكاية ملحد]، من موقع صيد الفوائد، وغيرها.

([24])  انظر مقدمة كتابه الفصل الحاسم.

([25])  جاء في البيان الذي أصدره الأزهر في فصله: (صدر كتاب ينسب إلى طالب من نجد في جامعة الأزهر، ويوجد في الكتاب شتائم وإهانات موجهة إلى أستاذ من هيئة كبار العلماء، وعلى أثر ذلك كلفت هيئة المدرسين أحد الأساتذة بإجراء تحقيق ضد الطالب فيما تضمنه الكتاب من افتراءات وشتائم، وقام الأستاذ بتقديم نتائج تحقيقه إلى مجلس إدارة الأزهر والتي قررت في جلستها المنعقدة في 13/9/1932م قرارًا بفصل الطالب من انتسابه إلى الأزهر) انظر (من أصولي إلى ملحد) ص42، 24.

([26])  دراسة عن القصيمي ص25..

([27])  دراسة عن القصيمي ص25..

([28])  ففي الحديث، قال a:  (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا)، فقالوا: وفي نجدنا يا رسول الله، قال رسول الله a: (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا)، فقال الناس: وفي نجدنا يا رسول الله؟ فقال رسول الله a: (الزلازل والفتن هناك: وهناك يطلع قرن الشيطان) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

([29])     رواه البخاري ومسلم.

([30])     الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة (ص: 58).

([31])  هذا الكون ما ضميره، ص366.

([32])  هذا الكون ما ضميره، ص383.

([33])  الرد القويم ص19.

([34])  طبعا لا نقصد الصداقة الزمانية، للفارق الزمني بينهما، وإنما نقصد به الصداقة التي نص عليها قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: 7]

([35])  هو فهد بن صالح بن محمد الظفيري، من مواليد 1917م في سكة عنزة في مدينة الكويت، وتوفي في 15 أغسطس 1951م، وهو شاعر كويتي، ويعد من الشعراء الرواد في الكويت، نشأ في عائلة متدينة، وكان والده إمام مسجد الفهد ومدرس للقرآن، ودرس في المدرسة المباركية في عام 1922 وخرج منها في عام 1930 ثم درس في المدرسة الأحمدية، قام بتأليف قصيدة مدح لعبد العزيز بن سعود، اتهم في حياته بالكفر بسبب أشعاره الممتلئة بالسخرية والمجون من الدين من أمثال الأبيات التي ذكرناها.

([36])  كاتب عراقي ملحد (ولد في النجف في 2 يناير 1958).

([37])  الأغلال ص319.

([38])  استفدت الرد المرتبط باستدلالات الملاحدة العرب بالسويد، وعلاقتها بالإلحاد من مقال حول الموضوع للدكتور هيثم طلعت.

([39])  الأغلال ص90.

([40])  هذا العالم ما ضميره ص 93..

([41])  هذا العالم ما ضميره ص 94..

([42])  هذا العالم ما ضميره ص 94..

([43])  هذا العالم ما ضميره ص33.

([44])  هذا العالم ما ضميره ص 94..

([45])  هذا العالم ما ضميره ص 94..

([46])  هذا العالم ما ضميره ص 702.

([47])  القرآن والتوراة والإنجيل والعلم (ص 13)

([48])  القرآن والتوراة والإنجيل والعلم (ص 145)

([49])  صادق جلال العظم (1934، 2016) مفكر سوري ملحد، من مواليد دمشق، وأستاذ فخري بجامعة دمشق في الفلسفة الأوروبية الحديثة. كان أستاذاً زائراً في قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون حتى عام 2007.. من مؤلفاته: نقد الفكر الديني (1969)، والاستشراق والاستشراق معكوساً (1981)، وما بعد ذهنية التحريم (1992)، ودفاعا عن المادية والتاريخ، وفي الحب والحب العذري.

([50])  المعلومات المذكورة هنا عن حياته من كتاب [حوار بلا ضفاف]، وهو حوار أجراه معه صقر أبو فخر.

([51])  استفدنا المادة العلمية المرتبطة بكانط وفلسفته وأثرها في الإلحاد من حوار بعنوان [مع الإلحاد من منظور فلسفي] مع الدكتور الطيب بوعزة، حاوره: مركز نماء للبحوث والدراسات، بتاريخ: 7/19/2012.

([52])  من الأعلام الذين قاموا بالرد عليه، وعلى أطروحاته، ومنهم من خصها بتآليف الشيخ عبد الرحمن الميداني في كتابه [صراع مع الملاحدة حتى العظم].. ومنهم الشيخ محمد حسن آل ياسين في كتابه [هوامش على كتاب نقد الفكر الديني].. ومنهم  الأستاذ جابر حمزة فراج في كتابه [الرد اليقيني على كتاب نقد الفكر الديني].. ومنهم  الأستاذ محمد عزت نصر الله في كتابه [تهافت الفكر الاشتراكي].. ومنهم  الأستاذ محمد عزة دروزة في كتابه [القرآن والملحدون].. ومنهم الدكتور عبداللطيف الفرفور في كتابه [تهافت الفكر الجدلي].. ومنهم حسن بن محمد الأسمري في رسالته [موقف الاتجاه الفلسفي المعاصر من النص الشرعي]

([53])  استفدنا المادة العلمية هنا من مقال بعنوان: [كتاب] نقد الفكر الديني [لـ.ص.ج.العظم]، دعوة الحق، العددان 133 و134..

([54])  نقد الفكري الديني، ص17.

([55])  نقد الفكر الديني، ص9.

([56]) الإيجابية والسلبية في نقد الفكر الديني، كمال يوسف الحاج ـ مجلة الفكر الإسلامي ـ العدد الرابع ص 111.

([57])  حوار مع الملاحدة حتى العظم.

([58]) كتاب نقد الفكر الديني ص 37.

([59]) كتاب نقد الفكر الديني ص 28.

([60])  نقد الفكر الديني، ص28.

([61])  نقد الفكر الديني، ص26.

([62])  نقد الفكر الديني، ص25.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *