الهداية المبينة

الهداية المبينة

في تلك اللحظات، جاءني رجل على أريكته العجيبة المتحركة، واقترب مني، وقال: إن الله تعالى بعنايته ورحمته ولطفه بعباده لم يكتف بالإعلان عن نفسه من خلل صنعته، ولا من خلال آياته، ولا النظام الذي نظم به الكون.. وإنما أضاف إلى ذلك كله هدايته لعباده، ودلالته لهم بكل الألسنة واللغات والوسائل والأساليب، حتى لا تبقى حجة لمحتج، ولا عذر لمعتذر.

قلت: ما أحسن هذا النوع من البراهين.. إنه سيدخل بنا إلى حضرات الأنبياء والأولياء والأصفياء.. وسيجعلنا نتواصل مع كلمات الله المقدسة.. ولكن ألا ترى في ذلك دورا؟.. فكيف نكلف الخلق بالإيمان بالرسل، وبكلمات الله المقدسة، وهم لا يؤمنون بالله أصلا؟.. إن ذلك سيجعلنا مثار سخرية لديهم.

قال: أليسوا يطالبون بأدلة حسية على الله؟.. ألم يطالبوا الله في كل حين بأن يعلن عن نفسه إن كان موجودا؟

قلت: بلى.. هم يذكرون ذلك في كل محل، ويجعلون من تبريراتهم لإلحادهم أن الله تعالى لم يدل على نفسه، ولم يعلن عنها، ولو أنه أعلن عنها لكانوا من السباقين للإيمان به.

قال: ألا يدعوهم ذلك للبحث والتنقيب والمسح والتدقيق في كل من يدعي التواصل مع الله ليعرفوا بعد ذلك الصحيح من الزائف، والحق من الباطل؟

قلت: لقد اكتفوا ببعض النماذج، وراحوا يعممونها على الجميع.

قال: وهل هذا من مقتضيات العلم؟

قلت: هم يضعون هذا ضمن الاستقراء الناقص.

قال: وهل ينفع في هذا الاستقراء.. هل يمكن أن نحكم على قرية تلبس ثلاثة من أفرادها بجرم من الجرائم، بكون كل القرية مجرمة؟

قلت: ذلك لن ينفع.. بل حتى لو ثبتت التهمة على ثلثي أهل القرية، فلا يمكننا الحكم على ثلثها الباقي ما لم نحقق فيه.

قال: بل لو ثبتت التهمة على كل أهل قرية ما عدا فردا منهم، فلا يصح أن نحكم عليه ما لم نتثبت، فلعله يكون البريء الوحيد بينهم.

قلت: صدقت في هذا.

قال: ولهذا فإن الله أقام حجته على خلقه.. فالصادقون هم الذين راحوا ينقبون عن الحقائق في وسط الركام، ليميزوا الطيب من الخبيث.. والملحدون هم الذين اكتفوا ببعض الخبيث وراحوا يرمون به كل الطيب.

قلت: أنت تفسر الواقع تفسيرا صحيحا ودقيقا.

قال: ولهذا فإن من أكبر الأدلة على الله هي تواصله مع خلقه، إما مع كل واحد منهم، وإما مع الوسائط التي أرسلها لهدايتهم.

قلت: لا شك أن روضتك هي روضة الهداية المبينة.

قال: أجل.. فهلم بنا إليها، لتسمع الحقائق من أهلها.

سرت معه بين تلك الجنات، كما طلب مني، إلى أن رأيت روضة جميلة لا تختلف عن سائر الروضات في جمالها وإتقانها، لكن الذي ميزها عن غيرها هو تلك الهالة من النور التي تنبعث من وجوه أصحابها، فتجعلهم أنوارا خالصة..

برهان التواصل:

ما إن وصلنا، واستقر بنا المجلس في تلك الروضة البديعة، وسلمت على ذلك الجمع المنور بنور الإيمان، وسلموا علي، حتى قال أحدهم مخاطبا رسولهم الذي جاء بي إليهم: فلتبدأ أنت يا صاحب النفس الطاهرة، والعقل السليم لتحدثنا عن رحلتك إلى الله، وكيف تمت، وكيف خرجت من سجون الملاحدة وجحيمهم، لتنال فضل الله بالدخول إلى روضات جنات المؤمنين؟

قال: لقد كان أول ما دعاني إلى الله هو ذلك التفكر والتأمل في خلق الله ابتداء من أصغر ذراته إلى أكبر أجرامه.. ومن أبسط أشكاله إلى أعقد مظاهره..

وقد كان مظهر الهداية، وتواصل الله مع كائناته، هو دليلي الأول إلى الله.. فقد كنت أقول في نفسي: إن كان الله موجودا، فيستحل ألا يتواصل مع خلقه، بأي طريقة من طرق التواصل.. ولابد أن تكون له لغته الخاصة في تواصله بهم.. لأنه يستحيل أن يكون الإله من جنس مخلوقاته، ولذلك فإن تواصله معهم يستحيل أن يكون من جنس تواصل مخلوقاته بعضها ببعض.

وقد عرفت بعد ذلك، بعد أن من الله علي بالهداية التامة أن القرآن الكريم ذكر هذا الدليل على لسان موسى عليه السلام حين سأله فرعون، فقال: { فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى } [طه: 49]، فقال له موسى عليه السلام: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50]

فالله لم يكتف بخلق خلقه، ولا العناية بهم.. بل يتواصل معهم كل حين لهدايتهم ودلالتهم على مصالحهم في كل جزئية منها أو كلية.

ودل على هذا النوع من البراهين كذلك قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 68، 69]، فهاتان الآيتان الكريمتان تشيران إلى أن ما نراه من عجائب النحل ليس بسبب الغريزة كما يصور قومنا، وإنما هي هداية إلهية خاصة، لا نعرف سرها ولا كنهها ولا كيفيتها.. ولكنا نرى بكل دقة آثارها التي تدل عليها.

وقد كان أول ما دعاني إلى هذا النوع من التفكير أني كنت أشاهد في يوم من الأيام شريطا وثائقيا عن ثعبان الماء([1])، وكيف يقطع آلاف الأميال في المحيط، قاصدا الأعماق السحيقة جنوب برمودا حيث يلتقي ثعابين الماء من كل أنحاء العالم، وهناك تبيض وتموت، أما صغارها التي لا تملك وسيلة تتعرف بها على أي شيء، سوى أنها في مياه قفرة، فإنها تعود أدراجها، وتجد طريقها إلى الشاطئ الذي جاءت منه أمهاتها.. ومن ثم إلى كل نهر أو بركة صغيرة.. وقد ملأني هذا بالعجب، فكيف اهتدت تلك الصغار إلى محالها بدقة عالية، لو لم تكن هناك هداية خاصة، هي التي أرتها الطريق، وهي التي أوصلتها إليها.

وهكذا رأيت الجراد البالغ من العمر سبعة عشر عاما في ولاية نيوانكلاند. يغادر شقوقه تحت الأرض حيث عاش في ظلام مع تغير طفيف في درجة الحرارة، ويظهر بالملايين في 24 مايو من السنة السابعة عشرة تماما.. بحيث يضبط مواعيده للظهور في اليوم تقريبا بهداية يعجز عنها الإنسان لولا أنه يستعمل التقويم.

وهكذا رأيت في الإنسان من دلائل الهداية ما ملأني بالعجب.. فقد رأيت كيف تنمو الغدد التي تصنع اللبن أثناء الحمل، يدفعها إلى هذا النمو مواد يفرزها المبيضان، وفي نهاية الحمل وبدء الوضع، تتلقى هذه الغدد النخامية الموجودة في قاعدة الجمجمة أمرا بالبدء في صنع اللبن، وما يكاد الطفل يولد حتى يبحث عن ثدي أمه بهداية لا حد لها، وعملية الرضاعة عملية شاقة، إذ أنها تقتضي انقباضات متوالية في عضلات وجه الرضيع ولسانه وعنقه، وحركات متواصلة في فكه الأسفل، وتنفسا من أنفه، ويقوم الطفل بهذا كله بهداية تامة من أول رضعة لساعة فطامه.. وقد ذكر لي بعض المختصين في هذا أن الرجل نفسه لا يستطيع أن يقوم بعملية الرضاع كما يقوم بها الطفل الذي لا يتجاوز عمره ساعات.

هذه بعض النماذج التي كان التفكير فيها أول رحلتي إلى الله.. وهي ظاهرة أشمل مما ذكرت بكثير.. فهي تنتظم شؤون الكون كله من الإلكترونات في الذرة، إلى الذرة، إلى العناصر، إلى الأرض، إلى الشموس، إلى المجرات بكل حوادثها إلى كل خلية من خلايا الحيوان، إلى كل جهاز من أجهزته، إلى كل حيوان من وحيد الخلية، إلى النحلة، إلى الإنسان.. وهكذا.

وقد جعلني هذا أتساءل بيني وبين نفسي: هل يمكن أن تكون هناك هداية بلا هاد؟.. وهل يمكن أن تسير الطائرات والسيارات من غير أن يكون هناك قائد يقودها، أو دليل يدلها على الطريق؟

***

وقد جعلني هذا التفكير أنتقل إلى نوع آخر من البحث، لعله أكثر صلة بالدلالة على الله.. وهو في إمكانية تواصل الله مع عباده.. وهل أن الله وضع القوانين لعباده هكذا، ثم تركهم، أم أنه يقوم بنفسه بدلالتهم عليها كل حين، وأنه إذا ما احتاجوا إليه كان غوثهم وعونهم ومددهم.

طبعا لم أكن في ذلك الحين مؤمنا بإله، كما أني لم أكن كذلك من المكابرين الذين يجحدون الله ويستعملون كل الوسائل لجحوده.. بل كنت لا أدريا.. ولهذا كنت بحوثي وتأملاتي في هذا المجال هي للتأكد من الفرضيات التي وضعتها.. والتي رأيت أن الله بكرمه دلها عليها جميعا ابتداء من ظاهرة الهداية التي ذكرتها إلى ظاهرة التواصل المباشر مع عباده وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لأمنياتهم.

وقد رحت للتأكد من مدى تواصل الله مع عباده أذهب إلى المحال التي يكون فيها المؤمنون الصادقون المتواضعون وأسألهم عن تجاربهم الخاصة في هذا المجال، فكان كل واحد منهم يذكر لي تجربته الخاصة في إجابة الله لدعواته، أو إغاثة الله له في كرب من الكروب أو محنة من المحن..

ويذكرون لي كيف أنهم بمجرد التواصل مع الله بصدق وعبودية وتواضع كيف يعود الرخاء بعد الضراء، وكيف تزول الكروب، وكيف يقضى على الشدائد.

وقد ذكر لي بعضهم أن الله تعالى ذكر هذا، فقال: { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 40، 41]

وقال في موضع آخر: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يونس: 12]

وقال في موضع آخر: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 63، 64]

ومن الشواهد التي لا أزال أذكرها في هذا ما نشرته مجلة [المختار ريدر دايجست] في عدد أكتوبر 1944 تحت عنوان [ألا تؤمن بالصلاة والدعاء]، فقد ذكرت حادثة ترتبط بها، وعبرت عنها بقولها: (اليوم تتدفق الأدلة التي لا تنقض من كل ناحية، على فضل الدعاء وقوته، وليس مما يدهش أن يتوجه الناس في ساعة الشدة والحاجة إلى القوة الخارجية، وإنما الشيء الوحيد المدهش في هذا هو أن نراه مدهشا وما يصنع هؤلاء المصلون الداعون من الجنود والبحارة والطيارين؛ إلا كما صنع لنكولن الذي قال في أحلك أيام الحرب الأهلية: بغير معونة من الله الذي هو معي لا أستطيع أن أنجح، وبهذه المعونة لا يمكن أن أخفق، ولا يكاد يوجد فوق الأرض مخلوق لا ينطوي على الشوق الروحاني، أو على شعور باطن مبهم، بأن هناك قوة يتوجه إليها بفطرته)

ثم ذكرت هذه المجلة تصريحات الماجور [ألن لندبرج] من وستفيلد بولاية نيوجيرسي، بعد أن اضطر للنزول بطائرته في البحر في طريقه إلى استراليا بعد أن ساد الاعتقاد بأنه هو والتسعة الذين معه قد فقدوا، وقد قال في بعض حديثه: (تمكنا من الخروج على طوفين من المطاط، وكدنا لا نفعل، ولم تكن معنا كسرة من خبز أو قطرة من ماء، وكان رجال الطائرة كلهم قلقين إلا الشاويش البرت هرنادز المدفعي الخلفي وقد عكف من فوره على الدعاء والابتهال، وسرعان ما راعنا بقوله: إنه يعرف أن الله قد استمع إليه، وأنه سيساعدنا، وظلوا يهيمون تحت شمس محرقة، وقد تشققت شفاههم، وورمت ألسنتهم، فعجزوا عن مجاراة هرناندز في التهليل والتسبيح، ولكنهم كانوا يدعون مع ذلك، وبعد ثلاثة أيام، وقبل دخول الليل لمحوا معالم جزيرة صغيرة، وما لبثوا أن شاهدوا ما لم يكن يجري لهم في خلد، فأقبلت عليهم ثلاثة زوارق فيها رجال عراة الأجساد، واتضح أن منقذيهم من أهل أستراليا الأصليين، وهم صيادون سود الأجسام منفوشو الرؤوس، وقد جاءوا من داخل البلاد على مسافات مئات الأميال، وذكروا أنهم دفعوا بدافع غريب إلى تغيير اتجاههم فجاءوا إلى هذا الشاطئ المرجاني الذي لا سكان فيه وهناك لمحوا لندبرج وزملاءه)

وهكذا قرأت في مجلة الأبحاث الطبية الصادرة في إنكلترا حادثة نشرتها بتوقيع الطبيب الذي جرت معه الحادثة، وقصتها هي أن شابا بقي مريضا بمرض مزمن مدة ثلاثة عشر عاما، وأعيا الأطباء دون أن يصل إلى نتيجة، وقد دخل عليه آخر كطبيب الطبيب الذي يروي القصة، وبعد أن أتم فحصه رأى أنه لا أمل له، وهناك سأله المريض بلهجة يائسة: لا أمل يا دكتور؟ فقال الدكتور: هناك أمل واحد في السماء فجرب أن تدعوا، ألا تعرف أن تصلي؟ ولأول مرة يدعو الشاب الذي دام مرضه ثلاثة عشر عاما، وعندما زاره الطبيب بعد أسبوع وجد المريض معافى، وقد شفي من مرضه الذي لم يستطع الأطباء أن يعالجوه منه)

***

وهكذا كنت مهتما بهذه الظواهر، وقد وجدت الأدلة الكثيرة التي تشير إليها، وقد جعلني هذا أسير إلى بعض أصدقائي من الأطباء، وأحدثه عن بعض ما شاهدته وقرأت عنه، فقال لي: صدقت.. وأنا تمر علي حالات كثيرة مثل هذه.. وقد رأيت أن تأثير الاستعانة بالله ليس فقط في المدد الذي يحصل ثمرة لها، والذي لا شك عندي فيه، وإنما تكمن قوتها أيضا في نفس الاستعانة بما تحدثه من أمل في القلب، وانشراح في الصدر.

ثم حكى لي قصة وقعت له،، فقال([2]): في فترة حياتي المادية كنت أتصور العلاج عملية رياضية محضة، تكفي فيها المواد الكيميائية، ولا علاقة لها بالحالة النفسية أو التوجه الإيماني.. لكني تحولت بعد ذلك لأقر بدور الإيمان والاستعانة بالله في الشفاء.

قلت: هلا وضحت لي أكثر.

قال: لقد درست ـ عندما كنت أتعلم الطب ـ أحد المبادىء المادية الأساسية التي تفسر ما يحدث من تغيرات داخل الجسم عندما يصيبها عطب أو تلف، تفسيراً مادياً صرفاً، كما فحصت قطاعات مجهرية لهذه الأنسجة، وتبينت أن الظروف المناسبة تعينها على أن تلتئم بسرعة وتتقدم نحو الشفاء، وعندما اشتغلت جراحاً في أحد المستشفيات بعد ذلك، كنت أستخدم المبدأ السابق استخداما يتسم بالثقة فيه والاطمئنان إليه. ولم يكن علىّ إلا أن أهيئ الظروف المادية والطبية المناسبة، ثم أدع الجرح يلتئم، وكلي ثقة بالنتيجة المرتقبة.

قلت: هذه هي المعرفة التي يؤمن بها أكثر الأطباء، ويكتفون بها.

قال: ولكنني لم ألبث غير قليل حتى اكتشفت أنني قد فاتني أن أُضِّمن علاجي وأفكاري الطبية أهم العناصر وأبعدها أثراً في إتمام الشفاء ألا وهو الاستعانة بالله.

قلت: فهل ذكرت لنا سر تحولك هذا؟

قال: سأذكر مثالا على التجارب التي مررت بها، والتي جعلتني أتحول إلى هذه القناعة.. عندما كنت أعمل جراحاً في أحد المستشفيات، جاءتني ذات يوم جدة جاوزت السبعين تشكو من شدخ في عظام ردفها، وبعد أن وضعت فترة تحت العلاج أدركت من فحص سلسلة الصور التي أخذت لها على فترات تحت الأشعة أنها تتقدم بسرعة عجيبة نحو الشفاء، ولم تمض أيام قليلة حتى تقدمت إليها مهنئاً بما تم لها من شفاء نادر عجيب، عندئذ استطاعت السيدة أن تتحرك فوق المقعد ذي العجلات، ثم سارت وحدها متوكئة على عصاها، وقررنا أن تخرج تلك السيدة في مدى أربع وعشرين ساعة وتذهب إلى بيتها، فلم يعد بها حاجة إلى البقاء في المستشفى.

وكان صباح اليوم التالي هو الأحد، وقد عادتها ابنتها في زيارة الأحد المعتادة حيث أخبرتها أنها تستطيع أن تأخذها والدتها في الصباح إلى المنزل لأنها تستطيع الآن أن تسير متوكئة على عصاها.

ولم تذكر لي ابتنها شيئاً مما جال في خاطرها، ولكنها انتحت بأمها جانباً وأخبرتها أنها قد قررت بالاتفاق مع زوجها أن يأخذا الأم إلى أحد ملاجيء العجزة لأنهما لا يستطيعان أن يأخذاها إلى المنزل.

ولم تكد تنقضي بضع ساعات على ذلك حتى استدعيت على عجل لإسعاف السيدة العجوز، ويا لهول ما رأيت.. لقد كانت المرأة تحتضر، ولم تمض ساعات قليلة حتى أسلمت الروح.

وقد اكتشفت حينها أنها لم تمت من كسر في عظام ردفها، ولكنها ماتت من انكسار في قلبها، لقد حاولت دون جدوى أن أقدم لها أقصى ما يمكن من وسائل الإسعاف، وضاعت كل الجهود سدى.

لقد شفيت تلك السيدة من مرضها بسهولة، ولكن قلبها الكسير لم يمكن شفاؤه برغم ما كانت قد تناولته في أثناء العلاج من الفيتامينات والعقاقير المقوية وما تهيأ لها من أسباب الراحة، ومن الاحتياجات التي كانت تتخذ لتعينها على المرض وتعجل لها الشفاء.. لقد التأمت عظامها المكسورة التئاماً تاماً ومع ذلك فإنها ماتت.

صحت: لماذا؟

نظر إلي، وقال: إن أهم عامل في شفائها لم يكن الفيتامينات ولا العقاقير ولا التئام العظام، ولكنه كان الأمل، وعندما ضاع الأمل تعذر الشفاء.

قلت: فما نواحي الأمل التي غابت عن ذهن هذه العجوز في تصورك كطبيب؟

قال: أثرت هذه الحاثة في نفسي تأثيراً عميقاً، وقلت في نفسي: لو أن هذه السيدة وضعت أملها في الله ما ضيعها وما انهارت ولما حدث لها ما حدث.. وبرغم أنني كنت أومن بالله خالق كل شيء بحكم اشتغالي بالعلوم الطبية، فإنني كنت أفضل بين معلوماتي الطبية والمادية، وبين اعتقادي في وجود الله كما لو لم تكن هنالك صلة بين هذين الأمرين.

قلت: فقد وصلت إذن إلى ضرورة الإيمان للشفاء والعافية والسعادة؟

قال: لقد أيقنت أن العلاج الحقيقي لابد أن يشمل الروح والجسم معاً وفي وقت واحد، وأدركت أن من واجبي أن أطبق معلوماتي الطبية والجراحية إلى جانب إيماني بالله وعلمي به، ولقد أقمت كلتا الناحيتين على أساس قويم.. بهذه الطريقة وحدها استطعت أن أقدم لمرضاي العلاج الكامل الذي يحتاجون إليه.. ولقد وجدت بعد تدبر عميق أن معلوماتي الطبية وعقيدتي في الله هما الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه الفلسفة الطبية الحديثة.

قلت: أهذه قناعتك وحدك؟.. أم ترى من زملائك من اقتنع بهذه القانعة؟

قال: الواقع أن النتيجة التي وصلت إليها تتفق كل الاتفاق مع النظرية الطبية الحديثة عن أهمية العنصر السيكولوجي في العلاج الحديث، فقد دلت الإحصائيات الدقيقة على أن 80 بالمائة من المرضى بشتى الأمراض في جميع المدن الأمريكية الكبرى ترجع أمراضهم إلى حد كبير إلى مسببات نفسية، ونصف هذه النسبة من الأشخاص الذين ليس لديهم مرض عضوي في أية صورة من الصور.. وليس معنى ذلك أن هذه الأمراض مجرد أوهام خيالية حقيقة، وليست أسبابها خيالية ولكنها موجودة فعلاً ويمكن الوصول إليها عندما يستخدم الطبيب المعالج بصيرته بها.

***

بعد أن سمعت هذه الأحاديث من صديقي الطبيب رحت إلى صديق آخر كان مختصا في علم النفس، ورحت أبث له ما اكتشفته، وما أخبرني به صديقي الطبيب، فطلب مني كتابة ما شاهدته، أو سمعت به في هذا المجال، فقلت: لم؟

قال: أنا الآن بصدد تقديم بحث حول برهان من براهين وجود الله سميته [المنهج السيكولوجي في إثبات وجود الله]([3])، ولذلك أنا أجمع كل الشهادات المرتبطة بالموضوع، لأبين من خلالها أن من أكبر الأدلة على وجود الله تواصله مع خلقه.

قلت: فهل أتاك غيري، وحدثك بمثل ما حدثتك به.

أخرج لي دفترا كبيرا، وقال: في هذا الدفتر آلاف الشهادات التي تذكر لي ما ذكرت.. وهي كلها شكلت لي ظاهرة تحتاج إلى دراسة وتمعن مثلها مثل سائر الظواهر التي ندرسها بسبب تكرر أمثالها.

قلت: ألا يمكن أن يكون من ذكر لك تلك الشهادات دجالا أو كاذبا أو مزورا؟

قال: أنا لا أتيح هذا الدفتر إلا لمن أثق فيهم.. أو لمن يظهر لي صدقهم.. ومع ذلك فإنني أمحص الكثير منها.. وأحيانا أحتاج إلى التنقل للتأكد من الظواهر التي يذكرونها.

قلت: أترى أن وجود الله يفتقر لمثل هذا الدليل؟.. أو هل ترى أن هناك من سيؤمن بهذا الدليل إن ذكرته؟

قال: أنا لا يهمني من يؤمن أو لا يؤمن.. أنا باحث علمي.. وأؤدي دوري هذا في إطار تخصصي، ولا تهمني نتائج بحثي.

قلت: فهل ترى وجود الله يفتقر إلى الأدلة التي ذكرت؟

قال: وجود الله لا يفتقر لشيء، ولكنا نحن المحجوبون عنه هم الذين نفتقر إلى رفع تلك الحجب.. والبراهين هي التي توصلنا إلى رفع تلك الحجب.

قلت: فما النتائج التي وصلت إليها؟

قال([4]): لقد وجدت أن مفهوم الأمل واضح لدى الجميع.. كما أنّ الآمال والمطامح الإنسانية بشكلها المألوف السائد ذات ماهية واحدة تقريباً.. فجميع البشر مثلاً يأملون السعادة، وكلهم يرونها في التحرّر من الآلام والصعوبات، وليس لهذه الآمال حدود تحدّها لكن لها مساحة مشتركة هي السعادة.

كما رأيت أن للبشر كافّة أفكارهم وبرامجهم لمستقبلهم، وهذه البرامج والتطلّعات هي نفسها ـ تقريباً ـ الآمال، أو لنقل: إنها مرتبطة بها، لكننا علمنا ـ طبقاً للمبدأ المنهجي ـ أنه لا ضرورة ولا تعيّن في شؤون العالم وأموره، أي لا توجد مثل هذه الضرورة على نحو كامن في الظاهرة أو الفعل الطبيعي أو العالم الجسماني.

قلت: فما استنتجت من هذا؟

قلت: لقد وجدت من خلال النتيجتين السابقتين أن البشر لهم آمالهم، وهم يرون أن آمالهم هذه في الغالب معقولةً وممكنة.. وقد جعلني هذا أتساءل عن المرجع الذي يتوقّعون منه تلبية حاجاتهم والاستجابة لطموحاتهم.

لقد وجدتهم يتفاءلون بالمسار الطبيعي للأمور في العالم، ويتوقعون أن يكون المستقبل كالماضي، فيخطّطون ويبرمجون لأنفسهم ولمستقبلهم انطلاقاً من تجاربهم ومعلوماتهم التي اكتسبوها في الماضي.. وقد جعلني هذا أتساءل عن الملجأ الذي راحوا يعتمدون عليه حتى دعاهم إلى التفاؤل بهذه الصورة، بل جعلهم يعمرون أرواحهم بالأمل والمشاريع والتطلّعات لمستقبلهم، ويتابعون شؤونهم وينجزونها اعتماداً على تجاربهم السابقة؟

قلت: فما كانت إجابتك على هذه التساؤلات؟

قال: لم أجد إجابة على هذه التساؤلات إلا أنه يوجد في ذواتهم وحقائقهم ووعيهم الداخلي شعور بأن هناك من يلبي لهم كل تلك الطلبات.. وذلك لا يمكن أن يكون إلا الله.

قلت: فهل تثبت من هذا الموقف؟

قال: أجل.. لقد أصبح عندي من الضرورات العقلية.. ولا شأن لي بمن ينكره.

قلت: فكيف ثبت لديك ذلك؟

قال: ألا ترى أن الجوع دلنا على الطعام.. والعطش دلنا على الماء؟

قلت: وما علاقة هذا بذاك؟

قال: والأمل أيضا يدل على أن هناك جهة ما تحقق من الآمال ما لا يطيق أحد تحقيقه.. لقد علمت أنه إن لم يكن ثمة مرجع أو مردّ معروف لضمان تحقق المشاريع والبرامج والآمال، فلماذا تنبثق هذه الآمال والتطلّعات في نفس الإنسان دائماً، وتُتابع في العالم الخارجي إلى أن تؤتي ثمارها ونتائجها؟

لماذا نرسم دائما خطّة ونفكّر ببرنامج، ونأمل أن يتحقق، ثم نحققه في الوقت المقرّر ـ ربما بفوارق طفيفة عن الخطّة والزمن المرسوم أو طبقاً للموعد بالضبط ـ ويرسم ذهننا ونظامنا الفكري مشروعاً ويتأمل أن يؤتي ثماره ونتائجه.. إنه ليس أملاً خيالياً أو طفولياً، إنما هو جزء من بنيتنا الذهنية.

إنّ هذه الآلية ـ التي لا يُنكرها أحد، بل يعيش الجميع وفقاً لها ـ لا تنسجم في ماهيتها مع المسار المعروف لشؤون العالم طبقاً للتحليل الفلسفي والعلمي، رغم أنها في العادة متجانسة ومتماشية معه.

قلت: لكن قد يقال بأن الأمل مجرد عادة من عادات البشر، ولا يمكن اعتباره دليلاً على وجود ملاذ أو سند خارج أذهاننا.

قال: العادة مصطلح عرفي لا يتمتع استخدامه بالدقة العلمية والفلسفية، فهو أعجز عن أن يفسّر عقلانية الأمل أو يبرّرها.. فنحن نواجه عملية نفسية في أذهاننا ودواخلنا نجدها معقولة، وهذه العقلانية غير متناغمة تماماً مع المعطيات العلمية والرؤى الفلسفية؛ لأنّ تلك الآلية تظهر الأمل أمراً معقولاً، بينما لا تري هذه المعارف والتصوّرات ضمانةً وتعيّناً لهذا الأمل.. وهكذا لو أردنا اعتبار العادة وحدها أساساً للأمل نكون قد ضللنا الطريق الصحيح؛ لأنّ العادة ـ أولاً ـ لا يمكنها أن تكون أساساً للسلوك، وإنما هي تعبير عن آلية‌ السلوك، وثانياً حينما لا تستطيع النظرة الفلسفية والعلمية تسويغ سلوك ما كيف ستستطيع العادة تسويغه؟!

قلت: فقد يقال بأن الإنسان يتعلّم الأمل من والديه ومعلّميه، فالتعليم إذن هو الأساس العقلاني للأمل!

قال: للتعليم تعاريف متعدّدة، والنقطة المشتركة بينها هي أنه عملية معرفة الموهبة وتفعيلها وليس إيجادها.. أي أنّ التعليم يكشف عن فاعليات الذهن، وينضّجها لتبلغ مرحلة الاكتمال، لا أنه يخلق موهبةً في الذهن؛ وعليه، فحال التعليم حال العادة يعبّر عن آلية السلوك، وهو بالطبع يرجح على العادة في أنه يقوم على منهج خاص وعملية خاصة من المعرفة، لكنه مع ذلك لا يمكن أن يكون عماداً لسلوك دائمي لدى الإنسان مثل الأمل.

وبتعبير بسيط.. الأمل ليس شيئاً يتعلّمه الإنسان، إنما يتعلّم أين يأمل وكيف.. فأساس الأمل جزءٌ من البنية الداخلية للإنسان.

قلت: إذا كان الأمر على النحو الذي ذكرت، فلماذا لا يرتضي كلّ الناس هذه الفكرة، ولماذا لا يتفطنون لها؟

قال: إنّ قبول الشيء والتنبّه إليه غير حقيقته وواقعيّته؛ فقد يكون الأمر حقيقةً واقعةً لكنّه غير ملاحظ من قِبل الإنسان نفسه؛ والأمثلة على مثل هذه الأمور كثيرة جداً في الحياة الخاصّة والاجتماعية.

قلت: ما دام الأمر كما تذكر، لوجب أن يكون البشر جميعهم عارفين بالله؛ لأنهم جميعاً ذوو آمال وطموحات.

قال: هناك مشكلة تعترضهم في هذا، وهي أن معرفة الله والاستمرار على هذه المعرفة والعمل على أساسها منوط بإرادة الإنسان وتأملاته النفسية، وإذا لم تتوفر هذه الشروط فقد تتحقّق تلك المعرفة للحظةٍ ما عند هذا الموجود الآمل، لكنها لن تستمرّ.. وإذا فسّر الإنسان ممارساته الآملة بنحو آخر غير الاعتماد على الله، فلأنه لم يوفر شروط معرفة الله وتكريس هذه المعرفة بواسطة إرادته، بل يركّز اهتمامه عادة على سند آخر يظنّه ـ خطأ ـ ملاذه الحقيقي.

ثم راح يضيف: إنّ الناس في ذلك يشبهون الباحثين عن الذهب الذين يعرفون الذهب الحقيقي جيداً، لكنهم يقنعون ويفرحون بالذهب المغشوش بسبب صعوبة الحصول على الذهب الحقيقي.

***

بعد أن ذكر لي هذا، رحت إلى صديق لي كان مختصا في تاريخ الأديان، وأخبرته بما سمعته، والاستنتاجات التي وصلت إليها، فقال لي: عجبا إن ما ذكرته من براهين واستدلالات هو نفسه الذي دفعني إلى الاهتمام بهذا التخصص..

لقد كنت أقول في نفسي: لو أن الله لم يكن موجودا لما كان كل هذا الاهتمام به، ولماذا يظهر في كل جيل من كبار الفلاسفة والعقلاء والعلماء والقديسين من يدافع عن وجوده؟

قلت: فما الذي وصلت إليه؟

قال: لقد وصلت إلى أن الله هو الذي يحرك تلك العقول لصياغة البراهين الدالة عليه.. لأن الله الذي صمم هذا الكون وأبدعه وأحسن صنعه يستحيل أن يترك خلقه بلا هداية، ولهذا كان من وسائل هدايته إليهم تسخير كبار عباقرة الدنيا ليدلوا عليه.

قلت: ولكن هناك أيضا من ألحدوا.

قال: لا نسبة لمن ألحد بمن آمن.. فأكثر العباقرة والعلماء والفلاسفة على مدار التاريخ كانوا مؤمنين.. بل كتبوا يذكرون تجاربهم في الإيمان وبراهينهم عليه، وذلك دليل على أن كل ذلك من الله.. فالله يتواصل مع عباده عبر الفلاسفة والعلماء والقديسين.

قلت: إن هذا يستدعي عصمتهم.

قال: هم ليسوا معصومين كآحاد.. ولكنهم معصومون كمجموع.. أي أن أفكارهم التي اتفقوا عليها هي محل العصمة.. وكلهم اتفقوا على وجود الله، وعلى إثبات كل أنواع الكمالات له.. وكلهم على تنزيهه عن جميع النقائص.. وهذا يكفي وحده للدلالة على الإيمان.

قلت: فهلا برهنت لي على ذلك.. فأنت تعلم أني لا أقبل شيئا من غير برهان.

قال: يسرني ذلك.. فهلم بي إلى مكتبتي، وسأريك الدواوين الكثيرة التي كتبت في الدلالة على الله.

سار بي في مكتبته الواسعة، ثم وقف عند جناح منها، وقال: في هذا الجناح كتب في اللاهوت المسيحي، وقد رأيت أن براهين معرفة الله عندهم تتوزع عادة إلى خمسة أنواع: الوجود، والكون، والغايات، والتجربة الدينية، والأخلاق.

أخرج لي كتابا منها، ثم قال: من الأمثلة على ذلك ما كتبه اللاهوتي المسيحي الكبير القديس أغسطين، الذي أسهب في الحديث عن الله في كتابيه الرئيسيين: [الاعترافات] و[مدينة الله].. ويمكننا استخلاص أدلة إثبات وجود الله في كتاباته مستمدّةً مِن رؤيته العامة للعالم.

أخرج كتابا آخر، ثم قال: بعد نحو ستة قرون من أغسطين ظهر في اللاهوت المسيحي القديس أنسلم ليقدّم برهاناً خالداً في إثبات الخالق.. والواقع أنه قدّم برهانين في هذا المضمار: أحدهما البرهان المصطبغ بطابع الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، والقائم على أساس مراتب الكمال، وثانيهما البرهان المعروف بالبرهان الوجودي أو البرهان الأنطولوجي.. وقد أضفى أن سلّم نفسه أهميةً أكبر على البرهان الوجودي وصاغه في كتابه المهم [بروسلوجيوم] بعدة أشكال.

وقد قال آتين جيلسون عنه: [ظهر البرهان الوجودي منذ القرون الوسطى فما بعد بأشكال مختلفة، وأعيدت صياغته من جديد في مذاهب ديكارت، ومالبرانش، وليبنتس، واسبينوزا، وحتى في فلسفة هيغل.. وبدوره ذهب جون هيغ إلى أن هذا البرهان ـ ولأسباب عدّة ـ أهم برهان فلسفي بين براهين إثبات الله، ويمتاز بجاذبية دائمة، إذ لايزال لحدّ الآن علي نفس درجة الجذابية والإمتاع التي كانت له في القرون الوسطى)([5])

سار بي قليلا في أرجاء المكتبة، ثم أشار إلى بعض الكتب، وقال: في هذا الكتاب نرى [توما الأكويني] الذي ترتقي أهميته إلى القديس أغسطين، يسجل في كتابه المعروف (خلاصة اللاهوت) خمسة براهين لإثبات الله مستقاة من الفلسفة الأرسطية والثقافات الأفلاطونية المحدثة، والمسيحية، والإسلامية، وهي: برهان الحركة أو التغيير.. وبرهان العلية.. وبرهان الإمكان.. وبرهان درجات الكمال.. وبرهان النظم.

سار بي قليلا في أرجاء المكتبة، ثم أشار إلى بعض الكتب، وقال: في هذه الكتب نرى براهين ذكرها فلاسفة عقليون مثل ديكارت، وليبنتس، وباسكال.. فديكارت يستنتج وجود الله من الإدراك الواضح لتصوّر الله أو مفهوم الله.. وليبنتس يستنتج وجود الله من التبيان الذاتي لوجود الله (الاعتماد على مبدأ الجهة الكافية).. أما باسكال الذي هاجم براهين إثبات الله وشدّد على أهمية الإيمان، فأطلق نظريته المعروفة [المراهنة] على حدّ تعبير كابلستون، مقدماً دليلاً لإثبات وجود الله، فحواه أن وجود الله ينطوي علي احتمال أكبر قدر من المنفعة وأقل قدر من الضرر؛ وهكذا قدّم هذا الفريق من الفلاسفة والمتكلّمين براهين جديدة مؤسّسين للاهوت جديد.

سار بي قليلا في أرجاء المكتبة، ثم أشار إلى بعض الكتب، وقال: في هذه الكتب نرى براهين ذكرها فلاسفة وأدباء وعلماء ممن أُطلق على تصوّراتهم حول الإله اسم [اللاهوت الطبيعي]، وقد سجلوا حضورهم على صعد شتى منذ عصر النهضة، بل حتى قبل ذلك، إلى نهايات القرن الثامن عشر وبواكير التاسع عشر.. وكان من ألمعهم فولتيير، ومونتسكيو، وغاليلو، ونيوتن، وروبرت بويل، وجون راي، ووليام بالي.. والفكرة الرئيسة لدى هؤلاء الطبيعيين هنا هي أن بالمقدور معرفة الله وحكمته عن طريق النظر الدقيق في الطبيعة، ولا حاجة بنا من أجل ذلك إلى اللاهوت الوحياني.

وبالطبع لم يكن هؤلاء يشكّلون جماعةً منتظمة ذات معتقدات متماثلة متشابهة، إنما يمكن رصد أشخاص من بينهم ـ نظير نيوتن ـ لم يتزحزح إيمانهم بالله والمسيح كما ترويه الأناجيل، لكنهم سعوا إلى تكريس دعائم المسيحية علمياً.

كما نجد منهم شخصيات هاجمت اللاهوت الوحياني وأنكرت عليه، وقد ركّز الطبيعيّون جميعهم على برهان النظم وإتقان الصنع.. وانبرى نيوتن في كتاب [البصريات] للدفاع علمياً عن صفة النظام في العالم ودلالتها على حكمة الخالق.. وأطلَّ جون راي (عالم النبات) في كتابه [حكمة الله تتجلّى في آثاره] بنظرة علمية على إتقان الصنع.. وقدم وليام بالي في كتابه [اللاهوت الطبيعي] نماذج لظواهر طبيعية بوصفها أدلةً على وجود الله، وقال روبرت بويل: إن العلم رسالة دينية تتمثل في الكشف عن أسرار الطبيعة التي أودعها الله في العالم)

سار بي قليلا في أرجاء المكتبة، ثم أشار إلى بعض الكتب، وقال: في هذه الكتب نرى انتقادات وجهها علم اللاهوت المسيحي للأطروحات المادية التي ظهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من أمثال أطروحات ديفيد هيوم، وتشارلز داروين، وعمانوئيل كانط، ومن أمثلتها طروحات [شلايرماخر] المهمة المتعلقة بـ [نظرية التجربة الدينية]، ورودولف بولتمان بـ [معرفة الذات الوجودية]، وكارل هايم بتوكيداته على المجال النفسي، وتيليخ باللاهوت المنتظم، وكريكجارد بالثيولوجيا الأنفسية، ووايتهايد باللاهوت القائم على فلسفة الحركة، كما قدّم بعضهم اللاهوت المعتدل، فيما ركّز فلاسفة آخرون على الأخلاق الإنسانية، محاولين ـ كلّهم ـ إحياء الثيولوجيا بلغة جديدة أو الدفاع عن الإيمان الديني حيال تيارات الإلحاد واللادين والنقود العلمية والفلسفية.

ومن الملاحظات المهمة المرتبطة بهذا أن هذا التيار انطوى على ضرب من العودة إلى اللاهوت الوحياني؛ إذ نلاحظ مثل هذه العودة في أعمال الكُتّاب الإنجيليين؛ فجون بيلي ـ على سبيل المثال ـ أحد رموز هذا التيار ويعتبر في كتابه [معرفتنا لله] أنّ العهدين: القديم والجديد خاليان من براهين تثبيت وجود الله، ويقول: إن الله في العهدين: الجديد والقديم وجودٌ متفرد ينبغي معرفته عبر توجّه الروح والنفس الإنسانية إلى ذاتها.

سار بي قليلا في أرجاء المكتبة، ثم أشار إلى بعض الكتب، وقال: في هذه الكتب نرى ردودا علمية على الملاحدة الذين ظهروا في العصر الحديث من أمثال برتراند راسل، وجون هاسبرز، وبعض الوضعيين المنطقيين كرودولف كارناب، وألفرد جولز آير..

سار بي قليلا في أرجاء المكتبة، ثم أشار إلى بعض الكتب، وقال: في هذه الكتب نرى طروحات كثيرة تتعلق ببراهين ذكرها فلاسفة ولاهوتيون مسلمون حول وجود الله.. منها برهان النهايات.. وبرهان الشبه.. وبرهان الاجتماع.. وبرهان الأعراض.. وبرهان استحالة التسلسل.. وبرهان التخصيص.. وبرهان ترجيح الوجود.. وبرهان الخلود.. وكلها قائمة في الأساس لإثبات حدوث العالم، وحاجته إلى موجود قديم أي الله.

سار بي قليلا في أرجاء المكتبة، ثم أشار إلى بعض الكتب، وقال: في هذه الكتب نرى طروحات بعض علماء المسلمين من أمثال الغزالي والفخر الرازى، والتي تستعمل أدوات أخرى في البرهنة على وجود الله، منها هذه الرسالة المسماة [الحكمة في مخلوقات الله عزوجل]، والتي تطرّق فيها الغزالي لوصف حياة وطباع بعض الحيوانات على غرار القائلين بنظم الصنع وإتقانه، ليستدلّ بذلك على وجود الله ويتحدث عن علمه وقدرته وحكمته.. ومثله الفخر الرازي في كتابيه: [المطالب العالية من العلم الإلهي] و[المباحث المشرقية] حين عرض برهان الإمكان والوجوب لإثبات وجود الله.

سار بي قليلا في أرجاء المكتبة، ثم أشار إلى بعض الكتب، وقال: في هذه الكتب نرى طروحات أمثال المفضل، والشيخ الصدوق، والشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والتي اعتمدوا فيها على أحاديث أئمتهم من أمثال الإمام علي والإمام الصادق والإمام الرضا؛ ليستدلّوا بالخلقة والنظام وعظمته على وجود الإله الحكيم..

وتليها كتب أخرى ألفها نصيرالدين الطوسي، والعلامة الحلي، وميثم البحراني، واللاهيجي، والذين استعانوا ببراهين الحكماء في هذا المجال مثل برهان الإمكان والوجوب، وغيرها من البراهين.

سار بي قليلا في أرجاء المكتبة، ثم أشار إلى بعض الكتب، وقال: في هذه الكتب نرى كتب الفلاسفة وما فيها من البراهين على وجود الله من أمثال الكندي والفارابي مؤسّس الفلسفة الإسلامية، والذي أتى ببرهان الوجوب والإمكان المعروف لإثبات وجود الله في كتبه المختلفة، مثل [عيون المسائل] و[آراء اهل المدينة الفاضلة] و[شرح رسالة زينون]. وقد أضحى هذا البرهان فيما بعد أساساً فلسفياً مهماً لمفكّرين كبار نظير ابن سينا والملاصدرا.

سار بي قليلا في أرجاء المكتبة، ثم أشار إلى بعض الكتب، وقال: في هذه الكتب نرى براهين أثبتها ابن سينا أكبر الفلاسفة المشائين المسلمين، في مباحث الطبيعيات عن الله بوصفه علّة العلل والمحرك الأول مستعيناً بأدلّة من قبيل العلية والحركة.

أشار إلى كتب أخرى، وقال: هذه كتب لابن رشد في التوحيد ومعرفة الله؛ فقد كان ابن رشد ناقداً للفلاسفة والمتكلّمين في الشرق الإسلامي ومناهجهم في إثبات وجود الله، وساق في كتابه [الكشف عن مناهج الأدلة] دليلين في معرفة الله أسماهما: الاختراع والعناية. وكلا الدليلين مستلهم من القرآن الكريم.. وفي الدليل الأول (الاختراع) يجري الحديث عن مصدر إيجاد الحياة في الموجودات أو المواد الجامدة.. وفي دليل العناية يجري الحديث عن أنّ الإنسان محور كافة المخلوقات؛ إذ إنّ كل شيء قد خلق من أجله فهو المحظيُّ بالعناية الخاصة من بين كل الأشياء والمخلوقات، وهكذا فإنّ علّة ذلك الاختراع وفاعل هذه العناية هو الله.. ويعتمد ابن رشد أيضاً على برهان المحرك الأول لأرسطو ويشرحه.

أشار إلى كتب أخرى، وقال: هذه كتب للفلاسفة الطبيعيين المسلمين كمحمد بن زكريا الرازي، وأبي ريحان البيروني، والذين اعتبروا الله العلّة الأولى والصانع الحكيم، واستدلوا على ذات الخالق بواسطة الصياغة التجريبية لبرهان العلية وبرهان يشبه برهان النظم.

***

بعد كل تلك الحوارات والشهادات قررت أن أجرب التواصل مع الله بنفسي، لكني لم أجربه كما يجربه أولئك المستكبرون الذين يقفون أمام الملأ، ويتحدون الله بأن يحقق لهم رغباتهم حتى يمنوا عليه بالاعتراف به والإذعان له.. فقد رأيت أن ذلك مسلك تضليلي، وحتى البشر لا يقبلونه لأنفسهم، فهو إذلال للآخر، وليس طلبا له أو منه.

ولذلك رحت بكل تواضع وأدب وسكون أختلي وحدي مع الله، وأخاطبه بكل رقة وحنان وأدب وعبودية، وأقول له: يا رب لقد امتلأ عقلي بالوساوس التي تصرفني عنك، فإن كنت موجودا وقادرا فقيض لي من وسائط هدايتك ما يدلني عليك.. واقذف في قلبي الإيمان لأعرفك، وأتأدب بين يديك.

ما فعلت هذا حتى شعرت براحة نفسية عميقة، ثم شعرت بعدها بأنوار تتنزل علي، ثم ما لبثت حتى وجدت وسائط الهداية الذين علموني كيف أتعامل مع الله، وكيف أقضي عمري جميعا في صحبته والتواصل معه.

برهان القيم:

بعد أن أنهى الرجل الأول حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن حدثكم صديقي وأخي عن [برهان التواصل]، وكيف خرج به من ظلمات الجهل والغواية إلى نور الإيمان والهداية.. فاسمعوا حديثي عن برهان من براهين الهداية المبينة، أطلقت عليه اسم [برهان القيم].. وهو برهان يدل على الله من كل الوجوه، وبكل المقدمات، وبجميع اللغات..

وقد دفعني إلى هذا البرهان ما وجدت عليه من رذائل وانحرافات في المجتمعات الملحدة، أو فيمن تبنى الإلحاد فكرا أو عقيدة أو سلوكا.. وفهم سر ذلك ليس صعبا، ذلك أن الملحد لا يعتقد بأي ضوابط أخلاقية.. وفي حال اعتقاده بها، فهو يرى أنه هو وحده من يضع تلك الضوابط، ولا يحق لأحد غيره أن يفرضه عليها.. وفي التنفيذ لا يرى نفسه ملزما بها، لأنه لا يخاف أي عقوبة على انحرافه، ولا يرجو أي جزاء على استقامته.. ذلك أن نظرية للأشياء مادية براغماتية لا مبدئية وأخلاقية.

في تلك الأيام التقيت أول من أرشدني إلى الاهتمام بهذا النوع من التفكير، وقد كان من كبار المفكرين المطلعين على الفلسفات المادية والناقدين لها، كان اسمه [علي عزت بيجوفيتش]، وقد كان حينها رئيس البوسنة والهرسك، ولكن مع ذلك كان في غاية التواضع والأدب.. وما كان له ليكون كذلك لو لم يكن ممتلئا بالقيم الإيمانية.

قال لي، وهو يحاورني([6]): لقد لاحظت من خلال مقارناتي الكثيرة بين الموقف المادي من الأخلاق والقيم والموقف الإنساني أن الأخلاق المادية تنطلق من التسوية بين الإنسان والمادة، وبذلك يصبح الهدف الوحيد لكل منهما هو البقاء.. وآلياته الأساسية هي الذكاء والقوة.. في هذا الإطار المادي لا يمكن أن نتحدث إلا عن الفعل ورد الفعل.. فالمثير المادي تتبعه استجابة مادية بلا تردد أو ثنائيات أو ذكريات أو كوابح أو محرمات.

وفي هذا الصراع من أجل البقاء المادي لا يفوز الأفضل بالمعنى الأخلاقي، وإنما الأقوى، والأكثر تكيفا مع قوانين الطبيعة، أي الأفضل بالمعنى الطبيعي المادي.. لا الأفضل بالمعنى الإنساني..

قلت: فما سر هذا الفرق؟.. ولم كان الأمر كذلك؟

قال: تفسير ذلك سهل.. لأن صوت الطبيعة الذي عبر عنه نيتشه الذي دعا إلى قتل الإله هو: (تخلَّص من الضمير والشفقة والرحمة.. اقهر الضعفاء واصعد فوق جثثهم)

وهو ما عبر عنه نيتشة ـ عند حديثه عن المجتمعات الإنسانية ـ بقوله:(الإنسان جاء إلى الحياة ليتمتع بما فيها، وكل ما يهيء له طريق التمتع فهو خير، وما يقال عن تساوي الخلق بعضهم مع بعض خطأ، بل الحق أن في الناس سادة وعبيدا، وعلى العبيد أن يهيئوا وسائل الراحة للسادة)

وما عبر عنه ـ عند حديثه عن الاقتصاد ـ بقوله:(لابد أن يستثمر القوي الضعفاء بأقل ما يمكن، وأن يحاول كل مكار خداع السيطرة على الآخرين في هذا المجال)

وما عبر عنه ـ عند حديثه عن الأخلاق ـ بقوله:(والأخلاق من الضعف؛ إن الجزء الأعظم من فطرة الإنسان التعدي والظلم، وإن الجزء الأقل هو العقل والعاطفة، والجزء الأعظم هو الذي يجب أن يتبع)، وقوله:(ولابد أن يمارس الإنسان كل نوع من أنواع الإجرام ليعيش في رفاه وسعادة)

وما عبر عنه ـ عند حديثه عن السياسة ـ بقوله: (وعلى هذا الأساس فالسياسة تقوم على خدمة الأقوياء وسحق الضعفاء وكل ما هناك من الدين والأخلاق فإنما هو وسيلة للسيطرة على المستضعفين)

وهكذا في كل الشؤون كان نيتشة ممثلا للمادية والإلحادية بأجلى صورها وأفصح لغاتها.. وما فعله ليس سوى تطبيق للمبادئ الإلحادية، ولقوانين البيولوجيا على الإنسان، فكانت النتيجة المنطقية هي نبذ الحب والرحمة وتبرير العنف والكراهية.

وبذلك فإن الأخلاق المادية هي النفعية المادية، ومن ثم يكون الانغماس في كثير من النشاطات المادية للإنسان التي تحقق الربح المادي له هو قمة الالتزام الخلقي المادي.

قلت: هلا ضربت لي مثالا على القيم المادية، ليتضح الأمر لي.

قال: من الأمثلة الواضحة التي تراها أين سرت في المجتمعات الغربية خصوصا، ما يسمى بالجرائم المقنَّنة.. أي التي يسمح بها القانون.. كالفن الإباحي، والكتابات الداعرة، واستعراضات العرايا، وقصص الجرائم وما شابه ذلك.. فأي فيلم داعر أرخص في إنتاجه عشرات المرات من إنتاج فيلم عادي، وأرباحه تزيد عشرات المرات على أرباح الفيلم العادي.

إن إنتاج أمثال هذه الأفلام من منظور المعايير المادية أفضل من إنتاج فيلم يلتزم بالمعايير الثقافية والإنسانية.. ومع غياب أي منظومات أخلاقية متجاوزة للنظام الطبيعي المادي تصبح اللذة هي الخير والألم هو الشر.. ويصبح ما يحققه الإنسان نفسه من منفعة مادية تزيد من إمكانيات بقائه المادي هو الخير الأعظم، أو كما عبر عنذلك [بنتام] صاحب مذهب المنفعة: (لقد أخضعت الطبيعة البشر لحكم سيدين، هما: اللذة والألم، فهما وحدهما اللذان يحكمان أفعالنا)

قلت: ألا يمكن للعقل المادي أن يولد منظومات أخلاقية يستغني بها عن الدين؟

أجابني بقوله: لا.. ذلك مستحيل.. فالعقل يستطيع أن يختبر العلاقات بين الأشياء ويحددها، ولكنه لا يستطيع أن يصدر حكمًا قيميًا عندما تكون القضية قضية استحسان أو استهجان أخلاقي.. فالطبيعة والعقل على السواء لا يمكنهما التمييز بين الصحيح والخطأ، بين الخير والشر.. فهذه الصفات ليست موجودة في الطبيعة.

قلت: ولكني أرى الكثير من السلوكات الطيبة في المجتمعات التي لا تهتم بالدين، ولا تعترف بالإله.

قال: ذلك صحيح.. ولكنه محدود بذلك المجال.. فمحاولة إقامة الأخلاق على أساس عقلي لا تستطيع أن تتحرك أبعد مما يسمى بالأخلاق الاجتماعية، أو قواعد السلوك اللازمة للمحافظة على جماعة معينة.. وهي في واقع الأمر نوع من النظام الاجتماعي.. أو نوع من الإجراءات والقوانين الخارجية، كما أن التحليل العقلي للأخلاق يختزلها إلى أنانية وتضخيم للذات.

قلت: ولكن مع ذلك ألا نستطيع أن نقول بأن الإنسان في تلك المجتمعات قد تجاوب مع ذلك الوضع، وبالتالي أصبح طبيعيا وفطريا بالنسبة له؟

قال: ذلك في ظاهر الأمر.. لكن حين نتفحص الأمر بشيء من العمق نجد أن في الإنسان ما يرفض هذا النموذج المادي.. بل نجد ما يدل على أن الأخلاق الحقيقية ضد الطبيعة والمادة..

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألا ترى أن الإنسان يضحي بنفسه من أجل الوطن أو من أجل جوانب معنوية ليست لها أي قيمة مادية، ويموت دفاعا عن الشرف، وهو، حينما يرى مشهد العدالة المهزومة، قد يهب لنصرة المظلوم برغم القوة الغاشمة، وبالرغم من أنه يعرف أن هذا قد يودي به، ولكن مع ذلك يكون على استعداد للتضحية بنفسه من أجل الغير.. فإذا غامر الإنسان بحياته فاقتحم منزلا يحترق لينقذ طفل جاره، ثم عاد يحمل جثته بين ذراعيه، فهل نقول إن عمله كان بلا فائدة لأنه لم يكن ناجحا!؟

قلت: هل تعني بذلك أن القيم الإنسانية تتناقض مع الإلحاد؟

قال: أجل.. فالتضحية على سبيل المثال تمثل خطًّا فارقًا ملموسًا فاصلاً بين الإنسان والحيوان.. وهو مبدأ مناقض لمبدأ المصلحة والمنفعة والحاجات..

قلت: لكني أرى المجتمعات المتقدمة..

بمجرد أن قلت هذا راح يقاطعني، ويقول: بأي معيار تصنفها مجتمعات متقدمة.. إن هذا مصطلح استكباري عنصري لا علاقة له بالأخلاق، ولا بالقيم.. وهو مفهوم مادي، لا علاقه له بالإنسان، ولا بقيم الإنسان.

بل إن هذه المجتمعات التي تصفها بذلك الوصف انحرفت بالإنسان انحرافا شديدا مليئا بالعنصرية والاستبداد والتكبر..

***

كان هذا أول هاد اهتديت به إلى ما في الإلحاد من انحرافات، وتبين لي من خلاله أنه لا يمكن أن تقوم للإنسان قائمة من غير دين يحفظ وجوده وحقيقته وقيمه، ولو لم يكن في الدين إلا هذه المصلحة لكفى.

التقيت بعده عالم أخلاق، قال لي، وهو يحاورني، بعد أن طرحت عليه تساؤلاتي حول إمكانية الجمع بين التحرر من الدين والتحلي بالقيم([7]): هناك مشاكل كثيرة تحول دون ارتباط القيم النبيلة بالإلحاد.. أولها، وربما تعرفه هي أنه لا وجود في المنطق الإلحادي لشيء اسمه النبل أو الأخلاق.. لأن كل شيء مادي.. والمادية يستوي أمامها كل شيء..

والثاني، وهو الأخطر هي أن صاحب الخلق يقوم بالكثير من التضحيات والمتاعب والمجهودات، وهو لذلك ينتظر عوضا.. فقد يكون الصدق ـ مثلا ـ سببا في خسارة مالية، أو فقدان مكانة اجتماعية، بل قد يوقع الصدق أحيانا في عقوبات جسدية.. ونفس الشيء يقال عن الكذب، فالكاذب لا يعاقب دائماً على كذبه في الدنيا، بل قد يكون كذبه وسيلة إلى كسب مالي، أو نيل منصب اجتماعي، أو تفادي أذى جسدي، ولولا ذلك ما كذب إنسان.

فالمشكلة إذن هي أن الذين ينفعون المجتمع قد يصابون بأضرار مادية، بينما الذين يضرونه قد ينتفعون مادياً.. فإذا لم يكن هنالك وازع مثل الوازع الموجود في الدين، وهو وجود خالق يرى ويسمع ما يفعل البشر، ودار أخرى يثيب الله فيها المحسن على إحسانه، ويعاقب المسيء على إساءته، فإن الكسب المادي في هذه الحياة هو وحده الكسب المعتبر في النظرة المادية، أما الصادقون الأمناء الموفون بعهودهم فهم بهذا الاعتبار المادي مغفلون لا عقل لهم.

والنتيجة الطبيعية الخطيرة لهذا، هي أن سيطرة مثل هؤلاء على المجتمعات وعلى العالم يصبح تقويضاً لكل المبادئ التي تقوم عليها الحياة الإنسانية.

سكت قليلا، ثم قال: ليس ذلك فقط ما لم يفطن له أولئك المجرمون الذين ينشرون الإلحاد بين الناس باسم التنوير.. هم لا يعرفون أن عامة الناس مفطورون على أن هذه القيم قيم يحسن بهم أن يلتزموا بها، فهي جزء من تكوينهم العقلي، وهم يشعرون لذلك بالسعادة حين يصدقون الحديث، ويؤدون الأمانة، ويوفون بالعهد.. ويشعرون بالشقاء حين يكذبون، أو يخونون، وينكثون.

ولذلك فإن الملحد الذي يريد أن يتصرف وفق ما يقتضيه إلحاده؛ يمر بحالات يشعر فيها بالتمزق بين وازعه الداخلي، وتفكيره العقلاني؛ فبينما يقول له الوازع الداخلي: اصدق فهذا أريح لنفسك وأسعد لقلبك. يقول له فكره: لكنك تعتقد أنه ليس وراء الحياة من حياة، والصدق في هذه الحال يفوِّت عليك لذة عاجلة، ففيم التضحية بها وأنت لا تنتظر أخرى بعدها آجلة؟

قلت: لكن الواقع أنه ما كل الملحدين كذابون، ولا كل المؤمنين صادقون؛ فقد يصدق الملحد، وقد يكذب المؤمن.

قال: أجل.. لكن الملحد حين يصدق يتناقض مع مقتضيات مبدئه، أي إنه لا يصدق صدقاً يفوِّت عليه مصلحة إلا حين يتخلى مؤقتاً عن مبدئه أو عن عقله.. أما المؤمن فالأمر بالنسبة له عكس ذلك تماماً، فهو حين يكذب يكون قد سلك سلوكاً يتناقض مع مبدئه ومع عقله، وحين يصدق يكون موافقاً لهما ولفطرته.. وعليه فإنه كلما كثر عدد الملحدين، واشتد اقترابهم من مقتضيات مذهبهم فإن الكذب عندهم سيزداد لا محالة، وكلما كثر عدد المؤمنين واشتد استمساكهم بدينهم، ازداد عدد الصادقين منهم لا محالة.

قلت: لقد سمعت بعض الفلاسفة الماديين يذكر أنه لا معنى للسلوك الخلقي الذي يمارسه المتدينون.. ذلك أن من يعمل الخير رجاء الثواب لا يكون سلوكه هذا سلوكاً خُلُقيا،ً بل تجارياً؟

ابتسم، وقال: وليكن تجاريا.. وما الضرر فيه.. ما دامت التجارة مع الله.. وما دام ذلك المضحي الذي تألم بسبب تضحيته وصدقه يشعر بلذة ما فعل، وأن ما فعله من خير سيعوض عليه.. ألم يعلم هؤلاء أن التضحية المطلقة التي يدعون إليها، وهم يكذبون في ذلك، أمر يتنافى مع العقل الذي يسير عليه الناس في حياتهم الدنيوية كلها، وإلا لو كانت مثل هذه التضحية مما يدعو إليه العقل، لكان أعقل الناس هم الذين لا يسعون لنيل لذة، ولا يعملون على اتقاء أذى.. وإذا كان هذا غير سائغ عقلاً فلماذا يسوغ في حالة السلوك الخُلُقي؟.. وما الفرق بين هذا السلوك وغيره من أنواع السلوك؟

قلت: قد يقال إن الفرق هو ما ذكرته من أن في الإنسان وازعاً داخلياً يدعوه إلى السلوك الخُلُقي؟

قال: وهنا تكمن مشكلة أخرى للملحد الذي لا يجد كيف يوفق بين ذلك الوازع الداخلي الذي يدعوه إلى مكارم الأخلاق، والعقل الذي يدعوه إلى تحصيل ما ينفعه ودرء ما يضره.. فأنت ترى أنه لا حل عند الملحد؛ لأن إلحاده يوجب عليه، إما أن يكون داعياً إلى نبذ الأخلاق، أو يكون داعياً إلى نبذ العقل، وكلا الطرفين في قصد الأمور ذميم.

قلت: فكيف يحل الدين هذا الإشكال؟

قال: الدين الحق يحل هذا بطريقة بسيطة، وهي أنه يقنع العقول والقلوب بأن الأخلاق نفسها تقتضي أن يثاب المحسن على إحسانه، ويعاقب المسيء على إساءته.. ولكن هذا لا يأتي في دار الدنيا كما هو مشاهد.. ولا يمكن إذن أن يأتي إلا في حياة أخرى بعد هذه الحياة.. وأنت تعلم طبعا أنه لا يمكن القول بوجود حياة ثانية، ووجود جزاء فيها إلا إذا اعتقدنا بأن هنالك إله عليم عادل حكيم، يعلم ما يعمل الناس في حياتهم الأولى ليجازيهم عليه في حياتهم الأخرى.. فالمؤمن يعمل الخير لأن الله فطره على حبه، ويعمله لأن الله يثيبه على فعله، ولا تناقض بين الأمرين لأن إثابة المحسن هي نفسها مبدأ خلقي.

سكت قليلا، ثم قال: من خلال بحثي في هذا الجانب وجدت القرآن.. الكتاب المقدس المسلمين.. مليئا بمثل هذه المعاني، ففيه هذه الآية التي أعتبرها شعارا عظيما للقيم.. { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } [الرحمن: 60].. وأنت ترى أن السؤال في الآية سؤال استنكاري، وكأنها تقول: إن هذا هو الأمر الذي تدلكم عقولكم على أنه ينبغي أن يكون؛ فكيف تتوقعون غيره؟

تجول قليلا في أنحاء القاعة، ثم قال: إن هذا البرهان الذي يدل بكل اللغات والأساليب على وجود الله.. بل على ضرورة وجوده.. لا يرتبط بنا فقط كبشر، بل هو يرتبط بنظام كوني عظيم ممتلئ بالتناسق والعناية الدالتين على أن لهذا الكون مبدعاً حكيماً رحيما.. والحكيم لا يفعل شيئاً عبثاً.

ولذلك كان عدم وجود دار آخرة يلقى فيها المحسن ثواب إحسانه، والمسيء عقاب إساءته مما يتناقض مع تلك الحكمة وذلك الإحكام.

وقد رأيت من خلال مطالعاتي الكثيرة للقرآن كتاب المسلمين المقدس أنه يدعو إلى التفكر في الكون لمعرفة أن له خالقاً حكيماً لم يخلق أي شيء عبثاً ولا لعباً ولا باطلاً، وإنما خلق بالحق، أي من أجل غاية.. وقد وجدت في أكثرها ربطاً بين نفي البطلان واللعب والعبث عن خلق الكون، وبين أنه لا بد أن تكون هناك دار آخرة.. أي إنه لو لم تكن آخرة لكان خلق هذا الكون كله عبثاً وباطلاً ولعباً ولم يكن حقاً؛ لأن هذا يتنافى مع الإحكام الذي فيه، ومع ما يدل عليه هذا الإحكام من كونه مخلوقاً لخالق حكيم..

فالخالق الحكيم لا يخلق خلقاً فيأمرهم وينهاهم، ثم يجعل مصير الذين استجابوا لرسله فعملوا صالحاً كمصير الذين تمردوا عليهم وخاضوا فيكل فعل قبيح؛ فالآخرة إذن ضرورة خُلُقية.

اسمع لهاتين الآيتين لترى كيف جعلت الإحكام في خلق الله دليلاً على ضرورة وجود الآخرة: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الجاثية: 21، 22]

واسمع لهاتين الآيتين كيف ربطت أولاهما بين خلق السموات والأرض بالحق، وبين عدم الظلم، وكيف ربطت الآية التالية بين عدم خلقها باطلاً وبين مساواة المحسنين بالمسيئين: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 27، 28]

سكت قليلا، ثم قال: إن الآخرة ضرورة خُلُقية، ولو شئت لقلت ضرورة عقلية؛ لأن المبادئ الخُلُقية، هي من بين الموازين التي فطر الله عليها العقول لقياس الأمور وتقويمها، فالذي يتنافى مع الأخلاق يتنافى مع هذا العقل الفطري.

قلت: فكيف تخاطب من لا يؤمن إلا بما تقوله العلوم المادية؟

قال: العلوم المادية البحتة لا تتنافى مع الله، ولا مع اليوم الآخر، بل هي تدل عليهما.. والمشكلة ليست فيها، وإنما في توجيهها وفلسفتها.. ولذلك فإن الذي يتصور الحياة محصورة في تلك القوانين المادية، ويلغي الروح والقيم المرتبطة بها يسيء إلى تلك العلوم لأنه يحملها فوق ما تحتمل، ذلك أنه لا مكان في الفيزياء ولا في غيرها من العلوم الطبيعية للقيم الخٌلٌقية، أو الجمالية أو غيرها من القيم؛ ذلك لأن مجال هذه العلوم إنما هو الكائنات الطبيعية، لكن الناس لا يكفيهم في حياتهم علمهم بالطبيعة مهما ازداد وعظم؛ إنهم يحتاجون مع هذا إلى قيم يهتدون بها في معاملاتهم، فإذا حلَّت العلوم الطبيعية محل الدين كما يريد لها الملحدين في عصرنا، وإذا حُصر الحق فيما يأتي عن طريق هذه العلوم؛ فأنى يجد الناس تلك الهداية التي هي من ضرورات حياتهم؟

سكت قليلا، ثم قال: إن كثيراً من ملاحدة العلماءالطبيعيين يعترفون بهذه المشكلة لكنهم لا يحيرون لها جواباً.. فقد نقل (تيلر) عن عالم الأحياء البريطاني (ميداور) وهو ملحد مثله قوله: (إن الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالبدايات والنهايات أمر خارج – منطقياً – عن مقدرة العلم الطبيعي)([8]).. ثم يعلق على هذا بقوله: (إن هذا مسلك يصعب قبوله، فما زالت هنالك فجوه في حياة أناس كثيرين بسبب انعدام الغاية هذه. لقد كتب العالم النفسان كارل يونج: (إنه لم يكن من بين مرضاي الذين هم في النصف الثاني من عمرهم أحد لم تكن مشكلته في النهاية هي الظفر بنظرة دينية إلى الحياة)

ثم ينقل عن صحفي معاصر – يقول عنه: إنه ابن لأحد الفيزيائيين – قوله: (إن العلم الطبيعي ليس سلعة محايدة أو بريئة يمكن أن يستخدمها للاستفادة منها قوم لا يريدون إلا أن يكون لهم نصيب من قوة الغرب المادية.. إنه مدمر روحياً، مودٍ بكل المرجعيات والتقاليد القديمة.. وبعد أن يودي بكل منافسيه يبقى السؤال: أي نوع من الحياة تلك التي يقدمها العلم الطبيعي لأهله؟.. ماذا يقول لنا عن أنفسنا وكيف نحيا؟)، ثم يجيب على ذلك بقوله: (ليس هنالك من جواب جاهز على هذا السؤال)

***

كان لكلمات عالم الأخلاق المؤمن تأثيرها الكبير على نفسي، لكنها لم تؤثر فيها التأثير الكافي، فقد كنت أتصور أنه يمكن للملاحدة والماديين أن يجدوا منافذ لهم تعوضهم عن الله واليوم الآخر، ومن تلك المنافذ القوانين.. وقد دعاني إلى ذلك ما رأيته من تأثير القوانين وصرامتها في بعض المجتمعات الملحدة..

ولهذا رحت لصديق آخر لي، كان يعمل أستاذا في الجامعة، وكان باحثا في تاريخ القوانين.. رحت أسأله عن العلاقة بين القانون الاخلاق، وهل يمكن إقامة القانون من دون أخلاق؟.. وكان قصدي من هذا السؤال هو إيجاد مخرج للإلحاد حتى يستطيع الحفاظ على القيم من دون تفريط في تصوراته الفكرية.. أي أن تصبح القوانين الرادعة هي المحفز والزاجر بدل الإله.

عندما سألته عن هذا تأمل قليلا، ثم قال: سأضرب لك مثالا تستنتج من خلاله هذه العلاقة.. فلنفرض أنه طرحت قضية أمام القانون، وتعمد الفريقان وشهودهما الكذب، فلم يتبين الصدق أمام القاضي.. حينها هل يمكن للقاضي أن يقضي بالعدل؟

قلت: ذلك مستحيل..

قال: أجل.. ذلك مستحيل.. لأنه لابد من قانون آخر يحرك الناس، ويحملهم على الإدلاء بالبيانات الصادقة للوصول الى العدل.. لقد اعترفت جميع محاكم العالم بهذا المبدأ، حتى أنها تلزم كل شاهد بالقسم قبل الإدلاء بشهادته.. وهو دليل يؤكد أهمية العقائد الدينية لصون حرمة القانون.

سكت قليلا، ثم قال: أمر ثان.. وهو لابد أن تعرفه بخصوص هذه العلاقة، وهو أن القانون لا يمكن أن يؤثر حتى يشعر مرتكب الجريمة بأنه مذنب، ويعتبره المجتمع مذنبا.. ويقبض عليه رجال الشرطة بكل اقتناع، ثم يصدر قاضي المحكمة ـ وهو في غاية الاطمئنان ـ حكما ضد ذلك الرجل.. ولذلك كان لابد أن تكون كل جريمة ذنبا أيضا..

لقد نص على هذا أصحاب المدرسة التاريخية من رجال القانون، فقد قال أحدهم: (إن أي تشريع لن يصيب هدفه الا اذا كان مطابقا للاعتقادات السائدة عند المجتمع الذي وضع له ذلك القانون، ولو لم يطابق التشريع اعتقادات المجتمع، فلابد من فشله)

سكت قليلا، ثم قال: أمر ثالث.. وهو أن خوف الشرطة والمحكمة لايكفي لدرء الجرائم، وإنما لابد أن يكون هناك وازع في المجتمع يمنع الناس من ارتكاب الجرائم، لأن الرشاوي، والمحسوبيات، وخدمات المحامين البارعين، وشهود الزور كلها عوامل تكفي لحماية المجرم من أي شرطة أو محكمة إنسانية، والمجرم لايرهب عقابا، أي عقاب، لو استطاع أن يفلت من أيدي القانون.

بعد أن ذكر لي هذا رحت أقول له: فما البديل إذن؟

قال: البديل الوحيد المتاح للإنسان هو العودة لله.. فلا يمكن أن يكتشف نفسه، ولا حقيقته، ولا قيمه، ولا فطرته من دون تلك العودة.

قلت: فهلا وضحت لي سر ذلك؟

قال: لأن الشرع الالهي يستوفي كل ما ذكرته لك من أمور، فعقيدة الآخرة، التي يحملها الشرع الالهي، هي خير وازع عن ارتكاب الجرائم، وهي تكفي لتبقى إحساسا بالجريمة واللوم يعمل في قرارة ضمير الانسان،لو أدلى بشهادة كاذبة أمام القاضي.

والوازع الذي يمنع من ارتكاب الجرائم ليس هو الدين في حد ذاته، فإنه لايقدم لنا تشريعا فحسب، وإنما يخبرنا أن صاحب هذا التشريع يشاهد كل أعمالنا من خير وشر.. فنياتنا وأقوالنا وحركاتنا بأكملها تسجل بواسطة أجهزة هذا المشرع، ولسوف نقف بعد الممات أمامه، ولن نستطيع ان نفرض ستارا على أدنى أعمالنا.

ولو أننا استطعنا الهروب من عقاب محكمة الدنيا، فلن نتمكن بالتأكيد من أن نفلت من عقاب صاحب التشريع السماوي.. ولو أننا حاولنا تفادي عقاب الدنيا. فسوف نذوق عذابا مضاعفا يوم القيامة، يفوق عقاب الأرض ملايين المرات، قسوة وعنفا.

قلت: ولكن واقع المتدينين مختلف عما تقول.. بل نجد فيهم المتطرفين الإرهابيين الذين يرتكبون كل أنواع الجرائم؟

قال: هذا وقع لا يمثل التدين ولا الدين.. وهو واقع أسسه المستكبرون واستثمروه.. أما الدين فأعظم من أن يمثله أولئك المتطرفون.

قلت: ولكنهم مع ذلك متدينون.

قال: أرأيت إن وجدت فاكهة مسمومة بسبب بعض المبيدات التي وضعت عليها.. هل تنظف الفاكهة، أم تبحث عن فاكهة أخرى غير مسمومة، أم أنك تحرم الفاكهة على نفسك، وتدعو غيرك لتحريمها؟

قلت: لا أشك أني لا أقوم بالثالث.. بل أقوم بالأول أو الثاني.

قال: فهكذا الدين.. فوجود أفراد مسمومين فيه لا يلغي الدين، وإنما يدعونا إلى البحث عن الدين الإلهي الصحيح الذي يمثل القيم الإلهية التي أرادها الله للإنسان، ومن الإنسان.

***

كانت هذه الكلمات دافعا لي للبحث عن الدين الحق الذي تتوفر فيه كل الخصائص التي تجمع بين مقتضيات العقل والسلوك.. والحمد لله ما أسرع ما تداركتني هداية الله وعنايته الخاصة بي.. وما أسرع ما وجدت الهداة الذين من الله علي بصحبتهم، وبأن جعلني فردا في مجموعتهم.

برهان النبوة:

بعد أن أنهى الرجل الثاني حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن حدثكم صديقي وأخي عن [برهان القيم]، وكيف خرج به من ظلمات الجهل والغواية إلى نور الإيمان والهداية.. فاسمعوا حديثي عن برهان من براهين الهداية المبينة، أطلقت عليه اسم [برهان النبوة].. وهو برهان يدل على الله من كل الوجوه، وبكل المقدمات، وبجميع اللغات..

فالله برحمته لم يتواصل مع آحاد خلقه برعاية حاجاتهم وإجابة دعواتهم فحسب.. ولم يحفظ عليهم حياتهم بالقيم التي وفرها لهم فقط.. وإنما أضاف إلى ذلك إرسال وسائط الهداية لهم ليكونوا نماذج تيسر عليهم تحقيق الكمال، وليبلغوهم الحقائق التي لا يمكن أن يصلوا إليها بعقولهم المجردة.

وقد كان أول ما دفعني إلى هذا البرهان هو شعوري بأن الذي خلق هذا الكون ـ إن كان موجودا فعلا ـ فإنه لابد أن يتصل بخلقه بأي طريقة من الطرق ليعرفهم بنفسه أولا، ويعرفهم بحقيقتهم وغاية وجودهم ثانيا، وليعلمهم كذلك القيم التي عليهم أن يسلكوها لينسجم وجودهم مع الكون جميعا.

وقد التقيت حينها رجلا جمع بين الفلسفة والعلم راح يقول لي ـ بعد أن عرضت له ما خطر على بالي ـ: إن ما تقوله صحيح.. ومنطقي.. فيستحيل على من صمم هذا الكون بهذا الإبداع، وأبرز فيه لخلقه كل أنواع العناية والرعاية، أن يغفل عن هذه النقطة التي اهتدى إليها عقلك.. ذلك يستحيل.

ذلك أن الانسان لايستطيع أن يصل الى حقائق الوجود الكبرى بجهوده الشخصية.. ولا يستطيع أن يصل إلى فهم أسرار بدء الحياة ونهايتها.. ولا حقائق الشر والخير.. ولا كيفية تنظيم أجهزة الحياة([9]).

ولهذا ترى قومنا، بل من قبلهم من الفلاسفة تاهوا بعقولهم، ولم يتمكنوا أن يصلوا بها إلى شيء.. لقد ذكر صديقنا [ألكسيس كريل] هذا، فقال: (إن مبادىء الثورة الفرنسية، وأفكار ماركس، ولينين، لاتنطبق إلا على الانسان العقلي المثالى.. ومن الواجب أن نشعر بصراحة تامة بأن قوانين العلاقات الانسانية لم تكشف بعد..أما الاجتماع والاقتصاد وما أشبههما، فهي علوم افتراضية محضة، بدون أدلة يمكن اثباتها بها)

ومثله قال الأستاذ [ج. و. ن. سوليفان]: (إن الكون الذي كشفه العلم الحديث هو أكثر غموضا وابهاما من التاريخ الفكري بأكمله، ولاشك في أن علمنا عن الطبيعة أكثر غزارة من أي عصر مضى، ولكن هذه المعلومات كلها غير مقنعة، فنحن نواجه اليوم الابهام والمتناقضات في كل ناحية)

إن هذا الجهل المطبق للإنسان بمثل هذه الحقائق الضرورية يستدعي البحث عن مصدر آخر نتعرف من خلاله على هذه الحقائق.

ثم التفت إلي، وقال: إن هذه الحالة وحدها تكفي لنتبين حاجتنا الشديدة الى التواصل مع مبدع هذا العالم، ذلك أن سر الحياة يدل على أنه لابد أن تأتي المعرفة من الخارج تماما مثلما يأتينا الضوء والحرارة اللذين تتوقف عليهما حياة الانسان.

قلت: فلم لا يكون هذا التواصل عبر كل شخص على حدة، ولا يحتاج إلى خواص الناس، ليتم التواصل عبر واسطتهم؟

نظر إلى الشمس، وقال: إن طرحك هذا يشبه من يطلب أن يكون لكل إنسان شمسه الخاصة به.. والتي ينير بها الكون متى شاء.. ويجعله مظلما متى شاء.

قلت: ما تعني؟

قال: كما أن الشمس واسطة النور والدفء.. وأشياء كثيرة مما تنعم به أجساد الناس وحياتهم.. فإن وسائط الهداية الإلهية هم شموس الأرواح وهداتها.

قلت: هلا وضحت لي أكثر.

قال([10]): الحدس الشخصي لا يُستفاد منه إلا لتثبيت الإيمان واليقين بعد اقتناع العقل وانكشاف الحقائق، لكنه لا يصلح أن يكون مصدرا يتفق عليه الناس لأنه خاص بكل منهم على حدة، ولا يمكن طبعا أن يُعتمد مصدرا للتشريع والقوانين، فلا يمكن لبقية الناس أن يتحققوا من زعم أحد بأنه تلقى قانوناً إلهياً بحدسه الخاص.

قلت: فلماذا لا تكون حلقة الوصل هذه من كائنات أخرى غير البشر؟

قال: لقد ذكرني سؤالك هذا بآية وردت في القرآن.. كتاب المسلمين المقدس.. ففيه هذه الآية التي تجيبك بكل لفظة فيها: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} [الإسراء: 95]

قلت: لم أفهم المراد منها، فهلا وضحته لي.

قال: هي تريد أن تقول لنا بأن الله يبعث للناس رسلا من جنسهم لكي يتمكنوا من رؤيته ومخالطته والتواصل معه والتعلم من سلوكه وأفعاله وأقواله، وليضعوه أيضا موضع الاختبار والتمحيص.. ولو أن الله منح الناس القدرة على رؤية الملاك المُرسَل في حال إرساله بدلا من رسول بشري، فربما كان الجاحدون سيطرحون اعتراضا آخر من قبيل: وما الذي يضمن لنا أن هذا الملاك مرسل من الله أيضا وليس مجرد كائن فضائي أو شيطان متجسد؟

قلت: إن هذا يقتضي بحثا مستحيلا في هذا الزخم الكبير من الأديان.. فمن أدرانا من هو الصادق من المدعي.

قال: وهنا تكمن مسؤولية الإنسان في البحث عن الوحي الصحيح، والتحقق من صدق نسبته إلى الله وسلامته من التبديل والتحريف، وذلك بالتحقق أولا من صدق الأشخاص الذين زعموا أنهم أنبياء مرسلون من الله، بدراسة سيرتهم ومعجزاتهم وما نُقل عنهم من أقوال وأفعال، ثم بالتحقق من صدق الوحي الذي جاؤوا به، وذلك بعرضه على العقل ودلائل الحس.. وغيرها من أنواع التمحيص والتدقيق.

***

كانت تلك الكلمات القليلة أول ما دفعني إلى القيام بسمح شامل للأديان باعتبارها وحدها من يزعم التواصل مع السماء، لكني اصطدمت بالكثير من أصحابنا الذين راحوا يسخرون منهم، ويزعمون استحالة ذلك التواصل من الناحية العلمية، فكيف يسمع مدعي النبوة، ما لا يسمع الناس، وكيف يتسنى له أن يرى ما لا يرون؟

لكن الله تعالى برحمته ولطفه وهدايته تداركني، فأزال عني تلك الشبهة بأيسر الأدلة وأكثرها إقناعا، قال لي([11]): إن هناك وقائع كثيرة جدا تجري من حولنا في كل لحظة، ونحن نعجز عن ادراكها أو سماعها، أو الاحساس بها بوساطة أجهزتنا العصبية، وقد استطاع العلم الحديث أن ييسر لنا إدراكها بفضل الأجهزة العلمية التي اخترعناها.. وهذه الأجهزة تستطيع أن تدل على صوت ذباب طائر على بعد بضعة أميال، وكأنه يطير عند أذنك.. ومن الأجهزة العلمية ما وصل التقدم فيه إلى حد أنها تسجل صدام الأشعة الكونية في الفضاء.

لقد اخترعنا آلات كثيرة أثبتت أنها تستطيع إدراك كثير جدا من الأحداث التي لايمكننا سماعها بالطرق السمعية التقليدية.. وهذ الطاقة غير العادية للسماع لاتخص الآلات العلمية الحديثة، وانما وهبها الله لبعض الحيوانات أيضا.

فمما لاشك فيه أن جهاز سماع الانسان محدود جدا، ولكن أجهزة بعض الحيوانات تختلف كل الاختلاف؛ فالكلب، مثلا، يستطيع أن يشم ريح الحيوان الذي مر من الطريق، ومن ثم استغلت الكلاب في البحث عن الجرائم والمجرمين..

وهناك حيوانات كثيرة تسمع أصواتا تخرج عن نطاق أسماعنا، وقد أثبتت البحوث في هذا الميدان أن بعض الحيوانات يتمتع بقوة الاشراق.. فلو أنك وضعت حشرة مما يطلق عليه (العثة)، وهي حشرة مجنحة على نافذة مفتوحة، فستحدث صوتا يسمع زوجها على مسافة بعيدة جدا.

وهناك نوع خاص من هذه الحشرات يدعى (الجندب)، يحك رجليه وجناحيه ويصوت بطريق غير عادية، ويسمع على مبعدة نصف ميل، وهو يحرك في هذه العملية ستمائة طن من الهواء، ليدعو زوجه، وهذه الزوج ترسل أيضا وهي ساكنة بلا حراك جوابا لانعرفه، وإنما يعرفه الجندب الذكر، ثم يلحق بها أينما كانت.

التفت إلي، وقال: إذا كان الأمر كذلك، فما وجه الغرابة في ادعاء إنسان أنه يسمع صوتا من لدن ربه، لايدركه عامة الناس.. مادام من الممكن أن توجد في هذا العالم حركات وأصوات لاتسمعها آذان الانسان، ولكن تسجلها الآلات.. ومادامت هناك رسائل تدركها حيوانات دون أخرى.. ما هو جانب التعجب والاستبعاد؟.

ثم قال: أم أنك تتصور أن الذي أبدع هذا الكون تضيق قدرته على مثل هذا؟.. إن هذا مستحيل.. فالذي يمكن تلك الحيوانات البسيطة من تلك القدرات الهائلة لا يعجز أن يرسل ـ لحكمة يعلمها ـ رسائل خافتة خفية إلى الانسان المختار للرسالة، بعد أن يودع فيه صلاحية التقاطها وفهمها.. فليس هناك من تصادم في الحقيقة، بين مشاهداتنا وتجاربنا العلمية، فهو واقع من الوقائع الكثيرة التي نشاهدها ونجربها في أمكنة وطرق مختلفة.

ثم نقل لي عن صديقنا الدكتور [الكسيس كريل] قوله: (إن حدود الفرد في إطار الزمان والمكان هي مجرد افتراض، حيث يستطيع عامل الإشراق أن يجعلك تنام، وتضحك، أو تبكي، كما يستطيع أن ينقل اليك كلمات أو خواطر، لست على علم بها.. إنها عملية لاتستعمل فيها أية وسائل، ولايشعر بها غير عامل الإشراق وصاحبه)

ثم قال لي معقبا عليه: فإذا كان الأمر كذلك مع هذا العبد الضعيف، فكيف بالإله القادر على كل شيء.. كيف يعجز أن يتواصل بطرقه الخاصة مع من يشاء من عباده.

قلت: أجل.. ما ذكره كاريل صحيح.. وقد عرض العلماء نظريات عديدة لشرح هذه الصور من عملية الاشراق، ومنها أن أمواجها تصدر من المخ وتنتشر في العالم أجمع بسرعة فائقة، ولذلك سموها بنظرية الموجة المخية.

قال: فإذا كان الأمر كذلك.. وكان في إمكان الإنسان تحويل أفكاره الى إنسان آخر، على بعد غير عادي، وبدون استعمال أي واسطة مادية ظاهرية.. فلماذ تستحيل نفس العملية بين الإله وعباده؟

***

كانت هذه الحوارات وغيرها دوافع لتقصي الحقيقة من خلال الأديان المختلفة، والبحث فيها، وفي مدعي النبوة إلى أن اكتشفت الحقيقة التي دلت عليها كل البراهين([12]).. وذلك في مناظرة كبرى جرت بين مجموعة علماء من أديان مختلفة.

حين دخلت قاعة المحاضرات في الجامعة التي أقيمت فيها المناظرة رأيت مديرها يحمل مكبر الصوت، ويقول: بناء على مبدأ (حرية التعبير) الذي تبنته جامعتنا الموقرة.. اسمحوا لي أن أقدم لكم اليوم شخصيات من مختلف الأديان.. جئنا بها إلى هذه الجامعة العريقة لتجيبنا على هذا السؤال الخطير: من هو الإنسان الذي يمكن اعتباره وسيطا بين الخالق والإنسان، بحيث يستطيع الضمير أن يطمئن للسير خلفه، والاستنان بسنته؟

بعد أن انتهى مدير الجامعة من تقديمه، تقدم الكثير من رجال الدين، وطرحوا أطروحاتهم المختلفة في هذا الباب، لكن الذي أثر في منها ما قاله عالم مسلم هو السيد سليمان الندوي([13])، ذلك أنني رأيته يعترف بكل الوسائط الذين سبق لغيره أن تحدث عنهم، ورأيته يثني عليهم جميعا، وهذا أول ما شدني إليه.. والثاني أن طرحه كان في منتهى العقلانية، وقد تجاوبت معه كل جوارحي..

طبعا لا يمكنني هنا أن أذكر لكم كل ما قال.. ولهذا سأقتطف منه ما أراه مناسبا لهذا المجلس..

لقد راح يقول، وهو واقف من غير أن يجلس على الكرسي الذي أعد له: اسمحوا لي أن أخاطبكم، وأنا واقف.. لأني سأتحدث عن رجل ظل طول حياته واقفا لأداء ما كلف به من مهام.. ولم يعرف الراحة إلا بعد أن قضى الله بأن يصير في الرفيق الأعلى.

إن السؤال الذي طرحه مدير الجامعة المحترم سؤال لا غنى للإنسان العاقل.. بل لا غنى للإنسانية جميعا عن الإجابة عنه.. إنه ليس ترفا من البحث.. ولا فضولا من المعرفة.. إن الحياة لا يمكن أن تستقيم للإنسان إلا بمعرفة ذلك الإنسان.. لأن الله الذي خلق هذا الكون، ورتب ما فيه أحسن ترتيب، وخلق الإنسان، وأعطاه من القوى والطاقات ما أعطاه يستحيل أن يتركه هملا من غير أن يبين له حقيقته وحقيقة ما حوله، ووظيفته وعلاقته بما حوله.

انطلاقا من هذا، فإني في محاضرتي هذه التي شرفتموني بها لن أملي عليكم أي فكرة.. ولن أفرض عليكم أي قناعة.. بل سأكتفي بأن أحدثكم عن رحلتي في البحث عن هذا الإنسان.. وسأذكر لكم قصتي من أولها..

صاح رجل من الحاضرين: كيف تقول هذا.. وأنت رجل نبت في الإسلام من جذوره الأولى.. بل إن نسبك يرتفع إلى هذا الذي تريد أن تحدثنا عنه.

التفت إليه بابتسامة، وقال: كل شيء يمكن أن يورث إلا الإيمان.. فهو لا يمكن أن يورث.. لأنه وليد القناعة العقلية.. والعقل لا يقنعه إلا الغذاء الذي جعله الله له.

ولذلك فإني ما شببت عن الطوق حتى رفض عقلي كل المسلمات الموروثة.. بل رحت أمحو كل عقيدة أمليت علي، أو تلقيتها تقليدا.

وقد كان أول ما بدأت به ـ بعد أن أيقنت بأدلة كثيرة لا حصر لها.. وليس هذا محل ذكرها.. بأن الله خلق الكون، ودبره أحسن تدبير.. وأنه خلق الإنسان، ودبر له من التدبير ما يملأ حياته بالسعادة والسكينة والسلام ـ أني وجدت في الإنسان جانبين: جانب لا خيرة له فيه.. فهو فيه مضطر مكره لا حظ له من الحرية..

وجانب له فيه كل الخيرة.. فهو إن شاء سار ذات اليمين، وإن شاء سار ذات الشمال، لا يقف في طريقه شيء.

ووجدت أن الإنسان في الجانب الذي أكره فيه يعيش السلام والسكينة في أروع مظاهرها.. فقلبه يخفق بانتظام ودقة ليملأ جسده بدماء الحياة.. ورئتاه تمدانه بما شاء من هواء.. ومعدته تهضم كل ما يزورها من طعام.. وهكذا كل أجهزته.. لا يعارض بعضها بعضا، ولا يتدخل بعضها في تخصصات بعض.

ولكني في مقابل ذلك وجدت الإنسان في جانبه الاختياري يعيش فراغا مقيتا، وصراعا حادا.. فقبله يطلب ما يخالف عقله.. ونفسه تصارع روحه.. وكل لطيفة من لطائفه تشتهي أن تكون الدولة لها.. والإنسان محتار بينها جميعا لا يدري أي واد يسلك، ولا أي بحر يخوض.

ووجدت البشر يختلفون في اختياراتهم.. وينجم عن اختلافهم صراع حاد بينهم وبين أنفسهم، وصراع حاد بينهم وبين البشرية جميعا.. بل بينهم وبين الكون نفسه.

وقد قلت لنفسي حين رأيت ذلك: أيمكن أن يكون المدبر البديع الذي دبر كل شيء، وأتقن تدبيره غاية الإتقان غفل عن هذه الناحية.. فلم يدبرها، ولم يضع الحلول لها؟

وبعد تأمل طويل.. رأيت أنه من المحال أن يحصل ذلك.. فكل شيء يدل على رحمة الله وحكمته ولطفه ومودته.. ويستحيل على من هذه صفاته أن يدع عباده هملا من غير أن يبين لهم السبيل الصحيح الذي يخرجهم به من هاوية الصراع.

وقد جعلني ذلك أبحث عن السبيل التي يعلم الله بها عباده..

ووجدت بأدلة كثيرة أن الوسيلة الوحيدة الممكنة لذلك هي أن يختار إنسانا منهم ليؤدي هذه الوظيفة.. فلا يمكن أن يكون معلم الإنسان إلا إنسانا.

وقد جعلني ذلك أبحث بكل ما أوتيت من جهد ـ لا أمتطي مطية سوى مطية العقل المجرد ـ عن الإنسان الذي استحق ذلك الشرف الرفيع.. شرف الوساطة بين الله وعباده.

لقد قلت لنفسي في بداية بحثي عن هذا الإنسان الكامل الذي استحق ذلك الشرف الرفيع: لاشك أن هذا الإنسان ممتلئ بالعظمة.. وممتلئ بالشهرة.. لأن الله الحكيم يستحيل أن يبعث رجلا خاملا مغمورا لا يعرفه الناس.. وإلا كيف يهتدون إليه، وكيف يتأسون به.. وكيف يتعلمون علومه([14]).

وقد جرني ذلك إلى وضع سجل ضخم لكل العظماء الذين اشتهر بهم تاريخ الإنسانية.. وقد وضعت في ذلك السجل أسماء ملوك جبابرة، عاشوا في قصورهم الشامخة.. ووضعت فيه أسماء قادة جيوش عاشوا بين ضباطهم وجنودهم يُرْهِبون الناس ويخيفونهم بشدة بأسهم.. ووضعت فيه أسماء مستعمرين دوخوا البلاد، واستولوا علَى المماليك.. ووضعت فيه أسماء حكماء وفلاسفة.. ووضعت فيه أسماء شعراء.. ووضعت فيه أسماء أغنياء..

سكت قليلا، وكأنه يسترجع ذكريات بعيدة، ثم قال: لقد وضعت في ذلك السجل أسماء: هنيبعل القرطاجني والإسكندر المقدوني وقيصر الروم ودارا الفارسي ونابليون الفرنسي.. وغيرهم ممن كان يملأ عيون بني آدم بعظمته وأحداث حياته ومختلف أعماله.

ووضعت فيه أسماء سقراط وأفلاطون وديوجنس وغيرهم من حكماء اليونان وغير اليونان ـ مثل سبنسر وأضرابه ـ ؛ وكل من تجتذب سيرتهم النفوس وتروق القلوب.

وبعد أن انتهيت من إحصاء ما استطعت من أسماء.. رحت أسأل نفسي.. بل أسأل الأسماء التي ملأت علي عقلي، كما ملأت قبل ذلك سجلي أقول لها: من منكم لديه الترياق الذي يضمن به فلاح الإنسانية؟.. من منكم لديه الطاقة التي يستطيع بها أن يضع منهج صلاح الإنسانية وسعادتها؟.. مَن منكم إذا اهتدى الناس بهديه يَنجون من المهالك، ويسلكون سبيل السعادة والهناء؟.. مَن منكم وقف حياته علَى حل مُعضلات البشر، وكانَ حريصًا علَى عقد أواصر الإخاء بينهم علَى الحق والتواصي في الخير؟

لقد قلت لهم: هل يوجد فيكم ما يستعين به بنو الإنسان علَى تخفيف ما يُعانونه من الغمرات في حياتهم الاجتماعية؟ أم في أخلاقكم وأعمالكم ما ييسر للإنسانية الشفاء من أمراضها الخلقية وأوصابها النفسية؟ أم في دعوتكم ما يجلو صدأ القلوب ورينها، أو يرتق فَتْقًا في الحياة الاجتماعية؟

لم أجد أي إجابة على أي سؤال طرحته.. وقد أجابني جميع الشعراء والأدباء ابتداء مِن هوميروس، إلَى امرئ القيس.. فمن بعده من شعراء الأمم: بأنه لَم يكن منهم إلَّا إثارة كامن العواطف، وتنبيه النائم من الأفكار، أو إحداث لذة أو ألم في النفوس.. أما حل معضلات الحياة الإنسانية، وعويصات مشاكلها؛ فذلك أمر بعيد المنال.. وسبب ذلك بسيط.. وهو أنهم في سيرتهم وأعمالهم لا يُقَدِّمون للناس المُثُل الَّتِي تُحتذى، والأسوة الَّتِي يُقتَدى بهم فيها.

فتركتهم، ورحت إلى الفلاسفة والحكماء الذين بهروا العقول بفلسفتهم، وحاولوا تغيير تيار الحياة البشرية؛ فلم أجد عندهم ما يشفي غليلي..

وهكذا رأيت في الكليات المختلفة أفاضل من العلماء وفحول الأساتذة والمدرسين يُعْجِب الطلبةَ فصيحُ كلامهم، وبراعةُ بيانهم، وبليغُ حِوارهم، وعَذْبُ حديثهم، وهم يُؤَثِّرون فيهم بذلاقة ألسنتهم، واتساق أفكارهم، وترتيب معانيهم. لكنهم؛ لا تعدوا محاضراتهم جدران كلياتهم وقاعات محاضراتهم، وإذا خرجوا منها أصبحوا كعامة الناس لا يمتازون عليهم بعمل تتخذه الإنسانية مثالًا يُحتذى، ولا بخُلُقٍ يختلفون به عن غيرهم هَدْيًا وسَمْتًا.

وقد رأيت في مقابل الفلاسفة والحكماء كثيرًا من الملوك الجبابرة الَّذِين حكموا العالَم، واستولوا علَى المماليك، واستعبدوا الأمم، كم من أرض عمروها، ومدينة دمروها، وكم وضعوا شعوبًا ورفعوا آخرين، وكم سلبوا ومنحوا، وضروا ونفعوا.. لكن سيوفهم ـ التي قدرت على كل ذلك ـ لم تستطع أن تستل الرذائل من قلوب أهلها، وأن تحسم مادة الشر في نفوسهم، وأن تطهر صدورهم من فساد السرائر، ذلك الفساد الَّذِي يحمل أهله علَى ارتكاب المعاصي واقتراف السيئات.

لقد وجدت أن أقصى ما يترتب علَى رهبة المجرمين والمُرجفين من سيف الملوك المُسَلَّط عليهم أن يَسود الأمن والسلام سبل البلاد وأسواق المدن وشوارعها وحاراتها، أما إصلاح القلوب وتهذيب النفوس فمما يخرج عن سلطان السيف وتعجز عنه إرادة الملوك.

بل وجدت فوق ذلك أنَّ رأس كل شرّ إنما نَجَمَ من قصور أكثر الملوك.. وأنَّ كل فساد نبت نابته في فناء حصونهم، بل في قصورهم نبعت عيون الفواحش والجرائم، ومن حصونهم انفجرت ينابيع الظلم والعدوان، وعلى أيديهم تفاقم كل شرّ، ومن أخلاقهم سَرَت العدوى إلَى أخلاق الناس، ولِفَساد قلوبهم وسوء أعمالهم اتسع الـخَرْق علَى الراقع حتى أعيا الأطباء داء المجتمع البشري.

وقد دعاني ذلك إلى تساؤل غيرت به منهج بحثي..

لقد قلت لنفسي: إن كل هؤلاء الذين ملأت بهم سجلك لا علاقة لهم بما تبحث عنه.. أنت كمن يبحث في قوائم المهندسين عن طبيب.. أو في قوائم الأطباء عن مهندس..

نعم.. إن هؤلاء لهم شهرتهم التي ملأت الآفاق.. ولكنهم لم يشتهروا بأنهم وسطاء بين الله وعبادهم.. ولم يقل أحد منهم: (إني رسول يوحى إلي)، ولم يزعم أحد منهم أن لديه الترياق الذي يعالج به كل ما تحتاجه البشرية من ألوان العلاج.

وقد دعاني ذلك إلى البحث عن كل من له علاقة بدين.. أو يزعم لنفسه، أو يزعم له أتباعه أن له علاقة بالمبدع الذي أبدع كل شيء.

وقد وجدت في بداية بحثي أن البشرية لم تستنر في جميع عهودها إلا بهؤلاء.. وأنه لا قيمة تذكر للملوك، ومن داناهم أو زاد عليهم بجنب هؤلاء..

لقد وجدت أن يد الأيام عبثت ـ كما يشهد التاريخ ـ بالراجا (أشوكا) ملك (ﭘاتلي ﭘاتر)، ولم تُبقِ يد البِلَى من أوامره وأحكامه إلَّا صخورًا منقوشة وحجـارة منحـوتة.. أما (بوذا)؛ فإنه لا يزال يحكم القلوب، وسُننه وقوانينه لا يزال كثير من الناس يَدينون لها ويُطأطؤون الرّؤوس لـحُرْمتها.

ووجدت أن أوامر ملوك (أجين) و(هستاﭘور) في دلهي وقنوج أَمْسَت أثرًا بعد عين، بل دَرَسَت آثارهم وعَفَت أعلامهم، وأصبحت ديارهم كأطلال خولة.. أما (دهرم شاستر) ـ وهو كتاب العقائد الَّذِي جاء به (مِنو) ـ فلا زال باقيًا نافذًا أمره.

ووجدت أن الملك (حمورابي) من ملوك بابل كان أول مَن سَنّ القوانين، ولكن أين أوامره وأحكامه؟! لقد نسجت عليها العنكبوت منذ زمان طويل، ولم تدع يد البِلَى من قوانينه وأحكامه شيئًا.. أما تعاليم نبي الله إبراهيم فما بَرِحَت غَضَّة طَرِيَّة.

ووجدت (فِرْعَون) ودعواه (أنا ربكم الأعلى) أصبـحت أُضْحُوكَة.. أمـا نبـيّ الله موسى؛ فإنَّه يسود نوازع القلوب، ويملك أهواء النفوس، ويَدين له كثير من الناس، وتُسَلِّم لآياته وبيناته طوائف غير قليلة.

ووجدت قوانين (سولون) زال العمل بها وشيكًا، بينما التوراة المنزلة من السماء لا تنفك أحكامها وقوانيها تجد من يخضع لها، وبتعبد بها.

ووجدت (القانون الروماني) الَّذِي عَدَّ المسيح جانيًا مجرمًا، واعتبره قد اجترح السوء وأتي ذنبًا؛ قد خلت القرون تسفيه برياحها؛ فأصبح هشيمًا مضمحلًا.. أما المسيح؛ فإن تعليمه لا يزال نورًا تُـجَلَّي به ظلمات القلوب، وهُدًى تَطْهُر به نفوس المذنبين، وتُزَكَّي به أرواح المجرمين.

ووجدت (أبا جهل) وكبرياءه، و(كِسْرَى)الفرس ودولته وجبروته، و(قَيْصَر) الروم وحكومته وطغيانه.. قد طوى الدهر صحائفهم، وطمست الأقدار دُوَلهم، وتهدم مجدهم، وذهبوا أدراج الرياح.. أما محمد؛ فإنَّ حُكْمه ما زال باقيًا علَى الدهر، وأوامره نافذة، وسُنَّته مُتَّبعة في كل زمان ومكان.

لكني بعد أن وصلت إلى هذه القناعة وقفت حائرا في الإنسان الذي أتبعه من هؤلاء جميعا..

لقد خيل لي في البدء: أنه يمكنني أن أعتبرهم جميعا سرجا أستضيء بها، وأسلك سلوكها.. لكني وجدت التناقض بين أتباعها حادا بحيث لا يستطيع أحد أن ينضم إلى جهة إلا إذا ترك ما عداها.

وقد جعلتني تلك الحيرة أبحث عن المنهج الذي أتعرف به على الأحق منهم جميعا بأن يكون الإنسان الكامل الذي أبحث عنه.

وقد هداني إلى بعض هذا المنهج لقاء يسره الله مع الشاعر طاغور.. ذلك أني كنت أمتطي الباخرة (كروكوديا) ـ الَّتِي ركبناها في عودتنا من مصر والحجاز، في (شباط 1924) ـ وقد اجتمعنا فيها عرضًا بالدكتور طاغور ـ الشاعر الذائع الصيت ـ وكان قافلًا من سياحته في أمريكا؛ فسأله بعض رفقته: ما بال نِحْلَة (برهمو سماج) أخفقت في مساعيها ولم تنجح، مع أنها أنصفت الأديان، وجمعت الحسنات، وسالمت جميع المِلَل، ومِن مبادئها وأصولها أن الديانات كلها علَى حق، وأن جميع المصلحين من الأنبياء والرسل والهداة هم خيار الناس وصلحاؤهم، ثم إنها ليس فيها ما يُخالف العقل، أو يعارض المدنية الحاضرة، أو يناوئ الفلسفة الحديثة، وصاحب هذِهِ النِّحْلَة قد راعى فيها الظروف الراهنة والشئون المألوفة الآن، ومع ذلك كله لم تنل من الفوز شيئًا، ولم يُتَح لها من النجاح قليل ولا كثير!؟

فأجاب الشاعر على البديهة: (إن النِّحْلَة لم يكن لها داعية يدعو الناس إليها بسيرته الكاملة وهديه العالي، ولم يكن لها لسان يدعو مُؤَيِّدًا بعمل يصدِّقه؛ فتهوي إليه أفئدة الناس وتطمح إليه أبصارهم، ويكون لهم من الدعاة أسوة يأتسون بها، وقدوة يقتدون بها)

لقد جعلني كلامه هذا أضع تصورا عن هذا الإنسان الذي هو حقيق بأن يكون واسطة بين الله وعباده.

فأول شروطه أن تجتمع فيه جميع ألوان الكمال، وأن يكون محل قدوة في جميع النواحي التي يحتاجها البشر في جميع مناحي حياتهم.. ليتقولب البشر في قالبه.. ويتحولوا إلى نسخة عنه.. فيسري إليهم من كمالهم ما يملؤهم بالكمال.

ولكن هذا الشرط يستدعي شرطا آخر.. وهو أن يحفظ الله كل ما يرتبط بهذا الإنسان.. بحيث لا تضيع منه صغيرة ولا كبيرة.. فلا يمكن للبشر أن يقتدوا إلا بمن يعرفون سيرته في جميع أحواله ومواقفه.

وقد جعلني هذا أختصر رحلتي في البحث عن هذا الإنسان، بالبحث عن البشر الذي تحقق فيهم هذان الشرطان([15]).

سكت قليلا، ثم قال: لقد بدأت أبحث في جميع مواريث البشرية عمن تحققت حياته بالشرط الأول.. فلا يمكن أن أتعرف على الثاني إلا بعد أن أتعرف على الأول.

قال رجل من الجمع: فماذا وجدت؟

قال: لقد بدأت بأقدم الأمم عهدًا.. هنادك الهند.. لقد وجدت في تاريخهم مئات مِن العظماء والنابهين.. فرحت أبحث عن تفاصيل سيرهم لأعرف كيف أصير كاملا بالاقتداء بهم..

لكني وجدت التاريخ أعجز من أن يعرفني بهم.. لقد وجدت أن الكثير منهم لا يعرف الناس مِن شؤون حياتهم وحقائق أحوالهم إلَّا أسماءهم، وهم لا يحظون في كتب التاريخ بمكانة؛ وإنما تُعَدّ سيرتهم مِن علم الأساطير وخرافات الوثنية..

تركت الهند لأذهب إلى فارس حيث صادفت زرادشت ـ صاحب الديانة المجوسية ـ ووجدته مُعَظَّمًا عند كثير من أتباعه.. وبحثت في التاريخ عنه وعن تفاصيل حياته.. لكن التاريخ لم ينبئني من نبئه ما يرضي غليلي.. بل إن التاريخ لم يكشف الحجاب عن وجوده الحقيقي بعد.. فهو لا يزال سرًّا غامضًا مِن أسرار التاريخ، حتى شك بعض المؤرخين من الأمريكين والأوروبيين في نفس وجوده!

وعذري الذي جعلني أنفر من كل ذلك هو أني وصلت إلى قناعة لا يزعزعها الشك بأن الإنسان الذي يختاره الله لهذه الوظيفة العظيمة سيكون محفوظا في وجه كل الأعاصير.. حتى تبقى سيرته وذكراه منارة يهتدي بها الجميع.

بعد أن يئست من زرادشت سرت نحو بوذا.. وقد وجدت أن البوذية أقدم الأديان، وأوسعها نطاقًا، وأكثرها انتشارًا في سالف الأيام، فقد كان لها سلطان علَى الهند والصين وآسيا الوسطي وأفغانستان وتركستان، ولا تزال إلَى الآن في سيام والصين واليابان وتبت.. وغيرها من دول العالم.

وقد دعاني ذلك إلى البحث عن بوذا.. وكان أول سؤال سألته: هل يُقيم التاريخ وزنًا لوجود بوذا؟ وهل يَقْدِر مؤرخ علَى أن يعرض للناس صورة حقيقية لتاريخه؟ وهل يستطيع كاتب أن يصف ظروفه وأحواله الَّتِي كان عليها في حياته وصفًا كاملًا لا يغادر شيئًا ـ من تحديد زمن ميلاده، ووطنه، وأصول دينه كما دعا هو إليه، ومبادئ دعوته وأهدافها ـ؟

وبحثت في بطون التاريخ، وفي بطون الكتب المقدسة للبوذيين عن جواب علمي لهذا السؤال.. فوجدت أن الجواب عن كل ذلك محجوب عن علم الناس بظلمات كثيفة متراكمة، وكل ما أمكن للباحثين أن يعرفوه هو أنهم حاولوا تعيين زمان وجوده بحوادث راجوات بلاد (مكده)، ولم يكن لهم سبيل سوى ذلك، وتسَنَّى لمؤرخ أن يُقارِن زمن هؤلاء الراجوات بملوك اليونان الَّذِين كانت بينهم وبين راجوات مكده روابط.

وهذه المعارف.. وغيرها مما اكتنف بظلمات الأوهام والأساطير.. لم يكفني للتعرف على بوذا.. فانصرفت عنه إلى (كونفوشيوس) ـ صاحب النِّحْلَة المعروفة في الصين ـ لأبحث في حياته كما بحثت في حياة غيره.. لكني وجدت أن المعلومات الواردة عنه أقل من المعلومات الواردة عن بوذا، مع أن المنتسبين لطريقته الدينية يبلغ عددهم مئات الملايين.

فانصرفت عنهم.. وعن هذه المنطقة جميعا.. وصوبت وجهي نحو البلاد التي سميت بلاد الأنبياء.. وسمعت بها أسماء كثير من الأنبياء مما تمتلئ بذكرهم الأسفار المقدسة لليهود والمسيحيين..

ورحت أستعمل المنهج العلمي في البحث.. والذي استعملته مع كل العظماء الذين سبق ذكرهم.. فوجدت أن أسفار اليهود الَّتِي تضمنت سير هؤلاء الأنبياء قد خالج المحققين من العلماء ضروب من الشك في كل سِفْر منها([16]).

فأحوال موسى المذكورة في أسفار التوراة ـ حسبما يؤكد الباحثون ـ دُوِّنَت وجُمِعَت بعد موسى بقرون كثيرة.. وأحوال المسيح وسيرته مكتوبة في الأناجيل، والأناجيل ـ كما تعلمون ـ كثيرة، غير أن أكثرية المسيحيين اقتصرت علَى أربعة أناجيل، أما (إنجيل الطفولة) و(إنجيل برنابا) وغيرهما فلا يعتبرونهما. ومع ذلك؛ فإن الإناجيل الأربعة الَّتِي اقتصروا عليها لم يَلْقَ أحد مِن الَّذِين جمعوها المسيح.

وبحثت عَمَّن رَوَوا هذِهِ الأناجيل؛ فوجدت التاريخ يجهل ذلك كل الجهل.. ويزداد المرء شكًّا إذا توصل إلَى حقيقية أخرى؛ وهي: أن الرجال الأربعة المنسوبة إليهم هذِهِ الأناجيل الأربعة لا يمكن القطع يقينًا بأنهم هم الَّذِين جمعوها في الواقع.. فإذا كان الأشخاص المنسوبة إليهم هذِهِ الأناجيل لا يطمئن التاريخ إلَى صدورها عنهم؛ فكيف يطمئن إلَى صحتها؟

وزاد الطين بلَّة أني وجدت الجهل مطبقا باللغة الَّتِي كُتِبت بها هذِهِ الأناجيل في الأصل، وفي أي زمان كُتِبَت! فقد اختلف مُفَسِّروا الأناجيل اختلافًا شديدًا في تعيين زمان جمعها وتدوينها: فمِن قائل أنها كُتِبت سنة 60 للميلاد.. ومِن قائل أنها جمعت بعد ذلك التاريخ بكثير..

لقد نفضت يدي من كل هؤلاء بعد أن علمت أنه لا يوجد في التاريخ ما يجلي سيرتهم ويرسم حياتهم لتصير منهاجا للبشرية تهتدي به.

نعم كنت أكن لهم كل الاحترام والتقدير.. ولم يكن يعتريني الشك الذي اعترى أولئك الباحثين حول وجودهم.. ولكني كنت أقول لهم بكل تواضع: أعلم أنكم عظماء.. وأنكم خيرة الله من خلقه.. ولكن اعذروني على أني لم أنتهج نهجكم.. فليس ذلك احتقارا له ولا لكم.. وإنما لأنه ليس لدي من العلم بكم ما يمكنني من ذلك.

لقد قلت لهم ـ ولعلهم في غياهب الغيب قد سمعوني، وعذروني ـ: كيف يمكن اتخاذ الأسوة الكاملة الَّتِي تطمئن لها القلوب إن لم تكن جميع نواحي الحياة في الشخصية المُقتدَى بها معلومة، وليس فيها ما يجهله الناس، وما هو مكتوم عنهم وراء حجب التاريخ.

إن المُقتدَى به والذي يَتخذ الناس مِن حياته أسوة لا بُدَّ أن تكون حياته كلها واضحة صافية كالمرآة، ليلها كنهارها؛ لتتبين للناس المُثُل العُليا الَّتِي يحتذونها في حياتهم بجميع أطوارها ومناحيها.

لقد قلت مخاطبا بوذا..: (اعذرني يا بوذا.. فمع أن عدد المنتسبين إليك رُبع سكان المعمورة، إلا أن التاريخ لم يحفظ مِن سيرتك إلَّا عدة أقاصيص وحكايات؛ لو أننا نقدناها بمقاييس التاريخ ـ لنتخذ لأنفسنا قدوة من حياتك وسيرتك ـ لخرجنا مِن ذلك خاسرين)

وقلت مخاطبا زردشت: (إن المعلومات التي وردتنا عنك قليلة باهتة متناقضة.. فلسنا ندري أيها أنت.. هل أنت زرادشت الَّذِي عرفناه مِن أبيات شعرية في (كاثا)، أو أنك زرادشت الَّذِي نراه في (وستا) الجديدة.. وخلاصة ما نعلمه عنك ـ إن صح ـ هو أنك وُلِدت في مقاطعة أذربيجان، ونَشرت دعوتك في بلخ وأطرافها، وأن الملك (هشتاسب) دخل في دِينك، ثم ظهرت علَى يدك معجزات، وقد تزوجت ووُلِد لك أولاد، ثم تُوفيت بعد كل ذلك.. فهل يمكن لهذه المعلومات الضئيلة أن تتأسس عليها حياة أحد من الناس)

وقلت مخاطبا موسى: (اعذرني يا موسى.. لا شك أنك عظيم من العظماء، وأن الله اختارك في يوم من الأيام لتكون واسطة بينه وبين عباده.. ولاشك أنك مِن أكثر الأنبياء ذِكرًا وأوضحهم حياة.. ولكن حياتك مع وضوحها لاتكفي لتبنى عليها حياتنا.. إن الأسفار الخمسة مِن التوراة التي فصلت تفاصيل حياتك ـ بغض النظر عن ذلك الانقطاع الخطير في سندها ـ لا تكفي لاتخاذك أسوة)

نظر سليمان إلى الجمع، وقال: لا شك أن فيكم يهودا ومسيحيين.. ولا شك أنهم يعرفون أن الأمور الَّتِي كان يحتاج البشر إلَى معرفتها مِن حياة موسى الاجتماعية هي الأخلاق والعادات والهدي، وكل ذلك لا نجده في سيرته.

أما ذِكر أسماء الرجال وأنسابهم وأماكنهم وبلادهم وعددهم فمما لا يهمنا عِلْمه في مقام القدوة والأسوة والهداية، مع أنه هو الَّذِي نراه مفصلًا في التوراة.. وكذلك نرى فيها شيئًا كثيرًا مِن القوانين والمبادئ والأصول، لكن هذِهِ الأمور والتي سبقتها مهما تكن أهميتها عند علماء الجغرافيا والأنساب والحقوق؛ فإنها لا تعنينا نحن مِن جهة الأسوة والقدوة في الحياة، ولا تَسدّ الخلل الواقع في سيرة موسى مِن هذِهِ الناحية الَّتِي لا يكمل بيانها إلَّا بذِكْر أخلاقه وشؤون حياته وأحواله في معاشـرته؛ وهـو مـا لا بُدَّ منه ليتخذه البشر مِثالًا يعمل به.

سكت قليلا يستجمع أنفاسه، وقال: وهكذا سرت أبحث عن كل نبي من الأنبياء إلى أن وصلت إلى المسيح.. المسيح الَّذِي يزيد عدد المنتسبين إليه ـ بحسب إحصاءات الأوربيين ـ علَى عدد المنتسبين إلَى الديانات الأخرى.

لقد استغربت كثيرا حين علمت بعد جهد جهيد أن شؤون حياته وأحوال معيشته أخفَى من غيره وأغمض.

لقد استفرغ العلامة رينان جهده؛ ولقي من العناء والنصب مبلغًا عظيمًا ليقف علَى حياة المسيح كاملة تامة؛ ومع ذلك؛ فإن شؤون المسيح وأحواله لا تزال سرًّا مكنونًا في ضمير الزمن لم يَبُح به لسانه بعد.

أين قضى المسيح الثلاثين ـ أو الخمس والعشرين سنة (علَى الأقل) ـ من حياته؟ وفيمَ قضاها؟ وبأي الأعمال شغل هذا الفراغ الواسع من عمره؟

إن الدنيا لا تعلم عن ذلك شيئًا ولن تعلم.. وحتى السنوات الثلاث الأخيرة ماذا نجد فيها؟.. آيات ومعجزات معدودات، وبعض العِظات.. ثم قيل إنه صُلِب؛ فانطوت صحيفة حياته.

سمعت بعض الجلبة في القاعة أحس بها السيد سليمان، فراح يقول: اعذروني.. أنا لم أقل إلا ما وصلت إليه.. وإن كان فيكم من لديه من العلم ما يدلني به على مخطوطات قد تكون غابت عني.. فيها تفاصيل أكثر عن المسيح، أو عن غيره من الأنبياء.. فأنا مستعد لسماعها، بل مسرور بذلك.. ولكن ذلك لم يكن.. ولن يكون.

أنا لا أقول ما أقول جُزافًا، وادعاء مني لأجل عقيدة لي خاصة أعتقدها؛ وإنما هي حقيقة يشهد لها التاريخ، وتؤيدها البراهين والدلائل.

إن العقل السليم يدل ـ بشواهد كثيرة لا يمكن إحصاؤها ـ على أن السيرة الَّتِي يحق أن يتخذ الناس مِنها أسوة حسنة ومثلًا أعلى؛ يُشْتَرط لها قبل كل شيء أن تكون سيرة (تاريخية)، أما السيرة القائمة علَى أساطير لا تدعمها الروايات الموثوق بصحتها؛ فإن من طبيعة الإنسان أن لا يتأثر بما يُحْكَى له من سيرة لشخصية مفترضة لا يعرف لها التاريخ أصلًا صحيحًا؛ وإنما اخْتلَق لها المناقب أناسٌ أحسنوا الظن بها، ورفعوا مكانها، وقد يَخْدَعون بهذه المناقب بعض الناس أمدًا قصيرًا حين يعرضونها عليهم في حُلَّة قشيبة من الألفاظ، وثوب قشيب من العبارات، ثم لا تلبث الحقيقة أن تظهر من وراء غلائل الأوهام؛ فيُعْرِض الناس عنها إعراضًا؛ لأنها قامت علَى غير أساس من التاريخ.

لا بُدَّ لكل سيرة من سير الكمال الإنساني يدعى الناس إلَى الإقتداء بها واتخاذها أسوة؛ أن يدعمها التاريخ ويشهد لها المحققون؛ ولهذا نرى النفوس البشرية لا تتأثر بالأساطير والأوهام كتأثرها بحوادث التاريخ والروايات الثابتة عن الثقات الأثبات؛ وذلك لأن سيرة الرجل العظيم الكامل لا تُعرَض علَى الناس ليشغلوا بها أوقات فراغهم، ويروِّحوا بها عن أنفسهم في حالة المَلل أو الضجر؛ بل تُعرَض عليهم ليُدْعوا إلَى الإقتداء بها، واتخاذها نبراسًا لحياتهم.

قال رجل من الجمع: قد وعينا ما ذكرته.. ونحسب أنا لا نخالفك فيه.. ولكن هل يمكن أن يكون هناك بشر على هذه الأرض حفظ التاريخ من سيرته ما يمكن أن يكون منارة تهتدي بها البشرية؟.. ثم يكون حفظ التاريخ لسيرته خاليا من كل خرافة بعيدا عن كل أسطورة.

قال سليمان: أجل.. المنطق السليم يدل على ضرورة وجود مثل هذا الرجل.. فالخالق المدبر الذي دبر كل شيء يستحيل أن لا يدبر هذا.. فحياة البشر جميعا واستقامتهم تتوقف على هذا.

قالوا: فهل وجدته؟

قال: أجل.. بعد أن فرغت من كل من سمع بهم العالم من العظماء من رجال الدنيا والدين.. صوبت وجهي نحو محمد..

قالوا: فلم أخرته؟.. ولم لم تبدأ به؟

قال: لقد آثرت أن لا أبدأ به حتى لا يقف بي التقليد دون مواصلة البحث.. وقد كان من رحمة الله أن كان نهاية بحثي، وخاتمة المسك التي ملأتني بالطمأنينة واليقين.

قالوا: فحدثنا عن بحثك عنه..

قال: لقد كان المنهج الذي تبنيته في هذا هو أن الحياة التي يبنبغي أن تنقل لنا عن هذا الذي هو واسطة بين الله وعباده يشترط لها شرطان: الصحة، والتفصيل.

أما الصحة.. فلتفادي الخرافة والأسطورة.. فلا يمكن للعقل السليم أن يسلم لهما.

وأما التفصيل.. فإن تفاصيل الحياة وعقدها لا يكفي فيها الإجمال والغموض.

قالو: فحدثنا عن الصحة.

قال: لقد بدأت بحثي فيها.. فأخوف ما يخاف العاقل على ما يصل إليه من العلم الأسطورة والخرافة والأهواء.. فهي فيروسات خطيرة تحول من العلم جهلا، ومن المعارف دجلا.

لقد رحت أبحث في المنهج الذي نقل به المسلمون أخبار نبيهم وأحاديثه وتفاصيل حياته، فوجدت من ذلك ما لم أجده في جميع مناهج العالم..

لقد وقف العالَم كله موقف العجب والاستغراب من الذين وَقَفُوا حياتهم منذ عصر محمد علَى حفظ أقواله ورواية أحاديثه وكل ما يتعلق بحياته؛ أدَّوها إلَى من ضَبَطوها بعدهم وكتبوها، وصاروا يُسَمّون (راوة الحديث) أو (المحدِّثين) و(أصحاب السير)

قام رجل من الجمع، وقال: لا نحسبك كاذبا فيما تقول، ولا مدعيا فيما تذكر.. فنحن نعلم مدى حرصك على صدق المعلومة.. ونعلم مدى حرص المسلمين عليها.. ومدى خوفهم من الكذب.. فحدثنا عن الجانب الثاني الذي لا يمكن أن يتحقق الحفظ إلا بوجوده.

قال: الجانب الثاني هو التفصيل.. فلا يشك أحد في صدق الكثير من الأحداث التاريخية.. ولا يشك أحد في الكثير من الشخصيات العالمية.. ولكن المعلومات الواردة عنهم لا تكفي لتجعلهم أسوة لغيرهم.. فالأسوة تقتضي العلم.. والعلم يقتضي التفصيل..

قالوا: فما وجدت؟

قال: لقد تتبعت ما ورد عن كل عظماء العالم ـ بغض النظر عن صدق ما ورد ـ فلم أجد رجلا اهتم الناس بكل ما في حياته من تفاصيل كاهتمامهم بمحمد.. حتى لكأنه بيننا لا يزال حيا بكل ما في الحياة من معنى.

سأذكر لكم ـ باختصار ـ المصادر التي تناولت حياة محمد وتفاصيلها، لتعرفوا مدى الاهتمام الذي أولاه العامة والخاصة لحياة محمد.

أول المصادر ـ بعد القرآن الذي سجل الكثير مما يرتبط بحياة محمد وسلوكه ـ كتب الحديث؛ وهي كتب حَفِظَت لنا من أقوال محمد وأفعاله وأحواله ما يبلغ مائة ألف حديث، وقد امتاز الصحيح منها عن الضَّعيف والموضوع، والقويّ منها عن غير القويّ.

ومنها كتب المغازِي. ومعظم ما فيها ذِكْر الغزوات النبويّة، وقد تتضمّن أمورًا أخرى.

ومنها كتب التاريخ الإسلامي العامّ؛ الَّتِي تبتدئ بالسيرة النبوية.

ومنها الكتب الَّتِي ألفت في المعجزات؛ وتُسَمّى بكتب الدلائل.

ومنها كتب الشمائل؛ وهي مقصورة علَى ذِكْر أخلاق محمد وعاداته وفضائله، وما كان يعمل في يومه من الصباح إلَى المساء، وفي ليله من المساء إلَى الصباح.

ومنها الكتب الَّتِي صنّفها بعض العلماء المتقدِّمين في أحوال مكة والمدينة البلاد التي سكنها محمد، لقد ذكروا كل ما يرتبط بهذين البلدَين من بقاع وأماكن وأودية وجبال وخطط، وذكروا مَن تولَّى إمارتهما، بادئين بكل ما له علاقة بمحمد..

نظر إلى الجمع، والابتسامة تعلو محياه، وقال: أرأيتم ـ أيها الجمع الكريم ـ حتى الحجارة التي تشرفت بوطء محمد قدمه عليها حفظ التاريخ ذكرها.. ولا يزال يحفظه.

قال ذلك، ثم استأنف يقول: لم تكن تلك الكتابات مجرد أوراق مخزنة على الرفوف لا يلتفت لها أحد.. لقد وجدت أنها الثقافة التي كانت تسود فترات كثيرة المجتمعات الإسلامية..

أضف إلى ذلك كله اهتمام العالم كله بنشر كل ما يرتبط بمحمد.. وكأن هناك يدا خفية توجههم إلى ذلك.

لقد رأيت أن ما ألَّفه الناس في سيرة محمد من عهد الرسالة إلَى يومنا هذا ـ في مختلف الأوطان الإسلامية والأجنبية، في معظم لُغات العالم ـ يُعَدّ بالأُلُوف، واعْتبر ذلك بما صُنِّف باللَّغة الأوردية الحديثة وحدها في موضوع السيرة النبويـة ـ مع أنّ الأوردية لم تَصِر لغة تأليف إلَّا منذ قرنَين علَى الأكثر ـ ؛ وفي تقديري أن ما صُنِّف بها وحدها في السيرة النبوية يبلغ ألفًا ـ إن لم يَزِد عليه.

ولم تكن الكتابة حكرا على المسلمين.. بل هناك الكثير ممن ألَّف في سيرة محمد ممن لا يؤمِنون بنبوّته ولا يوقِنون برسالته؛ فإننا نجد في الهند نفسها علَى اختلاف مِلَلها ـ من الهنادك والسيخ والبرهمو سماج ـ كثيرًا من علمائهم قد ألَّفوا في سيرته.

أما الأوربيون ـ الَّذِين لا يدينون بالإسلام ولا يؤمِنون بالرسالة المحمدية ـ فقد صنّف منهم في سيرة محمد حتى المبشِّرون من دُعاة النصرانية والمستشرِقون عنايةً منهم بالتاريخ، وإرواءً لظمإهم العِلْميّ، ويُعَدّ ما ألَّفوه في ذلك بالمئات.

قال رجل من الجمع: عرفنا الشرط الأول.. وانفراد محمد من بين كل عظماء الدنيا بالتحقق به.. فهل تحقق الشرط الثاني؟

قال: بعد أن استيقنت بأن الحياة الوحيدة المحفوظة بكل تفاصيلها هي حياة محمد وتعاليمه، رحت أبحث عن مدى تحققها بالكمال الإنساني.

لقد كنت أدرك بأدلة لا حصر لها بأن الله لن يختار إلا الإنسان الكامل.. فالقاصر والعاجز والضعيف لا يمكن أن يكون قدوة لغيره.. ولا يمكن لغيره أن يسير سيره، أو يستن بسنته، وإلا كان حاله كحال المريض الذي يتبع سيرة مريض.. فحري بهذا المريض أن لا يزداد إلا مرضا.

ثم بحثت في نواحي الكمال التي يدعيها الكثير.. فوجدت أن الكمال نوعان: كمال نظري، وكمال عملي.. أما الكمال النظري، فهو الكمال المرتبط بالأفكار التي يحملها ذلك العظيم، أو هي المشروع الذي يحمله، ويدعو الناس إلى تحمله.. وأما الكمال العملي، فهو تطبيق العظيم لما يدعو إليه من سلوك، حتى يكون بسلوكه ترجمة عملية لكل ما يدعو له.

فيتزود الناس من خلال هذا العظيم جميع المعارف العلمية والعملية، بل يرونها أمامهم عيانا.

قال رجل من الجمع: عرفنا هذا المنهج.. ونحن نسلم بصحته.. بل لا نرى أن هناك من يخالفك فيه.. فهل طبقته على العظماء الذين بحثت في سيرهم.

قال: أجل.. لقد بدأت البحث من جديد.. فتركت كل ما وصلت إليه من تلك الثروة الضخمة التي دلتني على أن محمدا هو الإنسان الوحيد الذي حفظ الله كل ما يرتبط به.

لقد قلت لنفسي، أو قال لي عقلي: ربما يكون ما حفظ عن محمد ابتلاء للإنسان ليسير في طريق النقص والضعف والانحطاط.. وربما يكون الشيطان.. لا الله.. هو الذي حفظ جميع تعاليمه، وجميع ما يرتبط به ليكون مادته التي يتوصل من خلالها إلى الوسوسة إلى البشر، ورميهم في حظيظ جهنم.

ولذلك بدأت في البحث عن الناحية الثانية.. ناحية الكمال.. وكأني لم أبحث في الناحية السابقة.. لقد عرفت أن الكمال النظري منحصر في أربعة أركان لا مناص منها جميعا.

قالوا: فما هي؟

قال: هي الإيمان، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق.

قالوا: فما وجه الحصر فيها.

قال: لقد رأيت أنه لا يكمل الدين حتى يشتمل على أمرين، كلاهما تتوقف عليه حاجات الإنسان المرتبطة بالدين: أمر يتعلق بقلب الإنسان؛ ويُسَمَّى (الإيمان)، وآخر يتعلق بجوارحه وبما يملكه؛ ويُدعَى (العمل)

ورأيت أن العمل ينقسم إلَى ثلاثة أقسام: أولها يتعلق بالله (وهو العبادة)، والثاني يتعلق بما يتعاطاه الناس بعضهم مع بعض (وهي المعاملات)، ومعظمها القوانين والأصول، والثالث يتعلق بآداب النفس وآداب المجتمع (وهي الأخلاق)

قالوا: فحدثنا عن الركن الأول.

قال: بما أن الإيمان هو الأصل الذي ينطلق منه العمل.. فقد بدأت البحث فيه.

بدأت البحث عن حقائق الوجود والكون والحياة والإنسان، وموقف زعماء الأديان منها.

قال رجل من الجمع: فماذا وجدت؟

قال: لقد وجدت أن الديانات التي اهتمت بهذه الجوانب نوعان:

نوع لا نجـد فيه ذكر الله البتة.. وكأنه لا وجود له إطلاقا.. ومن هذا النوع دين بوذا ودين الصين؛ فليس فيهما ذكر لله ولا لصفاته، وليس فيهما فرائض وواجبات علَى الإنسان، ومِن باب أولَى؛ ليس فيهما ذكر للحبّ لله وتوحيده والإخلاص له؛ فالذي يبحث فيهما عن هذِهِ الأمور لا يخرج من بحثه بشيء.

ونوع فيه ذكر لله.. ودعوة إلى الإيمان به.. وقد وجدت من خلال البحث المستقصي عن حقائق هذا الإيمان أن الأديان السابقة للإسلام، والَّتِي كانت تدعو إلى توحيد الله؛ قد تطرَّق إليها الفساد في أمر التوحيد؛ لوجوه ثلاثة: الأول: التشبيه والتمثيل، أي: أنهم قد شبَّهوا الله بغيره من خلقه.. والثاني: أنهم جعلوا لله صفات منفصلة عنه ومستقلّة.. والثالث: أنهم اغتَروا بكثرة المظاهر في العالم، وخُدِعُوا بضروب من مصنوعات الله وآثار مقدوراته.

قال رجل من الجمع: هذا ما حصل لسائر الأديان.. فكيف وجدت الإسلام، وهل وقي شر هذه الثلاثة؟

قال: مع طول بحثي في المسألة.. لم أجد دينا تمثل فيه التوحيد بأرفع صوره كما تمثل في الإسلام([17]).. بل لو اعتبرنا الإسلام هو الدين الوحيد الذي قال بالتوحيد، ونادى به وأفرد الله بالألوهية.. لم نكن كاذبين.. فالتوحيد فيه عقيدة وحياة ومواجيد.. وهو فيه معارف عقلية، وطمأنينة قلبية، وأذواق روحية..

قال رجل من الجمع: عرفنا هذا، وقد شوقتنا للبحث فيه.. فحدثنا عن الجانب الثاني، والذي يرتبط بعلاقة الإنسان بربه.

قال: لقد وجدت أن كل الأديان لم تخلو من العبادة لله، لكن الأديان القديمة حَسِبَ أتباعُها أن الدِّين يطالبهم بإيذاء أجسامهم وتعذيبها، وأن الغرض من العبادة إدخال الألم علَى الجوارح، وأن الجسم إذا ازدادت آلامه كان في ذلك طهارة للروح ونزاهة للنفس.

وعن هذِا الفهم للعبادة نشأ التبتُّل عند الهنادك، والرهبانية عند المسيحيين، وابتدعوا من رياضات الجسم أنواعًا عجيبة، أشدها علَى الجسم أفضلها عندهم وأقربها إلَى الله في زعمهم: فمنهم مَن آل علَى نفسه ألَّا يغتسل طول حياته، وفيهم مَن يرفع إحدى يديه في الهواء ويبقَى كذلك طول عمره حتى تيبَس يده وتجفّ، وكان بعضهم يحبس نفسه ما استطاع وهو يحسَب أن ذلك من العبادة، ولا يزال في الهند مَن يتعلّق بشجرة منكِّسًا رأسه إلَى تحت.

ضحكت الجماعة المحيطة به، فقال: لا تضحكوا.. هذا واقع.. وهو ليس واقعا نشازا، بل هو واقع زاحم الحياة البشرية في كل عهودها.

قال رجل من الجمع: نحن في الهند.. ونحن لا نستغرب مثل هذا.. فحدثنا عن التشريعات التي جاء بها محمد لتبين للناس كيف يعبدون الله.

قال: لقد رأيت كل التعاليم التي جاء بها محمد، والتي امتلأت بها النصوص المقدسة التي جاء بها تركز على المعاني الروحية في العبادة دون مبالغة فيما يرتبط بها من طقوس.. لقد خاطب محمد أمته بقوله لها: (إن الله لا ينظر إلَى صوركم وأموالكم؛ بل ينظر إلَى قلوبكم وأعمالكم)([18])

ورأيته يبدأ، فينهى عن تكليف الناس بما لا تطيق، يقول القرآن:{ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا } (البقرة: 286)، ويقول:{ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا} (الطلاق: 7)

ولهذا أنكر الإسلام الرهبانية التي تعتبر تعذيب الجسد عبادة، واعتبرها بدعة، قال القرآن:{ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد:27)

وأنكر على من أراد أن يحرم ما لم يحرم الله، فقال:{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }(لأعراف:32)

سكت قليلا، ثم قال: لقد كان قتل المرء نفسه مما يتقرّب به الأقدمون إلَى الآلهة؛ فكانوا ينذرون لآلهتم قرابين بشرية تُذبَح كالأضاحي؛ استرضاء للآلهة، وربما أُحْرِقت لحوم الأضاحي وجمِّرت بها الأصنام وبخِّرت بدخانها؛ ولأجل ذلك كان اليهود يحرقون لحوم الأضاحي.

أما الإسلام؛ فقد بيَّن رسوله الغرضَ من الأضاحي، وحرَّم ذبح الإنسان وتقديمه قربانًا، وأحلَّ تضحية البهائم.

لقد ذكر القرآن ما في التضحية من مقاصد، فقال:{ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)} (الحج)

هذه هي العقيدة التي تمتزج فيها العبادة بالمصالح المختلفة للفقراء والمحتاجين.. لا العقيدة التي ليس لها من هم سوى القضاء على كل ما تملكه البشرية من مقومات الحياة.

قال رجل من الجمع: فهل وجدت في النصوص المقدسة للمسلمين ما ترى أنه يشفي غليل الإنسان في هذه الناحية؟

قال: إن ما الإسلام من هذه الناحية يملأ النفس بالانبهار ففيه منظومة كاملة لعبادة الله، تجتمع فيها تربية النفس، مع توثيق العلائق بين أفراد المجتمع، مع تنظيم حياة الإنسان، وحياة المجتمع جميعا.

لقد وجدت فيه الصلاة والصوم والحج، مفصَّلة آداب كل منها وشرائطه، وموضَّحة طرق عبادته وسُننها.. وهو يرشد الناس إلَى كيفية ذكر الله، وبأي دعاء يدعون، وبأي كلمات بليغة يسألون رب العالمين.. وقد عيّن لهم مواقيت الصلاة والصوم والحج، وأحكام هذِهِ العبادات وسُننها، وكيف يسألون ربهم فيها ليستنزلوا رحمته ويستغفروا ذنوبهم، وكيف يتضرعون إليه ويخشعون له ويناجونه في سِرّهم، ويذكرونه في علانيتهم، وكيف يتوبون إليه معترفين بزَّلاتهم، مُنيبين إليه منها، متَوخّين تزكية نفوسهم، وتنزيه أرواحهم، وتطهير قلوبهم، والتقرّب إلَى ربهم بكل ما ينالون به مرضاته؛ لتكون روح الدين قائمة وحقيقته ملموسة.

قال رجل من الجمع: وعينا هذا.. ونحسب أنا لا نخالفك فيه.. فإنا لا نرى أمة من الأمم تهتم بعباداتها كاهتمام المسلمين.. نحن نرى بأعيننا كثرة المساجد وامتلائها بالمصلين في كل وقت من أوقات الصلاة.. بل في غير أوقات الصلاة.. فحدثنا عن الناحية الثالثة.

قال: الناحية الثالثة التي تحتاج البشرية للتعرف عليها عن طريق الدين هي المعاملات، أو ما يمكن تسميته قوانين المدنية، وأصول المعاشرة.

لقد وجدت بعض القوانين المرتبطة بهذا النوع في الكتاب المقدس الذي يدين بأحكامه اليهود.. لكني لم أجد فيها ما يشفي غليل البشرية إلى القوانين العادلة التي تنظم حياتهم بجميع نواحيها.. بل إني وجدت مثالب كثيرة تصرف الأنظار عن تبني مثل تلك القوانين.

أما المسيحية.. فقد وجدتها قاصرة تماما عن تلبية هذا النوع من الحاجات.. ولهذا اضطرت الأمم المسيحية إلَى استعارة هذِهِ القوانين من الأمم الوثنية، كالإغريق والروم.

أما الرسالة المحمدية.. فقد وجدت فيها العجب العجاب في هذا الباب.. فهي لم تترك صغيرة ولا كبيرة مما يتعلق بسياسة المال، أو سياسة المجتمع، أو سياسة الأمة إلا تناولته بتفصيل عجيب..

لقد وضع القرآن ومعه النصوص المقدسة التي تكلم بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم قوانين حياة تجتمع فيها المثالية بأرقى صورها مع الواقعية في أدنى درجاتها.

قالوا: كيف ذلك، وحياة الناس تختلف بيئاتها وأزمانها، وما يصلح لقوم قد لا يصلح لغيرهم؟

قال: لقد نظرت الشريعة الإسلامية إلَى هذا الضَّرب من حاجات الأمم نظرًا ثاقبًا حكيمًا؛ فاستوعبته من جميع نواحيه، مستقصية جهاته كلها؛ فلم تترك ناحية منها إلَّا وقد أتمتها؛ فسَنَّت قوانين كُليّة، أقامتها علَى أصول جامعة.

وقد عمل بذلك المسلمون في مختلف بقاع الأرض وأقطارها، ولا يعرف العالم كله إلَى الآن قانونًا أعدل ولا أرحم بالإنسانية ولا أصلح لها من قوانين الإسلام([19]).

قالوا: فحدثنا عن الناحية الرابعة.

قال: لقد وجدت أن حياة البشر لا يمكن أن تنظمها القوانين وحدها.. فالقوانين يمكنها أن تنظم السلوك العام، وتمنع شر الناس عن الناس.. ولكنه لا طاقة لها بأن تلطف حياة بحيث تعمق الأخوة بينهم.. ولا يمكنها أن تهذب سلوك الفرد بحيث تملؤه بالإنسانية الراقية.. فلذلك احتاج الإنسان إلى الأخلاق.

ولأجل هذا رجت أبحث في الأديان عن موقفها من الأخلاق، وعن نوع الأخلاق التي تدعو إليها..

لقد وجدت أن في التوراة أحكامًا عديدة تتعلق بالأخلاق، منها سبعة تُعَدّ أصولًا، وليس في هذِهِ الأصول السبعة إلَّا أصل واحد إيجابي؛ وهو: الأمر بطاعة الوالِدَين والبرّ بهما، أما السِّتَّة الأخرى فكلها سلبيّة؛ وهي النواهي: لا تقتل، لا تسرق، لا تزنِ، لا تشهد علَى جارك شهادة زُور، لا تخادن حَليلة جارك، لا تطمع في مال جارك، وبعض هذِهِ الأصول داخل في بعض؛ فهي في الحقيقة أربعة.

وقد وجدت الإنجيل يردّد هذِهِ الأحكام السبعة كما هي في التوراة، ويزيد عليها: الحث علَى محبة الغير؛ فجاء بزيادة واحدة علَى ما في التوراة.. أما الإسلام فقد رأيت فيه أحكاما كثيرة في المعاشرة، وقوانين مفصَّلة في المعاملات، أفاض فيما كان نهرًا حتى جعل منه بحرًا.

سكت قليلا، ثم قال: سأضرب لكم مثالا آخر.. أو مقارنة أخرى.. بين الأصول التي بنى عليها الإسلام بنيانه الأخلاقي الرفيع، وبين أصول غيره من الديانات.

لقد رأيت خلال البحث في تواريخ سلوك الأمم قبل الإسلام أن عقائد كثيرة باطلة، وأوهاما كثيرة سخيفة تملكتهم.. صار بموجبها أهل كل دين في مملكة من الممالك يحسبون أن مملكتهم هي الدنيا كلها؛ فكان براهمة الهند ومتصوفوها يرون أن بلادهم هي أرض الله الممتازة، وما خرج عنها لا نصيب له من رحمة الله؛ لأن الله لا يريد الخير إلَّا لقُطَّان بلادهم، وأمر الرسالة الإلهية والهداية الربانية قد اختُصّ به بعض البيوتات من سدنة المعابد لا يعدوهم أبدًا.

وهكذا نطق أتباع زرادشت، حين حسبوا أن الإله إنما يُعنَى بأمر بلادهم المقدسة وحدها، وبأهل وطنهم الأخيار، ولا تعنيه بلاد أخرى ولا أُمّة أخرى.

وهكذا فعل بنو إسرائيل، حين ظنوا أن رسالات الله خاصة ببعض أسباطهم، وأنها حقهم الموروث.. أما الإسلام؛ فقد اختلف موقفه في هذا عن موقف الكل..

لقد وَسَّع علَى الإنسانية ما ضيَّقه الآخرون، وأعلن أن الناس كلهم سواسية، وأن دعوة الله غير مخصوصة ببلاد دون أخرى؛ فمشرق الدنيا ومغربها وشمالها وجنوبها وفلسطين وفارس والهند، كل قد خلا فيها رسول أو نبي، وأن الله ـ تعالى ـ تستوي عنده الأمم واللغات في بعثة الأنبياء؛ فشمس النبوة أشرقت علَى البشر جميعًا، وتلألات فيهم أنوار الرسالة:{ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} (فاطر:24).. { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} (الرعد: 7).. { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (الروم:47)

لقد رأيت اليهود لا يؤمنون بنبي ليس منهم.. ورأيت المسيحيين لا يوجبون علَى أنفسهم الإيمان بنبي من بني إسرائيل أو غيرهم، ولا يرون إذا لم يؤمنوا ببعض الأنبياء أن ذلك يخلّ بشيء من دينهم.. ورأيت الهنادك لا يعتقدون بأن الإلهام الآلهي والوحي الرباني نزل علَى بلاد غير بلادهم.. وهكذا شأن المجوس أتباع زردشت؛ فإنهم يذهبون إلَى أن الدنيا كلها مظلمة سوداء؛ فلا نور إلَّا ببلادهم بلاد النار.

أما محمد؛ فقد أعلنت أن الدنيا كلها لله وحده، وأن سكانها أجمعين من خلق الله، وأن الأقوام علَى اختلافها سواسية في نِعَمه وآلائه، وكلهم نالوا نصيبًا من دعوته وحظًّا من رحمته، وما من بلاد عمَّرتها أُمّة إلَّا وقد أضاء فيها نور من هداية الله، وبُعِثَ فيها نبي دعاها إلَى الحق، وبلَّغها أوامر الله ونواهيه.

ولهذا، فإن الإسلام فرضَ علَى كل مَن دخل فيه أن يؤمن بجميع أنبياء الله ورسله، وبالكتب السماوية الَّتِي أوحى الله بها من قديم الزمان، وليس بمسلم مَن لم يؤمن بالأنبياء كلهم، وبالكتب المنزلة علَى الرسل المبعوثين من قبل؛ فالرسل الَّذِين سماهم الله في القرآن يجب علَى المسلم أن يؤمن بهم إيمان تفصيل، والذين لم تُذكَر أسماؤهم يؤمن المسلم بهم إيمان إجمال بأنهم كانوا صادقين هداة للبشر، وكانوا ينابيع الخير والحكمة. وقد وصف المسلمون في القرآن بأنهم { َالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } (البقرة: 4)؛ فليس للمسلم أن يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض. وقد خاطب القرآن المسلمين جميعًا بقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً} (النساء:136)

قال رجل من الجمع: لقد عرفت إذن بأن التعاليم التي جاء بها محمد هي أكمل التعاليم وأوفاها وأولاها بالاتباع.. فهل اكتفى عقلك بذلك، فصرت تعتقد بأن محمدا هو وسيط الهداية بين الله وبين عباده، وبأنه النموذج الأكمل للإنسان، وأن الإنسان لن يصير إنسانا إلا باتباعه.

قال: لا.. لم أكتف بذلك.. لقد بدأت البحث من جديد.. فتركت كل ما وصلت إليه من تلك الثروة الضخمة من التعاليم العظيمة التي جاء بها محمد..

لقد قلت لنفسي، أو قال لي عقلي: ربما يكون كل ما جاء به محمد نفحة من نفحات العبقرية.. أو حصاد من زرع الذكاء..

قال الرجل: فكيف تخلصت من هذا الهاجس.. وهو لا يمكن أن يتخلص منه؟

قال: لقد قال لي عقلي: ابحث في سيرة هذا الذي دعا إلى تلك التعاليم.. وانظر هل يخالف قوله فعله.. أم أن قوله وفعله يصدران من مشكاة واحدة؟

وقال لي: ليست الأفكار الصحيحة، والنظريات الشائقة، والأقوال الحسنة؛ هي الَّتِي تجعل الإنسان إنسانًا كاملًا، وتجعل من حياته أسوة للناس، ومثلًا أعلَى في الحياة؛ بل أعمال الداعي وأخلاقه هي الَّتِي تجعله كذلك.. ولولا ذلك؛ لما كان هناك فرق بين الخير والشرّ، ولما تميّز المصلِح عن غيره، ولامتلأت الدنيا بالثّرثارين والمُتفيهقين الَّذِي يقولون ما لا يفعلون.

وقال لي: إن الحياة المثالية لن تكون أسوة للناس ما لم تكن أعمال صاحبها ـ الَّذِي يؤسّس دينًا ويدعو الناس إليه ـ مثالًا وأنموذجًا لما يدعو إليه، ولا يتطرّق الشك إلَى الناس بأن ما يدعو إليه هو مما يعمل به.

قال الرجل: فما الذي فعلت حتى تقطع هذه العقبة الكؤود التي وضعك فيها عقلك؟

قال: لقد رحت أبحث من جديد في السير المتبقية لدينا عن العظماء لأرى فيها مدى اكتمال صلاحيتها لأن تكون النموذج الأكمل للإنسان.

لقد رحت أصيح من جديد في التاريخ لأقول له: مَن ذا الَّذِي تُعَدّ حياته أسوة للبشر، وفيها المثل الأعلى للبشر، مِن بين مئات الألوف من الرُّسُل والأنبياء وعظماء المُصْلِحين، ممن شرعوا للإنسانية دِياناتها، وسَنّوا السُّنَن للناس؟

قال الرجل: فقد عدت لما بدأت به.

قال: أجل.. ولكني اقتصرت على زعماء الأديان الكبرى.. أما غيرهم.. فقد عرفت أن شأنهم أحقر من أن يوزنوا في موازين هذا النوع من العظماء.. ولذلك لم يولهم البشر أي أهمية في هذا الجانب.. ولذلك لا نعرف عنهم ما يمكن اعتبارهم موضع قدوة فيه.. بالإضافة إلى أن وجدت أكثرهم تابعا لزعيم من زعماء الأديان، ولا يمكن للتابع أن يصير متبوعا.. ولا يمكن أن نترك المتبوع، ونلهث وراء التابع.

قال الرجل: فقد بدأت ببوذا إذن؟

قال: أجل.. لقد تتبعت سيرة بوذا منذ هجر أهله وعياله إلَى الصحاري والغابات؛ وتتبعت خطواته منذ ترك خَليلته الَّتِي كانت حبيبة قلبه، ولم ير ولده الوحيد مرةً أخرى، وترك خِلَّانه وأحباءه؛ فخفف عن كاهله أعباء الحُكْم، وارتضى الموت آخر وسيلة له إلَى النجاة؛ فكان الأجل المحتوم الغاية القصوَى للحياة البشرية عنده.

وعندما انتهيت من هذا البحث المستقصي قلت لنفسي، أو قال لي عقلي: مَن ذا من البشر يرضَى بأن يتخذ من حياة بوذا أسوة في هذِهِ الدنيا؛ الَّتِي لا بقاء لها ولا عمران إلَّا بالحياة الاجتماعية والروابط العمرانية والأواصر الإنسانية، ولا بُدّ فيها من رَاعٍ يرعَى رعيّته، وصديق يألف صديقه، ووالد يُشفق علَى ولده، وأُمّ تحن علَى فَلذة كبدها؟!

وهل في حياة بوذا شيء من ذلك يكون به أسوة للجميع ـ من الرهبان الَّذِين انقطعوا للآخرة، إلَى الآباء ذوي العِيال، وأصحاب الضياع والمزارع والمصانع والأموال!؟

لقد أجابتني حقائق التاريخ بلسان فصيح: كلَّا.. ليس هذا الرجل هو من تبحث عنه.. فإن سيرة بوذا لم تكن قط أسوة للهناء العائلي، ولا لأهل الصناعات والمتاجر، ولو اتَّخذ أتباع بوذا قدوة لهم من حياة بوذا؛ لما قامت لهم هذِهِ الدول في الصين واليابان وسيام وتبت وبورما، ولما عمّرت للتجارة في بلادهم سوق، ولا دبّت الحياة في صناعاتهم ومصانعهم. ولو اختار أهل تلك البلاد سيرة متبوعهم سيرة لهم وساروا عليها؛ لأقفرت الأرض العامرة، وتحوّلت إلَى صحاري قاحلة، ولأصبحت المدن خرابًا أو أرضًا جرداء!

قال رجل من الجمع: فقد عزلت بوذا إذن من أن يكون رجل هذه الناحية؟

قال: نعم.. ولكني لم أعزله، وأنا أهينه بعزلي، وإنما عزلته لأن مقاييس بحثي لم تنطبق عليه.. فلا يمكنني أن أكلف نفسي ولا الناس عنتا بأن أسير خلف من ليس لدي من سيرته ما يمكنني من السير خلفه.

قال الرجل: وحياة موسى.. ألم تر فيها ما تبحث عنه.

قال: لقد بحثت فيها بحثا طويلا مفصلا.. ولكني لم أجد في حياته ـ حسب الأسفار الخمسة من التوراة ـ إلَّا قتاله وقيادته في الحرب وبسالته فيها، أما النواحي الأخرَى من حياته ـ كالحقوق في أمور الدنيا، والفرائض والواجبات ـ ؛ فلم أرها واضحة جلية بحيث يمكن السير على منوالها..

قال الرجل: فقد عزلته إذن كما عزلت بوذا؟

قال: عزل احترام لا عزل احتقار.. لقد علمت أنه عظيم.. ولكني لم أجد في سيرته ما يكفي لأن أجعله الأنموذج الأكمل للإنسان.

صاح رجل من بعيد: لاشك أنك وجدت هذا الإنسان في المسيح.. فهو الوحيد الذي نقلت لنا سيرته بالتفصيل.. فالأناجيل لا هم لها إلا ترديد كل ما ورد عنه.

قال: لقد بحثت في سيرة المسيح لأرى مدى اكتمال هذه الناحية فيها..

فوجدت أن المسيح عاش عيشة المغلوبين المحكومين؛ فلهذا لم أجد في حياته مثالًا من واجبات الحاكم الغالِب.

ووجدت أنه لم يكن له زوجة؛ ولذلك لم أر في حياته مثالًا لما ينبغي أن يتبادله الزوج والزوجة من واجبات وحقوق، خصوصًا وأن الَّذِي بين الزوجين من الصِّلَة أوثق وأشدّ من الَّذِي بين الأولاد وآبائهم؛ كما جاء في سِفْر التَّكوين (انظر: سِفْر التكوين (1: 27 و8: 15 ـ 19)

لقد وجدت أنّ معظم سكان هذِهِ الدنيا يعيشون عيشة الأزواج.. ولذلك، فإنهم لن يجدو في حياة المسيح أي موضع أسوة في هذا الجانب.

بل إني ـ حتى في الأمور التي يستوي فيها المسيح مع سائر الناس ـ لم أجد فيها من النصوص ما أستشف منه كيف كان المسيح في حياته.

قال الرجل من القوم: ولكن المسيح هو الذي صاح بما لم يصح به أحد حين قال: (تحب الربَّ إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك. أحبب أعداءك. مَن لطمك علَى خدك الأيمن؛ فحوِّل له الآخر ِأيضًا. مَن سخَّرك ميلًا فاذهب معه ميلين. مَن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك؛ فاترك له الرِّداء أيضًا. اذهب وبِع أملاكك وأعط الفقراء. واعفُ عن أخيك سبعين مرة. يعسر أن يدخل غني إلَى ملكوت السماوات)

ابتسم السيد سليمان، وقال: إن ما تقوله وأمثاله لا شك أنه من الموعظة الحسنة المحبّبة إلَى النفوس، لكنها لا تُعَدّ سيرة ما لم يُقتَرن بها العمل.. نعم؛ إنها قول ليّن، وحديث لذيذ، ولكن الَّذِي لا يَغْلِب عدوّه؛ كيف يتسنَّى له العفو، ومَن لا يملك ومَن لا يكون له مال؛ كيف يتصدّق علَى الفقراء والمساكين واليتامَى، وكيف يقضي لهم حاجاتهم؟ ومَن لا زوج له ولا ولد ولا أهل؛ كيف تكون حياته أسوة للأزواج وذوي البنين والمتأهِّلين وهم هم الناس الَّذِي تعمّر الدنيا بهم؟ ومَن لم يتفق له أن يصفح عن أحد في حياته؛ كيف يقتدِي به مَن كان شديد الغضب سريع البادرة؟

سكت قليلا، ثم قال: الحسنات قِسمان: سلبيّة وإيجابيّة.. وأنتَ إذا اعتزلت الدنيا في غار بسفح جبل؛ تعبد فيه ربك، ولم تبرحه طول حياتك، تصرف فيه أوقاتك بالتبتّل إلَى الله؛ فإنّ أحسن ما يقال في مَدْحِك: أنك اتقيتَ الشرّ، ولم تقترف سيئة تُذَمّ عليها.. نعم إن ذلك من الحسنات.. ولكنها حسنات سلبيّة.. وهي لا تكفي وحدها.

ولذلك فإن الكمال يطالبك بالحسنات الإيجابية.. هل حملتَ كلًّا، أو نصرتَ مظلومًا، أو كسبتَ مُعْدَمًا، أو أطعمتَ جائعًا، أو كسوتَ عاريًا، أو ساعدتَ فقيرًا، أو ذُدتَ عن ضعيف، أو هديتَ ضالًّا؟

إن الأخلاق الحسنة ومكارمها.. من العفو، والسماحة، والقِرَى وبذل المال، والصَّدْع بالحق، والحميّة في قمع الباطل، والجهاد في أداء الواجب.. وغيرها.. لا تُعَدّ مكارم أخلاق لأجل ترك الدنيا والتبتّل في عُزْلَة عن المجتمع، وليست الحسنات من الأمور السلبيّة فحسب؛ بل معظم الحسنات ترجع إلَى العمل الإيجابيّ الَّذِي يقوم به المرء، ولا يكفي فيها ترك المعاصي واجتناب السوء.

ولهذا، فإن الإنسان ينشد مثالًا يقتدِي به في كل عمل يُقْدِم عليه؛ في غناه وفقره، وفي سِلْمه وحَربه، ويتحرَّى السبيل الَّذِي يسلكه إذا تزوج أو بقي عزبًا، ويريد أنموذجًا عاليًا يأتمّ به إذا عَبَدَ ربه أو عاشر الناس، ويحاول أن يلمّ بالقوانين الَّتِي ينبغي العمل بها بالنسبة إلَى الراعي والرعيّة، والحكَّام والمحكومين.. وجميع هذِهِ الأمور ينبغي للمرء أن يتَّخِذ لنفسه القدوة فيها؛ لأن الأمم قد التوَت عليها هذِهِ المسألة؛ فأهمها التماس الطريق الموصِل إلَى حلّ هذِهِ المعضلات، وتذليل هذِهِ المصاعب. ومعظم الشعوب تشعر بالحاجة الشديدة إلَى المُثُل العُلْيا في ذلك؛ لتخفِّف عن الإنسانية آلامها، وتأسو جراحها، وهي متلهِفة علَى مثال لذلك من الأعمال، لا علَى مثال عليه من الأقوال.

قال رجل من الجمع: فهل في تاريخ البشرية من اجتمعت له كل هذه الكمالات، حتى صار المنارة التي تهتدي بها جميع سفن العالم؟

قال: أجل.. لابد أن توجد مثل هذه المنارة.. وإلا تاهت جميع سفن العالم في ظلمات المحيطات.. ولالهتمتها كل الغيلان.

قالوا: فأين وجدت هذه المنارة؟

قال: في محمد.. لقد رأيت أنه الإنسان الوحيد الذي توفر له من الظروف، وكان له من المواقف ما يجعله الإنسان الكامل الذي يصح اعتباره الأنموذج الأكمل للإنسان.

قالوا: إن إثبات مثل هذا صعب.

قال: ولكنه ليس مستحيلا.. لقد وضعت منهجا للتحقق من ذلك، يقوم على ثلاث دعامات:

الأولى: الشهادات التي يبثها المخالطون، سواء كانوا من المقربين منه الموالين له، أو من المبعدين الساخطين عليه.

والثانية: السلوك الذي سلكه في حياته ومدى انطباقه على ما كان يدعو إليه.

والثالثة: الآثار التي تركها.. والتي يصح لها أن تعبر عنه.

قال رجل من الجمع: نوافقك في صحة هذا.. فما ذكرت من الدعامات كاف ليدلك على ما تريد.. فهل طبقتها على ما ورد عن محمد.

قال: أجل.. وكيف لا أفعل ذلك.. وهل يمكن أن يستقيم إيماني، ويخرج من طور التقليد دون ذلك.

قا ل ذلك، ثم راح يفصل لنا بالوثائق الكثيرة ما يدل على ذلك.

وما انتهى من حديثه حتى ارتفع الآذان.. وقد شاء الله أن لا نسمع منه إلا (محمد رسول الله).. فصاح الجمع ـ بمختلف طوائفهم ـ من غير شعور (محمد رسول الله).. وصحت معهم بها.. فتنزلت علي حينها أنوار لو كانت بحار الدنيا مدادا، وأشجارها أقلاما، واجتمعن ليعبرن عنها ما أطقن.

برهان الوحي:

بعد أن أنهى الرجل الثالث حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن حدثكم صديقي وأخي عن [برهان النبوة]، وكيف خرج به من ظلمات الجهل والغواية إلى نور الإيمان والهداية.. فاسمعوا حديثي عن برهان من براهين الهداية المبينة، أطلقت عليه اسم [برهان الوحي].. وهو برهان يدل على الله من كل الوجوه، وبكل المقدمات، وبجميع اللغات..

فالله برحمته لم يتواصل مع آحاد خلقه برعاية حاجاتهم وإجابة دعواتهم فحسب.. ولم يحفظ عليهم حياتهم بالقيم التي وفرها لهم فقط.. ولم يرسل لهم وسائط الهداية ليكونوا نماذج تيسر عليهم تحقيق الكمال فقط.. وإنما أضاف إلى ذلك أن أنزل إليهم وحيه وكلماته المقدسة لتبقى نورا بينهم يهتدون بها، ويتواصلون معه عبرها.

ولذلك كان البحث عن المصادر المقدسة للأديان هو أول ما بدأت به أبحاثي، حيث رحت أجمعها جميعا، وأحول أن أطبق عليها جميع المقاييس لأرى مدى دقة كونها مقدسة كما تزعم الأديان التي تنسب إليها.

وقد جعلني ذلك أقوم برحلات كثيرة، وألتقي ناسا كثيرين، وأصرف أموالا ضخمة على كل ذلك.. وما كنت أجد أي مشقة في ممارسة ذلك.. ذلك أني كنت أبحث عن الإكسير الأحمر.. وعن كنز الأبد.. وعن مفاتيح الوجود التي إن وصلت إليها وصلت إلى كل شيء.

وكان أول ما بدأت به الكتاب المقدس الذي كان متوفرا لدينا في البيئة المسيحية التي كنا نعيش فيها.. وقد قرأته مرات كثيرة.. وقد شعرت نحوه بمشاعر مختلفة ممتلئة بالتناقض([20]).. ففي مواضع أشعر أنه كلام الله الجميل المتدفق بينابيع الرحمة واللطف والمودة، وأشعر حينها بأن كل ذرة من ذرات الوجود تشهد له بذلك، بل تترنم معي، وأنا أرتله بخشوع وتدبر.

وفي مواضع أشعر أنه لغو أو لهو فارغ لا يعنيني، ولا يعني البشرية المتشوفة للخلاص.. لكني أعتذر بيني وبين نفسي لصاحب الكلام الذي أتهمه بهذه التهم.

وفي مواضع أشعر بأنه كتاب خطير.. لو سرت تعاليمه إلى الأرض لأحرقت الأخضر واليابس، ومحت معها كل وجود اجتماعي على الأرض.

أحيانا أشعر أنه كلام من الله المتعال.. وأحيانا أشعر أنه كلام حكواتي فارغ يهتم بالتفاصيل التي لا حاجة لها..

أحيانا أشعر أنه كلام ينبع من منابع تمتلئ بالعنصرية والحقد واللاإنسانية.. وأحيانا أشعر أنه كلام يفيض من منابع الرحمة والحنان والإنسانية.

وقد جعلني ذلك لا أثق في موقفي منه.. وأبحث عن مواقف أكثر علمية، وكان أول من عرضت عليه ما حصل لي صديق فلكي صار ملحدا بعد أن كان مؤمنا مسيحيا، وعندما سألته عن سر تحوله من المسيحية إلى الإلحاد، أخذ الكتاب المقدس، وقال: هذا هو السبب، فإن ما احتواه من أمور تعتبر أخطاء في الموازين العلمية جعلني أنفر منه.. فيستحيل على خالق هذا الكون أن يخطئ مثل تلك الأخطاء.

ثم قرأ علي ما جاء في التوراة من شرح لأحداث أيام الخلق، ثم قال بكل حسرة: إن هذا النص الطويل هو السبب فيما حصل لي من ابتعاد عن الله، أنا أشعر بالله.. وأشعر أنه يستحيل أن ينبني هذا الكون من غير أن يكون له صانع يصنعه ويبدعه.. ولكني في نفس الوقت أشعر بأن الإله الذي قال هذا الكلام إله لا يستحق أي احترام.. لأنه يجهل أبسط المبادئ العلمية..

إن هذا النص القصير بموازين ما ورد في الكتاب المقدس من نصوص مطولة عن الأنساب والمطاعم والمشارب ([21]) يحوي أخطاء كثيرة جدا لا يمكن أن تغتفر([22]):

لقد ذكر هذا النص أنه في اليوم الأول خلق الله الليل والنهار، وفي اليوم الثاني خلق الله السماء، وفي اليوم الثالث خلق الله البر والبحر والنباتات، وفي اليوم الرابع خلق الله الشمس والقمر والنجوم، وفي اليوم الخامس خلق الله أسماك البحر والزواحف وطيور السماء، وفي اليوم السادس خلق الحيوانات الأليفة والمفترسة والإنسان.

كل هذه المخلوقات موجودة.. ولا جدل في وجودها.. ولكن الجدل في الترتيب الذي رتبت به.. إنها كمن يرتب أحداث التاريخ، فيجعل عصرنا قبل العصور الوسطى، بل كمن يجعل عصرنا مقدمة للعصور الحجرية..

ألا ترى كيف يقدم خلق الليل والنهار على خلق الشمس مع أن ظاهرة اليل والنهار مرتبطة بوجود الشمس.. بل إن النص ذاته أشار في أحداث اليوم الرابع إلى هذه الحقيقة فقال:(لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ)

ليس ذلك فقط.. وإن كان ذلك كافيا.. فالأخطاء لا تزال تتسلسل كما تتسلسل إجابة طالب بليد اختلطت عليه دروسه.. لقد ذكر ذلك النص تقديم خلق النباتات بجميع أنواعها على خلق الشمس مع العلم بأنه لا يمكن للنباتات بأي حال من الأحوال أن تعيش بدون الطاقة الشمسية التي تحتاجها في عملية التركيب الضوئي.

ومن أشنع الأخطاء أن كاتب هذا النص الذي زعم لنفسه الإلهام افترض أن الأرض موجودة منذ بداية أيام الخلق، ولم يبين المدة التي استغرقها خلق هذه الأرض الخربة والخالية.

ومن أشنعها ما ذكره من أن الشمس والقمر والنجوم قد تم خلقها في اليوم الرابع، بينما تم خلق الأرض في اليوم الأول.. وهذا ما لا يقبله العقل، فلا يمكن أن توجد الأرض بدون الشمس.

ومن أشنعها أن هذا النص أشار إلى أن الله خلق السماوات والأرض منذ البداية (فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ)، ثم أشار إلى أنه خلق سماء واحدة، وليس سماوات في أحداث اليوم الثاني.. ومثل ذلك اختلط عليه الأمر في الطريقة التي تم من خلالها خلق هذه السماء.. حيث أن هذه السماء فصلت المياه عن بعضها البعض فأصبح قسم منها فوق السماء، وآخر تحتها، ومن هذا القسم الأخير تكونت مياه الأرض.. اسمع ما تقول التوراة:(وَقَالَ اللهُ:(لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ الْمِيَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلاً بَيْنَ مِيَاهٍ وَمِيَاهٍ) فَعَمِلَ اللهُ الْجَلَدَ، وَفَصَلَ بَيْنَ الْمِيَاهِ الَّتِي تَحْتَ الْجَلَدِ وَالْمِيَاهِ الَّتِي فَوْقَ الْجَلَدِ. وَكَانَ كَذلِكَ. وَدَعَا اللهُ الْجَلَدَ سَمَاءً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا ثَانِيًا)

لم أجد حينها بما أجيبه، فقد صارحني الرجل في خلوة بيني وبينه بما يعانيه من تشويش بسبب هذا النص الذي تكلف فيه كاتبه كل هذا التكلف.. وكأنه أراد أن يحطم الكتاب المقدس من أول إطلالة عليه([23]).. أو كأنه أراد أن يصرف العلماء عن النظر في الكتاب المقدس، ليخلو الجو بعدها للأحبار والرهبان.

***

بعده، وبعد جولة طويلة في مصادر مقدسة أخرى، وجدت فيها نفس ما وجدت في الكتاب المقدس من أخطاء رحت أستعرض القرآن الكريم.. وقد جعلته آخر المصادر المقدسة احتقارا له، لأني كنت أتصور أن المسلمين هم الذين يمثلونه ويطبقونه، وقد كنت أرى مدى تخلفهم واستبدادهم، فأتصور أن كل ذلك سببه كتابهم.. خاصة وأنه قد سرى إلي أن المسلمين من ينكر أبسط البديهيات العلمية بحجة أن كتابه ينكرها.

لكني مع ذلك.. رحت أتخلى عن تلك الأحكام المسبقة، وأقول لنفسي: وما أدراني.. لعل المسلمين يختلفون عن كتابهم.. أو لعلهم لم يفهموه، فليس من ضوابط الكلمات المقدسة أن تطبق ولا أن تفهم الفهم الصحيح.

ولست أدري السر الذي جعلني بمجرد أن أفتحه داخل مكتبة جامعية في باريس أن يدخل إلي [موريس بوكاي]، وهو طبيب فرنسي، بل هو رئيس قسم الجراحة في جامعة باريس، وقد منحته الأكاديمية الفرنسية عام 1988م جائزة في التاريخ المعروف.. فلما رآني أحمل القرآن الكريم تعجب عجبا شديدا، وقال: أرى أنه حصل لك ما حصل لي.

قلت: وما حصل لك؟

قال([24]): لقد قمت بدراسة القرآن، وذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة باحثًا عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث.. وكنت أعرف، قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات، أن القرآن يذكر أنواعًا كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة.. وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث.

وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل.. أما بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول، أي سفر التكوين، فقد وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخًا في عصرنا. وأما بالنسبة للأناجيل.. فإننا نجد نصّ إنجيل متى يناقض بشكل جلي إنجيل لوقا، وأن هذا الأخير يقدم لنا صراحة أمرًا لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدم الإنسان على الأرض.

قلت: فقد أصحبت تقر إذن بأن هذا القرآن كلمات إلهية مقدسة؟

قال([25]): أجل.. لقد أثارت الجوانب العلمية التي يختص بها القرآن دهشتي العميقة في البداية، فلم أكن أعتقد قط بإمكان اكتشاف عدد كبير إلى هذا الحدّ من الدعاوى الخاصة بموضوعات شديدة التنوع ومطابقته تمامًا للمعارف العلمية الحديثة، وذلك في نصّ كتب منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا.. في البداية لم يكن لي أي إيمان بالإسلام.. وقد طرقت دراسة هذه النصوص بروح متحررة من كل حكم مسبق وبموضوعية تامة.

لقد (تناولتُ القرآن منتبهًا بشكل خاص إلى الوصف الذي يعطيه عن حشد كبير من الظاهرات الطبيعية.. لقد أذهلتني دقة بعض التفاصيل الخاصة بهذه الظاهرات وهي تفاصيل لا يمكن أن تدرك إلا في النص الأصلي، أذهلتني مطابقتها للمفاهيم التي نملكها اليوم عن نفس هذه الظاهرة والتي لم يكن ممكنًا لأي إنسان في عصر محمد أن يكون عنها أدنى فكرة)([26])

لقد كنت أقول لنفسي: (كيف يمكن لإنسان – كان في بداية أمره أمّيًا -.. أن يصرح بحقائق ذات طابع علمي لم يكن في مقدور أي إنسان في ذلك العصر أن يكونها، وذلك دون أن يكشف تصريحه عن أقل خطأ من هذه الوجهة؟)([27])

ليس ذلك فقط هو الذي جعلني أمتلئ قناعة بالإسلام، هناك شيء آخر له أهميته الكبرى.

قلت: هل تقصد موقف الإسلام من العلم؟

قال: أجل.. فهو موقف مختلف كثيرا، بل مناقض لموقف الكنيسة، فـ(الإسلام اعتبر دائمًا أن الدين والعلم توأمان متلازمان. فمنذ البدء كانت العناية بالعلم جزءًا لا يتجزأ من الواجبات التي أمر بها الإسلام. وأن تطبيق هذا الأمر هو الذي أدى إلى ذلك الازدهار العظيم للعلوم في عصر الحضارة الإسلامية، تلك التي اقتات منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة في أوروبا)([28])

وقال لي: (في الإسلام كان الموقف إزاء العلم مختلفًا [عن المسيحية] إذ ليس هناك أوضح من ذلك الحديث الشهير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي يقول: (اطلب العلم من المهد إلى اللحد) أو ذلك الحديث الآخر الذي يقول: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) هناك أمر رئيسيّ: القرآن، إلى جانب أنه يدعو إلى المواظبة على الاشتغال بالعلم، فإنه يحتوي أيضًا على تأملات عديدة خاصة بالظاهرات الطبيعية وبتفاصيل توضيحية تتفق تمامًا مع معطيات العلم الحديث)([29])

وقد ذكر لي ـ بعد جلسات كثيرة معه ـ أن تلك المقارنات التي كان يجريها بين موقف المسلمين من العلم طيلة تاريخهم الطويل مقارنة بموقف الكنيسة كانت سببا من أسباب إسلامه، فهو يقول: (علينا أن نتذكر أنه في عصر عظمة الإسلام، أي بين القرن الثامن والقرن الثاني عشر من العصر المسيحي، وعلى حين كانت تفرض القيود على التطور العلمي في بلداننا المسيحية، أنجزت كمية عظيمة من الأبحاث والاكتشافات بالجامعات الإسلامية.. في ذلك العصر كان الباحث بهذه الجامعات يجد وسائل ثقافية عظيمة، ففي قرطبة كانت مكتبة الخليفة تحتوي على أربعمائة ألف مجلد.. [وكان] الكثيرون يسافرون من مختلف بلاد أوروبا للدراسة فيها، ولكن كم هي كثيرة تلك المخطوطات القديمة التي وصلت إلينا بواسطة الأدباء العرب ناقلة بذلك الثقافة إلى البلاد المفتوحة، ولكم نحن مدينون للثقافة العربية في الرياضيات (فالجبر عربي) وعلم الفلك والفيزياء (البصريات) والجيولوجيا وعلم النباتات والطب إلى غير ذلك. لقد اتخذ العلم لأول مرة صفة عالمية في جامعات العصر الوسيط الإسلامية. في ذلك العصر كان الناس أكثر تأثرًا بالروح الدينية مما هم عليه في عصرنا، ولكن ذلك لم يمنعهم من أن يكونوا في آن واحد مؤمنين وعلماء. كان العلم الأخ التوأم للدين. لكم كان ينبغي على العلم ألا يكف عن أن يكون كذلك)([30])

قلت: فما الشعاع الأول الذي اهتديت به إلى القرآن؟

قال([31]): أنت تعلم أن فرنسا من أكثر الدول اهتماما بالآثار والتراث، ولهذا عندما تسلم الرئيس الفرنسي (فرانسوا ميتران) زمام الحكم في البلاد عام 1981 طلبت فرنسا من دولة (مصر) في نهاية الثمانينات استضافة مومياء (فرعون مصر) إلى فرنسا لإجراء اختبارات وفحوصات أثرية ومعالجة..

لقد كان المعالجون ـ في ذلك الموقف ـ مهتمين بترميم المومياء، بينما كان اهتمامي مختلفا عنهم غاية الاختلاف.. فقد كنت أحاول أن أكتشف كيف مات هذا الملك الفرعوني.. وفي ساعة متأخرة من الليل ظهرت نتائج تحليلي النهائية.. لقد كانت بقايا الملح العالق في جسده أكبر دليل على أنه مات غريقا، وأن جثته استخرجت من البحر بعد غرقه فورا، ثم أسرعوا بتحنيط جثته لينجو بدنه.

لكن ثمة أمراً غريباً مازال يحيرني، وهو كيف بقيت هذه الجثة دون باقي الجثث الفرعونية المحنطة أكثر سلامة من غيرها رغم أنها استخرجت من البحر..!

بعد أن أعددت تقريراً نهائيا عما كنت أعتقده اكتشافاً جديداً في انتشال جثة فرعون من البحر وتحنيطها بعد غرقه مباشرة، همس أحدهم في أذني قائلا: لا تتعجل، فإن المسلمين يتحدثون عن غرق هذه المومياء.

لكني استنكرت بشدة هذا الخبر، واستغربته، فمثل هذا الإكتشاف لايمكن معرفته إلا بتطور العلم الحديث وعبر أجهزة حاسوبية حديثة بالغة الدقة، فقال لي أحدهم: إن قرآنهم الذي يؤمنون به يروي قصة عن غرقه وعن سلامة جثته بعد الغرق.

فازداد ذهولي وأخذت أتساءل: كيف يكون هذا وهذه المومياء لم تكتشف أصلا إلا في عام 1898 ميلادية أي قبل مائتي عام تقريبا، بينما قرآنهم موجود قبل أكثر من ألف وأربعمئة عام.. وكيف يستقيم في العقل هذا، والبشرية جمعاء وليس العرب فقط لم يكونوا يعلمون شيئا عن قيام قدماء المصريين بتحنيط جثث فراعنتهم إلا قبل عقود قليلة من الزمان فقط.

جلست ليلتها محدقا بجثمان فرعون، أفكر بإمعان عما همس به صاحبي من أن قرآن المسلمين يتحدث عن نجاة هذه الجثة بعد الغرق.. بينما الكتاب المقدس يتحدث عن غرق فرعون أثناء مطاردته لموسى دون أن يتعرض لمصير جثمانه البتة.. وأخذت أقول في نفسي: هل يعقل أن يكون هذا المحنط أمامي هو فرعون مصر الذي كان يطارد موسى !؟.. وهل يعقل ان يعرف محمدهم هذا قبل أكثر من ألف عام وأنا للتو أعرفه !؟

لم يستطع ليلتها أن أنام، ورحت أقرأ في (سفر الخروج) قوله (فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل وراءهم في البحر لم يبق منهم ولا واحد)

بقيت حينها حائرا.ً. فحتى الكتاب المقدس لم يتحدث عن نجاة هذه الجثة وبقائها سليمة بعد أن تمت معالجة جثمان فرعون وترميمه.

أعادت فرنسا لمصر المومياء بتابوت زجاجي فاخر يليق بمقام فرعون.. لكني لم يهنأ لي قرار حتى حضرت مؤتمرا طبيا يتواجد فيه جمع من علماء التشريح المسلمين.. وهناك كان أول حديث تحدثه معهم عما اكشتفه من نجاة جثة فرعون بعد الغرق.. فقام أحدهم وفتح المصحف وأخذ يقرأ لي قوله تعالى:{ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ } (يونس:92)

لقد كان وقع الآية علي شديدا.. بل رجت له نفسي رجة جعلتني أقف أمام الحضور، وأصيح: (لقد آمنت بهذا القرآن)

رجعت بعدها إلى فرنسا بغير الوجه الذى ذهبت به.. وهناك مكثت عشر سنوات ليس لدي شغل يشغلني سوى دراسة مدى تطابق الحقائق العلمية والمكتشفة حديثا مع القرآن الكريم، والبحث عن أي تناقض علمي واحد مما يتحدث به القرآن لأخرج بعدها بنتيجة نص عليها قوله تعالى:{ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } (فصلت:42)

كان من ثمرة هذه السنوات التي قضيتها أن خرجت بتأليف كتاب عن القرآن الكريم هز الدول الغربية قاطبة ورج علماءها رجا، لقد كان عنوان الكتاب (القرآن والتوراة والإنجيل والعلم.. دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة)

قلت: ألم يلق هذا الكتاب أي رد عليك من الدوائر العلمية؟

قال: بلى.. لقد بذلوا كل جهودهم للرد عليه.. ومنهم رجل أعرفه بدأ يجهز رداً على الكتاب، فلما انغمس بقراءته أكثر وتمعن فيه زيادة.. لم يجد إلا أن يؤمن بالقرآن باعتباره كلمات الله المقدسة.

***

التقيت بعدها رجالا كثيرين من أهل العلم، كلهم شهد لي بما شهد به موريس، منهم (كيث مور)، وقد تعرفت عليه في بعض الجامعات حيث تقدم ليلقي محاضرة بعنوان (مطابقة علم الأجنة لما في القرآن والسنة)، وقد قدمه مدير الجامعة([32]) بقوله: محاضرنا اليوم هو الأستاذ كيث مور.. وهو أستاذ علم التشريح والأجنة في جامعة تورنتو بكندا.

وبعد تقديم طويل ذكر فيه المقدم المكانة العلمية للدكتور مور تقدم لإلقاء محاضرته، فقال: (لقد أسعدني جداً أن أشارك في توضيح هذه الآيات والأحاديث التي تتحدث عن الخلق في القرآن الكريم والحديث الشريف، ويتضح لي أن هذه الأدلة حتماً جاءت لمحمد من عند الله لأن كل هذه المعلومات لم تكتشف إلا حديثاً، وبعد قرون عدة وهذا يثبت لي أن محمداً رسول الله)

ثم قال: (إنني أشهد بإعجاز الله في خلق كل طور من أطوار القرآن الكريم، ولست أعتقد أن محمداً أو أي شخص آخر يستطيع معرفة ما يحدث في تطور الجنين، لأن هذه التطورات لم تكتشف إلا في الجزء الأخير من القرن العشرين، وأريد أن أؤكد على أن كل شيء قرأته في القرآن عن نشأة الجنين وتطوره في داخل الرحم ينطبق على كل ما أعرفه كعالم من علماء الأجنة البارزين)

لاحظت في وجوه الجمع الحاضر سرورا عظيما، واهتماما كبيرا بما يقوله.. حاولت أن أقترب منه لأستوضح أسرار ذلك التصريح الخطير، لكني لم أتمكن، لكني سمعته يقول: (إن التعبيرات القرآنية عن مراحل تكون الجنين في الإنسان لتبلغ من الدقة والشمول مالم يبلغه العلم الحديث، وهذا إن دل علي شئ فإنما يدل علي أن هذا القرآن لايمكن أن يكون إلا كلام الله، وأن محمداً رسول الله)

وقد سمعت أنه قيل له بعد انتهاء محاضرته: هل أنت مسلم؟.. فقال: لا.. ولكني أشهد أن القرآن كلام الله.. وأن محمداً مرسل من عند الله، فقيل له: إذاً.. فأنت مسلم، قال: أنا تحت ضغوط اجتماعية تحول دون إعلان إسلامي.. ولكن لاتتعجبوا إذا سمعتم يوماً أن كيث مور قد دخل الإسلام.

***

ومن الذين التقيت بهم بعد كيث مور (البروفسور جفري لانج)، وهو أستاذ الرياضيات في الجامعات الأميركية، وقد سمعت أنه ألف كتابا بعنوان (حتى الملائكة تسأل)، حكى فيه رحلته إلى القرآن والإسلام، فأحببت أن أستوضح منه شخصيا.

فاستقبلني في بيته، وراح يقول لي: في جامعة (سان فرانسيسكو) تعرفت على طالب عربي كنت أُدرِّسُهُ، فتوثقت علاقتي به، وأهداني نسخة من القرآن، فلما قرأته لأول مرة شعرت كأن القرآن هو الذي (يقرأني)، فلم أجد إلا أن أسلم وجهي لله.

وقد انهالت الأسئلة علي بعدها تسأل عن سر إسلامي، فكنت أقول: (في لحظة من اللحظات الخاصة في حياتي، منّ الله بواسع علمه ورحمته عليّ، بعد أن وجد فيّ ما أكابد من العذاب والألم، وبعد أن وجد لدي الاستعداد الكبير إلى مَلء الخواء الروحي في نفسي، فأصبحت مسلماً.. قبل الإسلام لم أكن أعرف في حياتي معنى للحب، ولكنني عندما قرأت القرآن شعرت بفيض واسع من الرحمة والعطف يغمرني، وبدأت أشعر بديمومة الحب في قلبي، فالذي قادني إلى الإسلام هو محبة الله التي لا تقاوَم) ([33])

وكنت أقول: (الإسلام هو الخضوع لإرادة الله، وطريق يقود إلى ارتقاء لا حدود له، وإلى درجات لا حدود لها من السلام والطمأنينة.. إنه المحرك للقدرات الإنسانية جميعها، إنه التزام طوعي للجسد والعقل والقلب والروح) ([34])

وكنت أقول: (القرآن هذا الكتاب الكريم قد أسرني بقوة، وتملّك قلبي، وجعلني أستسلم لله، والقرآن يدفع قارئه إلى اللحظة القصوى، حيث يتبدّى للقارئ أنه يقف بمفرده أمام خالقه، وإذا ما اتخذت القرآن بجدية فإنه لا يمكنك قراءته ببساطة، فهو يحمل عليك، وكأن له حقوقاً عليك!وهو يجادلك، وينتقدك ويُخجلك ويتحداك.. لقد كنت على الطرف الآخر، وبدا واضحاً أن مُنزل القرآن كان يعرفني أكثر مما أعرف نفسي.. لقد كان القرآن يسبقني دوماً في تفكيري، وكان يخاطب تساؤلاتي.. وفي كل ليلة كنت أضع أسئلتي واعتراضاتي، ولكنني كنت أكتـشف الإجابــة في اليوم التالي.. لقد قابلت نفسي وجهاً لوجه في صفحات القرآن..) ([35])

وكنت أقول: (بعد أن أسلمت كنت أُجهد نفسي في حضور الصلوات كي أسمع صوت القراءة، على الرغم من أني كنت أجهل العربية، ولما سُئلت عن ذلك أجبت: لماذا يسكن الطفل الرضيع ويرتاح لصوت أمه؟أتمنى أن أعيش تحت حماية ذلك الصوت إلى الأبد)([36])

***

طبعا مع ثقتي الشديدة بكل من ذكرت إلا أني لم أسلم لهم عقلي إسلاما تاما، بل رحت أبحث في القرآن الكريم من كل الزوايا مثلما بحثوا([37])، وليس من زاوية العلم فحسب، وقد وجدت أنه أكبر برهان على وجود الله وكمالاته، وعلى كل حقائق الوجود.. وقد استغربت أن يبحث الباحثون عن الأدلة الحسية على وجود الله.. والدليل الحسي أمامهم ينطق بكل لغة، ويصيح بكل لسانه من أنه من {مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1]


([1]) انظر: الله جل جلاله: سعيد حوى.

([2]) هو بول إرنست أدولف، أستاذ مساعد التشريح بجامعة سانت جونس وعضو جمعية الجراحين الأمريكية، عن كتاب (الله يتجلى في عصر العلم)

([3]) انظر: مقالا بعنوان: المنهج السيكولوجي في إثبات وجود الله ـ دراسة نقدية مقارنة لمناهج إثبات المبدأ ـ د. السيد محمد علي ديباجي..

([4]) انظر: مقالا بعنوان: المنهج السيكولوجي في إثبات وجود الله ـ دراسة نقدية مقارنة لمناهج إثبات المبدأ ـ د. السيد محمد علي ديباجي..

([5]) جون هيغ، إثبات وجود الله: 29، الدكتور عبدالرحيم كواهي.

([6]) الإسلام بين الشرق والغرب: علي عزت بيجوفيتش.

([7]) انظر: الفيزياء ووجود الخالق: مناقشة عقلانية إسلامية لبعض الفيزيائيين والفلاسفة الغربيين، أبو القاسم حاج حمد.

([8]) عندما دقت الساعة صفراً، جون تيلر، ص5.

([9]) الاسلام يتحدى: وحيد الدين خان.

([10]) انظر: مقالا بعنوان [نبوة محمد]، أحمد دعدوش وربى الحسني..

([11]) الاسلام يتحدى: وحيد الدين خان.

([12]) ما نذكره هنا من الدليل على نبوة محمد a هو مجرد دليل واحد.. وهو مرتبط بهذا الباب الذي نحن فيه.. أما الأدلة على نبوة محمد a فلا يمكن حصرها.. وقد خصصنا لذلك سلسلة [حقائق ورقائق]

([13]) أشير به إلى العلامة السيد سليمان الندوي، وكانت جامعة (مدراس) قد أباحت لبعض أحبار المسيحية من الأمريكيين وغيرهم إلقاء محاضرات في البحوث التي وقفوا حياتهم عليها.. وقد سبقت محاضراتهم محاضرات السيد سليمان الندوي، والتي ذكرنا ملخصها بتصرف كبير هنا مختصرين ذلك مما ذكرناه في رسالة [النبي الإنسان]

([14]) ننبه إلى أننا اقتبسنا هذه الأدلة من كتاب (الرسالة المحمدية) للسيد سليمان الندوي.. وقد اختلط أسلوبنا فيه بأسلوبه بناء على الضرورة الفنية.. ولذلك لم نلجأ للتوثيق كل مرة.

([15]) عبر السيد سليمان الندوي عن هذه الشروط بقوله: (إنّ حياة العظيم الَّتِي يجدر بالناس أن يتَّخِذوا منها قدوة لهم في الحياة؛ ينبغي أن تتوفَّر فيها أربع خصال:

1ـ أن تكون تاريخيّة؛ أي: أن التاريخ الصحيح الممحّص يصدِّقها ويشهد لها.

2ـ أن تكون جامعة؛ أي: محيطة بأطوار الحياة ومناحيها وجميع شؤونها.

3ـ أن تكون كاملة؛ أي: أن تكون متسلسِلة، لا تنقِص شيئًا من حلقات الحياة.

(4)ـ أن تكون عمليّة؛ أي: أن تكون الدعوة إلَى المبادئ والفضائل والواجبات بعمل الداعي وأخلاقه، وأن يكون كل ما دعا إليه بلسانه قد حقّقه بسيرته، وعَمِلَ به في حياته الشخصيّة والعائليّة والاجتماعيّة؛ فأصبحت أعماله مُثُلًا عُلْيا للناس يأتَسون بها).. وقد رأينا اختصارها في الشرطين اللذين ذكرناهما.

([16]) انظر رسالة (الكلمات المقدسة) من هذه السلسلة.

([17]) انظر التفاصيل الوافية الدالة على هذا في رسالة (الباحثون عن الله) من هذه السلسلة.

([18]) رواه مسلم.

([19]) انظر التفاصيل الوافية عن هذا في رسالة (عدالة للعالمين) من هذه السلسلة.

([20]) شرحنا بتفصيل ما يتعلق بهذا في كتاب [الكلمات المقدسة]

([21]) انظر فصل (الحق) من (الكلمات المقدسة)

([22])طبعا.. فإن هذا النقد الموجه هنا للتوراة ليس للتوراة التي أنزلها الله على موسى u، وإنما هو نقد للتوراة المحرفة، وإبراز للتحريف الذي نص القرآن الكريم على حصوله لها.

(أ)ما التوراة الحقيقية فقد ورد في فضلها النصوص الكثيرة كقوله تعالى:﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ)(المائدة: من الآية44)، وقوله تعالى:﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (المائدة:66) انظر تفاصيل ذلك في (الكلمات المقدسة)

([23]) من المعلوم أن ذلك الإصحاح هو أول ما يبدأ به الكتاب المقدس.

([24]) القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، ص 150.

([25]) القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، ص 145.

([26]) القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، ص 145.

([27]) القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، ص 150.

([28]) دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، ص 14.

([29]) دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، ص 140.

([30]) دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، ص 140 – 141.

([31]) انظر في هذا مقالا لد.محمد يوسف المليفي في كتاب (لماذا أسلموا)

([32]) المقدم هو الدكتور عبدالله نصيف مدير جامعة الملك عبدالعزيز في ذلك الحين، وقد تولى منصب أمين العام لرابطة العالم الإسلامي بعد ذلك.

([33]) حتى الملائكة تسأل، د. جيفري لانغ: 211.

([34]) حتى الملائكة تسأل، د. جيفري لانغ:75.

([35]) حتى الملائكة تسأل،:209.

([36]) الصراع من أجل الإيمان:34.

([37]) لم نشأ التفصيل في هذا البرهان هنا لأنا ذكرناه بتفصيل في سلسلة [حقائق ورقائق]

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *