النهاية

النهاية

بعد أن سمعنا كل هذه الأحاديث حانت التفاتة مني إلى [معلم الإيمان] بين الجموع، بنوره وصفائه وسلامه، فتعجبت أن يكون في ذلك المجلس.. واهتز قلبي شوقا وفرحا برؤيته، وعرفت حينها أن تلبيتي لتلك الدعوة لم تكن عبثا.. بل كان لمعلم الإيمان علاقة بها.

تمنيت في تلك اللحظات أن يتحدث لينير بنور الإيمان تلك المجالس.. فأحاديثه لم تكن كسائر الأحاديث.. فقد كانت مكسوة بنور الإيمان.. وكل كلام يبرز، وعليه كسوة النور الذي منه برز.

فجأة رأيته يشير إلى المسؤول عن الشؤون العلمية بتلك البلدة إشارة لم أفهمها، لكني رأيت المسؤول بعدها يطلب من الحاضرين أن يريهم بعض مرافق البلدة، فابتسم أوجست، وقال: فكرة رائعة.. فهي فرصة لنا أن نرى الحياة البدائية، وكيف يعيش أهلها.. فلعلنا نسجل هذا في سجلاتنا العلمية، كما فعل أستاذنا دارون.

وقال صديقه ورفيقه موريس: أجل.. هي فرصة ليعيد أولئك الذين عادوا إلى الخرافة بعد أن أنقذتهم الطبيعة منهم النظر في نتيجة التفكير الجديد الذي يريدون العودة إليه.

ولا أكتمكم أني أنا أيضا أصابني رعب شديد من أن تهز المرافق البدائية لتلك القرية الإيمان الجديد لأولئك العلماء، فأنا أعلم أن القناعة العقلية قد تهتز بسبب بعض الهزات العاطفية، حتى لو كانت بسيطة.

لكني لم أكن أتصور أبدا أن تلك المرافق لم تكن سببا في تراجع المؤمنين عن إيمانهم، وإنما كانت سببا في تحول أوجست وموريس وغيرهما ممن ظلوا على إلحادهم إلى الإيمان.

لقد عرفت حينها سر بناء سليمان للقصر الممرد من قوارير، كما قال تعالى: { قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [النمل: 44]، فقد كان ذلك القصر العجيب سببا لإيمان ملكة سبأ، كما كانت مرافق تلك البلدة البدوية سببا لإيمان أشرس الملاحدة.

لقد تمثلت عندما شاهدت ذلك الجمال المودع داخل كل مرفق وبيت ومزرعة ومصنع في تلك القرية بقوله تعالى: { فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ } [الحديد: 13]، فقد كان ظاهر القرية موتا، لكن باطنها كان مملوءا بالحياة، بل بكل أنواع الحياة..

فقد كان يتوفر في كل بيت كل مرافق الحياة الهانئة الهادئة الجميلة..

وكان في البلدة مكتبات ضخمة تضم كل أنواع الكتب، ومجهزة بكل ألوان التكييف الطبيعي.. ومصانع لا تلوث البيئة.. وكهرباء لا تشتغل بالوقود، وإنما بالطاقة الشمسية.. ومزارع تغذي القرية وما حولها من القرى بكل صنوف الخضر والفواكه..

بالإضافة إلى ذلك كان فيها مرافق للتعليم والعبادة والراحة واللهو واللعب، وكلها مصممة وفق أحدث النماذج.. بل رأينا اختراعات تعجب العلماء كثيرا عندما نظروا فيها.

وهكذا تعجبوا عندما زاروا المستشفى فرأوا أطباءه وممرضيه يستعملون وسائل للعلاج لم يكونوا يعهدونها، وقد رأوا مدى جدواها حتى أن بعض الأطباء الزائرين طلب من المسؤولين في البلدة أن يوفدوا بعض أطباءها كأساتذة زارين للمستشفى الذي يرأسه.

وعلى العموم، فقد مثلت البلدة رغم تواضع ظاهرها الشديد العلم والإيمان في أقصى درجاتهما..

***

لست أدري كيف أتيحت لي الفرصة لأن أنفرد بالمسؤول عن الشؤون العلمية في تلك البلدة، ورحت أسأله عن معلم الإيمان، وهل يعرفه، فقال: وكيف لا أعرفه.. ذلك سيدنا وأستاذنا وقدوتنا.. وقد زارنا منذ فترة، واستفدنا منه كثيرا، بل كان سببا في كل اهتماماتنا العلمية.. بل إليه يعود الفضل في تأسيس كل المرافق التي رأيتها.. وإليه يعود الفضل كذلك في دعوتكم ودعوة العلماء للحضور والاهتمام بهذه الندوة العلمية التي شرفتمونا بإقامتها.

قلت: أهو الذي طلب منكم ذلك؟

قال: أجل.. بل هو الذي خطط لكل ذلك.. بل هو الذي أرسل الدعوات لهؤلاء العلماء جميعا للحضور إلى هذه البلدة.

قلت: الذي أعرفه أن مؤسسة [الإيمان الجديد] هي التي قامت بذلك.. وهي مؤسسة إلحادية ممتلئة بكل ألوان الكفر والضلال.

قال: لكن معلم الإيمان استطاع أن يخترقها.. ويضع فيها من خيرة المؤمنين من حولوا من الإلحاد إيمانا، ومن الظلمات أنوارا.

قلت: أتقصد أن تلك المؤسسة ممتلئة بالمؤمنين؟

ابتسم، وقال: ألم يمسكوا بيدك عندما قررت الفرار من الزحف، ويطلبوا منك أن تصبر، وقال لك أحدهم: (إلى أين تذهب.. أتريد أن تفر من الزحف؟)، وقال لك آخر: (لا تقلق.. فكل شيء سيسير على ما يرام.. فالشمس أعظم من أن يستطيع أي جاحد نكرانها)

وقبلهما قال لك ذلك الشيخ من غير أن يشعر: (عجبا لمن هرب من جحيم الملاحدة، وسمع كلماتهم التي لم يسجلها التاريخ أن يكون خائفا وجبانا لهذه الدرجة)

قلت: لكأنك كنت معي في كل لحظة.. فهل تراك تعرفني؟

قال: لا تسأل عما لا يطيق عقلك فهمه..

ثم التفت إلى محفظتي، وقال: لاشك أنك لم تنس قلمك وقراطيسك.. وأحسب أنك لم تنس أيضا تسجيل كل ما حصل..

قلت: أجل.. لقد قمت بذلك.. فهذه عادتي التي لن أنساها أبدا.. لكن عقلي لا يزال محتارا حول دعوة معلم الإيمان لكل هؤلاء العلماء.

قال: لقد أراد الله أن يعطيهم فرصة ليراجعوا أنفسهم، لذلك جاء بهم إلى هذه البلدة الطاهرة التي تمثل فطرتهم النقية.. وما أسرع ما تذكروا الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم.. وما أسرع ما التحقوا بركب الإيمان.

قلت: أكل ما حصل إذن مجرد مسرحية كبيرة لاجتذاب هؤلاء للإيمان؟

قال: ألم يذكر لك معلمك بأن لله طرائق بعدد الخلائق؟

قلت: بلى.. كثيرا ما يذكر لي هذا.

قال: فقد كان الطريق المناسب لأولئك العلماء أن يوفر لهم الجو ليتحدثوا بحرية، ولوحدهم، ليكتشفوا الحقيقة التي هي أقرب إليهم من أنفسهم.

قلت: فقد كنت سأخرب كل شيء لو أني صحت فيهم بما كنت أنوي أن أصيح به.

قال: أجل.. فالحق لا يعرف بالصياح ولا بالصراح، وإنما بالحكمة والسلام والهدوء والعلم..

ثم التفت إلي، وقال: يمكنك الآن أن تذهب.. ولا تنس عند تقديمك لمحاضرتك أن تزود العلماء بكل تفاصيل الأدلة التي تعلمتها في رحلتك لروضات المؤمنين الذين هربوا من جحيم الإلحاد.. لأننا نريد من هؤلاء العلماء الذين كانوا ملاحدة أن يصبحوا أصواتا داعية إلى الله.

قلت: لقد فات موعد محاضرتي للأسف، ولم يحضرها أحد.. لأن الكل انشغلوا عني.

قال، وكأنه لم يسمع ما ذكرت له: ولا تنس أيضا أن تعرفهم بحقائق الإيمان، ومستلزماته، فهم بحاجة شديدة إليها.

لم أدر كيف أوضح له أن محاضرتي فات وقتها.. لكني فوجئت بعد عودتنا في اليوم التالي برئيس الجلسة يستدعيني لأصعد للمنصة، ثم يقول لي: لقد تنازل جميع المحاضرين اليوم عن تقديم محاضراتهم، وطلبوا بإلحاح شديد أن تقدم أنت محاضرتك..

فقمت بتقديمها وسط حضور كثيف.. وكلهم كان في غاية الاهتمام، وعندما انتهيت منها بدأت الأسئلة والتعقيبات التي استمرت اليوم جميعا..

وفي أوقات الراحة ذهبنا لمشاهدة اللافتات الإيمانية التي وضعت بدل اللافتات الإلحادية، والتي كان مهيأة مسبقا لذلك.. فقد كان القائمون على المؤسسة يعرفون النتائج التي ستحصل بدقة.

***

بعد هذا قد تسألونني عن مدى صحة هذه القصة.. وأنا أقول لكم: إنه لاشك عندي في صحتها، بل يمكنني أن أعطيكم الدليل القاطع على ذلك.. لكني لا أستطيع.. لأنني أخاف إن ذكرت الدليل، ذكرت اسم البلدة.. وأنتم تعرفون مخاطر ذكري لاسمها.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *