النهاية

النهاية

لست أدري كيف تلاشت فجأة تلك الرياض الجميلة الممتلئة بالقداسة، وكيف تلاشى معك أولئك الطاهرون الذين عشت معهم أسعد لحظات حياتي.. ولست أدري هل أنا الذي فارقتهم، أم هم الذين فارقوني، أم أننا لا نزال مع بعضنا بعضا، لكن حجب الغفلة هي التي أبعدتني عنهم، وحجب الملكوت هي التي أبعدتهم عني.

بعد أن نظرت إلى مروج قريتي، وقد عادت إلى وضعها، وعدت إليها كما كنت فيها.. رحت أتأمل فيها من جديد، وأنظر إليها بحسب الدروس الإيمانية التي تعلمتها، فرأيت في كل ورقة من أرواقها، وهبّة من نسيمها، وقطرة من مائها آية من آيات الله العظمى التي لا تقل في عظمتها عن تلك الروضات التي رأيتها.. ففي كل حرف من حروفها، وبسمة من بسماتها توقيع الله وختمه وآياته.. وهي مصدر جمالها، وأريج عطرها.

عدت بتلك السعادة والسرور العظيمين إلى بيتي، ورحت إلى قراطيسي وأقلامي لأسجل كل كلمة سمعتها، وحركة رأيتها، لأنشرها كما طلب مني معلم الإيمان.. وما هي إلا أيام قليلة حتى اكتملت، وسميتها بحسب ما طلب مني معلمي [الهاربون من جحيم الإلحاد]

ثم أسرعت إلى الناشرين، من عرفت منهم، ومن لم أعرف، أطلب نشرها على أوسع نطاق لتكون نورا يضاف لتلك الأنوار الطاهرة التي قامت على مدار التاريخ بمواجهة ظلمات الشياطين وأذنابهم وأتباعهم.. ولتوضيح الحقيقة التي تحاول كل مشاريع الظلام طمسها، ليخلو الجو لها، ولشياطينها ودجاجلتها ليمارسوا إفسادهم في الأرض، واستكبارهم فيها، لأنه لا يمكن أن يقوم للشيطان مشروع في ظل الإيمان بالله.. فهو أساس القيم الرفيعة، ومنبع الفضائل السامية.

ما هي إلا أيام قليلة بعد نشرها حتى سمعت باب بيتي يطرق، فأسرعت لفتحه، وإذا بي أفاجأ بالشاب الذي رأيته قبل رحلتي ومجموعة من الشباب الذين كنت أعرفهم بتطرفهم الديني واللاديني، وقد عجبت عندما رأيتهم جميعا يحملون نسخا من الكتاب، ثم يقولون لي: بورك فيك.. لقد أنقذنا كتابك هذا من جحيم الإلحاد.. وزج بنا في روضات جنات المؤمنين.

قلت لهم: هذا ليس كتابي.. أنا لم أفعل سوى أن وصفت ما وقع لي بدقة.. فإن كان لكم أن تشكروا أحدا، فاشكروا قراطيسي وأقلامي، واشكروا قبل ذلك معلمي، فلولاهم لم يتح لي أن أسجل فيه حرفا واحدا.

قالوا: نعم.. نعرف ذلك.. وقد جئنا إليك لتأخذنا لتلك الروضات.. فقد حنت قلوبنا شوقا إليها وإلى أهلها.. فنحن نريد أن نحدثهم ببراهين جديدة لم يذكروها.

قلت: ما تقولون؟.. إن ذلك ليس باليسير.. أنا نفسي لم أدر كيف حصل معي ما حصل.

قالوا: سر بنا إلى حيث رأيتها، ودعنا وشأننا، فالذي رفع الحجب عن عينيك لن يبخل على أعيننا برفع الحجب عنها.

لم أدر ما أقول لهم.. لكني سرت بهم إلى ضواحي القرية.. إلى حيث المروج الجميلة الخضراء.. وقد كان عجبي حينها لا ينفذ.. فقد رأيت أولئك الشباب بمجرد أن وصلوا إليها راحوا يصيحون بجمالها وروعتها.. لم أصدق عيني، فأنا لم أكن أرى سوى المروج.

سألتهم عنها.. فوصفوها لي بدقة كما عشتها ورأيتها.. ثم ما لبثت حتى رأيتهم يسرعون إلى روضاتها، ويجلسون على أرائكها، ويتحدثون مع أهلها، وكأنهم يعرفونها من زمان قديم.

عدت إلى بيتي وأنا ممتلئ عجبا من كل ما حصل.. لقد أيقنت حينها أن فضل الله وكرمه أعظم من أن يوصف.. فلذلك ليس لنا معه إلا التسليم والتعظيم والإجلال.. وليس لنا إلا نجثو في محرابه المقدس لنسقي قلوبنا كؤوس محبته التي لا يشقى من شرب منها، ولا يتألم من تداوى ببلسمها.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *