النهاية

النهاية

لست أدري ما الذي حصل بالضبط بعد أن سمعت كل تلك الأحاديث من سدنة معبد الإلحاد.. ولست أدري كيف خرجت من الفندق، ولا كيف ودعني صاحبي المرشد.. ولا كيف غاب عني معلمي الجديد [معلم الإيمان]؟

كل الذي أدريه أني بعد تلك الرحلة الجميلة الممتعة إلى فندق الملاحدة، رأيت نفسي في بيتي، وعلى أريكتي، وبجانبي كل شيء تركته، لم يمس منه شيء.. ولم يتحرك شيء من مكانه.. وذلك ما جعلني أشك في عقلي، بل في كل ما حصل لي إلى درجة أنني صممت أن أقصد طبيبا نفسيا ليخبرني بالضبط عن حال الوهم والجنون التي بلغتها، والتي جعلتني أرى ما لا يرى، وأسمع ما لا يسمع.

لكني ـ بعد أن ذهبت لمحفظتي لأبحث عن بعض أوراقي ـ وجدت ما أعاد إلي وعيي، وجعلني أنثني عن زيارة الطبيب النفسي، لسبب بسيط، وهو أني اكتشفت أني لست مريضا.. ولم يكن ما رأيته وهما، بل هو واقع حقيقي.. والدليل على ذلك هو كل تلك الأوراق التي سجلت فيها أحاديث أولئك الملاحدة ابتداء من البارون دي هولباخ، وانتهاء بهوكينغ.. كل أسمائهم، وكلماتهم، وما رأيته وسمعته وجدته بحروفه في تلك الأوراق.. وبخط يدي، وبمداد قلمي.

لقد رحت أقرأ تلك الأوراق حرفا حرفا، وأتعجب مما فيها.. وكم يعلم الله فرحتي بها.. لقد رحت أقبلها، وأسجد لله شكرا لأنه وفقني لكتابتها كما سمعتها بالضبط من غير زيادة ولا نقصان.

لست أدري كيف خطر على بالي حينها أولئك الشباب المساكين الذين غرقوا في أوحال الإلحاد، والذين شاهدت مشهدا لهم على تلك القناة الفضائية.

لقد قلت حينها بعزيمة لا تنثني: لا بد أن ألتقي بهم، وأعطيهم هذه الأوراق بعد أن أنقحها، وأنظمها، وأحولها إلى شكل كتاب.. وقد فعلت ذلك.. وسميته بالاسم الذي ترونه على غلاف الكتاب [ما قاله الملاحدة.. ولم يسجله التاريخ]

لم يبق إلا أن أسأل عن المحل الذي يوجد فيه أولئك الشباب.. وكان ذلك سهلا علي، فقد وضعت القناة الفضائية ذلك الشريط الوثائقي على أرشيفها، وتركت محلا لتعليقات القراء، والاتصال بالمنتج والمخرج وغيرهما.. وقد قمت بذلك.. وطلبت منهم عنوانهم.. وما أسرع أن أعطوني إياه، فقد تصوروا أني قد تأثرت بهم، وأريد اللحاق بركبهم، فقد كانوا ـ في باطن أمرهم ـ يمارسون دعاية مجانية لموضة الإلحاد الجديد.

بعد عناء شديد في الوصول إلى الحي الذي يسكنون فيه أصابتني دهشة كبيرة، فكل من أسألهم عنهم يخبرونني أنهم في المسجد.. أريتهم صورهم.. فأخبروني أنهم بشحمهم ولحمهم في المسجد.

بعد بعض التردد، ذهبت إلى المسجد الذي ذكروه لي، وقد فوجئت أنهم هم بالفعل، وأنهم يجلسون فيه بنفس الصورة التي كانوا يجلسون بها في ذلك الشريط الوثائقي.

اقتربت منهم، وقلت: عجبا.. ألستم أنتم الذي شاهدتكم في قناة [..]؟

قالوا: نحن هم أولئك الشباب..

قلت: ولكنكم الآن في المسجد.

قال: وما المانع من ذلك؟

قلت: المانع هو إلحادكم.. ألستم أنتم الذين سخرتم من الدين ومن القرآن ومن الآذان؟

قال أحدهم، والدموع تنهمر من عينيه: بلى.. نحن هم أولئك الشباب، وأنا الذي صغت ذلك الآذان الشيطاني، وأديته.. وقد تبت إلى الله بعد أن عرفت الحقيقة، وصرت مؤذنا في هذا المسجد.

قال آخر: وأنا تبت إلى الله، ورحت أحفظ القرآن الكريم، وأنشر تعاليمه العظيمة بين الناس.

قال آخر: وأنا تبت إلى الله.. ورحت أرد على أطروحات الملاحدة بما آتاني الله من علمه وفضله.

قلت: فكيف حصل ذلك؟.. لقد جئت من بلاد بعيدة لأسلمكم هذا الكتاب..

أخرجت الكتاب وأريته لهم..

لكن العجب أن أحدهم، أخرج مثله بنفس عنوانه، وقال: لا تقلق، فلكل واحد منا مثله.

قلت: كيف ذلك.. فأنا لم أعط هذا الكتاب لأي أحد.

قالوا: ونحن لم نأخذه منك، ولا من أي أحد.

قلت: فمن أين حصلتهم عليه؟

قالوا: نحن لم نحصل عليه.. نحن كتبناه مثلما كتبته.

قلت: هل تقصد أنكم زرتم فندق الملاحدة؟

قالوا: لو لم نزره ما تمكنا من كتابته.

قلت: فأنتم تعرفون [معلم الإيمان] إذن؟

قالوا: لو لم نعرفه ما كنا في هذا المسجد، ولما خرجنا من سجون الإلحاد.

قلت: وتعرفون ذلك المرشد الذي يقود الداخلين إلى فندق الملاحدة.

ابتسم أحدهم، وقال: ما بك يا رجل.. هل نسيتني.. هل نسيت مرشدك في فندق الملاحدة؟

تمعنت في ملامحه، فإذا به هو عينه، فقلت متعجبا: هل هو أنت.. هل أنت المرشد؟

قال: ألم أقل لك: إنني كنت ملحدا لولا أن هداني الله.

قلت: لكن لم لا تسارعون فتنشروا توبتكم، وتحذفوا ذلك الشريط الذي يسيء إليكم.

قال: لقد فعلنا كل ما في وسعنا لحذفه.. ودعونا المخرج والمنتج ليسجل توبتنا، فرفضوا جميعا.. لقد عرضنا عليهم في مقابل ذلك أن نرد عليهم ما أعطونا من أموال مقابل تلك المقابلة السخيفة، فرفضوا.. طلبنا منهم أن نضيف إليهم مالا جديدا، فرفضوا أيضا.. هم لا يريدون أن ينشروا الإيمان.. بل يريدون نشر الإلحاد، ولم يجدوا طريقا لذلك غير نشر أمثال تلك المشاهد.

قلت: فهلا وضعتم بديلا تكفرون به عما فعل بكم.

قالوا: أجل.. لابد من ذلك.. فلا يمكن لحلاوة الإيمان أن تستقر في القلب، ثم لا ينبعث عطرها ونورها إلى العالم أجمع.

هذه قصتي الأولى مع الملاحدة.. أرجو أن تكونوا قد استمتعتم بها، واستفدتم منها.. وإلى اللقاء في القصة الثانية.. والتي لا تقل متعة وفائدة عن هذه القصة.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *