النظام البديع

النظام البديع

في تلك اللحظات، جاءني رجل على أريكته العجيبة المتحركة، واقترب مني، وقال: كما أن الصنعة تحتاج إلى صانع.. والتصميم إلى مصمم، والإبداع إلى مبدع.. فالنظام ـ كذلك ـ يحتاج إلى منظم.. فهلم بنا إلى روضة [النظام البديع]، لتسمع من رفاقي في الإيمان كيف رحلوا من النظام إلى المنظم، كما رحل أهل هذه الروضة من الصنعة إلى الصانع.

سرت معه بين تلك الجنات، كما طلب مني، إلى أن رأيت روضة جميلة لا تختلف عن سائر الروضات في جمالها وإتقانها، وقد كان مما أثار إعجابي بها ذلك النظام الذي بدت به، وهو نظام لا يمكن تصويره، ولا التعبير عنه..

برهان الثبات:

ما إن وصلنا، واستقر بنا المجلس في تلك الروضة البديعة، وسلمت على ذلك الجمع المنور بنور الإيمان، وسلموا علي، حتى قال أحدهم مخاطبا رسولهم الذي جاء بي إليهم: فلتبدأ أنت يا صاحب النفس الطاهرة، والعقل السليم لتحدثنا عن رحلتك إلى الله، وكيف تمت، وكيف خرجت من سجون الملاحدة وجحيمهم، لتنال فضل الله بالدخول إلى روضات جنات المؤمنين؟

قال: لا أزال أذكر تلك الأيام جيدا، حينها كنت أجمع بين تخصصين علميين: تخصص في العلوم القانونية، وتخصص في العلوم المادية.. وقد كان من فضل الله علي الجمع بين ذينك التخصصين.. فقد كان الأول هو من دعاني لتصحيح أخطائي عن الثاني.. وكان الثاني هو ملهمي في تعديل بعض أفكاري في التخصص الأول.

لقد كان مما شد انتباهي في الكون، كما شد انتباهي في المجتمعات القوانين التي تحكمها، فقد كنت أرى أن ثبات القوانين وحزمها ودقتها هي وحدها الكفيلة بتنظيم المجتمعات ورقيها، وأن تخلفها هو سبب كل المآسي التي تحصل لها.. وقد دفعني إلى ذلك ما كنت أراه في المجتمعات المتخلفة من عدم التزام بالقوانين، وتلاعب بها، واحتيال عليها.

وقد شاء الله أن يكون ذلك التفكير هو المقدمة التي أركب بها سفينة الإيمان، لأجلس فيها معكم هذا المجلس..

والبداية كانت مع القوانين الفيزيائية والكيميائية التي بهرتني بثباتها الذي لولاه لم يكن الكون بالصورة التي هو عليها.. بل لولاه لم تكن هناك علوم ولا معارف أصلا، فهي جميعا وليدة للثبات الذي بنيت عليه قوانين الكون ونواميسه.

من الأمثلة على ذلك([1]) قوانين [الانصهار والجمود] في المعادن.. فالمواد الصلبة تتحول إلى حالة سائلة بالانصهار.. ولولا هذه الخاصة لم نتمكن من استخراج المعادن من مظانها لاختلاطها بالتربة.. وكيف يمكن أن نعيد تشكيلها لولا انصهارها وتجمدها.. فبالانصهار والتجمد نأخذ المعادن من أعماق الأرض، وبهما نشكل المعادن كما نريد.. وقد جعلني هذا أتساءل عن المقنن الذي وضع لها هذه القوانين، والتي كانت سببا في الاستفادة منها، ولولا ذلك لم يستفد منها أحد.

ومن الأمثلة على ذلك قوانين [التبخر والتكثيف]، فلولا هذان القانونان لم تنزل الأمطار، ولم تتشكل ذلك أن البحر الملح الأجاج، هو الذي يتبخر ماؤه بفعل أشعة الشمس ليتشكل منه الماء، فمن الذي قنن قانون ذلك التبخر؟.. ومن قنن قانون التكثيف حيث يتحول الماء إلى بخار، والبخار إلى ماء دون أن تعلق المواد الراسبة في السائل في البخار؟

مع العلم أنه لولا هذين القانونين.. قانون التبخر والتكثيف.. لما كانت أمطار، ولما كانت مياه عذبة نشربها، ونرتوي بها.

وهكذا رحت أنظر في ظاهرة الذوبان.. فلولا ذوبان أملاح المعادن في الماء لما أمكن للنبات أن يأخذ كل المعادن من التربة.. فكل أملاح المعادن تذوب في الماء، ثم يصعد الماء مع أملاح المعادن المذابة، لتأخذ الأوراق حاجتها.. ولولا هذه الظاهرة والقوانين المرتبطة بها لما ذابت الأطعمة على شكل سائل، ولما تنقل هذا السائل إلى الدم، ليتحول إلى الخلايا.

***

حملت هذه الأسئلة، ورحت إلى بعض أصدقائي الذين أشربوا مثلي بشراب الإلحاد، فقال لي([2]): إن ما ذكرته شد انتباهي أنا أيضا.. وقد تذكرت ما قاله بعض أساتذتنا من أن هناك خصيصية صغيرة في الماء، لو أنها فقدت لانتهت الحياة على سطح الأرض.. وأتذكر كيف امتلأنا رعبا حين ذكر لنا ذلك..

وحين سألناه عنها، قال لنا: إن الماء إذا بردته ينكمش، شأنه في ذلك كشأن كل العناصر التي على وجه الأرض من الغازات، والسوائل، والأجسام الصلبة، حيث إن كل العناصر تتمدد بالحرارة، وتنكمش بالبرودة، والماء منها، فإذا أردت أن تبرد الماء، وكان في درجة الغليان وراقبت حجمه بأجهزة حساسة فإنه ينكمش، فإذا انخفضت الدرجة إلى زائد أربع درجات؛ عندئذ تنعكس القاعدة، فيزداد حجمه ويتمدد.. وهذا عجيب جدا.. يمكنكم أن تروه بأعينكم.. يمكنكم أن تضعوا في الثلاجة ماء في وعاء، وراقبوا حجمه، فسترونه بعد التجمد يزداد حجمه، فإذا كان في قارورة تنكسر.

وحين سألناه عن علاقة هذه الخاصية بحياة الإنسان، قال لنا: لو أن الماء إذا تجمد انكمش، أي قل حجمه، فزادت كثافته، فغاص في أعماق البحار، فإنه سيأتي يوم تصبح جميع البحار فيه متجمدة من سطحها إلى أعماقها.. فإذا تجمدت انعدم التبخر، وإذا انعدم التبخر انعدمت الأمطار، فماتت النباتات، ومات الحيوان، ومات الإنسان، فلو أن الماء شأنه في التمدد والانكماش كشأن جميع العناصر، لكانت الحياة قد انتهت منذ ملايين السنين، ولكن ازدياد حجم الماء، وتمدده في هذه الدرجة الحرجة، في درجة زائد أربع، هذه الخصيصة التي أودعها الله فيه هي التي تجعل الحياة مستمرة على وجه الأرض، فإذا تجمدت المحيطات كان هذا التجمد باعثا على ازدياد حجم الماء، وإذا ازداد حجمه قلت كثافته، وإذا قلت كثافته طفا على وجه الماء، فلذلك نرى في المحيطات المتجمدة في القطبين التجمد في الطبقة السطحية، وأما في أعماق البحر فالمياه سائلة تسبح فيها الكائنات الحية مثلها مثلما في غيرها من البحار.

***

التفت إلي صديقي، وقال: أتذكر جيدا أنني سألت حينها أستاذي عن واضع هذا القانون الذي حمى الأرض من أن تنعدم فيها الحياة، وكيف خص الماء دون غيره به.. فأجابني الأستاذ بكل برودة: إنها الطبيعة؟

فسألته: كيف تعمل الطبيعة؟

فقال: الطبيعة هي ذلك القانون.. فالقوانين هي الطبيعة.. والطبيعة هي القوانين.

فقلت له: الذي أعلمه أن القانون يحتاج إلى مقنن.. والنظام إلى منظم.

فقال لي بكل برودة: إلا قوانين الطبيعة.. فهي وحدها التي لا تحتاج إلى كل ذلك.

طبعا لم أقتنع بمقولته.. ورحت أبحث وأبحث إلى أن أيقنت أن كل ما قاله الأستاذ لنا في ذلك الحين كان نوعا من الهروب من الحقيقة..

التفت إلي، وقال: هذه هي رؤيتي التي وصلت إليها، ولا عليك أن تتهمني بالخرافة أو ما يتهم به المؤمنون عندكم من اتهامات.. فلذلك أقول لك، وبكل صراحة: إن هذه الخصيصة التي وجدت في الماء، فجعلته بذلك الشكل لم تأت مصادفة، وإنما أتت من لدن حكيم لطيف خبير عارف بمصالح خلقه، ولذلك خلق الكون بما يتناسب معهم.. ووضع فيه من القوانين ما يتناسب مع مصالحهم.

قال ذلك، ثم راح يسألني عن تخصصي الأول في القانون إلى الدرجة التي ظننت أنه قد خرج من الموضوع، لكني اكتشفت أنه راح يستثمر تخصصي فيه ليقنعني بما ذكره لي.

قال لي: بحكم خبرتك في القانون وفي تواريخ القوانين.. هل رأيت قانونا يحكم أي مجتمع من المجتمعات دون أن تكون هناك جهة ما قامت بتشريعه.. وجهة أخرى قامت بتنفيذه.. وجهة أخرى راحت تراقب الصرامة في ذلك التنفيذ؟

قلت: أجل.. فلا يوجد قانون من دون مقنن.. ولا نظام من دون منظم.

قال: فكيف نحكم على هذه القوانين المنظمة للكون، والتي لولاها لم يكن بالصورة التي هو عليها، بأنها صدرت من غير مقنن ولا منظم ولا مقدر؟

قلت: أساتذتنا يذكرون أنها الطبيعة.

ابتسم، وقال: ما دام للطبيعة كل هذه السلطة، فلم لم تذهب إلى تلك الشعوب المتخلفة، لتفرض عليها من القوانين ما يخرجها من تخلفها وفوضاها وعبثيتها.

قلت: في إمكان تلك الشعوب أن تنظم نفسها بنفسها.

قال: لكنها لم تفعل.. فكيف سكتت الطبيعة عنها؟

قلت: أنت تتحدث عن الطبيعة، وكأنها كائن مستقل له قدراته الخاصة.

قال: وما هي إذن؟

قلت: هي القوانين نفسها.

قال: فهل يمكن للقوانين وحدها أن تفعل شيئا.. وهل يمكن للقوانين أن تصدر من غير عاقل ولا واع ولا مدرك؟

***

لم أجد بما أجيبه.. وتركت نفسي تسدر في غيها، ورحت ألقي آلاف الأكوام من التجاهل على تلك الأسئلة التي كانت تلح علي إلى أن من الله علي في يوم من الأيام، وفي زيارة سياحية لي لبعض بلاد المسلمين، أن أزيل تلك الأكوام، وأكتشف الحقيقة، وأذعن لكل متطلباتها.

لقد رأيت حينها رجلا يخطب في الناس، فرحت أقترب منه، فسمعته يقول([3]): لقد طلب مني بعضكم أن أفسر له قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } [الحج: 65]، وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } [لقمان: 31]، وسألني عن معنى التسخير في الآيتين الكريمتين.. وسأجيبه على ذلك، فأرجو أن تصغوا آذانكم لي، وإن كنت أخطأت فقوموني.

سكت قليلا، ثم قال: عندما تضع الدولة قانونا يسمح للرعية بالاستفادة من مرافق معينة مجانا.. ألا يمكن للدولة حينها ـ على لسان مسؤوليها ـ أن تقول للرعية: لقد سخرنا كل تلك المرافق لمصلحتكم؟

قالوا: بلى.. ذلك صحيح.

قال: فاعبروا من تلك المرافق البسيطة إلى ما ذكره الله تعالى عن البحر.. فالله تعالى وفر لعباده فيه من القوانين والنظم ما ييسر عليهم استغلاله وتسخيره لمصالحهم.

قالوا: كيف ذلك؟

قال: لولا أن الله تعالى جعل في المياه [قانون الدفع نحو الأعلى] لما أمكن لأي سفينة أن تنقل تلك البضائع الثقيلة التي تحملها..

قالوا: لم نفهم ما تعني.

قال: لقد جعل الله بمنه وكرمه البحر وسيلة اتصال بين القارات، وجعل سطحه موزعا بين القارات، وحتى يمكن الربط بينها، فقد جعل في المياه قانونا يسمح بالتواصل بين البشر، وبين أهل تلك القارات، ولولاه لما أمكن التواصل.. وهذا القانون هو قانون الدفع، فكل جسم غاطس في الماء يتلقى من الأسفل إلى الأعلى دفعا عموديا، قائما، مساويا لوزن الماء المزاح المعادل لحجم ذلك الجسم.. فلولا هذا القاون لما أمكن لأحد أن يركب البحر.. ولما أمكن للأسماك أن تسبح فيه.. ولما وجدت في البحر سمكة واحدة، فالأسماك تسبح في البحر لأن وزنها أقل من وزن الماء الذي أزاحته بانغماسها في الماء، لذلك تجد السمكة قوة دافعة نحو الأعلى.. ولولا هذا القانون لما أمكن لسفينة أن تمخر عباب البحر، لذلك قال لنا ربنا في كلماته المقدسة: { اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الجاثية: 12]

***

عندما قال هذا، شعرت بنوع من الحنين لهذا الإله الذي تحدث عنه، فرحت أتقرب منه وأسأله، وقد وجدت عنده الجواب عن جميع الأسئلة التي كانت تحيرني، والتي كنت أهرب من الإجابة عنها، ومن العجيب أنني عند زيارتي لمدرسته، وجدت فيها صديقي الذي حدثتكم عنه.. والأغرب من ذلك أني وجدت معه أستاذه الذي حدثني عنه.. فالكل شملهم نور الإيمان الذي شملني بفضل الله وهدايته.

برهان التدبير:

بعد أن أنهى الرجل الأول حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن حدثكم صديقي وأخي عن [برهان الثبات]، وكيف خرج به من ظلمات الجهل والغواية إلى نور الإيمان والهداية.. فاسمعوا حديثي عن برهان من براهين النظام البديع، أطلقت عليه اسم [برهان التدبير].. وهو برهان يدل على الله من كل الوجوه، وبكل المقدمات، وبجميع اللغات.. فالله تعالى لم يخلق الكون ويتركه هكذا سدى، وإنما خلقه ودبر أمره، وأمر كل ما يرتبط به.. فالله هو القادر المدبر، والخالق المصرف.

وقد كان دافعي للتأمل في هذا البرهان، والولوج منه إلى الله هو أنني ـ بالإضافة إلى معارفي العلمية التي اكتسبتها من خلال البيئة التي كنت أعيش فيها ـ كنت أمارس وظيفة قيادية في بعض المراكز التي كان لي الإشراف عليها وإدارتها، والتحكم فيها، وكنت مسؤولا عن كل ما يحصل.. ولهذا كنت أرى مدى المشقة والجهد الشديد في ذلك التدبير البسيط الذي كنت أمارسه..

وقد كان ذلك دافعا لي للتأمل في كيفية تدبير هذا الكون العجيب، واستغرب عقلي أيما استغراب أن تكون الصدفة العبثية أو الطبيعة العمياء هي التي تقوم بذلك..

كنت حينها اتجه ببصري إلى جميع الأشياء التي تحيط بي، فأرى كل شيء ينطق بلسان حاله على وجود مدبر حكيم يدبر شؤونه بمنتهى الحكمة والإبداع، والقانون والنظام.

التقيت حينها بأول دليل يدلني على الله، وكان زميلا من زملائي القدامى في الدراسة، كان اسمه [سيسل هامان]، وهو من علماء الحياة الكبار الذين ينكرون بشدة كل النظريات المادية التي تفسر الكون وحركته بعيدا عن الله، قال لي، بعد أن سألته عن سر إنكاره للمادية ونظرياتها([4]): سر في طريق مشمس، وتأمل بدائع تركيب الأزهار، واستمع إلى تغريد الطيور، وانظر إلى عجائب الأعشاش، فهل كان محض مصادفة أن تنتج الازهار ذلك الرحيق الحلو الذي يجتذب الحشرات، فتلقح الازهار وتؤدي إلى زيادة المحصول في العام التالي؟

وهل هو محض مصادفة أن تهبط حبوب اللقاح الرقيقة على مبسم الزهرة، فتنبت وتسير في القلم حتى تصل إلى المبيض فيتم التلقيح وتتكون البذور؟

أليس من المنطق أن نعتقد بأن يد الله التي لا نراها هي التي رتبت ونظمت هذه الأشياء تبعا لقوانين ما زلنا في بداية الطريق نحو معرفتها والكشف عنها؟

أراني عشا لبعض الطيور، ثم قال لي: هذا عش طائر بالتيمور.. هل تعرفه؟

قلت: أجل.. فما علاقته بما تحدثني عنه؟

قال: لكل شيء علاقة بالله.. وكل شيء يمكن أن يكون دليلك على الله.. وكل شيء يمكن أن يأخذ بيدك ليدخل بك إلى رحاب الله.

قلت: وهذا الطير كيف دخل بك أنت إلى الله؟

قال: ألم تتساءل من الذي علم هذا الطير ذلك الفن الرفيع؟ ولماذا تتشابه جميع الأعشاش التي تبنيها الطيور من هذا النوع؟

قلت: إن قومنا يذكرون أنها الغريزة.. هكذا علمونا في المدارس.

قال: إن ذلك ليس سوى هروب من السؤال.. أو هو نوع من المخارج للسؤال، ولكنه ليس الإجابة.. أو هو على الأقل إجابة قاصرة.. فما هي الغرائز؟

قلت: إنهم يذكرون أنها السلوك الذي لا يتعلمه الحيوان.. وإنما يوجد فيه هكذا.

ضحك، وقال: وهل يمكن أن يوجد شيء من دون موجد.. أو تتحرك حركة من غير محرك.. أو يتم تدبير من غير مدبر؟

سكت، فقال: نعم إنني اعتقد بوجود الله.. وأعتقد أنه هو القدير الذي خلق الكون وحفظه، وليس ذلك فحسب، بل إنني أعتقد أنه هو الذي يرعى درة خلقة وهو الإنسان.

ربت على كتفي بهدوء، ثم قال: لا يخطر على بالك أن ذلك يعود إلى تأثير البيئة التي عشت فيها فحسب، فأنت تعرف جيدا البيئة التي نعيش فيها.. ولكنه يرجع إلى مشاهداتي العلمية لعجائب الكون، كما يرجع إلى شعوري به وإحساسي بوجوده داخل نفسي.. فحيثما قلب الإنسان وجهه وجد أسئلة لا يجد لها جوابا، وهو عند محاولته العثور على الجواب يفترض فروضا عديدة، ثم لا يلبث أن يهجر معظمها أو يعدله تعديلا شاملاً قبل أن يصل إلى الاجابة عن سؤاله.

***

قال لي ذلك، ثم أخذني لبعض المنتزهات، وقال: دعني أحدثك عن بعض مشاهداتي التي جعلتني أعتقد بالله وبتدبيره للكون.. عندما أذهب ـ بحكم وظيفتي وتخصصي ـ إلى المعمل وأفحص قطرة من ماء المستنقع تحت المجهر لكي أشاهد سكانها، فإنني أرى من عجائب هذا الكون ما يبعث على الدهشة.. فتلك الأميبا تتحرك في بطء، وتتجه نحو كائن صغير فتحوطه بجسمها، فإذا به داخلها، وإذا به يتم هضمه وتمثيله داخل جسمها الرقيق.. فإذا ما لاحظنا هذا الحيوان فترة أطول، فإننا نشاهد كيف ينشطر جسمه شطرين، ثم ينمو كل من هذين الشطرين ليكون حيوانا جديدا كاملا.

تلك خلية واحدة تقوم بجميع وظائف الحياة التي تحتاج الكائنات الكبيرة الأخرى في أدائها إلى آلاف الخلايا أو ملايينها..

لقد تساءلت في نفسي كلما رأيت ذلك، وقلت: لاشك أن صناعة هذا الحيوان العجيب الذي بلغ من الصغر حد النهاية تحتاج إلى أكثر من المصادفة..

سكت قليلا، ثم قال: لقد كشفت قوانين الكيمياء الحيوية من أسرار الحياة وظواهرها ما لم تكشفه القوانين في أي ميدان آخر من ميادين الدراسات العلمية.. لقد كان الناس ينظرون إلى خفايا عمليات الهضم والامتصاص، ويستدلون بها على وجود التدبير المقدس.. أما في الوقت الحاضر فقد أمكن شرح هذه العمليات ومعرفة التفاعلات الكيماوية التي تنطوي عليها والخميرة التي تقوم بكل تفاعل.. ولكن هل يدل ذلك على أنه لم يعد لله مكان في كونه؟ فمن إذن الذي دبر لهذه التفاعلات أن تسير؟ وأن تسيطر عليها الأنزيمات تلك السيطرة الدقيقة المحكمة؟

إن نظرة واحدة إلى إحدى الخرائط التي تبين التفاعلات الدائرية العديدة وما يدور بين كل منها والآخر من تفاعلات أخرى، كفيلة بأن تقنع الإنسان بأن مثل هذه العلاقات لا يمكن أن تتم بمحض المصادفة، ولعل هذا الميدان يهيئ للانسان من العلم ما لا يهيئه اي ميدان آخر بان الله يسير هذا الكون تبعا لسنن رسمها ودبرها عندما خلق الحياة.

سكت قليلا، ثم رفع رأسه إلى السماء، وقال: إذا رفعنا أعيننا نحو السماء، فلا بد أن يستولي علينا العجب من كثرة ما نشاهده فيها من النجوم والكواكب السابحة فيها، والتي تتبع نظاما دقيقا لا تحيد عنه قيد أنملة مهما مرت بها الليالي وتعاقبت عليها الفصول والأعوام والقرون.. إنها تدور في أفلاكها بنظام يمكننا من التنبؤ بما يحدث من الكسوف والخسوف قبل وقوعه بقرون عديدة.. فهل يظن أحد بعد ذلك أن هذه الكواكب والنجوم قد لا تكون أكثر من تجمعات عشوائية من المادة تتخبط على غير هدى في الفضاء؟

وإذا لم يكن لها نظام ثابت، ولم تكن تتبع قوانين معينة، فهل كان من الممكن أن يثق الإنسان بها، ويهتدي بهديها في خضم البحار السبعة، وفي متاهات الطرق الجوية التي تتبعها الطائرات؟

التفت إلي، فرآني صامتا محتارا، فقال: قد لا يسلم بعض الناس بوجود الله وبقدرته، ومع ذلك فإنهم يسلمون بأن هذه الأجرام السماوية تخضع لقوانين خاصة، وتتبع نظاما معينا، وأنها ليست حرة تتخبط في السماء كيف تشاء.

وضع يده على نبع ماء كان موجودا في ذلك المنتزه، ثم قال: الحق أقول لك.. إنه من قطرة الماء التي رأيتها تحت المجهر.. إلى تلك النجوم التي شاهدتها خلال المنظار المكبر.. لم يسعني إلا أن أمجد ذلك النظام الرائع، وتلك الدقة البالغة، وتلك القوانين التي تعبر عن تماثل السلوك وتجانسه..

لا تتصور أن هذا اعتقادي وحدي.. فكل الناس ـ بما فيهم الماديون أنفسهم ـ يعتقدون أن هنالك قوانين يمكن كشفها وتحديدها، وإلا لما أضاع الناس أعمارهم بحثا عنها.. فبدون هذا الاعتقاد وتلك الثقة في نظام الكون يصير البحث عبثا ليس وراءه طائل. ولو أنه كلما أجريت تجربة أعطيت نتيجة مخالفة لسابقتها بسبب توقفها على المصادفة أو عدم وجود قوانين مسيطرة، فأي تقدم كان من الممكن أن يحققه الإنسان؟

لكن الفرق بين اعتقادي واعتقاد الماديين هو أنهم يهربون من السؤال عن مصدر تلك القوانين، أو يدلسون في الإجابة عليه لأي سبب من الأسباب.. أما أنا فرحت أجيب عنه بكل علمية وعقلانية مهما كلفني ذلك..

لقد رأيت أنه لابد أن يكون وراء كل ذلك النظام خالق أعلى، فليس مما يقبله العقل أن يكون هنالك نظام أو قوانين دون أن يكون وراءها عقل أعلى ومنظم مبدع..

لقد رأيت أنه كلما وصل الإنسان إلى قانون جديد فإن هذا القانون ينادي بلسان حاله قائلا: (إن الله هو خالق، وليس الإنسان سوى مستكشف)

***

بعد انصرافه، وبعد مدة من الزمن قيض الله لي بفضله صديقا لي.. كان طبيبا.. زرته في عيادته لإجراء بعض الكشوف، وقد استغربت في تحوله من الإلحاد إلى الإيمان.. فقد كان كل ما في عيادته يدل على ذلك.. وعندما سألته عن سر ذلك التحول العجيب، قال لي([5]): لقد كان من أوائل ما اهتديت به إلى الله تأملي في قلب الإنسان، فقد رأيت أن الله دبر أمره تدبيرا عجيبا، ولولاه لما بقي حي على هذه الأرض.. فقد جعله متبدل الاستطاعة، بحسب الظروف التي يمر بها، فبينما ينبض من ستين إلى ثمانين نبضة في الدقيقة، وهذا هو الحد الأدنى الثابت، إذا به حينما يواجه ظروفا صعبة، مثل صعود جبال، أو حينما يواجه مشكلة نفسية، أو حينما يخاف.. ترتفع نبضاته إلى مئة وثمانين نبضة.

التفت إلي، وقال: أليس هذا تدبيرا عجيبا.. أرني أي محرك في الدنيا تتبدل استطاعته بحسب الظروف؟

قلت: المحرك له استطاعة.

قال: أعلم ذلك.. لكن له استطاعة واحدة، أما هذا القلب البشري فتتبدل استطاعته بحسب الظروف التي يمر بها.

***

سكت قليلا، ثم قال: وهكذا رأيت العين.. فهي ترى كل شيء بوضوح تام بعد ستة أمتار، أما قبل الستة أمتار فلا بد من عملية في غاية الإعجاز، هي عملية المطابقة، فإذا أردت أن تنظر إلى كرة، فكأن ثمة جهة ثالثة تقيس المسافة بين العين والكرة، وتضغظ على الجسم البلوري ضغطا بمعشار الميكرون، حيث يبقى خيال هذا الجسم على شبكية العين، وهذه المطابقة حتى هذه الساعة تفسيراتها غير مقنعة، لذلك لم أجد من تفسير صحيح لها إلا عناية الله عز وجل وتدبيره لعباده، وأبسط شؤون عباده.

***

سكت قليلا، ثم قال: دعني أحدثك عن شيء آخر.. أنت تعلم أن الإنسان من الكائنات الثابتة حرارتها، لكن كيف يواجه الإنسان الجو الحار؟

قلت: يواجهه بملايين الغدد العرقية.. وهي جهاز بالغ الدقة في تكييف الجسم، فحينما تفرز هذه الغدد السائل، وحينما يتم التبادل الحروري بين هذا الماء، وحرارة الجلد يكسب الماء من الجلد حرارته، وتخف بذلك حرارة الجلد.

قال: فالتعرق إذن وسيلة بالغة الدقة والتعقيد، يتلافى بها الجسم ارتفاع الحرارة، فإذا انفخضت الحرارة عن الحد المعقول يأتي الرجفان ليحرك العضلات، وليولد حرارة، ويقف شعر الجسم ليخزن كمية من الهواء الساخن تعينه على تلافي الجو البارد، إذا بالقشعريرة والتعرق يستطيع الجسم موجهة الجو الحار والبارد.

قلت: أجل.. كل ذلك صحيح.

قال: أرأيت إلى هذا الإنسان المعجز في خلقه.. تارة فيه ثوابت.. وتارة فيه تغيرات.. ضربات القلب ثابتة، ولكن تصل عند الضرورة إلى مئة وثمانين.. ورؤية العين ثابتة، ولكن دون الستة أمتار تجري مطابقة من أدق العمليات في العين.. وحرارة الجسم ثابتة، لكن القشعريرة والتعرق وسيلتان يتكيف بهما الجسم مع الجو الحار والجو البارد.. والدماغ يشعر بالألم بشكل ثابت، لكن حينما يزداد الألم يتدخل الدماغ، فيفرز مادة تخدره، وهذه هي حالة الإغماء التي يعاني منها الإنسان أحيانا..

التفت إلي، وقال: أليس في كل هذا تدبيرا حكيما من الله اللطيف الخبير بعباده؟

لم أجد بما أجيبه حينها، فقد كان من الصعب علي أن أتخلص من كل تلك الرواسب التي تشكلت في عقلي من صغري الباكر.. لكني كنت أشعر أن مثل هذه الأحاديث تشبه ذلك المعول الذي يهوي على الصخور ليحطمها.. وبالفعل فقد كان أولئك الأصدقاء الذين أخرجهم الله من جحيم الإلحاد هم السبب الذي به اهتديت إلى الله.

***

بعدها بفترة قصيرة التقيت صديقا آخر، كان أستاذا في الجامعة، ومتخصصا في علم وظائف الأعضاء.. وقد احترت أيضا في حالته الجديدة.. فلم أكن أراه إلا ماديا مسرفا في ماديته.. لكنه تحول إلى عكس ذلك تماما، قال لي، وهو يحدثني عن سبب إيمانه([6]): لاشك أنك تعرف أجراس الإنذار التي نستعملها في بيوتنا أو في غيرها من المحال؟

قلت: أجل.. وهي من منتجات حضارتنا المادية التي أراك تنفر منها.

قال: أنا لا أنفر من منتجات حضارتنا، وإنما أنفر من طريقة تفكيرها المادي، وإلا فلا علاقة للتطور العلمي بجحود الله.. بل إن الله هو الذي علمنا كيف ننجز أمثال تلك الأجراس.

قلت: كيف ذلك؟

قال([7]): لقد كان ذلك من أسباب إيماني.. فقد رأيته أن الله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم زوده بالكثير من الأجهزة التي تدبر شؤون حياته.. ومنها أجهزة الإنذار المبكر.. وهذه الأجهزة متوضعة في الجلد، فالجلد هو سطح يغطي شبكة هائلة من الأعصاب.. وهي تنتهي بجسيمات خاصة، يختص كل منها بنقل حس معين، فهناك جسيمات تنقل الحر والبرد.. وهناك جسيمات تتحسس بالضغط، واللمس، فأنت ترى الإنسان يتقلب في الليلة الواحدة ما يزيد على أربعين مرة، لأن الجسم إذا ضغط على جهة معينة ضاقت الشرايين، فضعفت التروية، لذلك هذه الجسيمات تنقل الإحساس بالضغط إلى المخ، وأنت نائم، والمخ يصدر أمرا بالحركة.

سكت قليلا، ثم قال: لقد ذكر ربي في كلماته المقدسة هذا المعنى، كنموذج عن تدبير الله لأبسط شؤون خلقه.. لقد قال في ذلك: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ } [الكهف: 18]

***

وهكذا بقيت أتردد بين أصدقاء كثيرين، كلهم تحولوا إلى الإيمان بعد أن عاينوا لطائف تدبير الله لخلقه..

لكني مع ذلك كله لم أتمكن من تحطيم آخر صنم إلحادي يجثو على عقلي إلا في ذلك اليوم الذي استمعت فيه إلى خطبة شيخ مسلم، وجدته في ميدان الحرية يحدث الناس عن لطائف تدبير الله، ويملؤهم بالأمل الذي يدعوهم إلى الثقة في الله، وأنه لا يريد بهم إلا الخير.

كان مما سمعته منه قوله([8]): كما أن كل شيء من الكائنات ملك لله، لا يحق التصرف فيه إلا باسم الله، فإن كل شيء مما نراه من أنواع التدبير ملك لله كذلك، فالله تعالى هو المتصرف في كل شيء المحرك لكل شيء الفاعل لكل شيء.. اسمعوا إلى الله تعالى، وهو يخاطب عباده بكل رحمة ولطف قائلا::{ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} (يونس:3)

ليست هذه الآية فقط هي التي تتحدث عن لطائف تدبير الله لكونه.. فكلمات الله المقدسة لعباده تمتلئ بذلك.. فهي تذكر أنواع التدبير الإلهي للأشياء، وتعرضها بصيغ مختلفة ليقرأ المؤمن من خلال تدبير الله للأشياء صفات كمال الله، قال تعالى:{ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} (يونس:31)

وهذا التدبير يشمل جميع الأشياء، حتى ما نتوهمه مظاهر طبيعية، ناتجة عن أسبابها الفلكية الحسية، قال تعالى:{ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} (فاطر:13)

فالله تعالى هو الذي يمدنا بضوء النهار وسكينة الليل، لا حركات الأرض، قال تعالى:{ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} (الاسراء:12)

والله هو الذي يقلب الليل والنهار، لا ما نتوهمه من أسباب، قال تعالى:{ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} (النور:44)، وقال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً} (الفرقان:47)، وقال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} (الفرقان:62)

قال رجل من الحاضرين: ألا ترى أن ما تذكره من تدبير الله للكون يتنافى مع ما يذهب إليه العلم من أنواع التفسيرات لكل ما يحدث؟

قال الشيخ: معاذ الله أن أقول ذلك.. أو يقول القرآن الكريم ذلك.. فليس هناك أي تناقض بين ما ذكرتُ وما ذكرتَ، فلا علمنا بتدبير الله ينفي الأسباب التي وضعها الله، ولا الأسباب تنفي تدبير الله، فالأشياء وأسبابها جميعا خلق من خلق الله، ولهذا ورد التعبير القرآني عن تعاقب الليل والنهار بصيغة التقليب، قال تعالى:{ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} (النور:44)

وبمثل ذلك يتحدث القرآن الكريم عن جميع المظاهر التي ينسبها الجاحدون والغافلون للطبيعة، فالرياح لا تهب، وإنما ترسل، قال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (لأعراف:57)

وبمثل ذلك جاء تعبير (فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ) بدل تعبير (فشربتم) في قوله تعالى:{ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} (الحجر:22)

وبمثل ذلك جاء تعبير (فَأَحْيَيْنَا) بدل (حيت) في قوله تعالى:{ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} (فاطر:9)

بل إن القرآن الكريم يرشدنا إلى نسبة ما نتوهمه من أفعالنا إلى الله، فالله تعالى ينسب إليه ما يتصور الإنسان تفرده بتصريفه، قال تعالى عن عملية الحرث والزرع التي ينسبها كل إنسان إلى نفسه:{ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ }، ومثله قوله تعالى:{ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} (لأنفال: 17)، فالله تعالى هو المتفرد بالتدبير والتصريف.

وهكذا.. مما لا يمكن حصره في القرآن الكريم.. فالقرآن الكريم ينبهنا إلى الفاعل الحقيقي حتى لا ننحجب بعالم الحكمة عن قدرة الله، فعالم الحكمة يرينا الأسباب، وعالم القدرة يرينا رب الأسباب، وكلاهما يدل عليه العقل والذوق.

ولهذا كان أكبر القوادح في التوحيد نسبة أحداث الكون للكون، بل نص القرآن الكريم على كونه شركا، قال تعالى:{ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (العنكبوت:65)

لقد قال علماؤنا معبرين عن المعنى الذي تشير إليه تلك الآيات الكريمة:(ومن انكشف له أمر العلم كما هو عليه علم أنّ الريح هو الهواء، والهواء لا يتحرّك بنفسه ما لم يحرّكه محرّك، وكذلك محرّكه، وهكذا إلى أن ينتهي إلى المحرك الأوّل الذي لا محرّك له ولا هو متحرك في نفسه عز وجل)([9])

ولهذا بين لنا الله تعالى ما ينبغي أقواله عند ركوب الفلك، فقال:{ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (هود:41) فمجرى السفينة ومرساها من الله تعالى.

وعلمنا أن نقول:{ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} (الزخرف:13)

فالأنعام مسخرة ـ كما تنص الآية ـ وهي لذلك تسير بأمر الله، وتتحرك بتصريف الله، والعاقل هو الذي يلجأ إلى الآمر لا إلى المأمور.

***

قال رجل من القوم: ألست ترى أنكم معشر المؤمنين تهربون من الواقع بنسبة التدبير إلى الله؟

قال الشيخ: لس ذلك كذلك يا أخي.. فشعورنا بالتدبير الإلهي، لا ينفي مسؤولياتنا وواجباتنا.. ولا يجعلنا نتوقف عن البحث عن عالم الحكمة والأسباب.. نحن نشارككم في كل ذلك.. ولكنا نزيد عليكم بأشياء ممتلئة بالسمو والرفعة.. فنحن نحترم تدبير الله لشؤون خلقه، ونشعر بالأنس حين يمتلئ القلب بنشوة النظر إلى الله وهو يجيب الحاجات المختلفة للكائنات، كما قال تعالى:{ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} (الرحمن:29).. ثم بعد هذا نتطلع لما في يد الله من فضل.. ونتضرع إليه في تحقيقه فهو صاحب الحكمة والقدرة، ويعمل وفق ما نراه من قوانين، أو ما لا نراه منها.

وفوق ذلك، فإن العالم بتصريف الله للكائنات لا يحزن ما يحصل له منها، أو ما يفوته من منافعها، لأن سبب الحزن هو فوات المقدور عليه، أما ما يعتقد استحالته فإن نفس استحالته تعزيه عن عدم حصوله عليه.

فلذلك لا يخاف مالك على ملكه، ما دام الله هو مؤتي الملك ونازعه، فإن أتى فبفضل الله، وإن ذهب فبقدرة الله، ولن تستطيع قوة في العالم نزعه أو تثبيته، قال تعالى:{ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران:26)

ولا يخاف على رزقه ما دام الله هو الرازق قال تعالى:{ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} (يونس:31)

ولا يخاف الضر، ولا يرجو النفع من غيره، قال تعالى:{ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} (يونس:49)

وهكذا في جميع شؤون حياته.. لقد قال بعض علمائنا معبرا عن ذلك:(.. أن ينكشف لك أن لا فاعل إلا الله تعالى، وأن كل موجود من خلق ورزق وعطاء ومنع وحياة وموت وغنى وفقر إلى غير ذلك مما ينطلق عليه اسم فالمنفرد بإبداعه واختراعه هو الله عز وجل لا شريك له فيه، وإذا انكشف لك هذا لم تنظر إلى غيره، بل كان منه خوفك وإليه رجاؤك وبه ثقتك وعليه اتكالك، فإنه الفاعل على الانفراد دون غيره، وما سواه مسخرون لا استقلال لهم بتحريك ذرّة من ملكوت السموات والأرض، وإذا انفتحت لك أبواب المكاشفة اتضح لك هذا اتضاحاً أتم من المشاهدة بالبصر)([10])

وهذه المعارف إذا انصبغ بها كيان الإنسان وتوحد قلبه عند النظر للكون أو التعامل معه هو الكفيل الوحيد بتحقيق الراحة والسعادة والطمأنينة، لأن مصدر القلق والاضطراب هو الشتات الذي يحصل في الإنسان نتيجة رؤية الأشياء قائمة بذاتها، فتتوزع في نفسه الرغبة منها أو الرهبة، وهي متناقضة مختلفة، فيحصل فيه من التناقض بحسب ما في الأشياء من تناقض.. أما إذا رآها جميعا بيد الله، فإن قلبه يتوحد مع الله.

وهكذا فإن من نتائج هذه النظرة السامية: اللجوء إلى الله لا إلى الكون، وطلب الأشياء من الله لا من الأشياء، فالله هو المتصرف لا الأشياء.. ومن الحماقة أن نترك الآمر ونتوجه إلى المأمور، وقد ذكر بعض علمائنا مثالا يبين تهافت الذين ينسبون الأشياء إلى ما يتوهمونه، ثم يلجؤون إليه بضراعة والرجاء بقوله:(فالتفات العبد في النجاة إلى الريح يضاهي التفات من أخذ لتحز رقبته فكتب الملك توقيعاً بالعفو عنه وتخليته، فأخذ يشتغل بذكر الحبر والكاغد والقلم الذي به كتب التوقيع يقول: لولا القلم لما تخلصت، فيرى نجاته من القلم لا من محرّك القلم وهو غاية الجهل)([11])

ومن نتائج تلك النظرة السامية شعورنا بأن كل النعم المسخرة في الكون هي من فضل الله علينا، وهي نظرة تخالف نظرة المادي الجاحد لله، الذي يمتلئ كبرا وغرورا، فيتصور أنه مصارع عنيف، فلذلك يفرض وجوده على هذه الأرض بجهده وحيلته وقوته، ويقول ـ كما عبر القرآن الكريم على لسان قارون ـ:{ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي } (القصص: 78) فلذلك رد عليه تعالى مكملا:{ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ } (القصص: 78) فهل علمه من القصور ما جعله لا يمتد إلى معرفة مصاير القرى الهالكة، ليرى أسباب هلاكها؟

ومثل قارون من أنعم الله عليه بنعمة العافية بعد البلاء، فينسى المبتلي والمعافي، لا يذكر إلا نفسه، قال تعالى:{ فَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} (الزمر:49)

وهكذا الإنسان الثامل بخمرة العلم الحديث، والساجد أمام وثن العقل يتصور أنه يصارع الطبيعة، ويغلبها غلبة الأبطال.

وفي مقابل ذلك نجد القرآن الكريم يصور النعم المستسخرة بصورة الهدايا المقدمة على أطباق، ومعها ختم المهدي، فالله تعالى صور ـ مثلا ـ الأرض بصورة المركب الذلول، المحتوية على كل المنافع، فقال تعالى:{ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك:15)

فالآية تصف الأرض بكونها ذلولا، وهذا الوصف يطلق عادة على الدابة، ليصور في الأذهان ويغرس في العقول والقلوب بينما يصورها الجاحدون في صورة الدابة الرامحة الراكضة التي تحتاج فارسا قويا مثل فرسان رعاة البقر ليقوم بترويض جماحها على نغمات تصفيق المعجبين.

وقد عقد بعض علمائنا مقارنة بين التعبير القرآني في وصف الشمس في قوله تعالى:{ وَجَعَلَ الشمسَ سراجاً } (نوح:16)، وبين التعبير العلمي الحديث الجاف، فقال عن التعبير القرآني:(في تعبير السراج تصوير العالم بصورة قصر، وتصوير الأشياء الموجودة فيه في صورة لوازم ذلك القصر، ومزيّناته، ومطعوماته لسكان القصر ومسافريه، واحساسٌ أنه قد أحضَرتها لضيوفه وخدّامه يدُ كريمٍ رحيم، وما الشمسُ إلاّ مأمور مسخَّر وسراج منوَّر. ففي تعبير السراج تنبيه الى رحمة الخالق في عظمة ربوبيته، وافهامُ إحسانه في سعة رحمته، واحساسُ كرمه في عظمة سلطنته)([12])

أما العلم الحديث فيعرف الشمس بأنها (كتلة عظيمة من المائع الناري تدور حول نفسها في مستقرها، تطايرت منها شرارات وهي أرضنا وسيارات أخرى فتدور هذه الاجرام العظيمة المختلفة في الجسامة.. ضخامتها كذا.. ماهيتها كذا..)

وعقب على هذه المقارنة بقوله:(فانظر ماذا أفادتك هذه المسألة غيرَ الحيرة المدهشة والدهشة الموحشة، فلم تُفِدْك كمالاً علمياً ولا ذوقاً روحياً ولا غاية إنسانية ولا فائدة دينية)

***

كانت كلمات ذلك الشيخ هي الدافع الذي جعلني ألتقي به، وأسأله عن كل الشبهات التي تملأ عقلي وقلبي، وقد أجابني عنها جميعا بقوله وسلوكه وأخلاقه الرفيعة، والعجب أني عندما زرته في بيته رأيت جميع أصدقائي الذين كنت حدثتكم عنهم.

برهان الغائية:

بعد أن أنهى الرجل الثاني حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن حدثكم صديقي وأخي عن [برهان التدبير]، وكيف خرج به من ظلمات الجهل والغواية إلى نور الإيمان والهداية.. فاسمعوا حديثي عن برهان من براهين النظام البديع، أطلقت عليه اسم [برهان الغائية].. وهو برهان يدل على الله من كل الوجوه، وبكل المقدمات، وبجميع اللغات..

فالله برحمته لم يضع قوانين ثابتة لكونه فقط.. ولم يقم بتدبيره فقط.. وإنما أضاف إلى ذلك بلسم رحمته ولطفه، فجعل كل تدبيراته في غاية المنفعة والمصلحة لعباده.. فلن ترى فيها إلا الرحمة واللطف، سواء علمنا ذلك أو جهلناه.

وقد بدأت بذور هذا النوع من التفكير تنمو في عقلي منذ بداية دراستي الجامعية، فقد كنت أدرس الطب، وكنت أتعجب من جسم الإنسان الذي لا يوجد فيه أي شيء زائد أو لا وظيفة له، أو لا قيمة له.. فكل شيء له دوره المحدد المضبوط حتى ما كنا نتوهمه لا قيمة له، ثبتت قيمته العلمية مع الزمن.

من الأمثلة على ذلك ما يطلق عليه [الغدة الصعترية] ([13])، وهي غدة تنمو في بداية الولادة، وتضمر بعد سنتين، مما حمل بعض العلماء على أن يعتبروا هذه الغدة لا وظيفة لها، ولا شأن لها في حياة الإنسان إطلاقا.. لكنهم اكتشفوا بعد ذلك، ومن غير قصد، أن هذه الغدة من أخطر الغدد في حياة الإنسان.

سأحكي لكم ما ذكر لنا أستاذنا في ذلك الحين عند حديثه عن هذه الغدة، وكيف كان حديثه البذرة الأولى لشجرة الإيمان في قلبي وعقلي.. لقد قال لنا: لاشك أنكم تعرفون أن جهاز المناعة المكتسب من أخطر الأجهزة في الجسم، وأنه جيش دفاعي عالي المستوى والجاهزية، فيه فرق الاستطلاع، وفرق تصنيع السلاح، وفرق القتال، وفرق الخدمات، وفرقة المغاوير، وغيرها.

قلنا: نعرف ذلك.. وقد شرحته لنا سابقا بتفصيل.

قال: أجل.. وأضيفوا إلى تلك المعلومات ما تقوم به هذه الغدة التي توهمناها في البداية غدة لا قمية لها ولا دور.. وتبين بعد ذلك أن لها دورا مهما جدا، فهي بمثابة مدرسة حربية تدرس الكريات البيضاء التي فرزت للقتال مادتين أساسيتين.. الأولى التعريف بالذات والصديق.. والثانية التعريف بالعدو الممرض.

أما في المقرر الأول، فتعرض على هذه الخلايا مئات الألوف من البروتينات التي تدخل في بناء الجسم البشري، ثم ترمز هذه العناصر الصديقة، وتدرب هذه الخلايا على ألا تهاجمها، لأنها إن هاجمتها فمعنى ذلك أن الجسم يدمر نفسه، ويتلف بعضه.

أما في المقرر الثاني، فيعرض على هذه الخلايا ما عرفه النوع البشري عبر الأجيال على أنه عنصر ممرض، من خلال مناعات الأم التي تصل إلى المولود من خلال الحليب، ومن خلال التجربة الحية.. ومن خلال هذه المحاضرات تعرف هذه الكريات البيضاء المقاتلة العناصر المعادية التي عليها أن تهاجمها، أو تذيع نبأ وجودها، أو تسهم في إلقاء القبض عليها.

وبعد أن تدرس الغدة الصعترية هذه المقررات على الكريات البيضاء تقوم بامتحانها في بوابات امتحانية خاصة.. وفي نوعين من الامتحان.. في الامتحان الأول يعرض على الكرية البيضاء الممتحنة عنصر صديق، فإن هاجمته أخفقت في الامتحان، ومنعت من مغادرة الغدة الصعترية، وقتلت؛ لأنها إن خرجت إلى الدم هاجمت الجسم الذي شكلها.. وفي الامتحان الثاني يعرض على الكرية البيضاء الممتحنة عنصر عدو ممرض، فإن أخفقت في تمييزه، والرد عليه رسبت في الامتحان، ومنعت من مغادرة الكلية، وقتلت، لأنها إن خرجت إلى الدم غفلت عن العدو، ومكنته من مهاجمة الجسم.

قلنا: ما دام لهذه الغدة كل هذه الخطورة، فلم تضمر بعد ذلك؟

قال: يستمر عمل هذه الكلية الحربية (الغدة الصعترية) من بدء الولادة، وحتى السنة الثالثة، وبعدها تقوم بتوريث علم مراقبة وضبط عمل الكريات البيضاء إلى الكريات البيضاء الناجحة في الامتحان، والتي سميت بعد التخرج الخلايا التائية المثقفة، لتقوم بدورها في نقل هذا العلم على أجيال الكريات البيضاء اللاحقة.

سكت قليلا، ثم قال: أظن أن الغدة الصعترية علمتكم أنه لا يوجد عبث في الكون.. فكل شيء له غاية ووظيفة محددة لا يتجاوزها.. ووجودة مرتبط بتلك الوظيفة.

قلنا: أجل.. فهو درس قيم لنا.

قال: فاعبروا منه إلى الكون جميعا.. فهل ترون الذي صمم هذه الغدة، وأعطاها هذه الوظائف التي لم ننتبه لها، فرميناها بالعبثية، يسلك سلوكا عبثيا مع سائر الكون.

سكتنا، فقال: لا يكفي أن تحفظوا العلوم، بل لا بد أن تفكروا وتتدبروا فيما وراء الظواهر من حقائق.. فما وراءها أعظم منها بكثير.

قال لنا ذلك، ثم ترك الحرية لنا في التفكير، ولم يفسر لنا شيئا.. ولكن كلامه مع ذلك بقي يحرك عقلي إلى أن هداني الله للإيمان.

***

أذكر في ذلك الحين أني ذهبت في فصل الشتاء إلى بعض المناطق الريفية الممتلئة بالبساتين والحقول، وهناك أصابني زكام شديد، فجيء لي بالكثير من الحمضيات، فأكلتها وشربت عصيرها، فتحسنت كثيرا.

وقد سألت حينها الذي جاءني بها، وقد رأيته في كل حين يذكر الله، ويثني عليه، عن سر إيمانه، فقال لي: هذه الفواكه هي سر إيماني..

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد رأيت أنها دون أكثر الفواكه تنبت في فصل الشتاء، وكأنها جهزت خصيصا لهذا الفصل ومواجهة الأمراض المرتبطة به.. لقد رأيت أن في البرتقال مركبات غذائية، وفيتامينات واقية، وأبرزها فيتامين (ج)، الذي يقاوم ضعف البنية.. ويقاوم إدماء الجلد.. ويقاوم تحلل المادة الكلسية في العظام.. ويقاوم ارتباك الهضم.. ويقاوم فقد الشهية.. ويقاوم الالتهابات.

***

بعد أن فارقت هذا الرجل، وما تركه في من آثار.. ذهبت إلى الصحراء.. وهناك وبسبب ما رأيت من مآس وآلام كدت أفقد تلك البذور التي بذرت في عقلي من الإيمان.. لكن الله تداركني بلطفه.. وكانت تلك الصحراء مع المآسي والآلات التي تحملها سببا في تقوية إيماني، بل في تخلصي التام من كل مظاهر الوثنية الإلحادية.

وقد كان سبب ذلك رجل مؤمن غاية الإيمان، رآني ضيق النفس بسبب الحشرات والبعوض وغيرها، حتى قلت: ما فائدة هذه الحشرات.. ولم وجدت.. إنها شر محض.

فقال لي([14]): لك الحق في أن تضيق نفسك، ولك الحق في أن تتألم.. لكن ليس لك الحق في أن تعتبرها شرا محضا.. فهذه الكائنات التي ضاقت نفسك منها، حتى ما كان منها ساما لها منافع عديدة في توازن البيئة.. فهي تقوم بتطهير الأجواء من التلوث، لأنها تأخذ السموم من الهواء كما تفعل الأشجار التي تأخذ ثاني أكسيد الكربون من الجو وتحوّله إلى أوكسجين.

قلت ساخطا: والأفاعي التي تسبب الخوف والهلع والرعب والتسمم.. ألها فوائد هي الأخرى؟

قال: أجل.. لها فوائد عظيمة للبيئة، فسم الأفاعي يعتبر من الأدوية ذات الفوائد الكبيرة، ويستخدم حاليًا في علاج العديد من الأمراض.. بالإضافة إلى ذلك فإن الأفاعي ذات فائدة في ضبط حالة التوازن في البيئة، فهي تتغذى على الحشرات والأحياء التي لو بقيت وتكاثرت لأثّرت على حياة الإنسان، ومن بين تلك الحيوانات التي تقضي عليها الفئران.

قلت مازحا: والبومة.. أليست نذير شؤم، ولا تستحق سوى القتل؟

قال: لا تقل ذلك.. فالبوم الذي يعيش داخل المدن والقرى، هو من يصطاد الفئران التي تستغل ظلمة الليل لتعيث الفساد والخراب..

قلت: والخفافيش؟

قال: لقد ذكرتني بسؤالك عنها بما فعله سكان إحدى الولايات الأمريكية حين اعترضوا قبل أعوام على اتخاذ عشرات الآلاف من الخفافيش ملاذا لها تحت أحد الجسور مطالبين بقتلها أو ترحيلها، ولكنهم سحبوا الشكوى بعد أن شرحت لهم البلدية أن هذه الحيوانات تأكل يومياً ما مجموعه عشرون طناً من الحشرات الطائرة خلال الليل، معظمها من البعوض والهوام.

قلت: والحشرات.. ذلك الهم الأكبر الذي يملؤنا بالضيق والتقزز؟

قال: لقد دلت الدراسات على أن 99 بالمائة من الحشرات مفيدة للإنسان، إما بشكل مباشر كالنحل ودودة القز، أو غير مباشر كالحشرات التي تلتهم الحشرات الضارة.. والحشرات المؤذية كالذباب والبعوض يعتبر وجودها ضروريًا مع ملامستها للإنسان لتمنحه المناعة من الأمراض منذ صغره أكثر الأحيان.

قلت: والفئران.. والفساد الذي تحدثه؟

قال: الفئران أيضا لها دورها الكبير في الحفاظ على التوازن البيئي، والقضاء عليها قد يؤدى إلى خلل فيه، مما يؤدى إلى ظهور الثعابين وخروجها من جحورها على مشارف المدن، وتبدأ في مهاجمة الحيوانات، وقد تدخل إلى المنازل.. وزيادة أعدادها سببه سلوك الإنسان وتصرفاته التي أدت إلى انقراض الأعداء الطبيعيين لها، والتي كانت تتغذى عليها مثل الحدأة والبومة والثعابين.

وهكذا بقي يحدثني عن كل ما كنت أراه مؤذيا، ولا مبرر لوجوده، فيقنعني بأن له دوره خاص، وأن سوء تعاملنا مع البيئة هو الذي يسبب لنا المتاعب.

***

لكن كل هذه المعاني التي نمت في عقلي، راحت تتبخر بسبب حديث سمعته من بعض أصدقائي من الملاحدة الذي ردد على مسامعي ما سماه [معضلة الشر]، وقال لي معبرا عنها: أي عقل يمكن أن يعترف بوجود الله، وهو يرى الشر أمامه في كل مكان؟.. كيف يسكت الله عن كل هذه الانتهاكات في حق الأطفال كل يوم؟.. كيف يرضى الله عن كل هذا الشر، وكل هذا الدم؟.. لماذا يخلق الله أطفالًا مُشوّهين إذا كان قادرًا على خلقهم في صورة سويّة؟.. وهل الإله عاجز، فهو لا يستطيع أن يوقف كل هذا السوء والشر في العالم؟.. أم أنه شرير، فهو يتغنّى بصراخ الأطفال، ويتلذذ بإهراق الدماء، ويستمتع بقتل العزل والأبرياء؟

لم أجد ما أقول له، فلم يكن لدي من المعارف في هذا الباب ما أجيبه به.. وقد توالت علي بعدها الأحاديث التي لا تبشر إلا بهذا.. من ذلك أني سمعت (مايكل روس)، وهو أشهر فلاسفة العلوم المنافحين بشراسة عن الداروينية، يقول في مناظرته مع (فزالا رنا): أنا لا أرفض الإيمان بوجود الله إلا لسبب واحد، وهو مشكلة الشر.

وسمعت الشاعر الألماني الملحد (جورج بوخنر) يعتبر هذه المشكلة [صخرة الإلحاد]

وسمعت كاهن الإلحاد الأكبر (ريتشارد دوكنز)، يعتبرها من أدلته الكبرى على الإلحاد، حيث يقول في كتابه [وهم الإله]: (لا بد من المسير إلى قول بسيط وسهل وهو الإقرار بوجود الشر، ورد وجود الله)

لقد اعتبر كل هؤلاء، أن وجود الشر في العالم يتنافى مع كون الإله عليما؛ لأن علمه يقتضي أن يمنع هذا الشر من الوجود.. ويتنافى مع كونه قديرا؛ لأن قدرته تقتضي أن يمنع هذا الشر من الوجود.. ويتنافى مع كونه رحيما؛ لأن رحمته تقتضي أن يمنع هذا الشر من الوجود.. ولذلك فإن وجود الشر ينفي وجود هذا الإله الذي لا يمكن أن يفتقد الصفات الثلاث السابقة جملة [وجود إله كامل العلم.. كامل القدرة.. كامل الرحمة]

كانت هذه المعضلة هي العائق الذي حال بين قلبي وبين تذوق الإيمان أو الإذعان له، مع كثرة الأدلة التي تدل عليه.

***

لكن هذه المعضلة سرعان ما بدأت تتبخر بعد أن سرت في الأرض، ولاقيت ناسا كثيرين.. وكان أولهم رجل مؤمن قال لي ساخرا بعد أن عرضت عليه هذه المعضلة([15]): فلنفرض أن الشر الذي ذكره مقصود لذاته، وأنه من عمل الإله.. فهل ينفي ذلك وجوده؟

قلت: أجل.. ينفي وجوده.. فكيف يكون إلها شريرا؟

قال: ولكنك لم تنف وجود الملوك الظلمة، والطغاة المستبدين.. فهل ينفي طغيانهم حقيقة وجودهم؟

لم أدر ما أجيبه به، لكني قلت: الحكام والطغاة شيء.. والله شيء آخر.

قال: هذا يسمونه التفكير الرغبوي.. فأنت تريد أن تفرض على الله كيف يكون، وكيف يتعامل مع خلقه.. والأصل أن تبحث أولا عن أدلة وجوده، فإن رأيتها كافية واقتنعت بها حينذاك تبحث في أفعاله وأسرارها.. ولا يحق لعاقل أن يفرض على الله ما الذي يفعله.

قلت: ما تعني بقولك هذا؟

قال: الشر لا يعني العدم.. بل الشر يعني أنه ليس شيئا جميلا.. ولكنه ليس شيئا معدوما.. بدليل أننا نرى أشياء كثيرة شريرة، فهل ذلك ينفي وجودها.. وبهذا فإن هذه التي سميناها معضلة تقضي على نفسها بنفسها.. فكيف تثبت وجود الشر، ثم تنفي وجود صانع له بحجة أنه لا يمكن أن يكون الصانع شريرا.

قلت: لم أفهم ما تقصد؟

قال: ألست ترى الخلق يذكرون نيرون وجرائمه، وفرعون وطغيانه؟

قلت: بلى.. هم يذكرون ذلك.. وقد يكونون مخطئين فيه.

قال: فهل يمكن لعاقل أن يذكر من أدلة عدم وجود نيرون وفرعون كونه طاغية أو ظالما؟

قلت: لا يمكنهم ذلك.

قال: فهكذا تعامل مع ربك.. فلا تفرض عليه ما يفعل.

قلت: أتؤمن بالله.. وتؤمن في نفس الوقت بكونه شريرا؟

قال: أنا أؤمن بالله، وأؤمن بحكمته المطلقة، وأؤمن أن عقلي أضعف بكثير من أن يفهم أسرار حكمته في خلقه.. ولهذا أسلم الأمر له.. نعم قد أرى بعض الأشياء مثل الثعابين والفئران شريرة لكني موقن أن الحكيم الذي أبدعها لم يبدعها هكذا عبثا، وإنما له حكمته في وجودها، وعدم فهي لها لا يعني عدم وجودها.. كما أن عدم فهمي لبعض وظائف الأعضاء في جسمي لا يعني أنها أعضاء لا قيمة لها، ولا حاجة.

قال لي ذلك، ثم انصرف بعد أن قضى على الكثير من وساوسي المتعلقة بتلك المعضلة..

***

التقيت بعده آخر، قال لي بمجرد أن عرضتها عليه: لو أنك تأملت فيما طرحته لي، لاكتشفت أن وجود الشر يؤكد وجود مصدر مفارق للعالم، بدلا من أن يكون دليلا على عدم وجوده.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لأن الاعتقاد بأن وجود الشر لا يتناسب مع وجود إله رحيم يحب الخير هو ميل نفسي، وليس دليلا عقليا، فلا يتناقض في العقل وجود هذا الإله مع سماحه بوجود الشر في العالم الذي خلقه لغرض الامتحان.. فوجود الشر يؤكد بالفعل وجود إله مفارق لهذا العالم المادي، لأنه اعتراف بوجود إله يمثل الخير بالفطرة، وإلا فمن أين أتى التمييز البشري بين الخير والشر إن كان الأصل في الوجود المادي هو عدم الترجيح في الأفعال بين خير وشر؟

سكت قليلا، ثم قال: الإله المفارق للموجودات هو الذي أعطى معنى الخير، وهو الذي منح الإنسان القدرة على تمييزه عن الشر، بينما لا يستطيع أي باحث أن يجزم بأن الخير بمعناه العام هو الأصل الوحيد في نفوس الإنسان والحيوانات، خصوصا وأن من يؤمن بنظرية التطور يرى أن استمرار الحياة قائم أصلا على الصراع وأن البقاء للأقوى، فالأقوى هو الأقدر على قتل الضعيف ونهب حقوقه وليس العكس.

***

التقيت بعدها آخر.. قال لي من غير أن أسأله ـ وكأنه علم ما يجول في نفسي ـ: ألا ترى أن الأصل في كل شيء هو الخير، وأن الشر غير موجود إطلاقًا، غير أنه يتخلل الخير، كشذرات أو استثناءات؟

قلت: ما تعني بذلك؟

قال: ألا ترى أن الأصل في كل شيء هو الصحة، وأما المرض فيدخل عليها، ولا يلبث ـ عادة أن يذهب ثانية، وترجع الصحة مرة أخرى.. وأن الأصل في المطر أنه خير، ولكن يتخلل هذا الخير استثناءات، فيصير المطر سيولًا تدمّر الطرق والبيوت، لكن هذا مجرد استثناء.. والأصل في الحياة أنها سلام، ولكن يشوب هذا السلام استثناءات؛ فتحدث حروب ونزاعات تدمر القرى والبلاد، لكن هذا مجرد استثناء.. والأصل في الجو الاعتدال، وأما العواصف، أو موجات البرد والحر، فتحدث خلال فترات قليلة من السنة، ويظل الجو معتدلًا باقي السنة.. والأصل في البراكين أنها تنفجر في المحيطات أو بعيدًا عن البشر، لكن تحدث استثناءات، فتنفجر بجانب قرية ما.

قلت: أجل.. ما تقول صحيح.. لكن لماذا صرنا نشعر بأن كل المطر شر، وأن الحروب والمعارك تسود العالم، وبأن البراكين تنفجر يوميًا مسببة مئات الآلاف من القتلى؟

قال: سبب ذلك بسيط، وهو أننا نسمع أخبار هذه الاستثناءات ونهتم لها، حتى أمسينا نعتقد أنها الأصل: فنحن لا نسمع في الأخبار ـ مثلًا ـ عن هطول الأمطار بسلام في بلد كذا، وأنها سقت الناس، بعد ظمأ، وروت الزرع، بعد جفاء، وصار الناس يهللون من الفرحة، ولا نسمع في الأخبار عن الدولة كذا، التي تنعم بالسلام، ويسودها الأمن والأمان، ولا نسمع عن البركان الذي انفجر في المحيط، ولم يؤذ أحدًا.. نحن لا نسمع عن هذا أبدًا، بل نسمع عن الآلام والمصائب فقط؛ حتى ثبت في عقولنا أن الكوارث والحروب تعمّ الأرض.

ربت على كتفي، وقال: لذلك لا تسمع لأولئك الذين انغلقت قلوبهم عن الخير، فلم يروا في الكون إلا الشر.. فإن الشر محدود جدا مقارنة بالخير.. ومن يعترض على أسباب الشر، كمن يعترض على خلق الماء؛ اعتراضًا على الفيضانات.. أو كمن يعترض على خلق المعادن المخصّبة للتربة، والحرارة اللازمة لحياة الإنسان؛ إعتراضًا على ثوران البراكين.

ثم سار، وهو يقول: لو كان الإله شريرًا.. فلماذا الشر نسبي؟.. ولو كان الإله شريرًا، لماذا أعطانا العقل، وسخر لنا الأرض، وأمدنا بالأدوات اللازمة؛ لكي نتغلب على هذا الشر النسبي؟.. ولو أن معاشر الملاحدة قارنوا بين ما نراه في عالم الدنيا من خير وما نراه فيها من شر نسبي، لعلموا أن هذا الإله له كامل العناية بعباده.. وأن عدم إدراكنا لسر وجود ما نراه من شر، لا يعني أنه شر بالفعل، وأن المقصود منه إذيتنا.. ولو أنهم تركوا كبرياءهم وغرورهم وراحوا إلى المصادر المقدسة للأديان، لوجدوا عندها الحل السهل البسيط العقلاني لهذه التي سموها معضلة..

***

كان لكلامه تأثيرا كبيرا على نفسي.. سرت بعدها، فلقيني صديق شاعر، راح يسمعني قصيدة قال فيها:

أيها الشاكي وما بك داءٌ

   كيف تغدو اذا غدوت عليلا

ان شر الجناة في الارض نفس

   تتوقى قبل الرحيل الرحيلا

وترى الشوك في الورد وتعمى

  . أن ترى فوقها الندى اكليلا

والذي نفسه بغير جمالٍ

   لا يرى في الوجود شيئاً جميلا

فتمتع بالصبح ما دمت فيه

   لا تخف ان يزول حتى يزولا

ادركَت كنهها طير الروابي

   فمن العار ان تظل جهولا

ايها الشاكي وما بك داءٌ

   كن جميلاً ترى الوجود جميلا

***

كان لكل هذا تأثيره الكبير على انحلال عقد تلك المعضلة من عقلي وقلبي، لكن القضاء النهائي عليها لم يتم إلا في ذلك اليوم، وفي بلدتي، وفي ساحة الحرية فيها، حيث لقيت مسلما يقف في وسط جمع من الناس يحدثهم عن هذه الشبهة من منطلق الكلمات المقدسة التي أوحى بها الله إلى نبيه.

لم أسمع ما دار بينهم من أول الحديث، لكني سمعت أحدهم يسأله، ويقول له([16]): نعم، لقد أقنعتنا بأن أقدار الله لا تتنزل إلا بالخير، فصفات الله تعالى، والتي هي كلها محامد لا يصدر منها إلا الخير، وإنما كسب الإنسان هو الذي يحول الخير شرا، والعافية بلاء، والجمال دمامة.. لكن ما القول في بعض ما نراه شرا مجردا، لا وجه للخيرية فيه، كخلق الشياطين المضللة، بل كتقدير المعاصي نفسها، فلو أن الله تعالى خلقنا معصومين لما حاق بنا ذلك العذاب،ولما تنزلت بنا تلك الآلام؟

ابتسم الشيخ، وقال: الجواب عن ذلك بسيط، وهو أن كل ما قد نتصوره من شر مجرد، هو في حقيقته ـ ومن جهة تقدير الله له ـ خير عظيم، ولكن سوء تعاملنا معه هو الذي يحول ذلك الخير إلى شر نتهم به الأقدار..

سأضرب لك مثالا على ذلك بالنار، فإن لها فوائد ومنافع كثيرة جداً، فلا يـحق لأحد أن يقول: إن إيـجاد النار شرّ اذا ما أساء استعمالها باختياره وجعلـها شّـراً ووبالاً على نفسه([17]).. وهكذا الكلام عن المعاصي، فهي ليست شرا ـ من جهة تقديرها ـ بل قد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن البشر لو لم يخطئوا لخلق الله بدلهم من يخطئ، ولكن الشر في سوء التعامل معها.

فالمعاصي المقدرة من الله رحمة محضة، كرحمة الله عباده بخلق النار، ولكن العاصي الذي يسيئ التعامل مع هذا التقدير هو الذي يحرق نفسه بها، كالذي يحرق نفسه بالعبث مع النار.

قام رجل من الجالسين، وقال: إن ما تقوله غريب.. بل هو نوع من الإلحاد والهرطقة، والشطح والبدعة، فكيف تكون المعاصي رحمة؟

قال: لو أنك تأملت في قصة آدم وإبليس لعرفت ذلك.. فإبليس عصى الله تعالى، ولعلها أول معصية تحدث في الكون، لكنه انشغل بكون المعصية مقدرة عن التعامل معها وفق ما يحبه الله ويرضاه، فلذلك عندما سأله الله تعالى، وهو أعلم به، عن الدافع لمعصيته، أجابه بكبرياء:{ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} (الحجر: 33)

كان في إمكان إبليس بعد ما حاقت به اللعنة أن يقول: اغفر لي وتب علي، ولكن ما تنطوي نفسه المتكبرة، والتي أبرز كبرياءها أمره بالسجود لآدم u جعلته يطلب شيئا آخر، هو مدد لمعصيته الأولى، جعلته يقول:{ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً} (الاسراء: 62)

فإبليس، أو طبيعة إبليس حولت من المعصية إلى شر محض استحق بسببه تلك الآلام.

أما آدم u، فإن المعصية كانت وسيلة لتبوئه تلك المكانة العظيمة من الله، ففرق كبير بين آدم الذي يسرح بين الجنان، وآدم الذي هبط إلى الأرض متبتلا للرحمن، قد انطوى قلبه على كل المشاعر النبيلة نحو ربه.

فآدم u بأكله من الشجرة، وإدراكه حقيقة نفسه الشهوانية أقر بقصوره وكمال ربه:{ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة:37)، فكان ذلك الإقرار هو سبب الرفعة العظيمة التي نالها في جوار الله.

انطلاقا من هذين المثالين اللذين قصهما القرآن الكريم، فإن المعاصي، وإن احتوت على مساخط الرب تعالى إلا أن في تقديرها من المحاسن ما يجعلها رحمة محضة سواء من ناحية علاقة الإنسان بنفسه أو علاقته بربه أو علاقته بالمجتمع..

أما من الناحية النفسية،فإنه بالمعاصي يعرف الإنسان نفسه، وأنها الخطاءة الجاهلة، وأن كل ما فيها من علم أو عمل أو خير فمن الله منَّ به عليه لا من نفسه.. ولتقريب الرحمة المنطوية في هذا المعنى أقول لكم: إن دور المعاصي في تقويم الإنسان وتهذيبه وتطييبه ليصلح لمعرفة ربه ولدخول جنته هو نفس دور الأعراض التي تصاحب الأمراض من حمى وآلام وغيرها، فإنها وإن كانت مكروهة في نفسها، إلا أن فيها خيرا عظيما، فلولاها لم يتعرف الإنسان على مرضه، ولم يسع للعلاج منه، ولذلك، فإن أخطر الأمراض ما تسرب تسربا خفيا إلى الجسد وصار ينخر فيه إلى أن يستحكم نخره من غير ان يظهر لذلك من الآلام ما يتناسب مع دوره التهديمي.

زيادة على هذا، فإن الانشغال برؤية الطاعة قد يصحبه الإدلال على الله بها، وهو من أكبر الموبقات، بخلاف المعية التي يصحبها الانكسار، ولهذا ورد في الحديث الشريف:(لو لم تكونوا تذنبون لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب) ([18])، وفي الأثر الإلهي:(لولا أن الذنب خير لعبدي المؤمن من العجب ما خليت بين عبدي المؤمن وبين الذنب)

زيادة على هذا، فإن حسن التعامل مع المعصية يزيد في مناعته منها ويدفعه إلى المزيد من التيقظ والحذر من مصايد العدو ومكايده، ويعرفه من أين يدخل عليه، وبماذا يحذر منه، كالطبيب الذى ذاق المرض والدواء.

***

قام رجل من القوم، وقال: كيف تقول هذا.. وما الرحمة التي أتنعم بها، وأنا مبتلى بشيطان يضع خرطومه على صدري لا يكف عن بث الوساوس في قلبي؟ وكيف أتنعم وشياطين الإنس والجن تترصد لي؟

ابتسم الشيخ، وقال: إن سمو الإنسان وكماله وتدرجه في معارج الرحلة إلى الله مربتط بمجاهدته هذه الشياطين، فلذلك ـ كما يقول بعض علمائنا ـ (لا يسيغ لـمن استسلـم للشيطان – باختياره وكسبه الـخاطىء – أن يقول: ان خلق الشيطان شرٌ، اذ قد عمل الشر لنفسه بكسبه الذاتي) ([19])

فالشيطان ليس له من دور إلا الكشف عن الخبايا الآثمة للنفس، ولذلك يبرأ يوم القيامة من أن يكون له أي سلطان على سلوك الإنسان، بل إن سلوك الإنسان كان نابعا من طبيعته واختياره.. والشياطين في هذا تشبه تلك المحاليل الكاشفة التي توضع على مواد معينة للتعرف على مكوناتها، فإن انفعال تلك المواد هو الذي يحدد طبيعتها، أما المحاليل، فليس لها من دور إلا الكشف عن تلك المواد.

ولهذا أخبر تعالى الشيطان بأنه ليس له من سلطان على عباده المخلصين، قال تعالى:{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الحجر:42)، بل استثنى الشيطان نفسه هؤلاء بقوله:{ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (الحجر:40)

وذلك لأن عباد الله المخلصين، هم الذين تخلصوا من كل الشوائب التي تتفاعل معها وساوس الشيطان، فلذلك لا يصدر منهم إلا الخير.

ومثل تسليط الشياطين تسليط الدواعي التي تمتطيها الشياطين للاستيلاء على قلب الإنسان من الشهوة والغضب ودواعيهما، وإرسال رياح الفتن لاختبار طبيعة الإنسان، فإن كل ذلك ـ بالتأمل الصادق ـ رحمة إلهية عظمى.

فإنه لولا هذا لفات الإنسان من الفضائل ما هو أضعاف الآلام الممزوجة بهذه الدواعي، فلولاها لم تحصل فضيلة الصبر ولا جهاد النفس ومنعها من حظوظها وشهواتها محبة لله وإِيثاراً لمرضاته وطلباً للزلفى لديه والقرب منه.

بل لولاها ما تحقق سير السائرين إلى الله، كما يقول ابن عطاء الله:(لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين، إذ لا مسافة بينك وبينه حتى تطويها رحلتك، ولا قطعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك)

فالسير إلى الله إنما هو قطع عقبات النفس، إذ لا مسافة حسية بين الله وعبده، ولا مقاطعة توجب البعد المعنوي بين الله وعبده حتى تمحوها وصلته، وليس ثم حجاب غير حجاب النفس.

فلذلك كان من رحمة الله خلق هذه النفس بهذه الصورة ليتحقق من قطع عقباتها التعرف على الله والوصول إليه.

***

قام رجل من القوم، وقال: فلماذا لا نكون بهيئة أخرى ومع ذلك ينعم علينا ـ من غير مجاهدة ـ بهذه المعرفة وذلك الوصول؟

ابتسم الشيخ، وقال: إن الأمر لو لم يكن بهذه الصفة، لما كانت النشأَة الإِنسانية إِنسانية، بل كانت ملكية، ولما كان الإنسان حينها إنسانا بل كان ملاكا.

قال الرجل: فلماذا لم أكن ملاكا، وينتهي الأمر؟

قال الشيخ: أنت تقول هذا، لأنك لا تعلم قيمة النشأة الإنسانية، فهي في منتهى السمو والرفعة، بل إن الإنسان فهرس العالم الأكبر، وجامع تفاصيله.. والله تعالى أنعم على الإنسان بأن جعله عالماً متوسطاً بين ملكه، وهو عالم الشهادة، وملكوته وهو عالم الغيب، ولم يجعله ملكياً محضاً ولا ملكوتياً محضاً، بل جعل فيه من كلا العالمين ليعلمه جلالة قدره بين مخلوقاته، حيث جمعت بين الظاهر والباطن، وبين الجسمانيات والروحانيات، فانطوى فيه العالم الأكبر.

***

قام رجل آخر، وقال: نعم، إن كسب الإنسان هو الذي يحول الخير شرا والعافية بلاء، والجمال دمامة، ولكن ما القول في أولئك الصالحين العارفين الذين يتربعون على عروش الولاية، والذين يمتلئ كيانهم بجميع الأنوار، ولا يعرج منهم إلى ربهم إلا الحسنات المتلألئة العظيمة، فكيف يجازون بالبلاء الذي تنهد له الجبال؟

قال: لذلك حكم كثيرة لا يمكن تفصيلها جميعا هنا.. لكني أقتصر على بعضها فقط([20]).. فمنها أن الصالحين يعطيهم الله من القوة والإيمان بحيث يواجهون البلاء بالابتسامة العذبة، ويرونه هدايا جزيلة من محبوبهم تعالى الذي فنوا بمحبته عن كل ألم، فلذلك (لو أصبحت الكرة الارضية قنبلة مُدمِّرة وانفجرت، فلربما لا تخيف عابداً لله ذا قلب منوَّر، بل قد ينظر اليها أنها خارقة من خوارق القدرة الصمدانية، ويتملاها باعجاب ومتعة، بينما الفاسق ذو القلب الميت ولو كان فيلسوفاً ـ ممن يُعدّ ذا عقل راجح ـ اذا رأى في الفضاء نجماً مذنباً يعتوره الخوف ويرتعش هلعاً ويتساءل بقلق: ألا يمكن لهذا النجم أن يرتطم بأرضنا؟ فيتردى في وادي الأوهام)

لقد ضرب بعض العلماء على ذلك مثالا برجلين يسافران معاً الى عاصمة سلطان عظيم، ويدخلان الى قصر السلطان العامر بالعجائب والغرائب، أحدهما لا يعرف السلطان ويريد ان يسكن في القصر خلسة ويمضي حياته بغصب الاموال، فيعمل في حديقة القصر. ولكن ادارة تلك الحديقة وتدبيرها وتنظيم وارداتها وتشغيل مكائنها واعطاء ارزاق حيواناتها الغريبة وامثالها من امورها المرهقة دفعته الى الاضطراب الدائم والقلق المستمر، حتى اصبحت تلك الحديقة الزاهية الشبيهة بالجنة جحيماً لا يطاق. اذ يتألم لكل شئ يعجز عن ادارته، فيقضي وقته بالآهات والحسرات. واخيراً يُلقى به في السجن عقاباً وتأديباً له لسوء تصرفه وادبه.

أما الشخص الثاني فانه يعرف السلطان، ويعدّ نفسه ضيفاً عليه، ويعتقد ان جميع الاعمال في القصر والحديقة تدار بسهولة تامة.. بنظام وقانون وعلى وفق برنامج ومخطط، فيلقى الصعوبات والتــكاليـف الى قانون السلــطان، مســتفيداً بانــشــراح تام وصفاء كامـل من متــع تلــك الحديــقة الـزاهــرة كالجـنــة، ويــرى كــل شـــئ جميلاً حقاً، استناداً الى عطف السلطان ورحمته، واعتماداً على جمال قوانينه الادارية.. فيقضي حياته في لذة كاملة وسعادة تامة ([21]).

هذا الجواب الأول.. أما الجواب الثاني.. فهو ما دل عليه قوله تعالى:{ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} (العنكبوت:2)، فقد أخبر تعالى أن من مقتضيات ادعاء الإيمان الابتلاء حتى يعلم الصادق من الكاذب، ومن يؤثر الله، ومن يؤثر هواه..

وأما الجواب الثالث، فقد عبر عنه بعضهم عندما سئل:(أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟)، فقال: (لا يمكن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ فلما صبروا مكنهم)

فالله تعالى ـ بحكمته المطلقة ـ يربي عباده الصالحين الذين جعلهم وسائط للهداية والرحمة بينه وبين خلقه بأنواع البلاء المتناسب مع نوع الرسالة التي يكلفون بها.

ومثل ذلك مثل من يريد تعلم صناعة معينة، فإنه يحتاج إلى التدريب الذي يتناسب مع تلك الصناعة، فإن نجح فيه أهل ومكن من صناعته، وإن لم ينجح طرد وأبعد عنها.

وقد ضرب الله تعالى الأمثلة القرآنية الكثيرة على ذلك، ولعل أوضحها ما حكاه عن نبيين كريمين هما يوسف وموسى ـ عليهما السلام ـ فإن الله تعالى دربهما بصنوف البلاء ليتمكنا من أداء الوظيفة التي كلفا بها.

وأما الجواب الرابع، فهو أن العارفين الذين يعتبرون أفعال الله تعالى فيهم وفي غيرهم رسائل رحمة ومودة لا يفهمون من تلك الأنات والبلايا إلا أنها حروف من الله تشهدهم وجود فاقتهم، وتشعرهم بحقيقتهم، لتشغلهم بالله عن أنفسهم، ولهذا قيل: إن السبب الذي حمل فرعون على قوله: {أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى} (النازعات:24) طول العافية والغنى.

***

قام رجل من القوم، وقال: نعم إن المزيج الذي مزجت به هذه الآلام هو نتيجة حتمية لأفعال المكلفين، أو لها علاقة بتهذيبهم، أو لها علاقة برفع درجاتهم وتقريبهم من ربهم وتعريفهم به، لكن ما القول في الآلام المحضة التي يعاني مرارتها الذين لم يمنحهم الرحيم تعالى قابلية التكليف، فلا علاقة للآلام بتهذيبهم، لعدم تلطخهم، ولا علاقة له بأعمالهم لعدم تكليفهم؟

قال: إن هذه المسألة من أخطر المسائل التي تاه فيها العقل البشري، إلى أن جر بعضهم إلى الإلحاد بسببها، حيث اعتقد أن ذلك من تصرف الطبيعة وفعلها، وليس لذلك فاعل مختار مدبر بمشيئته وقدرته.

وذهب آخرون إلى القول بالتناسخ.. وأن الأرواح الفاجرة الظالمة تودع فى الحيوانات التى تناسبها، فينالها من أَلم الضرب والعذاب بحسبها، فلذلك كانت مستحقة لما يصيبها من آلام.

وذهب آخرون إلى إسناد الشر والخير إلى إلهين مستقلين كل منهما يذهب بخلقه، وذكروا أَن هذه الآلام والشرور من الإِله الشرير المظلم، فلا تضاف إِلى الإِله الخير العادل ولا تدخل تحت قدرته.

وذهب آخرون إلى أن البهائم مكلفة مأْمورة منهية مثابة معاقبة، وأن فى كل أُمة منها رسول ونبى منها، وهذه الآلام والعقوبات الدنيوية جزاءٌ على مخالفتها لرسولها ونبيها.

وذهب آخرون إلى أن البهائم والأَطفال لا تتألم أبدا([22]).

وكل هذه أقوال جر إليها العقل المجرد الذي لم يستند إلى الوحي، ولا إلى ما تقتضيه المعرفة بالله من حقائق.

قال الرجل: هذا ما قالوا.. فما تقول أنت؟

قال: أنا أقر بين أيديكم بأن كشف سر الرحمة في هذا يتطلب الإيمان بجميع الحقائق، وأولها الثقة في الله وفي حكمته ولطفه وتدبيره لخلقه، فهو أعلم بهم، وأدرى بمصالحهم، وما نجهله من ذلك في الوقت الحالي قد يكشف في يوم من الأيام، فلذلك لا يصح أن نستعجل.

ولذلك علينا أن نحيل علم تفاصيل الرحمة المنطوية في ظل هذه الآلام إلى الله تعالى، لأنه أخبرنا بأن رحمته وسعت كل شيء، وأن المزيج المؤلم الذي يختلط برحمته هو مزيج يرتبط بالكسب، لا بالرحمة والمقادير.. فلذلك، إذا جهلنا سرا ما نلجئه إلى هذه المعرفة التي برهنت عليها كل الدلائل.

بالإضافة إلى ذلك، فإن من أسماء الله تعالى (الشكور)، وهو يعني أن الله تعالى برحمته قد يستسخر من خلقه من يقوم بوظيفة معينة إظهارا لحكمة من حكمه أو لمقتضى من مقتضيات أسمائه الحسنى، فإذا قام ذلك المستسخر بتلك الوظيفة جازاه عليها أضعاف أضعاف الآلام التي تحملها.

فلذلك كان من حكمة الله التي اقتضاها وجود الكون بهذه الصورة أن توجد الآلام التي قد نتوهمها آلاما محضة، ولكنها في حقيقتها تنطوي على رحمة خفية إما في ذات وجودها، أو بما يترتب عليها.

فلذلك من حكمة الله أن يستسخر هؤلاء لتحمل بعض الآلام اللحظية ليستوفوا بعد ذلك أجورا تتناسب مع شكر الله وجوده.

ولو أنا نرى أن الله تعالى يخفف عنهم الآلام إلى درجة قد لا يحسون بها، وإلى ذلك الإشارة بما أخبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم من أن (الشهيد لا مس القتل إلا كما يجد أحدكم مس القرصة يقرصها) ([23])

***

قام رجل من القوم، وقال: فإذا كان الله قادراً على التفضل بالعوض وبأضعافه بدون توسط الألم فأى حاجة إلى توسطه؟ وهل يصح لأحدنا أن يؤلم غيره ثم يعوضه عن آلامه؟

قال الشيخ: الجواب عن ذلك هو أن الله تعالى مع مشيئته المطلقة التي لا يحدها شيء، ولا يحجر عليها حاجر أخبرنا ـ من خلال النصوص الكثيرة ـ على أن حكمته تأبى وضع شيء في غير موضعه، لذلك ورد أنه ـ بالنسبة للمكلفين ـ يوزع البلاء عليهم بحسب ما يصلحهم، كما ورد في الأثر الإلهي:(وإن من عبادي المؤمنين لمن سألني من العبادة فأكفه عنه ولو أعطيته إياه لدخله العجب وأفسده ذلك وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك وإني أدبر لعبادي بعلمي بقلوبهم إني عليم خبير) ([24])

ولذلك ـ نؤمن انطلاقا من ذلك ـ إيمانا جازما أن الرحمة في ذلك البلاء بغض النظر عن نوع الرحمة في ذلك.

وانطلاقا من هذا نرى([25]) فرقا عظيما بين إيلام البشر وإيلام الله، فإِن من قطع يد غيره أَو رجله ليعوضه عنها لم يحسن ذلك منه، لأن العوض يصل إليه وهو مقطوع اليد والرجل، وليس من العقلاءِ من يختار ملك الدنيا مع ذلك، والله يوصل الأعواض فى الآخرة إلى الأحياء وهم أكمل شيءٍ خلقاً وأَتمه أَعضاءً، فلذلك افترق الشاهد والغائب فى هذا.

أما إذا فرض أن الأذى تحقق مع سلامة الأعضاءِ،وكان فيه مصلحة ورضى المضروب بذلك وعظمت الأعواض عنه فهو حسن فى العقل لا محالة، لأن العوض يخرج الألم عن كونه ظلماً، لأنه نفع موقوف على مضرة الألم، وباعتبار كونه لطفاً فى الدين يخرج عن كونه عبثاً.

***

بعد أن سمعت هذا منه لم أجد إلا أن أتبعه، وأسمع منه، وأتتلمذ على يديه، ومن العجب أني وجدت كل من لقيتهم سابقا في مدرسته، بما فيهم من بث معضلة الشر في نفسي، بل إنه أصبح من بيننا جميعا أكبر من يواجهها ويدعو إلى مناظرة من يتزعمها.

برهان التوازن:

بعد أن أنهى الرجل الثالث حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن حدثكم صديقي وأخي عن [برهان الغائية]، وكيف خرج به من ظلمات الجهل والغواية إلى نور الإيمان والهداية.. فاسمعوا حديثي عن برهان من براهين النظام البديع، أطلقت عليه اسم [برهان التوازن].. وهو برهان يدل على الله من كل الوجوه، وبكل المقدمات، وبجميع اللغات..

فالله تعالى كما وضع للكون قوانينه الثابتة، وسننه المرعية.. وكما قام بتدبيره وتصريفه على أحسن الوجوه.. وكما قام بإعطاء كل شيء خلقه، ثم هدايته إلى غايته التي خلقه من أجلها.. فإنه كذلك خلق كل شيء بميزان دقيق، ومقادير محددة، ودقة عالية، فلا يطغى شيء على شيء، ولا يظلم شيئا.

وقد كان أول ما دعاني إلى التفكير في هذا، والاستدلال به على وجود الله، مع كوني عشت في بيئة بعيدة عن الله، ولا تلقي له بالا، أني وجدت كل شيء خلقه الله في محله المناسب، وبموازين دقيقة مقدرة، لا يمكن اكتشافها ولا فهمها إلا بعد دراسات وتحليلات عميقة ومن علوم مختلفة..

وقد كان أول سؤال خطر على بالي حينها هو: كيف يمكن أن تكون الموازين الدقيقة محض صدفة، أو وليدة طبيعة عمياء بكاء صماء، بينما من اكتشف ذلك، أو بعض ذلك، يعتبر ذكيا وعبقريا وتوهب له الجوائز العالمية.. أي منطق هذا الذي يفكر بهذه الطريقة؟

ولذلك كان مجرد اكتشافي لبعض القوانين الضابطة للكون وحده كاف في شعوري بالله.. ولم أحتج بحمد الله إلى أي معلم أو فيلسوف ليثبت لي ذلك.. لكن البحث الذي عانيته هو في تحديد الإله الذي يتناسب مع الحقيقة، ويتناسب كذلك مع الكون.

وقد يسر الله لي وضع ضوابط ذلك أيضا، فقد وجدت أن الإله الذي يذكر تلك الموازين، ويدعو إلى مراعاتها، ويضع الشريعة التي تتناسب معها هو الإله الذي دبر الكون، وهو الإله الذي يستحق العبادة.. وما أسرع ما وجدت ذلك بفضل الله ورحمته وهدايته.

وهذا لا يعني أني لم ألتق في حياتي بباحثين أو علماء.. فقد التقيت الكثير منهم، وكلهم بحمد الله شعر بما شعرت، وآمن قلبه وعقله بما آمنت.

***

وقد كان أولهم أستاذي في علوم الأرض، الذي راح يحدثني عن الأرض، فيقول([26]): الأرض كوكب يعج بالحياة، ويحوي الكثير من الأنظمة المعقدة التي تعمل مع بعضها البعض بشكل متكامل متوازن وبدون أي توقف.. وعندما نقارن الأرض بالكواكب الأخرى، يتضح من النظرة الأولى أن الأرض تتميز بتصميم خاص لحياة البشر، فقد بُنيت بتوازن دقيق بحيث تغلب الحياة على كل بقعة من بقاعها، من أعالي الغلاف الجوي حتى أعماق الأرض.

قلت له: هلا وضحت لي ذلك.

قال: مثلا نرى أن حجم الأرض هو الحجم المثالي من حيت الكتلة لتتمسك بغلافها الجوي.. ولهذا إذا نقصت هذه الكتلة قليلاً، ستكون قوة الجاذبية غير كافية، وسيتبدد الغلاف الجوي في الفضاء.. أما إذا ازدادت كتلتها قليلاً، فإن قوة الجاذبية ستزداد بشكل كبير، وستتشرب الأرض كل الغازات الموجودة في الغلاف الجوي..

وهكذا نرى أن سُمك القشرة الأرضية يحوي نوعا آخر مهما من التوازن الدقيق.. فلو كانت القشرة الأرضية أسمك، لانتقل الكثير من الأوكسجين من الغلاف الجوي إلى القشرة الأرضية، وهو ما يسبب في تأثيرات خطيرة على الحياة البشرية..أما إذا كان العكس، وكانت القشرة الأرضية أرقّ، فإن البراكين ستنشط كثيرا، ويكون حينها من الصعب أن توجد حياة.

وهكذا نرى التوازن في طبقة الأوزون في الغلاف الجوي، وهو أمر حاسم في حياة البشر، لأنه إذا كانت أقل سمكًا مما هي عليه حاليًا، لأصبحت حرارة سطح الكرة الأرضية منخفضة جدًا.. أما إذا كانت أرقّ بقليل فإن حرارة سطح الأرض ستكون مرتفعة جدًا، وسينفذ الكثير من الأشعة فوق البنفسجية.

وهكذا نرى التوازن في وضع هذه الأرض التي نعيش عليها، لتكون صالحة لنوع الحياة. فإن افتراض أي اختلال في أية نسبة من نسبها يؤدي بهذه الحياة كلها، أو لا يسمح أصلاً بقيامها.. فحجم هذه الأرض، وكتلتها، وبعدها عن الشمس. وكتلة هذه الشمس، ودرجة حرارتها، وميل الأرض على محورها بهذا القدر، وسرعتها في دورتها حول نفسها وحول الشمس. وبعد القمر عن الأرض وحجمه وكتلته وتوزيع الماء واليابس في هذه الأرض.. إلى آلاف من هذه النسب المقدرة تقديراً، لو وقع الاختلال في أي منها لتبدل كل شيء، ولكانت هي النهاية المقدرة لعمر هذه الحياة على هذه الأرض!

قلت: ألهذه الدرجة كان للتوازن دوره في حفظ الأرض، وما عليها من حياة؟

قال: أجل.. إن فقدان توازن واحد فقط من هذه التوازنات سيضع نهاية للحياة على الأرض..

قلت: فهل يمكن أن تكون كل هذه التوازنات الدقيقة، ما علمنا منها، وما لم نعلم وجدت هكذا بمحض صدفة؟

سكت، وقال: سل عقلك.. فستجد فيه كل الأجوبة.. ولا تسل الناس، فيضلوك.

وقد عرفت حينها من يقصد، فقد كان أكثر من يدرس في تلك الجامعة من الملاحدة، وقد خشي أن يسميهم لي، فلذلك اكتفى بدلالتي على الأستاذ الأكبر الذي نصبه الله في شخص كل إنسان.. أستاذ العقل.. حجة الله على عباده، ورسوله إليهم.

***

أما الأستاذ الثاني الذي اهتديت به لبعض مظاهر التوازن في الكون، فقد كان أستاذ الفلك، الذي راح يحدثني كما يحدث زملائي عن عجائب الكون، والنظام الدقيق الذي يسير به..

وكان مما ذكره لنا قوله: إن كل ما ترون في الكون من نجوم وكواكب موضوعة في محالة بدقة عالية.. فلكل نجم وكوكب فلك أو مدار، لا يتجاوزه في جريانه أو دورانه.. والمسافات بين النجوم والكواكب مسافات هائلة لايمكن تخيلها.. وقد قدر لها أن تكون كذلك لتحفظ من التصادم والتصدع.. فالشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر.. والليل لا يسبق النهار، ولا يزحمه في طريقه، لأن الدورة التي تجيء بالليل والنهار لا تختل أبداً فلا يسبق أحدهما الآخر أو يزحمه في الجريان.

لقد وجدت بعد إيماني، وبعد بحثي عن الإله الحقيقي أن ما ذكره أستاذنا في الفلك ليس سوى إعادة صياغة لما ورد في القرآن الكريم من الحديث عن الكون، وتوازناته الدقيقة، فالله تعالى يقول: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40]

***

أما الأستاذ الثالث الذي اهتديت به لبعض مظاهر التوازن في الكون، فقد كان أستاذ علوم الحياة، فقد فسر لنا من حيث لا يشعر قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38]

لقد قال لنا في ذلك، وهو يضرب لنا بعض الأمثلة عن التوازن الموجود في الأحياء: إن الجوارح التي تتغذى بصغار الطيور قليلة العدد، لأنها قليلة البيض، قليلة التفريخ، فضلاً على أنها لا تعيش إلا في مواطن خاصة محدودة.. وهي في مقابل هذا طويلة الأعمار، ولو كانت مع عمرها الطويل، كثيرة الفراخ مستطيعة الحياة في كل موطن، لقضت على صغار الطيور وأفنتها على كثرتها وكثرة تفريخها.. وذلك كي تتعادل عوامل البقاء وعوامل الفناء بين الجوارح والطيور.

وضرب لنا الأمثلة على ذلك أيضا بالذبابة التي تبيض ملايين البويضات، ولكنها لا تعيش إلا أسبوعين.. ولو كانت تعيش بضعة أعوام، تبيض فيها بهذه النسبة لغطى الذباب وجه الأرض بنتاجه؛ ولغدت حياة كثير من الأجناس، وأولها الإنسان، مستحيلة على وجه هذه الأرض.. ولكن التوازن الذي لا يختل، في القدرة التي تدبر هذا الكون، وازنت بين كثرة النسل وقصر العمر فكان هذا الذي نراه.

وذكر لنا الميكروبات، وهي أكثر الأحياء عدداً، وأسرعها تكاثراً، وأشدها فتكاً، وهي كذلك أضعف الأحياء مقاومة وأقصرها عمراً، حيث تموت بملايين الملايين من البرد، ومن الحر، ومن الضوء، ومن أحماض المعدات، ومن أمصال الدم، ومن عوامل أخرى كثيرة، ولا تتغلب إلا على عدد محدود من الحيوان والإنسان، ولو كانت قوية المقاومة أو طويلة العمر لدمرت الحياة والأحياء.

وذكر لنا عجائب التوازن في خلق الطيور.. حيث خلقت أجسام الطيور في تصميم خاص يلغي أي احتمال لاختلال التوازن أثناء الطيران.. فرأس الطير مثلاً صُمِّمَ ليكون بوزن خفيف حتى لا ينحني الطائر أثناء الطيران.. وبنية الرياش متناسبة مع الديناميكية الهوائية، حيث تسهم الرياش، وخاصة رياش الذيل والأجنحة بشكل فعال جداً في توازن الطائر..

***

أما الأستاذ الرابع الذي اهتديت به لبعض مظاهر التوازن في الكون، فقد كان أستاذ العلوم، وقد ضرب لنا أمثلة كثيرة عن ذلك أبدعها الله في جسم الإنسان، قال لنا، وهو متفاعل تفاعلا شديدا مع درسه([27]): إذا جئنا إلى تشريح الإنسان نفسه فسوف نرى المعجز والملغز من أمر هذا التوازن الدقيق المحسوب.. فكل عنصر له في الدم نسبة ومقدار.. الصوديوم.. البوتاسيوم.. الكالسيوم.. السكر.. الكوليسترول.. البولينا.. وأي اختلال في هذه النسب ولو بمقادير ضئيلة يكون معناه المرض.. فإذا تفاقم الاختلال فهو العجز والموت.. والجسم مسلح بوسائل آلية تعمل في تلقائية على حفظ هذا التوازن طوال الحياة.

بل إن قلوية الدم لها ضوابط لحفظها.. وحموضة البول لها ضوابط لحفظها.. ودرجة الحرارة المكيفة دائماً عند 37 مئوية من ورائها عمليات فسيولوجية وكيميائية ثابتة متزنة عن هذا المستوى.. وكذلك ضغط الدم.. وتوتر العضلات.. ونبض القلب.. ونظام الامتصاص والإخراج.. ونظام الاحتراق الكيميائي في فرن الكبد.. ثم الاتزان العصبي بين عوامل التهدئة والإثارة.

ثم عملية التنظيم التي تقوم بها الهرمونات والإنزيمات بين التعجيل والإبطاء للعمليات الكيميائية والحيوية.

وقال لنا، وقد خفف من بعض انفعاله متحدثا عن دور الفيتامينات في حياة الإنسان: لقد تنبه العالم في فترة متأخرة إلى أهمية الفيتامينات.. ولا شك أن الإنسان قد عاش ملايين السنين دون أن يدري بوجود هذه المواد الضرورية لبقائه على قيد الحياة.. مع أهميتها الشديدة، فنقصانها أو فقدانها يسبب الكثير من الأمراض المعروفة بأمراض نقص التغذية.

وهكذا عاش الإنسان فترات طويلة قبل أن يعرف وظائف المعامل الكيمياوية الصغيرة المعروفة باسم الغدد الصماء، التي تمده بالتركيبات الكيمياوية الضرورية له ضرورة مطلقة، والتي تصنعها وتسيطر على وجوه نشاطه. وفضلا عن ذلك، فان تلك المواد التي بلغت من القوة أن جزءا من بليون منها يحدث آثارا بعيدة المدى.. وهي مرتبة بحيث ينظم كل منها غيرها، ويضبطه ويوازنه.. ومن المتفق عليه أنه إذا اختل توازن هذه الافرازات المعقدة تعقيدا مدهشا، فإنها تحدث اختلالا ذهنيا وجسمانيا بالغ الخطر.. ولوعمت هذه الكارثة لانتشرت المدينة وانحطت البشرية إلى حالة الحيوانات، هذا إذا بقيت على قيد الحياة.

***

أما الأستاذ الخامس الذي اهتديت به لبعض مظاهر التوازن في الكون، فقد كان أستاذ علوم النبات، وقد فسر لنا من حيث لا يشعر قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)} [الحجر: 19 – 21]

وقد حكى لنا للدلالة على ذلك قصة نبتة الصبار، فقال: منذ سنوات عديدة زرع نوع من الصبار في استراليا، كسياج وقاتي.. ولكن هذا الزرع مضى في سبيله حتى غطى مساحة تقرب من مساحة انجلترا، وزاحم أهالى المدن والقرى، وأتلف مزارعهم، وحان دون الزراعة، ولم يجد الأهالى وسيلة لصده عن الانتشار، وصارت أستراليا في خطر من اكتساحها بجيش من الزرع صامت، يتقدم في سبيله دون عائق!

وطاف علماء الحشرات بنواحي العالم حتى وجدوا أخيرا حشرة لا تعيش إلا على ذلك الصبار ولا تتغذى بغيره، وهي سريعة الانتشار وليس لها عدو يعوقها في استراليا.. وما لبثت هذه الحشرة حتى تغلبت على الصبار، ثم تراجعت، ولم يبق منها سوى بقية قليلة للوقاية، تكفي لصد الصبار عن الانتشار إلى الابد..

وهكذا كانت هذه الدروس وغيرها سببا لهدايتي، وسرعان ما رحت أبحث في الأديان عن الإله الذي يتناسب مع هذا الكون المتوازن، وسرعان ما وجدته في القرآن الكريم، فقد كان الكتاب المقدس الوحيد الذي عرف الله بكل صفات الكمال من دون تحريف ولا تبديل.. وكان الكتاب الوحيد الذي صحح ما أضافه الكتبة الكذبة إلى سائر الكلمات المقدسة التي كلم الله بها عباده.

***

ما أنهى صاحبنا حديثه حتى انتشرت أنوار لطيفة على تلك الروضة الجميلة التي اجتمع فيها كل أولئك العلماء المنورين بنور الإيمان، وقد سرى أريج تلك الأنوار إلى كل لطائفي، فصرت أرى عظمة الله، وهي تتجلى بكل بهاء وجمال في كل صنعة من مصنوعاته.

ورأيتها جميعا تدعونا بلسان حالها ومقالها إلى رحلة أعظم وأشرف نرى فيها الحقائق، ونتصل بها، ونتعايش معها بكل سعادة.. فالله ما أرانا بديع صنعه وجميل فضله إلا لنهتدي إليه، ونطرق بابه، حتى لا نحجب بالصنعة عن الصانع، وبالتصميم عن المصمم، وبالجمال عن الجميل المبدع.


([1]) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: محمد راتب النابلسي.

([2]) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: محمد راتب النابلسي.

([3]) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: محمد راتب النابلسي.

([4]) الله يتجلى في عصر العلم – كريسى موريسون، وهو من مقال بعنوان: الزهر وطيور بالتيمور، كتبه: سيسل هامان، وهو عالم بيولوجي حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة بوردو- أستاذ في جامعة كنتاكي وجامعة سانت لويز سابقا – أستاذ في كلية آسبوري – اخصائي في تقسيم الطفيليات الحيوانية.

([5]) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: محمد راتب النابلسي.

([6]) انظر: موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: محمد راتب النابلسي.

([7]) انظر: موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: محمد راتب النابلسي.

([8]) انظر: رسالة أكوان الله من سلسلة رسائل السلام.

([9]) إحياء علوم الدين.

([10]) إحياء علوم الدين.

([11]) إحياء علوم الدين.

([12]) انظر: المكتوب التاسع عشر، النورسي.

([13]) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: محمد راتب النابلسي.

([14]) انظر مقالا بعنوان: الذّباب إذا غاب.. اختلّ توازنَ البيئة!، موقع فلسطين أون لاين.

([15]) اقتبسنا بعض الردود هنا من مقال بعنوان: [هل يمكن للإله أن يكون شريرًا؟] محمود ماهر.

([16]) النص المذكور هنا ملخص باختصار شديد من كتاب [أسرار الأقدار]، سلسلة [رسائل السلام]، ومن شاء المزيد من التفاصيل يجده فيه.

([17]) الكلمة السادسة والعشرون، رسالة القدر، النورسي.

([18]) رواه الخرائطي في مساوي الاخلاق، والحاكم في تاريخه وأبو نعيم والديلمي.

([19]) اللمعة الثالثة عشر، النورسي.

([20]) انظر في تفاصيل هذا رسالة (ابتسامة الأنين)

([21]) الكلمة السادسة والعشرون.

([22]) وهذا المذهب له وجوه من الحقيقة تدل عليه، فالأطفال والبهائم لا تدرك الآلام حسبما يدركها العقلاءُ، فإن العاقل إذا أدرك تأَلم جوارحه وأَحس به تأْلم قلبه وطال حزنه وكثر هم روحه وغمها، وهذه الآلام زائدة على مجرد أَلم الطبيعة، ولا ريب أن البهائم والأطفال لا تحصل لها تلك الآلام كما يحصل للعاقل المميز، فإن أَراد القوم هذا فهم مصيبون، وإن أرادوا أنه لا شعور لها بالآلام البتة وأنها لا تحس بها فمكابرة ظاهرة، فإن الواحد منا يعلم باضطرار أَنه كان يتألم فى طفولته بمس النار له وبالضرب وغير ذلك. انظر: طريق الهجرتين: 249.

([23]) رواه الترمذي والنسائي وابن حبان.

([24]) رواه ابن ابى الدنيا في كتاب الاولياء والحكيم وابن مردوديه وأبو نعيم في الاسماء وابن عساكر.

([25]) انظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: 149)

([26]) انظر مقالا بعنوان: التوازن في الكون، وهذه المعلومة موجودة في المصادر المختلفة.

([27]) رحلتي من الشك إلى الإيمان، مصطفى محمود.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *