المقدمة

المقدمة

يحاول هذا الكتاب أن يكون دليلا ومرجعا لكل داعية إلى الله، يريد أن يتصدى لظاهرة الإلحاد، قديمها وجديدها، ويخلف الأنبياء وورثتهم عليهم الصلاة والسلام في القيام بدوره في حفظ الإيمان، وتبليغ رسالة الله، وتخليص البشر من كيد شياطين الإنسان والجن..

فالدعوة للإيمان، ومحاوره المجادلين فيه وفي قضاياه من أوكد الواجبات الشرعية على المسلمين جميعا، وخصوصا أهل العلم منهم، سواء كانوا من المهتمين بالعلوم الشرعية، أو بالعلوم الكونية؛ فكلاهما يحمل مسؤولية شرعية في مواجهة هذه الظاهرة، ما ظهر منها وما بطن.

ولهذا حاول هذا الكتاب أن يوفر الكثير من العناء لمن يريد أن يسلك هذا السبيل، ويمتهن هذه المهنة الشريفة ـ مهنة الدعوة للإيمان، ومواجهة شبهات الشيطان ـ وذلك بإحصائه للشبهات الكثيرة التي يستعملها الملاحدة، وتصنيفها، وبيان تقريراتهم المختلفة لها، ووجوه الاستدلال بها، ليعقب عليها بعد ذلك كله بصنوف من الرد العلمي، أو الإلزام الجدلي.

وقد اعتمد في ردوده على مراجع كثيرة متنوعة ومتفرقة، حاول أن يلم شتاتها في محل واحد ليتيسر التعامل معها، وتكتمل الصورة من خلالها، فالرد على الإلحاد لا تكفي فيه الردود الجزئية المقتضبة، وإنما يحتاج إلى ردود تفصيلية مستوعبة وشاملة.. فالملحد مثل المتطرف ينتقل من موضوع إلى موضوع، ومن قضية إلى قضية، ليبحث عن أي ثغرة يجدها في خصمه، لأنه لا يريد الحقيقة، بقدر ما يريد الانتصار.

ولهذا فقد حاولنا في هذا الكتاب أن نبصر المتدرب عليه بصنوف الرد، وبكيفية التعامل مع كل حالة قد تطرأ، مستنين في ذلك بما فعله إبراهيم عليه السلام، مما حكاه الله تعالى في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258]

فإبراهيم عليه السلام لم يشتغل هنا بالدفاع عن قوله { رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ }، بل أورد مباشرة دليلا آخر مفحما.. ولهذا نرى تنوع الأدلة في القرآن الكريم على التوحيد والمعاد والنبوات حتى يشرب منها كل شخص بحسب توجهه وقدرته العقلية.

فقد قال تعالى في إثبات التوحيد والرد على الوثنية الشركية:{ أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ } (الأنبياء:21ـ24)

وفي موضع آخر قال:{ قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً } (الإسراء:42)

وفي موضع آخر قال:{ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } (المؤمنون:91)

ولما لم يُجدِ الدليل العلمي العقلي على بطلان مُدَّعَاهم، أتاهم بأدلة حسية مادية من الواقع تثبت بطلان ألوهية الأصنام، فقال:{ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً } (الفرقان:3)، وقال:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} (الحج:73)

وبناء على هذا المنهج القرآني في الحوار حاولنا أن نجمع أكبر قدر من الردود العلمية، ونبسطها، ليستفيد منها عوام القراء وخواصهم، فمثل هذه القضايا المصيرية لا يصح أن تحبس في مدرجات الجامعات، أو في الدفاتر الأكاديمية المعقدة، بل عليها أن تصل إلى أكبر جمهور من الناس، حتى يستفيدوا منها لأنفسهم ـ أولا ـ بتحصينها من كل الشبهات التي تثار لزعزعة إيمانهم، ولتحويلهم ـ ثانيا ـ إلى دعاة إلى الله على بصيرة، يعرفون كيف يجادلون عن الحقيقة، وكيف يحتجون لها، وكيف يضمنون الانتصار فيها.

وبناء على هذا المنهج التبسيطي حاولنا أن نضع الأدلة على شكل عناوين واضحة وبسيطة، بحيث يمكن استعمالها جميعا، أو استعمال آحادها، بحسب الظرف المناسب.

وننبه إلى أننا لا نقصد بالمناظرة هنا المناظرة الشفاهية فقط، والتي تقام لها المجالس الخاصة، وإنما نقصد بها طرح مثل هذه الأدلة، ومواجهة المخالف لها، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، عبر كل الوسائل، وخصوصا وسائل التواصل الاجتماعي التي تحول الكثير منها إلى وسيلة لزعزعة الإيمان، وزرع الفتن، والدعوة إلى التخلص من كل القيم.

ولذلك فإن الداعي إلى الله على بصيرة يمكنه أن ينقل ما شاء من الشبه، وينقل معها الردود عليها مبسطة مختصرة، أو معقدة مفصلة، ليستفيد منها من وصلته الشبهة، ولم يتمكن من الرد عليها، ولتكون جوابا استباقيا للملحد الذي طرحها، وحاول أن يزعزع بها إيمان المؤمنين، وبذلك ترتد عليه حجته، ويصيبه البهت الذي أصاب الملك بجواب إبراهيم عليه السلام.

ولعله يكون سببا لهدايته وتحويله من جند الشيطان إلى جند الإيمان، كما حصل لأنتوني فلو، ذلك الذي كان يُصنف ضمن أشرس دعاة الإلحاد، بل ألف أكثر من ثلاثين كتابًا تدور حوله، لكنه استطاع أن يتراجع عن كل ذلك، وفي مرحلة متقدمة من عمره، ويؤلف كتابه الذي رد به على جميع كتبه، والذي سماه [هنالك إله].. وقد تعرض بسببه لحملة تشهير ضخمة من المواقع الإلحادية في العالم، بل أزاحوا عنه كل تلك النياشين التي علقوها له بسبب وحيد، وهو اختياره الإيمان.

ولذلك فإن المناظر الذي نتحدث معه في هذا الكتاب هو ذلك المناظر الهادئ صاحب القلب الطيب، والذي لا يستعجل، ولا يصيبه الغرور والكبرياء، بل هو يتأسى في حواره أو مناظرته بالأنبياء وورثتهم عليهم السلام.. فالحق يبلغ إلى العقول كالنسيم العليل، لا كالريح العاصف.

وقد أخبرنا القرآن الكريم عن نوح عليه السلام، وكيف حاور ابنه في ذلك الوقت الحرج، بكل هدوء ولطف وأدب، فقد خاطبه بالبنوة مع كونه كان كافرا معاندا، قال تعالى:{ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} (هود:42)

وأخبرنا عنه قبل ذلك وكيف تعامل مع قومه بكل هدء، مع أنه مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله، فيقابلونه بكل أنواع السخرية، فلا يستسلم لسخريتهم بل يظل يحاورهم بهدوء محير، قال تعالى:{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ } (هود: 25 ـ 27)

فقد خاطبهم عليه السلام بكل أدب واحترام وهدوء، وبين لهم حبه لهم، والذي دعاه إلى الحرص عليهم والخوف على أن يصبيهم عذاب الله، ولكنهم واجهوه بالاحتقار والتكذيب والسخرية.

لكنه عليه السلام لم ينه الحوار، ولم ينسحب من ساحاتهم، لأن ذلك هو مايريدونه أو ما تريده شياطينهم، بل واصل الحوار معهم من النقاط التي أرادوا إنهاء العملية الحوارية عندها، قال تعالى على لسان نوح عليه السلام في حواره مع قومه:{ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْراً اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ } (هود: 28 ـ 31)

فقد اعتبر نوح عليه السلام ما واجهه قومه به من الاستهزاء والسخرية شبهة تحتاج إلى إجابة، فراح يجب عليها بكل ما أوتي من حجج، وهو مع ذلك لا يزال يخاطبهم بحميمية، يقول لهم:(ياقوم) ينسبهم إليه، وينسب نفسه إليهم، ويتلطف في توجيه أنظارهم، ولمس وجدانهم.

وبعد هذه الإجابات القوية الهادئة، وبعد يأس قوم نوح من مناهضة الحجة بالحجة؛ إذا هم يتركون الجدل إلى التحدي، ويحولون الحوار الهادئ إلى بركان غضب فائر { قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } (هود:32)

لكن نوحا عليه السلام لا يخرجه هذا التكذيب والتحدي عن سمت النبي الكريم، ولا يقعده عن بيان الحق لهم، وهي أنه ليس سوى رسول، وليس عليه إلا البلاغ، أما العذاب فمن أمر الله، وهو الذي يدبر الأمر كله، ويقدر المصلحة في تعجيل العذاب أو تأجيله، فيظل يكشف لهم عن الحق حتى اللحظة الأخيرة، لا يقعده عن إبلاغه وبيانه أن القوم يكذبونه ويتحدونه، قال تعالى:{ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (هود:33 ـ 34)

بل إن نوحا عليه السلام لم يتوقف عن الحوار حتى أوحي إليه بأن يتوقف واستيأس من إجابتهم، بل بقي في آخر لحظة يدعو ابنه إلى الله، قال تعالى:{ وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} (هود:36 ـ 37)

ومثله إبراهيم عليه السلام الذي ذكر القرآن الكريم حواره مع قريبه في منتهى الرقة، مقدما لكل كلمة يقولها بـ { يَا أَبَتِ } مراعاة لسنه وقرابته مع كونه لم يكن والده الحقيقي.. قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:{ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً} (مريم:42 ـ 45)

أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه رغم كثرة الأذى الذي تعرض له من أعدائه المختلفين من استهزاء وسخرية واتهام ورمي الأوساخ وتسليط الصبيان لرميه بالحجارة وغيرها لم يتخل عن الحوار الهادئ إلى آخر لحظة من لحظات دعوته، ولهذا كان من صفته صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب السابقة أنه صلى الله عليه وآله وسلم (ليس بفظ ولا غليظ ولا صخّاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح)([1])

وقد حكى القرآن الكريم بعض ما كان يمارسه الكفار من أساليب الهمجية في الحوار معه، فقال تعالى:{ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ} (صّ:7)

لكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يجيبهم بكل هدوء يطلب منهم إبداء الدليل على ما هم عليه من شرك، قال تعالى:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأرض أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (الأحقاف:4)، وقال تعالى:{ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ } (الأنعام:148)

وبناء على هذا يدعونا القرآن الكريم إلى التحلي بالهدوء مع المخالف، وعدم معاملته بنفس الطريقة التي يعاملنا بها، معتبرا ذلك من الإحسان الذي هو أرقى درجات العبودية، قال تعالى:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت:33 ـ 34)؛ فالآية الكريمة بينت أن النجاح في الأخير للهادئ المحسن الذي أمسك زمام أعصابه، وعرف كيف يتعامل مع خصمه ليكسبه إلى صفه.

ولهذا أمر تعالى بالحوار مع أهل الكتاب لا بالحسنى فقط، وإنما بالتي هي أحسن، قال تعالى:{ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (العنكبوت:46)

والسبب في كل ذلك هو تجنب الصخب وفوران الأعصاب الذي يحول دون تدبر الحق والإذعان له، لأن العقل المنشغل بالمخاصمة لا يستطيع أن يتدبر الحق ولا أن يذعن له، ولهذا قال تعالى:{ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} (سـبأ:46)، فاعتبر القرآن اتهام النبي بالجنون خاضعاً للجو الانفعالي العدائي لخصومه، لذلك دعاهم إلى الانفصال عن هذا الجو والتفكير بانفراد وهدوء.

ونحب أن نبين أننا نقصد بالملاحدة هنا كلا النوعين من الملاحدة: أصحاب الإلحاد السلبي، الذين يكتفون بطرح تشكيكات مجردة تبين عدم اقتناعهم الشخصي، أو العاطفي بالإيمان.. أو أصحاب الإلحاد الإيجابي الذين لا يكتفون بالتردد وعدم الاقتناع، وإنما يضيفون إليه محاولة البرهة على نفي وجود الخالق..

ويعتمد هؤلاء خصوصا أنواعا كثيرة من الطروحات، يمكن اختصارها في نوعين:

1 ـ طروحات فكرية وفلسفية: وهي عبارة عن مجموعة مغالطات عقلية تتعلق بعلاقة الدين بالتنوير، أو علاقته بالتحرر النفسي والاجتماعي، أو بإبطال مبدأ السببية، ونقض مبدأ الخلق، ومشكلة العدل والشر، واستحالة الوحي، ونقد الكتب المقدسة للأديان، واستحالة الحياة بعد الموت، أو إبطال مفهومه الديني بإثبات نظائر مغايرة له كالاستنساخ أو العودة للحياة، وغيرها من مشتقات البارسايكولوجيا.

2 ـ طروحات علمية: تحاول أن تستند للعلم الحديث بشتى فروعه، كعلوم الفضاء، والأحياء، والفيزياء، والكيمياء وغيرها لإثبات عدم حاجة الكون إلى خالق.

وبناء على هذا، وبناء على إحصائنا للشبه المختلفة التي يوردونها في هذا المجال، فقد قسمنا الكتاب إلى عشرة فصول، كل فصل تناول قضية من قضايا الإلحاد الكبرى، وهذا توضيح مختصر لها، ولمحتوياتها:

أولا ـ الإلحاد.. وبراهين الألوهية: وتناولت فيه ـ باختصار شديد ـ أهم ما يحتاج إليه المتصدي لمواجهة [الإلحاد] من فنون الحجج والبراهين الدالة على الله، بمختلف أصنافها، والتدرب على استعمالها، من دون تحيز لواحد منها، بناء على القاعدة المعروفة [لله طرائق بعدد الخلائق]، وقد لخصت فيه بعض ما ورد في كتابنا [الهاربون من جحيم الإلحاد]، والذي تناولت فيه بتفصيل كبير المناهج الكبرى التي استعملها العلماء والفلاسفة والمتكلمون من المدارس المختلفة للدلالة على وجود الله، مع ضرب الأمثلة عن البراهين المرتبطة بها، وتقريراتها المختلفة، مع تبسيط كل ذلك وتفصيله.

ثانيا ـ الإلحاد.. والمغالطات العقلية: وتناولت فيه تلك الطرق الملتوية المبنية على المغالطات بمختلف أنواعها، والتي يمارسها الملاحدة كما مارسها السفسطائية من قبلهم.. ولا يختلفون عن سلفهم من السفسطائية في شيء، حتى أن منهم من ينكر وجود الكون، ومنهم من ينكر المدارك الحسية، ومنهم من ينكر القوانين العقلية المعروفة بالبداهة كقانون العلية والدور والتسلسل وغيرها.

ثالثا ـ الإلحاد.. والمغالطات العلمية: وتناولت فيه بالأدلة الكثيرة ضحالة المنهج العلمي الذي يعتمدونه؛ فهو منهج مبني على المغالطات والمصادرة على المطلوب، واستعمال الحيل المختلفة لمواجهة الإيمان والدعاة إليه.

رابعا ـ الإلحاد.. وخلق الكون: وتناولت فيه تلك النظريات المفسرة لنشأة الكون وتصميمه البديع، والتي نجدها في المصادر الإلحادية كسند يعتمدون عليه ويغالطون به عوام الناس، مع أنه ليس لها أي حظ علمي عند المتخصصين، فهي لم تجرب، بل يستحيل تجريب أكثرها، وهي عبارة عن ميتافيزياء، وليست فيزياء، ولذلك لا يصح اعتبارها سندا علميا.

خامسا ـ الإلحاد.. وخلق الحياة: وتناولت فيه الإشكالات التي واجهها الملاحدة عند تفسير ظاهرة الحياة التي يرونها على الأرض، والتي لا تنسجم مع كل التفسيرات المادية، ذلك أن الحياة فوق المادة، وهي معقدة تعقيدا خطيرا لا يمكن وصفه.

سادسا ـ الإلحاد.. والتحرر النفسي: وتناولت فيه الدور النفسي في التوجه للإلحاد؛ فالملحد لا يلحد لكون أدلة الإيمان لم تقنعه، أو لكونه يحمل أدلة الإلحاد، وإنما لشعوره بأن للإيمان أثره الكبير على حياته وسلوكه وعلاقاته، ويرى أن وجود الله سيحد من وجوده، ولذلك يلجأ إلى إعدم الله حتى يظل موجودا، وبينت فيه أن الإيمان لا يتناقض مع التحرر النفسي، بل هو يدعمه، ويضيف للمعاني الإنسانية معاني كثيرة يحرم منها الملحد.

سابعا ـ الإلحاد.. والقيم الحضارية: وتناولت فيه تلك الدعوى الخطيرة في اعتبار الإيمان بالله عقبة دون تحقيق القيم الحضارية.. وقد بينت فيه أن الإيمان دافع كبير من دوافع الحضارة، وليس سببا في التخلف، وما يرتبط بالتخلف من دين هو من تحريفات رجال الدين، لا من دين الله الأصيل.

ثامنا ـ الإلحاد.. والقيم الإخلاقية: وتناولت فيه ـ بالأدلة الكثيرة ـ افتقار الإلحاد لأي منظومة أخلاقية، ذلك أنه يختصر الإنسان في كيانه البيولوجي، ولذلك لا يستطيع أن تفسر أي قيمة من القيم الخلقية، ولا يستطيع كذلك أن يوفر لأتباعه أي حافز يدفعهم للسلوك الأخلاقي، وخاصة إن كان يحمل معاني التضحية والإيثار والبذل، في مقابل الإيمان بالله الذي يوفر كل ذلك.

تاسعا ـ الإلحاد.. ومعضلة الشر: وتناولت فيه هذه المعضلة التي تعتبر من أكثر الشبهات الإلحادية تداولا منذ القديم، وإلى عصرنا الحاضر، بل إنهم يعتبرونها البرهان الأكبر، على نفي وجود الله.. وقد تناولنا هذه المعضلة بتقريراتها المختلفة، وذكرنا صنوف الإجابة عنها.. سواء ما كان منها علميا تحقيقيا، أو ما كان منها إلزاميا جدليا، مع بيان الإجابات التي نرى عدم صلاحيتها أو وفائها بالإجابة على هذه المعضلة الخطيرة.

عاشرا ـ الإلحاد.. والإشكالات الدينية: وتناولت فيه الانتقادات المتعلقة بالتفسيرات الإلحادية لمصدر الدين، والعوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية المؤثرة فيه، وبينت مدى القوة التي تحملها التفسيرات الإيمانية.

وأنبه في الأخير إلى أنه لحساسية الموضوع، وأهميته، وعدم شغل القارئ بكثرة التهميشات والتفاصيل المرتبطة بها، فقد ذكرت في مقدمة كل عنوان المرجع أو المراجع التي اعتمدت عليها، والتي تشمل ذلك العنوان جميعا.. ومن يشاء تفاصيل التوثيقات، فإنه يمكنه الرجوع للمصدر الذي بينت استفادتي منه في ذلك العنوان، إلا إذا اقتضى المقام ذكر التوثيقات المفصلة، فحينها أذكرها.

مع العلم أن المادة العلمية المرتبطة بالكثير مما ذكرته موجودة في الكتب والمواقع المختلفة، لكن ميزة هذا الكتاب هو جمعها في محل واحد، وتصنيفها بطريقة خاصة، وتهذيبها وتبسيطها واختصارها ليستفيد منها أكثر الناس، لا الأكاديميون وحدهم.


([1])  رواه أحمد (2/174) (6622)، والبخاري (3/87)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *