المقدمة

مقدمة السلسلة

تحاول هذه السلسلة المعنونة بـ [الإلحاد.. والدجل] مواجهة الموجة الإلحادية الجديدة التي تكتسح مجتمعاتنا الإسلامية خصوصا، والمجتمعات الإنسانية عموما، لتحقق مشروع الشيطان الأكبر: صرف الإنسان عن الله، وصرفه بعد ذلك عن كل القيم الإنسانية والدينية الرفيعة، والانحدار به في هاوية [أسفل سافلين]، حيث يفقد الإنسان إنسانيته، ويفقد معها قيمه وكرامته، وينضم بعدها إلى معسكر الشياطين.

وقد استثمر هذا الإلحاد الجديد الدجل الديني الذي وقع فيه أصحاب الأديان، وخصوصا المسلمين في عصرنا، من إعطائهم صورا مشوهة للدين تمتلئ بالتطرف والعنف والإرهاب وكل القيم الشيطانية، كما استغل سلفهم من ملاحدة التنويريين أخطاء الكنيسة ودجلها وانحرافها عن رسالتها المثالية الرفيعة، لتصبح دين خرافة وإقطاع واستبداد.

وقد رأينا أنه لا يمكن لأحد من الناس أن يواجه هذين النوعين من الإلحاد [التنويري والجديد] من دون أن يعترف بوجود الدجل الديني، فلا يمكن لمن يظل محتفظا بالخرافات والضلالات المتسربة للدين أن يواجه الحقائق العلمية والعقلية التي يدل عليها كل شيئا.

ولذلك كتبنا سلسلة [الدين.. والدجل] قبل أن نكتب هذه السلسلة الجديدة، لنحطم بذلك أكبر الأسس التي تقوم عليها البراهين الإلحادية، والمعتمدة على نقد التراث الديني، واستغلال أخطائه وضلالاته ودجله، ولكي لا نلتزم بكل ما يريد دعاة الإلحاد التنويري أو الجديد من إلزامنا به، فدين الله أعظم من أن يمثله البشر، وإنما يدل على نفسه بنفسه من خلال مصادره المقدسة.

وبما أن هذا النوع من الإلحاد لا يكتفي باللغة الفلسفية أو العلمية، وإنما يستعمل كل الوسائل والأساليب ليصل لعوام الناس وخواصهم، فهو يستعمل اللغة الأدبية في رواياته وقصصه القصيرة والطويلة، ليصل إلى الجماهير العريضة من الناس، كما يستعمل الكتابة العلمية والأكاديمية ليصل إلى نخبة المثقفين، فإنه يلزم على من يريد أن يواجه هذه المنظومة الشاملة لأخطر أنواع الأسلحة أن يستعمل نفس أساليبها ووسائلها حتى يصل إلى عوام الناس ونخبتهم.

ولذلك استعملت هذه السلسلة كلا الأسلوبين: الأسلوب العلمي الذي يصف الواقع بدقة، ويرد عليه، والأسلوب الأدبي الذي يصف الواقع ببعض الرمزية ليقرب الصورة، ويحولها إلى واقع مشاهد بدل أن يكون واقعا مسموعا أو موصوفا.

وبما أن هذا النوع من الإلحاد لا يكتفي باللغة الجادة، وإنما يضم إليها الكثير من السخرية الممتلئة بالبذاءة والوقاحة مستثمرا الواقع الديني المزيف، فلا مناص لنا من أن نستعمل السخرية من باب المشاكلة، ولكنا نربأ بأنفسنا أن نقع في البذاءة التي يقع فيها، وإنما نستعمل السخرية التي نص عليها قوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}[هود: 38]

وهي سخرية ممتلئة الأدب، ومضمخة بعطر السلام، فلا نقصد منها إهانة لهؤلاء الملاحدة أو تحقيرا لهم، وإنما قصدنا منها أن ينتبهوا إلى أنفسهم، وما تريد بهم الشياطين.

وهكذا فإننا لا نريد من استعمال كلا اللغتين الجادة والساخرة سوى الخير لهؤلاء الضحايا المغرر بهم، فهم فريسة الجهل، وتعطيل العقل، كما هم فرائس للواقع الديني المزيف، ولو أنهم أبصروا الحقيقة الجميلة الصافية، لكانوا أول المدافعين عنها.

وبما أن هذا الإلحاد الجديد يستمد مصادره من الإلحاد التنويري ومن الصراع بين المتدينين، فهكذا سنفعل في مناقشتنا له من الاستفادة من كل المصادر التي تناقشه أو ترد عليه بلغة هادئة أو لغة قاسية.. مع فارق بسيط، وهو أننا لا نعتمد إلا الصدق والحقيقة، فالغاية لا تبرر الوسيلة.

ولذلك سيرى القارئ الكريم أننا نستفيد من الكثير من المراجع التي اهتمت بنقد الإلحاد، بغض النظر عن الجهة التي أصدرتها.. فهي جميعا مراجع لها قيمتها العلمية، ويشكر أصحابها عليها، ونحن نعتبرهم شركاءنا في الحرب على هذا الدجل الخطير الذي يريد أن يقضي على كل القيم الإنسانية، فالإلحاد مقدمة لانهيار الإنسانية.

ولا ينبغي للمسلم العارف بدينه أن تضيق نفسه بهذا، فالله تعالى أخبرنا أن هناك الكثير من القواسم المشتركة بيننا وبين أهل الكتاب، كما قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46]

ولكن ذلك لا يمنعنا من نقد الدجل الديني الذي وقع فيه بعض رجال الأديان المختلفة، والذي كان سببا من أسباب الإلحاد، مثلما نقدنا الدجل الديني الذي وقع فيه بعض المسلمين.

وفي الأخير قد يعتبر البعض البحث في هذا نوعا من الترف العقلي الذي لا مبرر له، وأن المسلمين بخير، ولا يحتاجون لمثل هذا الأبحاث، وقائل هذا لا يعرف الواقع، وليس له تفكير استشرافي مستقبلي ليعرف ما يراد بالمسلمين.

فمعسكر الاستكبار العالمي الذين استثمر جهل المسلمين ليغزو أرضهم، ويسرق خيراتهم، هو نفسه الذي لا يزال يخطط، لا للعودة من جديد، وإنما لتحويل المسلمين إلى خدم مسخرين لخدمته، ولا يتمكن من ذلك إلا إذا استأصل منهم إنسانيتهم، ولن يتاح له ذلك إلا إذا استأصل منهم عقيدتهم.. وأول عقائدهم إيمانهم بالله.

ونحب أن ننبه في مقدمة هذه السلسلة كما نبهنا في مقدمة سلسلة [الدين.. والدجل] إلى أن هدفنا منها هو النصيحة الصادقة المخلصة التي لا تتضمن أي نوع من العداوة أو الحقد، فنحن نعتقد أن هؤلاء الملاحدة إخواننا في الإنسانية، وأنه يجب علينا جميعا أن نبحث عن الحقيقة، وأن نسلك في حياتنا ما تدعو إليه من غير أن يشنع بعضنا على بعض، أو يلغي بعضنا بعضا.

مقدمة الكتاب

من الأساليب التي يستعملها الملاحدة قديما وحديثا في مناقشاتهم مع المؤمنين من أهل الأديان المختلفة، ما يطلق عليه (الشخصنة)([1])، وهي التركيز على الأشخاص بدل الحقائق، على الرغم من نقدهم الشديد لما يسمونه التيارات السلفية والراديكالية والأصولية، وعلى الرغم من تبجحهم بكونهم من أهل العلم والحقيقة والعقل.

إلا أننا عندما نستقرئ كتاباتهم نجد ذلك التضخيم المبالغ فيه لكل ملحد مهما كانت رتبته من الثقافة والفكر.. فهو عندهم عبقري ما دام قد صرح بالإلحاد.. وهو عندهم أبله وغبي ورجعي ما دام محافظا على إيمانه.. بغض النظر عن طروحاته التي يطرحها.

وكمثال على ذلك موقفهم من الملحد العربي [عبد الله القصيمي]، فهو مع كونه قبل إلحاده كان أصوليا سلفيا متطرفا، كتب يدافع عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب والطروحات السلفية المتشددة، ويشن هجوماته على المخالفين لهم، إلا أنه وبمجرد تصريحه بإلحاده تحول عندهم إلى رمز للعبقرية والتفكير المنطقي.

وهكذا نراهم يضخمون [إسماعيل مظهر] ذلك الشاب البسيط الذي لم يخلف أي ثروة علمية، ولا أي إنتاج فكري، لسبب بسيط، هو تأليفه لرسالة هزيلة لا تمت بصلة للفلسفة ولا للعلم عنونها بـ [لماذا أنا ملحد]، وتراهم يستعملون كل الوسائل للدفاع عنه، وعن كونه لم ينتحر، بل يتهمون المؤمنين بقتله من غير بينة ولا دليل.

وهكذا نراهم يمجدون الحداثيين، لا لشيء، وإنما لموقفهم المتشدد من الدين، ومن مصادره المقدسة، على الرغم من أن هؤلاء الذين يمجدونهم لم يقدموا أي بديل لأطروحاتهم إلا البديل الذي تلقفوه من الغرب، ومن الأساتذة الذين تتلمذوا عليهم.

ونفس الشيء نجده في موقفهم من العلماء من غير العرب.. فهم يمجدون الملاحدة منهم، ويحتقرون المؤمنين حتى لو كانوا من أصحاب تخصص واحد، ومدرسة واحدة.

ومن الأمثلة على ذلك أنهم يقدمون كل أساتذة نظرية التطور من الملاحدة على نفس القائلين بهذه النظرية من غيرهم حتى لو كان دارون نفسه([2]).. فهم يشيدون بالعالم الألماني [أرنست هايكل]، لا بسبب دقته العلمية، وإنجازاته في هذا المجال([3])، وإنما بسبب تصريحه بالإلحاد، ولهذا نراهم يرددون كل حين اعتباره أن أصل الحياة هو [المونيرا] التي تركبت اتفاقا من الأزوت والهيدروجين والأكسجين، ومنها تكونت الحياة.. ويرددون معها قوله: (ائتوني بالهواء وبالماء وبالأجزاء الكيماوية وبالوقت وسأخلق الإنسان)([4])

وهكذا نراهم يمجدون كاهن الإلحاد الأكبر في العصر الحديث [ريتشارد دوكينز] الذي راح يحول من نظرية دارون من مجرد كونها محاولة لفهم سر نشأة الحياة وتعدد أنواعها إلى نظرية فلسفية تحاول أن تزيح الله من إيجاد الحياة، بل من إيجاد كل شيء.

ولذلك نجد كتب دوكينز تحظى من الشهرة والانتشار بين الملاحدة ما لا تحظى به كتب أعلام نظرية التطور الكبار أنفسهم، ونحسب أنه لولا امتطاؤه لهذه النظرية واستثمار لها في الدعوة للإلحاد ما كانت له هذه الشهرة، ولا المقروئية.

وهكذا نجدهم في تعاملهم مع أعلام الفيزياء الحديثة، والتي صرح كبار أعلامها بإيمانهم بالله، بل ألفوا في ذلك المؤلفات.. لكن مرض الشخصنة الذي أصيب به دعاة الإلحاد الجديد جعلهم يغفلون عن هؤلاء، وعن غيرهم كثير، ويركزون على ستيفن هوكينج الذي يحاول الملاحدة أن يلغوا به كل الفيزيائيين التقليديين والمحدثين، كما عبر عن ذلك الملحد التطوري [ريتشارد دوكينز] بقوله: (لقد طرد دارون الإله من البيولوجيا، ولكن الوضع في الفيزياء بقي أقل وضوحاً، ويُسدد هوكينج الضربة القاضية الآن!!)

وقد عبر [هوكينج] عن هذا الدور الذي وكل إليه في نشر الإلحاد باسم الفيزياء بقوله: (تماما مثلما فسر دارون ووالاس كيف أن التصاميم المعجزة المظهر في الكائنات الحية من الممكن أن تظهر بدون تدخل قوة عظمى، فمبدأ الأكوان المتعددة من الممكن أن يفسر دقة القوانين الفيزيائية بدون الحاجة لوجود خالق سخر لنا الكون، فبسبب قانون الجاذبية فالكون يستطيع ويمكنه أن يُنشيء نفسه من اللاشيء، فالخلق الذاتي هو سبب أن هناك شيء بدلا من لاشيء، ويفسر لنا لماذا الكون موجود، وكذلك نحن)([5])

انطلاقا من هذه الشخصنة التي يعالج بها الملاحدة أخطر قضية في الوجود [وجود الله]، يحاول هذا الكتاب، وهو مقدمة هذه السلسلة، أن يحطم هذه الأسطورة عبر مناقشته لأطروحات كبار الشخصيات التي يتبناها الملاحدة، ويدافعون عنها، ويعتبرونها نماذج للتفكير المنطقي، والبحث العلمي، ونحن لا ننكر أن يكون لتلك الشخصيات إسهاماتها في البحث العلمي، ولا كونها تفكر تفكيرا منطقيا في الكثير من القضايا، ولكنا ننكر اعتماد الشخصنة بدل اعتماد البحث العلمي والعقلي في كل القضايا، وخاصة في هذه القضية الخطيرة.

وبما أن الملاحدة الجدد يعرضون أمثال هذه الشخصيات وعليها الكثير من تيجان الوقار والانبهار، وبلغة تصل للعام والخاص، فقد حاولنا في هذا الكتاب أن نستعمل نفس الأسلوب، ونعرض هذه الشخصيات بطريقة مبسطة سهلة لتصل إلى عوام الناس وخواصهم.

وحتى لا تكون ردودنا قاسية أو تحمل أي إساءة لأشخاص هؤلاء الملاحدة والمتعلقين بهم، فقد اعتمدنا منهج الاعتراف والإقرار، أي أننا حاولنا أن نستنطق الفطرة التي جبل عليها كل خلق الله بما فيهم الملاحدة أنفسهم، ليقوم الملاحدة أنفسهم بذكر أخطائهم والرد عليها بعد اكتشافهم للحقيقة، كما قال تعالى معبرا عن حال الكفار بعد معاينهم للحقائق: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27 ـ 29]

ولهذا فإن هذه الرواية الحوارية محاولة لاستنطاق أصوات الفطرة التي لم يستطع كبار ملاحدة التاريخ أن ينطقوا بها، أو يسجلوها في كتبهم، أو يسجلها التاريخ عنهم.. بينما كل شيء يدل عليها، فالإنسان مهما انحرف عن فطرته، فسيبقى فيه ما يصرخ بالحقيقة التي يغض طرفه عنها.

وقد استلهمنا هذه الأحاديث من تلك الصرخة التي صرخها فرعون الطاغية المستبد الذي كان يجاهر كل حين بمعارضته لربه، وتكذيبه به.. لكنه في اللحظة التي تنكشف فيها الحقائق راح يصرخ بالاعتراف بالله، والإذعان له.. وهذا يدل على أنه كان في قرارة نفسه يعترف بالله، ولكن كبرياءه حال بينه وبين الإذعان له، كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]

وهكذا يحكي لنا القرآن الكريم قصص أولئك المشركين الذين يقرون بالله، ويخلصون له، ويتخلصون من كل الأوثان التي تحول بينهم وبينه في ساعات الشدة والضيق، قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إلى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]

وجمعنا بين المشركين والملحدين في محل واحد ليس غريبا، ولا مستبعدا، فالملحد ليس سوى مشرك، أشرك الطبيعة بالله، ونسب الصنعة لغير أهلها، ونسب التدبير لغير أهله.. فلذلك كانت آيات الرد على المشركين هي نفسها آيات الرد على الملحدين.. فالمشرك الذي نسب الكون لصنم لا عقل له ولا تدبير، لا يختلف عن الملحد الذي ينسب الكون للطبيعة العمياء الصماء البكماء التي لا عقل لها ولا تدبير.

وقد اخترنا لتحقيق هذا الغرض سبعة أصناف من المدارس التي تضم كبار الملاحدة في التاريخ، غير مراعين في اختيار الشخصيات البعد الزماني، وهي:

التنويريون: ونقصد بهم أعلام التنوير في عصر النهضة الأوروبية، والذين اكتفى بعضهم بإبداء موقف سلبي من الكنيسة والمسيحية، بينما ذهب آخرون إلى إلغاء الأديان جميعا، بل صرح الكثير منهم بالإلحاد.. وقد ناقشنا في هذا الفصل استثمار الملاحدة لأخطاء المتدينين في الدعوة للإلحاد، أو كون الدين المزيف سببا في ظهور الإلحاد، وحاولنا أن نثبت عدم علاقة الإيمان ولا الإلحاد بالتنوير.. وأن كليهما يمكن أن يساهم في التنوير، أو يساهم في الظلامية.

الوجوديون: ونقصد بهم أعلام المدرسة الوجودية، وهي المدرسة التي تدعو إلى الحرية التامة في التفكير بدون قيود، وتؤكد على تفرد الإنسان، وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار، ولا يحتاج إلى موجه خارجي، وبالتالي لا يحتاج إلى إله.. ومع علمنا بكون الوجودية ذات تيارات مختلفة منها ما هو ملحد، ومنها ما لا علاقة له بالإلحاد، إلا أننا هنا ركزنا على الملاحدة خصوصا، وعلى العلاقة بين الأخلاق والإلحاد.

الحسيون: ونقصد بهم أعلام المدرسة الوضعية ودعاة المنهج التجريبي الذين طالبوا بالتعامل مع الحقائق الدينية بأساليب المنهج التجريبي المادي.

العبثيون: ونقصد بهم أعلام المدرسة العبثية، والتي تتصور الحياة بصورة ممتلئة بالعبث واللامعنى، وهي لذلك لا ترى أي مضمون حقيقي وراء السلوك الإنساني، بل وراء الحياة نفسها.. وقد ناقشنا من خلالهم التصورات الإلحادية للحياة، وعبثيتها، لنبين من خلال ذلك قيمة الإيمان ومدى فاعليته في الحياة.

المصارعون: ونقصد بهم أعلام المادية الديالكتيكية، وهي التفسير المادي الجدلي للمادة وللظواهر الطبيعية.. وقد ناقشنا من خلالهم هذه الطروحات، وبينا مدى ما تحمله من مصداقية علمية.

المتجبرون: ونقصد بهم أعلام العنصرية في التاريخ، والمرتبطين بالكثير من أعلام الملاحدة من أمثال نيتشة وسبنسر وهتلر وغيرهم.. وقد ناقشنا من خلالهم مدى الظلم الذي يلحق بالإنسان جراء الإلحاد، وإلغاء القيم الدينية والإنسانية.

الطبائعيون: ونقصد به علماء الفيزياء والبيولوجيا من أصحاب النظرة المادية والتفسير المادي للكون والحياة سواء كانوا من أعلام النظرة العلمية القديمة، أو النظرة العلمية الجديدة.. وقد ناقشنا من خلالها مدى دقة ما طرحوه من أفكار إلحادية.

ونحب أن ننبه إلى أن هذا العمل ـ مع اعتماده العلمية والعقلانية في طرح الأفكار ومناقشتها ـ إلا أنه من حيث الصياغة عمل فني، لا تراعى فيه الدقة في الوقائع التاريخية، فلذلك قد نضع بعض الشخصيات في أمكنة أو أزمنة لا علاقة لها بها من الناحية الواقعية، ذلك أن الهدف هو الفكرة، وليس الأحداث.

وبناء على هذا اعتمدنا الرمز وسيلة لطرح الكثير من الأفكار أو تقريبها، ومن أمثلة ذلك رمز [فندق الملاحدة]، والذي يمتلئ بكل ألوان الترف والزينة، لكن الملاحدة يحجبون عنه، ويعيشون حياة ممتلئة بالأسى، ومتوافقة مع ما اختاروه من مواقف.. وهو جزاء وفاق لحقيقة الملاحدة الذين تنعمت أجسادهم بزينة الحياة الدنيا، وشقيت أرواحهم بالانقطاع عن النعيم الحقيقي: نعيم التواصل مع الله.

ونحب أن ننبه أيضا إلى أننا في نقد بعض الطروحات العلمية نكتفي بالرد المجمل، لا المفصل، لأننا خصصنا كتبا خاصة بالرد المفصل على الطروحات الإلحادية المختلفة.. فهدف هذا الجزء هو التعريف بكبار مروجي الإلحاد، مع ذكر عوامل إلحادهم، والتعريف بطروحاتهم ومناقشتها مناقشة عامة لا تفصيلية.


([1])  تُعرّف الشخصنة على أنها الحكم على الآخرين، أو على أفكارهم، ووجهات نظرهم، وتصرفاتهم، من مُنطلق شخصيّ أو رؤية شخصيّة، ويُقال في اللغة العربية شَخْصَن الفكرة؛ أي شرحها من وجهة نظره الشخصيّة، أو أعطى الأمر صبغةً شخصيّة.

([2])  يقول العقاد: (أما داروين فلم يزعم قط أن ثبوت التطور ينفي وجود الله، ولم يقل قط أن التطور يفسر خلق الحياة، وغاية ما ذهب إليه أن التطور يفسر تعدد الأنواع الحيوانية والنباتية، وفي ختام كتابه عن أصل الأنواع يقول أن الأنواع ترجع في أصولها إلى بضعة أنواع تفرعت على جرثومة الحياة التي أنشأها الخلاق) [عقائد المفكرين في القرن العشرين، عباس محمود العقاد، ص54]

ثم ينقل عن شريكه في تأسيس نظرية التطور [والاس] من كتابه [عالم الحياة] متحدثا عن عقيدة داروين: (إنه على ما يظهر قد صار إلى نتيجة واحدة، وهي أن الكون لا يمكن أن يكون قد وجد بغير علة عاقلة، ولكن إدراك هذه العلة على أي وجه كامل يعلو على إدراك العقل البشري)

ثم عقب [والاس] عليه بقوله: (وإني لأولي هذه النظرة كل عطفي وشعوري، ولكنني مع هذا أرى أننا مستطيعون أن نلمح قبسا من القدرة التي تعمل في الطبيعة، يساعدنا على تذليل الصعوبة البالغة التي تحول دون العلم بحقيقة الخالق الأبدي الذي لا أول له ولا آخر)

([3]) اعتبر الكثير من العلماء المنتقدين لنظرية التطور هايكل بالخداع،.قد نشرت مجلة ساينس مقالاً للباحثة بنيسي عام 1997 بعنوان: (أجنّة هايكل: إعادة الكشف عن التزييف اتهمت فيها هايكل بالتضليل المتعمد وتزوير مراحل التطور الجنيني ( 1997)، وصرّحت المقالة بأن أعمال الباحث مايكل ريتشاردسون  قدّمت أدلةً واضحةً على تزوير هايكل من خلال مقارنة رسوماته للأجنّة في المراحل المبكرة مع صورٍ حديثةٍ لأجنّة نفس الأنواع في نفس المرحلة الجنينية)

([4]) العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإلحادية، فرج الله عبد الباري، ص77 بتصرف.

([5]) مختصر تاريخ الزمن، ستيفن هوكينج، ص 165.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *