القدم.. والحدوث

القدم.. والحدوث

كان أول موضوع طرحه المهتم بالشؤون العلمية في تلك البلدة هو موضوع [الكون بين القدم والحدوث]، وقد قال في تقديمه للموضوع: بما أن العلماء الوافدين من بلاد مختلفة متخصصون في الكونيات، فلا يصح أن نسألهم أو نتناقش معهم في غيرها.. فلكل مجال أهله.. ولكل علم رجاله.. وقد قال ربنا عز وجل: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } [الفرقان: 59]

ثم نظر إلى العلماء، وابتسم، وقال: اعذرونا.. فنحن لا نستطيع أن نتحدث في أي شيء دون أن نتبرك بكلام ربنا، ونستفيد من توجيهاته.. وليس عليكم حرج إن ضاقت نفوسكم من ذلك أن تنتقدونا كما تشاءون.. تحدثوا بكل حرية.. فنحن مع تمسكنا بإيماننا الذي تعتبرونه كلاسيكيا لا نحجر على أحد أن ينكر علينا أو ينتقدنا.. ولا نضيق منه إن سخر منا، أو هزأ بنا.

قال ذلك، ثم طلب من الحضور أن يسألوا، وألا يبتعدوا عن الموضوع، فقام أحد سكان البلدة، وقال: نرحب بهؤلاء الأفاضل، ونريد منهم أن يخبرونا عن الكون.. أو العوالم التي نراها أو لا نراها.. هل ترونها قديمة قدما أزليا، أي أنه لا بداية لها.. أم أنها محدثة.. ولها بداية تنطلق منها؟

التفت بعض العلماء إلى أصدقائه، ثم خاطبهم بلغته الإنجليزية هامسا، وهو يتوهم أنه لا يُفهم كلامه ولا يسمعه أحد إلا أصحابه، ولكني سمعته بدقة.. لقد قال لهم: هؤلاء قوم بسطاء، ولا يصح أن نخبرهم بالاكتشافات العلمية الحديثة، يكفي أن نبدأ معهم بالنظرة العلمية القديمة، فهي تتناسب معهم، وهي أيسر في تبليغ مرادنا.. لأن تلك النظرة تدعم الإلحاد أكثر من النظرة الجديدة.

ضحك آخر، وقال: هؤلاء لا يعرفون شيئا.. فسم لهم من شئت.. واذكر لهم من النظريات ما شئت.. يمكنك أن تبدأ معهم بما يقول ديمقريطس.. فهو يتناسب مع العقول التي يفكرون بها.. أنسيتم وصايا دوكينز لنا؟

قال آخر: اسكتوا.. لقد فضحتمونا.. دعوني أتدبر الأمر.

قال ذلك، ثم قام، وقال: شكرا جزيلا لسؤالكم المحترم، وجوابا عليه أقول: إن أحدث النظريات العلمية أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن هذا الكون قديم قدما أزليا.. أي أنه لا بداية لوجوده..

ومن العلماء الذين أكدوا هذا البروفيسور الأمريكي الكبير ديمقريطس.. الذي كان يود أن يحضر معنا.. لكن بعض الظروف منعته من ذلك.. لقد برهن هذا البروفيسور الكبير أنَّ العالم مكوَّن من عدد غير محدود من الذَّرات، يتحرك في فراغ لاحدود له.. وأن هذه الذَّرات جُسَيمات من المادَّة غير المرئية، وغير القابلة للانقسام، وغير مولّدة أو قابلة للاتلاف.. وتختلف عن بعضها في الحجم والشَّكل والوضع.. وكل شيء في هذا العالم مكوّن من مجموعة مختلفة عن غيرها من هذه الذَّرات، وقد جاء عالمنا من تركيب عَرَضي لهذه الذَّرات.. وبسبب وجود عدد غير محدود من الذَّرات، فقد وجدت عوالم أُخرى أَيضًا.. وذكر أيضا أنها قديمة أزلية لا بداية لها.. ولذلك فهي لا تحتاج أي علة لتخرجها من العدم إلى الوجود.. لوجودها بذاتها.

قال ذلك، ثم جلس، وهو يتصور أنه حل المشكلة، لكنه فوجئ بضحك كثير، وهمسات للحضور بعضهم لبعض.. ثم طلب بعضهم أن يتدخل، فأذن له، فقام، وقال مخاطبا الحضور: لا أظن إلا أن الأستاذ الكبير الذي أجاب عن السؤال لم يكن إلا مازحا.. فديمقريطس قد أكل على جثته الدهر وشرب، فقد ولد سنة 460 قبل الميلاد.. وتوفي سنة 370.. وهو بالإضافة إلى ذلك فيلسوف يوناني، وليس فيزيائيا أمريكيا.

شعر العالم الأول بحرج شديد، فقام صديقه، وقال: هذه معلومات بديهية.. وزميلنا يعرفها جيدا.. ولكنه خفيف الدم، يستعمل المزاح في محله وغير محله.

قال له الرجل: فأجب أنت عن سؤالي.

لم يدر ما يقول، لكنه راح يقع في خطأ زميله لتوهمه أن هؤلاء وإن عرفوا ديمقريطس، فلن يعرفوا غيره، فقال: كما قال زميلنا، فإن قدم العالم وأزليته ثابتة علميا، وقد برهنت عليها كل الأدلة.

قال له الرجل: سم لنا عالما قال بذلك.

قال العالم: هم كثير جدا.. لا أذكرهم الآن بالضبط.. ولكن منهم.. الفيزيائي الكبير وليام شكسبير في كتابيه [هاملت]، و[ماكبث].. ودانتي أليغييري في كتابه [الكوميديا الإلهية].. وغيرهما كثير.

ارتفعت أصوات الضحك في الساحة، وقام صبي صغير، وقال: ما بك يا عم.. أتريد أنت أيضا أن تحتال علينا.. فوليام شكسبير، كاتب مسرحي إنجليزي، وليس فيزيائيا، ولا فلكيا.. وكتابه [هاملت] ليس سوى مسرحية تراجيدية، وليس كتابا علميا.. وهو يحكي قصة أمير الدنمارك هاملت الذي يظهر له أبوه الملك، ويطلب منه الانتقام لمقتله.. إلى آخر المسرحية والتي ينجح فيها هاملت في قتل جميع أفراد العائلة المسببة لمقتل أبيه، ويصاب بعد ذلك في جرح قاتل من خلال سيف مسموم جدا.

أما [ماكبث]، فهي أيضا مسرحية تراجيدية، وتدور أحداثها عن القائد الاسكتلندي ماكبث الذي يقتل ملكه دنكن ليحتل مكانه على العرش، ويصبح ملكا لاسكتلندة، وهي أقصر مسرحيات شكسبير.

قال صبي آخر: أما [الكوميديا الإلهية] التي ذكرتها، فهي شعر ملحمي ألفه دانتي أليغييري.. وهي تحاول أن تصور الآخرة، وتحتوي على فلسفة القرون الوسطى كما تطورت في الكنيسة الغربية.

***

التفت العلماء إلى بعضهم بعضا، وقد أصيبوا بحيرة شديدة، فقام أحدهم، وقال: دعوني سأحل المشكلة.. هذا كله من تسرعكم، وعدم اتباعكم لنصائح أساتذتنا.

قام، وقال: اعذرونا.. فهذه عادة زملائنا.. دائما يخلطون الجد بالهزل.. لهذا سأحدثكم أنا عن كبار الفيزيائيين الذي قالوا بقدم العالم، وأثبتوه بكل الأدلة..

لا يمكنني أن أذكر في هذا المجلس كل من يقول بذلك، فذلك مستحيل، ولهذ سأكتفي بأستاذ الجميع، وأكثرهم شهرة [پيير سيمون لاپلاس] ذلك العبقري الذي كان رياضياً وفلكياً فرنسياً صاحب أعمال كثيرة محورية في تطور علم الفلك الرياضي.. والذي لخـّص ووسـّع أعمال في كتابه (الميكانيكا السماوية).. كما قام بإعادة صياغة وتطوير الافتراض السديمي عن أصل المجموعة الشمسية، وكان من أوائل العلماء الذين افترضوا وجود الثقوب السوداء وفكرة إنهيار الجاذبية.

لقد كان الإنجاز الكبير الذي قدمه هذا العبقري للعلم والإيمان معا هو أنه اضطلع بمهمة خطيرة، وهي اختزال الكون كله في نسق رياضي واحد، بتطبيق نظرية الجاذبية النيوتينية على جميع الأجرام والظواهر السماوية.. وبذلك أكمل ما تركه نيوتن من الوضع القلق للكون حين ظن أنه عرضة لشذوذات تتصاعد أحياناً، بحيث يلزم أن يتدخل الله من حين إلى آخر ليقوّمه من جديد.. وذلك ما لم يقنع الكثير من العلماءالمتنورين الذي يرون بأن الكون عبارة عن جهاز آلي لا دخل لأي يد خارجية فيه..

وقد استطاع لابلاس بإنجازه العلمي الضخم أن يحقق هذا، فأثبت أن الاختلافات في متوسط أبعاد كل كوكب من الشمس تخضع لصياغة رياضية مضبوطة، تقريباً، فهي إذن دورية وميكانيكية.

ولذلك اختارته أكاديمية العلوم بفضل بحثه هذا عضواً ملحقاً بها، وهو بعد في الرابعة والعشرين من عمره.. ومن ذلك التاريخ كرس لابلاس حياته، لاختزال عمليات الكون واحدة تلو الأخرى إلى معادلات رياضية.. وقد كتب يقول في ذلك: (إن كل تأثيرات الطبيعة ليست سوى نتائج رياضية لعدد قليل من القوانين الثابتة)

كان يتحدث بتأثر شديد في انتظار انسجام الحضور معه ليلقي بقنبلته الإلحادية، وعندما رأى الصمت التام، والانسجام الكامل مع حديثه راح يمهد لها بقوله: لقد كتب في كتابه [عرض لنظام العالم] مقدمة مبسطة غير ميكانيكية لآرائه، جسد فيها نظريته الشهيرة عن أصل المجموعة الشمسية.. وفسر بها دوران الكواكب حول محاورها وحول الشمس، ودوران أقمارها، بافتراض وجود سديم أزلي من الغازات الحارة، أو غيرها من الذرات الدقيقة، يغلف الشمس ويمتد إلى آخر أطراف المجموعة الشمسية.. وقد برد هذا السديم الدائر مع الشمس شيئاً فشيئاً، وانكمش مكوناً حلقات ربما كانت شبيهة بالحلقات التي ترى الآن حول زحل.. فلما ازدادت البرودة والانكماش تكاثفت هذه الحلقات فكونت كواكب، وبمثل هذه الطريقة كونت الكواكب أقمارها؛ ولعل تكاثفاً شبيهاً بهذا السدم كون النجوم.

سكت قليلا، ليتفرس في وجوه الجمهور المحيط به، ليلقي القنبلة الإلحادية الأولى، فلما رآهما منسجمة مع حديثه، ولم تبد أي اعتراض، راح يقول: من المشاهد المهمة التي يغفل عنها الكثير في حياة لابلاس.. ذلك العبقري العظيم.. هو أنه عندما أهدى نسخة من كتابه (حركة الأجرام السماوية) إلى الإمبراطور نابليون بونابرت، سأله الأخير عن سبب إغفال ذكر الإله في كتابه الرياضي، فأجابه (سيدي، لست بحاجة لهذه الفرضية)

قال ذلك، ثم جلس، وصفق له أصدقاؤه الذين تصوروا أنه قد استطاع بذكائه أن يخلصهم، وأن يوصل الرسالة بكل دقة وموضوعية من غير أن يوسط لا شكسبير ولا دانتي ولا ديمقريطس.

لكنه ما إن جلس حتى طلب بعض أهل البلدة الحديث، وقال: ليسمح لي حضرة البروفيسور الكبير أن أذكر ملاحظة على كلمة قالها.. فقد ذكر [النظرية السديمية] كتفسير للمجموعة الشمسية، وأشاد بها، مع كونها غير مقبولة علميا الآن.. بل إن لابلاس نفسه لم يعرضها إلا في كتاب من كتبه الموجهة لعامة الناس، ولم يأخذها مأخذ الجد، بل إنه قال فيها وفي كثير غيرها: (هذه التكهنات حول تكون النجوم والمجموعة الشمسية.. أعرضها بكل التشكك الذي يجب أن توحي به جميع الأشياء التي ليست تنتجه للمشاهدة أو للحساب)

قام آخر، وقال: لدي ملاحظة أخرى ربما تكون أكثر أهمية، وهي أن نظرية لابلاس الرياضية لم تكن أصلا تستلزم البحث في وجود إله، فهو لم يستغنِ عن اللاهوت كما يقول [أوستن فارر].. بل إنه تعلّم كغيره من العلماء ألا يتدخلوا في الدين، وأن يلتزموا حدود تخصصهم.. ولذلك فإن نابليون لو سأل لابلاس من البداية: لماذا يوجد كون من أجرام مادية تتحرك وفقا لقوى الجاذبية التي تعبر عنها معادلاتك؟.. فعندئذ سيكون من الصعب أن يجيب بنفس جوابه السابق.

قال آخر: بالإضافة إلى ذلك، فإن لابلاس ذكر في كتابه [نظرية تحليلية للاحتمالات]، والذي ألفه عام (1812)، وهو الأساس لكل ما جد له بعد ذلك من أعمال: (إذا توخينا الدقة في التعبير قلنا: إن معرفتنا كلها تقريباً غير يقينية؛ وفي الأشياء التي نستطيع معرفتها يقيناً، حتى في العلوم الرياضية ذاتها، يقوم الاستنباط والقياس على الاحتمالات، وهما أهم السبل للكشف عن الحقيقة)

قال آخر: وهذا لا يعني أننا نحتقر أو لا نقدر الجهود العلمية التي قدمها، فقد كانت له إسهاماته المحترمة في ذلك.. فقد أنار كل فرع من فروع الفيزياء بـ (معادلات لابلاس) عن (الجهد) التي يسرت التأكد من شدة الطاقة، أو سرعة الحركة، في أي نقطة في ميدان خطوط القوة.. وحسب البيضية الديناميكية للأرض من تقلبات القمر التي كانت تعزي لشكل الكرة المفلطح، ووضع نظرية تحليلية للمد والجزر، واستنبط كتلة القمر من ظواهرها. وابتكر طريقة محسنة لتحديد مدار المذنبات؛ واكتشف العلاقات العددية بين حركات أقمار المشتري.. وحسب بدقته المعهودة السرعة (القرنية) المتوسطة لحركة القمر.. وأرست دراساته للقمر الأساس للجداول المحسنة لحركات القمر، التي وضعها تلميذه جان شارل بوركهارت عام 1812م.

قام آخر، وقال: تتمة لما ذكره البروفيسور الفاضل من حوار لابلاس مع نابليون، فقد ذكر العالم الفرنسي [لاغرانج] أن الامبراطور عندما سئل بعد لقائه مع لابلاس عن موقفه من كلمته، فقال: (لكنها فرضية جميلة جدا تفسر الكثير من الأشياء)

وقد ذكر المؤرخون كذلك أن نابليون عند رجوعه من معركته التي انهارت فيها قواته في ليبزيك ضد بروسيا والنمسا وحلفاء آخرين عام 1813 التقى بلابلاس، فرآه قد صار نحيفا، فقال له: (أرى أنك فقدت الكثير من الوزن)، فأجاب لابلاس: (نعم سيدي.. فقدنا ابنتنا صوفيا التي ماتت أثناء الولادة)، فقال الامبراطور ببرودة: (لكن هذا لا يفسر فقدان الوزن، أنت عالم رياضيات، لو وضعت فقدان ابنتك في المعادلة فهذا لا يفسرعلميا النقص في الوزن!)

لم يجد العلماء ما يقولون، فقد انبهروا بما سمعوا، ولم يكونوا يعلمون أن في تلك البلدة من يحمل مثل تلك العلوم، لكن أحدهم، قام، وقال: لاشك أنكم نسيتم جميعا أهم ما أنتجته عبقرية لابلاس، وهي ما يستند إليه الإيمان العلمي الجديد، وهي التي عبر عنها بقوله: (إن الفلك بحكم جلال موضوعه وكمال نظرياته، هو أبدع صرح من صروح الروح البشرية، وأنبل شهادة على الذكاء البشري.. فالإنسان الذي أضلته أنانيته وأوهام حواسه ظل طويلا يعتبر نفسه المركز في حركات النجوم، وقد لقي غروره الكاذب عقاباً من الأهوال التي أوحىت بها هذه النجوم..ثم ألقى بنفسه فوق كوكب لا يكاد يدرك حجمه في المجموعة الشمسية، وامتداده الشاسع ليس إلا نقطة تافهة في اتساع الفضاء.. والنتائج السامية التي قاده إليها هذا الكشف خليقة بأن تعزيه عن المرتبة التي وضعت فيها الأرض، لأنها تبصره بعظمته في كل ضآلة القاعدة التي يقيس منها النجوم.. فعليه أن يصون بعناية نتائج هذه العلوم السامية التي هي بهجة للكائنات المفكرة، وأن يوسع رقعتها. وقد أدت تلك العلوم خدمات جلية للملاحة والجغرافيا، ولكن بركتها الكبرى هي تبديد المخاوف التي سببتها الظاهر الفلكية والقضاء على الأخطاء المنبعثة من الجهل بعلاقتنا الصحيحة بالطبيعة وتلك أخطاء ومخاوف ستنبعث من جديد إذا قدر لمشعل العلم يوماً ما أن ينطفئ)

قام بعض الحاضرين، وقال: المتأمل في كلامه يجد أن كل ما ذكره أو أكثره لا يتعارض مع الإيمان بالله.. فما ذكره من تبديد العلم للمخاوف التي لا مبرر لها من الظواهر الكونية صحيح.. وقد أشار كتابنا المقدس إلى الكثير من تلك الظواهر باعتبارها من تصريفات الله وتدبيراته لخلقه.

ومثل ذلك ذكره لضخامة الكون واتساعه، فهو صحيح.. بل إن ما ثبت بعده أكبر بكثير مما ثبت له.. وما لم يثبت بعد أكبر بكثير مما ثبت.. وكل ذلك يدل على عظمه الله تعالى خالق هذ الكون ومبدعه.

وأما ما ذكره من تسخير الكون للإنسان، فهو ما يدل على عناية الله بعباده.. ويدل كذلك على انتفاء الصدفة.. لأن الصدفة عشوائية، وليست غائية..

وهكذا، فإن أكثر ما ذكره صحيح إلا احتقاره للإنسان أو للأرض، فإن الله ما احتقر شيئا من خلقه، حتى البعوضة، فقد قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26]

وهذا معروف بالبداهة، ولكل الناس، فهل وجدتم رساما يحتقر صورة من صوره.. أو شاعرا يحتقر قصيدة من قصائده، حتى لو كانت قصيدة صغيرة.. وهكذا الله العظيم المبدع لكل شيء، فإنه ما احتقر شيئا من خلقه.. بل تعامل مع كل مخلوقة بحسب طبيعته وحاجته، كما قال تعالى: { رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50]

قام أحد العلماء، وقال: أرى من المغالطات التي ذكرتها دعوتك للاكتفاء بنسبة الأمور لله، وعدم الحاجة للبحث في الأسباب.

قال الرجل: ربما فهمتني خطأ سيادة البروفيسور، فأنا لم أقل هذا، وإنما ذكرت أن الاعتقاد بوجود الله، وكونه مسبب الأسباب لا يعني الاستغناء عن الأسباب الطبيعية، أو التمرّد على شيء من حقائق العلم الصحيح، وإنّما هو اعتقاد بأن الله هو المسبب لهذه الأسباب الطبيعية، ويحتّم على تسلسل العلل والأسباب أن يتصاعد إلى قوّة فوق الطبيعة وفوق الكون.. وحتى لو سلمنا جدلا أن العلم وصل إلى معرفة كل الأسباب الطبيعية، فهذا لا ينفي وجود الخالق، بل هذه الأسباب الطبيعية دالة على موجد لها، فكل سبب له مسبب، وهو الله عز وجل.

ومثل ذلك ما لو اخترع الإنسان حاسوبا ضخما استطاع أن يصنع آلات بديعة.. تقوم هي الأخرى بصناعة آلات أخرى.. وهكذا فإن هذا التسلسل لن ينفي دور الإنسان.. بل يبقى الإنسان هو المبدع الأول لتلك الآلات جميعا.

ولهذا فلو أن شخصا سئل عن المنتج الأخير، ومن صنعه، وقال: الإنسان هو الذي صنعه لكان صادقا، لأن الإنسان هو الذي صنع من صنع تلك المصنوعات.

***

لم يجد العلماء ما يقولون، لكن أحدهم خاف من أن يخرج الحديث عن مساره المخطط له، فقال: أرى أن نعود إلى موضوعنا.. فهل عندكم أسئلة أخرى.

قام أحدهم، وقال: أرى أن المسألة المطروحة حول قدم العالم مسألة فلسفية لا علاقة لها بالفيزياء، ولا بالفلك، ولا بغيرهما من العلوم، ولهذا نرجو من الفلاسفة الذين شرفونا بحضورهم أن يحدثونا عن الموقف الفلسفي من هذه المسألة الخطيرة، والتي تنبني عليها الكثير من النتائج المرتبطة بالرؤية الكونية المبنية على العقل والعلم، لا على الهوى المجرد.

قام رجل منهم، وقال: أظن أن السائل يقصدني.. فأحسبني من فلاسفة هذا العصر الكبار.. والكل يشهد على ذلك..

قال ذلك، ثم ابتسم، والتفت لزملائه، وقال: هل فيكم من يعترض على هذا؟

فابتسموا جميعا، وقالوا: لا.. لا نعارضك.. فتحدث كما يحلو لك.. فنحن تلاميذك في الفلسفة، كما أنك تلميذنا في العلوم البحتة.

قال: الفكرة السائدة لدى جماهير الفلاسفة في كل العصور هو أن الكون أزلي، لا بداية لوجوده.. وقد برهنوا على ذلك ببراهين عقلية كثيرة لا مجال لذكرها هنا.. وهذه الفكرة تتلاءم مع الأفكار الأوربية التي كانت سببا في تطورها وتحضرها.. وهي تعني أن المادة كانت الشيء الوحيد الموجود في الكون، وأن الكون وجد في الزمن اللانهائي، وسوف يبقى إلى الأبد.

ومن أنصار هذه الفلسفة الكبار الفيلسوف (إيمانويل كانت) الذي دافع عنها، وأعلن أن الكون موجود في كل الأزمان، وأن كل احتمالية (إن كانت موجودة) فسوف ينظر إليها على أنها ممكنة..

ومع بداية القرن التاسع عشر صارت فكرة أزلية الكون، وعدم وجود لحظة لبدايته مقبولة بشكل واسع، وتم نقل تلك الفكرة إلى القرن العشرين من خلال أعمال الماديين الجدليين من أمثال (كارل ماركس) و(فريدريك أنجلز)

سكت قليلا، ثم قال، وهو يبتسم: تخيلوا معي جمال هذه الفكرة.. إنها سهلة الفهم، ولا تستدعي أي جهد عقلي لهضمها.. بل هي متناسبة مع الفطرة.. وهي تجيب فوق ذلك على الكثير من الأسئلة التي حارت فيها الإنسانية.. والأهم من ذلك كله هو أنها تجعلنا لا نحتاج إلى الله ولا إلى الإديان، ولا إلى رجالهم الانتهازيين.

وسبب ذلك بسيط، وهو أن فكرة بداية للكون تقتضي كونه مخلوقا.. وهذا طبعا ـ كما تعلمون ـ يتطلب الإقرار بوجود خالق، ولذلك كان من المريح جداً للعقول أن يعتبر الكون موجودا سرمديا، لتنتفي أمثال هذه المشاكل العقلية.

لقد عبر الفيلسوف العبقري الكبير [جورج بوليتزر] عن هذه الفكرة، ودافع عنها في الكثير من كتبه التي انتصر فيها للنظرية الماركسية.. فقد قال في كتابه [المبادئ الأساسية في الفلسفة]: (الكون ليس شيئاً مخلوقاً، فإذا كان كذلك فهذا يقتضي أنه خلق في لحظة ما من قبل إله، وبالتالي ظهر إلى الوجود من لا شيء، ولقبول الخلق يجب على الإنسان أن يقبل في المقام الأول أنه كانت توجد لحظة لم يكن فيها الكون موجوداً، ثم انبثق شيء من العدم، وهذا أمر لا يمكن للعلم أن يقبل به)

قوانين الطاقة:

بعد أن انتهى الفيلسوف من حديثه الذي تصور أنه قد قضى على كل معالم الإيمان في تلك البلدة، قام بعض أهلها، وقال: لدي مشكلة كبرى في فهم قوانين الحرارة.. وخاصة القانون الثاني منها.. وبما أنني في حضرة كبارة علماء العصر، فأرجو منهم توضيحه لي.

لم يفطن العلماء لمراده من السؤال، فقد تصوروه من خلال ما يوحي به مظهره عاميا بسيطا يستفسر عن مسألة جزئية لا علاقة لها بالموضوع المطروح، ولذلك قام بعضهم، وقال: مع كون المسألة ليس لها علاقة بالموضوع المطروح إلا أنني سأجيبك عنها.

هذا القانون الذي سألت عنه نسميه نحن ـ معشر الفيزيائين ـ [قانون الطاقة المتاحة]، أو [ضابط التغير]، وهو ينص على أن الحرارة تنتقل دائما من (وجود حراري) إلى (عدم حراري)، والعكس غير ممكن، وهو انتقالها من (وجود حراري قليل) أو (وجود حراري عدم) إلى (وجود حراري أكثر)، لأن ضابط التغير هو التناسب بين (الطاقة المتاحة) و(الطاقة غير المتاحة)

قال الرجل: ألا ترى أن القول بأزلية العالم وسرمديته ـ بحسب ما شرحت ـ يخالف القانون الثاني للديناميكا الحرارية.. ذلك أن هذا القانون ـ كما شرحت ـ يرى أن الكون يتجه نحو الموت الحراري عندما تتساوى حرارة جميع الأجرام والجسيمات.. وبذلك فهو يتجه نحو التفكك والهدم والبرودة أو نحو الموت الحراري.. بينما الحقيقة الواقعية التي نراها هي أن الكون يتجه نحو التعقيد، ونحو البناء والتطور.

قال رجل آخر من أهل البلدة: صدقت.. فبناء على هذا الكشف العلمي الهام الذي تفضل حضرة البروفيسور الكبير بشرحه فإن (عدم كفاءة عمل الكون) يزداد يوما بعد يوم، ولا بد من وقت تتساوى فيه حرارة جميع الموجودات، وحينذاك لا تبقى أية طاقة مفيدة، وسيترتب على ذلك أن تنتهي العمليات الكيماوية والطبيعية، وتنتهي تلقائيا مع هذه النتيجة (الحياة)

قال آخر: صدقتما.. فلهذا القانون صيغ عديدة تعبّر عن حقيقته رغم أنّه متعلّق في الأصل بالانتقال الحراري، ومن أهمّها أنّ الكون ينحو إلى الفوضى بعد الانتظام، وأنّ النُظُم تتحوّل من السلوك المنتظم إلى السلوك العشوائي.. ومن لوازم هذا القانون أنّ الكون يتّجه إلى فقد طاقته، ويتحوّل بصورة عفوية من الحرارة إلى البرودة، ومن النظام إلى الفوضى، فكلّ شيء يتحوّل من الأعلى إلى الأدنى. إنّه بعبارة عامة، قانون الفساد في الكون، وهو الحقيقة الكبرى التي ألزمت (أينشتاين) أن يقول بكلّ ثقة إنه لا يمكن أن يتمّ إبطاله في يوم ما.

لقد عبر الفيزيائي (بول ديفيس) عن ذلك، فقال: (اليوم، نحن نعلم أنه لا يمكن لنجم أن يستمر في الاحتراق إلى الأبد؛ إذ لا بدّ أن ينفد وقوده.. وهذا يفيد في توضيح مبدأ عام جدًا: مفهوم الكون الأزلي يتعارض مع استمرار وجود العمليات الفيزيائية التي لا رجعة فيها. إذا كان بإمكان النظم الفيزيائية أن تخضع لتغييرات لا رجعة فيها بمعدل محدود، فهي إذن ستنتهي من تلك التغييرات في زمن لانهائي مضى)

ويضيف (ديفيس) معلّقًا على دلالة (الانفجار العظيم) على أنّ الكون له بداية: (ثمّة خيوط لأدلّة عديدة تدعم هذه النظرية المذهلة، وسواء قبلنا كافّة التفاصيل أم لم نقبل، فالفرضيات الأساسية ـ بوجود نوع من خلق ما ـ تبدو قاهرة من وجهة نظر العلم، ويعود الفضل ـ مباشرة ـ إلى مجموعة كبيرة من البراهين، تعود إلى أحد أكثر قوانين الفيزياء شهرة، ذلك المعروف بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية، ويوضح هذا القانون ـ بالمعنى العام ـ أنّ الكون يصبح ـ يومًا بعد يوم ـ أكثر اضطرابًا، فثمّة نوع من الانحدار التدريجي والعنيد ينزع إلى الفوضى، والأمثلة على صحة القانون الثاني واضحة للعيان، ففي كلّ مكان: بنايات تنهار، بشر يتقدّمون في العمر، جبال وسواحل تتآكل، وموارد الطبيعة تنضب.. وقد أثبتت تجارب دقيقة عديدة أنّ الكميّة الكليّة للاضطراب في نظام ما لا تنخفض أبدًا، وإذا كان النظام معزولًا عن محيطه، فأيّ تغييرات تحدث داخله سوف ترفع الأنتروبي، أي الاضطراب، بحدّة بالغة حتى لا يمكنه بعدها الوصول إلى أعلى، وحينها لن يحدث المزيد من التغيير؛ إذ يكون النظام قد وصل إلى حال توازن الديناميكا الحرارية)

قال آخر: صدقتم.. فبما أن العمليات الكيماوية والطبيعية جارية، ونراها بأعيننا، فإن هذا يثبت قطعا أن الكون ليس بأزلي.. إذ لو كان الكون كذلك لكان من اللازم أن يفقد طاقته منذ زمن بعيد، بناء على هذا القانون، ولما بقي في الكون بصيص من الحياة..

وليسمح لي حضرة البروفيسور، وحضرات الأساتذة الكبار أن أذكر لهم قول بعض العلماء في هذا المجال، فقد قال الأستاذ (ادوارد لوثر كسيل): (وهكذا اثبتت البحوث العلمية دون قصد ان لهذا الكون (بداية) فاثبتت تلقائيا وجود الاله، لان كل شيء ذي بداية لا يمكن ان يبتديء بذاته، ولا بد ان يحتاج إلى المحرك الاول الخالق الاله)

وقال السير جيمس: (تؤمن العلوم الحديثة بأن (عملية تغير الحرارة) سوف تستمر حتى تنتهي طاقاتها كلية، ولم تصل هذه العملية حتى الآن إلى آخر درجاتها، لأنه لو حدث شيء مثل هذا لما كنا الآن موجودين على ظهر الأرض، حتى نفكر فيها.. إن هذه العملية تتقدم بسرعة مع الزمن.. ومن ثم لابد لها من بداية، ولا بد أنه قد حدثت عملية في الكون، يمكن أن نسميها [خلقا] في وقت ما حيث لا يمكن أن يكون هذا الكون أزليا)

قال آخر: لقد عبر [إدوار لوزكيل] عن مدى دلالة هذا القانون على حدوث الكون، وأن له بداية، فقال: (قد يعتقد بعضهم أن هذا الكون هو خالق نفسه، وعلى حين يرى البعض الآخر أن الاعتقاد بأزلية هذا الكون ليس أصعب من الاعتقاد بوجود إله أزلي، ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي، أي أزلية الكون، فالعلوم تثبت بكل وضوح أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليا، فهناك انتقال حراري مستمر من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة، ولا يمكن أن يحدث العكس بقوة ذاتية، ومعنى ذلك أن الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها حرارة جميع الأجسام، وينضب منها معين الطاقة، ويومئذ لن تكون هناك عمليات كيماوية أو طبيعية، ولن يكون هنالك أثر للحياة نفسها في هذا الكون، لذلك فإننا نستنج أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً، وإلا لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد، وتوقف كل نشاط في الوجود)

ثم عقب على ذلك بالنتيجة التي تؤدي إليها هذه المقدمات بقوله: (وهكذا توصلت العلوم دون قصد إلى أن لهذا الكون بداية، وهي بذلك تثبت وجود الله، وما كان له بداية لا يمكن أن يكون قد بدأ بنفسه، ولا بد له من مبديء أو من محرك أول، أو من خالق)

قال آخر: ومثله استدل [فرانك الان] عالم الطبيعة البيولوجية على عدم أزلية الكون بنفس القانون، فقال: (كثيراً ما يقال إن هذا الكون المادي لا يحتاج إلى خالق، ولكننا إذا سلمنا بأن هذا الكون موجود فكيف وجوده ونشأته؟. هنالك أربعة احتمالات للإجابة على هذا السؤال: فإما أن يكون هذا الكون مجرد وهم وخيال، وهو ما يتعارض مع القضية التي سلمنا بها حول وجوده.. وإما أن يكون هذا الكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم.. وإما أن يكون أبديا ليس لنشأته بداية.. وإما أن يكون له خالق)

ثم راح يناقش هذه الاحتمالات، فقال: (أما الاحتمال الأول، فلا يقيم أمامنا مشكلة الإحساس والشعور فهو يعني أن إحساسنا بهذا الكون وإدراكنا لما يحدث فيه لا يعدو أن يكون وهما من الأوهام ليس له ظل من الحقيقة، فالرأي الذي يدعي أن هذا الكون ليس له وجود فعلي وأنه مجرد صورة في أذهاننا وأننا نعيش في عالم من الأوهام لا يحتاج إلى مناقشة أو جدال.. أما الرأي الثاني القائل بأن هذا العالم بما فيه من مادة وطاقة قد نشأ هكذا وحده من العدم فهو لا يقل عن سابقه سخفا وحماقة ولا يستحق هو أيضا أن يكون موضعاً للنظر أو المناقشة والرأي.. وأما الثالث الذي يذهب إلى أن هذا الكون أزلي ليس لنشأته بداية إنما يشترك مع الرأي الذي ينادي بوجود خالق لهذا الكون، وذلك في عنصر واحد هو الأزلية، وإذا فنحن إما أن ننسب صفة الأزلية إلى عالم ميت، وإما أن ننسبها إلى إله حي يخلق، وليس هناك صعوبة فكرية في الأخذ بأحد الاحتمالين أكثر مما في الآخر، ولكن قوانين الديناميكا الحرارية تدل على أن مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجا، وأنها سائرة حتما إلى يوم تصير فيه الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض هي الصفر المطلق، ويومئذ تنعدم الطاقة، وتستحيل الحياة، ولا مناص عند حدوث هذه الحالة من انعدام الطاقة عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق بمضي الوقت.. أما الشمس المستعرة والنجوم المتوهجة والأرض الغنية بأنواع الحياة فكلها دليل واضح على أن أصل الكون أو أساسه يرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة، فهو إذن حدث من الأحداث، ومعنى ذلك أنه لا بد لأصل الكون من خالق أزلي ليس له بداية، عليم محيط بكل شيء قوي ليس لقدرته حدود، ولا بد أن يكون هذا الكون من صنع يديه، فالقانون إذن يثبت أن الكون ما دام فيه حرارة فلا يمكن أن يكون أزليا لأن الحرارة لا يمكن أن تنبعث تلقائيا في الكون بعد برودته ولو كان أزليا لكان بارداَ)

***

 قام رجل آخر من أهل البلدة، وقال: لا يصح في مثل هذه المسائل الخطيرة أن نستدل بكلام أي كان.. فقد يكون هؤلاء الفيزيائيون الذين ذكرتموهم قد أخطأوا في أحكامهم، ولذلك نرجو من الفيزيائيين الذين نثق في علمهم أن يذكروا لنا الحقيقة.

قام بعض الأساتذة الحاضرين، وقال: كل ما ذكرتموه من دلالة هذا القانون صحيح.. أما حاجته بعد ذلك إلى إله أو عدم حاجته فمسألة أخرى.

قال الرجل: نرجو أن تبين لنا فقط دلالة هذا القانون على بداية الكون.. أما حاجته أو عدم حاجته فتدرس في محل آخر.

قال العالم: أنتم تعلمون جميعا أن ذرات الكون كلها مؤلفة من جزيئات كهربائية سالبة وموجبة.. وتعلمون أن الموجبة يطلق عليها اسم البروتون.. والسالبة يطلق عليها اسم الإلكترون.. وتعلمون أن أنوية الذرات إلا ذرة الهيدروجين فيها زيادة على ذلك شحنة معتدلة تسمى نيترون.. وأن البروتون والنيترون يشكلان نواة الذرة بينما الإلكترونات تشكل الكواكب السيارة لهذه النواة.. وهي تدور حولها بسرعة هائلة بحركة دائرية إهليلجية.. وبسبب هذه السرعة الهائلة في حركة الإلكترون يبقى الإلكترون متحركا هذه الحركة، إذ لولا هذا الدوران لجذبت كتلة النواة كتلة الإلكترون.

قالوا: نعلم ذلك جميعا، فما علاقته ببداية الكون؟

قال: بناء على ذلك.. وبناء على أن هذه الحركة التي نجدها في الإلكترون نجدها في كل جرم في الفضاء، نقول: إن الشيء الدائر لا بد أن تكون له نقطة بداية زمانية ومكانية بدأ منها دورته.. ولما كانت الإلكترونات والأجرام كلها في حركة دائرية.. ولما كانت هذه الحركة غير مستأنفة كما يبدو.. فإذن لا بد أن تكون هناك بداية زمانية ومكانية لحركة الإلكترون.. وهذه البداية في الحقيقة هي بداية وجود الذرات نفسها.. وبهذا نكون قد وصلنا إلى أن لهذا الكون بداية ونشأة.

قالوا: كيف ذلك؟

قال: لتفهموا هذا المعنى تحتاجون إلى التعرف على معنى الأزلية.. لأن البعض قد لا يفهم معنى ما نقوله بسبب تبسيطه لمعناها.. لو فرضنا أننا وضعنا الرقم 1 وأمامه أصفار ممتدة منه إلى محيط الكرة الأرضية، فإن هذا الرقم الكبير من السنين لا يمثل إلا جزءا كالصفر تقريبا بالنسبة إلى اللانهاية أو اللابداية.. ونفس الشيء لو كان الرقم 1 أمامه أصفار من أول الكون إلى نهايته فإن هذا الرقم لا يمثل إلا جزءا من اللانهاية يشبه الصفر.. وكذلك هو بالنسبة للأزل.

وهكذا، فإن الذين يقولون بقدم المادة إنما يعطونها هذا المعنى، وهذا الذي تثبت الظواهر كلها استحالته.. ومن الأمثلة البسيطة على ذلك الطاقة الشمسية.. فمن أين تأتي الشمس بطاقتها؟ وكيف تحافظ على حرارتها؟

قام رجل، وقال: لقد أجيب عن هذا السؤال أجوبة كثيرة.. لعل آخرها هو أن ذراتها هي وسائر النجوم تتحطم في قلبها مرتفع الحرارة.. وبواسطة هذا التحطم الهائل الواسع المستمر تتولد هذه الطاقة الحرارية التي لا مثيل لها.

قال العالم: لا شك أنكم تعلمون أن الذرة عندما تتحطم تفقد جزءا من كتلتها، حيث يتحول هذا الجزء إلى طاقة.

قالوا: أجل.

قال: بحسب هذا، فإنه لا يمر يوم على أي شمس حتى تفقد ولو جزءا بسيط من كتلتها.. وبهذا فلو أنها كانت قديمة أزلية فإنه لا يمكن أن تكون في وضعها الحالي، لأنها تكون قد استنفدت طاقتها، وانتهى أمرها من زمن بعيد جدا.. وهكذا طبقوا هذا القانون على سائر مواد الكون.. وسترون أنها جميعا ستنفذ كل طاقتها.. قبل ما لا يمكن عده من السنين.

***

قام أحد العلماء، وقال بغضب: أرى أنكم تستخدمون هذا القانون في غير محله، متناسين الاقتراح العظيم الذي اقترحه [إسحاق ازيموف]، فقد ذكر أنه يمكن أن الكون المتسع حاليا سينكمش مرة ثانية، ثم يتوسع مرة أخرى، وهكذا.

قام بعض أهل البلدة، وقال: لقد أجاب العالم الامريكي [هنري م. موريس] على هذا التبرير الخيالي الذي قدمه [اسحاق ازيموف]، فقال بأسلوب ساخر: (حسنا.. يجوز! إن في الإمكان، وبفكرة مسبقة تفسير أي شىء خيالي أو أي وهم، وذلك بتخيل وافتراض وجود شروط غير سائدة في المكان والزمان الحاليين، شروط لم يستطع أحد مشاهدتها ولا البرهنة عليها.. ولكن ان كنا نريد حصر نقاشنا ضمن حدود العلم، فان القانون الثاني للديناميكا الحرارية (الذي صيغ بشكل تجريبي) يمنع وبشكل كلي وتام أي تشكل للمادة أو للكون بوساطة أي عملية طبيعية، لذلك فلا بد أننا أنشئنا بعملية فوق طبيعية وأعني بها عملية الخلق)

الانبثاق الكوني:

ساد صمت رهيب بين الحضور، قطعه بعض أهل البلدة بقوله: أرى أن الكل متفق على وجود بداية للكون.. لكني أراهم ينفرون من النتائج التي قد تترتب على ذلك.. ولذلك فإني أريد أن أعفيهم من النتائج، وأكتفي بسؤالهم عن الحقائق العلمية، وليسوا مكلفين أن يجيبوا عن الحقائق الخارجة عن إطار تخصصهم.. والسؤال المهم الذي يشغل الكثير من أهل هذه البلدة هو مدى علمية نظرية الانفجار العظيم.. وهل هي حقيقة علمية أم مجرد تخرصات خيالية؟

قام بعض العلماء، وقال: تلبية لطلبكم الكريم سأحكي لكم القصة من البداية.. ففي عام 1922 كشف الفيزيائي الروسي ألكسندر فريدمان حسابات بين فيها أن تركيب الكون ليس ساكناً، حتى أن أصغر اندفاع فيه ربما كان كافياً ليسبب تمدد التركيب بأكمله أو لتقلصه، وذلك طبقاً لنظرية أينشتاين في النسبية.

وبناء على ذلك.. وبناء على تلك الحسابات أعلن الفلكي البلجيكي [لوميتر] أن للكون بداية، وأنه في تمدد متواصل.. بل إنه وصل فوق ذلك إلى أن معدل الإشعاع يمكن استخدامه كمقياس.

في تلك الفترة المليئة بالفتن والحروب، لم تحظ التأملات النظرية لهذين العالمين باهتمام يذكر، غير أن الأدلة التي نتجت عن الملاحظات العلمية في عام 1929كان لها وقع الصاعقة في دنيا العلم، ففي ذلك العام توصل [إدوين هابل] إلى أعظم اكتشاف في تاريخ علم الفلك.. حيث اكتشف أن ضوء النجوم كان منحرفاً نحو الطرف الأحمر من الطيف، وأن ذلك الانحراف كان مرتبطاً مباشرة مع بعد النجوم عن الأرض، وهذا الاكتشاف هز قواعد المفهوم الذي كان شائعاً للكون.. ووفق هذا المبدأ، فإن الأجرام السماوية تتحرك بعيداً عنا..

وبعد فترة وجيزة توصل إلى اكتشاف آخر لا يقل أهمية، وهو أن النجوم لم تكن تتباعد عن الأرض فحسب، بل كانت تتباعد عن بعضها البعض أيضاً.. والاستنتاج الوحيد لتلك الظاهرة هو أن كل شيء في الكون يتحرك بعيداً عن كل شيء فيه، وبالتالي فالكون يتمدد بانتظام وتؤدة.. وهكذا تحققت استنتاجات فريدمان ولوميتر..

وقد قاد اكتشاف هابل لحقيقة الكون المتمدد لانبثاق نموذج آخر كان ضرورياً لكي لا يكون هناك عبث، ولكي يجعل نتائج معادلاته صحيحة، فإذا كان الكون يتضخم ويكبر مع مرور الوقت فهذا يعني أن العودة إلى الخلف تقودنا نحو كون أصغر، ثم إذا عدنا إلى الخلف أكثر لمدى بعيد، فإن كل شيء سوف ينكمش ويتقارب نحو نقطة واحدة، والنتيجة الممكن التوصل إليها من ذلك هو أنه في وقت ما كانت كل مادة الكون مضغوطة في كتلة نقطية واحدة لها حجم صفر بسبب قوة النقطية ذات الحجم الصفر، وهذا الانفجار هو الانفجار الكبير.

التفت للحضور، وقال: أظن أني قد أجبتكم على سؤالكم.. وأحب أن أنبه فقط إلى أنه كي نعتبر شيئاً ما له حجم صفر، فهذا يكافئ القول بأنه لم يكن هناك شيء، وأن كل الكون وجد من ذلك اللاشيء، والأكثر من ذلك أن للكون بداية.

***

قام أحد العلماء، وقال: ليأذن لي هذا الجمع المبارك أن أتحدث حول الموضوع باعتبار خبرتي الطويلة المرتبطة به.. فقد كان عمري كله بحثا عن الإجابة عنه..

واسمحوا لي قبل أن أشهد شهادتي، أن أعرفكم بنفسي.. أنا [جون] سمي البروفسور [جون بولكنجهورن] ذلك الفيزيائي الشهير الذي تأثر تأثرا شديدا بسبب انحراف الفيزياء النظرية عن مجالها، ودخولها في عوالم ممتلئة بالغموض والغرابة للهروب من الله.. لقد قال معبرا عن نقده الشديد لنظرية الأكوان المتعددة: (إنها ليست فيزياء.. إنها في أحسن الأحوال فكرة ميتافيزيقيه، ولا يوجد سبب علمي واحد للإيمان بمجوعة من الأكوان المتعددة.. إن ماعليه العالم الآن هو نتيجة لإرادة خالق يحدد كيف يجب أن يكون)

وتعقيبا على قوله هذا، والذي هو الجواب عن السؤال المطروح حول بداية الكون، أذكر أننا في بداية تعليمنا كان يذكر لنا أن العلماء منذ آلاف السنين اهتموا بمعرفة كيف نشأ كوننا، وكيف ستكون نهايته، وبناء على ذلك ظهر علم الكونيات كعلم من العلوم التي تُعنى بدراسة نشأة وتطور ونهاية الكون..

وهذا مما لا حرج فيه.. ولكن المشكلة أنهم قسموا لنا هذا العلم إلى قسمين: قسم أطلقوا عليه [علم الكون الفيزيائي]، وذكروا أنه العلم الذي يهتم بدراسة نشأة وتطور الكون بشكل علمي.. وقسم أطلقوا عليه [علم الكون الديني أو الأسطوري]، واعتبروا أنه المعارف المستمدة من المعتقدات المبنية على حقائق تاريخية أو أسطورية أو دينية متعلقة ببدء الخلق والآخرة.

وأنا لا أشكل في أنه دخل في القسم الثاني الكثير من الخرافات والأساطير والدجل، ولكن الإشكال هو في تسميه الأول بالعلم مع كونه هو أيضا لم يخلو من الخيال والتخمين والحدس وكل ما لا يمت للعلم بصلة.

وطبعا ليس هدفي من حديثي هذا أن أثبت كل ما يتعلق بهذا، وإنما أريد أن أشير إلى مسألة خطيرة لبست لباس العلم، وهو منها براء، وهي تلك النظريات الكثيرة التي نشأت عقب نظرية الانفجار العظيم، لتحاول تفسيره تفسيرا لا يحتاج معه إلى إله.

فالمفاجأة الكبرى([1]) التي قد تصدم الكثير منكم، وخاصة ممن ليس لهم اهتمام بمتابعة الآراء الرائجة والسائدة عند علماء الكون هي أن (الإلحاد الجديد) اختار مخالفة العلم مخالفة صريحة، وقرّر أن يبني نظرته للكون على غير ما تقرّره اكتشافات الهيئات العلمية الكبرى التي يدعونا الملاحدة دائمًا إلى أن نسلّم لها، ونعتبر قولها هو القول الفصل.

أنتم تعلمون إن الإلحاد عاش وانتعش في ظلّ تصوّر فلسفي لأزليّة المادة.. ونتيجة لذلك بُني علم الكون على هذا المبدأ.. وقد كان عليه أن يغيّر وجهته، ويقرّ أنّه فقد مبرره العلمي مع تطوّر معارف الإنسان، لكن المفاجأة التي شهدها الميدان العلمي في القرن العشرين، هي أنّ بداية الكشف عن حقيقة خلق الكون، وكونه له بداية، وُوجهت بالعناد والاستكبار في البداية، ثم تطوّر الأمر إلى محاولة القفز فوق دلالاتها الدينية اليقينية.

لقد صرح بذلك (أرثر إدنجتن) عالم الكون والرياضيات البريطاني المادي الذي اهتزّ لهذا الكشف وقال: (إنّ أصل الكون هو فسلفيًا أمر بغيض.. ويبدو أنّ البداية تقدّم صعوبات لا تُقهر إلّا إذا اتفقنا أن ننظر إليها بصراحة تامة كأمر فوق طبيعي)

ومثله صرح (روبرت ويلسن) مكتشف [إشعاع الخلفية الكونية الميكروي] مع [بنزياس]، والذي كان من أنصار الحال الثابتة عن أثر ذلك الاكتشاف العلمي على عقيدته، بقوله: (لقد أحببت فلسفيًا نظرية الحال الثابتة، وعليّ بوضوح أن أتراجع عن ذلك)

ومثلهما صرح (ألان سنداج) الذي لُقِّب بأبي [الكونيات الرصديّة المعاصرة]، والذي يعتبر من أدقّ من قدّموا تقديرًا علميًا لعمر الكون.. فقد قال عن بدء الكون بانفجار: (إنّها نتيجة غريبة.. لا يمكن أن تكون صحيحة).. ثم إنه بعد أن لم يجد مفرا منها لم يجد إلا أن يتحوّل في أواخر حياته إلى الإيمان بالله.

ومثلهم صرح (هويل) عن امتعاضه الشديد من المآلات اللاهوتية لهذه النظرية بقوله في كتاب مدرسي ألّفه سنة 1975م، معترضًا على النموذج النسبي لألكسندر فريدمان: (الكثيرون مسرورون بقبول هذا الموقف.. دون البحث عن تفسير فيزيائي للبداية الحادة للجسيمات.. يُنظر إلى البداية الحادة عمدًا على أنّها فوق-فيزيائية، أي خارج الفيزياء.. يبدو هذا النمط من التفكير مُرْض للكثير من الناس لأنّ شيئًا ما من خارج الفيزياء بالإمكان إضافته إلى بداية الزمن. لقد وضعت كلمة [إله] مكان [شيء ما] بمخادعة لفظية.. لا أعتقد أنّنا بحاجة إلى استدعاء الميتافيزيقا لحلّ أيّ مشكلة بإمكاننا أن نفكّر فيها)

ومثلهم جميعا صرح الفيزيائي البريطاني [دنيس شياما] أستاذ [هوكينج]، وأحد آباء علم الكون الحديث، وأحد أهم المناصرين لـ [نظرية الحال الثابتة] مع زميله [هويل]، وقد دعمها في كتابه الأول، ثم تحوّل عن مذهبه بعد اكتشاف [إشعاع الخلفية الكونية الميكروي] ليصبح من أهم المنافحين عن [نظرية الانفجار العظيم].. وقد أقرّ عن نفسه أنّه قد لعب دورًا في الدفاع عن [نظرية الحال الثابتة] لأنّها كانت جذابة بصورة كبيرة لدرجة أنه تمنّى أن تكون صحيحة، (لكن لما تراكمت الأدلة؛ اتّضح بجلاء أنّ اللعبة قد انتهت، وأنه يجب التخلّص من [نظرية الحال الثابتة])

وهكذا عبر عالم الفيزياء الفلكية (كريستوفر إشام) عن انزعاج العلماء الماديين من الكشف عن نشأة الكون من خلال انفجار عظيم، فقال: (ربّما أفضل حجة لصالح الطرح القائل إنّ [الانفجار العظيم] يؤيّد الإيمان بالله هو التململ الواضح الذي قوبل به من طرف بعض الفيزيائيين الملاحدة.. وقد أدّى ذلك إلى ظهور أفكار علمية، مثل [الخلق الدائم] أو [الكون المتذبذب]، وقد تمّ تقديمها بحماسة تفوق بكثير قيمتها الحقيقية ممّا يلزم المرء بأن يرى دوافع نفسيّة أعمق بكثير من الرغبة المألوفة للمنظّر لدعم نظريّته)

التفت لزملائه، وقال: لا شك أنكم جميعا درستم المنهجية العلمية قبل أن تصلوا إلى ما وصلت إليه من المعرفة والعلم.. فهل من المنهجية العلمية أن يمتعض العالم والباحث من النتائج التي يصل إليها.. أم أن مصداقيته تقتضي التسليم لها كائنا ما كانت النتائج؟

ثم ما الضرر في أن تكون النتائج موافقة لما يدعيه المؤمنون من حدوث الكون، واقتضاء ذلك الحدوث لإله.. فهل يرون الله عدوا لهم حتى يمتعضوا من وجوده؟.. أم يظنون أن الله سيحرمهم من العلم والبحث إن هم آمنوا به؟

***

جلس [جون]، فقام عالم آخر، وقال: شكرا جزيلا صديقنا العزيز [جون] على نصيحتك الغالية التي لا يمكنني أن أجادلك فيها.. فالحق ما قلت، وما ذكرت.. وأحب أن أشهد بين أيديكم مثلما فعل صديقي.. فلا شيء أجمل من الصدق..

فاسمعوني جيدا أنا [جوهانس]، سمي [جوهانس كبلر] صاحب الاكتشافات العظيمة في علم الفلك، والذي يوصف بالرجل الذي باشر العملية التي اعتمدت المنطق بدل الخرافات، بفضل قوانينه الثلاثة حول مسار الكواكب، والتي أرست أسس علم الفلك الحديث..

والذي لم تمنعه شهرته العلمية من إعلان إيمانه بالله، معترفا بأن الله هو (الخالق اللطيف الذي كوّن الطبيعة من لا شيء).. كما أنه اعترف بأنه قوانينه التي اكتشفها جاءت وليدة إيمانه بأن الله هو إله ترتيب، وليس إله تشويش.. ولهذا فقد أطلق على كتابه عنوان [انسجام العالمين]، الذي وردت فيه هذه العبارات الجميلة: (عظيم هو الله ربنا، وعظيمة قدرته، ولا نهاية لحكمته)

سكت قليلا، ثم قال: تتمة لما ذكره صديقي العزيز [جون] من ذلك الموقف السلبي وغير العلمي الذي وقفه أولئك العلماء من نظرية الانفجار العظيم.. فإني أحب أن أضيف بأن ذلك الموقف لم يقتصر على مجرد الامتعاض، ولا التقزز النفسي، وإنما راح بعضهم يعارضها من غير أن تكون له أي أدوات علمية يعتمدها في المعارضة.. مع العلم أنهم يقبلون ما هو دونها بكثير، لأنها تنسجم مع الرؤية المادية الإلحاديثة.

التفت لزملائه من العلماء، وقال: لا شك أنكم تعرفون [جون مادوكس].. ذلك الفيزيائي، والمحرر العلمي في المجلة العلمية الشهيرة [الطبيعة].. لقد توقع بحماسة شديدة سقوط نظرية الانفجار العظيم.. وكانت حجته في ذلك أن المؤمنين بالخلق والخالق يجدون فيها (تبريرا واسعا لمعتقدهم).. ولذلك توقع أن تنهار في غضون عقد من الزمان بنشر نتائج أبحاث [مرصد هابل الفضائي].. ولست أدري من أوحى له بهذه النبوءة العجيبة؟.. ولست أدري من أعطاه الحق في أن يتكلم في العلم من غير علم؟

بعد مرور فترة قصيرة من تلك النبوءة التي تنبأ بها.. خرجت نتائج أبحاث [هابل] على نقيض ما أراده [مادوكس]؛ إذ إن أعظم مشاريع هذا المرصد قد حدد سنة 2013م، وكان جوهره الكشف عن تطور الكواكب، والبذور الأولى للبناء الكوني بعد البليون سنة الأولى من الانفجار العظيم.

سكت قليلا، ثم قال: بعد أن لم يجد الإنكار، نتيجة لتلك الأدلة الكثيرة التي أثبتتها المراصد الفضائية، راح أولئك المعارضون لها، يبحثون عن أي حيلة تصرفهم عن نتائجها.. وقد عبر بعضهم عن هذا، فقال: (اعتقد علماء الكون أن عليهم الالتفاف وراء المشكلة.. لقد حاولوا على مر السنوات الماضية إثبات عدة نماذج مختلفة للكون تتفادى الحاجة إلى بداية، مع الاستمرار في اشتراط انفجار عظيم.. يبدو الآن من المؤكد أن الكون كانت له بداية)

ضحك بصوت عال، ثم قال: أذكر من تلك الحيل الغريبة تساؤلهم الدائم الذي لا معنى له، والذي يقول (ماذا لو ثبت بطلان نظرية الانفجار العظيم؟)، مع العلم أنهم هم أنفسهم ينتصرون للكثير من النظريات العلمية التي لم تثبت مثل نظرية التطور لكونها تخدم إلحادهم، أو تبرره.. ولم يسألوا أبدا ماذا لو لم تثبت، مع أنها لم تثبت؟

ولهذا نراهم في جدلهم مع المؤمنين يقولون: (لا يمكن أن يستدل بـ [نظرية الانفجار العظيم] للقول بأن الكون مخلوق، فهي لا تعدو كونها نظرية، أي أمر لم يثبت، وإنما مجرد افتراض.. ولو ثبت بطلان هذه النظرية فسيفقد المؤمنون بالله دليلهم العلمي الوحيد على وجود الله، ليرجع الأمر إلى ما كان عليه سابقا من دلالة العلم الطبيعي على أزلية المادة، خاصة مع وجود بدائل نظرية كوسمولوجية تقرر أزلية الكون)

وهم يتناسون مدى مطابقة [نظرية الانفجار العظيم] للشواهد المادية والرياضية للكون.. وكونها موثقة بالقرائن العلمية المدعومة بالنبوءات الصادقة للعلماء، وهي بذلك تفسير علمي مدلل عليه لنشأة الكون.

بالإضافة إلى ذلك فإنها ليست وحدها الدليل العلمي الوحيد لخلق الكون، وإنما هناك دلائل أخرى، أو بالأحرى بإمكاننا أن نذكر أن كل الدلائل المادية والرياضية تدل على أن الكون له بداية، ولذلك قال الكوسمولوجي الشهير اللاأدري (ألكسندر فلنكن) سنه 2012م في عيد ميلاد [هوكينج] السبعين، والذي ناقش فيه العلماء أهم نظريات نشأة الكون: (تقول كل الأدلة التي عندنا إن الكون له بداية)

بل إنه أكد هذا الأمر بلغة أكثر حدة، فقال: (لقد قيل إن الحجة هي التي تقنع العقلاء والدليل هو الذي يقنع حتى غير العقلاء. لم يعد بإمكان علماء الكون، بعد أن قامت الآن الأدلة، أن يتخفوا وراء إمكانية وجود كون أزلي. لم يعد هناك مهرب، عليهم أن يواجهوا مشكلة البداية الكونية)

وهم يتناسون أيضا (القانون الثاني للديناميكا الحرارية) الذي له مكانة خاصة بين القوانين الكونية التي كشفها العلماء، حتى اعتبره عالم الكون (إدنجتون) القانون الأول لكل العلوم، وإن أية نظرية علمية تتعارض مع هذا القانون لا تملك أملا في البقاء، وإنها ستنهار ضرورة.

التفت لزملائه من العلماء، وقال: لست أدري ما أقول لكم، فأنتم أدرى مني بكل كلمة قلتها.. ولا أحتاج أن أوثق لكم أي نصي، فأنتم تعلمون مصادري بدقة.. ولا أملك في الأخير إلا أن أذكركم بما قاله سميي [جوهانس كبلر]، فقد قال: (كنت أنوي أن أصبح لاهوتيا… لكني أرى الآن أن الله تمجد أيضا من خلال نشاطي في مجال علم الفلك، ذلك لأن السماوات تحدث بمجد الله)

***

جلس [جوهانس]، فقام عالم آخر، وقال: شكرا جزيلا صديقنا العزيز [جوهانس] على المعلومات القيمة التي أدليت بها.. ونشكرك أكثر على النصيحة الغالية التي نصحتنا بها.. وأنا لا أملك في هذا المقام إلا أن ألتزم بها، فقد ألزمتنا الحجة، ولهذا فأنا [أنطوني] سمي [أنطوني فلو] ذلك الفيلسوف والعالم الذي عاش فترة طويلة من حياته في الإلحاد، حتى أنه اشتهر بكونه فيلسوف الإلحاد، لكونه ظل ما يقارب ستين عاماً يدافع عن الفكر الإلحادي في جامعات أكسفورد وأبيردين وكيلي وريدينغ وفي كثيرمن الجامعات الأمريكيه والكنديه التي قام بها بزيارتها، مستخدما لذلك كل الوسائل من مناظرات وكتب ومقالات وغيرها.

لكنه لم يجد في الأخير ملاذا إلا في الإيمان، فكتب كتابه الذي ينتقد فيه نفسه، وسماه [للكون إله]، وقد عبر لي عن سبب اختياره الإيمان، فقال: (لقد أثبتت أبحاث علماء الأحياء في مجال الحمض النووي الوراثي، مع التعقيدات شبه المستحيله المتعلقه بالترتيبات اللازمه لإيجاد الحياة أثبتت أنه لابد حتماً من وجود قوة خارقة وراءها).. وقال لي: (لقد أصبح من الصعوبه البالغه مجرد البدء في التفكير في إيجاد نظرية تنادي بالمذهب الطبيعي لعملية نمو أو تطور ذلك الكائن الحي المبني على مبدأ التوالد والتكاثر)

هذا الرجل الذي قال هذه الكلمات هو نفسه الذي عبر عن امتعاضه وكراهيته لنظرية الانفجار العظيم قبل تحوله إلى الإيمان، فقد قال:(الاعتراض جيد للروح، وهذا قول مشهور، لذلك سأبدأ بالاعتراف بأنه على الملحد مهما كانت طبقته أن يرتبك من هذا التوافق العلمي الكوني المعاصر، لأنه على ما يبدو أن علماء الكون اليوم يقدمون برهاناً علمياً لما ناضل من أجله [السير توماس]، ولم يستطع البرهان عليه فلسفياً، وبالتحديد الاسمى هو أن للكون بداية، وطالما أن الفكرية مريحة في عدم وجود بداية أو نهاية للكون، فيبقى هذا الأمر بشكله الوحشي أسهل للمناقشة، ومهما كانت مظاهر الأساسية فيجب قبولها على أنها قمة التفسيرات، ومع اعتقادي بأن فكرة أن للكون بداية ستبقى صحيحة مع ذلك فهي ليست سهلة ولا مريحة، ونحن بالتأكيد سنحافظ على موقفنا في مواجهة قصة الانفجار الكبير)

***

جلس [أنطوني]، فقام عالم آخر، وقال: شكرا جزيلا صديقنا العزيز [أنطوني] على معلوماتك القيمة ونصيحتك الغالية، وأنا لا أملك إلا أن أردد مارددتم.. فضموني إليكم.. ضموني إلى فريق العلم والإيمان.. ضموا صديقكم [مايكل] سمي [مايكل فاراداي] العالم الرائد في الكهرباء، والمسؤول عن اختراع المولد الكهربائي والمحول الكهربائي، والذي كان من أوائل صانعي المحركات الكهربائية..

والذي لم يمنعه علمه ولا اختراعاته عن الإيمان.. فقد كان يعبر عنه كل حين، وعندما سأله أحدهم عن تخميناته بشأن ما يحصل بعد الموت، أجاب بقوله: (أنت تحدثني عن تخمينات.. ليس عندي أي تخمينات.. بل أنا مستند الى أمور يقينية وأكيدة، لأني عالم بمن آمنت، وموقن أنه قادر أن يحفظ وديعتي الى ذلك اليوم)

وتعقيبا على ما ذكرتم أقول لكم: إن الملاحدة لم ييأسوا بعد ثبوت نظرية الانفجار العظيم.. ولهذا طمع بعضهم في أن تكون [الكوسمولوجيا([2]) الكمومية] هي المخرج من مأزق القانون الثاني للديناميكا الحرارية لتلافي بداية للكون.

 لكن ذلك لم يتم كما أرادوا، فقد نشرت دراسة لـ [آرون وال] أثبتت فيها أن السلطان التام لهذا القانون على كوسمولوجيا الكم يلزمنا بالإقرار بخلق الكون، ولا حل لمواجهة ذلك إلا بتبني إمكانية أن تسير حركة الزمان بصورة عكسية، أي أن يتحرك الزمان إلى الماضي لا من الماضي، وكفى بهذا الحل حجة على عجز الحلول العاقلة عن تفادي اللوازم الإيمانية للقانون الثاني للديناميكا الحرارية.

فلما لم يجدِ هذا راح آخرون يحتالون حيلة أخرى، ليتخلصوا من وجود بداية للكون، منها قول الكاتب الملحد الشهير [إسحاق أزيموف]: (إن العلماء وإن عجزوا اليوم عن تفسير الانفجار العظيم، فسيتمكنون غدا من فعل ذلك لأن العلم يتطور تبعا لما يكتسبه من معلومات جديدة)

وقد علق عليه (جاسترو) بقوله: (أنا متشبث بفكرة أن العلم لن يتمكن من أن يفك شفرة سبب الانفجار الكوني مادام يظهر أن الكون كان لامتناهي الحرارة والكثافة في لحظاته الأولى، يبدو لي هذا الاستنتاج كإحدى الحقائق الصلبة للعلم، مثل التقسيم الكمي للشحنة، وكتلة الإلكترون، واللولب الثنائي للحمض النووي. في رأيي، بإمكان الوضع أن يتغير فقط إن أطيح بالانفجار العظيم من خلال الكشف عن معلومات جديدة، ولكن في ضوء اكتشاف إشعاع الكرة النارية الأولي على يد (بنزياس) و(ويلسن)، يبدو هذا التطور بعيدا)

التفت لأصدقائه من العلماء، وقال: أنتم تعلمون أنه مرت عقود ثلاثة على التصريح السابق لـ(جاسترو)، لم يكشف البحث العلمي عن أية معلومة جوهرية قادرة على نقض طرح الانفجار العظيم، بل أكد البحث على خلاف ذلك بدعمه سيناريو الحال الملتهبة لبداية الكون.. ولم تقم النظريات الكوسمولوجية الأحدث على معلومات جديدة، وإنما على محاولة إحداث قراءة أولى مختلفة بالاعتماد على نفس المعارف القديمة.

***

جلس [مايكل]، فقام عالم آخر، وقال: شكرا جزيلا صديقنا العزيز [مايكل] على معلوماتك القيمة ونصيحتك الغالية، وسيرا على خطاك وخطى زملائي، فأنا أقر بين أيدكم بما أقررتم به.. فسجلوني في فريقكم المؤمن.

سجلوا [صموئيل] سمي [صموئيل مورس] مخترع التلغراف، ونظام مورس الذي دعي باسمه.. والذي لم يمنعه علمه عن الإيمان، وقد اختار أن تكون أول رسالة رسمية تم نقلها بواسطة التلغراف هي كلمة (ما فعل الله) الواردة في الكتاب المقدس.. وقد وصف عمله الذي أنجزه في حياته بقوله: (إنه عمل الرب… ليس لنا، يا رب، ليس لنا، لكن لاسمك اعط مجدا)

وتتمة لما ذكره زملائي من صراع ملاحدة العلماء مع نظرية الانفجار العظيم، فإني أذكر هنا نموذج [الكون المتذبذب([3])] الذي أرادوا من خلاله أن يعودوا بالكون لحالته الثابتة، فهو يقوم على أن الكون في حال توسع ثم انكماش دائبين منذ الأزل، دون بداية، وذلك للخروج من إشكال الخلق الأول..

لقد عبر الفيزيائي البريطاني (جون غربن)، عن وجهة نظر الملاحدة في هذا المجال، فقال: (الإشكال الأكبر في نظرية الانفجار العظيم المتعلقة بنشأة الكون فلسفي ـ وربما حتى لاهوتي ـ وهو: ماذا كان قبل الانفجار؟ كان هذا الإشكال وحده كافيا لمنح دفعة أولى لـ [نظرية الحال الثابتة]، ولكن بعد أن تبين ـ للأسف ـ أن تلك النظرية معارضة للأمور المشاهدة، كان الطريق الأفضل للالتفاف حول هذا الإشكال الأولي هو في تقديم نموذج يتوسع فيه الكون من [مفردة]، ويعود فينهار بعد ذلك، ثم يعيد دورته هذه دون نهاية)

لكن هذه النظرية لم تكن بأحسن حالا من [نظرية الحال الثابتة]؛ فبعيدا عن الفساد العقلي للقول بعدد لانهائي من الدورات الماضية، قدم العلم ضربات مميتة لهذه النظرية، ومن أهمها أنه لا يوجد دليل مادي على أكثر من انفجار واحد وتمدد واحد للكون.

وقد أشار [فلنكن] إلى أن هذه النظرية تصادم وجود الكون إلى اليوم؛ إذ إنها لو صحت، فلا بد أن يكون الكون قد بلغ مرحلة [التوازن الترموديناميكي] لتتوقف جميع التفاعلات الفيزيائية في الكون، وهو خلاف ما نعلمه ونشاهده من كوننا اليوم.

بالإضافة إلى هذا، فإن الكثافة المشاهدة للكون لا تكفي في أفضل أحوالها لنصف ما يحتاج لانكماش كوني.. ولا توجد آلية فيزيائية معروفة ومعقولة من الممكن أن تحقق الانكماش العكسي المطلوب.

وقد حسب الفلكي [جوزيف سلك] عدد المرات الممكنة لتاريخ تذبذب الكون انطلاقا من المستوى الأنتروبي الحالي للكون، فوجد أن الحالات الممكنة لا يمكن أن تتجاوز مئة مرة، بينما يحتاج الكون لكي يمر بعدد لانهائي من دورات التذبذب المتتابعة أن يبدأ بمقادير مضبوطة ومتقنة من المادة والطاقة والقوانين الحاكمة لها حتى يتمكن من أن يعيش دورة التمدد قبل الانكماش، وهو ما لا تسمح به عشوائية الكون الإلحادي.

بالإضافة إلى هذا.. فإن الكون المتذبذب، حتى لو صح تاريخيا، فإنه لا يمكن أن يكون أزليا لأنه لا يستطيع أن يقاوم عدة عوامل مادية وقانونية مطلوبة، ولذلك قال كل من (زلدوفيتش) و(نوفيكوف) في الحكم على هذا النموذج: (النموذج متعدد الدورات له مستقبل لانهائي، أما ماضيه فهو متناه)

قام رجل من أهل البلدة، وقال: إن سمحت لي، فسألخص ما ذكرت من ردود على منهجنا في التعليم في هذه البلدة، ليفهم العامة من الحاضرين، فعلت.

قال صموئيل: لك ذلك.. بل يسرني ذلك.. فليس غرضي من هذا الحديث زملائي من العلماء، وإنما غرضي الجميع.. عامة الناس وخاصتهم.. فالإلحاد ينتشر بمثل هذه النظريات، وعلينا أن نواجهه بنشر العلم والحكمة وتوضيحها.

التفت الرجل، وقال: بعد إذن أستاذنا الكبير صموئيل.. سأرد على الشبهة التي ذكرها والمتعلقة بالكون المتذبذب من خلال أربعة وجوه([4]):

أما أولها.. فإنه من الناحية التجريبية، يستحيل أن تكون الانفجارات أزلية في القدم لأن كل انفجار يجب أن ينتج كونا له عمرا أطول من الكون السابق.. فإن رجعنا الى الوراء، سيتقلص زمن كل كون في هذه السلسلة، ونعود إلى زمن صغير جدا قريب من زمن بلانك.. وحينها نسأل عن هذا الانفجار الأول، وعن المؤثر الذي أحدثه، وكما ترى فبهذا الرد العلمي أصبحت القضية فقط رجوعا خطوة الى الوراء.

وأما الثاني.. فإن الكون الذي تتحدث عنه خاضع لقوانين، وهذه القوانين التي تجعله ينسحق وينفجر باستمرار.. وتجعل هذا الكون عبارة عن شيء ناقص لا يفسر لنا هذا الوجود.. وحينها نسأل عمن أبدع هذه القوانين غير الحتيمة بذاتها، فهذه الأكوان غير قائمة بذاتها ومحتاجة لمن يقوم عليها.

وأما الثالث.. فإن السلسلة المفترضة إلى ما نهاية لها هي في حد ذاتها ممكنة، لأنها كان يمكن أن تكون لانهائية بشكل آخر، بأكوان أخرى وقوانين أخرى، والممكن حادث، ولا يصح أن يكون قديما، فصار لزاما علينا أن نعود لنقطة معينة حدث فيها الكون الأول.

وأما الرابع.. وهو الدليل الحاسم، فهو يقوم على استحالة تحقق اللانهائية، لأنها مفهوم رياضي مجرد، لا مصداق له في الواقع، ويستحيل تحققه في العالم المادي، لأنه يخالف ببساطة بداهة العقول، فيصير الجزء مساويا للكل، إذ لو أنقصنا انفجارين من هذين الانفجارات، لبقيت السلسلة لانهائية مساوية للسلسلة الأصلية حتى مع الفارق الذي هو كونان أو انفجاران.. وبذلك فإن اثبات اللانهائية من التناقضات.

أو بتعبير آخر يمكن القول أن مجرد افتراض إمكان انفجار آخر ينضاف إلى هذه السلسلة اللانهائية دليل على أن السلسلة في حد ذاتها ليست لانهائية، وإلا لما جاز أن ينضاف إليها انفجار آخر، فعلم أنها محدودة وحادثة.

***

جلس الرجل، فقام عالم آخر، وقال: أتقدم بالشكر الجزيل لأصدقائي من العلماء الذين استطاعوا أن يكسروا صنم الوهم الذي عمر عقولنا فترة طويلة، ومنعنا من رؤية الحقيقة كما هي.. ويسرني أن أكون معكم في هذا المضمار.. أنا [جيمس] سمي ذلك الفيزيائي الكبير [جيمس جول] الذي بيّن العلاقة بين الحرارة والحركة الميكانيكية، ولذا دعيت وحدة الطاقة باسمه [الجول] بالإضافة الى كونه أحد مؤسسي ما عرف بالطاقة الحرارية، وذلك بفضل تقديمه أساسا اختباريا للقانون الأول المختص بالديناميكا الحرارية، والذي يشير إلى أن الكون عاجز عن خلق نفسه بنفسه.

ومع ذلك كله لم يتكبر عن الإيمان بالله، وقد كان يقول: (بعد التعرف على إرادة الله وطاعتها، يجب أن يكون هدفنا التالي هو الاطلاع على خصائص الحكمة والقدرة والصلاح لديه، كما تبرزها أعماله)

وتتمة لما ذكره زملائي من النماذج والنظريات التي راحت تتهرب من آثار وجود بداية للكون النظرية التي يطلق عليها [التضخم الكوني]، وقد اقترحه عالم الفيزياء الفلكية الروسي [أندري لند] في السبعينات من القرن الماضي..

غير أنه عاد في بداية العقد التالي ليقترح نموذجا آخر يعرف بـ [التضخم الجديد]، ثم عاد فانتبه بعد فترة قصيرة إلى عيوب نموذجه الجديد، لينشئ بعد ذلك ما يعرف بنموذج [التضخم العشوائي]، والذي يذكر فيه أنه تنشأ من جوانب الكون الأم أكوان جديدة تتوسع، وتنشأ من جوانبها أيضا أكوان أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية.

ولم تقدم جميع نظريات التضخم الدقيقة في عناصرها وتاريخها أي حجة مادية واحدة لإثبات صدقها، ولذلك أعرب الفيزيائي [جون برو] عن امتعاضه منها بقوله: (للأسف، لا يبدو أن كامل المخطط الكبير للتضخم الأزلي قابل للاختبار)، وقال [هوكينج]: (في رأيي الخاص، نموذج التضخم الجديد هو ميت الآن كنظرية علمية)

ولعل أهم رد على أزلية نموذج [لند] كان بنشر بعض الباحثين دراسة تثبت أن كل نظريات التمدد لا يمكنها أن تتلافى المفردة التي نشأ منها الكون.. ذلك أن (الزمكان المادي المعقول، والمتوسع أبدا، لا بد أن يضم مفردة أولى في تاريخه)، وهو ما أقر به (لند) في رده على هذه الدراسة.

***

جلس [جيمس]، فقام عالم آخر، وقال: أتقدم بالشكر الجزيل لأصدقائي من العلماء الذين فرقوا بين مقتضيات العلم ومقتضيات الخيال والوهم والرغبة..

ويسرني أن أكون شريكا لهم في هذا المضمار.. أنا [وليم] سمي [وليم طومسون]، الذي اشتهر بإرسائه مبادئ الطاقة الحرارية، وبصياغته الدقيقة لكل من قانونها الأول الذي كان العالم جول قد عرضه أولا، ولقانونها الثاني.. هذان القانونان اللذان يبرهنان علميا على حدوث الكون.. بالإضافة إلى ذلك، فهو مكتشف قياس الحرارة المطلقة، والتي أطلق اسمه على وحدتها تكريما له، كما أنه سجل نحو تسعين اختراعا خلال حياته.

ومع ذلك كله لم يتكبر عن الإيمان بالله والتسليم له، بل كان يقول دائما: (كل ما حولنا يشير بوضوح تام إلى خطة حكيمة وصالحة.. أما فكرة الإلحاد فهي بعيدة كل البعد عن المنطق السليم بشكل أعجز عن التعبير عنه بالكلمات)

وتتمة لما ذكر زملائي من النماذج والنظريات التي أرادت التهرب من أي دليل يدل على وجود بداية للكون.. فإني أذكر ما يسمى [نظرية الأوتار].. وهي مجموعة من الأطروحات التي تنطلق من الزعم أن المادة ليست بناء من الجسيمات مثل الكواركات، وإنما هي في الحقيقة مجموعة أوتار من الطاقة صغيرة الحجم، ذات بعد واحد وطبيعة اهتزازية.

وربما لم تعرف أي نظرية حجما من الإشكالات مثلما عرفت [نظرية الأوتار]، فرغم أنها إلى الآن تبحث لنفسها عن أشكال ممكنة إلا أن الدعاية الإعلامية لها واسعة لغرابتها وتطرفها.

وهذه النظرية تقدم صيغتين اثنتين للوجود الكوني، أما أولاهما فقدمها الفيزيائيان [غبريال فنزيانو] و[موريزيو غسبريني]، وهي تقرر أن الانفجار العظيم هو مرحلة بين انكماش سابق وتمدد لاحق.. حيث تكون قبل الانفجار العظيم ثقب أسود في الفراغ الأزلي المستقر، وقد أدى انهياره إلى ظهور النسب اللاحقة من الحرارة والكثافة وغير ذلك، مما أدى إلى التوسع اللاحق.

وقد انتقدت هذه النظرية انتقادات كثيرة جدا.. وأبرز انتقاد لها هو غياب الدليل المادي عليها.. بالإضافة إلى عدم اكتمال تأصيلها النظري، حيث يلزم من نشوء الثقوب السوداء في الفراغ الكوني في أي رقعة منه أن تكون نشأة هذه الثقوب من الأزل، وهو ما يخالف واقع عمر كوننا الصغير سنا نسبيا.

كما يلزم من ذلك أيضا أن تندمج الثقوب السوداء في بعضها منذ الأزل لتكون ثقبا أسود مساويا في امتداده للكون، وهو ما يؤول إلى أن يكون زمن ما بعد الانفجار العظيم قديما من الأزل، كما يلزم من كون الكون مغلقا أن يصل إلى حال التوازن الترموديناميكي، وهو ما لم يبلغه كوننا بعد.

***

جلس [وليم]، فقام عالم آخر، وقال: أتقدم بالشكر الجزيل لأصدقائي من العلماء الذين استطاعوا أن يتجاوزوا مفرزات الخيال والوهم والرغبة ليتحرروا بالحقيقة عن كل القيود.. ويسرني أن أكون شريكا لهم في هذا المجال.. أنا [جايمس] سمي [جايمس كلارك ماكسويل]، صاحب نظرية الكهرطاسية، مع ما يرافقها من معادلات، والتي مهدت السبيل أمام فيزياء القرن العشرين..

والذي لم يمنعه علمه من أن يؤمن بالله، ويخضع له بالعبودية، وقد كان من صلواته التي حفظت في وثائقه قوله: (اللهم القادر على كل شئ، يا من خلقت الإنسان، وجعلته نفسا حيا حتى يتسنى له أن يطلب وجهك، كما سلطته على المخلوقات، علمنا أن ندرس أعمال يديك بهدف تسخير الأرض لخدمتنا، وعزز دوافعنا المقدسة لخدمتك)

وتتمة لما ذكر زملائي وأصدقائي أذكر نموذجا من نماذج التهرب من وجود بداية للكون.. وما يعقبها من الآثار.. وهذا النموذج هو ما يسمى [نموذج التحول الناري]، والذي انتصر له [بول ستينهارت]، وهو في أحدث صوره، يفترض وجود غشائين أزليين، ينتج من تكرر تصادمهما ثم تباعدهما كون جديد.

وهذه النظرية محض خيال، فسلسلة التصادم اللامتناهية محالة عقلا.. بالإضافة إلى أنها تعاني إشكالات داخلية عميقة، فالدقة العالية المطلوبة لتوازي هذين الغشائين حتى عند تباعدهما لا يفسر بغير الصنعة الحكيمة.

بل إن [ستينهارت] الذي انتصر لها، صرح أنه لا يلزم من نموذجه أن تكون التذبذبات لا نهائية في الماضي، بل اعترف أن لنموذجه التذبذبي بداية في قوله: (القصة الأرجح هي أن التذبذب قد ابتدأ ببداية مفردية)، ولذلك رد ما قبل تلك البداية إلى الغيب، ليصبح هذا النموذج في ذاته قاصرا عن إثبات أزلية الكون، بل قائلا إن له بداية نشأ منها.

***

جلس [جايمس]، فقام عالم آخر، وقال: أتقدم بالشكر الجزيل لأصدقائي من العلماء الذين استطاعوا أن يحطموا الكبر الحائل بين العقل والإيمان، ويعترفوا بالحقيقة العظمى التي لا مناص لنا من الاعتراف بها.. ويسرني أن أكون شريكا لهم في هذا الاعتراف.. أنا [فرانك] سمي [فرانك ألن] عالم الطبيعة البيولوجية، والأخصائي في البصريات الفسيولوجية وإنتاج الهواء السائل، والحائز على وسام توري الذهبي للجمعية الملكية بكندا.

والذي لم يمنعه علمه من أن يصرح بالإيمان بالله، بل يدعو إليه، ويبرهن عليه، ومن أقواهل في ذلك: (كثيرا ما يقال إن هذا الكون المادي لا يحتاج إلى خالق، ولكننا إذا سلمنا بأن هذا الكون موجود فكيف نفسر وجوده ونشأته؟)

ثم راح يفرض أربعة احتمالات للإجابة هي (إما أن يكون هذا الكون مجرد وهم وخيال، وهو ما يتعارض مع القضية التي سلمنا بها حول وجوده.. وإما أن يكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم.. وإما أن يكون أبديا ليس لنشأته بداية.. وإما أن يكون له خالق)

ثم راح يفند الاحتمالات واحدا واحدا بطريقة علمية، فلا يبقى من احتمال يقبله العقل السليم إلا التسليم بوجود الله.

فقد ذكر الاحتمال الأول، وذكر أنه (لا يقيم أمامنا مشكلة سوى مشكلة الشعور والاحساس، فهو يعني أن إحساسنا بهذا الكون وإدراكنا لما يحدث فيه لا يعدو أن يكون وهما من الأوهام ليس له ظل من الحقيقة.. وتبعا لهذا الرأي نستطيع أن نقول إننا نعيش في عالم من الاوهام.. وهو رأي وهمي لا يحتاج إلى مناقشة أو جدال)

أما الاحتمال الثاني والذي ينص على أن هذا العالم بما فيه من مادة وطاقة نشأ هكذا وحده من العدم، فهو لا يقل عن سابقه سخفا وحماقة، ولا يستحق هو أيضا أن يكون موضعا للنظر أو المناقشة.

أما الاحتمال الثالث والذي ينص على أن هذا الكون أزلي، ليس لنشأته بداية، فهو يشترك مع الرأي الذي ينادي بوجود خالق لهذا الكون، وذلك في عنصر واحد هو الازلية، ونحن حينها (إما أن ننسب صفة الأزلية إلى عالم ميت، وإما أن ننسبها إلى إله حي يخلق.. وليس هنالك صعوبة فكرة في الأخذ بأحد هذين الاحتمالين أكثر مما في الآخر، لكن قوانين الديناميكا الحرارية تدل على أن مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجيا، وأنها سائرة حتما إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض هي الصفر المطلق، ويومئذ تنعدم الطاقة، وتستحيل الحياة)

بعد تفنيده لهذه الاحتمالات راح يصرح بالحقيقة التي يدل عليها كل شيء، فقال: (ومعنى ذلك أنه لابد لأصل الكون من خالق أزلي ليس له بداية، عليم محيط بكل شيء، قوي ليس لقدرته حدود، ولابد أن يكون هذا من صنع يديه)

هذه مقولة سميي [فرانك ألن] التي كنت أذكرها كل حين، لكن الهوى كان يصرفني عنها.. والحمد لله الذي وفقني للانتصار عليه في هذا المجلس.

وتتمة لما ذكر زملائي من النظريات والنماذج التي راحت تتهرب من آثار وجود بداية للكون ما يسمى [نماذج التذبذب الفراغي]، حيث تذهب معظم نظريات التضخم إلى أننا كلما عدنا إلى الخلف وراء حاجز بلانك ـ أي الثانية 10 ـ 43 من الانفجار العظيم ـ انكمش الكون حتى يصبح مفردة.

وتذهب إلى أن العالم قبل تضخمه لم يكن ككل يتوسع، وإنما كان فراغا بدائيا في حال ثبات أزلي، وكانت تفاعلات الطاقة مستمرة في هذا المجال الفراغي، وهو ما نتج عنه تحول الطاقة إلى مادة، وبالتالي نشوء أكوان صغيرة، وبذلك فإن لكوننا بداية لا تمثل البداية المطلقة، وإنما هي مجرد تغير في الكون الأزلي.

وهذا النموذج كغيره من النماذج لم يفلح في التهرب من وجود بداية للكون..

سكت قليلا، ثم قال: أنتم ترون أن هذه النماذج راحت تحاول أن تقدم حلولا مغرية للخروج من إشكالية الكون المخلوق مع الاعتراف بحقيقة ابتداء كوننا وتمدده، لكنها لم تتجاوز في تاريخ حياتها العقد الثامن من القرن العشرين، بسبب وجود إشكالات في آليات توليد المادة..

بالإضافة لمواجهتها إشكالات داخلية عميقة.. منها أن افتراض أزلية الكون يقضي أن تنشأ من الطاقة أكوان أزلية لا نهائية العدد، لتندمج بعد ذلك فيما بينها، وهذا ما يخالف حقيقة كوننا صغير السن نسبيا.. فأزلية الطاقة الأولى التي يستحيل معرفة سبب تحولها إلى مادة، تقضي أن يكون ما ينشأ منها أزليا.. والحل الوحيد للإشكال السابق هو افتراض تضخم الفراغ الأول، وهو ما سيعيدنا إلى افتراض بداية مطلقة للكون، وهو ما يفر منه الملاحدة.

لقد عبر عالم الكونيات الكمومية الشهير [كريستوفر إشام] عن فشل هذا النموذج، فقال: (لقد تم التخلص من هذه النظرية منذ فترة بعيدة، ولم يتم إحياؤها منذ ذلك الحين)

***

جلس [فرانك]، فقام عالم آخر، وقال: أتقدم بالشكر الجزيل لأصدقائي من العلماء الذين حطموا جدار الكبر في نفوسهم، وراحوا يصرحون بما يقتضيه العقل من الإيمان.. ويسرني أن أكون شريكا لهم في هذا الاعتراف.. أنا [جورج] سمي [جورج ايرل دافيز] عالم الطبيعة، ورئيس قسم البحوث الذرية بالبحرية الأمريكية، والأخصائي في الإشعاع الشمسي والبصريات الهندسية والطبيعية.

والذي لم يمنعه علمه من أن يصرح بإيمانه بالله، بل يكتب المقالات العلمية في الدعوة إليه، ومن أقواله في ذلك، والتي سجلها في بعض مقالاته: (تعددت الأسباب التي تدفع بالإنسان إلى إعادة النظر في أمور الدين، ولكننا نؤمن أنها ترجع جميعا إلى رغبة البشر رغبة صادقة في الوصول إلى الحقيقة)

ثم راح يفرق بين انتقاد بعض المفاهيم أو الممارسات الدينية وبين الإيمان بالله، فقال: (ينبغي أن نفرق في هذا المقام بين معارضة الدين أو الخروج عليه ويبين الإلحاد، وأن نعترف بأن من يخرج على بعض الأفكار التقليدية التي ينطوي عليها دين من الأديان، لكي يؤمن بوجود إله قوي كبير، لا يجوز أن نعده بسبب ذلك وحده ملحدا.. فمثل هذا الشخص قد يكون غير معتنق لدين من الأديان، ولكنه يؤمن بالله، وقد يكون إيمانه هذا بالله قائما على أساس متين)

ثم راح يفند تلك المقولة التي تجعل العلم حكرا على الملاحدة، فقال: (وليس معنى ذلك أننا ننكر وجود الإلحاد والملحدين بين المشتغلين بدراسة العلوم، إلا أن الاعتقاد الشائع بأن الإلحاد منتشر بين رجال العلوم أكثر من انتشاره بين غيرهم، لا يقوم على صحته دليل، بل إنه يتعارض مع ما نلاحظه فعلا من شيوع الإيمان بين جمهرة المشتغلين بالعلوم)

هذا بعض ما ذكره.. وتتمة لما ذكره زملائي وأصدقائي من نماذج التهرب من وجود بداية للكون، وما يتبعه من آثار.. فإني أحب أن أضيف إلى ما ذكروا ما يطلق عليه [نموذج هارتل ـ هوكينج] لنشأة الكون.

وهو نموذج أوهم الكثير من المستعجلين أن هناك زمنا قبل الانفجار العظيم، مع أن الحقيقة هي أن الزمن الذي قبل الانفجار في نموذج هوكينج هو عبارة عن (زمن تخيلي)، وقد افترضه هوكينج لتصح معادلاته دون أن يرى له حقيقة، وكانت غايته تلافي المفردة التي نشأ منها كوننا، ولذلك اعترف بقوله: (عندما يعود المرء إلى الزمن الحقيقي الذي نعيش فيه، ستظل هناك مفردات)

وقد ذكر الفيزيائي [جون برو] أن من دأب الفيزيائيين الذين يعمدون كثيرا إلى تحويل الزمن إلى مكان لمعالجة بعض إشكالات ميكانيكا الكم، دون أن يتصوروا أن الزمن هو في الحقيقة مثل المكان.. ولذلك يعمدون في نهاية الحساب إلى التفسيرات الاعتيادية للوجود على أنه بعد زمني واحد وثلاثة أبعاد للمكان.

ولعل أحسن مثال على اعتماد هذا (الزمن التخيلي) ما قام به عالم الكيمياء (ويليام هـ. ملر) سنة 1969م عندما استعمله لفهم ديناميكية التفاعلات الكيميائية، ونال بذلك مجدا علميا، دون أن يتحول الزمن التخيلي عنده إلى حقيقة موضوعية.

وهكذا فإن ما فعله هوكينج هو أنه تخلص من المفردة التي تمثل فيزيائيا بداية المكان والزمان ليصبح تاريخ بداية الزمان كقاعدة ناعمة وليس كنقطة كما في النماذج الكلاسيكية، وبذلك لا توجد للبداية نقطة أولى.. وهو تصور رياضي لا يمكن نقله إلى الواقع، أو بعبارة [فلنكن] مجرد (ملاءمة حاسوبية)

ولذلك قال الفيزيائي [دافيد بارك]: (من السهولة المخادعة تصور أحداث قبل الانفجار العظيم..، لكن لا سبيل البتة في الفيزياء لأن يكون لهذه التصورات معنى)

وهكذا نرى أن نظرية هوكينج لم تتخلص من بداية للكون، فالأمر كما يقول [فلنكن] في تصويره لنماذج الكونيات الكمومية أنها تقرر أن (الكون قد بدأ صغيرا، شكل هندسي ثلاثي الأبعاد، ويدخل مباشرة في نسق التضخم، مع تشكل مناطق حرارية جديدة بصورة دائمة. للكون بداية في هذه الصورة ولكن لا نهاية له)

وأحب أن أذكر هنا فقط بأن هوكينج صرح بأنه يلزم من وجود بداية للكون وجود خالق له؛ فهو الذي أعلن أنه (إذا كانت للكون بداية، فعلينا أن نفترض أن للكون خالقا، ولكن إذا كان الكون مكتفيا بنفسه بصورة تامة، دون أن يكون له حد أو حافة، فلن تكون له بداية ولا نهاية)

حركة الكون:

بعد انتهاء العلماء من حديثهم عن الانبثاق الكوني، قام بعض الحضور، وقال: لقد ورد في أحاديثكم عن بداية الكون الحديث عن ظاهرة توسع الكون.. فما هي هذه الظاهرة؟.. وهل تقوم على أسس علمية، أم أنها مجرد دعاوى؟.. وهل يمكن الاستدلال بها بعد ذلك على وجود بداية للكون؟

قام بعض العلماء، وقال: يمكن القول بأن البداية العلمية للإقرار بهذه الظاهرة الكونية حصلت حين أعلن عالم الفلك المشهور [هابل] عام 1929 بأن المجرات تبتعد بسرعة عنا في جميع الاتجاهات، وأنها تخضع لعلاقة طردية مباشرة بين المسافة والزحزحة الطيفية نحو الأحمر، واستنتج وفقاً لظاهرة دوبلر أن الكون يتمدد.. بل قد تمكن هابل في عام 1930من إيجاد هذه العلاقة وسميت باسمه وهي تنص بأن (سرعة ابتعاد المجرات الخارجية تتناسب طردياً مع بعدها عنا)

وقانون هابل يدل على أن الأجرام السماوية في الكون تبتعد بسرعة عنا في جميع الاتجاهات، أي أن الكون في حالة تمدد أينما كان موقعنا في الكون.

سكت قليلا، ثم قال: لقد علم [أينشتاين] أن الحسابات تقوده إلى كون غير مستقر في حجمه، فاضطر للهروب من هذه النتيجة البغيضة إليه أن يفترض سنة 1917م وجود ما سماه بـ [الثابت الكوني] كإضافة إلى نظريته في النسبية العامة، حتى يتحقق الاستقرار الكوني بالتغلب على سلطان الجاذبية بوجود قوة تنافر تفعل فعلا معاكسا لفعل الجاذبية، لكنه اضطر إلى التنازل عن رأيه والإقرار بتوسع الكون بعد اكتشاف [هابل] في آخر العقد الثاني من القرن العشرين لدليل مدرك لتنائي المجرات عنا.

وهكذا نشر بعض الباحثين سنة 2003 بحثا تحت عنوان [الزمكانات المتضخمة غير تامة من جهات الماضي]، وأثبتوا فيها أن الكون اللامتناهي في الزمان لا يتوافق مع نظرية أينشتاين النسبية التي ثبت صدقها علميا منذ زمن.

التفت لزملائه من العلماء، وقال: أنتم تعلمون أن [هوكينج] أبدى استغرابه من عدم الكشف عن تمدد الكون قبل القرن العشرين؛ إذ إنه من المستحيل أن يوجد كون ثابت من الأزل تعمل فيه الجاذبية عملها الجذبي، وعلق على ذلك قائلا: (كان الكشف عن توسع الكون إحدى أكبر الثورات الفكرية في القرن العشرين، من السهل أن نتساءل بصورة متأخرة: لم لم يفكر أحد في ذلك من قبل، لقد كان على نيوتن والآخرين أن يكتشفوا أن الكون الثابت لا بد أن يبدأ عن قريب في الانكماش تحت تأثير الجاذبية)

ومن الحجج الأقوى اليوم لدلالة التوسع على نفي أزلية الكون، (مبرهنة بورد وغوث وفلنكن) على أسماء علماء الكون الثلاثة الذين طوروها سنة 2003م، وقد لقيت قبولا كبيرا في أوساط الكونيين في العالم، وهي تقرر أن كل كون أو أكوان تتمدد بدرجة أعلى من الصفر، فلا ريب أنها تعود إلى بداية ولا يمكن أن تكون أزلية.

ولخص الثلاثي أصحاب المبرهنة دراستهم بقولهم: (النموذج الكوني المتضخم ـ أو حتى المتوسع بسرعة كافية ـ لا بد أن يكون غير تام في الاتجاهات الماضية للعدم والزمان).. فطبيعة الحركة المتمددة للكون تحمل إذن في ذاتها دلالة فيزيائية على أن الكون لا يمكن أن يكون أزليا.

قام رجل من أهل البلدة، وقال:بناء على ما ذكرتم هل يستمر الكون في الاتساع؟ أم أن قوة الجاذبية الموجودة بين المجرات تستطيع إيقاف هذا الاتساع؟.. وبعبارة أخرى: هل تنتصر قوة التوسع المتولدة من الانفجار الكبير، أم ستنتصر قوة الجاذبية؟

قال: لا شك أنه إذا كانت قوة الجاذبية أكبر من قوة الاتساع الكوني، فلا بد أن سرعة الاندفاع ستقل تدريجيا حتى تقف تماما، ثم ترتد المجرات متراجعة القهقرى ومتوجهة نحو مركز واحد، ونحو التحام بعضها مع البعض الآخر.. وعندما يتم هذا الالتحام تذوب المجرات كلها.. وتكون هذه هي نهاية الكون.

ولكن إن كانت قوة الاندفاع أكبر من قوة الجاذبية فإن الكون سيستمر في الاتساع.. ولكن هذا الاتساع المستمر لن ينقذه من مصيره المحتوم، أي من [الموت الحراري]، إذ يصبح الكون بعد موته حراريا كونا ميتا ومتسعا.. أي يكون كمقبرة كبيرة تتسع على الدوام.

قال الرجل: ولكن ما العامل الذي يقرر إن كانت الغلبة ستكون لقوة الجاذبية أم لقوة الاتساع؟

قال العالم: يعود ذلك لكمية المادة الموجودة في الكون.. أو على الأصح إلى كثافة المادة الموجودة في الكون.. فهي التي تقرر هذا الأمر.. وقد حسب العلماء الكثافة التي إن بلغتها أو تجاوزتها مادة الكون انتصرت قوة الجاذبية على قوة الاندفاع الكوني، وأطلقوا عليها اسم [الكثافة الحرجة].. فإن كانت كثافة مادة الكون تبلغ هذه الكثافة أو تزيد عليها انتصرت قوة الجاذبية، وإن كانت أقل انتصرت قوة التوسع الكوني.

قال الرجل: فهل يعني هذا ان الكون سيستمر في الاتساع؟

قال العالم: هذا ليس شرطا أو أمرا لازما، ذلك لأن ما حسبه الإنسان من المادة ليس هو كل المادة الموجودة في الكون، فمثلا هناك الثقوب السوداء التي تحتوي على مادة هائلة وذات كثافة عالية جدا..

وهذه الثقوب لا يمكن مشاهدتها أبدا، لأن قوة جاذبيتها هائلة جدا لا يفلت منها أي شعاع ضوء.. لذا يجب اضافة كميات المادة الموجودة في جميع الثقوب الموجودة في الكون، وهو أمر مستحيل حاليا..كما توجد كميات هائلة من الغبار الكوني غير المحسوبة بين المجرات. أي أن سؤال [هل سيستمر الكون في الاتساع أم سيرجع القهقرى إلى الوراء؟] بقى حاليا دون إجابة حاسمة.

قال الرجل: إن ارتد الكون على أعقابه والتحم بعضه ببعض، فهل هناك احتمال لانفجار جديد يعيد قصة الكون من جديد؟

قال العالم: إن شئت الصراحة.. فإن هناك أنموذج ضمن نظرية الانفجار الكبير وضعه الذين لم تعجبهم النتائج الميتافزيفية لتلك النظرية، ويدعى بـ [الانموذج النبضي] أو [الانموذج التذبذبي]، أو نظرية [نوسان الكون].. وخلاصتها أن الكون يتسع منذ الأزل بانفجارات كبيرة ثم يرتد إلى الوراء ويرجع كرة صغيرة وكثيفة، ثم تنفجر هذه الكرة مرة أخرى..وبذلك حاولوا أن يحلوا المشكلة، ويعودوا إلى الكون الأزلي.

قال الرجل: فما رأيك في هذا النموذج؟

قال العالم: هذا الأنموذج أنموذج خيالي تقف دونه حقائق علمية عديدة، منها أنه عندما يلتحم الكون بعضه مع البعض الآخر، ويرجع كرة صغيرة ذات كثافة عالية وهائلة جدا لا يستطيع العقل تصورها، فإنه يصل آنذاك إلى حالة التفردية..

وهي حالة خاصة جدا لا تعود القوانين الفيزيائية تسري فيها، وليس هناك أي حل ولا أي اقتراح ولا أي معادلة قدمها العلماء للخلاص من هذه الحالة.. والثقوب السوداء التي تسود فيها حالة التفردية خير مثال على هذه الحالة..والثقب الأسود لا يستطيع إنقاذ نفسه من أسر هذه الحالة، إذن فكيف يستطيع الكون الهائل الواصل إلى هذه الحالة إنقاذ نفسه؟

قال الرجل: فلنفرض أن الكون استطاع التخلص من أسر هذه الحالة وحدث فيه انفجار آخر؟

قال العالم: لو فرضنا المستحيل، أي لو فرضنا ما ذكرت من أن الكون استطاع التخلص من أسر هذه الحالة، وحدث فيه انفجار آخر، فإن هذا لا يحل المعضلة، إذ ستظهر عندئذ مشكلة أخرى، وهي مشكلة تزايد الأنتروبيا وتراكمها من الدورات السابقة، وهذا يمنع استمرار الانفجار والاتساع مرة أخرى..أي أن الكون لا يمكن أن يكون أزليا.

بالإضافة إلى ذلك، فإنه لو كانت مثل هذه الانفجارات العديدة موجودة لرأينا آثارها في الإشعاع الكوني.. بينما لا يرى العلماء سوى آثار الانفجار السابق فقط.

قام عالم آخر، وقال: صدقت.. بالإضافة إلى ما ذكرت، فلو قبلنا الفرضية المستحيلة، وهي وجود سلسلة متعاقبة من الانفجار ثم الانغلاق، لما كان في مقدور هذه الفرضية تقديم أي عون لأنصار التطور في موضوع [الأنتروبيا] ذلك لأنه لابد من وجود تزايد في الأنتروبيا في كل سلسلة من هذه السلاسل، وفي كل دورة من دوراتها.. وتزايد الأنتروبيا في كل دورة.. ولنقل انها تستغرق 50 مليار سنة.. يمنع انتقال المادة ذاتيا وتلقائيا من مستوى تنظيم معين إلى مستوى تنظيم أرقى وأعلى، ويمنع تطور المادة من الأشكال البسيطة إلى الأشكال المركبة والمعقدة.

قام عالم آخر، وقال: صدقتما.. وأحب أن أضيف إلى ما ذكرتم ما ذكره [روبرت م.أغروس] و[جورج ن.ستانسيو] في كتابهما [العلم في منظوره الجديد] حول الموضوع.. فقد ذكرا أن البعد الفلسفي هو الذي دعا لهذه النظرية، وليس البعد العلمي، ونقلا عن [ستيفن فاينبرغ] مؤلف كتاب [الدقائق الثلاث الأولى] الذي يصف فيه وصفا دقيق المراحل الأولى من نشأة الكون، قوله: (بعض المتخصصين في علم الكونيات تشدهم نظرية نوسان الكون [الانكماش العظيم] فلسفيا خصوصا، وأنها تتجنب ببراعة، شأن نظرية استقرار حال الكون مشكلة النشأة الأولى، غير أنها تواجه صعوبة نظرية شديدة واحدة: ففي كل دورة من تمدد الكون وانكماشه تطرأ على نسبة الفوتونات إلى الجسيمات النووية (أو على الأصح درجة التعادل الحراري لكل جسيم نووي) زيادة طفيفة بفعل نوع من الاحتكاك يعرف بلزوجة الحجم.. وفي هذه الحالة، في حدود ما نعلم، سيبدأ الكون في كل دورة جديدة بنسبة جديدة للفوتونات إلى الجسيمات النووية تكون أكبر من سابقتها بقليل.. وهذه النسبة ضخمة في الوقت الحاضر ولكنها متناهية، بحيث يصعب ان نتصور كيف يمكن أن يكون العالم قد مر في السابق بعدد من الدورات غير متناه)

وصدق [ستيفن فاينبرغ] فيما ذكره، فقد استند في ذلك إلى نتيجة محتومة مترتبة على إحدى الخواص الجوهرية للمادة، وهي القانون الثاني للديناميكا الحرارية الذي ينص على أن المادة إذا ضغطت سخنت وارتفعت درجة تعادلها الحراري (الأنتروبيا).. وهكذا كلما ازداد عدد [الانكماشات العظيمة] للكون ازدادت حرارته ودرجة تعادله الحراري.. وحيث أن درجة حرارة الكون ودرحة تعادله الحراري محدودتان في الوقت الراهن، فلا بد من أنه كانت له بداية.

ومن المفترض ان يبدأ كل [انفجار عظيم] في إطار نوسان الكون بدرجة حرارة أعلى من درجة حرارة الانفجار الذي سبقه.. ومن هنا لزم أن تكون درجة حرارة الكون في ختام سلسلة طويلة من الانفجارات العظيمة والانكماشات العظيمة أعلى كثيرا من 3،5 درجة مطلقة.

قال عالم آخر: الواقع أن الحجج المستفيضة المتعلقة بالديناميكية الحرارية لا تشير إلى أي تكرار على الاطلاق في عملية التمدد الأصلي.. وقد قال الفيزيائي [سدني أ.بلودمان]: (إن عالمنا لا يمكن له أن يرتد في المستقبل.. والأكوان المغلقة منسوبة إلى فريدمان كانت تسمى فيما مضى بـ [الأكوان المتذبذبة]، ونحن ندرك الآن أن أي كون مغلق لا يمكن أن يمر إلا بدورة واحدة من دورات التمدد والانكماش بسبب ضخامة الأنتروبيا المتولدة في كوننا الذي هو أبعد ما يكون عن النوسان.

قال آخر: سواء أكان الكون مغلقا أم مفتوحا، مرتدا أم متمددا على وتيرة واحدة، فإن التحولات غير المعكوسة في أطوار الكون تدل على أن للكون بداية ووسطا ونهاية محددة.. ولذلك فإن نظرية النوسان لا تنسجم مع النسبية العامة.

قال آخر: لقد عبر [جون ويلر] عن هذه المعاني، فذكر أن عملية انكماش كبيرة واحدة من شأنها أن تنهي الكون إلى الأبد.. يقول في ذلك: (لو حصل انهيار في الجاذبية فسنكون قد وصلنا إلى نهاية الزمن، ومامن أحد قط استطاع أن يجد في معادلات النسبية العامة أدنى حجة تؤيد القول بعملية تمدد أخرى أو بوجود [كون ذي دورات] أو أي شىء آخر سوى النهاية)

قال آخر: يبدو من كل هذه الطروحات أن المادة ليست أزلية بالرغم من كل شيء.. كما يعلن عن ذلك عالم الفيزياء الفلكية [جوزف سلك] بقوله: (بداية الزمن أمر لامناص منه)

***

ما انتهى العلماء من شرحهم لنظرية توسع الكون حتى قام أحدهم، وقال: شكرا جزيلا لأصدقائي على هذه الطروحات العلمية، وأنا أحب أن أفعل مثلما فعل أصدقائي الذين آثروا الإيمان، ورجعوا إليه، وخلعوا عن عقولهم جميع أوهام الإلحاد.. ويسعدني أن أنضم إلى حلقتهم الإيمانية..

أنا [راسل] سمي ذلك الفيزيائي الشهير [راسل ستانارد] الذي عبر عن رفضه لأمثال تلك الطروحات التي لبست لباس العلم والفيزياء لتبتعد الله، وتلغي وجوده، ومن أقواله في ذلك: (إن فلسفة هوكينج تحديدا ما أعارضه، فهي كما وصلتني مثال واضح على التعالم، فطرح أن العلم هو مصدر المعلومات الوحيد، وأننا لدينا فهم كامل لكل شيء هراء، بل هراء خطير أيضا، فهو يشعر العلماء بالكبر والغرور بشكل مبالغ فيه)

وقال عن [نظرية الأوتار]: (إنها نظرية تحتاج لمصادم هيدروني بحجم مجرة لاختبارها وهذا غير ممكن.. حسنا لو قلنا ـ طبقا للنظرية ـ إن الكون خلق نفسه، فمن أوجد النظرية؟ ومن أوجد القوانين الفيزيائية الخاصة بها؟.. ورغم ذلك فلا توجد لها معادلة فيزيائية حتى الآن.. أطلب منهم أن يكتبوا معادلة فيزيائية.. لن يفعلوا لانهم ببساطة لايمتلكونها)

وأنا لم أقل هذا نتيجة ما سمعته في هذا اللقاء فقط، وإنما نتيجة لأبحاث كثيرة في الكون كانت تملؤني بالحيرة.. لعل أهمها ذلك النظام العجيب الذي بدأ به الكون مرحلة سيره نحو هذا الكمال الذي نراه.. ولهذا كنت أستغرب أن يطلق عليه انفجارا.. بل التسمية الصحيحة هي الخلق.. فالكون خلق مثلما خلق الجنين، وتطور في المراحل إلى أن صار إنسانا سويا.. وكان في كل مرحلة من مراحله يحمل بذور كماله ونظامه ودقته.. وكذلك الكون.

لقد ذكر [بول ديفس] الدقة العظيمة التي بدأ بها الكون سلسلة تطوره، والتي تدل على القصد والغاية، فقال: (لقد دلت الحسابات أن سرعة توسع الكون تسير في مجال حرج للغايه، فلو توسع الكون بشكل أبطأ بقليل جدا عن السرعة الحاليه لتوجه الى الانهيار الداخلي بسبب قوه الجاذبيه، ولو كانت هذه السرعة أكثر بكثير عن السرعة الحالية لتناثرت مادة الكون وتشتت الكون، ولو كانت سرعة الانفجار تختلف عن السرعة الحاليه بمقدار جزء من مليار جزء لكان هذا كافيا للإخلال بالتوازن الضروري، لذا فالانفجار الكبير ليس انفجار اعتياديا بل عمليه محسوبه جيدا ومنظمة من جميع الأوجه)

وقال عند شرحه لهذا التوازن الدقيق للكون: (إن من الصعب جدا إنكار أن قوة عاقله ومدركه قامت بإنشاء بنية هذا الكون المستندة على بنيه حساسه جدا.. إن الحسابات الرقميه الحساسه جدا والموجوده في اسس الموازنات الحساسه دليل قوي جدا على وجود تصميم على نطاق الكون)

بل إن هوكينج نفسه قال عن تلك السرعة العجيبة التي بدأ بها الكون: (إن سرعة توسع الكون سرعة حرجه جدا إلى درجه أنها لو كانت في الثانيه الاولى من الانفجار اقل من جزء من مليون في مليار جزء لانهار الكون حول نفسه قبل ان يصل الى وضعه الحالي)

قام بعض أهل البلدة، وقال: هلا فسرت لنا سر ذلك علميا.

قال راسل: قبل أن أفسر لك ذلك علميا، تخيل معي بأنه لديك أطفال تريد نقلهم في سيارة إلى الحضانة.. وكان لكل منهم كراسة وألوان.. فإذا كنت تسير بسرعة بطيئة.. فكيف سيكون حالهم في نهاية الرحلة؟

قال الرجل: لاشك أنني ساجدهم في نهاية الرحلة قد وضعوا كل تلك الألوان على وجوههم وثيابهم.

قال راسل: فلو أنك نقلتهم بسرعة كبيره جدا؟

قال الرجل: في تلك الحالة لن يجدوا الوقت الكافي لتلطيخ أنفسم بالألوان.. وحتى لو فعلوا فسيكون ذلك قليل جدا.

قال راسل: فلو أنك نقلتهم في طرفة عين؟

قال الرجل: حينها لن يجدوا أي وقت للتفاعل الكافي مع الألوان.

قال راسل: فهذا ما حدث مع الكون.. فالجسيمات المنتشرة والمتفاعله مع بعضها والتي كان لها حرارة واحدة، نقلها التضخم بسرعة رهيبة إلى حالة أكبر، وبالتالي لم تجد الوقت الكافي لكسر التناظر الحراري.. وبعد التوسع بدأ التمدد العادي للكون، وسار بشكل عادي محافظا على الحرارة التي مازالت الى يومنا هذا.

وقد حسب العلماء ذلك بدقة، وقد علق هوكينج على ذلك قائلا: (إنها تستند إلى حسابات أدق كثيرا مما يمكن أن تتخيل، فلو كان معدل التمدد بعد ثانية واحدة من الانفجار العظيم أصغر حتى ولو بمقدار جزء واحد من مائة ألف مليون مليون جزء، لانهار الكون قبل أن يصل إلى حجمه الحالي)

التفت إلى زملائه من العلماء، وقال: هل يمكن لعقل أحدكم أن يقبل بكون كل هذا النظام وهذه الدقة جاءت هكذا صدفة من غير أن يكون هناك مدبر حكيم حسبها بدقة عالية؟

ثم سكت قليلا، وقال: لقد كان الفيزيائي المادي البريطاني [إتش بي ليبسون] أكثر جرأة حين قال: (إذا لم تنشأ المادة الحية نتيجة تفاعل الذرات، والقوى الطبيعية والإشعاع، فكيف نشأت؟ أنا أعتقد، مع ذلك، أننا ينبغي أن نعترف بأن التفسير الوحيد المقبول هو الخلق، أنا أعلم أن هذا أمر بغيض بالنسبة إلى الفيزيائيين، كما هي الحال بالتأكيد بالنسبة إلي، ولكننا ينبغي ألا نرفض ما نكرهه إذا أيدته الأدلة التجريبية)

ومثله قال [ستيفن وينبيرج]: (لو كان الكون في الدقائق الأولى القليلة مؤلفا حقا من أعداد متساوية تماما من الجسيمات والجسيمات المضادة، لكانت كل هذه الأعداد قد دمرت نتيجة لانخفاض درجة الحرارة إلى أقل من1، 000مليون درجة، ولما تبقى شيء غير الإشعاع، ويوجد دليل مقنع جدا ضد إمكانية حدوث ذلك؛ فنحن موجودون هنا، ولا بد أنه كانت هناك زيادة في عدد الإلكترونات عن البوزيترونات، وفي عدد البروتونات عن مضادات البروتونات، وفي عدد النيوترونات عن مضادات النيوترونات، لكي يتبقى شيء بعد تدمير الجسيمات والجسيمات المضادة يستطيع أن يقدم مادة الكون الحالي)

ومثلهما قال العالم الفلكي الشهير [الفريد هويل]: (تقول نظرية الانفجار الكبير أن الكون نشأ نتيجه انفجار الكبير، ولكننا نعلم أن كل انفجار يشتت الماده، ويعتبرها دون نظام ولكن الانفجار الكبير عمل عكس هذا بشكل محفوف بالاسرار اذ عمل على تجميع الماده معا لتشكل المجرات)

ومثلهم قال [مايكل دانتون] في كتابه قدر الطبيعه (مثلا: إذا كانت قوة الجاذبية الثقالية: أقوى بتريليون مرة: فالكون سيكون غاية في الصغر: وتاريخ حياته قصير جد.. فمن أجل نجم متوسط كتلته أقل بتريليون مرة منها للشمس فسوف لن تمتد حياته لحوالي سنة.. ومن ناحية أخرى: إذا كانت الجاذبية الثقالية: أقل طاقة: فلن تتشكل نجوم ولامجرات إطلاقا.. وكذلك: فإن العلاقات الأخرى والقيم: ليست أقل حدية من ذلك.. فإذا ضعفت القوة القوية بمقدار قليل جدا: فسيكون العنصر الوحيد المستقر هو غاز الهيدروجين.. ولن توجد ذرات لعناصر أخرى في هذه الحالة.. وإذا كانت أقوى بقليل بعلاقتها مع الكهراطيسية: عندئذ: تحتوي نواة الذرة على بروتونين.. وسيكون ذلك مظهرا لاستقرار الكون عندئذ.. وأنه لن يحتوي على غاز الهيدروجين.. وإذا تطورت نجوم أو مجرات فيه: فسوف تكون مختلفة تماما عن طبيعتها الحالية.. واضح أنه إذا لم يكن لتلك القوى المختلفة وثوابتها: القيم التي أخذتها بالضبط: فسوف لن يكون هناك نجوم ولا مستعرات ولا كواكب ولا ذرات ولا حياة)

اسمحوا لي بعد هذه الاقتباسات أن أختمها بقول البروفيسور [بول ديفيز] مخاطبا هوكينج: (تبقى القوانين المطروحة غير قابلة للتفسير.. هل نقبلها هكذا كمعطى خالد؟ فلماذا لانقبل الله؟ حسنا وأين كانت القوانين وقت الإنفجار الكبير؟.. إننا عند هذه النقطة نكون في المياه الموحلة)

***

انتهى العلماء من حديثهم في المحور الأول، وقد شعرت بروحانية كبيرة تغمر المكان، ولاحظت في وجوه العلماء الذين صرحوا بعودتهم للإيمان سرورا كبيرا، وأنوارا كثيرة.

 في نفس الوقت الذي رأيت فيه آثار التوتر على وجوه زملائهم الذين لم تكن لهم الجرأة الكافية للإعلان عن إيمانهم في هذا المجلس.. لكني استطعت أن أكتشف من خلال ملامحهم بصيصا من النور يتسرب رويدا رويدا ليمحو آثار ظلمة الإلحاد عن وجوههم وقلوبهم.


([1])  استفدنا في هذا المبحث من مقال علمي مهم جدا بعنوان: خلق الزمان في ميزان العلم، د. سامي العامري.. وقد استغنينا عن ذكر التوثيقات الكثيرة فيه، بناء على كونها جميعا مراجع أجنبية متخصصة لا تهم القارئ العادي، ولهذا من شاء الرجوع لتوثيق النصوص، فيمكنه أن يرجع للمقال.

([2])  هو العلم الذي يدرس اصل ونشأة وتاريخ ومحتويات وتطور الكون، ودراسة البنية الواسعة للفضاء، بكل ما فيه من مادة وطاقة كمكان يعيش به الإنسان ويتفاعل معه.

([3])  يخلط البعض بين نظرية الاكوان المتوازية ونظرية الكون المتذبذب مع أن هناك فوارق كبيرة بينهما، فالأكوان المتوازية لا تقوم على التسلسل، بل إن كل كون فيها قائم بذاته وسط كون كبير، ولكل منها قوانينه الخاصة به، بخلاف هذه النظرية القائمة على التسلسل الزمني..

([4])  مقتبس من بعض الردود في بعض المواقع المتخصصة في الرد على الالحاد.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *