الفصل الرابع: المجزرة.. وحاكمية الشريعة

الفصل الرابع

المجزرة.. وحاكمية الشريعة

بعد تعرضنا في الفصول السابقة للمصادر التاريخية للمجزرة، والشكوك الكثيرة التي تعترضها، كما تعترض غيرها مما يشوه الإسلام، أو يشوه النبوة، نحاول في هذا الفصل محاكمة روايات المجزرة لقيم الشريعة العادلة والممتلئة بالسماحة والرحمة، والتي تتعامل مع البشر جميعا وفق قانون واحد.

وكل ذلك نراه معدوما في روايات تلك المجزرة، حيث نلاحظ فيها عودة للجاهلية التي لا تتحاكم لقانون واحد، يطبق على الجميع، وإنما الحكم فيها للأهواء والرغبات، ولشيخ القبيلة الذي قد يحلو له أحيانا أن يتسامح ويعفو، ويحلو له أحيانا أخرى أن يبطش ويعاقب.

وبناء على هذا، نحاول في هذا الفصل مناقشة الروايات الواردة في المجزرة من خلال كتب السيرة المعتمدة في التأريخ لها، وخصوصا سيرة ابن إسحق، والتي اعتمد عليها أكثر من كتب في السيرة، وقد نرجع لغيرها أيضا في حال الحاجة.

والمنطلق الذي ننطلق منه في المناقشة هو القرآن الكريم، ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحسب ما تدل عليه الأحاديث الصحيحة هو القرآن الناطق، ويستحيل عليه أن يخالف التعاليم الإلهية، بل يستحيل عليه أن يفكر في ذلك.

وقد رأينا أن روايات المجزرة تصطدم مع أربعة حقائق قرآنية بديهية، يبنى عليها الإسلام كله، وهي:

أولا ـ حاكمية القرآن الكريم، واعتباره الدستور المنظم لحياة الأمة الإسلامية أفرادا وجماعات، وعدم جواز الرجوع إلى غيره من الكتب، أو المصادر، ولذلك إن رأينا في نصوص الرواية ما يدل على احتكام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى غيره، سقطت الرواية بداهة، وبطل الاستدلال بها، وهذا من المتفق عليه عند العلماء جميعا.

ثانيا ـ حاكمية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الأمة، وأنه هو المرجع فيها، وأنه في عصره كان هو الوالي والقاضي وكل الصلاحيات متاحة له وحده، ليطبق دستور الله وقانونه إلى عباده، فلا يصح أن يتحاكم أحد من الأمة لغيره، أو يفوض له ذلك، إلا وفق ما ينص عليه القرآن الكريم.

ثالثا ـ عدالة الشريعة الإسلامية، وكونها عامة وشاملة، وليست خاصة بقبيلة دون قبيلة، ولا قوم دون قوم، وهي تعني كذلك سريان أحكام الشريعة على جميع الأمة دون تفريق بينها.

رابعا ـ رحمة الشريعة، وكونها كذلك عامة شاملة، مضبوطة بالضوابط الشرعية، لا بالضوابط القبلية التي تتسامح متى تشاء، وتشتد متى تشاء؛ فلا يصح أن تتجاوز الرحمة العدل.

وسنتناول هذه الموازين الأربعة في المباحث التالية:

أولا ـ المجزرة.. وحاكمية القرآن الكريم:

من الأمور الغريبة التي اختصت بها الروايات المرتبطة بمجزرة بني قريظة ما يذكره علماء السيرة، أو من يحاولون تبرير المجزرة، بكون الحكم فيها لم يكن من القرآن الكريم، وإنما من التوراة، أو من الكتاب المقدس، ولم أر من خلال اطلاعي الواسع على السيرة المطهرة أي حادثة يقبل فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإلغاء حكم القرآن الكريم، ثم يتحاكم إلى غيره، مع ما ورد في القرآن الكريم من التصريحات بتحريف اليهود لكتبهم.

والمشكلة الأكبر من هذا ذكرهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيد حكم سعد فيهم، بل أشاد به، واعتبره حكما إلهيا، ولو لم يكن له وجود في القرآن الكريم، بل وجوده فقط في الكتاب المقدس، ويروون في ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (حَكمتَ فِيهم بِحُكْمِ اللهِ)، وفى رواية: (من فوق سبعة أرقعة)([1])، أي من فوق سبع سموات.

ولو طبقنا مقاييس الفقهاء على هذا النص، لصار حكم سعدا حكما شرعيا يطبق في جميع الحالات المشابهة، مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يطبقه ـ كما يذكرون ـ إلا مع بني قريظة.

بل إن الآيات الكريمة النازلة في حكم الأسرى تخير الحاكم بين أمرين فقط: المن أو الفداء، كما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ [محمد: 4]، وكلاهما مورس في الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يمارس القتل أبدا، مع كون المجرمين الذين كانوا أسرى أعظم جريمة من بني قريظة، كما سنرى عند حديثنا عن الرحمة، وأخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحرب.

ومن المعلوم أن هذه الآية الكريمة نزلت قبل حادثة بني قريظة، ولا يمكن أن يقول أحد بنسخها، أو بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يطبق حكمها، لأن سعد بن معاذ رأى أنه لا ضرورة لتطبيقه.

ولا يمكن لأحد أن يزعم بأن أكثر رجال بني قريظة الذين أنزلوا من حصونهم، وتمكن منهم المؤمنون ليسوا أسرى، كيف ذلك والله تعالى في الآية الكريمة الخاصة ببني قريظة ذكر الأسر، والأسر في اللغة لا ينطبق إلا على المقاتلين، قال تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب: 26]، وبذلك فإن أولئك الأسرى، وبحسب النص القرآني لا يطبق عليهم حكم القتل، وهو خلاف ما تدعيه الرواية، وسنرى ذلك بتفصيل عند حديثنا عن القيم القرآنية وتطبيقها على الحادثة.

وقد ورد ما يدل على اشتهار هذا الحكم للأسرى، وأن الفئة الباغية هي التي كانت تتعمد خلافه، وربما هي التي وضعت أمثال روايات مجزرة بني قريظة لتتسلل لإلغاء الحكم القرآني، فقد رُوي أنه عندما أحضر الأسرى الحجاج من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث، وهم أربعة آلاف وثمانمائة؛ فقتل منهم نحوا من ثلاثة آلاف حتى قدم إليه رجل من كندة فقال: يا حجاج، لا جازاك الله عن السنة والكرم خيرا قال: ولم ذلك؟ قال: لأن الله تعالى قال: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء﴾ في حق الذين كفروا، فو الله ما مننت ولا فديت؟ وقد قال شاعركم فيما وصف به قومَه من مكارم الأخلاق:

ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم   إذا أثقل الأعناقَ حملُ المغارم

فقال الحجاج: أف لهذه الجيف أما كان فيهم من يحسن مثل هذا الكلام؟ خلوا سبيل من بقي. فخلي يومئذ عن بقية الأسرى، وهم زهاء ألفين، بقول ذلك الرجل([2]).

فإذا علمنا هذا، وأضفنا إليه ما يوردونه من أن قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب: 26]، وهي الآية التي يذكرون أنها نزلت في بني قريظة، وهي تعتبر الفريق المحارب الذي لم يقتل من بني قريظة من الأسرى، والأصل أن يطبق فيهم حكم الأسرى الوارد في القرآن الكريم، لا حكم الأسرى الوارد في كتب اليهود.

لكن العلماء الذين يقبلون هذه الغزوة يذكرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تجاوز فيها حكم القرآن الكريم، وراح يطبق فيها حكم الكتاب المقدس، بل يذكرون أن سعد بن معاذ لم يحكم بالقرآن، وإنما حكم فيهم بنصوص من الكتاب المقدس.

وقد قام هؤلاء العلماء من أمثال الشيخ أبي الحسن الندوي في كتابه عن السيرة النبوية([3])، وغيره، بالبحث عن تلك النصوص التي حكم بها سعد على بني قريظة، ومنها ما جاء في سفر التثنية (الإصحاح العشرون 10- 11- 12- 13): (حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح، وفتحت لك فكلّ الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير، وتستعبد لك، وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربا، فحاصرها، وإذا دفع الربّ إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحدّ السيف، وأمّا النساء والأطفال والبهائم وكلّ ما في المدينة كلّ غنيمتها فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الربّ إلهك)([4])

وهكذا ورد في الكتاب المقدس ما يدل على تطبيق بني إسرائيل لهذا الحكم في عهد أنبيائهم، فقد جاء في (سفر العدد، الإصحاح الحادي والثلاثون 7- 8- 9- 10): (فتجنّدوا على مديان كما أمر الربّ، وقتلوا كلّ ذكر، وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم، أوي، وراقم، وصور، وحور، ورابع، خمسة ملوك مديان، وبلعام بن باعور قتلوه بالسيف، وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم، ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكلّ أملاكهم، أحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار).

وجاء في (سفر العدد، الإصحاح الحادي والثلاثون 13- 16): (فخرج موسى والعازر الكاهن وكلّ رؤساء الجماعة لاستقبالهم إلى خارج المحلة، فسخط موسى على وكلاء الجيش رؤساء الألوف ورؤساء المئات القادمين من جند الحرب، وقال لهم موسى: هل أبقيتم كلّ أنثى حيّة)

وكل هذه الأوصاف ابتداء من الحكم وتطبيقه تنطبق تماما على ما روي في مجزرة بني قريظة، ولم يرو في غيرها من الغزوات، وهو ما جعل الذين يحاولون تبرير المجزرة في حيرة من أمرهم، ولو أنهم رجعوا للقرآن الكريم، وتركوا تلك الروايات المدلسة لزالت حيرتهم بسهولة.

وسنذكر هنا بعض الوجوه المرتبطة بحاكمية القرآن الكريم وموقفه من التحاكم لغيره، وموقفه من كتب اليهود واعتبارها محرفة، لنثبت استحالة تطبيق ذلك الحكم التوراتي الذي قد يكون محرفا، وترك الحكم الشرعي الذي ورد به القرآن الكريم.

1 ـ موقف الاحتكام لغير القرآن الكريم:

وقد وردت في ذلك نصوص كثيرة جدا، قد لا نحتاج إلى ذكر الكثير منها، ذلك أن العلماء اتفقوا على أن كل أمر بطاعة الله هو أمر بالتزام أحكام القرآن الكريم.

ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]، فالآية الكريمة تدعو إلى تحكيم كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وتخبر أن ذلك من شروط الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، وتخبر أن الرد إلى الكتاب والسنة خير من التنازع والقول بالرأي، وأحسن عاقبة ومآلا.

ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: 54]، وهي تخبر أن الهداية محصورة في القرآن الكريم.

ومنها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1]، وفيها نهي صريح عن تقديم أي رأي أو موقف قبل التعرف على ما ذكره القرآن الكريم.

ويدل لهذا كله ما ورد في حديث معاذ، الذي قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين بعثه إلى اليمن: (بم تحكم؟) قال: بكتاب الله. قال: (فإن لم تجد؟) قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (فإن لم تجد؟) قال: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: (الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله، لما يرضي رسول الله)([5])

ففي هذا الحديث لم يخبر معاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سيحتكم إلى التوراة أو غيرها، ولم يخبره أنه سيوكل شخصا ليختار المصدر المناسب الذي يحكم به.

ومن العجيب أن ينسب هذا الحكم لسعد بن معاذ الصحابي الجليل الذي اتفقت الأمة جميعا على احترامه وتبجيله وتقدير تضحياته، فهل يمكن لسعد أن يترك حكم القرآن الكريم، ويرغب عنه، وهو في آخر حياته، ليطبق فيهم حكم التوراة، وهو يعلم تحريفها، وموقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها؟

فإن قيل: لم يكن في القرآن الكريم حكم مرتبطة بتلك الحادثة، ولذلك اضطر سعد لأن يستعين بالتوراة؛ فهذا دليل على الجهل بالقرآن الكريم، الذي وصفه الله تعالى بأنه بيان لكل شيء، وأن على الأمة أن تحتكم إليه وحده، ولا تتبع أهواء الأمم الأخرى.

وقد ورد في ذلك آيات كثيرة؛ فالله تعالى يقول مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]، فهذه الآيات الكريمة تخبر عن هيمنة القرآن الكريم على سائر الكتب، وأنه أصبح هو المرجع الذي لا يصح الرجوع إلى غيره، ولهذا نهى الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتبع أهواء أهل الكتاب وغيرهم، ويترك التحاكم للقرآن الكريم.

ويحذر القرآن الكريم من ترك التحاكم إلى كتاب الله، واتباع الأهواء، فيقول: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 49]، بل إنه يعتبر التحاكم لغير القرآن الكريم من الجاهلية، قال تعالى تعقيبا على الآية السابقة: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) ﴾ [المائدة: 50]

وهكذا ورد في السنة الكثير من النصوص التي تخبر عن غضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الاحتكام أو الرجوع في المعارف والعلوم للكتاب المقدس، وترك القرآن الكريم؛ فقد روي أن عمر أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فغضب، وقال: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وآله وسلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني)([6])

فهذا الحديث العظيم يخبر أن دين الله أبيض نقي صاف ليس فيه أي دنس أو شبهة تمنع العقل السليم من التسليم له.. لكن هذا الأبيض يمكنه أن يتحول إلى أسود إذا ما اختلط بغيره.. فهو لشدة بياضه وجماله أسرع الأشياء إلى التلوث إذا لم يحافظ عليه.

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق، وإنه ـ والله ـ لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني)([7])

وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي تنهى عن الرجوع إلى أهل الكتاب وغيرهم لمعرفة حقائق الدين، أو قيمه، أو مواقفه العلمية، أو العملية.

وهكذا وردت النصوص تأمر بمحاكمة الأحاديث والروايات للقرآن الكريم، ذلك أن من أكبر علامات كذب الرواية والحديث مخالفتها للقرآن الكريم، وللأسف، لم ترو هذه النصوص بالطرق الصحيحة إلا عن أئمة أهل البيت، وربما يكونون قد دعوا إلى ذلك بعد ما رأوا استغلال الفئة الباغية لثغرة الحديث لتشويه الدين بعد عجزهم عن تحريف القرآن الكريم.

فقد رووا عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه خطب الناس بمنى، فقال: (أيّها الناس، ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم عنّي يخالف كتاب الله فلم أقله)([8])

وروي عن الإمام الصادق أنه قال: (ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف)، وفي حديث آخر عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبد الله عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به، ومنهم من لا نثق به؟ قال: (إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله، أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا فالذي جاءكم به أولى به)، وفي رواية أخرى: (ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف)([9])

وبناء على هذا نص أئمة الشيعة ـ على خلاف غيرهم من المدارس الإسلامية ـ على اعتبار القرآن الكريم معيارا في قبول الأحاديث ورفضها، وقد قال الشيخ المفيد في كتابه [تصحيح الاعتقاد]: (وكتاب الله تعالى مقدَّم على الأحاديث والروايات، وإليه يتقاضى في صحيح الأخبار وسقيمها، فما قضى به فهو الحقّ دون سواه)([10])

ولهذا نرى الشيعة رغم احترامهم الشديد لكتاب الكافي ولمؤلّفه محمّد بن يعقوب الكليني وشهادتهم له بتبحّره في علم الحديث، إلاّ أنهم لم يدّعوا بأنّ ما جمعه كلّه صحيح، بل إن من علماء الشيعة من طرح أكثر من نصفه، وقال بعدم صحتها، ومع ذلك لم يشاغب عليه مثلما يشاغب الكثير في المدرسة السنية بسبب الحديث والحديثين.

بل إنّ الشيخ الكليني نفسه لا يقول بصحّة كلّ الأحاديث التي جمعها في الكتاب، فقد ذكر في كتابه أن أئمة أهل البيت وضعوا قواعد لحلّ اختلاف الأخباركالعرض على القرآن، وأنّه سيعمل على هذا المنهاج، لكن مع هذا لم يدّع توفيقه لتدوين الآثار الصحيحة فقط، ولذا اعترف بالتقصير وقال له: (وقد يسّر الله تأليف ما سألت وأرجو أن يكون بحيث توخّيت، فمهما كان من تقصير فلم تقصر نيتنا في إهداء النصيحة)([11]

إضافة إلى ذلك، فقد عقد في كتابه باباً بعنوان (الأخبار المتعارضة) أو (الأخبار المختلفة) وبيّن فيه أن الأئمة أمروا بالرجوع في هذه الحالة إلى القرآن أو المشهور أو غير ذلك، وذلك كله دليل على أنّه لا يشهد بصحة كتابه كله.

وهكذا نجد في المدرسة السينة من يدعو إلى هذا، ويعتبر القرآن الكريم حكما أساسيا في تصحيح الروايات وتضعيفها، وعدم الاكتفاء بدراسة السند وحده، ومنهم الشيخ محمد الغزالي الذي ألف في ذلك كتابه المعروف [السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث]، والذي دعا فيه إلى محاكمة السنة للقرآن الكريم، فأقيمت عليه قيامة الكثير من المقلدين من المدرسة السنية، وخاصة السلفيين منهم، وكتبت لأجل الرد عليه عشرات الكتب، وأقيمت عشرات الندوات، وحذر منه كما حذر سلفهم من الجهمية والزنادقة.

ومن أقرب الأمثلة على ذلك ما كتبه الشيخ ربيع بن هادي المدخلي في مقدمة كتابه (كشف موقف الغزالي من السنَّة وأهلها ونقد بعض آرائه)، قال: (.. يؤسفنا أن الشيخ محمد الغزالي قد حشر نفسه -في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها السنَّة وأهلها- في خصوم السنَّة بل صار حامل لواء الحرب عليها وأصبحت كتبه وأقواله تمثل مدرسة ينهل منها كل حاقد على الإسلام والسنَّة النبوية المطهرة، إن الغزالي في كثير من كتبه وتصريحاته يتململ من السنَّة ولا سيما أخبار الآحاد على حد زعمه تململ السليم، ولقد ضمن مؤلفاته الأخيرة حملات شعواء وقذائف خطيرة على كثير من أحاديث رسول الله k الصحيحة، وحملات شديدة على من يريد التمسك بها، ولا يُنكر أن لـه كتابات ينصر بها الإسلام ويدافع عنه لكنه يهدم ما بناه بهذه الحملات على السنَّة إذ لا إسلام بلا سنَّة فإذا زلزل بنيان السنَّة وطُورِدَ سكانه بمثل قذائف الغزالي تحول بنيانها إلى خراب وإلى بلاقع ويـباب)([12])

 ثم ذكر العلة التي يستند إليها العقل السلفي في قبول المتناقضات، وهي اعتقاده بقصور العقول عن التوفيق بينها، فقال: (ولعلَّ سائلا يسأل عن السبب الذي دفع الغزالي إلى هذه المواقف من السنَّة ومن أهلها، فأعتقد أن مرد ذلك إلى قصور إدراكه لمعانيها فيخيل لـه هذا القصور في كثير من الأحاديث أنها تعارض القرآن أو تصادم العقل وقد يكون هذا العقل جهميا أو معتزليا أو مستشرقا أوروبيا، ثم لا تسمح له نفسه بمراجعة أقوال أهل الاختصاص من أئمة الحديث وجهابذة النقاد الذين استطاعوا بما آتاهم الله من فقه وعقول وملكات وعلم راسخ أن يوفّقوا بين الأحاديث والآيات أو الأحاديث والأحاديث التي يظهر للمتسرعين أن بينها شيئا من التعارض فتوَّلد لـه من هذا أو ذاك شعور بالضيق والكراهية لكثير من الأحاديث التي لا تحلو لـه) ([13])

ثم يدقق أكثر في العلة التي جعلت الغزالي يتحول إلى عدو من أعداء السنة، وهي أنه لم يذهب إلى السلف وأهل الحديث، لأنهم هم الحجة عند كل نزاع، يقول في ذلك: (فإذا أراد أن يشفي غيظه لا يذهب إلى كتب الموضوعات وكتب العلل التي بذل فطاحل الحديث وجهابذته جهودا عظيمة في نقدها من جهة الأسانيد والمتون، ثم قاموا بتمييزها في كتب خاصَّة، فيأخذ ما يريده منها ويروي منها ظمأه، بل يذهب إلى أغلى وأجلِّ ما عند المسلمين من تراث سيد المرسلين k ألا وهو دواوين السنَّة المشرفة وعلى رأسها الصحيحان اللذان تلقتهما الأمة بالقبول والحفاوة والإجلال وقالوا فيهما بحق إنهما أصح الكتب بعد كتاب الله، فيختار منها ما لا يوافق منهجه المرتجل فيوسعه طعنا وتشويها وسخرية، كما يصب على المتمسكين بها وابلا من الشتائم والسخرية والتحقير) ([14])

وهكذا نرى علما آخر يتقمص شخصية البربهاري وابن بطة ومتشددي السلف، وهو المحدث السلفي الكبير (مقبل بن هادي الوادعي)، الذي كتب عن الغزالي يقول: (محمد الغزالي لو كان في عصر الإمام أحمد لـحَكَمَ عليه بالزندقة، الإمام أحمد قيل له كما في مقدمة (معرفة علوم الحديث) قيل له: إن أبي قتيلة يسخر من المحدثين، فقام الإمام أحمد ينفض ثيابه ويقول: (هذا زنديق، هذا زنديق، هذا زنديق)، ما ظنك بمن يسخر من حديث رسول الله k فهذا لو كان في زمان الإمام أحمد لـحُكِمَ عليه بالزندقة)([15]

2 ـ موقف القرآن الكريم من شريعة اليهود:

وهي من النواحي التي لم يلتفت إليها أولئك الذين راحوا يبررون المجزرة بكون الحاكم الوارد فيها ليس ظالما لليهود لأن فيه تطبيقا لشريعتهم، وهذا يعني أن ما ورد في شريعتهم مما نقلوه من كتابهم المقدس صحيح، ولست أدري ما هو دليلهم على صحته؟

ولو فرضنا صحته؛ فإن الاحتكام إليه لا يصح؛ ذلك أن الشريعة الإسلامية نسخت ما قبلها من الشرائع، وصار الاحتكام واجبا للشريعة الإسلامية، بل حتى لو كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في عهده صلى الله عليه وآله وسلم لوجب عليهم اتباعه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81]

وفوق ذلك كله؛ فإن القرآن الكريم يصرح بتلاعب أهل الكتاب، واليهود خصوصا بكتبهم وشرائعهم، ولذلك تحولت من شرائع الله المملوءة بالعدل والرحمة إلى شرائع بشرية مملوءة بالأهواء، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78]، وقال: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 75، 76]، وقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: 44]، وقال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: 45، 46]

وحذر القرآن الكريم هذه الأمة من الركون إلى اليهود، أو اعتقاد صحة ما عندهم، أو الرجوع إليه بأي صيغة من صيغ الرجوع، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) ﴾ [المائدة: 41]

وهذه الآية الكريمة تدل على أنه كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يميل إلى اليهود، ويهتم بما عندهم من العلوم أو الشرائع، ولعل ذلك هو الذي تسلل إلى الأمة بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم؛ فمنع تنفيذ تلك الآيات الكريمة، وصار في الأمة من يجوز الرجوع لمصادر أهل الكتاب، بل وجد فيها من يدافع عنها وعن صحتها، اعتمادا على ما ورد في النصوص التي تثني على نسخها التي لم تحرّف.

بل وجد من يضع الروايات التي تنهى عن كتابة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مصادرها الموثوقة مع قرب عهدها من النبوة في نفس الوقت الذي تجوز فيها الرواية عن اليهود؛ ففي الحديث الذي رووه عن أبي هريرة مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن، فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه.. وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)([16])

وهذا ما جعلهم يعتبرون تعلم كتب أهل الكتب من العلم النافع الذي يجعل صاحبه من طلبة العلم الذين ورد في النصوص المقدسة الثناء عليهم، ويروون في ذلك عن أبي هريرة أن من مناقبه ما مدحه به كعب الأحبار من قوله له: (ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة) ([17])

وهذا ما جعل أحاديث كعب الأحبار وغيره من اليهود تتسلل إلى الإسلام عبر أبي هريرة وغيره من الصحابة، حتى أن ابن كثير روى عن مسلم صاحب الصحيح بسنده عن بكير بن الأشج، قال: قال لنا بشر بن سعيد: (اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا تجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله، ويحدثنا عن كعب الأحبار ثم يقوم فأسمع بعض ما كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كعب وحديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ([18])

وقد ذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى قصة أول لقاء بين كعب وأبي هريرة، فروى عن عبد الله بن شقيق قال: جاء أبو هريرة إلى كعب يسأل عنه، وكعب في القوم، فقال كعب: ما تريد منه؟، فقال: أما إني لا أعرف أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني، فقال كعب: أما إنك لم تجد طالب شيء إلا سيشبع منه يوما من الدهر إلا طالب علم أو طالب دنيا. فقال: أنت كعب؟، فقال: نعم، فقال: لمثل هذا جئتك([19]).

وهكذا انقلب الحال، فبدل أن يصبح كعب الأحبار تلميذا لأبي هريرة باعتباره صحابيا، صار أبو هريرة تلميذا لكعب، والعجب أن كعبا راح يرغب أبا هريرة في طلب العلم على يديه، وكأن علوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي حفظها لم تكفه حتى راح يطلب علوما جديدة من كعب.

وتسلل اليهود، والاعتراف بكتبهم لم يبدأ ـ للأسف ـ مع حكم معاوية والأمويين فقط، بل بدأ قبل ذلك بكثير، وهذا ما زاد الأمر خطورة؛ فقد روي السيوطي في (الدر المنثور في التفسير بالمأثور) عن كثير من المحدثين، هذه الرواية الخطيرة: فقال عمر بن الخطاب عند ذلك: ألا تسمع يا كعب ما يحدثنا به ابن أم عبد عن أدنى أهل الجنة ما له فكيف بأعلاهم؟ قال: (يا أمير المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، إن الله كان فوق العرش والماء، فخلق لنفسه دارا بيده، فزينها بما شاء وجعل فيها ما شاء من الثمرات والشراب، ثم أطبقها فلم يرها أحد من خلقه منذ خلقها جبريل ولا غيره من الملائكة ثم قرأ كعب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]([20])

وخطورة هذه الرواية ليس فيما ذكره كعب فقط، وإنما في تحولها إلى دليل يعتمد عليه ابن تيمية وغيره، ليستنتجوا أن ما يقوله رواة اليهود عن كتبهم يعود إلى التوراة الصحيحة، ومن الأمثلة على ذلك ما عبر عنه ابن تيمية بقوله في [دقائق التفسير]: (وعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى بيد كعب الأحبار نسخة من التوراة قال يا كعب إن كنت تعلم أن هذه هي التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران فاقرأها، فعلق الأمر على ما يمتنع العلم به، ولم يجزم عمر رضي الله عنه بأن ألفاظ تلك مبدلة لما لم يتأمل كل ما فيها، والقرآن والسنة المتواترة يدلان على أن التوراة والإنجيل الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهما ما أنزله الله عز وجل، والجزم بتبديل ذلك في جميع النسخ التي في العالم متعذر، ولا حاجة بنا إلى ذكره، ولا علم لنا بذلك، ولا يمكن أحدا من أهل الكتاب أن يدعي أن كل نسخة في العالم بجميع الألسنة من الكتب متفقة على لفظ واحد، فإن هذا مما لا يمكن أحدا من البشر أن يعرفه باختياره)([21])

ومن الحيل التي صار الكثير للأسف يستعملها لتمرير الخرافات اليهودية، روايتها ثم التعقيب عليها بكوننا لا نصدقها، ولا نكذبها، من الأمثلة على ذلك ما ورد في بعض روايات وهب بن منبه، والتي يقول فيها: (إن السموات السبع والبحار لفي الهيكل([22]) وإن الهيكل لفي الكرسي، وإن قدميه لعلى الكرسي وهو يحمل الكرسي وقد عاد الكرسي كالنعل في قدميه)([23])

وقد علق عليها الذهبي بقوله: (كان وهب من أوعية العلوم، لكن جُلَّ علمه عن أخبار الأمم السالفة، كان عنده كتب كثيرة إسرائيليات، كان ينقل منها لعله أوسع دائرة من كعب الأخبار، وهذا الذي وصفه من الهيكل وأن الأرضين السبع يتخللها البحر وغير ذلك فيه نظر والله أعلم، فلا نرده ولا نتخذه دليلاً)([24])

والعجب من هذه المقولة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.. فهم يروون هذه الرواية وغيرها في كتب التفسير والحديث والعقيدة.. ويستخلصون ما فيها من فوائد عقدية.. ثم بعد ذلك ـ ومن باب التقية ـ يقولون: (لا نرده ولا نتخذه دليلاً)

وهكذا نجد إماما من أئمة اليهود الذين اعتمد عليهم علماء السيرة في مجزرة بني قريظة، وهو محمد بن كعب القرظي يعقد المجالس ليفسر القرآن على الطريقة اليهودية، كقوله:(كأن الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك)([25])

ومثله عبد الله بن سلام الذي رووا عنه قوله: (والذي نفسي بيده إن أقرب الناس يوم القيامة محمد صلى الله عليه وآله وسلم جالس عن يمينه على كرسي)([26])

وهذه النصوص وغيرها كثير تدل على تفريط الأمة في تلك الوصايا الكثيرة التي حذر فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أن ترغب الأمة عن كتاب الله إلى غيره من الكتب.

وقد ذكر ابن كثير السر في كثرة تلاميذ كعب الأحبار وغيره من اليهود، فقال: (… فإن كعب الأحبار لما أسلم في زمن عمر كان يتحدث بين يدي عمر بن الخطاب بأشياء من علوم أهل الكتاب، فيستمع له عمر تأليفا له وتعجبا مما عنده مما يوافق كثير منه الحق الذي ورد به الشرع المطهر، فاستجاز كثير من الناس نقل ما يورده كعب الأحبار لهذا المعنى، ولما جاء من الإذن في التحديث عن بني إسرائيل)([27])

بل إن عبد الله بن الزبير ـ وهو من الصحابة الذين تتلمذوا على كعب الأحبار ـ يذكر ما استفاده من كعب، فيقول: (ما أصبت فى سلطانى شيئاً إلا قد أخبرنى به كعب قبل أن يقع)، ويروون عن معاوية قوله: (ألا إنَّ أبا الدرداء أحد الحكماء، ألا إنَّ عمرو بن العاص أحد الحكماء، ألا إنَّ كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عنده علم كالثمار وإن كنا المفرطين)([28])

وهكذا يذكرون من فضائل عبد الله بن عمرو بن العاص ما عبر عنه بقوله: (رأيت فيما يرى النائم لكأن في إحدى أصبعي سمنا وفي الأخرى عسلا فأنا ألعقهما، فلما أصبحت ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (تقرأ الكتابين التوراة والفرقان، فكان يقرؤهما)([29])

ثانيا ـ المجزرة.. وحاكمية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:

من الثغرات الكبرى التي تيسر معرفة مدى التدليس الذي استعمله من أشاع رواية تلك المجزرة إخبارهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك وظيفته التي كلفه الله بها، وهي ولاية أمر المسلمين، والحكم فيما يحصل لهم، وما يرتبط بذلك من وظائف، وتنازله عن ذلك كله لسعد بن معاذ، مع العلم أنه بشر عادي غير مؤيد بالوحي؛ فهل يمكن أن يُترك حكم المعصوم، ويُلجأ إلى غير المعصوم؟

ولعل هذا ما كان يهدف إليه رواة هذه المجزرة الذين كانت لهم صلات مباشرة ببني أمية؛ والذين كانوا يعلمون أنهم لا يساوون شيئا أمام كبار الصحابة من السابقين، وخصوصا الإمام علي؛ فلذلك راحوا يستعملون كل الوسائل لتجويز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، أو فتوى المفضول مع وجود الفاضل، أو حكم المفضول في وجود الفاضل.

وهو ما حصل للأسف في عهد الرواية، حيث نجد معظم كتب الحديث تترك كبار الصحابة، وتذهب إلى صغارهم مع يقينهم بأن كل أحاديثهم مدلسة أو مرسلة لكونهم لم يعيشوا تلك الأحداث التي يروونها.

ولذلك فإن الخطورة التي تنجم عن تلك الروايات هو إقصاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، والتحاكم إلى غيره، وهو ما تنفيه النصوص المقدسة جميعا، بل تتوعد من يفعل ذلك بالوعيد الشديد، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 64، 65]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36]، وقال: ﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]

بل إن القرآن الكريم يذكر عن الصحابة أنهم كانوا يستأذنونه صلى الله عليه وآله وسلم في أبسط الأشياء، وهل يمكن لمن يفعل ذلك أن يقبل استبدال شخصه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالله تعالى يقول مخبرا عما حصل في غزوة تبوك: ﴿ وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93) ﴾ [التوبة: 90 – 93]

بل إن القرآن الكريم يذكر أن الله تعالى أخذ ميثاقه على الأنبياء بأن يكونوا تبعا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حال إرساله في حياتهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81]

وقد صرح بذلك الحديث السابق؛ والذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمر: (أمتهوكون فيها يا بن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وآله وسلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني) ([30])

والشيء الوحيد الذي ذكره القرآن الكريم عن علاقة الصحابة بمثل هذه المسائل هو الشورى المرتبطة بالأمور التنظيمية، لا أحكام الله، وهي لتأليف القلوب، لا لإفادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي أغناه الله بالوحي عن كل مصدر خارجي، ولذلك ذكرت الشورى في معرض رحمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتأليفه لقلوب أصحابه، قال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159]

ولذلك فإن ما رواه ابن إسحق وغيره من رفض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تطبيق ما طالب به القرظيون من تطبيق الأحكام السابقة على اليهود عليهم، وتكليفهم باختيار من يحكم فيهم، يتنافى مع كل النصوص السابقة من حاكمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للأمة في حياته وبعدها، وحاكمية القرآن الكريم باعتباره دستورا يتحاكم إليه الجميع.

ولنفرض أن بعض بني قريظة هم الذين اختاروا سعدا ليحكم فيهم؛ فلماذا يطبق الأمر على الجميع، وخصوصا أولئك الشباب اليافعين البسطاء الذين ربما لم يكونوا يعلمون ما فعله كبارهم؟

ولنفرض أنهم اختاروا شخصا آخر غير سعد، وأنه حكم فيهم بمثل ما حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قريش، وجعلهم من الطلقاء، فهل يرفض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الحكم؟ وحينها يصبح التحاكم نوعا من الحظ لا علاقة له بالقانون، ولا بمطبق القانون، وهو ما يتنافى مع أبسط المبادئ الإنسانية؛ فكيف بالشريعة الإلهية العادلة؟

ولهذا؛ فإن القراءة المتمعنة لتلك الروايات، وتطبيقها على ما ورد في القرآن الكريم من حكم الخونة، أو ما ورد مثله في الغزوات الأخرى يشكل دليلا قويا على أن تلك المجزرة ليست سوى تدليس وكذب افتراه اليهود والفئة الباغية لتشويه النبوة وتحريف الإسلام.

وسنسوق هنا الرواية الواردة في ذلك، ونرى ما يكتنفها من مخالفات شرعية، فقد قال ابن إسحق: (فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول الله، إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت ـ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل بني قريظة قد حاصر بني قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبي بن سلول، فوهبهم له ـ فلما كلمته الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فذاك إلى سعد بن معاذ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها رفيدة، في مسجده، كانت تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق: اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب. فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بني قريظة، أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما جميلا، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد أنى لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل، فنعى لهم رجال بني قريظة، قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته التي سمع منه. فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قوموا إلى سيدكم- فأما المهاجرون من قريش، فيقولون: إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأنصار، وأما الأنصار، فيقولون: قد عم بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد بن معاذ: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم: وعلى من ها هنا؟ في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إجلالا له، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نعم، قال سعد: (فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء)([31])

والملاحظات التي يمكن توجيهها لهذه الرواية وأمثالها من الروايات التي يعتمد عليها من يدافعون عن هذه المجزرة كثيرة منها:

الاعتراض الأول:

أن الرواية تدل على خفاء الحكم على الجميع، وأن سعد بن معاذ فاجأهم به، بدليل أن قومه كانوا يطلبون منه أن يرأف بهم، لكنهم لم يعدهم بشيء حتى نطق بالحكم، وهو نفس ما رووه في قصة أبي لبابة، الذي ذكروا أن ما قام به من الدلالة على الحكم الذي ينتظرهم خيانة لله ورسوله.

فقد حدث ابن إسحق قال: ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، لنستشيره في أمرنا، فأرسله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم، وقالوا له: يا أبا لبابة! أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، إنه الذبح، قال أبو لبابة: فول الله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده. وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت، وعاهد الله: أن لا أطأ بني قريظة أبدا، ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا.. وأنزل الله تعالى في أبي لبابة، فيما قال سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي قتادة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27])([32])

وهذه الرواية المملوءة بالتدليس والإرسال تخالف تماما الحكم الشرعي العادل الذي ينبغي أن يعرفه الجميع، حتى يستطيعون اتقاءه، بل إن الله تعالى أمر بإعلام الخائنين قبل القيام بأي إجراء ضدهم، فقال: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58]، وقد علق عليها الطباطبائي بقوله: (فأباح إبطال العهد عند مخافة الخيانة، ولم يرض مع ذلك إلا بإبلاغ النقض إليهم لئلا يؤخذوا على الغفلة فيكون ذلك من الخيانة المحظورة)([33])

الاعتراض الثاني:

أن الرواية تدل على أن سعدا لم يذكر الدليل الذي اعتمد عليه في حكمه، ولم يستشر أحدا قبل النطق به، وهذا خلاف ما ورد في شروط القضاء، وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسل بمعاذ إلى اليمن واليا وقاضيا وقال له: كيف تقضي إن عرض لك القضاء؟ قال معاذ: أقضي بما في كتاب الله. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فإن لم يكن ذلك في كتاب الله؟ قال: أقضي بسنة الله صلى الله عليه وآله وسلم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ: فإن لم يكن ذلك في سنة رسول الله قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صدره بيده وقال: (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله)([34])

وقد ذكر الفقهاء جميعا الشروط التي ينبغي على القاضي تطبيقها في أبسط القضايا؛ فكيف بالحكم بإبادة رجال قبيلة كاملة، ومن ذلك قول ابن حزم: (ولا يحل أن يلي القضاء والحكم في شيء من أمور المسلمين وأهل الذمة: إلا مسلم، بالغ، عاقل، عالم بأحكام القرآن، والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وناسخ كل ذلك، ومنسوخه، وما كان من النصوص مخصوصا بنص آخر صحيح؛ لأن الحكم لا يجوز إلا بما ذكرنا لما ذكرنا قبل، فإذا لم يكن عالما بما لا يجوز الحكم إلا به لم يحل له أن يحكم بجهله بالحكم ولا يحل له إذا كان جاهلا بما ذكرنا أن يشاور من يرى أن عنده علما ثم يحكم بقوله؛ لأنه لا يدري أفتاه بحق أم بباطل، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [الإسراء: 36]، فمن أخذ بما لا يعلم فقد قفا ما لا علم له به، وعصى الله عز وجل، وليس هذا بمنزلة الجاهل من العامة تنزل به النازلة فيسأل من يوصف له بعلم القرآن والسنة، ويأخذ بقوله بعد أن يخبره أنه حكم الله تعالى أو أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو أن العامي مكلف في تلك النازلة عملا ما قد افترضه الله عليه، ولم يفسح له في إهماله فعليه في ذلك أن يبلغ في ذلك حيث بلغ وسعه من العلم ما لم يلزمه، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وأما الحاكم فبضد هذا؛ لأنه غير مكلف ما لا يدري من الحكم بين غيره من الناس، بل هو محرم عليه ذلك، وإنما كلفه الله تعالى سواه من أهل العلم ولا يحل الحكم بقياس، ولا بالرأي ولا بالاستحسان ولا بقول أحد ممن دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون أن يوافق قرآنا أو سنة صحيحة؛ لأن كل ذلك حكم بغالب الظن، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ [يونس: 36]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)([35])

الاعتراض الثالث:

أن سعدا ـ بحسب ما تدل عليه هذه الرواية وغيرها ـ لم يسمع حجج بني قريظة، وكان الأصل ـ كما تدل عليه شروط القضاء ـ أن يستقدم كل واحد منهم، ثم يسأله عن حجته، ويحقق معه، فقد يكون في الوقت الذي حصلت فيه الخيانة مريضا أو لم يشارك فيها ـ ولكن ذلك لم يحدث، بل ذكرت الرواية أنه حكم فيهم حكما عاما من غير أن يستشير أحدا، أو يسمع لأحد.

وهذا خلاف ما ذكره القرآن الكريم الذي أخبر عن سماع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لحجج الذين يريدون محاكمتهم، قال تعالى عن داود عليه السلام: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 21 – 24]، وهذه الآيات الكريمة تشير إلى ضرورة سماع كل الخصوم حتى يتبين الحق من الباطل، وعدم الاستعجال بالحكم قبل ذلك، ولذلك بادر داود عليه السلام إلى الاستغفار، لأنه حكم بناء على سماعه لطرف واحد.

وهكذا أخبر الله تعالى عن سليمان عليه السلام أنه لم يستعجل بعقوبة الهدهد حتى سمع حجته، قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: 20، 21]

وهكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسه، وأنه يحكم فيهم بحسب الظاهر؛ وبحسب الحجج التي يدلونها، ففي الحديث عن أم سلمة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سمع حلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: (ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار فليحملها، أو ليذرها)([36])

وفي رواية عن أم سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مواريث بينهما قد درست، ليس عندهما بينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتي بها إسطاما في عنقه يوم القيامة)، فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه)

وبناء على هذا نص الفقهاء على وجوب السماع للمتهمين، وإعطاء كل الفرص لهم حتى يدلوا بحججهم، وعدم الحكم على الجميع، انطلاقا من أخطاء البعض.

الاعتراض الرابع:

أن سعدا كان يمكنه أن يحكم بحكم آخر، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن ليعتب عليه، لأنه فوضه الحكم فيهم، وهذا ما يجعل مصير قبيلة كاملة في يد شخص واحد غير معصوم، مع أن الله تعالى لم يخول ذلك لأحد من الناس حتى لرسله الكرام عليهم الصلاة والسلام؛ فكيف بغيرهم.

ولهذا كان الأولى بالحكم هو أكثر الناس علما وحكمة وتوفيقا من الله تعالى، وليس ذلك لأحد غيره صلى الله عليه وآله وسلم ما دام حيا، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105]؛ فالآية الكريمة تربط بين إنزال الكتاب، وبين إعطاء الصلاحيات لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للحكم به.

وهكذا أخبر القرآن الكريم أن داود وسليمان عليهما السلام هما اللذان كان يحكمان، لا أحد من أتباعهما، قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 78، 79]

بل إن الله تعالى يعاتب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم مع عصمته في بعض الأحكام التي قضى بها، بناء على ما ظهر له؛ فكيف يقبل في هذا حكم شخص غير معصوم، قال تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 107 – 113]

الاعتراض الخامس:

أن سعدا ـ كما تذكر الرواية ـ كان في حكم المحتظر، بل ورد في الروايات ما يدل على أنه كان شديد الغضب على بني قريظة، وأنه دعا الله أن يؤجل وفاته حتى يرى ما يحصل لهم، فقد قال ابن إسحق: (رمى يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله، فحسمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنار، فانتفخت يده، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فنزفه، فلما رأى ذلك، قال: (اللهم لا تخرج نفسى حتى تقر عينى من بنى قريظة)، فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة، حتى نزلوا على حكم سعد، فأرسل إليه، فحكم أن تقتل رجالهم، ويستحى نساؤهم وذراريهم، ليستعين بهم المسلمون، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أصبت حكم الله فيهم)، وكانوا أربعمائة، فلما فرغ من قتلهم، انفتق عرقه فمات)([37])

وهذا الحديث ـ بالإضافة إلى الانتقادات التي ذكرناها سابقا ـ يتعارض مع ما ورد في النصوص من قضاء القاضي، وهو بحالة نفسية لا تسمح له بذلك؛ ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان)([38])

وقد علل الفقهاء ذلك بأن القاضي حينها يصاب بـ (تغير الفكر وانحرافه، وهذا الانحراف للفكر يضر في استحضاره للحق. ويضر أيضًا في قصده الحق. والغرض الأصلي للحاكم وغيره: قصد لحق علمًا وعملاً..)

ولم يكتف الفقهاء بما ورد النص عليه من القضاء في حال الغضب، بل ذكروا كل ما يحول بين القاضي والتثبت في الحكم، مثل (الهم الشديد. والجوع والعطش، وكونه حاقنًا أو حاقبًا أو نحوها، مما يشغل الفكر مثل أو أكثر من الغضب)

ثالثا ـ المجزرة.. وعدالة الشريعة

من أهم القيم القرآنية التي نرى تعارضها التام مع ما روي في أحداث مجزرة بني قريظة قيمة [العدالة]، وهي قيمة لا يمكن التشكيك في أهميتها وضرورتها، وكونها من القيم القرآنية الرفيعة، التي لا يمكن القول بنسخها، أو بالتنازل عنها لأي سبب من الأسباب، ذلك أن الله تعالى يربطها به وبأسمائه الحسنى، وببناء الكون جميعا.

ولذلك نرى الآيات الكريمة تدعو إلى العدل في كل جوانبه، وبجميع مجالاته، ومع جميع الناس، قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [النساء:135]، وقد قال ابن كثير في تفسيرها: (يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط، أي بالعدل، فلا يعدلوا عنه يمينا ولا شمالا ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه)([39])

ولهذا يخاطب الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يؤدي دوره الرسالي باعتباره معصوما، ومؤيدا بالوحي الإلهي، ولذلك لا يتحقق العدل الكامل إلا على يديه، قال تعالى: ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى:15]، وهذه الآية من أكبر الردود على عزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن التحكيم في بني قريظة، وكيف يعزل وهو العدل نفسه، وهل يمكن أن يترك الحكم لأحد في وجود الخليفة المعصوم، كما قال تعالى عن داود A: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: 26]

وقد قال الطبري في تفسير الآية السابقة: (وقل لهم يا محمد: وأمرني ربي أن أعدل بينكم معشر الأحزاب، فأسير فيكم جميعا بالحق الذي أمرني به وبعثني بالدعاء إليه.. وعن قتادة، قوله: ﴿وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ قال: أمر نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعدل، فعدل حتى مات صلى الله عليه وآله وسلم والعدل ميزان الله في الأرض، به يأخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل يصدّق الله الصادق، ويكذّب الكاذب، وبالعدل يرد المعتدي ويوبخه)([40])

وبناء على هذا نهى القرآن الكريم عن كل ما ينحرف بالإنسان عن العدل، حتى مع الأعداء، قال تعالى:﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8]

وبناء على هذه التعليمات الإلهية كانت قيمة العدل من أهم القيم التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إليها، ويطبقها، ويعطي أروع الأمثلة في تطبيقها، وفي الحديث عن عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السّمع والطّاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكارهنا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالعدل أين كنّا، لا نخاف في الله لومة لائم)([41])

وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحسن قدوة في تحقيق العدل في أجمل صوره، ففي الحديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار قال: وهو مستنتل من الصف، فطعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقدح في بطنه، وقال: استو يا سواد فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالعدل، فأقدني قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استقد قال: يا رسول الله إنك طعنتني وليس علي قميص قال: فكشف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بطنه، وقال: استقدقال: فاعتنقه، وقبل بطنه، وقال: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله، حضرني ما ترى، ولم آمن القتل، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له بخير)([42])

وفي حديث آخر عن خولة بنت قيس ـ امرأة حمزة بن عبد المطلب ـ قالت: (كان على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وَسق من تمر لرجل من بني ساعدة، فأتاه يقتضيه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً من الأنصار أن يقضيه، فقضاه تمراً دون تمره فأبى أن يقبله، فقال: أتردُّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: نعم ومن أحق بالعدل من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاكتحلت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدموعه ثم قال: (صدق، ومن أحق بالعدل مني؟ لا قدّس الله أمةً لا يأخذ ضعيفها حقّه من شديدها، ولا يتعتعه)([43])

فهل يمكن لهذا الرسول العظيم صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه حاله مع هذه القضايا البسيطة أن يفرط في العدل المرتبط بقتل النفوس، وخاصة نفوس الشباب الذين لا ناقة لهم في الحرب ولا جمل، ومن دون أن يحقق معهم، ليعرف مواقفهم، بل يقدم رؤوسهم إلى المقصلة لمجرد كونهم أنبتوا، كما تقول الروايات المدلسة، التي لم تهدف إلا للإساءة للإسلام، ولرسوله العظيم.

بناء على هذه نحاول في هذا المبحث أن نذكر معارضة الروايات الواردة في المجزرة لقيمة العدل الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة القطعية، وذلك عبر العناوين التالية:

1 ـ سواسية الناس أمام القانون:

لعل أول اختبار يختبر به من يدعي العدالة هو التعامل مع كل الناس وفق قوانين واحدة، من دون تفرقة بينهم، وعلى أي أساس، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]

وفي هذا المعنى وردت النصوص الكثيرة التي تعتبر الفخر والخيلاء وكل أصناف التفرقة عنصرية جاهلية لا علاقة لها بالإسلام؛ ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (قد أذهب الله عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم من تراب)([44])

وهكذا أبى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يشهد على هبة رأى فيها خلاف ما تقتضيه المساواة والعدالة؛ ففي الحديث عن النعمان بن بشير أن (أمه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهوبة من ماله لابنها فالتوى بها سنة، ثم بدا له، فقالت: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما وهبت لابني فأخذ أبي بيدي. وأنا يومئذ غلام فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقال: يا رسول الله إن أم هذا، بنت رواحة أعجبها أن أشهدك على الذي وهبت لابنها. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا بشير ألك ولد سوى هذا؟) قال: نعم. فقال: (أكلهم وهبت له مثل هذا؟)، قال: لا. قال (فلا تشهدني إذا، فإني لا أشهد على جور)([45])

وهكذا رفض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حديث المخزومية التي سرقت ـ محاولة القرشيين التشفع لديه لثنيه عن إقامة الحد عليها، وأرسلوا أسامة لأجل ذلك؛ فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: (أتشفع في حد من حدود الله؟) ثم قام فخطب فقال: (يا أيها الناس، إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها)([46])

وقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [المائدة: 42] عن ابن عباس في سبب نزولها، قال: (كان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة أدوا نصف الدية، وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير أدوا إليهم الدية كاملة، فسوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهم)([47])

وهذا يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يتعامل مع اليهود جميعا باعتبارهم أمة واحدة، ولذلك يطبق عليهم قانونا واحدا، بل في الرواية ما يدل على أن بني قريظة كانوا محتقرين من طرف اليهود، ولعل ذلك من أسباب ما لفق من روايات تلك المجزرة.

وعندما نطبق هذه النصوص جميعا على معاملة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لليهود أو لغيرهم، نجد أنواعا من الخلل المرتبط بالمساواة، يمكن التعرف عليها بسهولة من خلال استعراض موقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من القبيلتين اللتين قامتا بنفس الخيانة، وربما بما هو أكثر منها، وهما بنو النضير وبنو قينقاع.

أ ـ حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بني النضير:

وهي الغزوة التي حدثت في السنة الرابعة للهجرة في منازل بني النضير جنوب المدينة المنورة بين المسلمين ويهود بني النضير، والخيانة التي قامت بها هذه القبيلة اليهودية أكبر بكثير من خيانة بني قريظة.

ذلك أن سببها ـ باتفاق المؤرخين ـ محاولة يهود بني النضير اغتيال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، عندما جاءهم طالباً مساعدتهم في دية قتيلين، بالإضافة لاتصالهم بالمشركين والمنافقين، واستعمالهم كل الوسائل لإذية المسلمين بما فيها تلك الحادثة الأليمة المعروفة بوقعة الرجيع، ومأساة بئر معونة التي قُتل فيها سبعون رجلاً من كبار الصحابة في كمين غادر للمشركين وحلفائهم اليهود.

قال ابن إسحاق عند ذكره لبعض جرائمهم: (ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر، اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري، للجوار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عقد لهما.. وكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين، قالوا نعم، يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ـ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد ـ فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟)؛ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال)([48])

وبعد هذه الجريمة الشنيعة التي كادوا يقضون بها على الإسلام، وبعد عودة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابه، راحوا يتحصنون بحصونهم، من دون أن يطلبوا عفوا، قال ابن إسحاق: (فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقطع النخيل والتحريق فيها، فنادوه: أن يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟)([49])

وهكذا ظلوا على مواقفهم، وسوء أدبهم إلى أن اضطر المسلمون إلى حصارهم مثلما فعلوا مع بني قريظة، وفي ظل تلك الظروف الصعبة التي مروا بها بعد غزوة أحد، وقد ذكر ابن إسحق مدى إصرارهم على جرائمهم؛ فقال: (وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج، منهم عبد الله بن أبي ابن سلول ووديعة ومالك بن أبي قوقل، وسويد وداعس، قد بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب) ([50])

فكل هذه الأحداث مشابهة تماما لما حصل في بني قريظة، لكن الفرق بينهما، هو أن القانون ـ كما تذكر الروايات ـ الذي طبق على بني النضير مختلف عن القانون الذي طبق على بني قريظة، حيث أن بني قريظة طلبوا الجلاء، لكنه لم يقبل منهم، بينما قُبل من بني النضير.

قال ابن إسحق: (وسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة، ففعل. فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به. فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام) ([51])

بل إن علماء السيرة يذكرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطاهم فرصة قبل ذلك، وبعد كل جرائمهم، بأن ينجو بأنفسهم، وأن يكتفوا بالخروج من المدينة المنورة، وأن يحملوا معهم كل أموالهم، وأنه أرسل لهم رسالة مع محمد بن مسلمة يقول فيها: (إنكم قد نقضتم العهد الذي جعلت لكم، بما هممتم به من الغدر بي، فاخرجوا من بلدي وقد أجّلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه)([52])

وكما أورد المفسرون تلك الآيات التي ذكروا أنها نزلت في بني قريظة؛ فقد أوردوا أيضا آيات نزلت في بني النضير، بل يسمون سورة الحشر [سورة بني النضير]، وهي تذكر أن جرائمهم لا تقل عن جريمة بني قريظة، إن لم تكن تفوقها، قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [الحشر: 2]

ثم ذكر الحكم الشرعي المرتبط بهم، والأصل أن يطبق على غيرهم أيضا، فقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ [الحشر: 3]

ثم بين علة ذلك الحكم والحكمة منه، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 4]

وهذه العلة تنطبق تماما على بني قريظة؛ فجريمتهم مع شناعتها لا تقل عن جريمة بني النضير، ولذلك كان الأصل أن يطبق عليهم نفس الحكم، كما تقتضيه العدالة والمساواة، وهو ما حاولت الروايات التاريخية أن تشوه به النبوة.

أما القول الذي يذكره الكثير للأسف عند تبريرهم لمجزرة بني قريظة، وهو أن الحكم المرتبط ببني النضير لم يجد نفعا، ذلك أنهم راحوا يفسدون في الأرض، ولذلك تعامل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع بني قريظة بطريقة مشددة، فهو طعن في كتاب الله وحكم الله، واتهام له بأنه لا يتسق مع ما تقتضيه الحكمة.

وقد عبر عن هذا الاعتذار الشيخ جعفر السبحاني في كتابه [سيّد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم]، فقال: (والذي نتصوره هو أن أكبر أسباب هذا الحكم هو أن (سعد بن معاذ) رأى باُم عينيه أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عفا عن بني قينقاع المعتدين بناء على طلب من الخزرجيين،واكتفى من عقابهم بإخراجهم من المدينة، واجلائهم عنها ولكن تلك الزمرة التي شملها عفو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن تغادر أراضي الاسلام حتى بدأت بالمشاغبة والمؤامرة الدنيئة ضدّ الاسلام، فذهب كعب بن الأشرف الى مكة، وأخذ يتباكى ـ دجلاً وخداعاً ـ على قتلى بدر، ويذرف عليهم دموع التماسيح، ولم يفتأ عن تأليب قريش ضد رسول الاسلام وأصحابه حتى عزمت قريش على تسيير جيشها نحو المدينة، وكانت واقعة (اُحُد) التي استشهد فيها اثنان وسبعون من خيرةأبناء الاسلام، ورجاله، وهكذا فعلت بنو النضير المتآمرون الخونة، الذين عفا عنهم رسولُ اللّه صلى الله عليه وآله وسلم واكتفى من عقابهم بمجرّد اجلائهم عن المدينة، ولكنهم قابلوا هذا الموقف الانساني، بتأليب القبائل العربية المشركة ضد الاسلام، والمسلمين، وكوّنوا اتحاداً نظامياً بينها، وألفوا منها جيشاً قوياً ساروا به الى عاصمة الاسلام (المدينة)، فكانت وقعة (الاحزاب) التي لولا حنكة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وخطة حفر الخندق لقضي على الاسلام بسببها منذ الايام الاُولى، ولما بقي من ذلك الدين خبر ولا أثر ولقتل آلاف الناس)([53])

وما ذكره الشيخ السبحاني يصور ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع بني قينقاع وبني النضير بالتصرف الخاطئ المرتبط بالعواطف، كما عبر عن ذلك بقوله: (لقد لاحظ سعد بن معاذ كل هذه الاعتبارات، فلم تسمح له التجارة الماضية بأن يستسلم لعواطفه، ويضحّي بمصالح الآلاف في سبيل الحفاظ على مصالح أقلية لأنه كان من المسلّم به أن هذا الفريق سيقوم في المستقبل بايجاد تحالف عسكري أوسع، وسيثير ويؤلب قوى العرب ضد الاسلام، ويعرّض مركز الاسلام، ومحوره الاساسي للخطر من خلال تدبير مؤامرات اُخرى)

وهذا غير صحيح، فالحكم الذي صدر في حق بني النضير وبني قيناع ونرى أنه صدر مثله على بني قريضة حكم قرآني صريح نص عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ [الحشر: 3]

ومثل ذلك تصوير اليهود بأنهم سبب ما حصل من غزوات للمسلمين أيضا، يحمل الكثير من الأخطاء، ذلك أن أحقاد قريش على الإسلام ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن تقل عن أحقاد اليهود، ولذلك كان يمكن أن يقدموا على حربهم، حتى ولو لم يؤلبهم أحد.

بالإضافة إلى ذلك كله؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان حريصا على سمعة الإسلام والمسلمين، ولذلك كان لا يبادر للقتل إلا للضرورة، ولو أنه بدأ بقتل اليهود، لشان ذلك دعوته، وجعل الناس يتبعونه خوفا لا حبا، وقهرا لا قناعة.

ب ـ حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بني قينقاع:

وخيانة بنو قينقاع وغدرهم وإيذاءهم للمسلمين لا يقل عما فعلته بنو قريظة، ومع ذلك لم يفعل بهم صلى الله عليه وآله وسلم ما فعل ببني قريظة، وإنما اكتفى بإخراجهم من المدينة المنورة، مثلما فعل مع بني النضير، وهو ما ذكره القرآن الكريم، وما يدل على أنه هو القانون المطبق في مثل هذه المسائل.

ولا بأس أن أسوق هنا كلاما لأبي الحسن الندوي، باعتباره من المصححين للروايات المرتبطة ببني قريظة، فقد قال عند حديثه عن غزوة بني قينقاع: (وكان بنو قينقاع أول يهود، نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحاربوا في بدر وأحد، وآذوا المسلمين، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمس عشرة ليلة، حتّى نزلوا على حكمه، وشفع فيهم حليفهم عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، فأطلقهم له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا سبعمئة مقاتل، وكانوا صاغة وتجّارا)([54])

ثم قال مثنيا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومبينا مدى رحمته في التعامل معهم: (أصدر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عفوا عاما عن هؤلاء اليهود شريطة أن يخرجوا من المدينة إلى أيّ مكان شاءوا، فجلوا عنها إلى الشام آمنين على أنفسهم، وعلى ما قدروا من حمله من أموالهم، وغادر بنو قينقاع يثرب سالمين بعد أن كانوا يتوقّعون الموت جزاء نكثهم وتمرّدهم) ([55])

ثم استدل لهذا بما ذكره المستشرق [إسرائيل ولفنسون] في كتابه (تاريخ اليهود في بلاد العرب)، وقوله: (كان لا بدّ من عمل حاسم إزاء بني قينقاع وهم يسكنون داخل المدينة في حيّ واحد، من أحياء العرب وتطهير المدينة وأحياء الأنصار من غير المسلمين) ([56])

وما ذكره أبو الحسن الندوي عن موقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صحيح، وتمنينا لو أنه أعمل الدارية ليطبق ما حصل في هذه الغزوة على نظيرتها غزوة بني قريظة، لسببين:

أولا ـ التشدد عادة يكون مع أول الخائنين حتى يكون عبرة لغيره، وإلا فلا معنى للتشدد مع بني قريظة، وهم آخر من كان يجاور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة، وهم بأنفسهم طلبوا الجلاء عن المدينة مثلما فعل بمن سبقهم.

ثانيا ـ أن بني قينقاع بسبب ثرائهم وكونهم من أغنياء اليهود، كانو يستعملون كل الوسائل لإذية المسلمين، ولذلك كانت إذيتهم لهم شديدة، وفي أوقات حرجة، وقد ذكر المؤرخون معاملتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووقاحتهم معه، حيث أنه بعد أن جمعهم في سوقهم ونصحهم وذكرهم بمصير قريش في بدر، ردوا عليه بكل وقاحة: (يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا ـ يعنون قلة خبرتهم في الحروب ـ لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا)([57])

وكانوا لذلك أول الجماعات اليهودية إعلانا للعداوة للمسلمين، ولم يتوقفوا لحظة عن إحداث الشقاق وإثارة المشكلات بين صفوفهم، بل كانوا مصدر إيحاء وتوجيه للمنافقين، وتأييد وتشجيع للمشركين، وكان موقفهم يوم بدر مشابها تماما لموقف بني قريظة، مع أن المسلمين في غزوة بدر، كانوا أقل عددا، وأكثر ضعفا.

يقول محمد بن يوسف الصالحي الشامي موضحا المدى الذي بلغه إجرام بني قينقاع: (ولمّا قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة مهاجرا وادعته يهود كلّها، وكتب بينه وبينهم كتابا، وألحق كلّ قوم بحلفائهم وجعل بينه وبينهم أمانا، وشرط عليهم شروطا: منها: ألّا يظاهروا عليه عدوّا، فلما كان يوم بدر كان بنو قينقاع أول يهود نقضوا العهد، وأظهروا البغي والحسد، وقطعوا ما كان بينهم وبين رسول الله من العهد، فجمعهم بسوق بني قينقاع وقال: (يا معشر يهود أسلموا، فو الله إنكم لتعلمون إني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النّقمة فأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنّي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم)، قالوا: يا محمد إنك ترى أنّا مثل قومك، لا يغرّنّك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربتنا لتعلمنّ أنّا نحن النّاس) ([58])

بل روي فوق ذلك، وفي ظل تلك الخيانة محاولتهم التلاعب بأعراض المسلمات، وهو ما لم يفعله بنو قريظة، فقد روي أن امرأة مسلمة، كانت زوجة لأحد المسلمين الأنصار، كانت في السوق؛ فقصدت أحد الصاغة اليهود لشراء حلي لها، وأثناء وجودها في محل ذلك الصائغ اليهودي، حاول بعض المستهترين من شباب اليهود رفع حجابها والحديث إليها، فامتنعت وأنهته؛ فقام صاحب المحل الصائغ اليهودي بربط طرف ثوبها وعقده إلى ظهرها، فلما وقفت ارتفع ثوبها وانكشف جسدها؛ فأخذ اليهود يضحكون منها ويتندرون عليها؛ فصاحت تستنجد من يعينها عليهم، فتقدم رجل مسلم رأى ما حدث لها، فهجم على اليهودي فقتله، ولما حاول منعهم عنها وإخراجها من بينهم تكاثر عليه اليهود وقتلوه([59]).

وللأسف فإن الذين يبررون التساهل في أمر بني قينقاع مع جرائمهم الكبيرة، وخياناتهم العظيمة يجعلون الفضل في ذلك لا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا لعدالة الشريعة ورحمتها، وإنما لرجل من المنافقين، بكونه هو الذي شفع فيهم، وبذلك استطاع أن يحييهم، في نفس الوقت الذي يرمون فيه سعدا بأنه السبب في هلاك رجال بني قريظة، وسبي نسائهم، أو أن بني قريظة لم يجدوا من المنافقين من يقف معهم.

وقد ذكر ذلك كل المؤرخين في سيرهم، يقول الشامي: (ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي ابن سلول، فجعلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتبرّأ إلى الله تعالى ورسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله: أتولّى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الرّجال، فقام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن أبي ابن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد أحسن في مواليّ، وكانوا حلفاء الخزرج، فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا محمد أحسن في مواليّ فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خلفه، وكان يقال لها: ذات الفضول، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ويحك أرسلني)، وغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم قال: ويحك أرسلني، قال: والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ: أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إنى والله امرؤ أخشى الدّوائر، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (خلّوهم لعنهم الله ولعنه معهم)، وتركهم من القتل، وأمر بهم أن يجلوا من المدينة، فخرجوا بعد ثلاث)([60])

ونحن نطالب الذين يذكرون هذه الرواية، ويقرون بها، ويذكرون معها الروايات المرتبطة ببني قريظة، بأن يتخلوا عن ذاتيتهم، ويكونون صادقين مع أنفسهم، وليفرضوا أن هذه الحادثة لم تحدث في ذلك الزمن، وإنما حدثت في زمننا؛ فهل يمكن اعتبار القاضي أو الحاكم عادلا حين يبيد قرية كاملة بسبب جريمة من الجرائم.. ثم يعفو عن قرية أخرى ارتكبت نفس الجريمة، أو ما هو أكثر منها، لكون بعض الناس توسطوا في ذلك؟

2 ـ العقوبات وأئمة الكفر:

من القواعد الشرعية التي لا خلاف فيها، ارتباط العقوبات بمرتكبي الجرائم لا غيرهم، وقد نص عليها القرآن الكريم بصيغ مختلفة، بل اعتبرها من القيم المتفق عليها في جميع الأديان، كما قال تعالى: ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)﴾ (النجم)

وهو إخبار عن سنة الله التي لا تحتمل التغيير ولا التبديل، وكل ما يتوهم أنه شذوذ عنها؛ فسببه اختلاط المفاهيم أو تدخل الأهواء، ولهذا ينص القرآن الكريم على الخلق في الدنيا والآخرة لا يجازون إلا بحسب أعمالهم خيرا كانت أو شرا، كما قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (صّ:28)، وفي آية أخرى يستفهم مستنكرا: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (القلم:35)

وهذا ما تدل عليه أحكام الأنبياء b في القرآن الكريم، وقد قال الله تعالى مخبرا عن العرض الذي عرض على يوسف من طرف إخواته لاستبدال حكم الله بأحكام الهوى، فقالوا: ﴿ يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 78]، لكن يوسف A أخبرهم أن حكم الله يتنافى مع ذلك، فقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: 79]، فاعتبر ذلك ظلما.

وبناء على هذا؛ فإن تلك الروايات التي تضع جميع شباب بني قريظة في كفة واحدة مع العتاة المجرمين المستكبرين الذين قاموا بالخيانة لا يتناسب مع العدالة القرآنية، التي تفرق دائما بين رؤوس القائمين بالجريمة وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة: 12، 13]، فالآيتان الكريمتان تكادان تنطبقان على ما حصل في بني قريظة من خيانة، وتضع الحكم الشرعي المرتبط بذلك، وهو قتال أئمة الكفر الناقضين للعهود، وليس غيرهم من المستضعفين الذي لا تعرف أحوالهم.

وهكذا نرى القرآن الكريم عند ذكره للمواجهين للأنبياء b يفرق بين الملأ المستكبرين، والعامة من المستضفعفين، ويستخدم لذلك لفظ الملأ مقابل لفظ المستضعفين، كما قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ [الأعراف: 75، 76]

وهذا ما طبقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع قريش التي كانت أعتى وأكثر تجبرا من بني قريظة، ولكن مع ذلك عندما تمكن منها لم يهدر دماء رجالها، ولا استباح نساءها، حتى القتلة منهم، وإنما اكتفى بإهدار دم بعضها فقط، ثم عفا عنهم، كما سنرى ذلك عند حديثنا عن رحمة الشريعة؛ فهل يمكن أن يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع قريش رأس الإجرام، ويترك أولئك المجرمين البسطاء الذين لا يمكن مقارنتهم بها؟

3 ـ التساوي في فرص العفو:

من أكبر الأدلة على تدليس الرواة للمجزرة تلك الروايات التي يذكرونها عن تنازل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن تطبيق ما ذكروا أنه حكم الله، على نفر من بني قريظة، نتيجة توسط بعض الناس لهم.

ومن الروايات الواردة في ذلك، والتي سبق ذكرها ما حدث به ابن إسحاق؛ فقال: (وقد كان ثابت بن قيس بن الشماس، كما ذكر لي ابن شهاب الزهري، أتى الزبير بن باطا القرظي، وكان يكنى أبا عبد الرحمن ـ وكان الزبير قد من على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية ذكر لي بعض ولد الزبير أنه كان من عليه يوم بعاث، أخذه فجز ناصيته، ثم خلى سبيله ـ فجاءه ثابت وهو شيخ كبير، فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفني؟ قال: وهل يجهل مثلي مثلك، قال: إني قد أردت أن أجزيك بيدك عندي، قال: إن الكريم يجزي الكريم، ثم أتى ثابت بن قيس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله إنه قد كانت للزبير علي منة، وقد أحببت أن أجزيه بها، فهب لي دمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هو لك، فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد وهب لي دمك، فهو لك، قال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد، فما يصنع بالحياة؟ قال: فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هب لي امرأته وولده، قال: هم لك، قال: فأتاه فقال: قد وهب لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهلك وولدك، فهم لك، قال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، ما له، قال: هو لك، فأتاه ثابت فقال: قد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مالك، فهو لك، قال: أي ثابت، ما فعل الذي كأن وجهه مرآة صينية يتراءى فيها عذارى الحي، كعب بن أسد؟ قال: قتل، قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟ قال: قتل، قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا، وحاميتنا إذا فررنا، عزال بن سموأل؟ قال: قتل، قال: فما فعل المجلسان؟ يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة، قال: ذهبوا قتلوا؟ قال: (فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتنى بالقوم، فو الله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله فتلة دلو ناضح حتى ألقى الأحبة)، فقدمه ثابت، فضرب عنقه)([61])

ومثلها ما ذكره ابن إسحاق من (أن سلمى بنت قيس، أم المنذر، أخت سليط بن أخت سليط بن قيس ـ وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قد صلت معه القبلتين، وبايعته بيعة النساء ـ سألته رفاعة بن سموأل القرظي، وكان رجلا قد بلغ، فلاذ بها، وكان يعرفهم قبل ذلك، فقالت: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، هب لي رفاعة، فإنه قد زعم أنه سيصلي، ويأكل لحم الجمل، قال: فوهبه لها، فاستحيته)

وهاتان الرويتان كافيتان لهدم كل ما روي حول بني قريظة، ذلك أن من القوانين الشرعية المرتبطة بالجزاء، تساوي الناس فيه، فلا يحق للعادل أن يعاقب قوما في الوقت الذي يعفو فيه عن آخرين ارتكبوا نفس الجرم، بل ربما أقل منه.

ولهذا نرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما عفا عن قريش عفا عنها جميعا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟) قالوا: (خيرا أخ كريم وابن أخ كريم)، فقال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)([62])، وفي رواية قال: (أقول كما قال أخي يوسف A: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ﴾ [يوسف: 92])

وهكذا عندما عفا عن بني قينقاع أو بني النضير، وتركهم يخرجون سالمين، بل بصحبة أموالهم، تركهم جميعا.

وما روي من تينك الروايتين وغيرهما يصطدم مع ما ورد من النصوص في تحريم الشفاعة في حدود الله، وكيف يتجرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، وهو نفسه الذي غضب عندما طلبت منه قريش أن يعفو عن المخزومية؛ فقال لهم: (يا أيها الناس، إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها)([63])

بالإضافة إلى ذلك، فقد ورد في النصوص ما يدل على عرض الإسلام لكل من استحق القتل، ولا نرى ذلك في الروايات المرتبطة ببني قريظة، بل نراهم يذكرون أنهم عرضوا على السيف كما تعرض الشياه.

رابعا ـ المجزرة.. ورحمة الشريعة

من أهم القيم القرآنية التي نرى تعارضها التام مع ما روي في أحداث مجزرة بني قريظة قيمة [الرحمة]، وهي قيمة لا يمكن التشكيك في أهميتها وضرورتها مثل قيمة [العدل] تماما، ذلك أنها من القيم القرآنية الرفيعة، التي لا يمكن القول بنسخها.

ولذلك تعتبر من الموازين التي نزن بها كل المواقف المنسوبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ذلك أن الله تعالى وصفه بهذه الصفة، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

ولذلك يستحيل أن يوصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالانتقام أو الحقد أو ما يرميه به القائلون بالمجزرة من أنه تدارك من خلال تشدده في عقوبة بني قريظة ما كان قصر فيه أثناء تعامله مع بني النضير أو بني قينقاع؛ فيستحيل على النبوة، أن تنتقم من قوم بسبب قوم آخرين.

ولذلك فإن مجرد استحضار مشهد ذبح أولئك الشباب اليافعين الذين احتاجوا إلى أن يُكشف عن عوراتهم حتى يعرف هل بلغوا أم لا كاف في تنزيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، وكيف يفعل ذلك، وهو الحريص على إسلام الناس جميعا، وكيف يفعل ذلك، ولما يبلغ أولئك الفتية مبلغ الرشد الذي يفهمون به الإسلام؟

وقد قال تعالى مبينا حرص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على إسلام الناس جميعا: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3]، وقال: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]

وأخبر عن حرصه على هدايتهم باستعمال كل وسائل الهداية، فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: 56]

وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك عن نفسه، فقال: (إنما مثلي ومثل أمتي، كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه، فأنا آخذ بحجزكم، وأنتم تقحمون فيه)([64])

وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم A: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36]، وقول عيسى A: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]، فرفع يديه وقال: (اللهم أمتي أمتي وبكى) فقال الله- عز وجل: (يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟. فأتاه جبريل A، فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما قال، وهو أعلم، فقال الله: (يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك)([65])

ويذكر عبد الله بن مسعود موقفا من مواقف حرص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فيقول: (كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)([66])

وقد بدا هذا السلوك الممتلئ بالرحمة والرفق والحرص على إيمان الناس في كل مواقفه، وخاصة مع أعدائه صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الأمثلة على ذلك تلك المعاملات الطيبة التي كان يعامل بها الأسرى حرصا على إعطاء صورة حسنة للإسلام ترغبهم فيه، ومنها ما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم (بعث خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (ما عندك يا ثمامة؟)، فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد، فقال: (ما عندك يا ثمامة؟)، فقال: ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد فقال: (ما عندك يا ثمامة؟) فقال: عندي ما قلت لك، فقال: (أطلقوا ثمامة)، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب دين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت، قال: (لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم)([67])

ومن الأمثلة على ذلك أيضا ما ذكره صفوان بن أمية، وهو الذي حارب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فترة طويلة، ومع ذلك، شهد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه كان يستعمل معه كل وسائل الهداية، حتى تأليف قلبه بالمال، فقد روي عنه قوله بعد إسلامه: (أعطاني رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين، وإنه لأبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتى صار وإنه لأحب الناس إليّ)([68])

فهل يمكن أن يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا مع صفوان، وجرائمه الكثيرة في حق الإسلام والمسلمين، ثم يأمر بعد ذلك بذبح أولئك الرجال البسطاء، دون أن يدعوهم أو يؤلف قلوبهم، أو يسمع حججهم؟

ومن الأمثلة على ذلك، وهو يرتبط باليهود ما روي في ذلك أن غلاما يهوديا كان يخدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ‏‏‏فمرض؛ فأتاه النبي‏صلى الله عليه وآله وسلم ‏‏يعوده؛ فقعد عند رأسه؛ فقال له: (أسلم)؛ فنظر إلى أبيه وهو عنده؛ فقال له: أطع ‏أبا القاسم؛ ‏فأسلم فخرج النبي‏‏ وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار)([69])

وحتى تتضح الصورة أكثر، تتفق كتب السيرة والشمائل على أنه كان في إمكان أي كان من اليهود أو غيرهم أن يتصل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويجلس إليه، ويطلب منه ما شاء، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم من فرط رحمته يبدو هينا لينا سهلا غاية في التواضع، وهو على خلاف تلك الأوصاف التي وصف بها في روايات المجزرة، والتي حولته صلى الله عليه وآله وسلم إلى مستبد قاتل يقتل الرجال، ويستحيي النساء، ويريهم أبناءهم، وهم يذبحون أمامهم.. وكل ذلك زور وبهتان وتدليس.

فقد وصف الحسن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمفقال: (والله ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تغلق دونه الأبواب، ولا يقوم دونه الحجاب، ولا يغدى عليه بالجفان، ولا يراح بها عليه، ولكنه كان بارزا، من أراد أن يلقى نبى الله صلى الله عليه وآله وسلم لقيه، كان يجلس على الأرض، ويطعم ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويردف خلفه، ويلعق يده)([70])

ووصفه حمزة بن عبيد الله بن عتبة، فقال: (كانت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصال ليست في الجبارين، كان لا يدعوه أحمر، ولا أسود، إلا أجابه، وكان ربما وجد تمرة ملقاة فيأخذها، فيرمي بها إلى فيه، وإنه ليخشى أن تكون من الصدقة، وكان يركب الحمار عريا، ليس عليه شئ)([71])

وقد روي أنه ذات مرة كلم رجلا فأرعد، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديدة)([72])

وفي حديث آخر عن عبد الله بن بسر، قال: أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاة فجثا على ركبتيه، فأكل، فقال أعرابي: يا رسول الله ما هذه الجلسة؟ فقال: (إن الله عزوجل جعلني عبدا كريما، ولم يجعلني جبارا عنيدا)([73])

والنصوص الواردة في هذا كثيرة جدا لا يمكن حصرها، وقد ذكرنا الكثير منها في سلسلة [حقائق ورقائق]، وسنكتفي هنا بذكر كيف عامل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رؤوس الكفر والنفاق الذين استعملوا كل الوسائل لحربه، لنقارنها بروايات مجزرة بني قريظة، وهل يمكن لشخص واحد أن يقف تلك المواقف المتناقضة، وقد ذكرنا سابقا كيف تعامل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أعدائه من اليهود، وكيف عفا عنهم، وعاقبهم بتلك العقوبات البسيطة التي لا تتناسب مع جرائمهم الكبيرة.

1 ـ الرفق والرحمة بالمشركين:

فمع أن القرآن الكريم يعتبر المشركين أكثر ضلالا وانحرافا عن أهل الكتاب، إلا أننا نجد معاملة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم معاملة ممتلئة بالرحمة واللين، على الرغم من حروبهم الشديدة للمسلمين، بل شدتهم معه صلى الله عليه وآله وسلم في مكة المكرمة، حتى أخرجوه من بيته، واستولوا على كل أموال المسلمين، وظلوا يستعملون كل الوسائل لحربه، إلى أن هزموا.

وقد ورد في الروايات الكثيرة كيف كانت نظرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم، وهم في عز عنفوان جهلهم، والذي لم يكن يقل أبدا عن جهل بني قريظة، ففي الحديث عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟. قال: (لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت، وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا)([74])

ومع أنهم استعملوا كل الوسائل لحربه، بل حاولوا قتله مرات كثيرة، ولكنه مع ذلك لم يكن يقابلهم إلا بالعفو، ومما يروى في ذلك عن عن جابر بن عبد الله: أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قِبَل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قفل معه، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاة، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتفرق الناس في العضاة يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت سمرة، فعلق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتاً، فقال لي: ما يمنعك مني؟ قلت: الله، فها هو ذا جالس، ثم لم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([75])

وهكذا روي (أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أراد قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أفضالة؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله، قال: فضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه. قال فضالة: فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت: هلم إلى الحديث، فقلت: لا، وانبعث فضالة يقول:

قالت هلم إلى الحديث فقلت لا

   يأبى عليك الله والإسلام

لوما رأيت محمدا وقبيله

   بالفتح يوم تكسر الأصنام

لرأيت دين الله أضحى بينا

   والشرك يغشى وجهه الإظلام([76])

فكيف يمكن لمن فعل هذا مع هذا المجرم الذي حاول قتله، ومع ذلك تركه، ولم يعاقبه، أن يفعل تلك الأفعال مع شباب بني قريظة أو غيرهم، فذلك يستحيل عليه.

مع العلم أن المؤرخين يذكرون أن هذا الرجل الذي حاول قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسلم([77])، بل ظل على كفره، وهو دليل على أن قتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمشركين أو لليهود ليس لفرض الدين، وإنما لمواجهة الاعتداء.

وهكذا عندما تمكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قريش التي استعملت كل الوسائل لحربه، ومع ذلك استعمل معها صلى الله عليه وآله وسلم كل وسائل الرفق واللين، بل استعمل الرفق مع ألد أعدائه.

وأحب أن أسوق هنا نصا لبعض المدافعين عن مجزرة بني قريظة، في تعامله صلى الله عليه وآله وسلم مع المشركين الذين حاربوه، لنرى كيف يستسيغ عقل واحد الجمع بين المتناقضات، وفي شخصية واحدة هي شخصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قال كاتب المقال ([78])، وهو يشيد برحمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع صفوان بن أمية: (لم يكن صفوان بن أمية بن خلف يختلف كثيرا عن عكرمة بن أبي جهل؛ فقد كان أبوه من أشد المعاندين للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الذين قتلوا في بدر، وورث صفوان بن أمية هذه الكراهية من أبيه للإسلام والمسلمين، وحارب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بكل طاقته، وكان ممن التف حول ظهر المسلمين في غزوة أحد هو وخالد بن الوليد، واشترك اشتراكا كبيرا في قتل سبعين من شهداء الصحابة، واشترك أيضا في غزوة الأحزاب، وكان من الذين شاركوا في عملية القتال في داخل مكة المكرمة، بل إن صفوان بن أمية كان قد دبر محاولة لقتل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت هذه المحاولة بينه وبين ابن عمه عمير بن وهب، وكان وقتها لا يزال كافرا.. وفيها تعهد صفوان بن أمية لعمير بن وهب أن يتحمل عنه نفقات عياله، وأن يسدد عنه دينه، في نظير أن يقتل عمير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. غير أن المحاولة فشلت، وذلك عندما أسلم عمير بن وهب في المدينة المنورة بعد أن أخبره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بما دار بينه وبين صفوان في حجر الكعبة!!)

ولم يكتف صفوان ـ بحسب ما يذكر الكاتب، وبحسب ما يروى في كتب السيرة ـ بهذه الجرائم فقط، والتي لا تساوي جرائم بني قريظة جميعا أمامها شيئا، وإنما راح يتعنت، ويصر على جحوده وكفره، قال الكاتب: (ومرت الأيام، وجاء فتح مكة، وفر صفوان بن أمية، ولم يجد له مكانا في مكة المكرمة، وعلم أنه لن يستقبل في أي مكان في الجزيرة العربية؛ فقد أصبح الإسلام في كل مكان، فقرر أن يلقي بنفسه في البحر ليموت، فخرج صفوان في اتجاه البحر الأحمر ومعه غلام اسمه يسار، وليس معه أحد غيره حتى وصل إلى البحر الأحمر، وهو في أشد حالات الهزيمة النفسية، ورأى صفوان من بعيد أحد الرجال يتتبعه، فخاف، وقال لغلامه: ويحك! انظر من ترى؟ قال الغلام: هذا عمير بن وهب. فقال صفوان: وماذا أصنع بعمير..؟! والله ما جاء إلا يريد قتلي، فهو قد دخل في الإسلام، وقد ظاهر محمدا علي. ولحق عمير بن وهب بصفوان بن أمية، فقال له صفوان: يا عمير، ما كفاك ما صنعت بي! حملتني دينك وعيالك، ثم جئت تريد قتلي. فقال: أبا وهب، جعلت فداك..! قد جئتك من عند أبر الناس، وأوصل الناس)

وهذه الصفات الحقيقية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يمكن بسهولة رد كل التدليسات والأكاذيب التي نسبت له، والتي تتنافى مع جلال النبوة.. لكنهم للأسف يصرون على الجمع بين المتناقضات.

ويستمر الكاتب في طرحه لكيفية تعامل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع صفوان، فقال: (لقد رأى عمير بن وهب ابن عمه وصديقه القديم صفوان يهرب من مكة فرق له، وأشفق عليه، فأسرع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال له: يا رسول الله، سيد قومي خرج هاربا ليقذف نفسه في البحر، وخاف ألا تؤمنه، فداك أبي وأمي. فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (قد أمنته)!! هكذا!! وتماما مثلما فعل صلى الله عليه وآله وسلم مع قرينه (عكرمة).. إنها ليست أبدا مواقف عابرة، إنه -باختصار- منهج حياة.. قال عمير بن وهب لصفوان: إن رسول الله قد أمنك.. فخاف صفوان، وقال: لا -والله- لا أرجع معك حتى تأتيني بعلامة أعرفها.. فرجع عمير بن وهب إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وقد بذل مجهودا كبيرا في السعي من البحر الأحمر إلى مكة، وهي مسافة تقرب من ثمانين كيلو مترا ذهابا فقط! قال عمير لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، جئت صفوان هاربا يريد أن يقتل نفسه، فأخبرته بما أمنته، فقال: لا أرجع حتى تأتيني بعلامة أعرفها.. فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في منتهى التسامح: (خذ عمامتي إليه).. فأخذ عمير العمامة، وذهب إلى صفوان بن أمية، حتى وصل إليه، وأظهر له العمامة وقال له: يا أبا وهب، جئتك من عند خير الناس، وأوصل الناس، وأبر الناس، وأحلم الناس، مجده مجدك، وعزه عزك، وملكه ملكك، ابن أمك وأبيك، أذكرك الله في نفسك.. فقال له صفوان في منتهى الضعف: أخاف أن أقتل! قال: قد دعاك إلى أن تدخل في الإسلام، فإن رضيت وإلا سيرك شهرين!!)

ولست أدري لم لم يذكر هذا العرض مع بني قريظة، ومع شبابهم الصغار الذين رووا أنهم قتلوا هكذا من دون أن يعرض عليهم شيء.

وهكذا راح الكاتب يصف رحمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورفقه ولطفه به إلى أن أسلم وحسن إسلامه، فقالت: (وكان صلى الله عليه وآله وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم من المسلمين مائة مائة من الإبل والشياه، وحقق المؤلفة قلوبهم من الثروة ما أذهل عقولهم، حتى تنازل السادة عن كبريائهم وعزتهم، وذهبوا يطلبون العطاء المرة تلو المرة! والرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يرد سائلا، ولا يمنع طالبا، ومن بعيد يقف صفوان بن أمية متحسرا وهو يشاهد توزيع الغنائم، فهو ما زال من المشركين، وليس له إلا إيجار السلاح.. ولكن حدث في لحظة ما أذهل صفوان، وأذهل المشاهدين للموقف والسامعين عنه، وسيظل مذهلا للناس إلى يوم القيامة!! لقد نادى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صفوان بن أمية، وأعطاه مائة من الإبل، كما أعطى الزعماء المسلمين من أهل مكة، أيتوقع إنسان -أيا كان كرمه أو سخاؤه- أن يحدث منه مثل هذا.. ولم تكن ذلك نهاية الموقف.. لقد وجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن صفوان ما زال واقفا، ينظر إلى شعب من شعاب حنين، قد ملئ إبلا وشياه، وقد بدت عليه علامات الانبهار والتعجب من كثرة الأنعام، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم في رقة: (أبا وهب، يعجبك هذا الشعب؟)، قال صفوان في صراحة شديدة: نعم، إنه لا يستطيع أن يترفع وينكر.. إن المنظر باهر حقا.. قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في بساطة وكأنه يتنازل عن جمل أو جملين: (هو لك وما فيه)

ويذكر الكاتب كيف ذهل صفوان، وكيف أسلم حينها بسهولة، مع أنه لو طبق هذه الحادثة مع شباب بني قريظة لأسلموا جميعا، فقد قال: (أذهلت المفاجأة صفوان، ووضحت أمام عينيه الحقيقة التي ظلت غائبة عنه سنين طويلة، ولم يجد صفوان بن أمية نفسه إلا قائلا: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله!! وأسلم صفوان في مكانه!! يقول صفوان بن أمية: والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى صار أحب الناس إلي!!)

ثم راح يعلق على هذا الموقف بقوله: (أي خير أصاب صفوان.. أي خير تحقق لقبيلة بني جمح عندما أسلم زعيمها.. وأي خير تحقق لمكة.. وأي خير تحقق للمسلمين، وقد أضيفت إليهم قوة الزعيم المكي المشهور صفوان بن أمية، والذي حسن إسلامه بعد ذلك، وصار من المجاهدين في سبيل الله؟! إن كل هذا الخير قد تحقق بواد من الإبل والشياه! وما هي قيمة هذه الإبل والشياه؟! إنها إما أن تؤكل أو تموت.. إن الدنيا بكاملها -وليست الإبل والشياه فقط- تفنى وتزول، ولكن الذي لا يزول هو نعيم الجنة، وكم من البشر سيخلد في نعيم الجنة؛ لأنه أعطى ذات يوم مجموعة من الإبل والشياه! أليس هذا فهما راقيا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة وحقيقة الغنائم وحقيقة البشر؟! أليس هذا تقديرا صائبا من الرسول الحكيم صلى الله عليه وآله وسلم في هذه المقارنة السريعة التي عقدها؟! الأغنام في مقابل الإسلام..!! الدنيا في مقابل الآخرة..!! لقد وجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن الأغنام -مهما كثرت- ثمن زهيد جدا للإسلام، فهانت عليه، بل هانت عليه الدنيا بكاملها، فأعطاها دون تردد، فالدنيا عنده لا تعدل جناح بعوضة، والدنيا عنده قطرة في يم واسع، والدنيا عنده أهون من جدي أسك(ميت)، ولم يكن هذا كلاما نظريا فلسفيا، وإنما كان حقيقة رآها كل المعاصرين له صلى الله عليه وآله وسلم بعيونهم، كان واقعا في حياته صلى الله عليه وآله وسلم، وحياة الصحابة رضوان الله عليهم، وحياة من عاملهم من المسلمين وغير المسلمين)

ثم ذكر آثار ذلك الموقف، فقال: (ولم يتبق في يده شيء لنفسه صلى الله عليه وآله وسلم!! لم يتبق ما يعوض به فقر السنين، وانقضاء العمر، وقد بلغ الستين بل تجاوزها! لم يحتفظ بشيء، ورأى الناس منه ما جعل عقولهم تطيش، وأفئدتهم تضطرب، فانطلق الأعراب يزدحمون عليه صلى الله عليه وآله وسلم يطلبون المال والأنعام لأنفسهم قبل أن تنفد، حتى اضطروه صلى الله عليه وآله وسلم -وهو الزعيم المنتصر والقائد الأعلى- أن يلجأ إلى شجرة، وانتزع الأعراب رداءه، فقال في أدب ورفق، ولين يليق به كنبي، ويجدر به كمعلم: (أيها الناس، ردوا علي ردائي، فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا جبانا، ولا كذابا).. وصدق صلى الله عليه وآله وسلم.. فما كان بخيلا، ولا جبانا، ولا كذابا)

ليعذرني القارئ على نقل هذا المقال مع طوله، فقد كان غرضي منه أن نرى كيف يفكر أمثال هؤلاء الذين يدافعون عن الروايات التي ترمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكونه قتل المئات من الشباب اليافعين، الذين لم يكن لهم من جريمة سوى أن قام بعض قادتهم بالخيانة في نفس الوقت الذي يترضون فيه على رجل لم يسلم إلا بعد أن تحول إلى مليونير، ويعدونه من جملة الصحابة، ويحرمون الكلام عنه، في نفس الوقت الذي يلعنون فيه شباب بني قريظة.

ونحن لا ننكر أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحيما، ولكن ننكر اختصار رحمته في التعامل مع صفوان وعكرمة وغيرهما.. بل نعتقد أن رحمته صلى الله عليه وآله وسلم شملت الجميع، بل هي رحمة للعالمين، ولذلك كانت قصة صفوان في حال صحتها دليلا على كذب قصة بني قريظة، ذلك أنه يستحيل على شخص واحد أن يكون رحيما لتلك الدرجة مع بعض أعدائه، وقاسيا في نفس الوقت على غيرهم ممن هم دونهم بكثير.

2 ـ الرفق والرحمة بالمنافقين:

مع ما ورد في النصوص المقدسة الكثيرة من اعتبار المنافقين أخطرالفئات التي حاربت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واستعملت كل الوسائل في ذلك إلا أننا نجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعامل معهم بكل لطف ورحمة لدرجة لا يمكن تصورها.

ولو طبقنا تلك المعاملة مع من هم أدنى بكثير، وهم يهود بني قريظة ـ وباتفاق جميع العلماء ـ نجد فرقا كبيرا جدا، يجعلنا نتأكد تماما أن ما خص به بنو قريظة من تلك الروايات ليست سوى حرب للإسلام، ولرحمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وسنقتصر هنا على بعض الأمثلة على ذلك، وهي مشهورة، والكثير من الخطباء يرددونها ليبينوا المدى الذي وصلت إليه رحمته صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنهم في نفس الوقت يهدمون كل ذلك البنيان عندما يقبلون معه، تلك الأكاذيب المرتبطة ببني قريظة.

ومن تلك الأمثلة ما يذكرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاول أن يتجاوز القرآن الكريم في تعامله مع عبد الله بن أبي، وذلك بعد أن نزل عليه قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 80]

ففي الحديث عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبى بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي عليه، فقام عمر بن الخطاب فأخذ بثوبه فقال: يا رسول الله، تصلي عليه وقد نهاك الله عنه؟ فقال رسول الله: (إن ربي خيرني)، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ [التوبة: 80]، وسأزيد على السبعين)، فقال: إنه منافق أتصلي عليه؟ فأنزل الله عزوجل: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [التوبة: 84])([79])

ونحب أن ننقل هنا نموذجا لخطبة قالها بحماسة بعض أولئك الذين ينتصرون لمجزرة بني قريظة، وفي نفس الوقت يبين مدى التساهل والتسامح الذي كان يبديه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع المنافقين، لنرى كيف يمكن أن يستسيغ عقل الجمع بين المتناقضات، ذلك أن الخطيب نفسه يقر بأن جرائم المنافقين أكبر من جرائم اليهود والمشركين.

وقد بدأ خطبته بقوله: (شخصية عجيبة؛ تلك التي سنتناولها في هذه الخطبة إن شاء الله، كان لها أثر كبير في وقتها، وقد جاءت في شأنها آيات من الكتاب العزيز، وأحاديث في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسيرته كانت أول مقابلة لهذه الشخصية مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن أسامة بن زيد أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم ركب على حمار على قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه؛ يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعت بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول قبل أن يسلم عبد الله بن أبي أي يتظاهر بالإسلام، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين ومن المشركين عبدة الأوثان، واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، لما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي بن سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجلسنا، فلا تؤذنا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون، والمشركون، واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخفضهم، حتى سكنوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وآله وسلم دابته حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب يريد عبد الله بن أبي قال كذا وكذا. قال سعد بن عبادة: اعف عنه واصفح عنه فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك لقد اصطلح أهل هذه البحيرة أي البلدة وهي يثرب التي صارت المدينة وطيبة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة أي يتوجوا عبد الله بن أبي ملكا عليهم فلما أبى الله ذلك فاتت الفرصة على عبد الله بن أبي وفاته الملك للإسلام الذي جاء فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك غص به وكرهه فذلك فعل به ما رأيت، فعفى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([80]

ثم علق على هذا العفو بقوله: (وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى ـ أي في تلك المرحلة التي جاءت بعدها مرحلة أخرى ـ كما قال الله عز وجل: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186]، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتأول العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم ونزلت الآيات بجهاد الكفار، والمنافقين، والغلظة عليهم، وتغيرت الحال فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدرا فقتل الله به صناديد كفار قريش قال بن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه أي ظهر وبان وقوي الإسلام وقام عموده، قد توجه فبايعوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الإسلام فأسلموا أي في الظاهر)

ثم ذكر بعض مظاهر عداء ابن سلول ومكائده للإسلام وأهله، فقال: (لقد اضطر بن أبي أن ينتقل من العداوة الجهرية للدين إلى العداوة السرية، والكيد للإسلام وأهله لقد فوت عليه هذا الدين الملك فشرق من أجل ملكه نافق وصار يعادي الإسلام والمسلمين ويدبر المؤامرات ويحبكها هو وأعوانه كيدا للدين والإسلام وأهله، وكان مما يخفي به أمره أنه كان يقوم بعد خطبة الجمعة بعد أن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطبها يدعو قومه إلى الإسلام متظاهرا أنه ينصر الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهكذا كان يتظاهر بالحرص على مصلحة المسلمين وقضية الجهاد، وكان لا يريد المسلمين أن يخرجوا من المدينة في أحد حتى لا ينكشف هو وأصحابه، ولكن الله عز وجل أراد أمرا آخر فاضطر للخروج، ثم انسحب وهكذا صار أمرهم في الغزوات، هكذا صاروا في بقية الغزوات لا يخرجون ويتخلفون بالأعذار الواهية، وإذا خرجوا خرجوا ليرجعوا أو ليثيروا الفتنة في جيش المسلمين)

وكان في إمكان الخطيب أن يطبق هذا على بني قريظة، لأن خيانتهم لم تكن سوى واحدة بجانب الخيانات الكثيرة التي قام بها ابن سلول وغيره من المنافقين، ومع ذلك لم يتعامل معهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتلك الصورة التي يصورون أنه تعامل بها مع بني قريظة.

وهكذا يستمر في ذكر مواقف عبد الله بن أبي من الإسلام وما جره على المسلمين من أنواع الأذى والذي لا يساوي ما فعله بنو قريظة معه شيئا؛ فيقول: (إن ذلك الرجل كره الدين وأهله وتجرأ أن يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد أخذ أنفه بردائه لا تغبروا علينا.. فإذا كانت مؤامرات عبد الله بن أبي تسبب الوقيعة في المسلمين والفتنة بينهم، لقد كاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآذاه في أقرب الناس إليه في زوجته عائشة، واتهم صفوان بن المعطل وإياها بفعل الفاحشة، وأنزل الله براءتها من فوق سبع سماوات، وبراءة صفوان، بلغ أذاه في أهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلغ أذاه في أهل بيته، وكان لا يتوانى لانتهاز الفرص للوقيعة بين المسلمين، ولذلك فإن غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق قد شهدت مواقف دنيئة من هذا الرجل في غاية العجب، ومن ذلك ما حصل بين رجلين، مزح أحدهما مع الآخر فحصل بينهما رفع لشعار الجاهلية فلما أنكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ماذا قال عبد الله بن أبي لما سمع القصة قال: أوقد فعلوها هؤلاء المهاجرون فعلوها فعلها المهاجرون كاثرونا في بلدنا وصاروا يأكلون من خيراتنا ونافسونا ثم يريدون أن يطغوا علينا؛ فأراد أن يحيي العصبية ويعيدها جاهلية فقال: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: 8]، وقال أيضا: {لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا } [المنافقون: 7]..امنعوا الأموال عنه وعن أصحابه، لا تعطوه زكاة ولا غيرها؛ فيضطر الناس للانفضاض عنه، والأعراب الذين يأتون للمال لا يأتون فلما سمع بذلك عمر قال: دعني أضرب عنق هذا المنافق؛ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه)

ثم ذكر عدم قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع كل تلك الجرائم التي قام بها، فقال: (سلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك المسلك؛ إيثارا لسلامة الدين والدعوة وحتى لا يتحدث العرب الذين لا يعرفون القصة، وهم البعيدون عن المدينة، وظروفها والأحوال، والملابسات حتى لا يقال أن محمدا قتل بن أبي وهو قد تابعه وأظهر الإسلام فترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتله فانبرى ابنه عبد الله وكان رجلا مسلما صادقا عبد الله بن عبد الله بن أبي والله يخرج الحي من الميت قال لأبيه: (والله لا تنقلب حتى تقر أنك الذليل ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العزيز)، ففعل رغما عنه حبسه على باب المدينة ـ الحديث رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح ـ لقد فعل ابن أبي من الؤامرات أمرا عجيبا، ومن ذلك أنه خان الله ورسوله، وهذا من أشنع الأمور والله سبحانه وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} [النساء: 107])

ثم ذكر أنواع الخيانات التي قام بها عبد الله بن أبي، فقال: (خان الخيانات جميعا الصغرى إلى العظمى إلى خيانة دولة المسلمين وإلى التجسس لحساب العدو مع إخوانه.. لقد كان أمرا عجيبا ذلك الذي فعله بن أبي في الطعن، وكشف عورات المسلمين، وإفشاء أسرارهم والتجسس للمشركين على المسلمين ونقل أخبار المسلمين، والتآمر على المسلمين، كانوا طابورا خامسا، وصفا خلفيا يريدون أن يظهر في المسلمين عورة تنقل إلى الكفار، وثغرة يخبر بها الكفار، واتخذوا مسجد الضرار؛ كفرا، وتفريقا، بين المؤمنين، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله، وتستروا بالمسجد، وهو في الحقيقة ضرار للإسلام وأهله، هكذا كانوا يتسترون بالإسلام وهو على الكفر الأكبر وهكذا فعلوا عندما نصبوا ذلك الصرح ليجعلوه وكرا لمؤامراتهم حتى لا تنتبه إليهم عيون المسلمين وكانوا يحرضون الكفار على المسلمين.. وكانوا يصانعون اليهود في المدينة ليبتغوا عزة وإذا كانت الدائرة على المسلمين قالوا لقد دخلنا في الصف الأقوى أيبتغون عندهم العزة.. لقد كان أولئك المنافقون بقيادة عبد اله بن أبي يتخلفون عن الجهاد الحقيقي، ويصانعون أعداء الله، وكان من تخلفهم لا يعدون عدة ولقد كشف الله أستارهم وأسرارهم فإذا كانوا يريدون الجهاد حقيقة لأعدوا عدة الجهاد، ولكنهم لم يعدوها كانوا يتخلفون عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأعذار القبيحة، وكذلك فعل عبد الله بن أبي)

وبعد كل هذا الذي ذكره وغيره، راح يصف رحمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به؛ فقال: (وبعد حياة حافلة بالمؤامرت على الإسلام؛ مات عبد الله بن أبي بن سلول، وذهب منافقا إلى ربه، فماذا كان موقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ وماذا حصل في نهاية قصة ذلك الرجل؟ روى الإمام البخاري في صحيحه عن بن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسأله أن يعطيه قميصه ليكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (يارسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما خيرني الله فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيده عن السبعين، قال إنه منافق فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)

ولست أدري كيف غاب عن بني قريظة، وهم يعرضون على الموت، أو قبل ذلك أن يستعملوا هذه الحيلة، فيتظاهروا بالإسلام الذي تظاهر به عبد الله بن أبي وغيره من المنافقين، لينجو بأنفسهم، وبعد أن ينجو يعودون إلى ما كانوا عليه.

وقد ذكر القرآن الكريم عنهم ذلك، فقال: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران: 72]

وقد كانوا يعلمون أيضا بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لو تظاهروا بالإسلام؛ فإنه لن يفتش قلوبهم، بل يتركهم، كما ورد ذلك في القرآن الكريم؛ فالله تعالى ينهى المؤمنين حتى وهم يتسايفون مع أعدائهم، أن يقتلوا عدوهم في حال هزيمته إن اتقى بالإسلام، ولو كان ذلك ادعاء، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94]

وقد ورد في تفسير الآية عن المقداد بن الأسود أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار، فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تقتله)، قال: فقلت: يا رسول الله، إنه قد قطع يدي، ثم قال ذلك بعد أن قطعها، أفأقتله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)([81]

وعن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحرقة من جهينة، فصبحنا القوم، فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا، بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لي: (يا أسامة، أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟!)، قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذا، قال: فقال: (أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟!)، قال: فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم ([82]).

وفي رواية: (قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: (أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم: أقالها أم لا)، وفي رواية: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟!) قال: يا رسول الله، استغفر لي، قال: (وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟!) قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: (كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟!)

فهذا الحديث برواياته المتعددة أكثر صحة وشهرة ودل عليه القرآن الكريم، ولا تقف أمامه كل روايات مجزرة بني قريظة، وقد كان هذا الأمر فوق ذلك مشهورا يعرفه جميع الناس، ولهذا كانوا يستعملونه للنجاة بأنفسهم، وقد استعمله بعض الأوس والخزرج، واستعملته قريش عندما نفذت كل أسلحتها.

فهل يمكن أن يغيب عن بني قريظة، أو عن شبابهم الذي عرضوا للموت ـ كما تقول الروايات المدلسة ـ؟

وهل يمكن أن يكون تمسكهم باليهودية لتلك الدرجة، مع أنها تبيح لهم ـ على حسب ما يدل الكتاب المقدس ـ أن يستعملوا كل الحيل للنجاة بأنفسهم.

نترك هذه الأسئلة وغيرها كثير لأصحاب العقول التي لا تزال تفكر، لتجعل حكمها الأكبر هو القرآن الكريم، والسيرة المطهرة الصحيحة التي تمثل القيم القرآنية خير تمثيل.


([1])  رواه البخارى: 7/411.

([2])  الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671هـ)، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ – 1964 م، (16/ 226)

([3])  وذلك تحت عنوان [موافقة لشريعة بني إسرائيل]، السيرة النبوية، أبو الحسن الندوي، المطبعة العصرية ـ صيدا ـ لبنا، (ص: 363)

([4])  الكتاب المقدّس: مطبعة أو كسفورد، 1879 م..

([5])  رواه أبو داود رقم (3592) و (3593)، والترمذي رقم (1327) و (1328)

([6])   مسند الإمام أحمد بن حنبل: 3/387 ح(15195).

([7])  غاية المقصد فى زوائد المسند، أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (المتوفى: 807هـ)، المحقق: خلاف محمود عبد السميع، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1421 هـ – 2001 م، (1/ 92)

([8])الكافي، أبو جعفر الكليني، تحقيق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، 1363 ه‍ ش، طهران، 1/ 69 ح5.

([9])  بحار الأنوار، ج 1 / 144 و 145، وج 2 / 115.

([10]) تصحيح الاعتقاد بصواب الانتقاد، الشيخ المفيد، تقديم السيد هبة الدين الشهرستاني، منشورات الرضي، 1363 ه‍ ش، قم، ص 44.

([11])  الكافي الكليني (1/ 11)

([12]) كشف موقف الغزالي من السنَّة وأهلها ونقد بعض آرائه، ربيع المدخلي، السعودية: مكتبة ابن القيم، السعودية، ( ص4 )

([13]) المرجع السابق  ص5.

([14]) كشف موقف الغزالي من السنَّة وأهلها ونقد بعض آرائه ( ص4-6 )

([15])  شريط ( حطاب ليل ) ، تسجيلات مجالس الهدى – الجزائر.

([16])  البخاري (6 / 496 رقم 3461) والترمذي (7 / 431 – 432 رقم 2806)

([17]) تذكرة الحفاظ 1 / 36، ابن عساكر في تاريخ دمشق (67/ 343) سير أعلام النبلاء: (2/ 600)

([18]) البداية والنهاية ج 8 ص 109.

([19]) الطبقات الكبرى (4/ 332)

([20])    الدر المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، القاهرة، مصر، مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية، ط1، 1424هـ/2003م، (8/ 259)

([21])    دقائق التفسير (2/ 58)

([22])   الهيكل البناء المشرف، مختار الصحاح، الرزاي 1/290.

([23])   السنة 2/477.

([24])   العلو للعلي الغفار في إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، المحقق: أبو محمد أشرف بن عبد المقصود، مكتبة أضواء السلف ، الرياض، الطبعة: الأولى، 1416هـ ، 1995م، 1/130.

([25])   السنة 1/148.

([26])   السنة 1/256. وأخرجه الآجري في الشريعة 4/1609 والذهبي في العلو 1/720.

([27]) البداية والنهاية [1/34-35)

([28]) الإصابة في تمييز الصحابة، (5 /650)

([29]) رواه أحمد 2/222 (7067)

([30])   مسند الإمام أحمد بن حنبل: 3/387 ح(15195).

([31])  سيرة ابن هشام، (2/ 239)

([32])  سيرة ابن هشام، (2/ 236).

([33])  تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي (9/ 82)

([34])  رواه أبو داود رقم (3592) و (3593)، والترمذي رقم (1327) و (1328)

([35])  المحلى بالآثار، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، دار الفكر، بيروت، (8/ 427)

([36])  صحيح البخاري برقم (2458) وصحيح مسلم برقم (1713) ..

([37])  رواه الترمذي، رقم الحديث 1582.

([38])  رواه البخاري 13 / 120 و 121 ، ومسلم رقم (1717) ، والترمذي رقم (1334).

([39])  تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/ 433)

([40])  جامع البيان للطبري (21/ 517)

([41])  رواه النسائي (4153)، وأحمد (3/ 441) (15691).

([42])  رواه أبو نعيم في (معرفة الصحابة) (3/ 1404)

([43])  رواه الطبراني في (الكبير) (24/ 233)، والطحاوي في (شرح المشكل) (11/ 104)

([44])  أبو داود (5116) . والترمذي (3965)

([45])  مسلم (1623) ، رواه البخاري [فتح الباري] 5 (2650) ، والنسائي (4411)

([46])  رواه البخاري [فتح الباري] 12 (6788) ، واللفظ له. ومسلم (1688)

([47])  رواه أبو داود 3 (3591) ، وقال الألباني في صحيح أبي داود (3062) : حسن صحيح الإسناد، وهو في النسائي برقم (4733) ، وذكره الألباني في صحيحه أيضا..

([48])  سيرة ابن هشام، (2/ 190).

([49])  سيرة ابن هشام، (2/ 191).

([50])  سيرة ابن هشام، (2/ 191).

([51])  سيرة ابن هشام، (2/ 191).

([52])  سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (4/ 319).

([53])  سيد المرسلين a دراسة تحليلية للشخصية والسيرة المحمدية في شتى ابعادها الاجتماعية والرسالية والسياسية والعسكرية، محاضرات: الشيخ جعفر السبحاني، بقلم: جعفر الهادي، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، الطبعة: الثالثة 1427هـ، 2/293.

([54])  السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي (ص: 317).

([55])  السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي (ص: 318).

([56])  السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي (ص: 318).

([57])  سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (4/ 179).

([58])  سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (4/ 179).

([59])  محمد رسول الله  a، محمد رضا،  دار الكتب العلمية – الطبعة الثانية 2008، ص174.

([60])  سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (4/ 179).

([61])  سيرة ابن هشام، (2/ 242)، قال صاحب كتاب [ما شاع ولم يثبت في السيرة النبوية، (ص: 174)]: وعنه أخرجه البيهقي في (الدلائل)، ومرسل الزهري لا يفرح به. وأخرجه في (السنن الكبرى من مرسل عروة، وفي سنده ابن لهيعة. وعزاه الهيثمي إِلى الطبراني في (الأوسط) وقال: فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف)

([62])  ) رواه النسائي في الكبرى في التفسير كما في تحفة الأشراف 10/ 134، ورواه البيهقي في الدلائل 5/ 58..

([63])  رواه البخاري [فتح الباري] 12 (6788) ، واللفظ له. ومسلم (1688) ..

([64])  مسلم (2284) ..

([65])  رواه مسلم (202).

([66])  رواه البخاري 12 / 249 ، ومسلم رقم (1792).

([67])  سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (6/ 71)

([68])  سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (7/ 25)

([69])  البخاري: كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ (1290)، ورواه الترمذي (2247)، والحاكم (1342)، والنسائي في سننه الكبرى (7500).

([70])  سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (7/ 34)

([71])  رواه ابن سعد، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (7/ 31)

([72])  ابن ماجة (3312) والخطيب في التاريخ 6/ 277، 279 وانظر المجمع 9/ 20.

([73])  رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (7/ 164)

([74])  رواه البخاري [فتح الباري] 3 (1303) ، ومسلم (2315).

([75])  صحيح البخاري مع الفتح 7/ 426 رقم (4135) ، ومسلم رقم (843) وما بعدها..

([76])  سيرة ابن هشام، (2/ 417).

([77])  قال الشامي في [سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (10/ 259)]: (ذكره الحافظ الذهبي في التجريد من جملة الصحابة وعبارته غورث بن الحارث الذي قال: من يمنعك مني؟ قال: الله، قال: ما يمنعك مني؟ قال: الله، قالها ثلاثا، فوقع السيف من يده وأسلم)، ونازعه الحافظ بأنه ليس في البخاري تعرض لإسلامه، ثم أورد الطرق التي رواها البخاري في صحيحه ثم قال: ورويناه أي حديث جابر … في قصة غورث في المسند الكبير، لمسدد، وفيه ما يصرح بعدم إسلامه)

([78])  انظر: مقالا بعنوان: عفوه عن صفوان بن أمية بن خلف، موقع قصة الإسلام، ونفس المقال وجدته، ولكن من تأليف أماني زكريا الرمادي، موقع رسول الله a، ولا أعرف الكاتب منهما.

([79])  السيرة النبوية لابن كثير (4/ 65)

([80])  خطبة بعنوان: رأس المنافقين، محمد صالح المنجد، موقعه على النت.

([81])  رواه البخاري 12 / 166 و 167 ، ومسلم رقم (95)

([82])  رواه البخاري 7 / 398 ، ومسلم رقم (96)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *