الفصل الثاني: المجزرة.. والتدليس اليهودي

الفصل الثاني

المجزرة.. والتدليس اليهودي

لعل أول من أشار إلى الدور اليهودي في إشاعة وتلفيق مجزرة بني قريظة مالك بن أنس، إمام المذهب المالكي، وهو أكثر العلماء المعتبرين ثقة وورعا وتمسكا بالسلف لدى المدرسة السلفية نفسها، وذلك بسبب تشدده مع الرواة، ومع كل ما يخالف مذاهب السلف المتقدمين، حتى أنه ينكر أحاديث رويت في الصحيحين من أجل اتهمامه لرواتها.

وقد أشاد به في هذه الناحية كل السلفيين ابتداء من ابن تيمية نفسه، والذي اعتبره من كبار مراجع المدرسة السنية المعتمد عليهم، والذين يرجع إليهم عند الخلاف؛ ومما قاله عنه: (لا ريب عند أحد أن مالكا أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ورأيا؛ فإنه لم يكن في عصره ولا بعده أقوم بذلك منه كان له من المكانة عند أهل الإسلام الخاص منهم والعام ما لا يخفى على من له بالعلم أدنى إلمام..ولهذا قال الشافعي: ما تحت أديم السماء كتاب أكثر صوابا بعد كتاب الله من موطأ مالك. وهو كما قال الشافعي)([1])

وكان الأصل أن يرجع إليه أهل الحديث لتبين موقفه من هذه المجزرة، لكنهم ـ للأسف ـ لم يفعلوا بسبب الانتقائية في مواقفهم، ذلك أن الإمام مالك كان حكمه شديدا على ابن إسحق، واعتباراه كذابا، ونهيه عن الرواية عنه، أو قبول جميع أحاديثه في الأحكام والسير وغيرها.

وقيمة قول الإمام مالك في هذا ليس في هذا الحكم الذي وافقه عليه الكثير، ولكن في تعليل ذلك بكونه كان يروي عن اليهود، وخصوصا يهود بني قريظة، ولو طبقنا على حكمه عليه مقاييس المحدثين بتقديم الجرح على التعديل، لحكمنا بالوضع على كل الروايات التي رواها، وانفرد بها، خاصة وأن الإمام مالك كان معاصرا له، وقريبا منه.

فقد ذكر ابن حبان سبب الحكم الذي حكم به الإمام مالك على ابن إسحق، وعلاقته ببني قريظة؛ فقال: (.. لما صنف مالك الموطأ قال ابن إسحاق: ائتوني به فأنا بيطاره، فنقل إلى مالك فقال: هذا دجال من الدجاجلة، يروي عن اليهود، وكان بينهم ما يكون بين الناس حتى عزم محمد بن إسحاق على الخروج إلى العراق فتصالحا حينئذ فأعطاه مالك عند الوداع خمسين دينارا ونصف ثمرته تلك السنة، ولم يكن يقدح فيه مالك من أجل الحديث إنما كان ينكر عليه تتبعه غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وبني قريظة، والنضير، ما أشبهها من الغزوات عن أسلافهم، وكان ابن إسحاق يتتبع هذا عنهم ليعلم من غير أن يحتج بهم، وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن متقن صدوق فاضل يحسن ما يروي ويدري ما يحدث)([2])

 وبذلك فإن الإمام مالك ـ على حسب هذه الرواية ـ من الذين يشككون في تلك القصص التي رواها ابن إسحق عن اليهود، ذلك أنه كان ينقل عنهم، من غير أن يكون لهم ـ كما يذكر الإمام مالك ـ الإتقان والصدق والفضل، والذي يزيد الدلالة على ذلك قوة هو أن الإمام مالك لم يذكر في موطئه تلك المجزرة، ولا أشار إليها.

بناء على هذا، سنحاول في هذا الفصل بيان المصدر اليهودي لهذه المجزرة من خلال ثلاثة أدلة، يكمل بعضها بعضا:

أولها ـ انتشار الرواية عن اليهود في ذلك العصر، واختلاطها مع الروايات الورادة عن غيرهم من الصحابة والتابعين، بحيث أصبح من الصعوبة التمييز بينها، وخاصة مع انتشار ظاهرة التدليس.

ثانيها ـ ما ورد في الروايات الخاصة بالمجزرة من تمجيد لليهود، وبيان لبطولاتهم ونبلهم واستعدادهم للتضحية في سبيل دينهم ومبادئهم على خلاف ما ورد في القرآن الكريم من صفاتهم.

ثالثها ـ ما ورد في الروايات الخاصة بالمجزرة من إساءة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين، وهي تؤيد ما ذكر في القرآن الكريم من سلوكاتهم المرتبطة بذلك.

وسنشرح هذه الأدلة في المباحث التالية:

أولا ـ انتشار الرواية في ذلك العصر عن اليهود:

وهذا من المتفق عليه عند جميع المحدثين والمؤرخين، وقد أشرنا إليه في مواضع كثيرة من سلسلة [الدين والدجل]، باعتباره السبب الأكبر لكل التحريفات التي حصلت في الإسلام، وسبب ذلك هو أن بني أمية، بل من قبلهم، الذين أعطوا لليهود الكثير من الحرية في رواية الأخبار والقصص، بل تفسير القرآن الكريم على أساسها، وهذا ما سمح لهم بالانتشار، وتكوين الحلقات العلمية، وتكثير الأتباع الذين يجدون عندهم من التفاصيل ما لا يجدون عند غيرهم.

وقد أشار ابن خلدون إلى هذا؛ فقال ـ عند حديثه عن التفسير وامتلائه بالروايات الإسرائيلية: (والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية. فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم. فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرى في الصحة التي يجب بها العمل. وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات. وأصلها كما قلناه عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلا أنهم بعد صيتهم وعظمت أقدارهم. لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتلقيت بالقبول من يومئذ)([3])

وما ذكره ابن خلدون هو جانب فقط من الجوانب التي كانوا يتحدثون فيها، وإلا فإن الروايات الواردة عنهم موجودة في كتب العقيدة والتفسير والحديث والسيرة، والمشكلة هي اختلاط أحاديثهم مع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والروايات عن الصحابة، ذلك أن أكثر الناس في ذلك العصر كانوا يدلسون؛ فيحدثون من غير أن ينسبوا أحاديثهم إلى مصادرها.

والمشكلة الأكبر من ذلك هي ذلك التساهل الذي أبداه المحدثون مع المدلسين مع علمهم بأنهم قد يروون عن الضعفاء والكذابين واليهود وغيرهم، وسبب ذلك كله هو الحرص على أكبر قدر من التفاصيل حول القضايا المختلفة، لاعتقادهم أن الأعلم هو أكثر الناس إدراكا للتفاصيل.

وحتى نعرف مدى خطورة هذا، نذكر أن أكثر رجال البخاري ومسلم ـ وهم الذين يعتبرهم المحدثون في أعلى درجات الوثاقة ـ ذكروا في المدلسين.. فكيف بغيرهم؟

ولذلك فقد استعمل المحدثون كل ما أوتوا من حيلة لتبرير التدليسات التي وقع فيها رجالهم، وخاصة من يعتبرونهم من الثقاة، كما صنع الحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفى 852 هـ) في كتابه (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس)، والذي جمع فيه من رواة الكتب الستة وغيرهم، وقسمهم على مراتب خمس؛ لكل واحدة منها ضابط ووصف.

ومن الأمثلة على التدليس ما سموه [تدليس الشيوخ]، وقد عرفه الخطيب بقوله: (.. أن يروي المحدث عن شيخ سمع منه حديثاً، فيغير اسمه، أو كنيته، أو نسبه، أو حاله المشهور من أمره؛ لئلا يعرف)([4])

وعرفه ابن الصلاح بقوله: (هو أن يروي عن شيخ حديثاً سمعه منه؛ فيسميه أو يكنيه بما لا يُعرف به كي لا يُعرف)([5])

ومن الأمثلة التي يوردها المحدثون للدلالة على صعوبة التعرف على التدليس ما ورووا أنه اجتمع أصحاب هشيم؛ فقالوا: لا نكتب عنه شيئا مما يُدَلِّسُه؛ ففطن لذلك، فلما جلس قال: حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم؛ فحدث بعده أحاديث، فلما فرغ قال: هل دلست عليكم شيئا؟ قالوا: لا.فقال: بلى كل ما حدثتكم عن حصين فهو سماعي، ولم أسمع من مغيرة من ذلك شيئاً([6]).

ويكفي هذان لإدراك خطورة هذا النوع من التدليس، لأن قيام علم الحديث على الرجال؛ والتعمية وتعمد إخفاء الضعفاء، بمثابة التستر على المجرمين، وكان الأصل بالمحدثين أن يتعاملوا مع المتسترين على الرواة الكذابين والضعفاء، بمثل ما تتعامل به القوانين مع المتسترين على المجرمين، لكنا للأسف لم نر ذلك.. وكأن الكذب في الدين أقل جرما من غيره من الجرائم.

والقسم الثاني من التدليس هو تدليس الإسناد، وقد عرفه أبو بكر بن البزار بقوله: (هو أن يروي عمن قد سمع منه مالم يسمعه منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه)([7]).

وعرفه ابن حجر بأنه: (.. أن يروي عمن لقيه شيئاً لم يسمعه منه بصيغه محتملة، ويلتحق به من رآه ولم يجالسه… وإذا روى عمن عاصره، ولم يثبت لقيه له شيئاً بصيغه محتمله؛ فهو الإرسال الخفي) ([8])

  وقال: (والذي يظهر من تصرفات الحذاق منهم أن التدليس مختص باللقي؛ فقد أطبقوا على أن رواية المخضرمين مثل: قيس بن أبي حازم، وأبي عثمان النهدي وغيرهما عن النبي k من قبيل المرسل لا من قبيل المدلس)([9])

والتأمل في هذه التعاريف وحدها كاف في بيان خطورة التدليس الذي لم يكد ينجو منه أحد.. ولهذا نجد مشايخ المحدثين يعتذرون لأنفسهم إن اكتشف تدليسهم بأن لهم أسوة في ذلك بمن سبقهم من المحدثين الثقاة، قال ابن المبارك: (قلت لهشيم: لِمَ تُدَلِّس، وأنت كثير الحديث؟ فقال: كبيراك قد دَلَّسا الأعمش وسفيان) ([10])

بل يذكرون بأن أول من سن سنة التدليس الصحابة، كما قال الذهبي تعليقا على قول شعبة: (كان أبو هريرة يدلس): (قلت [أي الذهبي]: تدليس الصحابة كثير، ولا عيب فيه، فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلهم عدول)([11])

ومن الأمثلة عن تدليس الصحابة، والذي لا يمكن اكتشافه بسهولة، أن أبا هريرة لا يروي فقط أقوالا بل يضيف إليها مواقف حصلت له، مع أنها لم تحصل.. فهو يصدر معظم رواياته بقوله: قال رسول الله k أو سمعت، أو حدثني دون أن يكون سمع من النبي k أو تحدث معه.. بل إنه فوق ذلك روى مشاهد كثيرة لم يحضرها، كحديثه عن فتح خيبر، وحديث دخوله على رقية زوجة عثمان، التي توفيت في الثانية من الهجرة، رغم أنه أسلم بعد فتح خيبر سنة سبع من الهجرة.. وأنه أفتى بفطر من أصبح جنبا في رمضان قبل الغسل، ولما بلغه عن عائشة وأم سلمة خلاف ذلك، قال: إنه لم يسمعه من النبي k وإنما أخبره به الفضل بن عباس.

لكن المحدثين وجدوا مبررات تنفي هذا الغموض، وتستر هذه الثغرة، فذكروا أن قول أبي هريرة: (سمعت، أو حدثني، أو قال فلان، أو قال رسول الله k) حتى ولو لم يحصل ذلك كله، فإنه مرسل من الصحابة.. والصحابة كلهم عدول.

واعتذروا لذلك أيضا بما قال ابن سيرين: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد؛ فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم…)([12])

وهذا تبرير أخطر، لأنه يدل على أن الأمر كان قبل ذلك سائبا يحدث من شاء بما شاء، من غير أن يطالب بأي بينة.

وقد رووا في ذلك عن حميد قوله: (كنا مع أنس بن مالك، فقال: والله ما كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله k، ولكن كان يحدث بعضنا بعضا، ولا يتهم بعضنا بعضا)([13])

وعن البراء، قال: (ما كل الحديث سمعناه من رسول الله k كان يحدثنا أصحابنا عنه، بل كانت تشغلنا عنه رعية الإبل)([14])، وقال: (ليس كلنا كان يسمع حديث رسول الله k إذ كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون ـ يومئذ ـ فيحدث الشاهد الغائب)([15])

وهذا عجيب.. ويدل على سذاجة كبيرة، فمنذ متى كان الناس لا يكذبون.. وهل هناك عصر من العصور تقاعد فيه الشيطان عن الوسوسة إلى الناس، بل كيف يدعون هذا، وهم يرمون أنبياء الله، بل يرمون خليله عليه السلام بكونه كذب ثلاث مرات.

بل ورد من الأدلة ما يدل على أن الجرأة على الكذب، وتقويل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يقل حصل في حياته، وبسببه ورد حديث: (من كذب عليّ متعمداً…)، كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين ([16]).

وحتى غيرهم ممن ينزهون الصحابة، ويقولون بعدالتهم المطلقة، مثل الدكتور صلاح الدين الإدلبي الذي ذهب إلى إمكانية حدوث الوضع في العصر النبوي، لكن لا من جانب الصحابة بما يشكّك في صدقهم وعدالتهم، وإنما من جانب من كان معهم من المنافقين([17]).

لكن ما أسهل أن يجد المحدثون مصطلحا معينا، ويضعوا معه قانونا استثنائيا حتى لا ترمى روايات أبي هريرة أو غيره من المدلسين، يقول ابن الصلاح: (ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي، مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله k ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند؛ لأن روايتهم عن الصحابة، والجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول)([18]).. و(الصحابة جميعا عدول مرضيين، فإن الجهل بأسمائهم في السند لا يضر، وعليه فإن العلم بهم والجهل سواء، وأن السند متصل غير منقطع، ويكون – حينئذ – حجة يلزم العمل بها)([19])

ويقول السيوطي ـ معبرا عن وجهة نظر المحدثين في ذلك: (أما مرسل الصحابي كإخباره عن شيء فعله النبي k أو نحوه، مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه أو تأخر إسلامه، فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح الذي قطع به الجمهور من أصحابنا وغيرهم، وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بضعف المرسل، وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى؛ لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة وكلهم عدول، ورواياتهم عن غيرهم نادرة، وإذا رووها وبينوها، بل أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليست أحاديث مرفوعة، بل إسرائيليات أو حكايات أو موقوفات)([20])

وما ذكره السيوطي خطير جدا؛ فهو يذكر أن في الصحيحين من ذلك ما لا يحصى.. ثم بعد ذلك يتهمون كل من طعن في حديث من الصحيحين بسبب مخالفته للقرآن الكريم أو للعقل أو للقيم الإنسانية بأنه زنديق وضال مضل.

ولهذا، ذكر الإمام مالك ـ بسبب معاصرته لابن إسحق ـ أن رواياته كانت مأخوذة من اليهود بمن فيهم يهود بني قريظة، ولو لم يسمهم، وهكذا يقال في الروايات التي رويت عن غيره، بل حتى الروايات التي رويت في الصحيحين وغيرهما، بأسماء أخرى.

والذي يدل على ذلك هو تلك الحملة الشديدة التي قام بها كبار الصحابة في مواجهة الاكتساح اليهودي للمجالس العلمية؛ فقد قال ابن عباس غاضبا: (كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهركم أحدث الكتب عهدا بربه غض لم يشب؟ ألم يخبركم الله في كتابه أنهم غيروا كتاب الله وبدلوه وكتبوا الكتاب بأيديهم، فقالوا: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: 79]؟ ألا ينهاكم العلم الذي جاءكم عن مسألتهم؟ والله ما رأينا رجلا منهم قط يسألكم عما أنزل الله عليكم)([21])

بل إن ابن عباس نفسه لم يسلم من الكذب عليه، ورواية الكثير من الإسرائيليات عنه، لأن اليهود، ومن شايعهم لم يكونوا يكتفون برواية الروايات بأسمائهم، وإنما كانوا يدلسون؛ فيضعون من يثق فيه الناس في قوائهم أسانيدهم، ليمرروها.

ولهذا لم يكد ينجو أحد من رواية الإسرائيليات عنه، إما لكونه قام بذلك بنفسه، مثلما كان يفعل أبو هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهما، أو كان يُدلس عليه، مثلما حصل مع ابن عباس.

ولذلك فإن الإسرائليات لم تكن قاصرة على تلك الروايات التي رواها كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وابن جريج، وابن إسحاق، والسدي الكبير الكذاب (وهو أكثرهم رواية للإسرائيليات)، وإنما شملت أيضا من دونهم من أمثال قتادة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، ومجاهد، وغيرهم كثير.

ومن الأمثلة على سريان التأثير اليهودي في رواة ذلك العصر، ما رواه مالك في الموطأ من قصة طويلة خلاصتها أن أبا هريرة أخبر كعب الأحبار بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال عن يوم الجمعة: (وفيه ساعة، لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا، إلا أعطاه إياه)، فقال كعب مصححا: (ذلك في كل سنة يوم!)، فرد عليه أبو هريرة، وقال: (بل في كل جمعة)، وأخبره أنه هكذا روى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ذكر أنه أخبر عبد الله بن سلام باعتباره كان يهوديا، فقال له ابن سلام: (كذب كعب)، لكنهم، ولأجل تبرئة كعب ذكروا بأنه عاد إلى لتوراة، فاكتشف فيها خطأه، فقال: (صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي في كل جمعة)، وحينها يذكرون أن عبد الله بن سلام قال عنه: (صدق كعب)([22])

والمشكلة التي تدل على مدى الغفلة التي وقع فيها المصدقون لقوله، هي أنه لم يتجرأ أحد منهم على مطالبة كعب بإحضار التوراة، وبيان ما فيها حول المسألة، كما أرشد إلى ذلك القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [آل عمران: 93]

والمشكلة الأكبر من ذلك هي أن كعبا، والذي يزعمون له الإمامة في الدين، والعلم الكثير، ويحرمون الطعن فيه لم يقل: (صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هي في كل جمعة) إلا بعد اطلاعه على التوراة ـ كما يذكر ـ ولست أدري هل التوراة المحرفة ـ في حال صحة ما ذكره عنها ـ أصدق من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

هذا ما كان من أبي هريرة، باعتبار تأخر إسلامه، ومحاولته استدراك ما فاته من علم، ومن شتى المصادر، حتى لو كان علما مختلطا، وهو على خلاف ما انتهجه كبار الصحابة السابقين من أمثال ابن مسعود، فقد روي عنه أنه جاءه رجل، فقال له: (من أين جئت؟). قال: (من الشام). قال: (من لقيت؟). قال: (لقيت كعبا). فقال: (ما حدثك كعب؟). قال: (حدثني أن السماوات تدور على منكب ملك). قال: (فصدقته أو كذبته؟). قال: (ما صدقته ولا كذبته). قال (ابن مسعود): (لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه، براحلتك ورحلها. وكذب كعب! إن الله يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ﴾[فاطر: 41])([23])، وفي رواية أن ابن مسعود قال عن كعب: (ما تنتكت اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه)، وفي رواية أخرى: (كذب كعب. ما ترك يهوديته)([24])

وهذا ما شهد له به أيضا حذيفة بن اليمان أعلم الناس بالمنافقين، فقد روى قتادة قال: بلغ حذيفة أن كعبا يقول: (إن السماء تدور على قطب كالرحى)، فقال حذيفة: (كذب كعب! إن الله يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾[فاطر: 41])([25])

بل إن المقربين له من بني أمية أنفسهم شهدوا عليه بالكذب، فقد روي أن معاوية قال عن كعب الأحبار: (إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا –مع ذلك– لنبلو عليه الكذب)([26])

ولهذا نجد المحققين المعاصرين ينكرون عليه، وعلى كل اليهود الذين كانوا على شاكلته، فقد قال صاحب المنار: (إن قول معاوية طعن صريح في عدالته وفي عدالة جمهور رواة الإسرائيليات، إذ ثبت كذب من يعد من أصدقهم. ومن كان متقنا للكذب في ذلك، يتعذر أو يتعسر العثور على كذبه في ذلك العصر. إذ لم تكن كتب أهل الكتاب منتشرة في زمانهم بين المسلمين كزماننا هذا. فإن توراة اليهود بين الأيدي، ونحن نرى فيما رواه كعب ووهب عنها ما لا وجود له فيها البتة على كثرته، وهي هي التوراة التي كانت عندهم في عصرهما. فإن ما وقع من التحريف والنقصان منها قد كان قبل الإسلام، وأما بعده فجل ما وقع من التحريف هو المعنوي بحمل اللفظ على غير ما وضع له واختلاف الترجمة. ولا يعقل أن تكون هذه القصص الطويلة التي نراها في التفسير والتاريخ مروية عن التوراة، قد حذفت منها بعد موت كعب ووهب وغيرهما من رواتها. فهي من الأكاذيب التي لم يكن يتيسر للصحابة والتابعين ولرجال الجرح والتعديل الأولين العثور عليها). وقال كذلك: (والقول الفصل في هذه المسألة أن المتبادر من عبارة معاوية -الذي يفهمه كل من يعرف اللغة العربية من إطلاقها-، أن الضمير راجع إلى كعب الأحبار نفسه، كما فسرها ابن حجر والقسطلاني والجمهور، وذلك أن الكتاب لم يذكر في العبارة عمدة مستقلا فيعود عليه الضمير، وإنما ذكر مضافا إليه كلمة أهل)

وقد نبه أئمة أهل البيت إلى هذا، وخطورته على الدين، ومن ذلك ما رواه زرارة قال: (كنت قاعداً إلى جنب أبي جعفر الباقر، وهو محتبٍ مستقبل القبلة فقال: أما أن النظر إليها عبادة. فجاءه رجل من بجيلة يقال له عاصم بن عمر، فقال لأبي جعفر: إنّ كعب الأحبار كان يقول: إنّ الكعبة تسجد لـبيت المقدس في كل غداة، فقال له أبو جعفر: فما تقول فيما قال كعب؟ قال: صدق القول ما قال كعب، فقال له أبو جعفر: (كذبت وكذب كعب الأحبار معك) وغضب، ثم قال: (ما خلق الله عزّ وجلّ بقعة في الأرض أحبّ إليه منها)([27])

ولكن مع كل تلك التحذيرات نجد تسللا للإسرائيليات، وما يرتبط بها، إلى كتب الشيعة، وذلك لتساهل بعض الرواة أو الكثير منهم مع التدليس، وهذا ما أتاح دخول روايات المجزرة إلى كتبهم.

وقد نص كل المحققين من علماء الشيعة على ذلك؛ فقد ذكر السيد الطباطبائي مدى تسرب الروايات الإسرائيلية إلى التراث الشيعي، فقال: (وهذا النوع على شذوذه وندرته غير مأمون فيه الوضع والدس فان انسراب الإسرائيليات وما يحلق بها من الموضوعات والمدسوسات بين رواياتنا لا سبيل إلى انكاره ولا حجية في خبر لا يؤمن فيه الدس والوضع)([28])

وذكره الشيخ جعفر السبحاني، متأسفا على تسلل الإسرائيليات للتراث السني والشيعي جميعا؛ فقال: (تلك ـ والله ـ خسارة فادحة، حيث إن جماعة من المحدثين والفقهاء والمفسرين دقوا كل باب ولم يدقوا باب أهل البيت إلا شيئا لا يذكر ففسروا كتاب الله بآرائهم وأفتوا في المسائل الشرعية بالمقاييس الظنية التي ليس عليها مسحة من الحق، ولا لمسة من الصدق حتى حشوا تفاسيرهم بإسرائيليات ومسيحيات بثها مسلمة أهل الكتاب ككعب الأحبار ووهب بن منبه وتميم الداري وأضرابهم بين المسلمين، وأخذها عنهم المحدثون والرواة والمفسرون في القرون الأولى، زاعمين أنها علوم ناجعة وقضايا صادقة، فيها شفاء العليل، ورواء الغليل والحال أنك إذ فتشت التفاسير المؤلفة في القرون الغابرة لا تجد تفسيراً علمياً أو روائياً من أهل السنة إلا وهو طافح بآرائهم الشخصية وأقوالهم التي لا قيمة لها في سوق العلم، وقد استفحل أمر هؤلاء الرواة حتى اغتر بهم بعض المفسرين من الشيعة، فذكروا جملة من الإسرائيليات في ثنايا تفاسيرهم، وما ذلك إلا لأن تلك الأفكار كانت رائجة إلى حد كان يعد الجهل بها، وعدم نقلها قصورا في التفسير وقلة اطلاع فيه، ولأجل ذلك لم يجد شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي بدا من نقل آراء هؤلاء في تفسيره (التبيان)، وتبعه أمين الإسلام في تفسير (مجمع البيان)، ولكن لم يكن ذكرهم لآراء هؤلاء لأجل الاعتماد عليهم والركون إليهم، وإنما ألجأتهم إليه الضرورة الزمنية والسياسة العلمية السائدة على الأوساط آنذاك)([29])

وضرب النماذج على ذلك ببعض التفاسير بالمأثور الشيعية، فيذكر منها [البرهان في تفسير القرآن] للسيد هاشم البحرانى (توفي 1107 هـ)، و[نور الثقلين] للشيخ عبد علي الحويزي من علماء القرن الحادي عشر، ثم يعلق عليها بقوله: (والاستفادة من التفسير بالمأثور يتوقف على تحقيق اسناد الروايات لكثرة تطرق الإسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات المروية من مسلمة أهل الكتاب إليها أو مستسلمتهم)([30])

وهكذا ذكره الشيخ علي الكوراني، فقال: (بلاء الإسرائيليات مشتركاً بين السنة والشيعة إلا أن منبعه عند السنة وبعض ترشحاته عند الشيعة)([31])

وقال عند حديثه عن جهود ومواقف أئمة أهل البيت عليهم السلام والعلماء في تنزيه الأنبياء b بقوله: (اتضح بما تقدم أن أئمة أهل البيت عليهم السلام رسموا خطاً في تنزيه الأنبياء عليهم السلام والدفاع عنهم، وأن علماء المذهب رضوان الله عليهم اتبعوهم فأجادوا الإتباع والشرح والاستدلال، وكان موقفهم ثابتاً في أن الآيات التي يبدو منها وقوع المعصية من الأنبياء عليهم السلام وأنها ليست على ظاهرها بل يجب اتباع الراسخين في العلم في تأويلها. واتضح أن الأحاديث الصريحة في ارتكاب الأنبياء عليهم السلام للمعاصي مكذوبة، وأنها من موضوعات رواة السلطة القرشية لتبرير معاصي الخلفاء أو من الإسرائيليات التي ابتليت بها مصادر السنة عندهم، وكلها روايات باطلة يجب التوقف فيها أو تكذيبها، حتى لو تسرب بعضها إلى مصادرنا)([32])

وينقل اتفاق كلا المدرستين السنية والشيعية على هذا البلاء الخطير، فقال: (حدثني الأستاذ الشيخ مصطفى الزرقا، وهو من كبار فقهاء السنة في عصرنا، ومن أبرز عقولهم العلمية المحترمة، عن جلسة من جلسات مؤتمر البحوث الإسلامية في القاهرة في أواخر الستينات فقال: تحدث أحد المحاضرين عن مشكلة الإسرائيليات في مصادر المسلمين فحمل على الشيعة الذين جلبوا على المسلمين هذا البلاء، وأطال في ذلك. فطلبت الكلام بعده وقلت: لا يصح أن نظلم الشيعة، لأنهم طائفة إسلامية لها عراقتها وأصالتها العلمية، وقد اطلعت على مصادر من فقههم فرأيته فقهاً قوي المنطق والحجة مستنداً إلى القرآن والسنة.. والإسرائيليات بلاء عام ابتليت به مصادرنا كما ابتليت به مصادر الشيعة، فلا يصح أن نقول إنه جاءنا منهم)

ثم يعقب على كلام الشيخ مصطفى الزرقا قائلاً: (إن هذا الموقف شبه المنصف لهذا الفقيه يدل على اطلاعه على مصادر السنة وشيء من مصادر الشيعة.. ولكني مطمئن بأنه لو اطلع أكثر لقال: إن بلاء الإسرائيليات في مصادر المسلمين وإن كان مشتركاً بين السنة والشيعة، إلا أن منبعه عند السنة وبعض ترشحاته عند الشيعة، والسبب في ذلك أن السلطة كانت بيد خلفاء السنة وأئمتهم، وكان علماء اليهود وحملة ثقافتهم يتقربون إليهم فقربوهم وأجازوا لهم بث ثقافتهم في المسلمين! أما الشيعة فكانوا أقلية محكومين، وكان اليهود يبتعدون عنهم خوفاً من غضب السلطة) ([33])

ثانيا ـ تمجيد اليهود في روايات المجزرة:

وهي من أكبر الأدلة على المصدر اليهودي للمجزرة، ذلك أن من أدلة الوضع والكذب التي ذكرها المحدثون تمجيد جهة معينة لمصلحة للراوي فيها، ومن الأمثلة على ذلك ما فعله سيف بن عمر التميمي (ت170هـ) الراوي الكبير المتفق على كذبه ودجله وتسلل مروياته للتاريخ الإسلامي، والذي استعمل كل ما لديه من خيال واسع ليمجد قومه من بني تميم.

وقد ذكر العلامة مرتضى العسكري في كتابه [خمسون ومائة صحابي مختلق] ثلاثة وعشرين صحابياً تميمياً اختلقهم سيف بن عمر، وليس لهم وجود تاريخي حقيقي، وقد جاء في مقدمة الكتاب: (ولم تزل هذه الظروف منذ أقدم العهود حتّى اليوم تحمل الكثير من كتّاب التاريخ على أن يسطروا الوقائع على خلاف حقيقتها تنفيذاً لغاياتهم وفي مقدمتها مسايرة مصالح السلطات للافادة من ذلك. وإذا علمنا أن العصبية القبلية كانت في أشد عنفها في القرون ما قبل الاسلام وفي القرن الاول الهجري وما بعده؛ أدركنا لِمَ كان سيف التميمي يخلق قسماً كبيراً من الصحابة فيجعلهم تميميين ويجعل أول ناصر لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم تميمياً قبل أقرب الناس إلى النبيّ ويجعل أول شهيد في الاسلام تميمياً، ثمّ يختلق ربيباً من بني تميم لرسول اللّه بل لا يكتفي بربيب واحد حتّى يثنيه بآخر كما يذكر ذلك المؤلف، مما خفي أمر هذه الاخبار على كثير من الرواة الذين لم يتعمقوا في دراسة الاخبار وتمحيصها وتتبع أصولها)([34])

ومن الأمثلة على أولئك الصحابة الذين اختلقهم سيف ليمجد قومه [القعقاع بن عمرو]، والذي ارتبطت به أمجاد كبيرة، حتى أن ابن عبد البر قال عنه وعن أخيه عاصم بن عمرو: (لا يَصِحّ لهما عند أهل الحديث صُحبة، ولا لقاء، ولا رواية، وكان لهما بالقادسية مشاهد كريمة، ومقامات محمودة، وبلاء حسن)([35])، وقال ابن حجر: (كتب عمر إلى سعد: أيّ فارس كان أفرس في القادسيّة؟ قال:فكتب إليه: إني لم أر مثل القعقاع بن عمرو، حمل في يوم ثلاثين حملة، يقتل في كل حملة بطلا)([36])

مع العلم أن كل الروايات المرتبطة به، وبأمجاده لم ترو إلا عن طريق سيف بن عمر التميمي، وهو متهم بالكذب والزندقة، فقد قال فيه ابن حجر: (ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ، وأفحش ابن حبان القول فيه)([37])، وقال ابن عدي: (ولسيف بن عمر غير ما ذكرت أحاديث، وبعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة ولم يتابع عليها، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق)([38])، وقال الخطيب البغدادي: (وليس سيف بن عمر حجة فيما يرويه إذا خالف، ذلك قول أهل العلم)([39])

وهكذا الأمر مع الروايات الواردة في غزوة بني قريظة؛ فهي تمجد اليهود، وتظهر مظلوميتهم وشجاعتهم ونبلهم، حتى أن الشيخ محمد الغزالي اغتر ببعض الروايات الواردة في ذلك، فقال: (لقد جيء بحييّ ليلقى جزاءه، وحييّ- كما علمت- جرثومة هذه الفتن، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكن من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس! لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر، وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه)

ثم علق عليها بقوله: (والحقّ أنّ من مشركي قريش ومن رجال يهود أناسا واجهوا الموت بثبات، ولن تعدم المبادئ الباطلة والنحل الهازلة أتباعا يفتدونها بالأرواح والأموال، غير أن شيئا من هذا لا يجعل الباطل حقا ولا الجور عدلا)([40])

بناء على هذا، نذكر هنا بعض النماذج التي تشبه نموذج القعقاع بن عمرو، والتي يبدو فيها يهود بني قريظة أبطالا وأصحاب نبل كبير وتضحية عظيمة على خلاف الصورة التي رسمها القرآن الكريم لهم.

النموذج الأول:

ويتمثل في الروايات التي تدل على أنهم لم يقصدوا الخيانة، ولم يكونوا راغبين فيها، وإنما الذي فعل ذلك أحدهم، وهو كعب بن أسد القرظي، مع أنه ـ كما تذكر الرواية التي رواها ابن إسحق وغيره ـ لم يكن راغبا فيها، وكان حريصا على البقاء على العهد، لولا تأثير حيي بن أخطب النضري فيه.

وسنسوق الرواية كما رواها ابن إسحق، ثم نبين مواضع التهمة فيها، فقد قال: (وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري، حتى أتى كعب بن أسد القرظي، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قومه، وعاقده على ذلك وعاهده، فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حيي: ويحك يا كعب! افتح لي، قال: ويحك يا حيي: إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا، قال ويحك افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك([41])أن آكل معك منها، فاحفظ الرجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب، جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. قال: فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه، فهو يرعد ويبرق، ليس فيه شيء، ويحك يا حيي! فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب، حتى سمح له، على أن أعطاه عهدا (من الله) وميثاقا: لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([42])

وذكر الواقدي قصة أخرى شبيهة، حيث قال: (فلما أتى حيي إلى بني قريظة كرهت بنو قريظة دخوله دارهم، فكان أول من لقيه غزال بن سموأل، فقال له حيي: قد جئتك بما تستريح به من محمد، هذه قريش قد حلت وادي العقيق، وغطفان بالزغابة. قال غزال: جئتنا والله بذل الدهر! قال حيي: لا تقل هذا!)([43])

وهاتان الروايتان تبرئان عوام بني قريظة من تهمة الخيانة، بل تصوران الأمر خاصا برؤسائهم، بل برئيسهم الأكبر كعب بن أسد القرظي، بل تصوره هو نفسه بصورة الحريص على الوفاء بالعهد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وبذلك تضع أمام المسلمين فرصة طيبة لاستثمار ذلك الموقف الطيب منه، ومن قومه للعفو عنهم، أو الاكتفاء بإجلائهم مثلما حصل مع نظرائهم من بني النضير أو بني قينقاع، والذين كانت خيانتهم أعظم.

وبذلك تصور المسلمين، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم بصورة الظلمة، الذين ينفذون الأحكام القاسية عليهم مع عدم استحقاقهم لذلك، وكل ذلك يدل على أن مصدر الرواية يهودي؛ فالقرآن الكريم ذكر ذلك عنهم؛ فقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: 71 – 73]، وقال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 75، 76]

وأكبر دليل على ذلك هو أنه لم يحضر ذلك الموقف، كما ورد في الرواية إلا حيي بن أخطب النضري، وكعب بن أسد القرظي، وكلاهما يهوديان، وماتا على اليهودية؛ فمن روى الحادثة بتلك الصفة، وهل يمكن قبول الرواية اليهودية؟

النموذج الثاني:

ويتمثل في الروايات التي تدل على مدى تمسك اليهود بدينهم، وتضحياتهم في سبيله، وعدم لجوئهم إلى النفاق والحيل والخداع كما يذكر القرآن الكريم عنهم؛ مع أنه كان يمكنهم أن يفعلوا ذلك، ويحققوا النجاة لأنفسهم.

ومن تلك الروايات ما حدث به ابن إسحق قال: (وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسا وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وقد كان حيي بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم، حين رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه. فلما أيقنوا بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب ابن أسد لهم: يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هي؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فو الله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل، وأنه للذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره، قال: فإذا أبيتم علي هذه، فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف، لم نترك وراءنا ثقلا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك، ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء، قالوا: نقتل هؤلاء المساكين! فما خير العيش بعدهم؟ قال: فإن أبيتم علي هذه، فإن الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة، قالوا: نفسد سبتنا علينا، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ! قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما)([44])

فهذه الرواية تصور حيي بن أخطب المجرم الأكبر الذي أدار رحى المخادعة لليهود بصورة الوفي لعهده معهم، وأنه لم يفر عنهم، بل التزم بعهده إلى أن قتل معهم.

كما تصوره بصورة الناصح الذي ينصحهم، ويصدق في نصحه لهم، وهو ما يلغي كل ما قام به من خداع نحوهم؛ فقد تحول في الرواية إلى صورة الداعي لهم للإسلام، لا النفاق، وهذا يخالف ما ذكره القرآن الكريم من كتمانهم للحق عن عوامهم؛ فهل يمكن أن يصرح في ذلك الموقف الشديد، ومع تلك الدواعي التي تدعوهم إلى الإسلام لحفظ أرواحهم، فيقول لهم: (نتابع هذا الرجل ونصدقه فو الله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل، وأنه للذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم)، ومع ذلك لم يجبه ولو واحد منهم إلا الإسلام، بل قالوا جميعا ـ كما تنص الرواية ـ وبإصرار شديد: (لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره)

وهذا يخالف القرآن الكريم الذي يذكر أن العقبة التي حالت بين عوام اليهود ودخول الإسلام هي عقبة كبرائهم ورجال دينهم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 34]، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: 89، 90]، وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 146]، والذين يفعلون كل هذا هم رجال دينهم، لا عوامهم البسطاء الخاضعين لرجال الدين.

وهكذا تصور الرواية مدى حرص اليهود على كل شعائر دينهم، حتى أنهم قالوا لحيي بن أخطب: (نفسد سبتنا علينا، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ)، وهذا يخالف ما ذكره القرآن الكريم عنهم من تلاعبهم بالشريعة، وعدم التزامهم بها، وخاصة إذا ارتبط تنفيذها بمصالحهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 84، 85]

وأخبر عن سبب ذلك، وهو حرصهم على الحياة، فقال تعقيبا على الآيتين السابقتين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ [البقرة: 86]

فهل يمكن لمن هذا وصفهم أن يجمعوا جميعا بكبارهم وصغارهم، ونسائهم ورجالهم على حفظ شرائعهم المرتبطة بالسبت، والتضحية بحياتهم في سبيلها؟

النموذج الثالث:

ويتمثل في الروايات التي تدل على مدى شجاعة اليهود في مواجهة الموت، وتقديمهم لكل صنوف العزة، وعدم إذلال أنفسهم بطلب العفو، ومنها ما عبر عنه ابن إسحق بقوله: (وأتي بحيي بن أخطب عدو الله، وعليه حلة له فقاحية- قال ابن هشام: فقاحية: ضرب من الوشى- قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة (أنملة) لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه)([45])

وهذا الموقف الذي لا يختلف أحد من الناس في شجاعته، لا يتناسب مع تلك الأوصاف التي ذكرها القرآن الكريم عنهم من الخداع والمكر، وحتى أنها لا تتناسب مع حيي بن أخطب نفسه الذي يذكرون ما فعله بالمسلمين من صنوف المكر، مع اعتقاده بنبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حسب ما ورد في الروايات السابقة؛ فهل يمكن لشخص يدرك خطأه، وأنه يواجه نبيا بشرت به كتبه أن يفعل ذلك، وأن يقول في خاتمة حياته: (أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل)

بل إنهم لم يكتفوا بذكر شجاعة رجال اليهود، وإنما ضموا إليها شجاعة نسائهم الذين حاولوا أن يصوروهم بصورة الأبطال والمضحين في مقابل سلوكات المسلمين التي صوروها ممتلئة بالكبر، فقد حدث ابن إسحق بسنده عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: (لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة. قالت: والله إنها لعندي تحدث معي، وتضحك ظهرا وبطنا، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقتل رجالها في السوق، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله قالت: قلت لها: ويلك، مالك؟ قالت: أُقتل، قلت: ولم؟ قالت: لحدث أحدثته، قالت: فانطلق بها، فضربت عنقها، فكانت عائشة تقول: فو الله ما أنسى عجبا منها، طيب نفسها، وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنها تقتل)([46])

والعجيب في هذه الرواية أن المرأة مع صداقتها لنساء المؤمنين لم تتوسل لهم ليتوسطوا لها، فيعفو عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما فعل مع غيرها، مما ذكروه في الروايات، أما الحدث الذي أحدثته، وهو طرحها الرحا على خلاد بن سويد، وقلته، فقد فعل المشركون وغيرهم ما هو أكثر منه في القتال، لكنه لم يعاقبهم باعتبارهم أسرى.

النموذج الرابع:

ويتمثل في العزة التي حاولت الروايات وصف يهود بني قريظة بها، حتى أنهم لم يكلفوا أنفسهم كتابة قصيدة واحدة يستدرون بها عطف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما فعل كبار المجرمين من قريش وغيرها معه، ولم يحاولوا أن يتقربوا لأي مسلم أو منافق ليشفع لهم مثلما حصل في غزوة بني النضير، وغيرها.

بل إنهم يصورون رفضهم لمن يريد أن يشفع لهم، ومن أبطالهم في هذا (الزبير بن باطا)، والذي حكى ابن إسحاق قصته، فقال: (وقد كان ثابت بن قيس بن الشماس، كما ذكر لي ابن شهاب الزهري، أتى الزبير بن باطا القرظي، وكان يكنى أبا عبد الرحمن ـ وكان الزبير قد من على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية ذكر لي بعض ولد الزبير أنه كان من عليه يوم بعاث، أخذه فجز ناصيته، ثم خلى سبيله ـ فجاءه ثابت وهو شيخ كبير، فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفني؟ قال: وهل يجهل مثلي مثلك، قال: إني قد أردت أن أجزيك بيدك عندي، قال: إن الكريم يجزي الكريم، ثم أتى ثابت بن قيس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله إنه قد كانت للزبير علي منة، وقد أحببت أن أجزيه بها، فهب لي دمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هو لك، فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد وهب لي دمك، فهو لك، قال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد، فما يصنع بالحياة؟ قال: فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هب لي امرأته وولده، قال: هم لك، قال: فأتاه فقال: قد وهب لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهلك وولدك، فهم لك، قال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، ما له، قال: هو لك، فأتاه ثابت فقال: قد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مالك، فهو لك، قال: أي ثابت، ما فعل الذي كأن وجهه مرآة صينية يتراءى فيها عذارى الحي، كعب بن أسد؟ قال: قتل، قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟ قال: قتل، قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا، وحاميتنا إذا فررنا، عزال بن سموأل؟ قال: قتل، قال: فما فعل المجلسان؟ يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة، قال: ذهبوا قتلوا؟ قال: (فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتنى بالقوم، فو الله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله فتلة دلو ناضح حتى ألقى الأحبة)، فقدمه ثابت، فضرب عنقه)([47])

وهذه الرواية تصور اليهود بصورة مختلفة تماما عن الصورة التي رسمها عنهم القرآن الكريم؛ وهي صورة الحريص على الحياة، وعلى كل شيء في الدنيا مهما كان تافها، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 96]

كما أنها تصور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعكس الصورة التي رسمها له القرآن الكريم، وهي صورة الرؤوف الرحيم، الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما؛ فهل يمكن لذلك الصحابي أن يكون أرحم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهل يمكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يعلم أن ذلك الحكم غير واجب التنفيذ، وأنه أتيح له أن يعفو عمن يشاء أن يترك العفو، ويلجأ إلى العقوبة؟

هذا كله يضع الحادثة جميعا، بالروايات المختلفة الواردة فيها موضع شك، ذلك أنها لا تسيء فقط لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وللإسلام، وإنما تناقض كل تلك المعاني التي أخبر القرآن الكريم عنها بشأن اليهود الذي استعملوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل صنوف المكر والخداع والحيلة.

ثالثا ـ الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في روايات المجزرة:

وهي من الأدلة التي يمكن اعتمادها أيضا للدلالة على المصدر اليهودي للمجزرة، وإن كان يمكن إدراجها أيضا للدلالة على مصادر أخرى، ذلك أن القرآن الكريم أخبر أن الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تقتصر على اليهود فقط، وإنما شملت أيضا مرضى القلوب والمنافقين سواء منافقي المدينة المنورة، أو مكة المكرمة.

لكن للأسف يصور المؤرخون وعلماء السيرة أن النفاق خاص بأهل المدينة، أما مكة، وقريش خصوصا؛ فيصورونهم، وبعد تلك الحروب الطويلة التي واجهوا بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصورة المؤمنين الصادقين في إيمانهم، وأنهم كلهم صاروا صحابة أجلاء، يحرم الحديث عنهم، أو انتقادهم، أو انتقادات الروايات التي تصدر عنهم.

ونحن لا يعنينا أي من هذه المصادر، ولكن وجود الإساءة نفسها في روايات المجزرة، دليل على عدم عدالة ووثاقة من رواها، بل هي دليل على أن من رواها لم يقصد إلا الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واتهامه في رأفته ورحمته وأخلاقه العالية التي ذكرها القرآن الكريم، بل التي ذكرها علماء السيرة أنفسهم وفي مواضع كثيرة، والتي حاولت هذه الروايات أن تقضي عليها جميعا، وبضربة واحدة.

وسنقتصر هنا على بعض النماذج، ذلك أن كل هذا البحث هو دفاع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضد الإساءة العظيمة التي وجهها له من لفق هذه المجزرة، وما يرتبط بها من أحداث.

النموذج الأول:

وهو نموذج يصور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصورة تختلف تماما عن تلك الصورة القرآنية الجميلة، أو تلك الصورة التي رسمتها الأحاديث الكثيرة، والتي تذكر أخلاقه العالية وطيبة قلبه ولسانه، والتي عبر عنها أنس، فقال: (خدمت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لم تركته، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أحسن الناس خلقا، ولا مسست خزا قط ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شممت مسكا قط، ولا عطرا كان أطيب من عرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم)([48])

وعبرت عنها زوجه عائشة، فقالت جوابا لمن سألها عن خلقه صلى الله عليه وآله وسلم: (لم يكن فاحشا، ولا متفحشا، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح)([49])

لكن ابن إسحق يرسم صورة أخرى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير تلك الصورة الجميلة، فقد قال: (وقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة، وابتدرها الناس. فسار علي بن أبي طالب، حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالطريق، فقال: يا رسول الله، لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث، قال: لم؟ أظنك سمعت منهم لي أذى؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا. فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حصونهم. قال: يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ قالوا: يا أبا القاسم، ما كنت جهولا)([50])

وهذه الرواية تتناقض تماما مع تعامله صلى الله عليه وآله وسلم مع المخالفين، ومن الأمثلة على ذلك أنه عند ما قدم الطفيل الدوسي وأصحابه قالوا: يا رسول الله، إن دوسا قد كفرت وأبت فادع الله عليها. فقال: (اللهم اهد دوسا وائت بهم)([51])

وعن عائشة قالت: أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أناس من اليهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، قال: (وعليكم)، قالت عائشة: قلت بل عليكم السام والذام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عائشة، لا تكوني فاحشة) فقالت: ما سمعت ما قالوا؟ فقال: (أو ليس قد رددت عليهم الذي قالوا؟ قلت وعليكم)([52])

وهكذا وردت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تخبر عن تنزه لسان المؤمن عن الطعن والفحش وكل كلام قبيح، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء)([53])، وقال: (ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله ليبغض الفاحش البذيء)([54])، وقال: (ما كان الفحش في شيء قط إلا شانه، ولا كان الحياء في شيء قط إلا زانه)([55])

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتبر التعيير من الجاهلية؛ ففي الحديث عن المعرور قال: لقيت أبا ذر بالربذة، وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلا فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية. إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم)([56])

النموذج الثاني:

وهو نموذج يصور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصورة العاجز الذي يبذل جهده لعلاج سعد، لكنه لا يستطيع ذلك، مع أنه يمكنه أن يدعو له، مثلما فعل مع غيره، أو يدعو له طبيبا ليقوم بدله بذلك، وهذه الرواية تقول: (رمى يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله، فحسمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنار، فانتفخت يده، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فنزفه، فلما رأى ذلك، قال: (اللهم لا تخرج نفسى حتى تقر عينى من بنى قريظة)، فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة، حتى نزلوا على حكم سعد، فأرسل إليه، فحكم أن تقتل رجالهم، ويستحى نساؤهم وذراريهم، ليستعين بهم المسلمون، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أصبت حكم الله فيهم)، وكانوا أربعمائة، فلما فرغ من قتلهم، انفتق عرقه فمات)([57])

وهذه الرواية بالإضافة إلى ما فيها من اضطراب في عدد القتلى مقارنة بغيرها من الروايات، ترمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتهم عظيمة خطيرة؛ فهي تصوره بصورة الذي يفشل في علاجه كل مرة، في نفس الوقت الذي تصور فيه سعد بن معاذ مستجاب الدعوة، وأنه بمجرد دعائه تحقق له ما لم يتحقق لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، بالإضافة إلى أن هناك رواية أخرى ذكرها ابن حجر العسقلاني في كتابه [الإصابة في تمييز الصحابة] تدل على أن رفيدة الأسلمية كانت حكيمة في علاجها لسعد، ذلك أنها عندما رأت انغراس السهم في صدر سعد تصرفت بحكمة ووعي فأسرعت بإيقاف النزيف، وأبقت السهم في صدره، لأنها كانت تعلم أنها إذا سحبته أو أخرجته سيُحدث نزيفاً لا يتوقف من مكان الإصابة.

بالإضافة إلى ذلك كله، فهي تشير إلى أن سعدا بعد أن يئس من تقديم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي خدمة ترتبط بجرحه، راح يدعو بدعائه؛ فقد ورد في الرواية هذا النص الخطير: (فحسمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنار، فانتفخت يده، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فنزفه، فلما رأى ذلك، قال)

وهذه الرواية الوحيدة التي أرى فيها هذا المعنى المنافي لكل ما ورد في الروايات والأحاديث الكثيرة الواردة عن إكرامات الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشفاء كل من تلمسه يده الشريفة، مما تواترت به الأخبار، ومنها إبراؤه صلى الله عليه وآله وسلم للأعمى والأرمد ومن فقئت عينه، وقد رويت في ذلك أحاديث كثيرة منها ما روي أنه يوم خيبر، سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن علي، فقيل: يا رسول الله، يشتكي عينيه، قال: (فأرسلوا إليه)، فأتى به فبصق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عينيه ودعا له فبرئ، حتى كأنه لم يكن به وجع، فأعطاه الراية([58]).

ومنها ما روي عن حبيب بن فديك أن أباه خرج به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا، فسأله: (ما أصابك؟) فقال: وقعت رجلي على بيضة حية فأصيب بصري، فنفث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عينيه فأبصر، فرأيته وهو يدخل الخيط في الإبرة، وانه لابن الثمانين سنة، وإن عينيه لمبيضتان([59]).

ومنها ما روي أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد، فسالت حدقته على وجنته، فأرادوا أن يقطعوها، فقالوا: حتى تستأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاستأمروه، فقال: (لا)، فدعي به فرفع حدقته ثم غمزها براحته، وقال: (اللهم اكسبه جمالا، وبزق فيها)، فكانت أصح عينيه وأحسنها([60]).

ومنها ما روي عن رفاعة بن رافع بن مالك قال: رميت بسهم يوم بدر، ففقئت عيني، فبصق فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودعا لي، فما آذاني منها شئ([61]).

ومنها ما روي أنه أصيبت عين أبي ذر يوم أحد، فبزق فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكانت أصح عينيه([62]).

ومن ذلك ما روي في إبرائه صلى الله عليه وآله وسلم للقرحة والسلعة والحرارة، ومما يروى في ذلك عن شرحبيل الجحفي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبكفي سلعة([63]) فقلت: يا رسول الله هذه السلعة قد آذتني وتحول بيني وبين قائم السيف أن أقبض عليه، وعنان الدابة فنفث في كفي ووضع كفه على السلعة، فما زال يطحنها بكفه حتى رفعها عنها، وما أرى أثرها([64]).

ومنها ما روي أن أبا سبرة قال: يا رسول الله، إن بظهر كفي سلعة، قد منعتني من خطام راحلتي، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقدح، فجعل يضرب به الى السلعة يمسحها فذهبت([65]).

ومنها ما روي عن عروة أن ملاعب الأسنة أرسل الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستشفيه من وجع كان به الدبيلة، فتناول النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدرة من الارض، فتفل فيها ثم ناولها لرسوله، فقال: (دفها بماء ثم اسقها اياه)، ففعل فبرأ([66]).

ومن ذلك ما روي في إبرائه صلى الله عليه وآله وسلم للحرق، ومما يروى في ذلك عن محمد بن حاطب عن أمه أم جميل، قالت: أقبلت بك من أرض الحبشة حتى إذا كنت من المدينة بليلة طبخت طبيخا، ففني الحطب، فخرجت أطلب الحطب، فتناولت القدر، فانكفأت على ذراعك، فأتيت بك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجعل يتفل على يدك وهو يقول: (أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء لا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما)، فما قمت بك من عنده حتى برأت يدك([67]).

ومن ذلك ما روي في في ابرائه صلى الله عليه وآله وسلم الجراحة والكسر، ومما يروى في ذلك ما روي عن عبد الله بن أنيس قال: ضرب المستنير بن رزام اليهودي وجهي فشجني منقلة أو مأمومة، فأتيت بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكشف عنها ونفث فيها فما آذاني منها شئ ([68]).

ومنها ما روي عن معاوية بن الحكم، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزى أخي علي بن الحكم فرسه خندقا فقصر الفرس فدق جدار الخندق ساقه، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على فرسه، فمسح ساقه فما نزل عنها حتى برأت([69]).

ومنها ما روي عن البراء بن عبد الله بن عتيكة أنه لما قتل أبو رافع ونزل من درجة بيته سقط إلى الارض فانكسرت ساقه، قال: فحدثت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (ابسط رجلك)، فبسطتها فمسحها فكأنما لم أشكها قط([70]).

ومنها ما روي أن أبا جهل قطع يوم بدر يد معوذ بن عفراء، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحمل يده، فبصق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها، وألصقها فلصقت([71]).

ومنها ما روي عن يزيد بن أبي عبيد، قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، ابن الاكوع، فقلت: يا أبا مسلم، ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتها يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنفث فيها ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة([72]).

ومنها ما روي عن حبيب بن يساف قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مشهدا فأصابتني ضربة على عاتقي، فتعلقت يدي فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتفل فيها وألزقها فالتأمت وبرأت وقتلت الذي ضربني([73]).

ومنها ما روي عن عروة وابن شهاب قالا: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثين رجلا، فأقبل المستنير بن رزام اليهودي فضرب المستنير وجه عبد الله بن أنيس فشجه مأمومة، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبصق في شجته، فلم يؤذه حتى مات([74]).

وغيرها من الروايات الكثيرة، والتي روي الكثير منها بطرق أعلى وأوثق من تلك الرواية، ولذلك يمكن رد تلك الرواية لاضطرابها في عدد القتلى، بالإضافة إلى ما فيها من مخالفة سائر الأحاديث التي استجاب الله فيها دعاء نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في الشفاء، وأظهر بركته فيها، بل بركته في كل شيء تمسه يداه الشريفتان.

النموذج الثالث:

وهو نموذج يصور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتلك الصورة المشوهة التي صور بها سليمان عليه السلام في الإسرائيليات، والتي تذكر أنه لم يدع ملكة سبأ ليبلغها الإسلام، ويشرح لها معانيه، وإنما دعاها ليتزوجها، وبنى لها القصر الممرد من القوارير ليكتشف حال ساقها، وهل هي ساق بشر أم ساق حمار، كما ذكرنا ذلك بتفصيل في كتاب [السلفية والنبوة المدنسة]

وهو الأمر نفسه الذي طبقوه حرفيا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقد صوروه، وبعد تلك المجزرة الهائلة التي افتروها عليه، وزعموا أنه قتل فيها كل رجال بني قريظة، ذهب إلى امرأة منهم، طامعا في الزواج منها، لكنها رفضته، فتوسل لها بمن يقنعها بذلك، وهي روايات تجمع بين الإساءة الشديدة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتمجيد اليهود والإشادة بعزتهم، فقد قال ابن إسحق: (وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة، إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى توفي عنها وهي في ملكه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عرض عليها أن يتزوجها، ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول الله، بل تتركني في ملكك، فهو أخف علي وعليك، فتركها. وقد كانت حين سباها قد تعصت بالإسلام، وأبت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووجد في نفسه لذلك من أمرها، فبينا هو مع أصحابه، إذ سمع وقع نعلين خلفه، فقال: إن هذا لثعلبة بن سعية يبشرني بإسلام ريحانة، فجاءه فقال يا رسول الله، قد أسلمت ريحانة، فسره ذلك من أمرها)([75])

النموذج الرابع:

وهو نموذج يصور جبريل A بصورة لا تتناسب مع تلك المكانة التي ذكرها عنه القرآن الكريم، وهو دليل على ما لليهود من يد في ذلك، فقد ذكر الله تعالى عداوة اليهود لجبريل A، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 97، 98]

ومن تلك الروايات، ما حدث عنه ابن إسحق بقوله: (فلما كانت الظهر، أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما حدثني الزهري، معتجرا بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله عز وجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم)([76])

وكل حرف في هذه الرواية ينطق بالإساءة لجبريل عليه السلام؛ فهي تصوره يركب بغلة لا فرسا، ويلبس الاستبرق والديباج، ويعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ذاهب إليهم ليزلزل بهم، ومع ذلك تذكر الروايات أنهم بقوا في حصارهم خمسة وعشرين يوما كاملة، مع أن الله تعالى ذكر سرعة إهلاك الملائكة للأقوام الذين يتدخلون في عقابهم، كما قال تعالى عن قوم لوط A: ﴿ قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: 81]

وذكر قوة جبريل A، فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [النجم: 5 – 7]

بالإضافة إلى ذلك، فإن القرآن الكريم عند ذكره لهذه الغزوة لم يذكر تدخل الملائكة، بل إنه اكتفى بذكره لقذف الرعب في قلوبهم مثلما حصل مع سائر الأحزاب، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: 26، 27]

ومن الروايات القريبة من هذا، والتي لا تسيء للملائكة فقط، بل تسيء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضا، تلك الرواية التي رواها ابن إسحق، والتي يقول فيها: (ومر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفر من أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة، فقال: هل مر بكم أحد؟ قالوا: يا رسول الله، قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبي، على بغلة بيضاء عليها رحالة، عليها قطيفة ديباج، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذلك جبريل، بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم)([77])

فهذه الرواية تضيف للرواية السابقة تصوير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجهل، وأنه لم يكن يعلم ما يحصل حتى احتاج لاستفسار الحاضرين، مع أن النصوص الكثيرة تدل على عكس ذلك، وأنه كان يعلم أصحابه بما يفعلون أو ينوون فعله أو قوله، كما روي عن وابصة بن معبدأنه قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا لا أريد أن أدع من البر والاثم شيئا الا سألته عنه، فأتيته، وهو في عصابة من المسلمين حوله، فجعلت أتخطاهم لأدنو منه، فانتهرني بعضهم، فقال: اليك يا وابصة عن رسول الله ـصلى الله عليه وآله وسلم؟ فقلت: إني أحب أن أدنو منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (دعوا وابصة، ادن مني وابصة)، فأدناني حتى كنت بين يديه، فقال: (أتسألني أم أخبرك؟) فقلت: لا، بل تخبرني، قال: (جئت تسأل عن البر والاثم؟) قلت: نعم، فجمع أنامله فجعل ينكت بهن في صدري وقال: (البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في نفسك، وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك) ([78])

ومن الأمثلة الصريحة على ذلك ما حدث به أنس بن مالك قال: كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد الخيف، فأتاه رجل من الأنصار، ورجل من ثقيف فلما سلما، قالا: جئناك، يا رسول الله، لنسألك، قال: (إن شئتما أخبرتكما بما تسألاني عنه فعلت، وان شئتما أن أسكت وتسألاني فعلت)، قالا: لا، أخبرنا يا رسول الله، نزدد ايمانا أو نزدد يقينا، فقال الأنصاري للثقفي: سل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: بل أنت فسله، فاني أعرف حقك، فسأله، فقال: أخبرنا يا رسول الله، قال: (جئت تسألني عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام ومالك فيه، وعن طوافك بالبيت، ومالك فيه، وركعتيك بعد الطواف، ومالك فيهما، وعن طوافك بالصفا والمروة، وعن وقوفك بعرفة، ومالك فيه، وعن رميك الجمار ومالك فيه، وعن نحرك ومالك فيه، وعن حلاقك رأسك، ومالك فيه، وعن طوافك، ومالك فيه)، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق عن هذا جئت أسألك!.. إلى آخر الحديث([79]).

وغيرها من النصوص الكثيرة التي نجدها في كتب العقائد ودلائل النبوة ونحوها، والتي تفيد بمجموعها التواتر المعنوي الدال على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ينبئ عن الغيب، الحاضر منه، والماضي، والمستقبل، وأن ذلك الغيب جزء من الأدلة على نبوته صلى الله عليه وآله وسلم، فالله تعالى لم يكن ليمكن شخصا مدعيا للنبوة من تلك المعارف الغيبية الكثيرة، وإلا كان ذلك التمكين فتنة للناس وحجة لهم.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا، وأنه من الإمكانات التي مكن منها الأنبياء b، كما قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام مخاطبا صاحبيه في السجن: ﴿ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: 37]، وقال على لسان المسيح عليه السلام مخاطبا بني إسرائيل:﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 49]

هذه نماذج عن التشويهات التي شوهت بها النبوة في روايات تلك المجزرة، وهي جميعا مردودة، لا يصح اعتمادها، ولا قبولها، ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ بحسب الصورة التي يرسمها له القرآن الكريم، وترسمها له الأحاديث الصحيحة القطعية المتواترة ـ أعظم من أن تتمثل فيه تلك الخلال التي يجل عنها الأفراد من أمته؛ فكيف به صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الأسوة العظمى؟


([1])  مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م، (20/ 320)

([2])  الثقات، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى: 354هـ)، دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند، الطبعة: الأولى، 1393 ه‍ = 1973 7/ 381 – 383.

([3])   ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، عبد الرحمن بن محمد بن محمد، ابن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي، المحقق: خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، الطبعة: الثانية، 1408 هـ ، 1988 م، (2/ 93)

([4]) الكفاية للخطيب البغدادي (ص 365)

([5])معرفة أنواع علوم الحديث، ويُعرف بمقدمة ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن، أبوعمرو، المعروف بابن الصلاح ، المحقق: نور الدين عتر، دار الفكر- سوريا، دار الفكر المعاصر – بيروت،  1406هـ – 1986م. (ص167)

([6])معرفة علوم الحديث للحاكم، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري، المحقق: السيد معظم حسين، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الثانية، 1397هـ – 1977م، (ص 105)

([7]) التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى: 806هـ)، المحقق: عبد الرحمن محمد عثمان، محمد عبد المحسن الكتبي صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1389هـ/1969م، (ص 96، 7 9( 

([8])تعريف اهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)، المحقق: د. عاصم بن عبدالله القريوتي، مكتبة المنار – عمان، الطبعة: الأولى، 1403 – 1983، (ص 68-69) 

([9])النكت على كتاب ابن الصلاح، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)، المحقق: ربيع بن هادي عمير المدخلي، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1404هـ/1984م، (2/623)

([10])41. تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1404 ه‍، (4/281)

([11])   سير أعلام النبلاء، 2/608.

([12])   شرح صحيح مسلم = صحيح مسلم بشرح النووي، النووي، دار الكتاب العربي، 1407 ه‍ بيروت. (1/173)

([13])   الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463هـ)، المحقق: د. محمود الطحان، مكتبة المعارف – الرياض ، (1/174، 175)

([14])   رواه أحمد، رقم (18516)

([15])   الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، (1/174)

([16])فجر الإسلام، أحمد أمين، مطبعة الاعتماد. مصر. المدينة الطبعة: 1، 210 ـ 211؛ ومحمود أبو ريّة، أضواء على السنّة المحمدية: 65.

([17])منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي، صلاح الدين بن احمد الادلبى، دار الآفاق الجديدة، لبنان، ص 41.

([18])   علوم الحديث، ابن الصلاح، ص50، 51.

([19])   التأصيل الشرعي لقواعد المحدثين، د. عبد الله شعبان، دار السلام، 2005 ، ص470.

([20])   تدريب الراوي شرح تقريب النووي، عبدالوهاب عبداللطيف، المكتبة العلمية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1379هـ، (1/ 207)

([21])  رواه البخاري (26: 2) و(42: 2)

([22])  الموطأ ، الأصبحي ، مالك بن أنس بن مالك توفي سنة 179هـ شرح وتعليق: أحمد راتب عرموش ، بيروت ، دار النفائس للطباعة والنشر ، ط 1 ، سنة 1390هـ، 1/109.

([23])  الطبري في تفسيره (22/144)، قال ابن كثير في تفسيره (3/562): (وهذا إسناد صحيح إلى كعب وإلى ابن مسعود)

([24])  الجامع لأحكام القرآن ، ، القرطبي ، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري ، توفي سنة 671 هـ، القاهرة ، دار الكتاب العربي ، سنة 1387 هـ، (14/357).

([25])  الإصابة في تمييز الصحابة، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى – 1415 هـ،(5/650).

([26])  رواه البخاري (6/2679 #7361).

([27])  وسائل الشيعة، محمد بن الحسن الحر العاملي، مؤسسة آل البيت، قم المقدسة، ١٣ /262.

([28])  تفسير الميزان للسيد الطباطبائي، ج12 ، ص112.

([29])  مفاهيم القرآن: جعفر السبحاني، 10/278، مؤسسة الإمام الصادق ، مطبعة إعتماد، قم – إيران، ط1، 1420 هـ، ج10 ص 352- 353.

([30])  الايمان والكفر، جعفر السبحاني، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، ص 223..

([31])  العقائد الإسلامية، الشيخ علي الكوراني، دار السيرة،  ج 5 ص 177..

([32])  المرجع السابق.

([33])  المرجع السابق ج5 ص 356..

([34])  خمسون ومائة صحابي مختلق، العسكري، مرتضى، مطبعة دار التضامن، بغداد، الطبعة الثانية، 1969م، 1/15.

([35])  الاستيعاب في معرفة الأصحاب، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، المحقق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، الطبعة: الأولى، 1412 هـ ، 1992 م، (784/2).

([36])  الإصابة، (5/343).

([37])  تقريب التهذيب، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، المحقق: محمد عوامة، دار الرشيد ، سوريا، الطبعة: الأولى، 1406 ، 1986.1/344.

([38])  الكامل في ضعفاء الرجال، ابن عدي، أبو أحمد عبدالله (ت:365هـ)، لجنة…، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1404هـ ـ 1983م، 3/63.

([39])  موضح أوهام الجمع والتفريق، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463هـ)، المحقق: د. عبد المعطي أمين قلعجي، دار المعرفة – بيروت، الطبعة: الأولى، 1407، 1/275-276.

([40])  فقه السيرة، محمد الغزالي السقا (المتوفى: 1416هـ)، دار القلم – دمشق، تخريج الأحاديث: محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة: الأولى، 1427 هـ (ص: 318)

([41])  الجشيشة: طعام يصنع من الجشيش، وهو البر يطحن غليظا، وهو الذي تقول له العامة:(دشيش)

([42])  سيرة ابن هشام، (2/ 220)

([43])  المغازي، محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء، المدني، أبو عبد الله، الواقدي، تحقيق: مارسدن جونس، الناشر: دار الأعلمي – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1409/1989، (2/ 455)

([44])  سيرة ابن هشام، (2/ 235).

([45])  سيرة ابن هشام، (2/ 241).

([46])  سيرة ابن هشام، (2/ 242).

([47])  سيرة ابن هشام، (2/ 242)، قال صاحب كتاب [ما شاع ولم يثبت في السيرة النبوية، د محمد بن عبد الله العوشن، دَارُ طَيبة، (ص: 174)]: وعنه أخرجه البيهقي في (الدلائل)، ومرسل الزهري لا يفرح به. وأخرجه في (السنن الكبرى من مرسل عروة، وفي سنده ابن لهيعة. وعزاه الهيثمي إِلى الطبراني في (الأوسط) وقال: فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف)

([48])  رواه البخاري [فتح الباري] 12 (6038) . ومسلم (2330)، واللفظ للترمذي (2015)

([49])  رواه الترمذي (2016) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

([50])  سيرة ابن هشام، (2/ 234)

([51])  رواه البخاري [فتح الباري ] (4392) . ومسلم برقم (2524) واللفظ له.

([52])  رواه البخاري [فتح الباري] 10 (6030) ، مسلم (2165) واللفظ له.

([53])  رواه الترمذي (1977) واللفظ له وقال: حسن غريب، أحمد (1/ 405) وقال شاكر: اسناده صحيح (5/ 322) ، والحاكم (1/ 12) وصححه ووافقه الذهبي وقال محقق جامع الأصول: هو كما قالا (10/ 757).

([54])  رواه الترمذي (2002) وقال: حسن صحيح..

([55])  رواه الترمذي (1974) وقال: حديث حسن، أحمد (3/ 165) ، ابن ماجة (4185) واللفظ لأحمد وابن ماجة..

([56])  رواه البخاري [فتح الباري] 1 (30) ..

([57])  رواه الترمذي، رقم الحديث 1582، كما صححه الألباني و ابن حجر العسقلاني.

([58])  رواه البخاري- الفتح 7 (3701) . ومسلم (2406)

([59])  المعجم الكبير للطبراني: 4/30، وقال الهيثمي: فيه من لم أعرفهم، انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، تحقيق: حسام الدين القدسي، مكتبة القدسي، القاهرة، 1414 هـ، 1994 م، 8/298..

([60])  دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى – 1405 هـ، (3/ 252)

([61])  ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (6: 82) ، وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط.

([62])  دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: 430هـ)، حققه: الدكتور محمد رواس قلعه جي، عبد البر عباس، دار النفائس، بيروت، الطبعة: الثانية، 1406 هـ – 1986 م، (ص: 484)

([63])  السلعة:الغدة تكون في العنق.

([64])  دلائل النبوة للبيهقي، (6/ 176)

([65])  رواه ابن سعد في الطبقات 2/ 90.

([66])  رواه البيهقي في الدلائل 6/ 170.

([67])  رواه البخاري في التاريخ 1/ 17 وابن حبان وذكره الهيثمي في الموارد (1415، 1416، 1417) والطيالسي في المنحة (1767) والبيهقي في الدلائل 6/ 174، 175 والحاكم 4/ 62.

([68])  رواه البيهقي في الدلائل 4/ 38.

([69])  رواه الطبراني وأبو القاسم البغوي، سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد، محمد بن يوسف الصالحي الشامي، تحقيق وتعليق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية بيروت،  لبنان، الطبعة: الأولى، 1414 هـ ، 1993 م، (4/ 370)

([70])  رواه البيهقي في الدلائل 4/ 38..

([71])  رواه ابن وهب، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (4/ 51)

([72])  رواه البخاري 7/ 475 (4206)

([73])  رواه البيهقي، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (10/ 24)

([74])  رواه أبو نعيم والبيهقي، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (10/ 24)

([75])  سيرة ابن هشام، (2/ 245)

([76])  سيرة ابن هشام، (2/ 233)

([77])  سيرة ابن هشام، (2/ 234).

([78])  رواه أحمد في المسند: 4/228.

([79])  رواه مسدد والبزار والاصبهاني البيهقي، انظر: مجمع الزوائد ، (3/ 274)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *