الفصل الأول: المجزرة.. والتصنيف الديني

الفصل الأول

المجزرة.. والتصنيف الديني

من أول البراهين الدالة على تهافت الروايات المرتبطة بهذه المجزرة عند القائلين بها هو كونها لم تقبل عندهم إلا بسبب تصنيفهم العلمي لها، واعتبارها روايات تؤرخ للسيرة، وليست روايات مرتبطة بالأحكام العقدية أو الفقهية، ولذلك رأوا أنه لا ينجر عنها أي عمل، ولا عقيدة؛ فتساهلوا فيها.

وحالهم في ذلك يشبه حال عطية القرظي الذي يضعونه ضمن الصحابة، وكان في الإمكان أن يوضع ضمن الكفرة المارقين الخائنين الذين صوروهم بأنهم ذبحوا في تلك المجزرة، لسبب بسيط وهو كونه لم ينبت، إما لصغر سنه، أو لتأخر الإنبات، كما قال يتحدث عن نفسه:(كنت في الذين حكم فيهم سعد بن معاذ، فقربت لأقتل؛ فانتزع رجل من القوم إزاري، فرأوني لم أنبت الشعر فألقيت في السبي)([1])

فهذا الحديث الذي يعتبرونه أكبر دليل على تلك المجزرة، ينبئ أنه كان يبدو بالغا وقادرا على القتال، وأنه كان قاب قوسين أو أدنى من القتل، لولا أن ذلك الصحابي راح يتأكد من بلوغه، وعندما وجده لم ينبت، اختلف حاله اختلافا كليا، حيث نال وسام الصحبة وكوفئ بالعدالة مطلقة، التي لا يصح لأحد الجدال فيها، وقد ترجم له كل من ترجم للصحابة والثقاة([2]).

وهكذا الأمر بالنسبة للروايات المرتبطة بهذه الحادثة؛ فهم تساهلوا فيها، وأذنوا لها بالحياة والاعتبار، وأدانوا من يشكك فيها، بسبب وضعهم لها في خانة السيرة والتاريخ، لا في خانة العقائد والفقه.

ومن الأمور المتفق عليها عند جميع المؤرخين والمحدثين وعلماء السير التساهل في الروايات المرتبطة بالسيرة النبوية، على خلاف تشددهم في الأحكام العقدية والفقهية، وذلك لاعتقادهم أن أحداث السيرة لا علاقة لها بالعمل، ولا بالاعتقاد، وإنما هي مجرد أحداث تاريخية لا يضر الكذب فيها، حتى لو حصل.

ومن الأمثلة على ذلك ما روي أن الإمام أحمد بن حنبل سئل عن موسى بن عُبيدة الربَذَي، وعن محمد بن إسحاق، فقال: (أما محمد بن إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث – كأنه يعني المغازي ونحوها – وأما موسى بن عبيدة فلم يكن به بأس، ولكنه حدث بأحاديث مناكير عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأما إذا جاء الحلال والحرام أردنا قوما هكذا)، وقبض الراوي على أصابع يديه الأربع من كل يد، ولم يضم الإبهام([3]).

أي أنهم يتشددون في الروايات المرتبطة بالأحكام الشرعية، ويتساهلون في غيرها، ولذلك ذكر أنه يمكن الرواية عن ابن إسحق، لكن فيما يتعلق بالسيرة فقط، أما ما عداها، فلا تقبل روايته.

وهكذا قال الحاكم في الأحاديث التي أراد استدراكها على الصحيحين، فقد قال: (وأنا بمشيئة الله أُجري الأخبار التي سقطت على الشيخين في كتاب الدعوات على مذهب أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي في قبولها، فإني سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري، يقول: سمعت أبا الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، يقول: كان أبي يحكي، عن عبد الرحمن بن مهدي، يقول: إذا روينا، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحلال والحرام والأحكام: شددنا في الأسانيد، وانتقدنا الرجال، وإذا روينا في فضائل الأعمال، والثواب والعقاب، والمباحات والدعوات: تساهلنا في الأسانيد)([4])

وهكذا اتفق جميع المحدثين على التساهل في الرواية فيما عدا الحلال والحرام، ولهذا نرى كتب التفسير والتاريخ والسيرة مملوءة بالأحاديث التي لا سند لها، بل الأحاديث الموضوعة، باعتبارهم لا يلقون كبير بال لها.

وقد عقد الخطيب البغدادي في كتابه [الكفاية في علم الرواية] الذي يعتبر مصدرا من مصادر علم الحديث الأولى، بابا بعنوان [باب التشدد في أحاديث الأحكام، والتجوز في فضائل الأعمال]، وقد قال في مقدمته: (قد ورد عن غير واحد من السلف أنه لا يجوز حمل الأحاديث المتعلقة بالتحليل والتحريم إلا عمن كان بريئا من التهمة، بعيدا من الظنة، وأما أحاديث الترغيب والمواعظ ونحو ذلك فإنه يجوز كتبها عن سائر المشايخ)([5])، وهم يعتبرون أن السيرة والتاريخ ونحوهما من أبواب المواعظ والقصص، وهي بذلك أدنى درجة من أحاديث الترغيب والترهيب نفسها.

وقد نقل البغدادي عن سفيان الثوري، وهو من يعتبرونه أمير المؤمنين في الحديث قوله: (لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم، الذين يعرفون الزيادة والنقصان، ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ)([6])

ونقل عن ابن عيينة قوله: (لا تسمعوا من بقية ما كان في سنة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره)([7])

وبناء على هذا، فإن كل من رووا أحداث السيرة النبوية ابتداء من العصر الأول كانوا من المتساهلين في روايتها، حيث غلب عليهم التدليس وغيره، حتى لو كانوا ثقاة في مسائل الحلال والحرام، وقد عبر عن ذلك ابن تيميّة في [مقدمة أصول التفسير] بقوله: (ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثرُهُ كالمنقول في المغازي والملاحم؛ ولهذا قال الإمام أحمد: ثلاثةُ أمورٍ ليس لها إسناد: التفسيرُ، والملاحمُ، والمغازي، ويروى: ليس له أصلٌ، أي: إسنادٌ؛ لأن الغالبَ عليها المراسيل، مثل ما يذكره عروة بن الزبير، والشعبي، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، ومَنْ بعدهم، كيحيى بن سعيد الأموي، والوليد بن مسلم، والواقدي ونحوهم في المغازي)([8])

وكان لكل ذلك آثاره الخطيرة في تصوير التاريخ الإسلامي، وحياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والكثير من قيم الدين، حيث أصبحت السيرة وسيلة لضرب القرآن الكريم والسنة المطهرة، واستطاع أعداء الدين أن يتسربوا لتشويه الدين من خلالها.

وقد شهد بهذا كل من دعا لتنقيح السيرة النبوية، وتصحيحها، ولاحظ ما سربه أعداء الدين إليها، كما قال أكرم ضياء العمري مشيرا إلى ذلك عند حديثه عن التساهل في رواية المغازي والسير والتاريخ: (أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسُّف كثيرٌ، والخطر الناجم عنه كبير؛ لأن الروايات التاريخية التي دوَّنها أسلافنا المؤرخون لم تُعامَل معاملة الأحاديث، بل تمَّ التساهل فيها، وإذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستمثِّل هوَّة سحيقة بيننا وبين ماضينا، مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع… لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية؛ فهي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة، كما أنها خير مُعين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ أمتنا، ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة، آخذين بعين الاعتبار أن الأحاديث غير الروايات التاريخية، وأن الأُولى نالت من العناية ما يمكِّنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة)([9])

وفي كتابه [مرويات السيرة النبوية بين قواعد المحدثين وروايات الأخباريين] ذكر بعض مظاهر ذلك التساهل الكبير الذي عوملت به روايات السيرة النبوية المطهرة مقارنة بنظيراتها من الروايات المرتبطة بالعقائد والأحكام الفقهية، وغيرها مما صنف فيه المحدثون.

ومن تلك المظاهر ما تميز به المحدثون من أدوات التحقيق التي لم يستعملها نظراؤهم من علماء التاريخ والسير، ومنها عدم اكتفائهم بالرواية الواحدة، وإنما يجمعون الطرق المختلفة، ويقارنون بينها، ليميزوا الصحيح من الدخيل، ومن الأمثلة على ذلك قول مسلم صاحب الصحيح: (فبجميع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض يتميز صحيحها من سقيمها، ويتبين رواة ضعاف الأخبار من أضدادهم من الحفاظ)([10])

وهذا ما ذكره جميع المحدثين ـ على خلاف الإخباريين الذين يجمعون كل شيء، ولو حصل التناقض بينه والاضطراب من دون تمحيص ولا تحقيق ـ يقول عبدالله بن المبارك: (إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض)([11])، ويقول يحيى بن معين: (إذا كتبت فقمش، وإذا حدثت ففتش)([12])

ومن الأمثلة على تلك المقارنات التي يجرونها بين الروايات (المقارنة بين روايات عدد من الصحابة، والمقارنة بين روايات المحدث الواحد في أزمنة مختلفة، والمقارنة بين مرويات عدد من التلاميذ لشيخ واحد، وبين رواية المحدث ورواية أقرانه، والمقارنة بين الكتاب والمذاكرة، وبين الكتاب والكتاب)([13])

ولو أننا طبقنا هذه الأداة وحدها على ما ورد في الروايات المؤرخة لمجزرة بني قريظة لرميناها عرض الجدار، ذلك أن المسافات بينها هائلة جدا؛ فقد اختلف الرواة في عدد قتلى يهود بني قريظة، بحيث لا يمكن الجمع بينها، فبعض الروايات ذكرت [400]، وبعضها ذكرت [500]، وبعضها ذكرت [600]، وبعضها ذكرت [700]، وبعضها ذكرت [900]، وبعضها ذكرت [40] وغيرها، وهي أعداد يستحيل الجمع بينها.

فمن الروايات الواردة في عدد القتلى ما روي عن الزهري أنه قال: (غدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني قريظة، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فقضى بأن يقتل رجالهم، وتقسم ذراريهم وأموالهم، فقتل منهم يومئذ أربعون رجلا، إلا عمرو بن سعد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنه كان يأمر بالوفاء، وينهى عن الغدر فلذلك نجا)، ودفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الزبير إلى ثابت بن قيس بن شماس، فأعتقه..)([14])

وقد ذكر الكثير من المؤرخين أن هذه الرواية من أقوى الروايات التي رويت في بيان عدد القتلى، وهي تنسف كل المجزرة نسفا، ذلك أنه من المعلوم أن عدد القادرين على القتال في بني قريظة أكبر من هذا العدد بكثير، وأنهم مع ذلك لم يُقتلوا، وهو دليل على أن الحكم الذي يذكرون أن سعد بن معاذ حكم به غير صحيح، أو لم يُطبق.

ومن الروايات الواردة فيه ما رووه عن جابر بن عبد الله، وأنه قال: (رمى يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله، فحسمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنار، فانتفخت يده، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فنزفه، فلما رأى ذلك، قال: (اللهم لا تخرج نفسى حتى تقر عينى من بنى قريظة)، فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة، حتى نزلوا على حكم سعد، فأرسل إليه، فحكم أن تقتل رجالهم، ويستحى نساؤهم وذراريهم، ليستعين بهم المسلمون، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أصبت حكم الله فيهم)، وكانوا أربعمائة، فلما فرغ من قتلهم، انفتق عرقه فمات)([15])

وهذه الرواية بالإضافة إلى ما فيها من اضطراب في عدد القتلى مقارنة بغيرها من الروايات، ترمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتهم عظيمة خطيرة؛ فهي تصوره بصورة الذي يفشل في علاجه كل مرة، في نفس الوقت الذي تصور فيه سعد بن معاذ مستجاب الدعوة، وأنه بمجرد دعائه تحقق له ما لم يتحقق لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، وسنرى التفاصيل المرتبطة بها في الفصل التالي عند عرضنا لما ورد في تلك الروايات من إساءات لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وهكذا لو رحنا نحلل كل الروايات في عدد القتلى؛ فسنجد أننا لو طبقنا عليها منهج المحدثين، وتعاملنا معها مثل تعاملنا مع أحاديث العقائد والأحكام لرميناها عرض الجدار.

بل لو أننا طبقنا عليها ما طبق في سائر الغزوات، لفعلنا بها ذلك، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره ابن إسحق من عدد قتلى بدر، فهو لم يكتف بذكر عددهم، وإنما راح يذكر أسماءهم وقبائلهم، وكيف قتلوا، ولم نجده فعل ذلك مع بني قريظة، وكأن القتلى ليسوا بشرا.

فقد عقد ابن هشام فصلا في سيرته التي نقلها عن ابن إسحق بعنوان [من قتل ببدر من المشركين]([16])، عد فيه القتلى عدا دقيقا، ومن الأمثلة على ذلك قوله في القتلى من [من بني عبد شمس]: (وقتل من المشركين يوم بدر من قريش، ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف: حنظلة بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس، قتله زيد بن حارثة، مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما قال ابن هشام، ويقال اشترك فيه حمزة وعلي وزيد، فيما قال ابن هشام، وقال ابن إسحاق: والحارث بن الحضرمي، وعامر بن الحضرمي حليفان لهم قتل عامرا: عمار بن ياسر، وقتل الحارث: النعمان بن عصر، حليف للأوس، فيما قال ابن هشام. وعمير بن أبي عمير، وابنه: موليان لهم. قتل عمير بن أبي عمير: سالم، مولى أبي حذيفة، فيما قال ابن هشام) ([17])

وهكذا فعل مع قتلى المشركين في غزوة أحد، فقد عقد فصلا خاصا بهم، ذكر فيه أسماءهم، وقبائلهم، ومن قتلهم، وكل التفاصيل المرتبطة بهم، ومن الأمثلة على ذلك قوله في تعداد قتلى [بني عبد الدار]: (قال ابن إسحاق: وقتل من المشركين يوم أحد من قريش، ثم من بني عبد الدار بن قصي من أصحاب اللواء: طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة: عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، قتله علي بن أبي طالب، (و) أبو سعيد بن أبي طلحة، قتله سعد بن أبي وقاص. قال ابن هشام: ويقال: قتله علي بن أبي طالب. قال ابن إسحاق: وعثمان بن أبي طلحة، قتله حمزة بن عبد المطلب، ومسافع ابن طلحة، والجلاس بن طلحة، قتلهما عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. وكلاب ابن طلحة، والحارث بن طلحة، قتلهما قزمان، حليف لبني ظفر)([18])

وهكذا في كل الغزوات ما عدا غزوة بني قريظة مع كثرة ما ذكر فيها من القتلى، لكنه لم يذكرهم، ولا ذكر عددهم بدقة، بل اكتفى بقوله: (قال ابن إسحاق: ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة في دار بنت الحارث، امرأة من بني النجار، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى سوق المدينة، التي هي سوقها اليوم، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، يخرج بهم إليه أرسالا، وفيهم عدو الله حيي بن أخطب، وكعب بن أسد، رأس القوم، وهم ست مائة أو سبع مائة، والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمان مائة والتسع مائة. وقد قالوا لكعب بن أسد، وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسالا: يا كعب، ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفي كل موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي لا ينزع، وأنه من ذهب به منكم لا يرجع؟ هو والله القتل! فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([19])

وهكذا اكتفى بهذه الفقرة التي تعلق بها المستشرقون والمستغربون والإرهابيون، وبعض الذين تساهلوا في الأمر من المحققين، مع العلم أن المسافة بين الأرقام هائلة جدا، وهي تكفي وحدها لنسف الرواية من أصلها.

والعجيب أن هؤلاء الذين ذكرهم، والذين كانوا يتحصنون في حصون مشيدة، جمعوا في دار واحدة، هي دار بنت الحارث، امرأة من بني النجار، من غير أن يبدو أي مقاومة، أو استغاثة أو توسل على الرغم من علمهم بالمصير الذي ينتظرهم.

بناء على هذا نحاول هنا ـ باختصار ـ بيان علاقة هذه المجزرة بأحكام العقائد والفقه، وأنه ينبغي لذلك تطبيق التشدد المرتبط برواياتها على ما روي في هذه الغزوة.

أولا ـ المجزرة والقضايا العقدية:

من الأدلة الكبرى التي يمكن اعتمادها في السجال مع الذين ينتصرون لتلك المجزرة، ويتبنونها، على الرغم من هشاشة أدلتها هو كونهم ينكرون أحداثا أخرى في السيرة، أو ترتبط برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما رواه أصحاب السير والشمائل، بل حتى أصحاب الحديث، بحجة تعارضها مع قضايا عقدية من أمثال عصمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو غيرها، بحسب المذاهب التي تتبنى هذا النوع من الإنكار.

 وهذا ما يوقعهم في الحرج، ذلك أن تلك الروايات التي يرفضونها قد تكون بطرق أكثر، وبأسانيد أفضل، فكيف يرتضون لأنفسهم أن يردوا القوي، ويقبلوا الضعيف، ثم تكون حجتهم في الرفض مخالفة الرواية للعقيدة، مع أن المجزرة التي يروونها، ويقبلونها، لا تقل في فضاعتها، وفي اصطدامها مع العقيدة الإسلامية من شبيهاتها اللاتي ينكرونها؟

فهذه المجزرة تصطدم أول ما تصطدم بالعدالة الإلهية ـ كما سنرى ـ ذلك أنهم يصورون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتل أولئك الشباب الصغار وغيرهم من غير أن يقيم عليهم الحجة بدعوتهم للإسلام، وبذلك يكونون قد ماتوا على الكفر، واستحقوا الخلود في جهنم، مع أنهم لم تُتح لهم الفرص الكافية لاستماع الحجج أو فهمها والانصياع لها.

مع العلم أن هؤلاء الذين يذكرون هذا يعتبرون صناديد قريش من أمثال أبي سفيان وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وهند وغيرهم، من الصحابة الذين يجلونهم، ويحرمون الطعن فيهم، مع ما فعلوه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكل ذلك لكونهم لم يُقتلوا، ولو أنهم قتلوا مثلما يذكرون عن قتل أطفال بني قريظة، لسُجلوا ضمن الكفرة المجرمين، لا ضمن الصحابة المبجلين.

وكذلك تصطدم هذه المجزرة بعصمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتظهره بصورة السفاح القاسي الذي لم ينزل عقوبته على رؤساء المجرمين فقط، وإنما أنزلها على أهلهم أيضا، حيث ذبح شبابهم، وباع نساءهم وأطفالهم مع كونهم لم يرتكبوا أي جريمة، بل مرتكب الجريمة هم الرؤساء، والملأ من بني قريظة، أما عوامهم ونساؤهم وأطفالهم، فلا علاقة لهم بذلك.

ولهذا نرى القرآن الكريم عند ذكره للمجرمين من أهل القرى، يذكر أن المستكبرين منهم والملأ هم الذين يقفون في وجه الرسل لا الضعفاء، والذين لا شك في دخول النساء والأطفال وعوام الناس فيهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: 34، 35]

وهكذا اعتبر رجال الدين من أهل الكتاب هم المتكبرون الذين صدوا عن سبيل الله، وليس عامة الناس، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 34]

وقال عن مشركي قريش: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: 25، 26]

وبذلك، فإننا ندعو هؤلاء إلى اعتبار هذه الأمثلة وغيرها للدلالة على اعتبار المجزرة من ضمن المسائل العقدية التي يشترطون فيها التواتر، ولا يقبلون فيها أحاديث الآحاد، خاصة إذا تعارضت مع الحقائق العقدية المسلم بها.

ومن الأمثلة على ذلك في المدرسة السنية ما نص عليه المتكلمون من المدرسة الأشعرية والماتريدية وغيرهما من عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد([20])، فقد ذكر الماتريدي في كتاب (التوحيد) و(التأويلات) أن خبر الآحاد لا يوجب العلم، لأنه لا يبلغ مرتبة الخبر المتواتر في إيجاب العلم والشهادة([21]).

وقال الناصري في (النور اللامع): (خبر الآحاد يوجب العمل ولا يوجب العلم.. ولا تبنى العقائد على أخبار الآحاد لأنها لا توجب العلم يقينا)([22])

وهكذا نص على هذا أبو البركات النسفي في المنار ([23])،وابن الهمام في التحرير ([24])، وابن عبد الشكور في مسلم الثبوت ([25])وغيرهم كثير.

ومن الأمثلة على اشتراط التواتر في المدرسة الشيعية ما نص عليه الشيخ الطوسي بقوله ـ عن الأحاديث المفسرة للقرآن الكريم: (وأما المتأخرون فكل واحد منهم نصر مذهبه، وتأول على ما يطابق اصله، ولا يجوز لاحد أن يقلد أحدا منهم، بل ينبغي ان يرجع إلى الادلة الصحيحة: إما العقلية، أو الشرعية، من اجماع عليه، أو نقل متواتر به، عمن يجب اتباع قوله، ولا يقبل في ذلك خبر واحد، خاصة اذا كان مما طريقه العلم، ومتى كان التأويل يحتاج إلى شاهد من اللغة، فلا يقبل من الشاهد إلا ما كان معلوما بين اهل اللغة، شائعا بينهم، وأما طريقة الآحاد من الروايات الشاردة، والالفاظ النادرة فانه لايقطع بذلك، ولا يجعل شاهدا على كتاب الله وينبغي أن يتوقف فيه ويذكر ما يحتمله، ولايقطع على المراد منه بعينه، فانه متى قطع بالمراد كان مخطئا، وان أصاب الحق، كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لانه قال تخمينا وحدسا ولم يصدر ذلك عن حجة قاطعة وذلك باطل بالاتفاق)([26])

وهكذا ذكر العلامة الطباطبائي في مواضع من [تفسير الميزان] عدم حجية أخبار الآحاد في أبواب العقائد، ومنها ما ذكره عند تفسيره لسورة هود، فقد قال: (والذي استقرّ عليه النظر اليوم في المسألة، أنّ الخبر إن كان متواتراً أو محفوفاً بقرينة قطعية فلا ريب في حجيته، وأما غير ذلك فلا حجية فيه، إلاّ الأخبار الواردة في الأحكام الشرعية الفرعية إذا كان الخبر موثوق الصدور بالظن النوعي، فإن لها حجيةً؛ وذلك أنّ الحجية الشرعية من الاعتبارات العقلائية فتتبع وجود أثر شرعي في المورد يقبل الجعل والاعتبار الشرعي، والقضايا التاريخية والأمور الاعتقادية لا معنى لجعل الحجية فيها؛ لعدم أثر شرعي، ولا معنى لحكم الشارع بكون غير العلم علماً وتعبيد الناس بذلك)([27])

ولهذا نجد هؤلاء وغيرهم حتى من أبناء المدرسة السلفية نفسها من ينكر الكثير من الروايات الواردة في السيرة، لعدم انسجامها مع العقائد التي يتبنونها، وسنذكر هنا بعض الأمثلة والنماذج على ذلك.

النموذج الأول: حادثة شق الصدر:

وهي من الأحداث التي لقيت الإنكار الكبير من جهات متعددة قديما وحديثا، مع كون أحاديثها لم ترد في كتب السيرة فقط، وإنما وردت أيضا في كتب الحديث، ومع ذلك نجد من العلماء من السنة والشيعة من ينكرها، في نفس الوقت الذي يقبلون فيه للأسف بمجزرة بني قريظة مع كون أدلتها أقل بكثير من أدلة حادثة شق الصدر([28]).

فقد ورد حديث شق الصدر على عدة روايات([29]) نقلت عن ثلاثة من الصحابة، هم مالك بن صعصعة، وأنس بن مالك، وأبو ذر الغفاري، وقد رواها عنهم الكثير من أقطاب المحدثين من أمثال البخاري ومسلم وابن حبان في كتب الصحيح، وأوردها النسائي والترمذي في سننهما، وأحمد في مسنده، كما صححها الألباني، وذكر الأرنؤوط أن إسنادها صحيح على شرط الشيخين، بل فسر بها بعض المفسرين قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1]، كما فعل الترمذي في سننه والحاكم النيسابوري في [المستدرك على الصحيحين]

من تلك الروايات ما رواه مسلم عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاه جبرئيل، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه وصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، واستخرج منه علقة؛ فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب، بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه ـ يعني ظئره ـ فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه، وهو منتقع اللون.قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره)([30])

ومع ذلك كله نجد الكثير من العلماء ينكرونها، ومنهم محمود أبو ريه الذي قال: (إن حديث شق الصدر يأتى مؤيداً لحديث البخارى: (ما من بنى آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان، غير مريم وابنها).. وبذلك لم يسلم من طعن الشيطان أحد غيرهما من بنى آدم أجمعين، حتى الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم، وخاتمهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانظر واعجب! ولم يقفوا عند ذلك بل كان من رواياتهم أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم لم ينج من نخسة الشيطان إلا بعد أن نقذت الطعنة إلى قلبه، وكان ذلك بعملية جراحية تولتها الملائكة بآلات جراحية مصنوعة من الذهب! ونصت هذه الروايات أن صدره صلى الله عليه وآله وسلم قد شق وأخرجت منه العلقة السوداء! وحظ الشيطان كما يقولون، وكأن هذه العملية لم تنجح فأعيد شق صدره.. وإن هذه العملية الجراحية لتشبه من بعض الوجوه عملية صلب السيد المسيح عليه السلام، وإنما ذكروا ذلك لكى يغفر الله خطيئة آدم التى احتملها هو وذريته من بعده إلى يوم القيامة، وأصبحت فى أعناقهم جميعاً، وتنص العقيدة المسيحية أنه لا يظفر بهذا الغفران إلا من يؤمن بعقيدة الصلب) ([31])

وقد ذكر في معرض رده الشبه التي يمكن أن يعتمدها المسيحيون في مناظراتهم مع المسلمين الذين يتبنون أمثال هذه الحادثة، فقال: (ولئن قال المسلمون لإخوانهم المسيحيين: ولم لا يغفر الله لآدم خطيئته بغير هذه الوسيلة القاسية التى أزهقت فيها روح طاهرة بريئة، هى روح عيسى عليه السلام بغير ذنب؟ قيل لهم: ولم لم يخلق الله قلب رسوله الذى اصطفاه كما خلق قلوب إخوانه من الأنبياء والمرسلين – نقياً من العلقة السوداء، وحظ الشيطان بغير هذه العملية الجراحية التى تمزق فيها صدره وقلبه مراراً عديدة!)([32])

ومنهم الدكتور محمد حسين هيكل الذي قال فى كتابه [حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم]: (لا يطمئن المستشرقون، ولا يطمئن جماعة من المسلمين كذلك إلى قصة الملكين هذه، ويرونها ضعيفة السند، فالذى رأى الرجلين فى رواية كُتَّاب السيرة إنما هو طفل لا يزيد على سنتين إلا قليلاً، وكذلك كانت سن محمد يومئذ)([33])

ومنهم الشيخ محمد الغزالي الذي قال في كتابه [فقه السيرة]: (لو كان الشرّ إفراز غدة في الجسم ينحسم بانحسامها؛ أو لو كان الخير مادة يزوّد بها القلب كما تزوّد الطائرة بالوقود، فتستطيع السموّ والتحليق… لقلنا: إنّ ظواهر الاثار مقصودة، ولكن أمر الخير والشر أبعد من ذلك؛ بل من البديهي أنّه بالناحية الروحية في الإنسان ألصق)([34])

وقد ذكر الفخر الرازي أنها كانت محل استنكار من العلماء المتقدمين، فقد قال في تفسيره لسورة الشرح في التفسير الكبير: (وفي شرح الصدر قولان؛ الأول: ما روي أن جبريل عليه السلام أتاه وشق صدره وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علمًا وإيمانًا ووضعه في صدره. واعلم أن القاضي طعن في هذه الرواية من وجوه؛ أحدها: أن الرواية أن هذه الواقعة إنما وقعت في حال صغره عليه السلام وذلك من المعجزات، فلا يجوز أن تتقدم نبوته. وثانيها: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام، والمعاصي ليست بأجسام فلا يكون للغسل فيها أثر. ثالثها: أنه لا يصح أن يملأ القلب علمًا، بل الله تعالى يخلق فيه العلوم)([35])

أما علماء المدرسة الشيعية؛ فقد اشتدوا في إنكارها، فمن المتقدمين الذين أنكروها الطبرسي صاحب [مجمع البيان] الذي قال: (مما لا يصح ظاهره، ولا يمكن تأويله إلا على التعسف البعيد؛ لأنه كان طاهرا مطهرا من كل سوء وعيب، وكيف يطهر القلب وما فيه من الاعتقاد بالماء؟)([36])

أما صاحب كتاب [الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم] العلامة جعفر مرتضى العاملي، فقد رد الحادثة ردا شديدا، وذكر لذلك الوجوه الكثيرة، ومنها([37]):

1 ـ إن ابن هشام وغيره يذكرون: أن سبب إرجاع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى أمه، هو أن نفرا من الحبشة نصارى، رأوه مع مرضعته، فسألوا عنه، وقلبوه، وقالوا لها: لنأخذن هذا الغلام، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا ([38])، وبذلك تصير الرواية المتقدمة التي تذكر أن سبب إرجاعه إلى أمه هو قضية شق الصدر محل شك وشبهة.

2 ـ كيف يكون شق صدره صلى الله عليه وآله وسلم هو سبب إرجاعه إلى أمه؛ مع أنهم يذكرون أن هذه الحادثة قد وقعت له صلى الله عليه وآله وسلم وعمره ثلاث سنين، أو سنتان وأشهر، مع أنه إنما أعيد إلى أمه بعد أن أتم الخمس سنين؟

3 ـ هل صحيح أن مصدر الشر هو غدة، أو علقة في القلب، يحتاج التخلص منها إلى عملية جراحية؟!.. وهل يعني ذلك أن باستطاعة كل أحد ـ فيما لو أجريت له عملية جراحية لاستئصال تلك الغدة ـ أن يصبح تقيا ورعا، خيّرا؟! أم أن هذه الغدة أو العلقة قد اختص الله بها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وابتلاه بها دون غيره من بني الإنسان؟!. ولماذا دون غيره؟

4 ـ لماذا تكررت هذه العملية أربع، أو خمس مرات، في أوقات متباعدة؟ حتى بعد بعثته صلى الله عليه وآله وسلم بعدة سنين، وحين الإسراء والمعراج بالذات؟! فهل كانت تلك العلقة السوداء، وحظ الشيطان تستأصل، ثم تعود إلى النمو من جديد؟! وهل هي من نوع مرض السرطان الذي لا تنفع معه العمليات الجراحية، والذي لا يلبث أن يختفي حتى يعود إلى الظهور بقوة أشد، وأثر أبعد؟!.. ولماذا لم تعد هذه العلقة إلى الظهور بعد العملية الرابعة أو الخامسة، بحيث يحتاج إلى السادسة، فالتي بعدها؟!.. ولماذا يعذب الله نبيه هذا العذاب، ويتعرض لهذه الآلام بلا ذنب جناه؟! ألم يكن بالإمكان أن يخلقه بدونها من أول الأمر؟!.

5 ـ ألا تعني هذه الرواية: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان مجبرا على عمل الخير، وليس لإرادته فيه أي أثر أو فعالية، أو دور؟! لأن حظ الشيطان قد أبعد عنه بشكل قطعي وقهري، وبعملية جراحية، كان أنس بن مالك يرى أثر المخيط في صدره الشريف!!.

6 ـ لماذا اختص نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بعملية كهذه ولم تحصل لأي من الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام، كما ذكر علماء السير([39])؟، وهل يعقل أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، كان أفضل الأنبياء وأكملهم، بسبب هذه العملية الجراحية؟! فكيف يكون بذلك أفضل وأكمل منهم؟ أم أنه قد كان فيهم أيضا للشيطان حظ ونصيب لم يخرج منهم بعملية جراحية؛ لأن الملائكة لم يكونوا قد تعلموا الجراحة بعد؟!

8 ـ ألا ينافي ذلك ما ورد في الآيات القرآنية، مما يدل على أن الشيطان لا سبيل له على عباد الله المخلصين، كما قال تعالى حاكيا عن الشيطان: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 39، 40]، وقال: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42]، وقال: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 99، 100]، ومن الواضح: أن الأنبياء هم خير عباد الله المخلصين، والمؤمنين، والمتوكلين، فكيف استمر سلطان الشيطان على الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم إلى حين الإسراء والمعراج؟!

هذه بعض وجوه الرد التي قدمها العلامة جعفر مرتضى العاملي، وقد تمنيت لو طبق هذا المنهج في النقد مع حادثة بني قريظة التي لم يبد معها هذه الشدة التي أبداها مع حادثة شق الصدر، مع أنه ذكر الاضطرابات الكثيرة التي اتسمت به رواياتها.

النموذج الثاني: حادثة سحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

وهي من الروايات التي لقيت انتقادا شديدا من الكثير من العلماء، مع كونها وردت بأسانيد أقوى من حادثة بني قريظة، ولم يقتصر إنكارها على المتأخرين، بل شملت الكثير من المتقدمين؛ فقد قال الفخر الرازي في تفسيره عند ذكر سبب نزول المعوذتين وحديث سحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (قال القاضي هذه رواية باطلة،وكيف يمكن القول بصحتها، والله تعالى يقول:﴿ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ [المائدة: 67] وقال: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾ [طه: 69] ولأن تجويزه يفضي إلى القدح في النبوة؛ ولأنه لو صح ذلك لكان من الواجب أن يصلوا إلى ضرر جميع الأنبياء والصالحين، ولقدروا على تحصيل الملك العظيم لأنفسهم، وكلُّ ذلك باطلٌ، ولكان الكفار يعيرونه بأنه مسحور. فلو وقعت هذه الواقعة لكان الكفار صادقين في تلك الدعوة، ولحصل فيه – عليه السلام – ذلك العيب، ومعلوم أن ذلك غير جائز)([40])

ومن الذين أنكروها الفقيه والمفسر الحنفي الكبير أبو بكر الجصاص الذي قال في كتابه [أحكام القرآن]: (زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سُحر، وأن السحر عمل فيه حتى أنه يتخيل أنه يفعل الشيء ولم يفعله.. وقد قال الله تعالى مكذباً للكفار فيما أدعوه من ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: 8].. ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعباً بالحشوا الطغام واستجرار لهم إلى القول بإبطال معجزات الأنبياء عليهم السلام، والقدح فيها)([41])

ومنهم المحدث الكبير جمال الدين القاسمي الذي لم يمنعه تخصصه في علم الحديث من إنكار هذا الحديث، فقد قال: (ولا غرابة في أن لا يقبل هذا الخبر لما برهن عليه، وإن كان مخرَّجاً في الصحاح؛ وذلك لأنه ليس كل مخرج فيها سالماً من النقد، سنداً أو معنى، كما يعرفوه الراسخون. على أن المناقشة في خبر الآحاد معروفة من عهد الصحابة)([42])

ومنهم الأستاذ محمد عبده الذي قال في تفسيره لسورة الفلق:(وقد رووا هنا أحاديث في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سحره لبيد بن الأعصم، وأثّر سحره فيه حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله أو يأتي شيئًا وهو لا يأتيه، وأن الله أنبأه بذلك وأخرجت مواد السحر من بئر وعوفي صلى الله عليه وآله وسلم مما كان نزل به من ذلك ونزلت هذه السورة.ولا يخفى أن ثأثير السحر في نفسه عليه السلام حتى يصل به الأمر إلى أن يظن أنه يفعل شيئًا وهو لا يفعله، ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان، ولا من قبيل عروض السهو والنسيان في بعض الأمور العادية، بل هو ماس بالعقل، آخذ بالروح، وهو مما يصدّق قول المشركين فيه: ﴿إن تتّبعون إلاّ رجلاً مسحورًا﴾، وليس المسحور عندهم إلا من خولط في عقله، وخيّل له أن شيئًا يقع وهو لا يقع، فيخيّل إليه أنه يوحى إليه ولا يوحى إليه. وقد كان كثير من المقلّدين الذين لا يعقلون ما هي النبوة وما يجب لها أن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح، فيلزم الاعتقاد به، وعدم التصديق به من بدع المبتدعين، لأنه ضرب من إنكار السحر، وقد جاء القرآن بصحة السحر. فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح، والحق الصريح في نظر المقلّد بدعة، نعوذ بالله، يحتج على ثبوت السحر، ويعرض عن القرآن في نفيه السحر عنه صلى الله عليه وآله وسلم وعدّه من افتراء المشركين عليه، ويؤول في هذه ولا يؤول في تلك، مع أن الذي قصده المشركون ظاهر لأنّهم كانوا يقولون: إن الشيطان يلابسه عليه السلام، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم وضرب من ضروبه، وهو بعينه أثر السحر الذي نسب إلى لبيد، فإنه قد خالط عقله وإدراكه في زعمهم)([43])

وقال معتذرا عن عدم قبول الحديث بسبب كونه من الآحاد التي لا يؤخذ بها في العقائد: (نعلم أن البخارى أصدق كتاب بعد كتاب الله، وأنا لا أشك أن البخارى سمع هذا من أساتذته، والبخارى يشترط فى أحاديثه المعاصرة واللقاء، إلا أننى أرى أن هذا لم يحدث مع النبى صلى الله عليه وآله وسلم، وإن كان قد دس من الإسرائيليات إلى مشايخ البخارى الذين أخذ منهم، وإلا فإننا إن قد صدقنا أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قد سحر فقد صدقنا كلام الظالمين الذى حكاه القرآن عنهم، ﴿ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ﴾ [الفرقان: 8]، وإن صدقنا أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قد سحر، فقد كذبنا الله سبحانه وتعالى القائل فى كتابه الحكيم: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: 212].. وأما الحديث على فرض صحته فهو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها فى باب العقائد، وعصمة النبى صلى الله عليه وآله وسلم من تأثير السحر فى عقله عقيدة من العقائد، لا يؤخذ فى نفيها عنه إلا باليقين، ولا يجوز أن يؤخذ فيها بالظن المظنون على أى حال، فلنا بل علينا أن نفوض الأمر فى الحديث، ولا نحكمه فى عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب، وبدليل العقل، فإنه إذا خولط النبى صلى الله عليه وآله وسلم فى عقله – كما زعموا – جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئا، وهو لم يبلغه، أو أن شيئا نزل عليه، وهو لم ينزل عليه، والأمر هنا ظاهر لا يحتاج إلى بيان)([44])

ومنهم أحمد صبحى منصور الذي قال عنها: (اتهام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالسحر أو بأن بعضهم سحره فيه تشكيك فى الرسالة، وطعن فى الدين، ويفقد المصداقية فى أى قول أو فعل يصدر منه، ومنه يدخل باب الشك فى الإسلام جملة وتفصيلا، ويتعارض مع قوله تعالى: ﴿ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: 47])([45])

ومنهم صالح الوردانى الذي قال: (وتأتى قضية السحر لتؤكد لنا مدى هامشية شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فى نظر أهل السنة، ومدى إهمال الوحي له، حتى أن بعض السحرة يسحرونه ويسيطرون عليه، فيفعل الشئ ولا يفعله، أو يتخيل فعل الشئ، وهذا يعنى أن الساحر قد هيمن على الرسول نفسيا، ومن الممكن أن يقول على لسانه ما يشاء. ومرة أخرى يطرح السؤال: أين دور الوحي)([46])

ومن المحدثين الذين لم يستسيغوا حديث السحر محمد رشيد رضا، وقد كان موقفه ذلك سببا في تأليف الشيخ مقبل الوادعي رسالة في الدفاع عن سحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سماها (ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر)، ومما جاء في مقدمتها قوله: (إن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن الدعوة إلى الله بل ومن الجهاد في سبيل الله بيان عقيدة أهل السنة والجماعة والذّب عنها، وكشف عوار أهل البدع والملحدين والتحذير منهم.. وجزى الله أهل السنة خيرًا فهم من زمن قديم يتصدون لأهل البدع، حتى فضّل بعضهم الرّدّ على أهل البدع على الجهاد في سبيل الله.. وفي هذا الزمن شاع وذاع أن جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده المصري، ومحمد رشيد رضا، من المجددين وأنّهم علماء الفكر الحر، فقام غير واحد من المعاصرين ببيان ضلالهم وأنّهم مجدّدون للضلال وترهات الإعتزال فعلمت حقيقتهم.. فصارت معرفة ضلالهم كلمة إجماع بين أهل السنة، لكن محمد رشيد رضا لم يوفّ حقه واغترّ بعض الناس ببعض كلماته في الردود على بعض أهل البدع، وما يدري أن عنده من البدع والضلال ما يقاربهم.. لذا رأيت أن أكتب هذه الرسالة الموسومة بـ (ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر وبيان بعد محمد رشيد رضا عن السلفية)([47])

وإنكار هذه الحادثة يستدعي إنكار ما روي في مجزرة بني قريظة، ذلك أن تشويه النبوة فيها أعظم، كما سنرى في الروايات الواردة فيها؛ فهي ترمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكل ما يتنافى مع النبوة من قيم وأخلاق.

ثانيا ـ المجزرة والأحكام العملية:

لم يكتف العلماء بإنكار ما يتعارض مع الروايات مع الحقائق العقدية القرآنية، بل نراهم ينكرون الأحاديث التي لا تتناسب مع مصادرهم أو رؤاهم الفقهية التي يعتمدونها، حتى لو كانت أقوى سندا من الروايات المرتبطة بمجزرة بني قريظة.

وقد حصل هذا في كل العصور ابتداء من العصر الأول، وقد قال الغزالي في (المستصفى): (وما من أحد من الصحابة إلا وقد رد خبر الواحد.. فمن ذلك توقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قبول خبر ذي اليدين حيث سلم عن اثنتين حتى سأل أبا بكر وعمر وشهدا بذلك وصدقاه، ثم قبل وسجد للسهو.. ومن ذلك رد أبي بكر خبر المغيرة بن شعبة من ميراث الجد حتى أخبره معه محمد بن مسلمة. ومن ذلك رد أبي بكر وعمر خبر عثمان فيما رواه من استئذانه الرسول في رد الحكم بن أبي العاص وطالباه بمن يشهد معه بذلك. ومن ذلك ما اشتهر من رد عمر خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد الخدري.. ومن ذلك رد علي خبر أبي سنان الأشجعي في قصة بروع بنت واشق وقد ظهر منه أنه كان يحلف على الحديث. ومن ذلك رد عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه. وظهر من عمر نهيه لأبي موسى وأبي هريرة عن الحديث عن الرسول، وأمثال ذلك مما يكثر)([48])

وقد ذكر ابن تيمية أن هذا النوع من الرد ليس ردا للسنة، وأن السلف الأول فعلوه؛ فقال: (من رد الخبر الصحيح كما كانت ترده الصحابة اعتقادا لغلط الناقل، أو كذبه لاعتقاد الراد أن الدليل قد دل على أن الرسول لا يقول هذا؛ فإن هذا لا يكفر ولا يفسق وإن لم يكن اعتقاده مطابقا فقد رد غير واحد من الصحابة غير واحد من الأخبار التي هى صحيحة عند أهل الحديث)([49])

وإلى هذا ذهب كل العلماء المتقدمين منهم والمتأخرين؛ فلا يكاد يوجد أحد منهم لم يرد بعض الأحاديث التي لا تتناسب مع ما أداه إليه اجتهاده، وقد ذكر جمال الدين القاسمي ذلك عند تبريره لانتقاده الشديد لحديث سحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قال ـ بعد نقله لبعض النصوص الدالة على ذلك ـ: (والمسألة معروفة في الأصول، وإنما توسعت في نقولها لأني رأيت من متعصبة أهل الرأي من أكبر رد خبر رواه مثل البخاري، وضلل منكره، فعلمت أن هذا من الجهل بفن الأصول، لا بل بأصول مذهبه. كما رأيت عن الفناري. ثم قلت: العهد بأهل الرأي أن لا يقيموا للبخاري وزنا. وقد ردوا المئين من مروياته بالتأويل والنسخ، فمتى صادقوه حتى يضللوا من ردّ خبرا فيه؟)([50])

وهكذا فعل أصحاب المذاهب الأربعة، الذين أنكروا الأحاديث التي لا تتناسب مع الرؤى والمصادر التي يعتمدونها، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره الحنفية من شروط لقبول الحديث في الأحكام الفقيهة، فقد قال أبو زيد الدبوسي في (تأسيس النظر): (الأصل عند أصحابنا أن خبر الآحاد متى ورد مخالفا لنفس الأصول مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أوجب الوضوء من مس الذكر لم يقبل أصحابنا هذا الخبر لأنه ورد مخالفا للأصول)([51])

وقال أبو الحسن الكرخي عند بيانه لأصول الحنفية: (إن كل خبر يجيء بخلاف قول أصحابنا فإنه يحمل على النسخ أو على أنه معارض بمثله، ثم صار إلى دليل آخر أو ترجيح فيه بما يحتج به أصحابنا من وجوه الترجيح أو يحمل على التوفيق، وإنما يفعل ذلك على حسب قيام الدليل؛ فإن قامت دلالة النسخ يحمل عليه، وإن قامت الدلالة على غيره صرنا إليه)

وقال: (الأصل أن الحديث إذا ورد عن الصحابي مخالفا لقول أصحابنا؛ فإن كان لا يصح في الأصل كفينا مؤنة جوابه، وإن كان صحيحا في مورده فقد سبق ذكر أقسامه إلا أن أحسن الوجوه وأبعدها عن الشبه أنه إذا ورد الحديث عن الصحابي في غير موضع الإجماع أن يحمل على التأويل أو المعارضة بينه وبين صحابي مثله)([52])

وهكذا نرى الإمام مالك يقدم عمل أهل المدينة على أخبار الآحاد، بل يرد بشدة على من يخالفهم، وقد قال في رسالته التي أرسلها إلى الليث بن سعد في مصر: (اعلم رحمك الله أنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه وأنت في أمانتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك وحاجة من قبلك إليك واعتمادهم على ما جاءهم منك، حقيق بأن تخاف على نفسك وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه، فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﴾ [التوبة: 100].. فإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن وأحل الحلال وحرم الحرام، إذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل ويأمرهم فيطيعونه ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله واختار له ما عنده، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته، ثم قام من بعده أتبع الناس له من أمته ممن ولي الأمر من بعده فما نزل بهم مما علموا أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم، وإن خالفهم مخالف أو قال امرؤٌ غيره أقوى منه وأولى ترك قوله وعمل بغيره، ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبيل ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به لم أر لأحد خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون هذا العمل ببلدنا وهذا الذي مضى عليه من مضى منا، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم)([53])

وبناء على هذا نراه ينكر ما رواه البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)([54])، والذي يدل بصيغة قطعية على أن لكل من المتبايعين حق إمضاء العقد أو إلغائه ماداما لم يتفرقا بالأبدان.

وقد ذهب إلى هذا جماهير العلماء من الصحابة والتابعين.. لكن الإمام مالك خالف ذلك، ورد الحديث حتى نقل عن ابن أبي ذئب –وهو من كبار علماء المدينة – أنه لما ذكر له أن مالكا لم يعمل به، قال: (يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه)([55])

بل أكد موقفه هذا الإمام أحمد نفسه حيث قال عن ابن أبي ذئب: (هو أورع وأقول بالحق من مالك)([56])

لكن مع ذلك نجد العلماء جميعا يعتذرون لمالك، ويقفون منه موقفا طيبا، بل يبررون قوله، والمالكية إلى الآن لا زالوا يأخذون بقوله في المسألة، ولا يأخذون بالحديث الوارد في صحيحي البخاري ومسلم.

بل إن الذهبي ـ مع تشدده مع أي ناقد أوصله الدليل إلى خلاف ما في كتب الحديث ـ يعتذر لمالك، ويرد على الناقدين له، ويقول في رده على الإمام أحمد، وموقفه من ابن أبي ذئب: (لو كان ورعا كما ينبغي، لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم، فمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث، لأنه رآه منسوخا، وقيل:عمل به، وحمل قوله: حتى يتفرقا، على التلفظ بالإيجاب والقبول، فمالك في هذا الحديث، وفي كل حديث له أجر ولابد، فإن أصاب ازداد أجرا آخر، وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاده الحرورية، وبكل حال فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثير منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولاضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما)([57])

وهكذا نرى السلفية أنفسهم ينكرون الكثير من الأحاديث التي لا تتناسب مع ما يعتمدونه من آراء، وقد ذكرنا في كتاب [شيخ الإسلام في قفص الاتهام] الكثير من الأمثلة على إنكار ابن تيمية لأحاديث التوسل والزيارة وفضائل أهل البيت وغيرها.

بل هكذا نرى علماء الحديث المعاصرين، ينكر بعضهم على بعض إدخال آرائهم ومواقفهم في الحكم على الأحاديث قبولا أو رفضا، ومن الأمثلة على ذلك ما أشار إليه الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي عند رده على الألباني؛ فقد قال: (الشيخ ناصر الدين الألباني شديد الولوع بتخطئة الحذاق من كبار علماء المسلمين ولا يحابي في ذلك أحدا كائنا من كان، فتراه يوهم البخاري ومسلما ومن دونهما.. ويكثر من ذلك حتى يظن الجهلة والسذج من العلماء أن الألباني نبغ في هذا العصر نبوغا يندر مثله. وهذا الذي ينم عنه ما يتبجج به الألباني في كثيرمن المواطن، ويلفت إليه أنظار قارئيه، فتارة يقول: أغتنم هذا التحقيق فإنك لا تجده في غير هذا الموضع ـ يعني عند غيره من المصنفين ـ وتارة يدعي أنه خصه الله تعالى في هذا العصر بالوقوف على زيادات الحديث الواردة في مختلف طرقه المنتشرة في الكتب المبعثرة، وبذلك وصل إلى ما لم يصل إليه غيره من المحققين السابقين ولا اللاحقين.. هذا مبلغ علم الألباني، فإذا نظرت في كتبه تجد الدليل فإنه يذكر فيما يسميها بالصحيحة ما يناقض ما يسميها بالضعيفة، فتراه يغير على الأحاديث النبوية الشريفة بما لا يجوز عند أهل العلم بالحديث، فيضعف الصحيح، ويجود الضعيف.. ومن معايبه تطاوله على الأئمة الكبار، ويكفيه ذما أنه تطاول على البخاري ومسلم فأغار على صحيحيهما ولم يسلما منه، وليته ضعف تلك الأحاديث بعلم ومعرفة، ولكن بجهل ووقاحة.. ومن معايبه أيضا لمزه لن يخالفه بالابتداع فهو ومن كان معه على زعمه سني يستحق الجنة، ومن خالفه فهو مبتدع يستحق النار، وقصده بهذا الشهرة، ومراده أنه أوحد عصره، وأنه سبق معاصريه، وتفوق على متقدميه.. وبالجملة فالألباني في فتاويه واستنباطاته بلايا وطامات، وسقطات عظيمة تراه يبدع من يذكر بالسبحة، أو يقرأ القرءان على الميت، وتجد في كتبه ولا سيما شرح الطحاوي الضلال والفساد)([58])

بل إننا نجد هذا النقد من نفس المدرسة السلفية، فقد قال الشيخ مقبل الوادعي منتقدا منهج الألباني في الحكم على الحديث: (.. العلماء المتقدمون مقدمون في هذا، لأنهم كما قلنا قد عرفوا هذه الطرق، ومن الأمثلة على هذا: ما جاء أن الحافظ يقول في حديث المسح على الوجه بعد الدعاء: أنه بمجموع طرقه حسن، والإمام أحمد يقول: إنه حديث لا يثبت، وهكذا إذا حصل من الشيخ ناصر الدين الألباني هذا؛ نحن نأخذ بقول المتقدمين ونتوقف في كلام الشيخ ناصر الدين الألباني، فهناك كتب ما وضعت للتصحيح والتضعيف، وضعت لبيان أحوال الرجال مثل: الكامل لابن عدي والضعفاء للعقيلي، وهم وإن تعرضوا للتضعيف، فهي موضوعة لبيان أحوال الرجال، وليست بكتب علل، فنحن الذي تطمئن إليه نفوسنا أننا نأخذ بكلام المتقدمين، لأن الشيخ ناصر الدين الألباني ما بلغ في الحديث مبلغ الإمام أحمد بن حنبل، ولا مبلغ البخاري، ومن جرى مجراهما. ونحن ما نظن أن المتأخرين يعثرون على مالم يعثر عليه المتقدمون اللهم إلا في النادر، فالقصد أن هذا الحديث إذا ضعفه العلماء المتقدمون الذين هم حفاظ، ويعرفون كم لكل حديث من طريق، فأحسن واحد في هذا الزمن هو الشيخ ناصر الدين الألباني، فهو يعتبر باحثا، ولا يعتبر حافظا، وقد أعطاه الله من البصيرة في هذا الزمن ما لم يعط غيره، حسبه أن يكون الوحيد في هذا المجال، لكن ما بلغ مبلغ المتقدمين)([59])

وبناء على هذا؛ فإننا لو طبقنا هذه المقاييس على ما روي في مجزرة بني قريظة، واعتبرناها من أحاديث الأحكام لسهل علينا ردها بناء على التشدد في الروايات المرتبطة بها.

وعندما نرجع للمصادر التي ذكرت الحادثة، نرى أنها تعتبرها من أحاديث الأحكام، فقد قال ابن كثير: (واختلفوا في إنبات الشعر الخشن حول الفرج، وهو الشعرة، هل تدل على بلوغ أم لا؟ على ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين صبيان المسلمين، فلا يدل على ذلك لاحتمال المعالجة، وبين صبيان أهل الذمة فيكون بلوغا في حقهم؛ لأنه لا يتعجل بها إلا ضرب الجزية عليه، فلا يعالجها. والصحيح أنها بلوغ في حق الجميع لأن هذا أمر جبلي يستوي فيه الناس، واحتمال المعالجة بعيد)([60])

ثم استدل لهذا بقوله: (ثم قد دلت السنة على ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن عطية القرظي، رضي الله عنه قال: عرضنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم قريظة فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت، فخلى سبيلي، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة بنحوه وقال الترمذي: حسن صحيح. وإنما كان كذلك؛ لأن سعد بن معاذ، رضي الله عنه، كان قد حكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية)([61])

بل نجد المحدثين يصنفون تلك الرواية التي ذكرها ابن كثير في الأبواب الفقهية، فقد رواها أبو داود في الحدود، باب في الغلام يصيب الحد، ورواها الترمذي في الجهاد والسير، باب ما جاء في النزول على الحكم، ورواها النسائي في الطلاق باب متى يقع الطلاق، ورواها ابن ماجه في الحدود باب من لا يجب عليه الحد.


([1])  سنن أبي داود، صحيح أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء السنة النبوية، بيروت، رقم: 4404، 4405، صحيح الترمذي، سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار الفكر، بيروت، رقم: 1584 وقال: حسن صحيح، السنن الكبرى (سنن النسائي الكبرى)، النسائي، أحمد بن شعيب، بيروت، لبنان، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1421هـ/2001م،  6/ 155، وسنن ابن ماجه، ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، حققه محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، رقم: 2541.

([2])  قال عنه ابن عبد البر: (لا أعرف اسم أبيه. وقال البغوي وابن حبان: سكن الكوفة، فروى حديثه أصحاب السنن من طريق عبد الملك بن عمير عنه، قال: كنت فيمن حكم عليهم سعد بن معاذ فشكّوا فيّ فتركوني )، انظر: أسد الغابة في معرفة الصحابة، أبو الحسن علي بن أبي الكرم، عز الدين ابن الأثير، المحقق: علي محمد معوض – عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، 1415هـ – 1994 م، (3695) ، 34، تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي، المحقق: عبد الصمد شرف الدين، طبعة: المكتب الإسلامي، والدار القيّمة، الطبعة2، 1403هـ، 1983م، 7/ 298.

([3])  تاريخ ابن معين برواية الدوري، ابن معين، يحيى بن معين، تحقيق: عبد الله أحمد حسن، بيروت، لبنان، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، د.ت، (3/60)

([4])  رواه الحاكم في المستدرك (1/ 666)

([5])  الكفاية في علم الرواية، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي، المحقق: أبو عبدالله السورقي ، إبراهيم حمدي المدني، المكتبة العلمية ، المدينة المنورة، (ص: 133).

([6])  المرجع السابق، ص134.

([7])  المرجع السابق، ص134.

([8])  مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م، (13/ 346)

([9])  دراسات تاريخية: ص27..

([10])  كتاب التمييز، مسلم بن حجاج النيسابوري (ت:256هـ)، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، مطبوعات جامعة الرياض، الطبعة الأولى، 1395هـ، 162.

([11])  محمد مصطفى الأعظمي : مقدمة كتاب التمييز 33.

([12])  تاريخ بغداد ـ الخطيب البغدادي، ط الأُولى عام 1417 هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، 1/43.

([13])  محمد مصطفى الأعظمي : مقدمة كتاب التمييز 32 فما بعدها.

([14])  الأموال لابن زنجويه، أبو أحمد حميد بن مخلد بن قتيبة بن عبد الله الخرساني المعروف بابن زنجويه (المتوفى: 251ه)، حققه شاكر ذيب فياض الأستاذ المساعد ، بجامعة الملك سعود، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، السعودية، الطبعة الأولى، 1406 ه ، 1986 م، رقم الحديث 359.

([15])  رواه الترمذي، رقم الحديث 1582، كما صححه الألباني و ابن حجر العسقلاني.

([16])  السيرة النبوية لابن هشام، عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الثانية، 1375هـ – 1955 م، (1/ 708)

([17])  المرجع السابق، (1/ 708).

([18])  سيرة ابن هشام، (2/ 127).

([19])  سيرة ابن هشام، (2/ 240).

([20])  ولم يخالف في هذا إلا أهل الحديث، الذين تبنتهم المدرسة السلفية، ولذلك وقعوا في التجسيم والتشبيه، لكونهم يقبلون أي حديث مهما قلت طرقه، ويبنون عليه عقائدهم.

([21])  التوحيد، 8، 9، التأويلات، 2/ 351.

([22])  النور اللامع، 14.

([23])  فتح الغفار الجامع لأحكام سنة نبينا المختار، الحسن بن أحمد الرباعي،  المحقق: علي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد، 1427، 2/ 79.

([24])  تيسير التحرير ، محمد أمين بن محمود البخاري المعروف بأمير باد شاه،بيروت دار الكتب العلمية ، د . ت، 3/ 82.

([25])  فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، الأنصاري ، عبد العلي محمد بن نظام الدين ، توفي سنة 1225هـ مطبوع مع المستصفى، ( بغداد ، مكتبة المثنى ، 1970م)، (2/ 120،121، 136)

([26])  التبيان في تفسير القرآن، الطوسي، محمد بن الحسن، بيروت،لبنان، دار إحياء التراث العربي، ط1، 1409هـ، (1/ 5)

([27])  السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان 10: 351، مؤسسة الأعلمي، بيروت..

([28])  رددنا على الحادثة بتفصيل في كتاب: رسول الله والقلوب المريضة، ص100.

([29])  انظر: الصحيح من سيرة النبي الأعظم، جعفر مرتضى العاملي، دار السيرة، بيروت، ط1995، ج2، ص83-98.

([30])  صحيح مسلم ج 1 ص 101.

([31])  أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو رية، دارالمعارف، القاهرة، ص185.

([32])  المرجع السابق، ص186.

([33])  حياة محمد، محمد حسين هيكل،  دار المعارف، القاهرة، ص104.

([34])  فقه السيرة، محمد الغزالي السقا، دار القلم، دمشق، تخريج الأحاديث: محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة: الأولى، 1427 هـ، ص66.

([35])  148. مفاتيح الغيب (تفسير الرازي ، التفسير الكبير)، الفخر الرازي، محمد بن عمر، بيروت، لبنان، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1401 هـ/1981م، (32/ 205)

([36])  الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت، لبنان، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، 1445هـ/1995م، (6/ 192)

([37])  الصحيح من سيرة النبي الأعظم a، 2/86.

([38])  سيرة ابن هشام ج 1 ص 177، وتاريخ الأمم والملوك، الطبري، ابوجعفر محمدبن جرير، بيروت، دارالفكر، 0741ه/ 1987م، ج 1 ص 575.

([39])  السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون، علي بن إبراهيم بن أحمد الحلبي، أبو الفرج، نور الدين ابن برهان الدين، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الثانية – 1427هـ.ج 1 ص 368..

([40])   تفسير الرازي مفاتيح الغيب، ج32ص172.

([41])   أحكام القرآن، أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (المتوفى: 370هـ)، المحقق: عبد السلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1415هـ/1994م،  1: 49 .

([42])   محاسن التأويل، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: 1332هـ)، المحقق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلميه – بيروت، الطبعة: الأولى – 1418 هـ، 9/ 577.

([43])   مجلة المنار (33/ 33)

([44])  تفسير جزء عم، محمد عبده،  دار الشعب، مصر، ص180 – 183.

([45])  قراءة فى صحيح البخارى، أحمد صبحى منصور، دار النديم للنشر، ص36.

([46])  دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين، صالح الورداني، دار الرأي للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة: الاولى 1998 ص258، 268.

([47])   ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر، مقبل بن هادي الوادعي، دار الآثار، صنعاء، 1420، ص7.

([48])   المستصفى، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، 1413هـ – 1993م (ص: 122)

([49])   المسودة في أصول الفقه، آل تيمية [بدأ بتصنيفها الجدّ: مجد الدين عبد السلام بن تيمية (ت: 652هـ) ، وأضاف إليها الأب: عبد الحليم بن تيمية (ت: 682هـ) ، ثم أكملها الابن الحفيد: أحمد بن تيمية (728هـ) ]، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتاب العربي (ص: 247)

([50])   محاسن التأويل، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي، المحقق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلميه – بيروت، الطبعة: الأولى – 1418 هـ: 9/ 578.

([51])  تأسيس النظر ويليه رسالة الإمام أبي الحسن الكرخي في الأصول، عبيد الله عمر بن عيسى الدبوسي أبو زيد ، أبو الحسن الكرخي،  المحقق: مصطفى محمد القباني الدمشقي، دار ابن زيدون ، مكتبة الكليات الأزهرية،  156.

([52])  الأصول لأبي الحسن الكرخي ملحقة بتأسيس النظر، ص169.

([53])  ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، القاضي عياض ، ط. أوقاف المغرب،  ج1 ، ص 64-65.

([54])  رواه البخاري 5/214 و 215 و 216، و 232، ومسلم رقم (1532)

([55])   سير أعلام النبلاء، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، مؤسسة الرسالة، الطبعة السابعة، 1410 ه‍ بيروت،  1/ 49.

([56])   المرجع السابق، 1/ 49.

([57])   سير أعلام النبلاء: 1/ 49.

([58])   الألباني شذوذه وأخطاؤه، الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، دط، دت، 1/9..

([59])   المقترح في أجوبة بعض أسئلة المصطلح، مقبل بن هادي الوادعي أبو عبد الرحمن، دار الآثار – صنعاء،  1425 – 2004، الطبعة: 3، ص41.

([60])  تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)، المحقق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية 1420هـ – 1999 م، (2/ 215)

([61])  تفسير ابن كثير ، (2/ 216).

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *