الغيب والشهادة

الغيب والشهادة

بعد انتهاء المحور الثالث من الحديث عن الكون بين الرؤيتين الإيمانية والإلحادية، وبعد أخذ فترة قصيرة من الراحة، قام المسؤول عن الشؤون العلمية في تلك البلدة، وقال: بعد انتهائنا من المناقشات حول المحور الثالث، والمتعلق بالحياد والتدبير، وعلاقتهما بالكون.. سنتحدث الآن عن محور آخر، له علاقة بكلتا الرؤيتين الإيمانية والإلحادية.. وهو [الكون بين الغيب والشهادة]

فهل الكون محصور فيما نراه من العالم المرئي، أو العالم الذي يطلق عليه [علم الشهادة]؟ أم أن فيه جوانب لا نراها، ولا تدركها أجهزتنا الدقيقة، وهو بالتالي من [عالم الغيب]؟

وهل كل المعارف العلمية التي يتمسك بها دعاة الإلحاد ناتجة عن علم مشهود، وتجربة حسية، أم أن منها ما هو كذلك، ومنها ما هو حدس وتخيل وفلسفة وقذف {بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } [سبأ: 53]؟.. سنحيل الإجابة على هذه الأسئلة إلى علمائنا الأفاضل مع مناقشة الحضور لهم.

العلم والغيب:

قام أحد العلماء غاضبا، وقال مخاطبا المسؤول عن الشؤون العلمية: ويلك يا رجل.. كيف تقول عن العلم الحديث الذي يتمتع بكل أنواع المصداقية أنه قذف بالغيب.. إن هذا يدل على أنك وأهل بلدك، والمؤمين بالأديان جميعا لا تعرفون العلم الحديث، وتلك الأساليب الدقيقة التي يستعملها لإثبات الحقائق، وحتى لا يفقد مصداقيته.

ولهذا اسمحوا لي أن أحدثكم عن هذا الجانب المهم في العلم الحديث، والذي يختلف به عن الدين الممتلئ بالخرافات والتفسير الغيبي الذي لا سند له.

وقبل ذلك أعرفكم بسميي.. ذلك العبقري الذي استفدت منه أن أتبع بإخلاص دين العلم.. لا دين الخرافة.. إنه [أوجست كونت]، ذلك الفيلسوف الفرنسي العظيم، مؤسس الفلسفة الوضعية التي ترفض الميتافيزيقيا، وتعتمد على نتاج العلوم الطبيعية الحديثة..

ذلك الذي أرخ في كتابه [محاضرات في الفلسفة الوضعية] للأطوار التي مر بها الإنسان أثناء رحلته للحقيقة.. فذكر أنها ثلاثة.. الطور اللاهوتي، وهو الطور الذي علل فيه الأشياء بقوى خارقة، وكائنات اعتبرها مقدسة.. والطور الميتافيزيقي، وهو الطور الذي علل فيه الأشياء بمبادئ مجردة وتأملية غير مرتبطة بالواقع ومتعالية عليه.. والطور الوضعي، وهو الطور الذي علل فيه الأشياء بالمشاهدة والتجارب العلمية الدقيقة..

ولذلك نادى بدين الإنسانية الجديد، دين العلم، باعتباره الدين الصحيح الذي يحقق للإنسان تحسين حياته المعيشية، ويبعده عن تلك الأوهام التي رسمها له الدين..

ولذلك نقل سميي [أوجست] المنهج التجريبي من ساحة العلوم الفيزيائية إلى الساحة الاجتماعية، وكل ما تفرزه من ظواهر إنسانية.. وهنا تكمن أهمية فلسفته العلمية الدقيقة التي لا تؤمن إلا بالحسابات والمعادلات الرياضية والقوانين الفيزيائية.

وأنتم ترون للأسف ـ مع أننا في الطور الثالث في سلم الترقي البشري إلا أننا لا نزال نرى من لا يزال متخلفا لم يتطور.. بل بقي في الطور الإلهي ذلك الطور الذي يفر من الحقائق العلمية، ليفسر بما يتوهمه من الغيب الذي لا يخضع للحواس ولا للتجارب ولا لأي منهج من المناهج العلمية المعتبرة.

بعد أن انتهى أوجست من حديثه، قام عالم آخر، وراح يصفق بشدة، ثم قال: شكرا جزيلا صديقي العزيز أوجست على هذه الضربة القاضية التي سددتها لهذا التفكير الخرافي الذي ظللنا نسمعه منذ الصباح الباكر.. لقد تصورت نفسي قد خرجنا من كوكب الأرض، وأنا أسمع هؤلاء العلماء الذين طرحوا ثياب العلم، ليستبدلوها بثياب رجال الدين..

واسمعني جيدا، واسمعوني أيضا، فأنا [موريس] سمي ذلك الفيلسوف العبقري [موريس شليك] مؤسس [الفلسفة الوضعية المنطقية] أو [التجريبية العلمية]، أو [التجريبية المنطقية]، أو [التجريبية الحديثة]، والتي أعتبرها البنت الشرعية للفلسفة الوضعية التي أسسها أوغست كونت..

هذه الفلسفة تبناها كبار العلماء والفلاسفة في العصر الحديث من أمثال رودولف كارتاب، وبرتراند راسل.. وغيرهما.

إن هذه الفلسفة صديقي العزيز، وأيها الحضور الكرام هي وحدها من يخلصنا من ربقة الخرافات الدينية.. وتلك الأوهام الغيبية التي لا وجود لها إلا في أذهان المؤمنين بها..

ذلك أن أبرز ما تطرحه هو تأكيدها أن معرفتنا عن العالم تأتي عن طريق (التجربة) وحدها، وأن الفلسفة تقوم بالتحليل المنطقي، شأنها شأن بقية العلوم، معتمدين في ذلك على المنطق الرياضي أو الرمزي.

لقد نادى [برتراند رسل]، وهو من كبار أبناء هذه الفلسفة بإمكانية إرجاع جميع المفاهيم الرياضية إلى علاقات تقوم بين الأعداد الطبيعية.. وأن هذه العلاقات ذات طبيعة منطقية بحتة.. ونتيجة لذلك افترض أنه يمكن استنباط الرياضيات كلها من المنطق.

قام، وقال: لقد نادى هؤلاء العباقرة جميعا إلى تخليص العلم من الميتافيزيقيا.. ودعوا بدل ذلك إلى إثبات أن العلاقة بين السبب والمسبب ليست سوى علاقة ارتباط في التجربة، لا علاقة ضرورة عقلية.

***

جلس [موريس]، فقام عالم آخر، وقال: شكرا جزيلا صديقي العزيز [موريس].. واسمح لي أن أعقب على كلامك وكلام سميك بما ذكره سميي الفيزيائي وعالم الفضاء [مارسيلو جليسر]، الذي قال ساخرا من هوكينج: (ادعاء الوصول لنظرية نهائية يتنافى مع أساسيات وأبجديات الفيزياء والعلم التجريبي وتجميع البيانات، فنحن ليس لدينا الأدوات لقياس الطبيعة ككل فلا يمكننا ابدا أن نكون متاكدين من وصولنا لنظرية نهائية وستظل هناك دائما فرصة للمفاجآت كما تعلمنا من تاريخ الفيزياء مرات ومرات. وأراها ادعاء باطل أن نتخيل أن البشر يمكن أن يصلوا لشيء كهذا..أعتقد أن على هوكينج أن يدع الله وشأنه)

ثم تقدم من أوجست، وراح يقول له: هذه الحقيقة التي نطق بها [مارسيلو جليسر] هي الحقيقة التي يدل عليها كل شيء.. فكل النظريات المادية التي قدمها ديموقريطس وهوبز والسلوكيون، وكل النظريات المثالية الصرف التي تعطي هذا الكون تفسيرا معنويا خالصاً مثلما قدمه ليبنتز وبيركلي وهيجل..

كل هذه النظريات لا تعدو أن تكون مجرد افتراضات تقوم على التخمين، ولا تستند إلى أي أساس من الوجهة التجريبية.. ولابد لأي فلسفة تحاول أن تفسر الطبيعة والكون من أن تختبر أولا لمعرفة مدى قدرتها على تفسير سائر أنواع الحقائق والعوامل والعناصر التي يتألف منها هذا الكون أو تظهر فيه.

ثم تقدم من صديقه [موريس]، وقال: لاشك أن العلوم حقائق مختبرة، ولكنها مع ذلك تتأثر بخيال الإنسان وأوهامه ومدى بعده عن الدقة في ملاحظاته وأوصافه واستنتاجاته.. ونتائج العلوم مقبولة داخل هذه الحدود. فهي بذلك مقصورة على الميادين الكمية في الوصف والتنبؤ، وهي تبدأ بالاحتمالات وتنتهي بالاحتمالات كذلك، وليس باليقين.

وبذلك فإن نتائج العلوم تقريبية وعرضة للأخطاء المحتملة في القياس والمقارنات، ونتائجها اجتهادية وقابلة للتعديل بالإضافة والحذف، وليست نهائية.. فنحن نرى العالم عندما يصل إلى قانون أو نظرية يقول: إن هذا هو ما وصلنا إليه حتى الآن، ويترك الباب مفتوحا لما قد يستجد من التعديلات.

ثم تقدم من عالم آخر، وقال: لاشك أنك معي في كون العلوم تبدأ بقضايا أو بديهيات مسلم بصحتها برغم أنها لا تستند أساسا على حقيقة فيزيائية ملموسة.. وعلى ذلك فإن العلوم تقوم على أساس فلسفي.. والخبرة الشخصية في العلوم كما في الفلسفة والدين هي المحك النهائي والملاذ الأخير الذي تختبر به جميع الحقائق في العلوم كما في الفلسفة والدين.

***

جلس [مارسيلو]، فقام عالم آخر، وقال: شكرا جزيلا صديقي العزيز [مارسيلو].. واسمح لي أن أعقب على كلامك وكلام سميك بما ذكره سميي الفيزيائي [بيتر ويت] الذي قال منتقدا هوكينج: (لست من أنصار إدخال الحديث عن الله في الفيزياء لكن إذا كان هوكينج مصرا على دخول معركة الدين والعلم فما يحيرني هو إستخدامه لسلاح مشكوك في صلاحيته أو فاعليته مثل نظريتة)

بناء على هذه المقولة فإني أحب أن أتوجه للعلماء الحاضرين معنا عن المنهج العلمي الذي دعا إلى الكثير من النظريات الحديثة.. والتي تريد أن تفسر الكون بعيدا عن الله.. ليحدثونا بما عهدنا فيهم من صدق وموضوعية عن مدى ارتباط هذه النظريات بالمنهج العلمي، وهل يمكن أن يختلط بها التخمين والخيال والفلسفة والتفكير الرغبوي والمزاجي؟

قام الفيلسوف الذي كان يدافع عن قدم العالم، وقال([1]): لست أدري ما أقول في هذا المجلس الذي لم أتشرف بالجلوس مثله في حياتي.. بل لم أكن أتوقع أن يكون هناك ناس بمثل هذا الأدب وهذا العلم مع هذه البساطة.

وبناء على هذا، وبناء على ما سمعته منكم، فإني أقر بين أيديكم، وبعد بحث طويل كنت أتستر عليه أن الفيزياء اليوم، هي وما ارتبط بها من علوم تحاول تفسير الكون أو الحياة، لم تبق لها تلك الصفة العلمية التجريبية المطلقة، بل راحت تتدخل فيما لا يعنيها، لا باستعمال المناهج العلمية، وإنما باستعمال الخيال والتخمين، مما جعل السمة الميتافيزيقية بادية عليها، وهو الأمر الذي ولّد نظاماً جديداً يُطلق عليه [النظام التخميني الميتافيزيائي]

قال بيتر: إن ما تقوله خطير.. فلماذا تطرح أمثال تلك النظريات باعتبارها نظريات علمية، لم لا تطرح باعتبارها رؤى فلسفية؟.. أليس في ذلك تلبيسا على الناس؟

قال الفيلسوف: عندما نستقرئ الواقع الفيزيائي الحديث نجد نزعتين واضحتين.. إحداهما تجريبية تقوم على عنصرين في فهم العلاقات الكونية، هما: الملاحظة والتجربة من جهة، وبناء القوانين والنظريات القابلة للاختبار والفحص من جهة ثانية.. أما النزعة الأخرى فتحمل أبعاداً ميتافيزيقية.

قال بيتر: هل يعني هذا أن هناك نظريات فيزيائية لا يملك أصحابها أي دليل علمي عليها سوى رؤيتهم الفلسفية؟

قال الفيلسوف: أجل.. فقد مال الفيزيائيون إلى طرح أفكار مجردة وبعيدة وخطيرة دون أن يملكوا عليها دليلاً واحدا؛ ولم يكن لهم من حجة في قبولها سوى عدم اصطدامها مع قوانين الفيزياء..

قال بيتر: ولكن هل تقبل مثل هذه النظريات التي لم تثبت من الناحية العلمية؟

قال الفيلسوف: أجل.. هي مقبولة ومرحب بها لدى الاوساط العلمية، رغم أنه من الصعب اختبارها.. ولذلك أصبح من الصعب التفريق بين العلم والفلسفة من هذه الناحية، إذ صار العلم كالفلسفة غير قابل للاختبار.

قال بيتر: لكن كيف يكون ذلك، مع أنني أعلم أن الفلاسفة خلال مطلع القرن العشرين كانوا يكدحون ليحاكوا علماء الطبيعة، ويجعلوا نظرياتهم دقيقة كتلك التي يُعتمد عليها في العلم؟

قال الفيلسوف: أجل.. كان ذلك كذلك.. ولكن الحال انعكس في نهاية هذا القرن، إذ صار العلماء هم من أخذوا يحاكون الفلاسفة في طريقتهم التجريدية غير القابلة للاختبار، فأصبحت الفلسفة هي المثل الأعلى في البحث بعد ما كان العلم التجريبي يعكس هذا المثل.

قام عالم آخر، وقال: صدق صديقي الفيلسوف فيما طرحه من اختلاط الفيزياء وغيرها من العلوم بالفلسفة.. وأنا أقول هذا كفيزيائي.. وأقوله أيضا لأني اكتشفت الحقيقة التي كنت أتجاهلها أو أهرب منها بتلك التخمينات والخيالات والحيل التي كنت أخادع بها نفسي وتلاميذي.

قال بيتر: فهلا ضربت لنا أمثلة على تلك النظريات التي لبست فيها الفيزياء لباس الفلسفة، وتخلت عن منهجيتها العلمية الصارمة.

قال العالم: الأمثلة على ذلك كثيرة، وكلها تسعى لنفي احتمال كون الله هو الخالق.. أي نفي احتمال وجود قوة خارجية وراء انبثاق الكون والنظام والغائية المودعة فيه.

ومن أمثلة ذلك نظرية الفيزيائي [جوث] خلال الثمانينات في التضخم الكوني، فوفقاً لها أنه خلال جزء ضئيل جداً من الثانية تضخم الكون وتضاعف بشكل عظيم.. وبحسب هذه النظرية فإن أي كون كمي جديد يتكون كتموجات فراغية يبدأ بحجم صغير للغاية، فيتمدد خلال طرفة عين الى حجم كحجم الكون الحالي، كالفقاعة.. ويحتمل الفيزيائي جريبين أنه قد يكون الكون وكل شيء فيه عبارة عن تموجات فراغية تسمح لتجمعات الجسيمات أن تندفع بشدة من لا شيء، وتعيش لفترة ثم يعاد امتصاصها ثانية داخل الفراغ..

وهذه النظرية تتسق مع اعتبار الكون مغلقاً يتمدد، ثم يعود ليتقلص ويختفي.. وقد ظهرت هذه الفكرة التي تريد أن تهرب من الله بداية السبعينات.. ثم قدّم [ترايون] عام 1973 بحثاً مطوراً اعتبر فيه فكرة الانفجار العظيم تموجات فراغية.. ثم ظهرت نسخة جديدة جدية بعد عشر سنوات حول الموضوع، وهي النسخة المتعلقة بافتراضات [جوث]

قام عالم آخر، وقال: صدق صديقاي.. لقد صار الكثير منا معشر الفيزيائيين والفلكيين نمارس أنواعا كثيرة من التضليل تحت شعارات البحث العلمي.. وإلا فما علاقة البحث العلمي بكيفية نشأة الكون، وما جدواه العملية، ولم نوليه كل ذلك الاهتمام؟

وصراحة أقول لكم: إن الكثير من تلك النظريات أرادت أن تسد الثغرة التي فتحها ما نسميه الانفجار العظيم وبداية الكون، وهو ما طرح التساؤلات الكثيرة حول صاحب الانفجار، وصاحب التنظيم والإبداع الذي حصل بسببه.

سكت قليلا، ثم قال: من الأمثلة على ذلك نظرية [الكون الدوري]، والتي راحت ـ في سبيل إنقاذ الإلحاد ـ تتجاهل القانون الثاني للديناميكا الحرارية، والذي يتطلب إعادة ضبط الأنتروبيا في كل كون متكون جديد، لأن درجة الأنتروبيا تزداد مع كل كون، وبالتالي تصير درجة الحرارة لا نهائية طالما كان الإنكماش والانفجار لا نهائي.

قام عالم آخر، وقال: صدقت.. وأحب أن أضيف إلى ما ذكرته من أمثلة ما اقترحه الفيزيائي الروسي [اندريه ليند] من أن ظروف التمدد التضخمي قد تكررت مرات ومرات في مناطق منعزلة منتشرة في الكون مؤدية إلى عوالم جديدة منفصلة ضمن شبكة كونية لا نهائية، بحيث تتوالد ذاتياً..

فقد نقد ليند الحالة غير المستقرة لبداية الانتفاخ الكوني لدى جوث، واستبدل النظرية بتضخم مستمر دون نهاية، فهو يرى أن التضخم لم يتوقف مفعوله منذ بدأ، هذا إن كان له بداية فعلية، والمرجح بحسب ليند أن التضخم لم يكن له بداية ولا نهاية، فهو تضخم دائم بفعل التذبذبات الكمومية المستمرة، فمن منطقة لأخرى تفعل هذه التذبذبات فعلها العشوائي وفقاً لمبدأ [هايزنبرغ] في عدم اليقين والتحديد، وهكذا باستمرار. فالأكوان الانتفاخية تتخلق طوال الوقت من داخل الأكوان الموجودة من قبل، وبعد أن تتخلق فإنها سرعان ما تنمو كبرعم ينفصل ثم إنها تلد أكواناً خاصة بها، وهكذا تتولد فقاعات كونية قابلة للتضخم باستمرار دون انقطاع.

ويرى أنه قد تدخل بعض الأكوان ضمن هذا السيناريو في طور التقلص، ومن ثم الانسحاق والاختفاء، أو يتخافت التضخم شبيهاً بما تحدثت عنه نسخة جوث الاصلية، واحياناً قليلة يزداد فعل التضخم في بعض المناطق والفقاعات نتيجة تعاظم التذبذبات العشوائية، ومن الجائز إمكان وجود نوع من الشفرة الوراثية تسبب أن تكون الأكوان المتولدة شبيهة بآبائها، كما يمكن أن تكون هناك طفرات وراثية أيضاً، وقد يكون كوننا طافراً من كون آخر يحمل قوانيناً فيزيائية مختلفة.

قال بيتر: إن ما ذكرته عن هذا الفيزيائي عجيب.. فكيف استطاع أن يثبت كل هذه القضايا المعقدة الصعبة؟

ضحك العالم، وقال: هو لم يثبتها علميا.. هو تخيلها فقط.. وإن شئت الصدق فهو نقلها عن الفلاسفة القدماء، وخاصة أصحاب المدرسة الإشراقية، من أن النظام الكلي والنوعي للعالم الدنيوي يبقى دائم التواصل دون بداية ولا نهاية رغم أن الأفراد تنتهي وتزول.. ففي نظرية [التضخم الكوني] نرى أن الأكوان تذهب وتنتهي هنا وهناك، لكنها تولد ما يبقي حالة الفعل التضخمي دون انتهاء، فنحن أمام حمام من الفقاعات التي لا تنتهي ولا تموت، كما هو وصف الفيزيائي ليونارد ساسكند.

قام عالم آخر، وقال: صدق أصدقائي فيما ذكروه.. وسأدلي بشهادتي كما أدلوا.. فلا شيء أجمل من الحقيقة.. لقد كنت صديق [سمولين]، وكنت معه حين راح يتخيل، ويتخيل ليرمي العالم بعد ذلك بنظريته التي تنص على أن ظروف الانفجار العظيم تتشابه مع مراكز الثقوب السوداء، وعليه اقترح أن كل ثقب أسود هو نواة لعالم جديد يخرج للوجود عبر انفجار هائل، لكنه محتجب عن أنظارنا للأبد من خلال أفق حدث الثقب الأسود.. كما أدخل هذا الفيزيائي عنصراً جديداً هو صورة كونية من التطفر الجيني.. واقترح أنه لو تصورنا عالماً يتبرعم من لب ثقب، فإن خواصه الفيزيائية مثل كتلة الجسيمات وشدة القوى ستكون قريبة لكنها ليست مثل تلك الموجودة في العالم الذي جاء منه.. وستؤدي التغيرات الطفيفة في مؤشرات الأكوان الوليدة الى ايجاد عوالم جديدة يصبح بعضها اكثر موائمة لانتاج الثقوب السوداء مقارنة باصلها، ومن ثم ستعطي عوالم وليدة أخرى وهكذا.

قام عالم آخر، وقال: لقد ملأني أصدقائي الذين أعتز بهم بالحماسة لأدلي بشهادتي كما أدلوا.. فلا شيء أجمل من الحقيقة.. أنا أيضا كنت صديقا لـ [غاسبريني وفينيتسيانو]، وهو من دعاة نظرية الأوتار الفائقة ـ والتي تنص على أنه قد يكون هناك عالم لا نهائي في فضاء سابق على بداية كوننا هذا، أو في عصر ما قبل الانفجار العظيم، وقد وصف الكون في تلك المرحلة بأن العالم بدأ أساساً بارداً ولا نهائياً في الفضاء ولم يكن شديد السخونة، كما كان مجعداً بشدة، وقد تعرض هذا العالم لعدم ثبات؛ دافعاً كل نقطة في الكون إلى التباعد بعضها عن البعض الآخر بسرعة كبيرة، وسبّب هذا الحال تحدباً أكثر للفضاء مما أدى إلى زيادة هائلة في الحرارة وطاقة الكثافة.. وبعد بعض الوقت تكونت منطقة ثلاثية الأبعاد في حجم ملمتر داخل هذا المدى الشاسع مثل كتلة كثيفة ساخنة جداً ومنبثقة من تمدد جوث التضخمي.

التفت للحضور، وهو يضحك، ثم قال: هل سمعتم مقدار الخيال الذي تحمله هذه النظرية.. إنها غير القابلة للاختبار أصلا.. ومع ذلك يطلق عليها نظرية علمية..

قال بيتر: كيف لا يمكن اختبارها؟

قال العالم: ذلك أن لها خواص عجيبة، فهي إما أن تكون لا نهائية الطول عبر الكون، أو تكون ذات حلقات مقفلة، وأن الوتر اللانهائي الطول يمكنه أن يشغل من الفراغ إذا تكور بأقل من حجم الذرة، وأن وزنه يساوي وزن كوكبة فائقة من عدة كوكبات مجرية.. ورغم هذه الكتلة المهولة لا يمارس الوتر أي قوة جاذبية على الأشياء المجاورة، إذ مثلما له ثقالة هائلة فإن له في الوقت ذاته قوة ضغط معادلة أو جاذبية مضادة.

قام عالم آخر، وقال: صدق أصدقائي.. وأنا سأدلي بشهادتي كما أدلوا، فلا شيء أجمل من الحقيقة مهما كلف القول بها من ثمن.. لقد كنت أرغم نفسي على الاعتقاد بنظرية [الثقوب الدودية] التي خمّنها العالم الفلكي الألماني [كارل شوارتزتشيلد] اعتماداً على النسبية العامة لاينشتاين.. مع كونها لا تحمل أي مصداقية علمية.. ذلك أنه حتى لو كانت معادلات أينشتاين لا تمانع من وجودها، لكنها لا تدل على وجودها بالفعل..

لقد كان ويلر هو من اقترح بأن الكون كله قد يكون واقعاً في ثقب أسود عملاق.. ووفقاً للفيزيائي فينمان فإنه يمكن السفر في الماضي أو المستقبل عبر هذه الثقوب، فعلى مستوى جسيمة مفردة يمكن أن تتحرك إلى الامام في الزمن ويكافؤها تحرك جسيمة مضادة الى الخلف في الماضي.. وبحسب ستيفن هوكينج فإن كوننا مليء بأعداد فلكية من الثقوب الدودية التي تتناوب الدخول إلى الوجود والخروج منه على نحو متصل، وهي في غاية الصغر بحيث لا يمكن ملاحظتها، والجسيمات التي تصنع عالمنا تتساقط باستمرار في هذه الثقوب غير المرئية، ويحل محلها في الوقت ذاته جسيمات من أكوان اخرى، دون أن نحس بها، ففي كل حين يحدث أن أحد الجسيمات – كالالكترون مثلاً – يختفي من كوننا لداخل ثقب دودي، في الوقت الذي يخرج من هذا الثقب جسم مماثل يأتي من كون آخر.

ضحك بصوت عال، ثم قال: ألا ترون أن هذه النظرية التي لا يمكن إثباتها علميا أبدا تشبه أفلام الخيال العلمي.. إنها مجرد افترضات وخيالات.. ولهذا وصف بعض الفيزيائيين الثقوب الدودية التي يمكن استخدامها للسفر في المكان والزمان وتجاوز العوالم المشهودة بأنها أشبه بروايات الخيال أكثر مما تكون علمية، سيما أنها أول ما ظهرت في رواية خيال علمي، وليس في مجلة علمية.

قام عالم آخر، وقال: صدق أصدقائي.. وأريد أن أضيف إلى ما قالوا أنه ربما يكون لروايات الخيال العلمي دور كبير في أمثال هذه النظريات.. وربما يكن قد شجعهم على هذا أن هذه الروايات تتحقق أحياناً، ومن ذلك روايات أدب الخيال العلمي للأديب الفرنسي المشهور [جول فيرن]، فقد كان يصف أجهزة للغوص تحت الماء أو فوق الأرض أو الهبوط على القمر وما الى ذلك مما تحقق فعله فيما بعد.

***

بعد أن انتهى العلماء من أحاديثهم، قام أحدهم، وقال: شكرا على المعلومات القيمة التي ذكرتموها، والتي تؤكد مدى المزاجية التي تحكم بعض العلماء، حين يجعلون من العلم وسيلة لدحض الحقائق التي يدل عليها كل شيء.

وقبل أن أذكر لكم وجهة نظري الخاصة، والتي قد تختلفون معي فيها، وأنا أيضا قد أختلف مع نفسي فيها، ولكن الذي دعاني إلى طرحها هو الرد على تلك الخيلاء التي يتصور بها البعض أنهم قد وصلوا الحقائق، بينهما هم لم يصلوا إلى شيء.

 أحب أن أذكر لكم أن أستاذي فيها هو سميي [ليونارد سسكايند] أبو نظرية الأوتار الفائقة، وأستاذ الفيزياء النظرية بجامعة ستافورد، والذي كان في بداية أمره مُلحدا، لكن بعد أبحاثه الأخيرة أعترف أنه يستحيل أن ينشأ الكون إلا من خلال تصميم ذكي وتَرك الإلحاد جانبـا، وهو يدافع الآن بكل قوة عن ضرورة وجود إله.

وقد كتب في ذلك كتابه [حرب الثقب الأسود: معركتي مع ستيفن هوكينج من أجل جعل العالم أكثر أمانا مع ميكانيكا الكم]، والذي انتقد فيه بشدة طروحات ستيفن هوكينج الإلحادية.

والنظرية التي أثبتها أستاذي وسميي هي ما يطلق عليه [الهولوغرام الكوني]، وأول ما ظهرت سنة 1982 على يدي الفيزيائي الفرنسي [آلين أسبكت] الذي قام بتجربة لم يهتم لها الفيزيائيون حينها.. لكن تبين فيما بعد أنها ربما تغير أسس معرفتنا بالكون إلى الأبد، حيث لاحظ آلين أسبكت وفريقه أن الجزيئات تحت الذرية مثل الالكترونات تستطيع لحظيا أن تتواصل فيما بينها بغض النظر عن المسافات الفاصلة بينها، هل هي عشرة أمتار أو عشر سنوات ضوئية، أي أن المعلومة تسافر أسرع من الضوء بكثير، وهذا مستحيل بحسب النظرية النسبية العامة لأينشتاين التي ترى استحالة كسر حاجز سرعة الضوء.

لكن التجربة التي قام [آلين أسبكت] فعلت ذلك، ولذلك أثارت اهتمام كثير من الباحثين، حتى قال الفيزيائي [بازيل هيلي] من جامعة لندن: (إننا بعد أبحاث [أسبكت] علينا أن نكون مستعدين لمفاجآت كبرى بخصوص نظرتنا للحقيقة)

وقد حصل ذلك بالفعل، فبعد اطلاع الفيزيائي الشهير [ديفيد بوهم] التلميذ النجيب لألبرت أينشتاين، وأحد أشهرعلماء ميكانيكا الكم في العالم بعد اطلاعه على أبحاث [آلين أسبكت] أثبت أنه من خلال ميكانيكا الكم نستطيع أن نتأكد أننا مُحاطون بهولوغرام كوني مدهش وعملاق من خلاله فحسب تستطيع الجُزيئات تحت الذرية أن تتواصل فيما بينها لحظيـا وآنيـا.. فمجموعتنا الشمسية مُحاطة بهولوغرام كوني عملاق.. والمجرات حولنا مجرد هولوغرام..

وحديثا قام الفيزيائي [رافائيل بوزو] بطرح فكرته التي تعتبر الأفلاك والمجرات الأخرى أشبه ما يكون بظلال لمجرتنا، وما داخل مجرتنا أشبه ما يكون بظلال لمجموعتنا الشمسية.

قام رجل من القوم: هلا وضحت لنا ما تريد بالهولوغرام لنفهم ما تقصد.

قال ليونارد: الهولوغرام مجرد صورة شبحية أشبه بصورة ليزرية ثلاثية الأبعاد.. ولكي تصنع هولوغراما لمُجسم عليك أولا أن تُمرر شعاعا من الليزر نحو المُجسم، ثم يأتي شُعاع آخر ليخترق الضوء المنعكس من المجسم، وفي مكان تداخل الشُعاعين يتم التقاط الصورة، وبمجرد تسليط شعاع ليزر ثالث على الصورة المُلتقطة يتكون لدينا صورة طبق الأصل من المجسم الأول، لكنها مجرد صورة نورانية إشعاعية ثلاثية الأبعاد مطابقة للمجسم الأول.. وهذه الصورة هي الهولوغرام..

لكن هذا ليس كل ما في الأمر، فالمدهش في الهولوغرام أنك لو صنعت هولوغرام لوردة ما، ثم قطعت الصورة الهولوغرامية إلى نصفين، وقمت بتسليط الليزر على أي من النصفين، فإنه سيعطي الصورة كاملة، ولو قسمناها مرة أخرى للربع أو الثمن فستظل القصاصة الصغيرة من الصورة مهما صغرت محتفظة بالمعلومة الكلية عن الصورة كاملة، وتستطيع استحضارها بمجرد تسليط الليزر عليها.

قال الرجل: هل يقصد صاحبك ومن معه من العلماء أن هذه الأفلاك والمجرات التي يرصدها الفلكيون منذ فجر التاريخ ليست سوى مجرد هولوغرام عملاق.. أي أنها مجرد شبح كاذب.

قال ليونارد: أجل.. إنه يرى أن النجوم العملاقة في جو السماء لا تعدو أن تكون مصابيح؟

قال الرجل: كيف هذا؟.. إن هذا مستحيل.

قال ليونارد: لقد كان [ستيفن هوكينج] قد طرح منذ زمن أطروحة تذكر أن المعلومات التي تصل إلى الثقب الأسود ستفنى للأبد عندما يتبخر الثقب الأسود، وأكد ذلك بمعادلاته الرياضية.. وقد قال في كتابه [تاريخ أكثر إيجازا للزمن]: (الكون متماثل بالفعل في كل الإتجاهات تقريبا بشرط ملاحظته على المستوى الأكبر بالنسبة للمسافات بين المجرات، وعندما يتم توجيه مجسات دقيقة إلى الكون في أي اتجاه في أي يوم من أيام السنة فإنك ستحصل على نفس مستوى الضجيج، مع العلم أنه بدوران الأرض حول الشمس فإن اتجاه المجسات يخترق كل زوايا الكون، وبالفعل فقد حصل العالمان بنزياس وويلسون على جائزة نوبل للفيزياء في تجربة تطبيقية مماثلة وهو تجربة إثبات الأشعة الميكروية الناتجة عن ابتعاد كل المجرات عنا بنفس مستوى الإزاحة في جميع الإتجاهات بالنسبة للمسافات بين المجرات.. وللوهلة الأولى فإن كل هذه الدلائل على أن العالم يبدو متماثلا في جميع الاتجاهات قد تؤدي إلى فكرة أن موقعنا في العالم له مزية خاصة، وعلى وجه الخصوص قد يبدو أننا في مركز العالم إذا اكتشفنا أن كل المجرات تتحرك مبتعدة عنا لكن هذه الفرضية لا يمكن اثباتها أو نفيها)

وفي عام 2008 أرسل [كريج هوجان] العالم المتخصص بمفاعل [فرمي لاب] الشهير تبنؤا علميا يذكر أنه إذا كان الهولوغرام حقيقة علمية، فسوف نكتشف مع الوقت هروب جزيئات الجاذبية من كوننا المادي، وسيصحب ذلك حدوث ضوضاء وتلألأ ليزري مدهش.. وهذا ما حدث بالفعل، ففي 15 يناير 2009 ذكرت مجلة [النيو سينتست] الأمريكية المتخصصة خبرا مفاده أن جلبة وضوضاء حدثت داخل مفاعل جيو600أثناء هروب جزيئات الجاذبية خارج كوننا المادي المعروف، وصرح كاريج هوجان أن هذا الحدث يؤكد على المبدأ الهولوغرامي.. وأن الهولوغرام صار ذا سند علمي محترم، وأن كوننا محاط بالهولوغرام والأفلاك حولنا ليست سوى هولوغرام عملاق..

قال ذلك، ثم التفت لزملائه من العلماء، وقال: أنا لست متأكد من حقيقة هذه النظرية ومدى صدقها، ولكني ذكرتها فقط لأبين أن العلم البشري مهما تطور، فسيبقى محاطا بألغاز كثيرة، وغيب كثير.. ولذلك من العجلة أن نحكم على الكون من خلال معارفنا البسيطة المحدودة.

***

بعد أن انتهى [ليونارد] من الحديث، قام رجل من أهل البلدة، وقال: أشكر السادة العلماء على ما تفضلوا به من الشهادات الصادقة، التي تدل على مدى سمو أخلاقهم، فأول صفات العالم صدقه وتواضعه وموضوعيته وأمانته.

وأحب أن أذكر لكم أنه على الرغم ممّا ينسبه الماديون إلى الموحّدين من أقوال سقيمة، فإنّ الموحّدين يحترمون آراء علماء الطبيعة، ويثقون فيها بشرط ألا تخرج عن مجالها.. ومجال العالم محدود بما تكشفه له المخابر والمعامل والمعادلات الصادقة التي لا تخترق حجب الغيب، ولا تتدخل فيها لا قدرة لها فيه.

ولهذا أحب أن أذكر لكم أن المنهج الإيماني، والمنهج العلمي أخوان شقيقان، لا عدوان لدودان.. ذلك أنه لو كان هناك انفصال تام بين المنهجين، بحيث لا يكون المرء عالما حتى يكون ملحدا، لكان في ذلك نوع من المصداقية للقائلين بارتباط العلم بالإلحاد.. لكنا على عكس ذلك نجد كبار العلماء، وعلى مدار التاريخ استطاعوا أن يجمعوا بين العلم والإيمان، وذلك دليل على أن العلم لا يتناقض مع الإيمان.

وبناء على هذا، فإني أريد من السادة العلماء أن يدلوا بشهاداتهم في هذا المجال، ويخبرونا عن مدى التناقض الذي يزعمه الملاحدة بين العلم والإيمان.

قام الفليسوف، وقال: بما أن الفلسفة أم العلوم، فأذنوا لي واستجابة لهذا الطلب الكريم أن أذكر أني رأيت كثيرا من الملاحدة يستندون في إنكارهم للخالق إلى الفلسفة والمنطق، ويحاولون أن يظهروا بمظهر الباحثين والمفكرين، بينما الأمر خلاف ذلك، أو كما قال بعضهم: (القليل من الفلسفة يبعد عن الله، لكن الكثير منها يرد إلى الله)

ولهذا فإن إيمان أكثر فلاسفة الدنيا، وأكبرهم، وأعرقهم، مما لا يجادل فيه أحد.. فقد قال أفلاطون: (إن العالم آية في الجمال والنظام، ولا يمكن أن يكون هذا نتيجة علل اتفاقية، بل هو صنع عاقل، توخى الخير، ورتب كل شيء عن قصد وحكمة)

وقال ديكارت: (إني مع شعوري بنقص في ذاتي، أحس في الوقت نفسه بوجود ذات كاملة، وأراني مضطرا إلى اعتقادي؛ لأن الشعور قد غرسته في ذاتي تلك الذات الكاملة المتحلية بجميع صفات الكمال؛ وهي الله)

وقال: (أنا موجود فمن أوجدني ومن خلقني؟ إنني لم أخلق نفسي، فلا بد لي من خالق. وهذا الخالق لا بد أن يكون واجب الوجود، وغير مفتقر إلى من يوجده، أو يحفظ له وجوده، ولا بد أن يكون متصفا بكل صفات الجمال. وهذا الخالق هو الله بارئ كل شيء)

وقال أناكساغورس، وهو أحد فلاسفة اليونان الأوائل: (من المستحيل على قوة عمياء، أن تبدع هذا الجمال، وهذا النظام اللذين يتجليان في هذا العالم، لأن القوة العمياء لا تنتج إلا الفوضى، فالذي يحرك المادة هو عقل رشيد، بصير حكيم)

وقال باسكال: (إن إدراكنا لوجود الله، هو من الإدراكات الأولية، التي لا تحتاج إلى جدل البراهين العقلية، فإنه كان يمكن أن لا أكون، لو كانت أمي ماتت قبل أن أولد حيا، فلست إذا كائنا واجب الوجود، ولست دائما ولا نهائيا، فلا بد من كائن واجب الوجود، دائم لا نهائي، يعتمد عليه وجودي، وهو الله الذي ندرك وجوده إدراكا أوليا، بدون أن نتورط في جدل البراهين العقلية، ولكن على الذين لم يقدر لهم هذا الإيمان القلبي أن يسعوا للوصول إليه بعقولهم)

أما فلاسفة المسلمين، فكلهم مؤمنون موحدون، لا يجادل في إيمانهم إلا أولئك المتطرفون الذين انحرفوا بالأديان، وملأوها تشويها.

بعد أن انتهى الفيلسوف من حديثه قام أحد العلماء، وقال: وهكذا رحت أبحث أنا أيضا عن العلماء في مجال اختصاصي.. أي في علوم المادة.. فوجدت أكثرهم من المؤمنين بالله..

فالعالم البولندي الكبير [نيكولاس كوبرنيكوس] ذلك الذي قلب مفاهيم علم الفلك التي كانت سائدة في زمانه رأسا على عقب لم يمنعه ذلك، ولم يمنعه خلافه مع رجال الدين أن يصرح عن إيمانه بالله.. ومن أقواله في ذلك: (على العالم أن يطلب الحقيقة في كل شيء، إلى المدى الذي يؤهله له المنطق الذي منحه الله إياه)

ومثله قال الفلكي والفيلسوف والفيزيائي الكبير [غاليليو]: (لست مضطرا إلى الاعتقاد أن الله الذي منحنا موهبة الحواس والمنطق والحكمة، هو نفسه يدعونا إلى التخلي عن كل ذلك)

ومثلهما قال الكيميائي والفيلسوف والمخترع الإيرلندي [روبرت بويل] الذي يعتبر من أعظم علماء الكيمياء في القرن السابع عشر، بل إنه يعرف بأنه أبو الكيمياء: (عندما أتأمل الكواكب والنجوم بواسطة التلسكوب، وأتبين الإبداع الفذ الذي لا يضاهى في دقائق الصنعة بواسطة المايكروسكوب، وأقرأ كتاب الطبيعة في مختبرات الكيمياء، أجد نفسي تهتف دائما دون شعور: كم هو بديع صنعك يا إلهي، إنها حكمتك التي أبدعت كل شيء)

ومثلهم جميعا قال رائد العلماء في عصور النهضة، بل ربما في كل العصور، العالم الإنجليزي الغني عن التعريف [إسحق نيوتن] متحدثا عن كتابه [برينسيبا ماثيماتيكا] الذي يعد من أعظم الكتب العلمية التي ألفها البشر وأكثرها تأثيرا في مسار التطور العلمي، ولا سيما في الفيزياء: (لقد كتبت هذا الكتاب وأنا أضع نصب عيني أن يكون سبيلا إلى مساعدة الناس على أن يؤمنوا بالله المعبود، ولن يسعدني شيء أكثر من تحقيق هذه الغاية)، ومن أقواله المأثورة: (يكفي أن أنظر لإبهامي حتى أكون مؤمنا بالله)

ومثلهم جميعا قال البروفيسور [ستانلي جاكي] في كتابه [طريق العلم والمسير إلى الله]: (لطالما كان العلم هو الوسيلة التي تتم بها دراسة حكمة الله)

قام عالم آخر، وقال: لا يقتصر الأمر على علماء عصر النهضة الذي ذكرهم زميلي، بل إنه ينطبق على أكثر العلماء العظام في كل العصور، ومن أمثلتهم العالم الكبير [ألبرت آينشتاين]، صاحب النظرية النسبية، الذي عبر عن غرضه من أبحاثه، وأنها لا تتنافى مع الإيمان بالله، فقال: (أريد أن أكتشف كيف خلق الله الكون، لست مهتما بهذه الظاهرة أو تلك، أو بتأثير هذا العنصر أو ذاك، أريد أن أعرف حكمته، والباقي مجرد تفاصيل)، ومن أقواله المأثورة في تأكيده لعظمة الكون ونظامه الدقيق المعجز: (إن الله لا يلعب النرد)

ومثله قال العالم الكبير [ماكس بلانك] الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لتوصله إلى نظرية فيزياء الكم: (لا غنى للعلم ولا للدين عن الإيمان بالله، أما بالنسبة للدين، فالإيمان بالله هو البداية والأساس، وأما بالنسبة للعلم، فالإيمان بالله هو نتيجة كل الأبحاث، هو النهاية التي نتوج بها نظرتنا العامة للكون)

ومثلهما قال العالم الأميركي فرانسيس كولينز، مدير أحد أعظم المشاريع العلمية في القرن الحادي والعشرين، مشروع خريطة الجينوم البشري: (إن الله الذي نعرفه في الإنجيل هو نفسه الله الذي نعرفه في الجينات، ويمكن أن نعبده في الكنائس كما يمكن أن نعبده في المختبرات، إن مخلوقاته عظيمة وبديعة ومحكمة التعقيد، وفوق ذلك جميلة)

قال آخر: صدقتم.. وما حصل في التاريخ من صراع بين رجال العلم أو الفلسفة ورجال الدين لم يكن صراعا حول وجود الله، وإنما كان صراعا حول فهم دين الله.. فليس بين الإيمان والعلم أي صراع.

***

بعد أن انتهى العلماء من ذكر شهاداتهم، قام رجل من أهل القرية، وقال: بناء على ما ذكرتم سادتي الأفاضل، فإني أحب أن ذكر لكم أساسا مهما من أسس لخلاف بين بين الرؤيتين الكونيتين، الرؤية الإيمانية التوحيدية، والرؤية الإلحادية.. أو الرؤية التي تفسر نشوء الكون على أساس (الخلق)، والرؤية التي تفسره على أساس (الصدفة)، أو غيرها من المعاني التي تقوم على عدم وجود الإله..

وهذا الأساس هو أن نظرية الخلق.. أو النظرية الإيمانية.. تعتمد أساسا على الإيمان بوجود خالق، هو الذي أحدث الوجود بكامله، وهي النظرية التي يستند إليها الإسلام والمسيحية واليهودية، بل كل الديانات السماوية والوضعية.. مع اختلافات شديدة بينهم في صفة الإله.. ولكنهم متفقون في وجوده، وقد قال القرآن الكريم يذكر اتحاد المسلمين مع أهل الكتاب في وجود الإله، وإن اختلفوا في صفاته: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46]

بينما تعتمد نظرية الإلحاد بأسمائها المختلفة، على الإيمان بانعدام وجود (إله) في هذا الكون، ومن ثم تفسر وجود كل صور المادة والطاقة والحياة وغيرها بأنها نتاج لبلايين من الصدف والأحداث العشوائية التي أدت لوجود هذا الكون بالشكل الذي نعرفه الآن.

وكما رأيتم، فإن الصراع الفلسفي والعلمي بين المساندين لكلتا النظريتين لايزال مستمرا منذ القديم، وخصوصا بعد النهضة العلمية الحديثة في نهاية القرن السابع عشر حتي يومنا هذا.

وأنا أرى من خلال ما ذكرتم أن السلاح الذي استعمله الإلحاد في الكثير من هذه الفترات هو تصور أنه وحده المحتكر للمنهج العلمي، وأن الإيمان لا علاقه له بالعلم، أو مناقض للعلم، وهذا غير صحيح مطلقا.. لأن التخمين والخيال والفلسفة والتفكير الرغبوي.. كل ذلك كان له تأثيره في أمثال تلك النظريات.. مثلما كان له تأثيره أيضا في بعض التصورات الدينية المخالفة للعقل والمنهج العلمي.

قال بعض العلماء: يمكنني أن أصدقك في كون التخمين والخيال قد اختلط بالإيمان، بل كان هو أساسه الذي قام عليه، لكني لا أوافقك في ارتباط ذلك بالمنهج العلمي.

قال الرجل: لا يمكنني الآن أن أعدد لك النظريات التي اختلط فيها العلم بالتخمين.. فربما أنتم أدرى مني بذلك.. ولكن الذي أعلمه أنه ابتداء من نظرية داروين للنشوء والإرتقاء وانتهاء بنظريتي الأكوان المتعددة والأوتار الفائقة اللتين كانتا من أهم نتائج التزاوج بين علم الفيزياء الكونية وعلم ميكانيكا الكوانتم، واللتين اعتبرهما العديد من الملحدين تفسيرا كافيا للوجود في مواجهة نظرية الخلق([2]).. كل هذه النظريات اعتمدت التخمين والتخيل اكثر من اعتمادها المنهج العلمي الدقيق الصارم.

قام عالم آخر، وقال: نحن نعرف النظريات التي ذكرت، ونقر بأن للفلسفة والخيال الدور الكبير في نشوئها.. لكن ما الرؤية الإيمانية في هذا الجانب، وهل يمكن تفسيرها علميا؟

قال الرجل: التفسير العلمي للرؤية الإيمانية بسيط جدا.. ذلك أن نظرية الخلق تقتضي ـ منطقيا وفلسفيا ـ كمال الخالق وإحكام سلطته علي الوجود.. وهذا الحتم المنطقي ينشأ أساسا من الإلمام بالطبيعة المحكمة والنظام المتناهي الدقة للكون، فحيثما تحقق هذا الإلمام كان الاعتقاد بكمال قدرة الخالق حتميا.

ثم التفت لبعض العلماء، وقال: لا شك أنك تعرف أن كثيرا من كبار العلماء في المجالات المختلفة سلموا بوجود الله، بل صرحوا بأنهم مؤمنون بالله؟

قال العالم: أجل.. هم كثير. ولكن ما علاقة ذلك بما نحن فيه؟

قال الرجل: إن هذا يعني أن الإيمان بالله لا علاقة له بكون صاحبه عالما أو غير عالم.. وإلا فكيف يكون كبار العلماء والفلاسفة والعباقرة مؤمنون؟

قال العالم: ما دمت قلت ذلك.. فسأذكر لك بكل صراحة ما قرأته عن كبار العلماء الذين تتلمذت على أيديهم أو على أبحاثهم.. فكلهم كانوا مؤمنين.. لقد قال البروفيسور [آرثر كومبتون] الحائز علي جائزة نوبل في الفيزياء: (ليس من الصعب علي أن أحمل هذا الإيمان، فإنه من غير الممكن الاختلاف على أنه حيثما وجد التخطيط، وجد الذكاء ـ كون منظم محكم يشهد بحقيقة أعظم كلمة علي الإطلاق (وفي البداية كان الله)

ومثله قال السير [إسحق نيوتن] في كتابه [الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية]: (بالرغم أن هذه الأجسام الكونية تستطيع البقاء في حركتها المدارية باتباعها لقوانين الجاذبية، ولكن من المستحيل أن تكون هذه الأجسام قد اكتسبت موضعها في هذه المدارات لأول مرة باتباعها لتلك القوانين.. النظام البالغ الجمال الذي يتكون من الشمس والكواكب والأقمار كان يمكنه الحدوث فقط من خلال القدرة والسلطة لكيان فائق القدرة والذكاء.. الإله).. وغيرهما كثير.

ثم التفت لزملائه، وقال([3]): صدق الرجل.. فالتفسيرات المادية التي نفسر بها الكون تقتضي عشوائية وفوضوية الوجود، ومن ثم عدم وجود أي سيطرة أو سلطة عليه، ولهذا نجد الكثير من علماء الفيزياء الكونية وميكانيكا الكوانتم قد اتجهوا منذ النصف الثاني من القرن العشرين إلى يومنا هذا لنظرة الفوضي لمحاولة إثبات العديد من نظرياتهم للهروب من الإيمان ومقتضياته.

قام عالم آخر، وقال: صدقت في هذا.. وأنا من واقع تجربتي وتخصصي رأيت التخبط الذي وقعت فيه الكثير من التصورات المادية للكون، وخاصة في تفسيرها للانبثاق الكوني، وللنظام المودع فيه، فهي لم تستطع أن تجيب في ظل تلك التصورات عن هذه الأسئلة الخطيرة: من أين أتى الكون بطاقته الرهيبة؟.. وكيف تشكّل النظام الدقيق وسط حرائق هذه الطاقة الضخمة وانفجاراتها النووية؟ وبعبارة أخرى: كيف تولد النظام من فوضى عارمة كما تصورها النظريات الفيزيائية؟ فما زال الفيزيائيون يسلمون بأن العشوائية هي الاصل السابق على النظام لا العكس.

وبما أنها لا تريد أن تجعل [الله الخالق المبدع] جوابا لهذه الأسئلة المهمة، كما تفعل الرؤية الإيمانية.. فقد راحت تتكهن وتتخيل، بل تستعمل كل أنواع الحيل لتتهرب من ذلك، وذلك باللجوء للتفسير الضمني لتلك الأسئلة، حتى تتخلص من الأصل الميتافيزيقي الخارجي.

ولهذا فإن أزمة الفيزياء المعاصرة قد تعاظمت بفعل هذه الافتراضات الضمنية، ما جعلها تتراوح في محلها لعدم وجود آلية مشتركة واضحة لعلاج أي من المشكلتين الآنفتي الذكر، وإنما هناك نظريات واقتراحات تزداد مع الوقت.

قال الرجل: صدقت وبورك فيك.. وبالإضافة إلى ما ذكرت، فإن هناك خلافا كبيرا بين الرؤية الإيمانية والإلحادية لتفسير الكون ونشأته ونظامه.. فبينما تجيب الرؤية الإيمانية إجابة واحدة على كل الإشكالات المرتبطة بذلك، وهي إرجاعها إلى الله الخالق.. نجد الرؤية الإلحادية تحاول أن تعالج كل مشكلة على حدة.

قال العالم: أجل.. ولهذا نرى نظريات كثيرة تفصل بين الإشكاليتين: إشكالية الانبثاق وإشكالية النظام.. فما إن يخمن بعضها في حل المشكلة الاولى، أي نشوء الكون.. حتى يقع في التخبط في حل الثانية، أي النظام المبدع فيه.. وهم يفعلون ذلك، وكأنه لا علاقة لإحدى المشكلتين بالأخرى، مع أنهما مرتبطتان معاً.

قال الرجل: صدقت.. وهذا كله بسبب الانحراف عن مقتضيات الفطرة السليمة والعقل الصحيح، فكلاهما يثبتان وجود خالق عظيم لهذا الكون.. فلا يتصور أن يكون هذا الكون بدقته العجيبة، وقوانينه البديعة، وصنعته المتقنة، أتى من انفجار عظيم دون أن يكون هناك إله وضع له هذه القوانين التي تحكمه.

قال العالم: ولهذا، فإن اعتبار الانفجار العظيم حصل (صدفة) ونشأ منه هذا الكون الذي يسير فيه كل شيء وفق نظام دقيق ومدار محدد ومقادير وأبعاد معينة يشبه قول القائل: (إنه يمكن تشكل قاموس ضخم مرتب ترتيبا هجائيا دقيقا حسب الأحرف نتيجة انفجار مطبعة)

قام آخر، وقال: ربما يقال بأن وجود المادة والطاقة والفراغ كاف لنشأة الكون.. لكن يقال لهم: فأين العلم والقدرة التي تخرجه إلى حيز الوجود؟.. وهل للكون مشيئة وإرادة واختيار؟.. سيقولون: لا، ولكنه مع ذلك خلق نفسه.. فيقال لهم: أي الفكرتين أقرب للعقل: كون فاقد الإرادة يخلق نفسه بنفسه، أم خالق أزلي عالم قادر خبير خلق الكون؟.. لا شك أن هذا أقرب للعقل من تصور كون محدث عديم الإرادة والمشيئة يخلق نفسه!

قال آخر: لعلكم تعرفون أن نظرية (هارتل ـ هوكينج)، ومثلها نظرية قفزة الكموم الكونية لعدد من الفيزيائيين من أهم الفروض التي سعت لعلاج الانبثاق الكوني ضمنياً.. فيما تعتبر نظريات التضخم أهم الفروض التي انشغلت بقضية النظام الكوني..

وفي حالات معينة قامت بعض الأطروحات بتقديم اقتراح يمكن توظيفه لعلاج المشكلتين معاً، ومن ذلك ما يتعلق بالأكوان المتعددة الناشئة من حدوث قفزات كونية باستمرار من دون انقطاع، حيث تعبر هذه القفزات عن الانبثاق الكوني ذاتياً من دون أسباب خارجية، كما أن حدوثها باستمرار يهيء الفرصة لخلق كون منظم وسط أكوان عشوائية متعددة بلا حصر.

وكل هذه النظريات لا يمكن إثباتها علميا، ولا تستند إلا لما يمكن تسميته عالم الإمكان، وهو عالم لا حدود له.. ويستطيع المرء أن يتخيل فيه ما يشاء.. بل يستطيع أن يستند في تخيله إلى الكثير من العمليات الرياضية المعقدة.. لكن كل ذلك قد يعني أن صاحبها عبقري وذكي، ولكنه لا يعني أبدا أنه أصاب الحقيقة.

قال الرجل: ولهذا فإن الرؤية الإيمانية مع اجتهادها في البحث عن الحقائق الكونية إلا أنها لا تلقي اهتماما كبيرا لكيفية نشوء الكون، ولا لسر النظام فيه.. ذلك أن الحادث عندنا يحتاج إلى محدث.. والنظام يحتاج إلى منظم.. وقد قال لنا ربنا، وهو يحذرنا من الاهتمام بما لا نستطيع إدراكه أو الوصول إلى حقيقته: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} [الكهف: 51]

قام بعض العلماء، وقال: بحسب الرؤية الإيمانية إذن يحرم البحث في نشأة الكون.

قال الرجل: أنا لم أقل هذا، وقرآننا لم يقل هذا.. ولكنه نهانا أن نؤكد شيئا لم نتأكد، أو نبحث فيما ليس لنا قدرة عليه.. أما البحث في كيفية بداية الكون.. فهو بحث عن الله.. لأن الله هو الذي بدأ هذا الكون، وهو الذي أمر بنشوئه من غير أن تكون لنا القدرة على فهم ذلك.. ولذلك فنحن ننكر مصطلح [الانفجار]، فمصطلحنا هو [الخلق].. فالخلق يدل على النظام والغائية والقصد.. والانفجار يدل على الفوضى والعشوائية والعبث.. وانظروا للكون هل ترون فيه أي عبث أو أي فوضى أو نشاز.

لقد قال لنا ربنا في ذلك: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)} [الملك: 3، 4]

***

قام رجل آخر من أهل البلدة، وقلا: اسمحوا لي أن أضيف لما قال أخي وما قاله علماؤنا المحترمون أنني رأيت من خلال طروحات الملاحدة، وموقفهم من الرؤية الإيمانية توهمهم أنها تنفي الرؤية العلمية، وأن من يؤمن بالله عليه أن يترك البحث في الأسباب، وبالتالي يتعطل العلم، وتتعطل المعرفة، وهذا مفهوم خاطئ جرهم إليه سوء معرفتهم بالله، وبمقتضيات الإيمان به.

فالإيمان بقدرة الله المطلقة على الخلق لا تنفى الوسائط، والنصوص المقدسة الكثيرة تخبرنا بترتب الأسباب على بعضها، فقد جعل تعالى المطر سببا لإنبات النبات، كما قال تعالى:{ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} (البقرة: 164)، وبذلك فإن البحث في أسباب المطر لا ينافي الإيمان بالله.. بل إنه من دواعي الإيمان بالله.. فالله يأمرنا بالنظر في خلقه، للاعتبار والاستثمار.

وهكذا نرى القرآن الكريم يذكر عن ذي القرنين مراعاته للأسباب، وكيف استطاع بها أن يطور تقنيات كثيرة استفادت بها الشعوب التي حكمها، أو خدمها، قال تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرض فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)} [الكهف: 92 – 97]

وبهذا فإن الرؤية الإيمانية التوحيدية لا تستدعي تعطيل البحث العلمي، بل تؤمن به، وتبحث فيه، ولكنها لا تعتبر السبب العلمي هو السبب الأول والأخير، بل ترى أن لهذا العالم إلها هو مصدر وجوده، وهو واضع كل قوانينه، وأن بيده تدبير الأمر كله..

فالتعرف على الله الذي هو جوهر الدين وأصله وغايته وموضوعه يحتاج إلى العلم، قال الله تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إله إِلَّا اللَّهُ }(محمد:19)

ولهذا كان أول أمر من أوامر هذا الدين هو قوله تعالى: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (العلق:1)، ثم كرر هذا الأمر في قوله تعالى: { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} (العلق:3)

بل جعل الله تعالى وظيفة الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ هي وظيفة المعلمين، قال تعالى ممتنا على هذه الأمة: { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (آل عمران:164)

وأخبر أن كل الأنبياء جاءوا أقوامهم بالبينات، وهي العلوم الواضحات التي قويت أدلتها، قال تعالى: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} (ابراهيم:9)

بل إن القرآن الكريم فوق ذلك كله أخبر عن مزية الإنسان التي أهلته للخلافة في الأرض، وأهلته للتكريم الرباني، فقال تعالى وهو يقص قصة بداية خلق الإنسان: { وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} (البقرة:31 ـ 33)

ولهذا فإننا نجد في القرآن الكريم الأسلوب البرهاني والحجة والجدال الحسن والاستقراء والمقارنة والتمحيص استنادًا إلى المعطيات الحسية الخارجية وضرب الأمثال إلى غير ذلك من الأساليب العلمية.

ومن الأمثلة على ذلك الدعوة إلى استعمال المنهج التجريبي والمدارك الحسية للبحث في حقائق الكون، مثلما ورد في قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأرض فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [العنكبوت: 20]، فهذه الآية الكريمة تدعونا إلى استعمال مداركنا الحسية للبحث في الحقائق الكونية والعبور منها إلى الحقائق الغيبية.

بل إن الله تعالى أخبرنا أن النخبة من البشر، وهم الأنبياء، وسائط الهداية بين الله وخلقه، استعملوا هذا النوع من البحث والنظر، قال تعالى: { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } [الأنعام: 75]، وأخبرنا عن تطلعه للتعرف على حقائق الأشياء، وكيفية عملها، وأنه لا حرج على الإنسان في البحث فيها، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260]

وبذلك فإن البحث العلمي عن نشأة الكون وتاريخه وتطوره لا حرج فيه.. ولكن الحرج في تصور أن إدراك الكيفية ينفي العلية.. أو أن إدراك الكيفية ينفي الحاجة إلى الصانع المدبر.

التفت لبعض العلماء، وقال: أنا أعلم أنك مخترع كبير، وقد صممت الكثير من الأجهزة التي انتفعت بها البشرية، وشكرتك البشرية على ذلك.. بل وهبتك مالا كثيرا وجاها عريضا.. فهل تقبل أن يأتي أحد من الناس فيفكك بعض اختراعاتك ليكتشف من خلالها آلية عملها، والقوانين التي تحكمها.. ثم يزعم أنه بعد معرفته بذلك لا حاجه لأن تنسب إليك.. لأن المادة والقوانين هي المصممة والمخترعة، ولست أنت؟

سكت العالم، فقال الرجل: هكذا رحتم يا معاشر العلماء المحترمين تتعاملون مع صنعة الله.. فبدل أن تؤديكم اكتشافاتكم لبديع الصنعة إلى التعرف على البديع الذي صنعها رحتم تلغونه، وتتوهمون أنكم بمعرفة القوانين أمكنكم أن تعدموا مقننها.

***

بعد أن انتهى الرجل من حديثه، قام آخر، وقال: تعقيبا لما ذكره أخي، وما ذكره علماءؤنا المحترمون أحب أن أذكر لهم أن الرؤية الإيمانية لم تكتف بتوجيهنا إلى البحث العلمي للتعرف على حقائق الكون، والاستفادة منها، والعبور منها إلى الله.. بل راحت تعطينا الكثير من الإشارات التي توجهنا وتصحح مسارنا البحثي.

ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في القرآن الكريم من كيفية خلق الكون، مثل قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ } [الأنبياء: 30]، وقد ذكر المفسرون في تفسيرها (أي: كان الجميع متصلا بعضه ببعض متلاصقا متراكما بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه)

التفت للحضور، وقال: قارنوا بين التعبير القرآني عن نشأة الكون والتعبير المادي لتروا الفرق الكبير بين الرؤيتين الإيمانية والمادية.

فالمادية تعبر عن بداية الكون بكونها (انفجارا)، وهو كما تعلمون لا يفيد إلا الفوضى، فلا يمكن للانفجار أن يكون منظماً أبداً.. بينما الكلمات التي استخدمها القرآن الكريم كلمات واقعية: (الرتق) و(الفتق)، فالنسيج الكوني كان رتقاً ففتقه الله تعالى بقدرته.

فكلتا الكلمتين تشيران إلى وجود النظام في الكون منذ بداية الخلق، وليس كما يذكر العلم المادي بأن الكتلة الابتدائية التي خُلِق منها الكون كانت تعجّ بالفوضى.

وهكذا نجد القرآن الكريم يحدثنا عن توسع الكون، واستمراره في التوسع، قال تعالى:{ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } (الذريات:47)

ثم التفت لبعض العلماء، وقال: أنت تعرف العربية جيدا.. فهل ترى في هذه الآية تناقضا مع الحقائق العلمية التي بذلت البشرية جهدا كبيرا للوصول إليها؟

قال: أجل.. أعرفها جيدا.. وما قرأته أحسن تعبيره عما نسميه نحن (تمدد الكون).. فالكون في الحقيقة لا يتمدد.. وهو كذلك لا يتوسع بأكمله، بل الذي يتوسع هو المكان بين المجرات، فالمجرات عندما تتباعد بسرعات مذهلة لا يتوسع حجمها، ولا تكبر النجوم فيها، بل هذه المجرات تسير موسِّعة المكان من حولها.

ولهذا كنت أقول دائما لزملائي: لابد أن نستخدم مصطلحاً جديداً بدل (اتساع الكون)، هو (اتساع المكان).. ولكن هذا المصطلح أيضا غير دقيق، ذلك لأنه لا يوجد فضاء كما كان يُظن في الماضي.. بل إن كل جزء من أجزاء الكون مملوء بالمادة والطاقة، وهذا ما كشفه العلماء حديثاً وقرروه بعد اكتشافهم المادة المظلمة منذ سنوات قليلة.

وقد ظللت محتارا في المصطلح الذي يعبر عن هذه الظاهرة حتى نطقت به الآن.. فالذي يتمدد هو السماء.. لذلك، فالمصطلح المعبر عن الظاهرة هو (اتساع السماء)، والسماء تعني المكان بين النجوم والمجرات، وهي تحيط بها من كل جانب، وهذا المكان (السماء) ليس فارغاً بل هو مملوء بالمادة والطاقة والمادة المظلمة والطاقة المظلمة.. وهو الذي يتمدد ويتّسع باستمرار.

قال ذلك، ثم تساءل بينه وبين نفسه: لكن كيف عرف كتابكم المقدس هذه الحقيقة العظيمة؟.. وكيف عبر عنها بهذه الدقة؟

لكنه عاد، فقال: أحيانا تأتي المصادفات بالعجائب..

قال الرجل: وهكذا يحدثنا القرآن عن النهاية التي سينتهي الكون.. قال تعالى: { يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}(الأنبياء: 104)، فالله تعالى يخاطب عباده في هذه الآية، ويقول لهم: انتظروا يوماً ينطوي فيه الكون بسماواته وأرضه تماماً كما يطوي الكاتب الصحف والكتب ليعود الكون بالانسحاق العظيم إلى حيث بدأ.. وهي بذلك تشير إلى ما ذكرتموه من أن توسع الكون سيستمر إلى مرحلة لن يعود فيها قادراً على التوسع بعدها، وفي تلك الحالة، وعندما يصل الكون إلى نقطة حرجة في توسعه، وتنفذ طاقته يبدأ بالانطواء على نفسه، ويعود من حيث بدأ.

قال العالم: عجبا لما ذكره كتابكم.. فهذا ليس مجرد تخمين نظري.. بل لدينا شواهد عليه.. فهناك مجرات تبعد عنا بلايين السنين.. حصل لها التفاف وانطواء على نفسها.. وهذا الانطواء صورة مصغرة لانطواء الكون على نفسه.

قال الرجل: أنا لم أرد من هذه النماذج أن أبين لكم مدى دقة القرآن الكريم في الحديث عن الحقائق العلمية، فلذلك محل آخر، وإنما أردت أن أبين لكم عدم تناقض الرؤية الإيمانية مع الرؤية العلمية في البحث عن حقائق الوجود، وإن كانت تختلف عنها في تفسيرها.

فالرؤية الإيمانية تنسب الأفعال لصاحبها.. فالله تعالى هو الذي شاء بإرادته وقدرته أن يبرز الكون فأبرزه.. {كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } [الأنبياء: 30].. {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47].. بينما الرؤية المادية تعتبر كل حركة من تلك الحركات الممتلئة بالنظام والدقة حركات عشوائية لا علاقة لها بصانع، ولا مدبر، ولا حكيم، ولا خبير.

***

بعد أن انتهى الرجل من حديثه، قام آخر، وقال: لقد لاحظت من خلال أطروحات الملاحدة المتعلقة بنشأة الكون، أو بتنظيمه أنها تتصور أنه لايمكن أن تؤمن بالله حتى تراه، وهو يقوم بالخلق.. بل تتصور أن الله له طبيعة مادية مثل سائر الأشياء.. بل إن بعضهم راح يكرر كل حين مقولته: (لماذا لم نر الله جهرة، وهل يمكن تصور موجود لا يرى بالعين المجردة؟ لماذا لم نر أثرا من الخالق في المختبرات، إننا لم نشاهد في عالمنا هذا سوى المادة)

وهؤلاء لا يمكن اعتبارهم يفكرون بطريقة علمية صحيحة، بل هم يفكرون بهذه الطريقة نتيجية إلفهم للقضايا المادية والعلوم الطبيعية، ولهذا توهموا أن الوجود لا يكون وجودا إلا إذا كان مرتبطا بالمادة، أو كان له صورة مادية، فيكون له بذلك لون وشكل، أو حدود زمانية ومكانية.

التفت للحضور من العلماء، وقال: وأنا أسأل هؤلاء العلماء المحترمين الذين لا يزالون ينكرون وجود الله بدعوى العلم والمنهج العلمي: هل استطعتم بعقولكم الجبارة أن تسيروا في كل أرجاء هذا الكون الوسيع، وبعده تم تحققكم بأن كل ما في هذا الكون أساسه مادي؟

وهل انتهى علمكم إلى أن كل موجود لا بد له من بعد زماني أو مكاني، أو أنه لابد أن يتصف بلون أو شكل؟

وهل أن جوابكم للسؤال الملقى قطعي بالعدم، أم أنه ملازم لقولكم لست أدري ولست أعلم.. أم أن الذي حققتموه كان ينحصر في عالم الماديات فقط، ولن تستطيعوا أن تشاهدوا سواه أو تلمسوا غيره، وبذلك يستقر رأيكم بعدم الاطلاع سواء في إثباته أو عدمه؟

سكت الجميع، فقال: أظن أنكم.. بل نحن جميعا قد بالغنا كثيرا في تصور قدراتنا على استكناه أسرار الوجود.. فالإنسان بما أحرزه من تقدم في العلوم الطبيعية لا يزال عاجزا عن فهم وإدراك أبسط المواضيع في علم الأحياء، وهي الخلايا وما تشتمل عليه من صفات وعناصر.. فكيف يستطيع أن ينفي كل موجود عدا المادة والطاقة؟

وما دام الأمر كذلك، فكيف يتطلع إلى التعرف على ذاته وحقيقته التي لا يمكن إدراكها مطلقا.. لأن ذات الله تختلف عن خلقه.. ونحن لا نعرف من ذوات الأشياء إلا ما له علاقة بنا؟

قالوا: فكيف نعرف الله إذن ما دامت عقولنا قاصرة عن معرفته؟

قال: هي قاصرة عن تصوره، لا عن تعقله.. لأن التصور خيال.. والخيال ابن للمدركات الحسية، ويستحيل على الله أن يخضع للمدركات، لأنه حينئذ سيكون من جنسها.

قالوا: فما المجال المسموح لعقولنا به إذن؟

قال: إذا تتبعنا الحقائق المطلقة وجدناها لا تقتصر على الماديات فقط.. بل إن الوجود أوسع بكثير من كل تصوراتنا المحدودة.. نعم باستطاعتنا إدراك الألوان والأوزان بحواسنا هذه، أو بمساعدة المجهر.. لكن هناك أشياء كثيرة لا نستطيع أن نشاهدها أو نلمسها أو أن نحس بها بحواسنا هذه، سواء أكانت مجردة أو مجهزة.. بل إن العقل يعترف بوجودها قطعا دون تردد.. وعن طريق الأدلة والبراهين العقلية يؤمن بوجودها في عالم الغيب.

قالوا: فهلا ضربت لنا مثالا على ذلك.

قال: هذه عقولكم أمامكم.. هل يمكن لأي طبيب أو باحث أو مخبر أن يدلكم على مكانها.. نعم هم يعرفون آثارها على وعيكم وتفكيركم، لكنهم لم يشاهدوا العقل أبدا، ولم يلمسوه، ولم يروا لونه..

بل إننا في محيطنا المادي نعتقد بأمور لا تخضع لحاسة السمع أو البصر، ولا تستطيع المختبرات الكيمياوية تجربتها وفهم كنهها وماهيتها، ولسنا بقادرين على أن نضع لها قواعد معينة، أو معادلات رياضية خاصة كالعواطف والإحساسات الفردية.. فهل يمكننا أن نزن العواطف الداخلية من حب ومودة وفرح وغضب وغيرها من الحالات النفسية التي لا نستطيع رؤيتها حتى لو استخدمنا لهذا الغرض أقوى مجهر في العالم.

فالوجه المبتسم دليل على انشراح وابتهاج صاحبه وما يلازمه من حالات نفسية أخرى، وكذلك العكس عندما يكون الشخص كئيبا، فهما أثران من حالتي الفرح والحزن. ولا يمكننا التعرف على هذه الحالات وغيرها بالمقاييس المادية.

وهل باستطاعتنا أن نعبر عن (التفكير) بمعادلة كيمياوية، أو أن نقدر طوله وعرضه ومن ثم وزنه وحجمه.. وهل نستطيع أن نعين لونه وشكله وما هو مقدار تأثيره، وجهة سرعته بالمقاييس المتعارفة.. فعليه يستحيل أن نعبر عن التفكير البشري ـ والذي يعتبر من مقومات البشر ـ بإحدى الوسائل الفيزيائية أو المعادلات الرياضية.

وقياسا على هذا، فإن العالم غير المادي يمتاز بلغة غير التي يختص بها العالم المادي، والوسائل الموضوعة لمعرفة خصائص المادة عاجزة عن استكشاف ماهية العالم غير المادي.. وهكذا.. بل أعظم منه.. ينبغي التعامل مع الله تعالى.. فالله تعالى الخالق العظيم أعظم من أن يكون مشابها لخلقه، أو تسري عليه قوانين خلقه.

قام بعض العلماء، وقال: صدقت.. فنحن في مجالنا العلمي نعتقد بالكثير من الأشياء التي لا تخضع للرؤية أو اللمس، فمما هو ثابت في علم الفيزياء أن أصل الألوان وأساسها في عالمنا هذا لا يتجاوز السبعة ألوان، تبدأ باللون الأحمر، وتنتهي باللون البنفسجي، وهناك مجموعة من الألوان لا نستطيع رؤيتها والتي تسمى بالأشعة ما وراء الحمراء مثلا أو ما وراء البنفسجي، فهي ثابتة ومتفق عليها لدى العلماء، ولا يستطيع أحد انكارها لعدم رؤيته لها، مع أننا لم نكتشفها إلا بعد التطور التقني الذي حصل في هذا المجال، ولو أننا لم نتطور فيه لما وصلنا إلى ذلك.

ومثل ذلك تعاملنا مع الأمواج الصوتية.. فالذي نستطيع إدراكه تتراوح ذبذباته بين 32 ذبذبة في الثانية إلى 36 ألف ذبذبة في الثانية، وإذا كانت الذبذبات المنبثقة من مصدر الصوت خارجة عن هذين الحدين فهو مما يستحيل على الأذن المجردة أن تميزها.

وهكذا الحال مع الضوء، فإننا ندرك أمواجا ضوئية معينة (بين 458 مليار ذبذبة في الثانية إلى 727 ألف مليار ذبذبة في الثانية) فالضوء الذي عدد ذبذباته خارجة عن هذين العددين لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.

ثم التفت لزملائه، وقال: إن الغرض من استعراض هذه المسائل التي تعرفونها جميعا، هو إبطال ذلك الوهم الذي كنا نتعلق به لنجادل في الله، وفي وجوده مع أن كل الآثار تدل عليه.

قام عالم آخر، وقال: لقد ذكرني حديثك هذا عن صفات الله، بما قاله إسحق نيوتن، وهو من هو في علمه وفضله.. فقد راح يصف الله بحسب ما دل عليه العقل.. وهو لا يختلف عن الصورة التي رسمها لنا الشيخ.. لقد قال: (هذا الموجود يحكم كل الأشياء ليس كروح لهذا العالم، ولكن كسيد فوق الجميع، وبسبب سيادته يجب أن يدعى بإلإله السيد، أو الحاكم الكوني. حيث أن كلمة الإله كلمة نسبية بالنسبة للعبيد، والألوهية هي سلطان الله ليس على نفسه كما يتصور أولئك الذين ربهم الخيالي بأنه روح العالم بل على عبيده.. وهذا الإله الأسمى أبدي ولا نهائي، وتام الكمال، فالموجود مهما كان تاما بدون سلطان لا يمكن أن يدعى بالإله السيد)

وقال: (ومن هذا السلطان الحقيقي لله يترتب أن يكون الإله الحقيقي موجودا حيا وخبيرا وقويا، ومن كمالاته الأخرى أنه الأسمى أو الأعلى.. إنه أبدي ولانهائي.. موجود في كل مكان.. قادر على كل شيء.. أي أن حياته تمتد من الأزل إلى الأبد.. ووجوده من ما لانهائية إلى ما لانهاية.. وهو يحكم جميع الأشياء.. ويعلم كل الأشياء التي كانت وستكون.. إنه ليس الأبدية أو اللانهائية بل هو الأبدي اللانهائي.. وإنه ليس الزمان أو المكان بل هو الباقي والحاضر.. فهو الباقي إلى الأبد.. وهو موجود في كل مكان.. وبوجوده دائما وفي كل مكان فهو خالق المكان والزمان.. والله هو نفسه دائما وفي كل مكان وهو موجود في كل مكان)

ويصفه بكل ما تدل عليه مصنوعاته من دلائل الإبداع والعظمة، فيقول: (وفيه توجد وتتحرك كل الأشياء دون أن يؤثر أحدهما على الآخر.. فالله لا يعاني من حركة الأجسام.. والأجسام لا تواجه مقاومة من وجود الله في كل مكان.. ولذلك أيضا هو كل التماثل كل البصر كل السمع كل العقل كل الأيدي كل القوة للإدراك والفهم والفعل، ولكن بشكل ليس أبدا كالبشر أو الأجسام، بل بشكل غير معروفا لنا كليا.. وكما أن الأعمى ليس ليه أي فكرة عن الألوان فنحن كذلك ليس لدينا أي فكرة عن الطريقة التي يدرك ويفهم بها الله الحكيم الأشياء.. هو كليا يخلوا من الأجسام والأشكال المجسمة، ولهذا لا يمكن أن يرى أو يسمع أو يلمس ولا ينبغي أن يعبد من خلال التشبيه لأي شيء مجسم)

***

جلسوا، فقام رجل من أهل البلدة، وقال: اسمحوا لي أن أذكر لكم ـ سادتي الأفاضل ـ أنه بناء على ما ذكرتم في أحاديثكم العلمية الشيقة، وما ذكرتموه من رؤى ونظريات.. بأن الموقف الإيماني لا يقف موقفا سلبيا مطلقا من كل تلك الافتراضات التي وضعها العلماء لتصور حقيقة الكون وبدايته، من أمثال الأكوان المتعددة والأكوان الموازية أو المتوازية والفرغ الكوني وغير ذلك.. بل هو يقف سلبيا معها فقط في إنكارها لله.

ولهذا فإننا لا نرى فيما يسمى [نظرية كل شيء].. أو القوة التي تحكم كل القوى، أي حرج علمي في قبولها إن ثبتت.. ذلك أننا نرى أنها حينها تصب في بحر أدلة الإيمان الواسعة، فكون الكون جميعا محكوما بقوة واحدة دليل على وحدة الصانع المدبر الخالق.. وهذا ما يؤيد الرؤية التوحيدية الإيمانية في وجه الرؤية الوثنية التي تدعي تقاسم الصنعة بين آلهة متعددة.

بالإضافة إلى هذا، فإن الرؤية الإيمانية التي تسلم بوجود الله، وبكونه الخالق لكل شيء، ليست ضيقة محصورة في أي نظام من النظم أو قانون من القوانين.. لأن الله العظيم الذي صمم هذا الكون البديع يمكن أن يصمم غيره بقوانين أخرى.. وبما شاء من حكمته.. وبذلك فإن الرؤية الإيمانية لا تختلف مع كل الافتراضات العلمية في أصل الفرضية، ولكن تختلف معهم في منبعها.

فالرؤية الإلحادية تنطلق من وضع تلك الافتراضات حتى تتهرب من الإيمان بالله ومقتضياته.. ولذلك تفترض عددا لا نهائيا من الأكوان حتى تصل إلى كون مثالي كالذي نعيش فيه.. وقد ذكرتم أن ذلك مستحيل.

والرؤية الإيمانية لا ترى بأسا في أن تكون هناك أكوان متعددة، أو عوالم متعددة، تحكم كل منها قوانين خاصة، بل لا ترى بأسا في وجود عوالم أخرى وسط العالم الذي نعيش فيه.. ولكنها تعتبر كل العوالم المتعددة أو الموازية عوالم لا تختلف عن عالمنا في دقتها وانتظامها وسننها، وإنما تختلف عنه في صورتها ووظيفتها وغايتها ونحو ذلك.

لقد ذكر قرآننا هذا، بل أثبته، ففي أول سورة من القرآن الكريم، يقول الله تعالى: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، والعالمين تشير إلى وجود عوالم متعددة، لكل عالم قانونه وخصائصه التي تميزه عن غيره.

بل إن الله تعالى ذكر لنا بعض تلك العوالم، فقال: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، وفي نفس الوقت قال: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} [الصافات: 6]

وهذا يشير إلى أن كل ما نراه في الكون المرئي ليس سوى السماء الدنيا.. وهناك سموات أخرى.. وكل ذلك من العلم المتاح لنا.. أما حقيقة الأمر، فهي أكبر بكثير.. فالله هو الخلاق المبدع الذي لا يحاط به.

ومثل هذا وجود عوالم أخرى داخل عالمنا، لا نتمكن أن ندركها بحواسنا، لأنها من عالم مختلف عن عالمنا.. فقد حدثنا القرآن الكريم عنها، وقال: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)} [الحاقة: 38، 39]

وقال عن الشيطان، وهو من عالم لا يخضع لقوانين عالمنا: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27]

وهكذا أخبر عن الملائكة المتواجدين معنا، والذين لا يمكننا أن نراهم، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22)} [الفرقان: 21، 22]

قام بعض العلماء، وقال: ألست ترى أنك بهذا تريد أن تقضي على العلم، وعلى كل قوانينه؟

قال الرجل: لم؟

قال العالم: لأنك إذا قلت ذلك، فهذا يعني أن علم الفيزياء الذي نعرفه لن تبقى له علاقة مع تلك العوالم الجديدة؟

قال الرجل: أجل.. من هذه الناحية كلامك صحيح.. وقد أشار إليه القرآن الكريم، فقد قال تعالى واصفا كل علومنا الدنيوية: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 6، 7]، فقد أثبت الله تعالى للبشر علوما في حدود العالم الذي يعيشون فيه أما العوالم الأخرى، فلا شأن لهم بها، ولا يمكنهم أن يعرفوا قوانينها، لأنه ليس لديهم أدوات التعرف عليها.

بل إن القرآن الكريم أشار إلى أن هناك قوانين كثيرة في هذا العالم لم ندركها بعد ولم نستثمرها.. وضرب لنا المثل على ذلك بسليمان عليه السلام، وكيف استطاع أن يسخر الكثير من القوى التي لا نستطيع تسخيرها.

قال العالم: إن ما تقوله خرافة.

قال الرجل: ألا ترى أننا لو ذكرنا لأهل القرون السالفة اختراعات عصرنا ووصفناها لهم قبل أن يروها.. هل يمكن أن يصدقوا؟

سكت العالم، فقال الرجل: سأضرب لكم مثالا يقرب لعقولكم هذا.. لا شك أنكم تعرفون أديسون.. وتذكرون أن له الكثير من الاختراعات.

قال أحد العلماء: أجل.. فقد أسهم أديسون في تطوير كاميرات السينما، وأسهم في اختراع التليفون، خصوصًا أنه هو الذي اخترع الكربون الذي ينقل الصوت، كما أسهم في اختراع أجهزة التلغراف والآلة الكاتبة، واختراع البطاريات الجافة والميكروفونات.. ومن اكتشافاته أنه أثبت إمكانية تحرك الكهرباء في داخل فراغ بين سلكين غير متصلين، وقد أدى هذا الاكتشاف إلى اختراع اللمبات الكهربية المفرغة تمامًا، ووضع أساس صناعة الالكترونيات، وإبان الحرب العالمية الأولى اخترع نظاما لتوليد البنزين ومشتقاته من النباتات.. وفوق ذلك فقد سجل أكثر من 1000 براءة اختراع.. وهو عدد لا يصدقه العقل.

قال الرجل: بورك فيك.. فهل ترون كل اختراعاته مجدية، أم أن بعضها عبث ولغو ولا قيمة له ولا جدوى منه؟

قال العالم: لو كان بعضها كما ذكرت، فإنه لا يمكن تسجيله.. ولا ذكره في المخترعات.. بل إن أديسون الحريص على سمعته، لا يسمح لنفسه بأن ينشر اختراعا لا قيمه له، ولا جدوى منه.

قال الرجل: فهل ترون أديسون.. وهو مع ما أوتي من علم وذكاء محدود القوى.. هل ترونه أعقل من مبدع هذا العالم، فلا يرضى لنفسه أن يبدع ما لا جدوى له.. بينما ترتضون لمبدع العالم أن يخلق ما لا جدوى له؟

سكتوا، فقال: لقد ذكر ربنا هذا، فقال: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } [الملك: 3، 4]، وقال: {وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم: 8]

القوانين والغيب:

ما انتهى الرجل من حديثه حتى قام أوجست، وقال: أظن أنكم انتهيتم من تعقيباتكم على حديثي، وأنا لا يمكنني أن أرفض كل ما ذكرتم، فالكثير من ذلك صحيح.. ولكن المشكلة ليست في ذلك فقط.. المشكلة هي في تلك الخوارق التي يؤمن بها المؤمنون، والتي تصادم قوانين الطبيعة، والتي كانت السبب الأكبر في تخلف العلم.

ذلك أنه بدل أن يبحث العلماء عن حقيقة الظوهر الطبيعية، ويعالجوها معالجة علمية، راحوا يسندونها للغيب، ويتصورون أنها خوارق لا تعني مواجهة إلا مواجهة الرب وتصرفاته.

أنتم تعلمون([4]) أن المجتمعات البدائية كانت تعزي حدوث الظواهر ‏الطبيعية للآلهة، والتي كانت تتصرف بشكل عفوي، ولم يكن بالإمكان التنبؤ بتصرفاتها.. بل كان يعتقد أنه من الممكن من خلال العطايا والهبات ‏أن يؤمن جانب هذه الآلهة.

ثم بالتدريج لاحظ الناس نظاما في تصرفات الطبيعة، وكان هذا النظام ظاهرا بوضوح في حركة الأجسام الثقيلة في السماء، ومن هنا بدأ ‏العلم الأول، علم الفلك، ووضع نيوتن القواعد الرياضية لعلم الفلك، ومنذ ما يزيد على 300 عام ما زلنا نستخدم نظرية الجاذبية للتنبؤ ‏بحركات معظم الأجرام السماوية.

واقتداء بعلم الفلك وجد أن الظواهر الطبيعية تلتزم قوانين علمية صارمة، وهذا ما أدى إلى قوانين الحتمية العلمية و‏التي عبر عنها العبقري الكبير [لابلاس] من أنه إذا أعطيته سرعة وموقع كل الجسيمات في الكون، فإنه يستطيع أن يعطيك ‏تصرف أي جسم في الكون، وفي أي زمان.

التفت لأصدقائه من العلماء، وقال: أنا لا أحتاج للعودة لـ [لابلاس] لإثبات هذا، فيكفي أنكم تعرفون، بل يعرف العالم جميعا، وفي جميع العصور أن ارتفاع درجة حرارة المياه يؤدي إلى غليانها.. وأن جاذبية القمر تؤدي إلى ظاهرة المد الأرضية.. وهكذا كل سبب يؤدي إلى نتيجة بطريقة حتمية لا مناص له عنها.

وبذلك فإن الحتمية قانون يسري في كل شيء، وهو واقع تحت تأثير تسلسل منطقي سببي.. أو كما ينص أصحابنا على أنه إذا كانت الأشياء على حالة ما في لحظه ما، فإنها لم يكن لها في اللحظه السابقة، ولن يكون لها في اللحظه اللاحقة إلا حالة واحدة تلائم حالتها في تلك اللحظة المعينه.. وهذا ما نسميه نحن [قوانين الطبيعة]

ولهذا فإن القوانين الطبيعية كامنة في الأشياء، وساريه فيها دون حاجه إلى افتراض وجود إله أوقوي خارجية.. ولذلك لا نؤمن نحن الوضعيين والحسيين والطبيبعيين بوجود لحوادث عشوائية، ولا بوجود معجزه.. فكل شيء منظم ومقدر سلفا.. وكل شيء خاضع لقوانين الكون.

التفت لبعض المؤمنين من العلماء، وقال: حتى من تعتبرونهم من العلماء المؤمنين قالوا بهذا.. فقد بين نيوتن في كتابه[مبادئ الفلسفه الطبيعيه] أن قانون الجاذبية الذي توصل إليه قد فرضه الله على الطبيعة.. وأينشتاين هو صاحب المقولة الشهيرة: (إن الله لايلعب النرد)، وهي لا تعني سوى ما ذكرته من حتمية القوانين الطبيعية، وعدم حاجتها إلى الغيب.. ولذلك يستوي أن يكون الله موجودا أو غير موجود ما دام الكون لا يحتاج إليه.. أو لم يحتج إليه إلا في بداية تكوينه.

***

قال ذلك، وجلس، وقد تصور أنه ألقى بالقنبلة التي تقضي على كل ما ذكره العلماء من حقائق.. حينها قام الفيلسوف، قال: ليسمح لي صديقي العزيز أوجست أن أذكر له أن الفكرة القائلة أن حالة الكون في وقت ما تحدد حالته في كل الأوقات كانت هي العقيدة العلمية المركزية من أيام لابلاس.. وهي تتضمن ‏أنه بالإمكان التنبؤ بالمستقبل، من حيث المبدأ على الأقل.

لكن تلك العقيدة الممتلئة بالغرور، وبعد التطور العلمي لم يبق من العلماء من يؤمن بها، ذلك أنه لا يمكن من الناحية العملية التنبؤ بالمستقبل.. فهو مقيد بشكل كبير بتعقيد المعادلات الكثيرة الممتلئة بالتشويش والاختلاط.. وهذا يعني أن اضطرابا صغير في مكان، ما قد يحدث تغيرا كبيرا في مكان ‏آخر.. كما يعلم ذلك من شاهد فيلم [جوراسيك بارك].. فلو أن فراشة رفرفت، فقد يتسبب هذا في نزول المطر في [سنترال بارك] في نيويورك.. والمشكلة أن هذا الشيء لا يتكرر.. ففي المرة ‏التالية رفرفة هذه الفراشة نفسها ستتسبب في سلسلة أحداث مختلفة.. ولذا نجد أن التنبؤات الجوية لا يمكن الوثوق بها مطلقا.‏

وهذا يدعونا إلى البحث عن شيء نسميه نحن الفلاسفة [الإمكان العقلي].. فكم من إنسان يبني قصورا في الهواء لاعتقاده أن كل ما أجاز العقل وجوده سيتحقق على أرض الواقع.. وهذا غير صحيح.

فالإمكان الذهني يحدث بمجرد انتفاء الموانع وقيام الشروط التي يضعها كل من يفكر في تلك القضيه ولكن من أين له الجزم أنه أحاط بكل الشروط والموانع المتعلقة بتلك القضية المخصوصة.. كما أن كون الشيء ممكن الوجود ليس دليلا كافيا على أنه موجود بالفعل في العالم الخارجي.

قام عالم آخر، وقال: لقد ذكرني حديثك هذا ـ صديقي الفيلسوف ـ بالثقوب السوداء والثقوب الدودية.. فهي من أغرب المواضيع التي تدرسها الفيزياء الفلكية وعلم الكون.. وقد نشأ الاهتمام بها مع ظهور نظرية النسبية لأينشتاين..

فصفات وخصائص الثقوب السوداء من الغرابة بمكان، حيث أنها غيرت ما نعرفه عن مصداقية المفهوم، ذلك لأنها تمس جوهر مفاهيمنا للمكان والزمان.. وهي خصائص غريبة وشاذة ومخالفة للمألوف.. لذلك حاول بعض العلماء المتخصصين فيها تقديم تفاسير لسلوكياتها المتناقضة أحيانا رغم البساطة الظاهرية التي تبدو عليها كبساطة الجسيمات الأولية..

 ويمكن تطبيق الوصف الترموديناميكي عليها، أي باعتبارها كتل مضغوطة ومصغرة جداً قابلة للنمو وكذلك قابلة للتبخر كما قال بذلك [ستيفن هوكينج]، والذي أطلق على فرضيته تسمية ظاهرة التبخر الكمومي أو الكوانتي، والتي أثارت الكثير من السجالات والتساؤلات والاعتراضات مما يعكس عدم فهمنا للثقالة أو الجاذبية الكمومية أو الكوانتية، ومما يوفر في نفس الوقت مختلف المفاهيم أمام المنظرين للتعاطي مع هذه الظاهرة، بمعنى آخر إن الثقوب السوداء تلعب دوراً جوهرياً وأساسياً لتخطي حدود الفيزياء الحالية.

***

جلس، فقام عالم آخر، وقال: شكرا جزيلا أصدقائي الأعزاء على هذه المعلومات القيمة التي أدليتم بها.. والتي كنا جميعا نعرفها، ولكننا كنا نغض الطرف عنها، بسبب كبرنا العلمي.. لتصورنا أن العلم لا يهتم بمثل هذه المسائل.. ومن العجيب أن يهتم العلم بالمصنوع ولا يهتم بالصانع، أو لا يحاول على الأقل أن يعترف به ويذعن له.

بناء على هذا، فإنني الآن، وبين هذا الحضور الكريم، وفي هذه البلدة الطيبية الممتلئة بأريج العلم والإيمان أحب أن أشهد بين أيديكم أنني أنا المسمى [ديراك] سمي ذلك العالم الفيزيائي [بول ديراك] أحد مؤسسي ميكانيكا الكم.. ذلك الذي استنبط الوصف الرياضي الدقيق للجسيمات الأولية التي انسجمت مع كل من ميكانيكا الكم والنظرية النسبية الخاصة.. والذي لم تمنعه شهرته العلمية الكبرى من أن يقول: (إن الإله خالق عظيم استخدم أرقى مستويات الرياضيات فى تصميم الكون ووضع قوانينه)

وأنا أحب تعقيبا على ما ذكره صديقي أوجست من حتمية القوانين الطبيعية، وعدم حاجة الكون إلى التدبير الإلهي أن أذكره ببعض ما اكتشفه العلم الحديث مما يخالف ما ذكره والذي كان يتعلق به القدماء من العلماء الذين لم يتح لهم اكتشاف الكثير من التطورات العلمية التي حصلت بعد ذلك.

ثم التفت لزملائه من العلماء، وقال: أنتم تعلمون أن غيوبا كثيرة([5])، أو ألغازا كثيرة لا يزال العلم حائرا أمامها من أمثال المادة السوداء أو المظلمة، والطاقة السوداء أو الداكنة والمعتمة، والثقوب السوداء، والثقوب الدودية.. وغيرها من ألغاز الكون وغرائبه التي تتحدى العلم والعلماء منذ أكثر من قرن من الزمان.

وفي كل يوم تظهر عندنا كتب وأفلام علمية.. وتقام محاضرات وندوات ومؤتمرات علمية في شتى فروع العلم للبحث في أمثال تلك الغرائب.. وبالرغم من ذلك يزداد الغموض، وتتكاثر الألغاز بشأن ما نراه من الكون.

تقدم من بعض زملائه، وقال: أعلم ـ صديقي العزيز ـ أنك من المهتمين بتلك الأحداث العجيبة التي تحدث على الدوام من مثل الرقص العشوائي للكواركات، وهي الجسيمات مادون الذرية التي تعتبر أحد مكونات نواة الذرة، والفالس التقليدي لمنظومات نجمية مكونة من نجمين أو ثلاثة أو أكثر تدور حول بعضها البعض بإيقاع خاص ومحدد، وجسيمات الله أو بوزونات هيغز اللغزية التي تمنح باقي الجسيمات كتلتها منذ الانفجار العظيم، والدوران المهول للمجرات في كوننا المرئي والتي تخضع كلها لمبدأ فيزيائي عظيم ومجهول تسيره معادلة كونية واحدة يسعى البشر منذ آلاف السنين إلى اكتشافها.

هذا فضلاً عن لغز المادة السوداء والطاقة المعتمة أو الداكنة، والتي ثبت بالحسابات الرياضية أنها تشغل 73 بالمائة من مكونات الكون المرئي في حين تشغل المادة السوداء نسبة 23 بالمائة بينما لا تتجاوز المادة العادية الملموسة التي يتكون منها كل شيء مادي في الكون المرئي من مجرات ونجوم وكواكب ومخلوقات أو كائنات حية، نسبة 0.4 بالمائة إلى جانب 3.6 بالمائة من الغازات الكونية.

ولكن هل سألت نفسك يوما عن المبدع الذي أبدعها، والصانع الحكيم الذي صنعها، وكيفية تدبيرها حتى ينسجم الكون ويمتلئ بالدقة والنظام.

ألم تتساءل عن قدراتنا العقلية التي وقفت عاجزة أمام هذه الصنعة الباهرة، حتى اعتبرتها غرائب وألغازا.. ثم هي بعد ذلك تتطاول لتنكر الله، أو تتحدى المؤمنين في أن يصوروا له صورة حتى يؤمنوا به؟

أليس هذا غرورا وكبرياء لا يليق بالعالم، ولا بالباحث عن الحقيقة المجردة عن كل هوى؟.. وإلا فإن الذي عجز عن معرفة الكون وقوانينه وتفاصيله، كيف يتطلع إلى معرفة حقيقة المكون.. إن ذلك هو الغرور بعينه..

ثم تقدم من زميل آخر له، وقال: أنت أيضا صديقي العزيز كنت أراك كل حين مغرما بالبحث في المفارقات أو التناقضات التي تفرزها القوانين الفيزيائية.. مثل المفارقات بين قانون نيوتن وقوانين كلارك ماكسويل.. فالأول يرى أن أن الركض خلف شعاع الضوء بسرعة قد يلحق بشعاع الضوء إذا بلغت سرعته.. والثاني يرى أن ذلك ممتنع بل مستحيل، بل إن أينشتاين أكد استحالة التنقل بسرعة الضوء.

لقد كنت تذكر لي كل حين أنك وجدت حلا لهذه المفارقة، وهي أننا ينبغي أن نعتمد مبدأ تنوع سرعات الضوء، وليس سرعة واحدة ثابتة ومطلقة كما قال أينشتاين، إذ قد تكون هذه السرعة، وهي 300000 كلم في الثانية، التي قسناها وتأكدنا من صحتها، صالحة داخل كوننا المرئي فقط، أو ربما داخل مجرتنا درب التبانة فحسب،وتكون مختلفة خارجها.

تقدم من عالم آخر، وقال: أنا أعلم أنك من المهتمين بالزمكان الأينشتايني، ومن المعجبين بقدرة أينشتاين على دمج الزمان بالمكان في وحدة متداخلة واحدة، واعتبارها البنية الأساسية للكون المرئي.. ومع ذلك فإن العلم يعجز عن معرفة الماهية الحقيقية لهذا المكون الجوهري للوجود المادي.. فهل هو كينونة فيزيائية حقيقية أم مجرد فكرة ليس إلا؟

ولو كان الزمان والمكان كينونات حقيقية.. فهل هما جوهريان وأوليان ليس هناك مايولدهما، أم أنهما جزء من مكونات أولية أخرى غير معروفة أو غير مكتشفة بعد؟

وإذا كان هذا هو واقع الحال فماذا يعني الفراغ بالنسبة للمكان؟.. وهل هناك بداية للزمان؟.. وما سر اتجاه الزمان أو ما يسمى سهم الزمان؟… وهل يسير هذا الأخير على نحو حتمي من الماضي إلى المستقبل؟.. وهل سنتمكن يوماً ما من التلاعب بالمكان والزمان والسيطرة عليهما أو التحكم بهما بغية تحقيق الترحال في أرجاء الكون المرئي المهولة؟

ولا ننسى بعد هذا معضلة الواقع.. فما هو الواقع حقاً؟.. فنحن البشر نمتلك تجارب الإدراك الحسي والتأمل الداخلي والتفكير العقلاني والربط والاستنتاج المنطقي، ولكن كيف نتيقن أن ملكاتنا الشعورية والحسية تقدم لنا صورة صادقة وحقيقية للعالم الخارجي المحيط بنا؟

فالفلاسفة والمبدعون من الشعراء والروائيين والسينمائيين صاغوا لنا عوالم اصطناعية وافتراضية أنتجتها محاكات عصابية ذات تكنولوجيا عالية ومتقدمة جدا وبالأخص الخدع المؤثرات البصرية الخاصة والمتقنة جداً، وفي نفس الوقت هناك العديد من علماء الفيزياء والكونيات والفلك يعون بقوة أن الواقع، كما نرصده ونشاهده، قد لا يكون لها أي صلة مع الواقع الحقيقي الذي لا يمكننا إدارك كنهه وسبر أغواره، هذا على افتراض وجود مثل هذا الواقع الحقيقي.

ذلك أننا نعتمد فقط على مشاهداتنا ورصدنا ومعداتنا البدائية رغم تطورها وتقدمها التكنولوجي، قياساً بما هو مطلوب، لرصد حقيقة الكون المرئي ومعماريته وهندسته وشكله وأبعاده، ونتوسل لغة الرياضيات والمعادلات والحواسيب المتطورة العملاقة التي تتيح لنا القيام بعملية محاكاة تبعاً لما لدينا من معطيات.. ومن هنا ننطلق للبحث عن النظرية الأكثر بساطة وعمومية وأناقة تستطيع أن تفسر أغلب الظواهر الكونية وتتنبأ أو تتوقع نتائج التجارب التي تجرى اليوم وغداً.

تقدم من عالم آخر، وقال: لاشك أنك تعرف أنه بعد أن ترسخت نظرية النسبية لأينشتاين والكوانتية لبلانك، لشرح اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر، اصطدمنا باستحالة التوفيق بينهما، وتزواجهما لإنتاج نظرية واحد وجامعة تفسر لنا الكون المرئي وما فيه، والإجابة على كل التساؤلات المطروحة حوله.

***

جلس [ديراك]، فقام رجل من أهل البلدة، وقال: شكرا جزيلا للعلماء الأجلاء على ما طرحوه من معلومات تبين ضآلة قدرة الإنسان وعجزه عن تفسير كل شيء، وأحب أنا سمي [روبرت موريس بيج] عالم الطبيعة، وأول من اكتشف الرادار في العالم سنة 1934، وسجل عشرات الأبحاث حوله.. والذي لم يمنعه علمه من أن يصرح بالإيمان بالله، بل يدعو إليه، ويبرهن عليه، ومن أقوال في ذلك: (ولابد لنا أن نسلم فوق ذلك بما يسلم به الكثيرون من أن قدرتنا على الملاحظة لا تستطيع أن تمتد لغير جزيء ضئيل نسبياً من الحقيقة الكلية.. فالإله الذي نسلم بوجوده لا ينتمي إلى عالم الماديات، ولا تستطيع حواسنا المحدودة أن تدركه، وعلى ذلك فمن العبث أن نحاول إثبات وجوده باستخدام العلوم الطبيعية لأنه يشغل دائرة غير دائرتها المحدودة الضيقة)

تقدم من زميله أوجست، وقال: طبعا أنا لم أورد هذه المقولة عبثا، وإنما أوردتها لتكون جوابا على ما طرحتموه من استغناء العالم عن التدبير الإلهي.. ذلك أنه إذا سلمنا بوجود الله فلا بد أن نسلم بقدرته على كل شيء، فلا يقف أمام قدرة الله الذي صمم هذا الكون جميعا أي شيء.. ولذلك فمن المستحيل أن تقف القوانين التي وضعها دون إرادته.

ولهذا ليس من المستغرب أن نجد في الكتب المقدسة كثيرا من المعلومات حول العالم الروحاني، والتي وصلت إلينا عن طريق بعض البشر من الرسل الذين كشف الله لهم من عوالم الغيب ما لم يكشفه لغيرهم.. ولا يمكن أن تكون هذه النبوءات خاضعة لقيود الزمان التي نعرفها.

 سكت قليلا، ثم قال: تحضرني في هذه اللحظات كلمات قلتها في فترة غيي وكبريائي عندما كنت أتصور أن نظرية التطور وحدها تكفي لتفسير الحياة، ونفي الحاجة لله.. في ذلك الحين التقيت رجل دين مسيحي، وقلت له ساخرا: هل تؤمن أن المسيح مشى على الماء؟

قال: أجل.. أنا مسيحي وأؤمن بالمسيح.. وأؤمن بأنه مشى على الماء.

قلت: فأنت خرافي إذن.. فمن يؤمن بأن قوانين الماء يمكن أن تعطل.. فهو خرافي لا علاقة له بالعلم؟

قال: لا بأس.. فلأكن خرافيا.. ولكن أجبني أينا أكثر خرافية أنا أم ذلك الذي يؤمن بأن الماء وجد هكذا من لا شيء؟

لم أجد ما أجيبه، فقال: المؤمنون بالله لا توجد عندهم أي مشكلة مع فكرة إله خالق يستطيع أن يُعطل أو يعّلق قوانين الطبيعة، ويمارس المعجزات.. لأنها ليست قفزة منطقية للمؤمن أن يعتقد بأن الله خالق كل شيء في الكون ليس مُقيدا بقوانين الكون الذي خلقه.. فما دام الله خلق الماء، فبالتأكيد يستطيع أن يشقه لمن شاء، وأن يجعل من يشاء يسير عليه.

ثم قال مخاطبا لي: لا شك أنكم تذكرون أنه بسبب عدم استطاعتنا شرح هذه الظواهر المعجزة بقوانين طبيعية، فالنتيجة أننا خارج حقل العلم، ولهذا نحن متدينون.. وهذا ليس صحيحا.. فنحن نفسرها بقانون حقيقي، وهو إرجاع الأمر لصاحبه.. ألا ترون الملوك والحكام قد يعطلون بعض القوانين في فترة من الفترات، ويسمون ذلك قانون الطوارئ؟.. فهل ترون من حق الحكام المستبدين أن يعطلوا القوانين، وليس من حق الله أن يعطل قوانينه إذا طرأ طارئ ضروري يدعو إلى ذلك؟

لم أجد بما أجيبه، فقال: وماذا عنكم أنتم.. ألستم تذكرون أن النجوم والكواكب تشكلت عندما ضغطت أجزاء من المادة والغاز تلقائيًا.. أليس هذا انتهاكا لقانون العالم بويل عن القانون الذي وضعه في القرن السابع عشر، والذي يصرح بأن الغازات لا يمكن ضغطها بدون آليات داخلية.. فما هي الآليات التي تدخلت هنا؟

لم أجد بما أجيبه، فقال: لا شيء.. أنتم تذكرون أنها ضغطت نفسها بنفسها، وخالفت القانون الطبيعي.. وبذلك تحققت المعجزة.

وهكذا أنتم ترون أن الكائنات البيولوجية تستطيع أن تنتج نسلا عالي التعقيد بواسطة الانتقاء الطبيعي.. مع أن هذا ليس علم، بل يجب أن يوضع في نطاق المعجزات.

لم أجد ما أقول له، فوضع يده على صدري، وقال: أليس كاهنكم [ريتشرد دوكنز] هو الذي ذكر أن الإيمان الديني غير عقلاني.. وأنه عملية عدم التفكير، بل فوق ذلك قال: (إن هذه العملية تعتبر تمامًا شر لأنها لا تتطلب تبريرا، ولا حجج)؟

قلت: بلى.. لقد ذكر ذلك في كتابه [وهم الإله]

قال: ذلك لا يستغرب منه، ولا من أمثاله.. ذلك أنهم لا يفهمون معنى العلم..

أطلق يده من على صدري، وقال: نحن نتفق مع دوكنز والملحدين أن العلم يعطي أدلة واضحة، موثوقة ودقيقة على أسئلة مهمة كثيرة مثل الجينات التي في داخل الكائن، وغيرها.. ولكن، ماذا بخصوص هذا السؤال: (ما هو معنى الحياة؟).. فهذا سؤال مهم وجوهري. هل يستطيع العلم أن يجيب عليه؟

لم أجد ما أقول له، فذهبت إلى بعض أصدقائي الفيزيائيين، وحدثته عما ذكر لي، فقال: صدق الرجل، فنحن نرى الحوادث الغريبة من حولنا خوارق لبساطة علمنا ومحدودية قدراتنا في التفكير.

فاستغربت منه هذا الموقف، فقال لي: لا تستغرب.. فمن عرف أن الله هو العالم بكل شيء، وهو القادر على فعل ما يريد لا يصعب عليه أن يفسر ما يراه من المعجزات تفسيرا علميا منطقيا.

وعندما سألته عن سر رجوعه عن مقولته الإلحادية السابقة، قال: لقد مررت على بعض المسلمين، وسمعته يقرأ هذه الآية {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69]

فرحت أسخر منه، فرد علي بقوله: وما المستغرب فيما قرأت.. أليس الله هو الذي أعطى للنار طاقة يسميها العلماء الطاقة الحرارية يمكن أن تحرق بها الأجسام؟

قلت: بلى.

قال: وهو الذي شاء أن يعطلها.. فهو يسخرها لمن يشاء.. ويعطلها حيث يشاء.

قلت: لكن هذا مستحيل؟

قال: ألم يحدث أن استطاع البشر ببضع مواد كميائية أن يفعلوا هذا، أي يعطلوا النار عن التأثير.

قلت: بلى.. وهم يستعملون في ذلك بعض المواد الكيميائية.

قال: فإذا استطاع البشر تعطيل النار بمعلوماتهم المحدودة.. ألا يستطيع رب النار العالم بكل أسرارها أن يعطلها؟

الكون والغيب:

جلس [روبرت]، فقام أحد العلماء، وقال: شكرا جزيلا صديقي العزيز [روبرت].. وأنا [بول] سمي [بول كلارنس ابرسولد] أستاذ الطبيعة الحيوية، ومدير قسم النظائر والطاقة الذرية في معامل أوك ريدج، وعضو جمعية الأبحاث النووية والطبيعية النووية، والذي لم يمنعه علمه من الإيمان بالله، والدعوة إليه.

أحب أن أضيف إلى ما ذكرت بعض ما أسر إلي سميي وأستاذي من أحاديث في نقد المناهج الوضعية، والتي كانت أول ما دلني على الله، لكنني تنكبت الطريق بعد ذلك ابتغاء لمصالح عاجلة لا قيمة لها.

والآن، وبعد هذه الأحاديث الطيبة التي سمعتها من العلماء، ومن أهل هذه البلدة الطيبة، راحت تجول بخاطري كل تلك التي الكلمات التي سمعتها من أستاذي وسميي بعد أن ذكرت له المذهب الوضعي بأنواعه المختلفة.

ابتسم حينها، وراح يردد مقولة الفيلسوف الانجليزي [فرانسس بيكون]: (إن قليلا من الفلسفة يقرب الإنسان من الإلحاد، أما التعمق فيها، فيرده إلى الدين)

ثم يعقب عليها بقوله: (لقد كان بيكون على صواب فيما ذهب إليه، فقد احتار الملايين من الباحثين والمفكرين منذ وجود الإنسان على سطح الأرض في كنه العبقرية والتدبر الذي يتجلى في الإنسان وفي هذا الوجود، وتساءلوا عما عساه أن يكون وراء هذه الحياة، وسوف تتكرر هذه الأسئلة ما بقي الإنسان على سطح الأرض، وبسبب عمق هذه الأسئلة وروحانيتها البالغة فإننا سوف نحاول أن نمسها في تواضع دون أن ننتظر إجابة شافية عنها)

قلت له حينها: ولكن هذه الفلسفة تدعو إلى العلم، وإلى نبذ الخرافة والغيب الذي لا مبرر له.. فقد قضى العلم على كل تلك التفسيرات الغيبية التي لم نعد بحاجة إليها.

ابتسم، وقال: يحق لك أن تقول ذلك ما دمت تتصور أنك وحدك من يحتكر الحقيقة.. لكنك لو تركت ذلك الغرور، لرأيت كل من تحتقرهم من العلماء والفلاسفة في تلك العصور التي تعتبرها عصورا خرافية لمسوا بطريقة فلسفية عقلية أو روحانية أن هناك قوة فكرية هائلة ونظاماً في هذا الكون يفوق ما يمكن تفسيره على أساس المصادفة أو الحوادث العشوائية.. ولا شك أن اتجاه الإنسان وتطلعه إلى البحث عن عقل أكبر من عقله وتدبير أحكام من تدبيره وأوسع لكي يستعين به على تفسير هذا الكون يعد في ذاته دليلاً على وجود قوة أكبر وتدبير أعظم هي قوة الله وتدبيره.

ثم راح يذكر لي أن أدلة وجود الله لا يمكن حصرها، فقال: (ولو ذهبنا نحصى الأسباب والدوافع الداخلية التي تدعو ملايين الأذكياء من البشر إلى الإيمان بالله لوجدناها متنوعة لا يحصيها حصر ولا عد ولكنها قوية في دلالتها على وجوده تعالى مؤدية إلى الإيمان به)

فسألته عنه، وعن سر إيمانه العميق بالله، فقال لي: لقد كنت عند بدء دراستي للعلوم شديد للعلوم شديد الإعجاب بالتفكير الإنساني وبقوة الأساليب العلمية إلى درجة جعلتني أثق كل الثقة كل الثقة كل الثقة بقدرة العلوم على حل أية مشكلة في هذا الكون، بل على معرفة منشأ الحياة والعقل وإدراك معنى كل شيء.

وعندما تزايد علمي ومعرفتي بالأشياء من الذرة إلى الأجرام السماوية ومن الميكروب الدقيق إلى الإنسان تبين لى أن هناك كثيراً من الأشياء التي لم تستطع العلوم حتى اليوم أن تجدلها تفسيراً، أو تكشف عن أسرارها النقاب وتستطيع العلوم أن تمضى مظفرة في طريقها ملايين السنين، ومع ذلك فسوف تبقى كثير من المشكلات حول تفاصيل الذرة والكون والعقل كما هي لا يصل الإنسان إلى حل لها أو الإحاطة بأسرارها.

ثم ذكر لي مدى عجز الوسائل التي نفخر بها، ونتوهم أنها توصلنا إلى الحقائق الكبرى التي نستغني بها عن الدين، فقال: لقد أدرك رجال العلوم أن وسائلهم وإن كانت تستطيع أن تبين لنا بشيء من الدقة والتفصيل كيف تحدث الأشياء فإنها لا تزال عاجزة كل العجز عن أن تبين لنا لماذا تحدث الأشياء، وإن العلم والعقل والإنسان وحدهما لن يستطيعا أن يفسر لنا لماذا تحدث الأشياء.. إن العلم والعقل الإنسان وحدهما لن يستطيعا أن يفسرا لنا لماذا وجدت الذرات والنجوم والكواكب والحياة والإنسان بما أوتى من قدرة رائعة.. وبرغم أن العلوم تستطيع أن تقدم لنا نظريات قيمة عن السديم ومولد المجرات والنجوم والذرات وغيرها من العوالم الأخرى، فإنها لا تستطيع أن تبين لنا مصدر المادة والطاقة التي استخدمت في بناء هذا الكون أو اتخذ الكون صورته الحالية ونظامه الحالي.

ثم راح يدعوني كعادته إلى الله، ويقول: الحق أن التفكير المستقيم والاستدلال السليم يفرضان على عقولنا فكرة وجود الله..

وعندما رأى أن تصوراتي لله كانت ممتلئة بالوثنية، فقد كنت أتصور الله جرما من الأجرام الكبرى، وأن له وجودا ماديا محسوسا.. وربما كان ذلك هو الحائل بيني وبين الإيمان، قال لي: أنت مخطئ ومتوهم.. فالله أعظم من أن تتصوره تصوراً مادياً، بحيث تستطيع أن تدركه الأبصار، أو أن يحل في مكان دون الآخر، أو يجلس على كرسي أو عرش.

ولذلك فإن الطريق الوحيد لمعرفة الله هو التأمل والتفكير في آثار أفعاله، فبها نستطيع أن نصل إلى أن الله تعالى يتصف بالعقل والحكمة والإرادة، وأنه هو الذي تتجلى قدرته في كل شيء.. فبالرغم من أننا نعجز عن إدراكه إدراكاً مادياً، فهنالك ما لا يحصى من الأدلة المادية على وجوده، والتي تدل على أنه العليم الذي لا نهاية لعلمه، الحكيم الذي لا حدود لحكمته، القوى إلى أقصى حدود القوة.

***

جلس [بول]، فقام عالم آخر، وقال: شكرا جزيلا صديقي العزيز [بول].. واسمح لي أن أعقب على كلامك وكلام سميك، بما ذكره سميي [ألكسيس كاريل] ذلك الطبيب الجراح، الذي حاز على جائزة نوبل في الطب عام 1912.. والذي لم يححبه علمه عن ربه، فقد كتب كثيرا عن الله وأهمية التواصل معه، ومن أقواله في ذلك: (لعل الصلاة هي أعظم طاقة مولدة للنشاط عرفت إلى يومنا هذا، وقد رأيت بوصفي طبيباً كثيراً من المرضى فشلت العقاقير في علاجهم فلما رفع الطب يديه عجزاً وتسليماً دخلت الصلاة فبرأتهم من عللهم)

وقال: (إن الصلاة كمعدن الراديوم مصدر للإشاعات ومولد للنشاط، وبالصلاة يسعى الناس إلى زيادة نشاطهم المحدود حين يخاطبون القوة التي يغنى نشاطها)

وقال: (إننا نربط أنفسنا حين نصلى بالقوة العظمى التي تهيمن على الكون ونسألها ضارعين أن تمنحنا قبسا منها نستعين به على معاناة الحياة بل أن القراءة وحدها كفيلة بأن تزيد قوتنا ونشاطنا ولن نجد أحدا يضرع إلى الله إلا عادت عليه الضراعة بأحسن النتائج)

وكان يقول في تواضع شديد، وهو الحائز على جائزة نوبل في العلوم: (لست فيلسوفاً، ولكنني رجل علم فقط، قضيت الشطر الأكبر من حياتي في المعمل أدرس الكائنات الحية، والشطر الباقي في العالم الفسيح أراقب بني الإنسان، وأحاول أن أفهمهم، ومع ذلك فإنني لا أدعي أنني أعالج أموراً خارج نطاق حقل الملاحظة العلمية)

نعم هذا هو المنطق السليم الذي ينبغي للعالم أن يتعامل به مع الحقائق، فلا يصح له أن يتدخل فيما هو خارج نطاقه.. ولا يستطيع أن يدعي أنه فهم كل شيء، أو استطاع أن يحيط بقوانين كل شيء..

لقد كنت نتيجة تعلقي الشديد بألكسيس كاريل أؤمن بهذا، ولهذا لم تحجبني علومي عن الله إلى أن راحت هذه العلوم تحت ثوب الإلحاد الجديد تحارب الله، وتتدخل فيما لا يعنيها، فولجت في متاهاتها من غير أن أشعر.

والحمد لله، فقد أنقذني ربي في هذه البلدة الطيبة من كل ذلك التيه الذي كنت أعانيه، والذي كان يكدر علي صفو حياتي.

والآن فقط تذكرت كل تلك الكلمات الجملية الممتلئة بالعقلانية التي كان يخاطبني بها سميي [ألكسيس كاريل]، والتي أودعها في كتابه العظيم [الإنسان ذلك المجهول]، والذي كان ثورة على فروع العلوم المختلفة التي كانت إحدى ثمار عهد الحداثة الأوربية، فهذه العلوم رغم أنها ساعدت في تقدم الإنسانية، ومعرفة ما هو مجهول من الاكتشافات والابتكارات التي هزت الدنيا وغيرت محتواها، حتى وصل الإنسان مبلغا لم يكتف فيه بالوصول إلى الغاية الكبرى في الأرض، لكنه أراد أن يبلغ بعلمه وفكره ورؤيته إلى كواكب أخرى، مع كل ذلك فشلت في تحقيق الأمن والطمأنينة والسعادة للإنسان في حياته.

أتذكر أيضا أنني في ريعان شبابي عندما ذهبت إليه بعد أن أجريت بعض التجارب الناجحة، وقد وصل بي الغرور حينها إلى أن توهمت أنني يمكنني أن أضع كل شيء في قنينة اختبار.. لكنه بدل أن يهنئني على نجاحي راح يدعوني إلى الكف عن غروري، ويخبرني أن الحقائق أعظم من أن تختصر في تلك المناهج.. وأخبرني أن كبرياءنا الذي جعلنا نتوهم أننا نستطيع أن نختبر كل شيء يصطدم بأول عقبة، وهي أنفسنا.. فنحن الذين نريد أن نعطي تصورات كاملة للكون من خلال معاملنا البسيطة نجهل أنفسنا التي بين جنبينا.

لا أزال أذكر من أقواله حينها قوله لي: بالرغم من أننا نملك كنزاً من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا.. إننا لا نفهم الإنسان ككل.. إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة. وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا.. فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح، تسير في وسطها حقيقة مجهولة.

سألته عما يعني بقوله هذا، فقال لي، وهو ممتلئ بالأسف والحزن: إن جهلنا مطبق.. فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب، لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة.. فنحن لا نعرف حتى الآن الإجابة على أسئلة كثيرة.

سألته حينها أن يضرب لي أمثلة على ذلك.. فقال لي: أنت الذي تدعي أنك يمكنك أن تختبر كل شيء.. هل تعرف كيف تتحد جزئيات المواد الكيماوية لكي تكون المركب والأعضاء المؤقتة للخلية؟.. وكيف تقر وحدات الوراثة الموجودة في نواة البويضة الملقحة صفات الفرد المشتقة من هذه البويضة؟.. وكيف تنتظم الخلايا في جماعات من تلقاء نفسها، مثل الأنسجة والأعضاء؟ فهي كالنمل والنحل تعرف مقدماً الدور الذي قدر لها أن تلعبه في حياة المجموع وتساعدها العمليات الميكانيكية الخفية على بناء جسم بسيط ومعقد في الوقت ذاته؟

لم أجد بما أجيبه، فراح يسألني: هل تعرف ما هي طبيعة تكويننا النفساني والفسيولوجي؟

أردت أن أجيبه، فقال: أنت تريد أن تذكر لي أننا مركب من الأنسجة والأعضاء، والسوائل، والشعور.. ولكن هل تعرف العلاقات بين الشعور والمخ.. أم أنها لا تزال لغزاً؟

لم أستطع أن أجيبه، فقال: إننا ـ على الرغم من كل ذلك التيه الذي نتيه به ـ مازلنا بحاجة إلى معلومات كاملة تقريباً عن فسيولوجية الخلايا العصبية.. إلى أي مدى تؤثر الإرادة في الجسم؟.. وكيف يتأثر العقل بحالة الأعضاء؟.. وعلى أي وجه تستطيع الخصائص العضوية والعقلية، التي يرثها كل فرد، أن تتغير بواسطة طريقة الحياة، والمواد الكيماوية الموجودة في الطعام، والمناخ، والنظم النفسية والأدبية؟

   أردت أن أتحدث، فقاطعني، وقال: إننا ما زلنا بعيدين جداً من معرفة ماهية العلاقات الموجودة بين الهيكل العظمي والعضلات والأعضاء، ووجوه النشاط العقلي والروحي.. وما زلنا نجهل العوامل التي تحدث التوازن العصبي، ومقاومة التعب، والكفاح ضد الأمراض.. إننا لا نعرف كيف يمكن أن يزداد الإحساس الأدبي، وقوة الحكم، والجرأة.. ولا ما هي الأهمية النسبية للنشاط العقلي الأدبي. كذا النشاط الديني.. أي شكل من أشكال النشاط مسؤول عن تبادل الشعور أو الخواطر؟.. لا شك مطلقاً في أن عوامل فسيولوجية وعقلية معينة هي التي تقرر السعادة أو التعاسة. النجاح أو الفشل.. ولكننا لا نعرف ما هي هذه العوامل؟

ثم طرح علي كثيرا من الأسئلة التي جعلتني أكف من غروري وكبريائي وتيهي، وأوقن أن المعارف المحدودة جدا بأنفسنا تجعلنا أضعف وأحقر من أن نتوهم أننا نستطيع أن نفسر الكون جميعا ونخضعه لتجاربنا الهزيلة.


([1]) انظر سلسلة مقالات بعنوان [نظم الفكر العلمي ]، د. يحيى محمد.

([2]) انظر كتاب (الإله، الأكوان المتعددة، وكل شئ)، رودني هولدر، ففيه تفصيل لطبيعة الصراع بين النظريتين.

([3]) انظر: مقالا بعنوان: الانبثاق الكوني والنظريات الضمنية، يحيى محمد..

([4])  انظر: مقالا بعنوان الحتميه العلميه وأثرها علي الفكر والدين (مناقشه فلسفيه لأثر اعتقاد حتميه القوانين المستنبطه من العلم التجريبي وأثر ذلك على الفكر البشري)، د. مصطفى محمود السيد.

([5]) اقتبسنا المادة العلمية الواردة هنا من مقال بعنوان: غرائب الكون المرئي، د. جواد بشارة.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *