الصنعة العجيبة

الصنعة العجيبة

في تلك اللحظات، جاءني رجل على أريكته العجيبة المتحركة، واقترب مني، وقال: كما أن النعمة تحتاج إلى منعم.. والهدية إلى مهد، والرعاية إلى راع.. فالصنعة ـ كذلك ـ تحتاج إلى صانع.. فهلم بنا إلى روضة [الصنعة العجيبة]، لتسمع من رفاقي في الإيمان كيف رحلوا من الصنعة إلى الصانع، كما رحل أهل هذه الروضة من العناية إلى المعتني.

لم أشأ أن أسأله، فقد علمت أنه لا توجد حركة عشوائية في تلك الجنات المقدسة.. فلذلك سرت معه بكل لطف وسكينة إلى أن رأيت روضة جميلة مزودة بكل ألوان التقنيات البديعة التي لم أر مثلها في حياتي.. والعجيب أنها جميعا تخلو من كل أنواع التلوث التي تعاني منها صناعتنا، فليس فيها تلوث صوتي ولا بيئي.. ولا أي شيء، بل هي جمال محض.

برهان التصميم:

ما إن وصلنا، واستقر بنا المجلس في تلك الروضة البديعة، وسلمت على ذلك الجمع المنور بنور الإيمان، وسلموا علي، حتى قال أحدهم مخاطبا رسولهم الذي جاء بي إليهم: فلتبدأ أنت يا صاحب النفس الطاهرة، والعقل السليم لتحدثنا عن رحلتك إلى الله، وكيف تمت، وكيف خرجت من سجون الملاحدة وجحيمهم، لتنال فضل الله بالدخول إلى روضات جنات المؤمنين؟

قال: لا أزال أذكر تلك الأيام جيدا، حين كنت مزهوا بنفسي، وبتلك الهالة الإعلامية التي كانت تحيط بي، وتسجل كل حركاتي، وتعتبرني العبقري الذي لا يفرى فريه، ولا يبلغ مبلغه.. وأذكر أيضا أولئك الأغنياء وأصحاب الأموال الضخمة الذين كانوا يرسلون الرسل، ويتزلفون لي بكل الوسائل لعلي أنعم عليهم باختراع من اختراعاتي، ليؤسسوا من خلالها مصانعهم ومعاملهم وشركاتهم.

ولا أزال أذكر تلك المعاناة النفسية التي كانت هي الأخرى تلاحقني عند كل ثناء يثنى علي، أو مديح أمدح به.. لقد كنت أقول لنفسي الجاحدة الممتلئة بالكبر: ألا يخجلك أن تفتخري بتلك المخترعات البسيطة التي توصلت إليها في نفس الوقت الذي تجحدين فيه من صمم كل تلك الاختراعات التي لا حدود لها، بما فيها عقلك الذي تفتخرين به؟

وكنت أقول لها: أليس كل ما اخترعته لا يعدو أن يكون تقليدا لما وجدته في الطبيعة من مخترعات مصممة تصميما دقيقا لا حدود له.. فهل كنت تقلدين أعمى أبكم أصم.. وهو تلك الطبيعة.. أم أنك كنت تقلدين صنعة عليم لطيف خبير؟

***

في تلك الأيام كان لي صديق نصوح، هو الآن بيننا، ربما كان الوحيد الذي صحبني بصدق، فلم يكن يطلب مني مالا ولا جاها ولا أي غرض من أغراض الدنيا.. كان يصحبني فقط ليستفيد من علمي، واستفيد من حكمته.. وكان ما استفدته منه أكثر مما استفاد مني.. فقد فارقه ما استفاده مني، وبقي ما استفدته منه.

في ذلك اليوم الذي حكيت له فيه همومي، قال لي: ما ذكرته من تساؤلاتك صحيح وطبيعي، وهو يدل على أن فطرتك لا تزال سليمة.. لقد فكرت قبلك كثيرا في مثل هذه الأمور، ووصلت([1]) إلى أن كل المخلوقات الموجودة على سطح الأرض، بما فيها نحن البشر، ليست سوى تصميم فريد ممتلئ بالغرابة.. وبما أن كل تصميم لا بد له من مصمم.. فالنتجية الطبيعية لتينك المقدمتين الضروريتين هي أنه لا بد لهذه الخلائق من خالق خلقها وقت ما يشاء، وحفظ بقاءها بقوة وحكمة مطلقة.

قلت، وأنا لا أزال تحت إصر تلك الفلسفات المادية التي شربناها مع الحليب في صغرنا الباكر: لكن ما تقوله مرفوض من قبل نظرية التطور، فهي ترى أن جميع أنواع المخلوقات قد ظهرت إلى الوجود عبر سلسلة من الأحداث المتصادفة التي تطور كل منها عن الآخر.. وبذلك فإن المقدمة الأساسية لهذه النظرية هي أن جميع أشكال الحياة تمر عبر تغيرات عشوائية.

قال: على أي أساس يقولون هذا؟

قلت: أنت تعرف ذلك.. فهم يذكرون أن الطفرة هي التي قامت بذلك، فتحولت الحياة إلى ما نراها عليها؟

قال: أليست الطفرة هي تلك الانفصالات والانحرافات غير المنتظمة في جينات الكائنات الحية؟

قلت: بلى هي كذلك.. أنت تعرف ذلك، ولا حاجة لك أن تسألني.

قال: ألا ترى أن أكثر حالات الطفرات التي عرفتها البشرية كانت تضعف أو تضر بالكائنات الحية التي تطرأ عليها.. وفي أفضل الحالات كانت ذات تأثير حيادي.

قلت: أجل.. ذلك صحيح.. وهو ثابت علميا.

قال: فكيف يمكن لتلك الطفرة أن تصمم هذه التصميمات العجيبة.. إن هذا التفكير لا يشبه سوى من أطلق رصاصا على جمع من الناس، وهو يأمل أن تسفر الإصابات عن أشخاص أوفر صحة وأحسن حالاً.. فهل يمكن قبول هذا؟

لم أدر ما أقول له.. ولكني كنت أشعر بصدق ما يقول، فقد كان القول بالطفرة، وكونها المخترع لتلك التصميمات العجيبة نوعا من الجنون الذي لا يقبله عقل..

حين سكت، ولم أرد عليه، بادرني بقوله: ألست تحفظ ما قاله دارون في كتابه (أصل الأنواع) عن الأعضاء المعقدة.

قلت: أجل.. فقد قال: (إذا تمت البرهنة على وجود أي عضو معقد تشكل عبر تعديلات ضخمة ومتتالية، فإن نظريتي ستنسف من أساسها)

قال: فهل تمت البرهنة على ما عجز دارون عن البرهنة عليه بسبب إمكانيات القرن التاسع عشر العلمية البسيطة؟

قلت: أجل.. فالبحث العلمي الدقيق الذي تميز به القرن العشرون، والذي تناول أدق التفاصيل، برهن على أن غالبية الأنظمة الحيوية هي بنية معقدة لا يمكن تجزئتها.. ومن الأمثلة على ذلك أن الآذان تتحسس الأصوات فقط إذا مرت عبر سلسلة من الأعضاء الصغيرة.. فإذا ما نزع أو عطّل أي واحد منها مثل إحدى عظيمات الأذن الوسطى، فإن النتيجة تعطيل حاسة السمع بشكل تام.

قال: فالعلم أثبت إذن تعقيد هذا الجهاز المصمم لالتقاط الأصوات؟

قلت: أجل.. فكي تتفاعل الأذن مع الأصوات الخارجية، يجب أن تعمل كل أجزائها دون استثناء في وقت متزامن ابتداء من القناة السمعية الخارجية.. إلى غشاء الطبل.. إلى عظيمات الأذن الوسطى، وهي المطرقة والسندان وعظم الركاب.. إلى السائل الذي يملأ قوقعة الأذن.. إلى المستقبلات السمعية.. إلى شبكة الأعصاب المتصلة مع المركز السمعي في الدماغ.. وغيرها من التفاصيل التي لم أذكرها.

قال: فهل يمكن لهذا النظام السمعي أن يتطور بشكل أجزاء منفصلة؟

قلت: لا.. لا يمكن ذلك أبدا.. لا يمكن لأي جزء أن يعمل بمعزل عن باقي أجزاء النظام.

قلت ذلك بقوة، وكأني أحمل مطرقة، وأضرب بها تلك الخرافات التي جعلتني أهرب من المصمم الحقيقي لأضع كل تلك التصميمات البديعة في يدي طفرة أو طبيعة عشوائية صماء بكماء.

***

في ذلك الحين تسنى لي أن أزور بلدة من بلاد المسلمين دعيت إلى بعض جامعاتها كأستاذ زائر، وهناك سئلت أسئلة كثيرة حرجة، حاولت أن أتملص منها قدر الإمكان، لكن نفسي لم تتملص منها، بل بقيت تلح علي بها إلى أن هداني الله بسببها إلى الإيمان.

لقد قال لي أحدهم، وكان يبدو شابا متدينا: لقد ورد في كتابنا المقدس هذه الآية الكريمة: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [لقمان: 11]، ونحن نريد منك توضيحها لنا بحسب اختصاصك.

حينها ابتسمت، وقلت مخاطبا سائر الطلبة: أظن أن زميلكم لم يعرف من أكون، فتصورني رجل دين.. أنا لست كذلك يا بني.. أنا عالم ومخترع.. وفوق ذلك أنا لا أؤمن بكل الأديان.. بل لا أؤمن بالله أصلا.. حيث أني وجدت في المادة والطبيعة ما يفسر لي الكون والحياة.

قلت ذلك كما تعودت أن أقوله مراغما به حقيقتي التي كانت تخالفني أي مخالفة، بل تقف في وجهي بكل قوة..

لكن ذلك الشاب، ومع تلك الشدة التي واجهته بها، رد علي بأدب: أنا لا شأن لي بمعتقداتك.. فذلك شيء خاص بك.. ولكني أردت فقط أن أعلم علاقة تصميماتك واختراعاتك التي نجلها ونقدرها كما نجلك ونقدرك بهذه التصميمات التي نراها نحن تصميات إلهية، وتراها أنت تصميمات طبيعية مادية لا علاقة لها بإله.

قلت، وقد أثر في أدبه وأخلاقه: أما إن قلت هذا.. فأقول لك الحقيقة بكل تواضع.. إن كل ما نقوم به نحن المخترعين ليس سوى تقليد للنماذج الموجودة في الطبيعة.. كل ما تراه من اختراعات ليس سوى مجرد تقليد يحاول أن يرقى إلى ما في الطبيعة من كمالات، ولكنه لا يستطيع، فيكتفي بما قدر عليه.

قال أحد الحاضرين: كيف ذلك؟

قلت: لا يمكن لأي مصمم بشري أن يصمم شيئاً لم يره أو يعرفه في حياته، فهو يستمد إيحاءات مشروعه من الطبيعة حوله، فكل ما فيها هو تصميم قائم بحد بذاته.. سأضرب لكم مثالا يقرب لكم ذلك([2]).. لقد قام الجيش الأمريكي باختراع آلات صغيرة جدا، تم تصنيعها لاستخدامها كجيش صغير أعضاؤه بحجم النملة، ليخترق صفوف الأعداء دون أن يُؤْبَه له، ويقوم بتعطيل الرادارات والمحركات النفاثة، وتعطيل معلومات الحواسيب.

وقد بادرت الشركتان اليابانيتان العملاقتان [ميتسوبيشي وماتسوشيتا] بتنظيم شراكة للعمل في هذا الموضوع، وأثمرت عن رجل آلي صغير جداً يزن حوالي 0,42 غرام ويسير بسرعة 4 أمتار في الدقيقة.

وهكذا رحت أعدد لهم الكثير من الأمثلة في هذا المجال، ومما ذكرته لهم، قولي: إن نظام الطيران عند حشرة [اليعسوب] ليس إلا معجزة من معجزات التصميم.. فقد أنجزت الشركة الرائدة في صناعة طائرات الهيليكوبتر [سيكوريسكي] إحدى طائراتها متخذة اليعسوب نموذجاً لها.. كما بدأت شركة IBM التي ساعدت [سيكورسكي] في مشروعها بوضع نموذج اليعسوب على الحاسب (IBM 3081)، وقد تم تنفيذ ألفي طريقة أداء على الكمبيوتر على ضوء المناورات التي يقوم بها اليعسوب في الهواء، وبذلك تم بناء نموذج سيكورسكي للطائرات الحربية ولطائرات النقل على غرار نموذج اليعسوب.

وقد قام [جيلز مارتن] المصور للظواهر الطبيعية، بإجراء دراسات على اليعسوب استغرقت سنتين، وهو يذكر بأن هذه المخلوقات لها آلية طيران غاية في التعقيد.

ثم رحت أخرج صورة من محفظتي لليعسوب، وأقول لهم: يشبه جسم اليعسوب البنية الحلزونية المغلفة بالمعدن، حيث يتصالب جناحاه مع جسمه ويبدو لونهما متدرجاً من اللون الأزرق الثلجي إلى الأحمر الداكن.. وبسبب هذه البنية يتميز هذا المخلوق بقدرة عجيبة على المناورات.. وبغض النظر عن السرعة أو الاتجاه الذي يتحرك وفقه، يمكن لهذه الحشرة أن تتوقف فجأة، ثم تشرع بالطيران في الاتجاه المعاكس.. كما يمكنها فضلاً عن ذلك أن تبقى معلقة في الهواء بغرض الصيد في هذا الوضع، ولتستطيع أن تتحرك بمرونة نحو فريستها، كذلك يمكنها أن تزيد من سرعتها التي تعتبر غير عادية بالنسبة لحشرة 40 كم في الساعة.. وعندما يصطدم اليعسوب مع هذه السرعة بالفريسة تكون صدمة المفاجئة شديدة الوقع.. وبسبب أسلحة اليعسوب التي تتميز بمرونة فائقة ومقاومة شديدة فإن البنية المرنة لجسمه تمتص صدمة الارتطام، وهذا بالطبع ما لا يحدث للفريسة التي ما تلبث أن تقع مُغمى عليها أو حتى ميتة من شدة الصدمة.

وبعد الاصطدام تأخذ ساقا اليعسوب دورها كأكثر أسلحته فتكاً، حيث تمتد الساقان إلى الأمام للإمساك بالفريسة المصدومة التي لا تلبث أن تصبح رهينة الفكين القويين ليتوليا تمزيقها.

أما عيناه فتعتبران أفضل نموذج لعيون الحشرات، حيث يحمل اليعسوب عينين تحتوي كل منها على ثلاثين ألف عدسة مختلفة، وتزود هاتان العينان الشبه كرويتين ـ والتي يبلغ حجم كل منهما نصف حجم الرأس تقريباً ـ الحشرة بمجال رؤيا واسع جداً.. وبفضلهما يمكن أن يبقى اليعسوب على اطلاع بما يجري وراء ظهره.

وهكذا يبدو اليعسوب مجموعة من الأنظمة، كل منها يحتوي على بنية فريدة ومثالية، إلا أن أي تشوه قد يطرأ على أيً من هذه الأنظمة يعطل عمل النظام الآخر، ومع ذلك فقد صممت كل هذه الأنظمة دون أي صدع أو شرخ، وهكذا أمكن لهذه الحشرة أن تستمر في دورتها الحيوية؟

بعد أن أنهيت هذه الأمثلة وغيرها، قام شاب آخر، وقال: والذبابة.. ألم تلهمكم هي الأخرى بعض الاختراعات التي نراها؟

ابتسمت، وقلت: لقد ذكرتني بشيء مهم.. فقد قام المهندسون الذين طوروا الرجل الآلي بدراسة الحشرات لاستقاء أفكارهم.. فقد أظهر الرجل الآلي الذي قام بناؤه على مبدأ أرجل الحشرات توازناً أفضل.. وعندما تم تركيب وسائد شافطة على أقدام الرجل الآلي أصبح بإمكانه السير على الجدران مثل الذبابة تماماً..

ثم ابتسمت، وقلت: ألا تعجبون أن يكون الرجل الآلي الذي صنعته تلك الشركة اليابانية، والذي انبهر له مئات الملايين من الناس.. لم يكن سوى تقليدا للذبابة ولغيرها من الحشرات؟

قال آخر: كيف ذلك.. وهل يمكن لهذا الذباب الذي يتوفر بالملايير أن تكون له كل هذه الأهمية، وكل هذه الطاقات؟

قلت: أجل.. فالذبابة المنزلية ظاهرة على درجة كبيرة من التعقيد.. حيث أنها تقوم في البداية بمعاينة الأعضاء التي ستستخدمها في الطيران.. ثم تأخذ وضعية التأهب للطيران، وذلك بتعديل وضع أعضاء التوازن في الجهة الأمامية.. ثم تقوم بحساب زاوية الإقلاع معتمدة على اتجاه الريح وسرعة الضوء التي تحددها بواسطة حساسات موجودة على قرون الاستشعار.. ثم في الأخير تقوم بالطيران.. وكل هذه العمليات مجتمعة لا تستغرق أكثر من جزء من مائة جزء من الثانية.. وهي قادرة على زيادة سرعتها حتى تصل إلى 10 كم في الساعة.

لهذا السبب يطلق عليها عندنا [سيدة الطيران البهلواني]، فهي تسلك أثناء طيرانها مساراً متعرجاً في الهواء بطريقة خارقة، كما يمكنها الإقلاع عمودياً من المكان الذي تقف فيه، وأن تحط بنجاح على أي سطح بغض النظر عن انحداره أو عدم ملائمته، كما يمكنها أن تقف على الأسقف مع أن قانون الجاذبية يستدعي وقوعها إلى الأسفل، إلا أنها صممت بنظام خاص يقلب المستحيل معقولاً، حيث يوجد على رؤوس أقدامها وسادات شافطة، تفرز سائلاً لزجاً عندما تلامس السقف.

وهكذا رحت أصف لهم بدقة العجائب التي أودعها الله في الذبابة وقدراتها على الطيران، مما أثار إعجابهم، وقد سمعت بعضهم حينها يقرأ قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73]، لكني تظاهرت بعدم سماعي له، لأني لم أحب أن أبدو بغير المظهر الذي جئت به.

***

بعد أن قلت هذا، قام شاب آخر، وقال: اسمح لي أن أقول لك بأنني أنا ومجموعة من زملائي مثلك نحب العلم، ونكتفي بتفسيراته، ولذلك لنا موقف سلبي من الدين، ومن الإله.. مع تعايشنا طبعا مع زملائنا الذين يخالفوننا الرأي.. ولكنا نجد بعض الإشكالات، فأرجو أن تجيبني عنها، ولعلها تكون سببا في خروج زملائنا المؤمنين من التفسيرات الدينية التي ترجع الأمر لمصمم غيبي تسميه [الله].. إلى التفسيرات علمية واقعية نسميها [الطبيعة والمادة]

قلت: ما دام الأمر كما تقول، فهات أسئلتك، وسأجيبك على ضوء اختصاصي.

قال: لقد قرأنا عن أعلام نظرية التطور الكبار أن الطيور تنحدر من الزواحف.. وأنها في أصلها كانت منها، ثم تطورت.. لكنا نرى أن هذا التفسير لا يدل على أي آلية من آليات عمل أجسام الطيور التي تختلف كلياً عن بنية الثدييات.

قلت، وقد استفزني السؤال، وذكرني بحديث صاحبي: وما المانع من ذلك؟

قال: المانع من ذلك أشياء كثيرة.. مثلا تشكل الأجنحة في الطيور، والتي تعتبر الخاصية الرئيسية فيها عائقاً كبيراً يصعب تفسيره.. حتى أن بعض التطوريين عبر عن ذلك بقوله: (من الميزات التي تمتاز بها الأعين والأجنحة هي أنها يمكن أن تعمل فقط إذا كانت مكتملة التطور.. بتعبير آخر: العين المتطورة نصفياً لا يمكن أن ترى، وأجنحة نصفية لا يمكن أن تطير.. أما كيف جاءت هذه الأعضاء إلى الطبيعة، فهذا أمر لا يزال يكتنفه الغموض)

لم أجد إلا أن أصارحه بقولي: لا يمكنني أن أجيبك عن هذا السؤال.. ففي الحقيقة من الصعب الإجابة عنه، بل من المستحيل.. ذلك أن البنية المتقنة للأجنحة من التعقيد بحيث يصعب تصورها أو تفسيرها خلال سلسلة من الطفرات المتتالية.. ومثل ذلك تفسير تحول الساق الأمامية لإحدى الزواحف إلى جناح عصفور، هي أيضا تبقى غير ممكنة التفسير إلى الأبد..

وليس ذلك فقط، بل إن وجود الأجنحة لا يكفي وحده لتتحول الزواحف أو غيرها إلى طيور.. ذلك أن عددا كبيرا من الآليات التي يستخدمها الطائر في الطيران هي أيضا تحتاج إلى تفسير.. فعظام الطائر على سبيل المثال أخف من تلك التي تحملها الثدييات بشكل متميز.. ومثل ذلك بنية الرئة وعملها.. والبنيات الهيكلية والعضلية.. كلها تختلف عن تلك الموجودة في الثدييات.. وهكذا لا يمكن لكل هذه الآليات أن توجد عبر الزمان عن طريق عمليات تراكمية..

قال الشاب: إنك بقولك هذا تحطم الأسس التي يقوم عليها إيماننا بنظرية التطور، والتي وجدنا أنها ملاذنا الوحيد الذي يفسر نشأة الحياة بعيدا عن الحاجة لإله.

قلت: لست أدري ما أقول لك.. ولكن هذه هي الحقيقة التي أؤمن بها.. فنظرية التطور من الضعف بحيث لا تستطيع أن تتكهن بأمثال هذه التفاصيل.

قال الشاب: ولكن قولك هذا يصب في مصلحة المؤمنين بوجود إله؟

قلت: أنا لا يهمني في مصلحة من يصب.. أنا أتكلم عن الحقيقة العلمية في هذا الجانب، أما كونها أداة تستخدم في مصلحة الدين أو غيره، فلا شأن لي بذلك.

قال الشاب: فكيف نواجه من يخالفنا من المتدينين، وأنت إمامنا تقول هذا؟

لم أجد ما أقول له إلا ما تعودت سماعه من أساتذتي عندما يصيبهم البهت والحرية: أخبروهم أن العلم لم يكتشف ذلك بعد.. وقد يكتشفه في المستقبل.

قال الشاب: فقد يواجهوننا بنفس جوابنا، فيقولون: وما أدراكم لعل العلم سيكشف عن وجود المصمم الحقيقي الذي صمم هذا الكون، وأنه عليم خبير لطيف، وليس طبيعة عمياء صماء بكماء.

***

لم أجد ما أقول له إلا أنني أدركت بعد خروجي من تلك المحاضرة أن الشاب لم يكن ملحدا كما ذكر، وإنما كان مؤمنا، وكان يعرف الطريقة التي يصطاد بها أمثالي.. ومع علمي بذلك إلا أنني لم أتأثر، وإنما فرحت بكوني أجبت بما علي أن أجيب به.

لقد كان لتلك الرحلة أثرها في نفسي، وقد ذهبت لصاحبي الذي ذكرته لكم، وأخبرته عنها، فطلب مني أن أذهب معه لتلك البلاد، وأن نلاقي أولئك الشباب، وبالفعل ذهبت معه إليها، لكن لا بصفتي أستاذي زائرا مخترعا ممتلئا بالزهو والغرور، وإنما رجعت إليها بصفتي تلميذا بسيطا من تلاميذ الإيمان.

وقد بقيت بينهم مع صديقي شهرا كاملا نتحاور، ونتناظر في كل المسائل.. وعلى الرغم من طرحنا لكل ما في جعبتنا من الشبهات إلا أن أولئك الشباب المنورين بنور الإيمان أجابوا عنها أحسن إجابة، وأدق إجابة.

لم نملك بعد ذلك إلا أن ندخل جنة الإيمان، ونفر من جحيم الجحود والكفران.

برهان التكيف:

بعد أن أنهى الرجل الأول حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن حدثكم صديقي وأخي عن [برهان التصميم]، وكيف خرج به من ظلمات الجهل والغواية إلى نور الإيمان والهداية.. فاسمعوا حديثي عن برهان من براهين الصنعة البديعة، أطلقت عليه اسم [برهان التكيف].. وهو برهان يدل على الله من كل الوجوه، وبكل المقدمات، وبجميع اللغات، فالله تعالى وفر لكل صنعة صنعها البيئة المناسبة لها، والكيفية التي تستطيع أن تؤدي بها وظائفها بكل يسر وسهولة.

ولأبسط لكم هذا أضرب لكم مثالا عن السيارة ومخترعها هل ترونه اخترع السيارة فقط، أم أنه اخترع معها الطريق التي تسير عليها، وكل الظروف التي تحيط بها.. لاشك أنكم تعلمون أن كل مخترع أو صانع في الدنيا يقتصر على بعض أجزاء الصنعة، أما تفاصيل البيئة المحيطة بها، فيحتاج إلى خبراء آخرين، وفي كل المجالات.

أما صنعة الله تعالى، فهي في منتهى الكمال، ولذلك تراعي كل الظروف والبيئات التي تتواجد فيها.. وقد كان هذا أول ما أثار في التساؤلات الداعية للبحث في الحقائق الإيمانية.

وقد بدأ ذلك برحلة علمية قمت بها إلى الصحراء([3]) حيث الحر القائظ نهاراً، والبرد القارس ليلاً، والجفاف المستمر لأسابيع، بل لشهور عديدة.. فكل هذه الخصائص تميّز الحياة في البيئة الصحراوية.

لكن رغم هذه الظروف التي تبدو صعبة للغاية، وجدت الكثير من أنواع الكائنات الحية تستطيع أن تعيش في هذه البيئة، وبكل يسر وسهولة.. وهذا مما ملأني بالعجب.

قلت حينها لمرشدي، وهو من سكان تلك الصحراء التي ذهبت إليها: كيف تستطيع هذه الحيوانات أن تعيش في هذا الجحيم الذي لا يطاق؟

ابتسم، وقال: لا تقلق عليها.. فقد خلق الله لها من الخصائص الجسمية ما تستطيع به العيش في هذه البيئة القاسية.

قلت له مختبرا: دعنا من الحديث عن الله.. وحدثنا بلغة العلم.. فالعلم لا يعرف إلا ما تنتجه المخابر والمعامل.

قال مبتسما: لقد أجبتك بكلا الإجابتين.. فقد أخبرتك بما ذكره العلم من تزويدها بالخصائص المناسبة التي تيسر عليها التكيف مع البيئة التي تعيش فيها.. وذكرت لك أيضا أن تلك الخصائص لا يمكن أن تكون وليدة ذاتها، وإنما وليدة طرف خارجي، وذلك الطرف خارجي هو ما أطلق عليه أنا وجميع المؤمنين اسم [الله].. وإن شئت أن تطلق عليه اسما آخر، فلك ذلك.

قلت: أنا والعلماء نطلق عليه اسم [الصدفة]

قال: الصدفة ليست طرفا خارجيا.. بل هي نوع من الهروب من الحقيقة.. والصدفة محكومة بالاحتمالات الرياضية، وهي يستحيل أن تنطبق على هذه الكائنات الغريبة التي تراها.. بل يستحيل أن تنطبق على شيء.. فالعبث لا ينتج نظاما، ولا صنعة بديعة.. بل لا ينتج شيئا.

لم أشأ أن أرد عليه، لأن كنت مقتنعا بجوابه.. فالصدفة لم تكن إلا هروبا من الحقيقة العظمى.. التي يدل كل شيء عليها.

***

بعد أن جرى بيني وبينه هذا الحوار سرت معه مسافات هائلة وسط الصحراء، ومعنا جميع الأجهزة والمعدات.. وفي الطريق وجدنا الأفعى الصّحراوية، وقد بدت لنا غريبة عجيبة في تلك الصحراء القاحلة التي تكاد تصبح نارا حارقة.. ومع ذلك رأيناها، وهي تعيش تحت الرمال، بل تدفن نفسها في الرمال بحركة تموجية جانبية، ثم يتحرك ذيلها بسرعة من اليسار إلى اليمين، وسرعان ما تشمل هذه الحركة جسم الأفعى كله حتى تدفن داخل الرمال، وعلى شكل ثلاثة التواءات.. وأحياناً تترك عيناً واحدة أو كلتيهما خارج الرمال، حتى تستطيع اصطياد فرائسها.

لقد أثار ذلك تعجبي، فسألت المرشد عن الأذى الذي يمكن أن يلحق بعيون الأفعى بسبب هبوب العواصف الرملية، فقال لي: لا تقلق عليها، فقد زود الله عينها بالكثير من المزايا التي تحميها من أذى العواصف، فهي مغلفة بطبقة شفافة تقيها أثرها.

لم أشأ أن أعلق عليه هذه المرة، فقد علمت أن اسم [الله] يجري على لسانه بشكل اعتيادي، كما يجري اسم [الطبيعة] على لساني، ولم يكن هناك فرق بيني وبينه سوى في كون إلهه عالما قدير خبيرا حيا، وطبيعتي بكماء صماء عمياء ميتة.

***

بعدها سرنا في الصحراء، حيث رأينا الثّعلب الصحراوي الذي يُعَدُّ من أصغر أنواع الثعالب، والذي يمتاز باتساع أذنيه إلى درجة كبيرة.

وقد سألت صاحبي عنه، وعن سر أذنيه الكبيرتين، فقال لي: لقد حبا الله هذا النوع من الثعالب بأذنين كبيرتين، لا لتمييز أصوات الفرائس فحسب، بل لضبط درجة حرارة الجسم أيضا.. فلها كلا هذين الدورين المهمين لحياته واستقراره.

أكملنا سيرنا، حيث رأينا [السّحلية ذات الأنف المجدافي]، وهي تقوم بتحريك أقدامها وذيلها على الرمال بحركة شبيهة بالرقص.. فسألت صاحبي عنها، فذكر لي أن غرضها من ذلك هو تبريد أقدامها وذيلها..

وهكذا سرنا في الصحراء، وهو يفسر لي كل ما أراه من مشاهد، ويبين لي ما أودع الله فيها من الخصائص والقوى التي تتيح لها العيش بسهولة ويسر.. إلى أن مررنا على مجموعة كبيرة من الجمال في وسط الصحراء.. فقال لي من غير أن أسأله: انظر إلى الجمل، فقد دعانا ربنا إلى النظر إليه، والتأمل فيما أودع فيه من لطيف صنعه.. لقد قال في ذلك: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } [الغاشية: 17]

قلت، وأنا أبتسم: أليس من العجب أن يتحدث الإله الذي تذكر أنه صمم هذا الكون جميعا، عن هذا المخلوق.. فأين يكون الجمل أمام المجرات والنجوم العظيمة والثقوب السوداء؟

ابتسم، وقال: الكل خلق الله.. وله أن يحدثنا عما يشاء.. وهو يخاطبنا نحن البشر، كما خاطب غيرنا من المخلوقات، بما يتناسب مع طبيعتنا وبيئاتنا المختلفة..

والله لم يحدثنا عن الجمل فقط.. بل حدثنا عن السموات والأرض والنجوم والكواكب والبحار والأنهار والجبال والصحراء.. وكل ما يخطر ببالك، وما لا يخطر على بالك.. حتى البعوض حدثنا الله عنه، وأمرنا بالاعتبار به، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26]

كان لقراءته وقع خاص في قلبي، وكان للمعاني التي شرحها لي من الآية تأثيرها الكبير في نفسي، فرحت أقول له جادا لا مازحا: ما دام ربك قد أمرك بالنظر إلى الجمال، فلا شك أنك قد نفذت أمره، فأخبرني ما الذي رأيته فيها؟

قال، وقد سره سؤالي([4]):أول ما يلفت الأنظار في الإبل خصائصها البينات والشكل الخارجي الذي لا يخلو تكوينه من لطائف تأخذ بالألباب، فالعينان محاطتان بطبقتين من الأهداب الطوال تقيانهما القذى والرمال.. أما الأذنان فصغيرتان قليلتا البروز، فضلاً عن أن الشعر يكتنفها من كل جانب، ليقيها الرمال التي تذروها الرياح، ولهما القدرة عن الانثناء خلفاً والالتصاق بالرأس إذا ما هبت العواصف الرملية.. أما المنخران، فيتخذات شكل شقين ضيقين محاطين بالشعر وحافتهما لحمية، فيستطيع الجمل أن يغلقهما دون ما قد تحمله الرياح إلى رئتيه من دقائق الرمال.. أما ذيله، فيحمل على جانبيه شعراً يحمى الأجزاء الخلفية من حبات الرمل التي تثيرها الرياح السافيات كأنها وابل من طبقات الرصاص.. أما قوائم الجمل، فهي طويلة لترفع جسمه عن كثير مما يثور تحته من غبار، كما أنها تساعده على اتساع الخطو وخفة الحركة.

وهكذا تتحصن أقدام الجمل بخف يغلفه جلد قوي غليظ يضم وسادة عريضة لينة تتسع عندما يدوس الجمل بها فوق الأرض، ومن ثم يستطيع السير فوق أكثر الرمل نعومة، وهو ما يصعب على أية دابة سواه، وهذاما يجعله جديراً بلقب (سفينة الصحراء)

ومما يناسب ارتفاع قوائم الجمل طول عنقه، حتى يتناول طعامه من نبات الأرض، كما أنه يستطيع قضم أوراق الأشجار المرتفعة حين يصادفها، هذا فضلاً عن أن هذا العنق الطويل يزيد الرأس ارتفاعاً عن الأقذاء، ويساعد الجمل على النهوض بالأثقال.

لهذه الخصائص وغيرها، والتي حباها الله للإبل، لا تزال تعتبر في كثير من المناطق القاحلة الوسيلة المثلى لارتياد الصحارى، فقد تقطع قافلة الإبل بما عليها من زاد ومتاع نحوا من خمسين أو ستين كيلومترا في اليوم الواحد، ولم تستطع السيارات بعد منافسة الجمل في ارتياد المناطق الصحراوية الوعرة غير المعبدة.

وحين يبرك الجمل للراحة أو يناخ ليعد للرحيل يعتمد جسمه الثقيل على وسائد من جلد قوي سميك على مفاصل أرجله، ويرتكز بمعظم ثقله على كلكله، حتى أنه لو جثم به فوق حيوان أو إنسان طحنه طحناً.

وهذه الوسائد إحدى معجزات الخالق التي أنعم بها على هذا الحيوان العجيب، حيث أنها تهيئه لأن يبرك فوق الرمل الخشنة الشديدة الحرارة التي كثيراً ما لا يجد الجمل سواها مفترشاً له، فلا يبالي بها ولا يصيبه منها أذى.

قلت: فأنت ترى بأن الله أعد الإبل إعدادا من أجل مهام السفر الصعبة!؟

قال: ليس ذلك فقط.. أو بالأحرى ذلك ما يمكن أن يعرف بالنظر البسيط القاصر.

قلت: فهل هناك نظر آخر أعمق وأطول؟

قال: أجل.. هناك أشياء تحتاج إلى نظر أعمق، أو بأجهزة تعين البصر القاصر.

قلت: فحدثني عن بعض ما دل عليه النظر الأعمق.

قال: منها أن الجمل يحافظ على مياهه بقدر الإمكان، لأنه في صحراء قليلة المياه، فلذلك لا تراه يتنفس من فمه، ولا يلهث أبداً مهما اشتد الحر، أو استبد به العطش، وهو بذلك يتجنب تبخر الماء من هذا السبيل.. وهو لا يفرز إلا مقدار ضئيلاً من العرق عند الضرورة القصوى بفضل قدرة جسمه على التكيف مع المعيشة في ظروف الصحراء التي تتغير فيها درجة الحارة بين الليل والنهار، ويستطيع جهاز ضبط الحرارة في جسم الجمل أن يجعل مدى تفاوت الحرارة نحو سبع درجات كاملة دون ضرر، ولا يضطر الجمل إلى العرق إلا إذا تجاوزت حرارة جسمه 41م ويكون هذا في فترة قصيرة من النهار، أما في المساء فإن الجمل يتخلص من الحرارة التي اختزنها عن طريق الإشعاع إلى هواء الليل البارد دون أن يفقد قطرة ماء، وهذه الآلية وحدها توفر للجمل خمسة ألتار كاملة من الماء.

و هناك أمر آخر يستحق الذكر، وهو أن الجسم يكتسب الحرارة من الوسط المحيط به بقدر الفرق بين درجة حرارته ودرجة ذلك الوسط، ولو لم يكن جهاز ضبط حرارة جسم الجمل ذكياً ومرنا بقدرة الخالق اللطيف لكان الفرق بين درجة حرارة الجمل ودرجة حرارة هجير الظهيرة فرقاً كبيراً يجعل الجمل إلى 41م في نهار الصحراء الحارق يصبح هذا الفرق ضئيلاً وتقل تبعاً لذلك كمية الحرارة التي يمتصها الجسم، وهذا يعني ان الجمل الظمآن يكون أقدر على تحمل القيظ من الجمل الريان، فسبحان الله العليم بخلقه.

قاطعته قائلا: فكل هذا من الخصائص التي وفرت لهذا الحيوان ليكون مركبا صالحا في الصحراء القاحلة.

قال: هذا بعض ما تمكن العلم من معرفته.. وهناك الكثير مما لا يزال في طي الغيب.

***

بقيت معه مدة أحدثه ويحدثني، وقد حاولت أن أستعمل كل الوسائل لإقناعه بالصدفة والتطور والطبيعة وكل المصطلحات التي حفظناها إلا أنه كان يأبى علي، لكنه في الأخير أبدى نوعا من الاستسلام المشروط، حيث قال لي، ونحن في جوف الصحراء: سأقوم بعمل خطير، وهو أن أثقب عجلات هذه السيارة.. أو أفرغها من الوقود.. وبعد ذلك نترك للصدفة أن تعمل عملها في تصليح العجلات، أو في توفير عجلات بديلة، أو في توفير الوقود الضائع.. إن قبلت بهذا فسؤؤمن بالصدفة؟

قلت، وقد امتلأت بالرعب: كيف تقول هذا.. أتريد أن تلقي بنا إلى التهلكة؟

قال: فلم تطبق الصدفة على من تشاء، وتنزعها ممن تشاء.. أترى أن العقل الحكيم يقول هذا؟

لم أجد ما أجيبه به.. لكني امتلأت رعبا مما قاله، حتى أني طلبت منه أن نعود، وأنا في غاية الخوف، لأني أعلم أن من ضاع في تلك الصحراء القاحلة لن يعود أبدا.

لكن قوله هذا كان له تأثيره الشديد على لجم ذلك الغرور الذي أصابني طيلة حياتي، حتى أن الهلع صار يصيبني كل ما سمعت كلمة [الصدفة] إلى أن جاء ذلك اليوم الذي تخلصت فيه من كبريائي وعقدي النفسية، وصحت فيه بملأ صوتي بالإيمان، وقد كان أول ما فعلته هو ذهابي لتلك الصحراء، وزيارتي لذلك الصديق العبقري الذي أوصل لي رسائله بكل دقة وهدوء وأدب.

برهان التناسق:

بعد أن أنهى الرجل الثالث حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن حدثكم صديقي وأخي عن [برهان التكيف]، وكيف خرج به من ظلمات الجهل والغواية إلى نور الإيمان والهداية.. فاسمعوا حديثي عن برهان من براهين الصنعة العجيبة، أطلقت عليه اسم [برهان التناسق].. وهو برهان يدل على الله من كل الوجوه، وبكل المقدمات، وبجميع اللغات..

فقد كان أول ما شد انتباهي ـ وأنا الذي كنت أمارس ألوانا مختلفة من الفنون ابتداء بالرسم والنحت وانتهاء بالغناء والموسيقى ـ هو ذلك الجمال العظيم الذي يبدو ملازماً لكل أجزاء الكون، والذي لم يستطع عقلي أن يهضم كونه جاء صدفة، وعن طرق عشوائية لا تدبير وراءها ولا تصميم.

لقد كان([5]) جمال السحب، وقوس قزح، والسماء الزرقاء، والبهجة الرائعة التي تملا نفس الناظر إلى النجوم، وإلى القمر في طلوعه، والشمس في غروبها، وروعة الظهر الفائقة، كل ذلك يهز كياني ومشاعري ويملأني بتشرب كل ألوان الجمال وسحره.

وهكذا كنت أتأمل من خلال المجاهر أصغر حيوان، وأدق زهرة، فأرى كيف تزينها خطوط من الجمال محكمة الصنع.. وكنت أرى الخطوط البلورية التي توجد في العناصر والمركبات، من ندفة الثلج إلى الأشكال الأصغر منها، إلى ما لا نهاية، كلها في منتهى الجمال والدقة والتناسق.

وهكذا كنت أرى كل ورقة من الأوراق وهي تختال في أكمل شكل، وأجمل تخطيط.. وأرى لكل نبتة صفة فردية، وخطوط فن أصيلة، وبتنظيمات كاملة، ووفق تصميمات صحيحة، وأرى ألوانها، وهي موزعة بشكل مدهش، ومن النادر، إن لم يكن من المحال، ان تختلط معاً.

وهكذا كنت أرى الوادي الأخضر، والأشجار الباسقة، والصخور، والجبال التي يجلل قممها الثلج.. وأرى التتابع الفاخر لأمواج المحيط، وتلاطمها على أرض الشاطئ، وتحليق الطيور في الجو. سواء فوق البحر أو على طول الشاطئ أو في الغابة مع ألوانها المكيفة.

كل ذلك كان يهزني هزا، وأحاول تقليده في اللوحات التي أرسمها، والموسيقى التي أسجلها، ولكني لم أكن أوصل إلى المهتمين بفني والمعجبين به سوى مقدارا ضئيلا من ذلك الجمال الذي حبا الله به الكائنات.

***

وقد كنت مع كل ذلك الجمال الذي أعيشه في صحبة الكائنات أتألم ألما شديدا للأفكار التي تعشش في عقلي، والتي ربيت عليها، وغذيت بها، والتي تجعلني أرمي كل ذلك الجمال والإبداع والتنسيق بالعشوائية والصدفة.. إلى أن جاء ذلك اليوم الذي التقيت فيه الفنان الحقيقي الذي دلني على ربي، وهداني إليه، وبواسطته حللت بينكم في هذه الروضة الممتلئة بالبركات.

لقد قال لي، بعد أن زار معرضا كنت أقمته في البلدة التي يسكن فيها: مرحبا بك ضيفا عندنا.. واسمح لي أن أذكر لك شيئا سمعته عنك.. ولست أدري مدى صحته.. وأظن على الغالب أنه غير صحيح.

قلت: أنا في الاستماع، فاذكر ما سمعت، وسأجيبك.

قال: سمعت أن لوحاتك هذه ليست من تصميمك، وأنك لست المبدع الذي أبدعها، ولا الفنان الذي أخرجها..

قلت، وقد امتلأت غيظا: من قال هذا.. من قال هذا فهو حاسد حاقد.. وأنا مستعد لأن أرميه في السجن بسبب هذه الدعوى الممتلئة بالحسد.

اجتمع الناس حولنا، عندما سمعوا صراخي، وراحوا يحاولون بكل الوسائل أن يهدئوني، لكني لم أستطع الهدوء، فقد شعرت أن كرامتي قد هدرت، وأن عرضي قد استبيح بتلك الدعوى.. لذلك أمسكت بتلابيب الرجل الذي حدثني، ورحت أطلب منه أن يذكر لي اسم الذي قال له هذا.

لكنه قال لي بهدوء، وأمام جميع الحضور: سأذكره لك.. فدع عنك ثيابي..

تركته، فقال بكل هدوء: إنها امرأة سمعت أن اسمها [صدفة]، وبعضهم يطلق عليها [طبيعة]، ولست أدري كيف تسمى في بلادكم.. لقد أخبرني بعضهم أنها هي التي صممت هذه اللوحات.. وما كان دورك أنت إلا إخراجها ونسبتها إلى نفسك.

لم ألتفت في ذلك الحين من فرط غضبي لما ذكره من أسماء، وما يريد بها.. بل رحت أقول للجمع الحاضر: هل تعرفون هذه المرأة.. أعد لهم ذكر اسمها.. أخبروني أين تسكن.. وسأبلغ الشرطة عنها حالا؟

ضحك الجميع، فتعجبت لضحكهم، وزاد غضبي، لكنهم استطاعوا تهدئتي، وأخبروني بما أراده الرجل، فتنفست الصعداء، وشعرت حينها بأنه قد وجه لي أكبر حجة يمكن أن يوجهها أحد من الناس..

***

طلبت من بعض أصدقائي عندما انتهى المعرض أن يحضره لي، فقال لي، وقد توهم أني أريد به سوءا: لا تغضب، فالرجل لم يقصد أن يؤذيك.. فأنا أعرفه جيدا، فهو فنان مبدع، وهو مثلك تماما يمارس أنواعا مختلفة من الفنون.. لكنه أراد فقط أن يمزح معك.

قلت: لا.. الرجل لا يمزح.. الرجل لم يقل إلا الحق.. لقد قدم لي أعظم هدية.. وأنا أريد حضوره ليكمل لي ما بدأه.. ليخلصني من غفوتي وجهالتي، ويعيد إلي ذاتي وحقيقتي.

تعجب الرجل من هذا الحديث الذي حدثته به، وكيف تحولت من تلك الحال الغاضبة إلى هذه الحال الجديدة، ولذلك أسرع يحث الخطى إليه، وما هي إلا ساعات قليلة حتى جاء به، فطلبت منه أن يذكر لي سر قوله ذلك، فقال: لقد كررت عليك ما حصل لي في يوم من الأيام حين كنت أؤمن بالصدفة والطبيعة، وأنها ملهمة الكون كل الجمال الذي يحويه..

وقد أرسل الله لي حينها رجلا رآني منبهرا أمام لوحة طبيعية جميلة، بيعت بأثمان غالية جدا، فقال لي، وهو يحاورني([6]): أراك مندهشا أمام هذه اللوحة، فانيا في جمالها؟

قلت: أجل.. إنها أثر عظيم؟

قال: لماذا حكمت عليها بذلك؟

قلت: لما فيها من إبداع في التصوير والتعبير والجو والظلال والتناسق والتفاعل.. إنها بكل ما فيها تثير الإعجاب في نفس كل من يشاهدها.

قال: لك الحق في ذلك، فهي مثيرة للإعجاب.. فمن أبدعها.. أم ترى الألوان تساقطت عليها، فتشكلت هكذا صدفة؟

قلت، وقد امتلأت غضبا: يستحيل على هذا الأثر الفني العظيم أن يكون وليد صدفة عشوائية.. إن الذي أبدعها فنان ماهر.. يعرف كل لون أين يضعه.. وكل شكل كيف يرسمه.. نعم لا أعرفه.. ولكني مع ذلك موقن تماما أن من رسمها يستحيل ألا يكون فنانا ماهرا.

قال: ما دمت تعتبر من المحال أن تكون هذه اللوحة خرجت هكذا صدفة، مع كونها لم تفعل سوى أن حاولت تصوير مشهد طبيعي موجود، نراه جميعا بالأبعاد الثلاثة.. ألم يخطر ببالك أن تكون تلك المشاهد هي أيضا ليست وليدة صدفة.. أم أنك تعتبر المقلد مبدعا، والمصمم صدفة؟

لم أجد بما أجيبه إلا أني رحت أراجع حسابات أفكاري، فرحت أصرف بصري عن اللوحة المحدودة الضيقة وأتجول به في أنحاء الكون الواسع، فرأيت مشهدا إبداعيا عظيما في الكون لم أكن أراه من قبل.. لقد أعمتني الألفة عن النظر إليه، والتأمل فيه..

لقد وجدت أن ربنا المبدع العظيم هو الذي جعل فينا الإحساس بالإبداع، وحب الجمال، وتذوقه، لننتقل بمداركنا من لوحات الوجود، وحجب السماوات والأرض، إلى رب الوجود ورب السموات والأرض.. كما ننتقل من التعرف على جمال اللوحة إلى جمال روح الفنان الذي أبدعها.

لقد قال لي صاحبي هذا بعد أن رآني متأملا ما يقول: لا يفوتنك يا صاح أن ترى الإبداع، ولا تعرف المبدع، أو تلمس الإحسان، وتنسى المحسن، أو تعشق الجمال ولا يمتلئ قلبك بحب خالق الجمال.

***

ما قال لي هذا حتى شعرت بأنوار الإيمان تتغلغل إلى روحي وقلبي وعقلي وكل لطائفي.. وقد سرت معه في ذلك المساء نحو بعض الحدائق الغناء، وقد رأيت فيها من اللوحات والرسوم ما لم أكن أراه.. وكان أجمل ما شدني فيها هو ذلك التوقيع الرباني الذي يحمله كل لون من ألوانها، وشكل من أشكالها.

برهان التكامل:

بعد أن أنهى الرجل الثالث حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن حدثكم صديقي وأخي عن [برهان التناسق]، وكيف خرج به من ظلمات الجهل والغواية إلى نور الإيمان والهداية.. فاسمعوا حديثي الذي لا يقل عنه عجبا.. وهو عن برهان من براهين الصنعة العجيبة، أطلقت عليه اسم [برهان التكامل].. وهو برهان يدل على الله من كل الوجوه، وبكل المقدمات، وبجميع اللغات..

فالله تعالى كما أعطى كل شيء خلقه وهداه وأبدعه وزينه بجميع أنواع الزينة وفر له كذلك من أبناء جنسه أو غيرهم ما يتكامل بهم، ويؤدي دوره ووظائفه معهم، وهذا ما تفتقر إليه جميع الصناعات البشرية.

وقد كان التفكير هذا هو بداية رحلتي إلى الله، وخروجي من الجهل والغواية التي ربيت عليها بين مدارس قومي، والتي جعلتني أرى كل شيء عبثا لا معنى له إلا المعنى الذي تحمله المواد التي يتركب منها.

لقد رأيت([7]) أن رحيق أزهار بعض النباتات يوجد في جوفها العميق، وقد بدا لي ذلك في البداية أمرا سلبيا لا معنى له.. فالحشرات والطّيور لا تستطيع الوصول إليه، ولذلك يكون انتشاره غير ممكن، وينتج عن ذلك ـ كما توهمت ـ استحالة إخصاب الزهرة.. لكني وجدت بعد ذلك أن هناك من الكائنا الحية من يستطيع أن يصل إلى ذلك الرحيق القابع في جوف الزهرة.. وكأن الله خص تلك الكائنات بذلك الرحيق حتى لا تنافسها فيه الكائنات الحية الأخرى، والتي تجد غذاءها في أزهار أخرى كثيرة.

وهكذا وجدت تلاؤما مدهشا بين شجرة الثريا وحشرة العثّ.. فشجرة الثريا يكون سطحها الخارجي مغطى بأوراق كبيرة تشبه الشارات المعلقة على الصدور، وفي مركز هذه البقعة الورقية توجد ساق رفيعة تحمل أزهارا تشبه لون القشدة.. وتتميز بكون حبوب اللقاح فيها تكون في أجزاء منحنية، ولهذا السبب لايمكن لأي حشرة أن تجمع هذه الحبوب إلا إذا كانت ذات فم يستطيع الانحناء بسهولة مثل حشرة العثّ.

ولهذا نرى هذه الحشرة تقوم بتجميع هذه الحبوب وجعلها مكورة، ومن ثم تحملها إلى شجرة ثريا أخرى، وفي مرحلة أولى تنزل هذه الحشرة إلى قاع الزهرة كي تضع بيضها، ثم تصعد إلى حافة الزهرة، وتقوم بضرب ما جلبته من حبوب اللقاح المجمعة بشكل كرات على حافة الزهرة كي تتساقط حبوب اللقاح نحو الأسفل.

فهذه الحشرة بعملها هذا توفر مادة غذائية لازمة لليرقات التي ستخرج من البيض فيما بعد، وهي أيضا تساعد على إخصاب الزهرة، لأن أشجار الثريا لا تستطيع أن تخصب أزهارها إلا بتلك الواسطة.

وهكذا وجدت أن ثمة ترابطا عجيبا بين إخصاب زهرة الثريا وتغذية حشرة العث، ووجدت أن هذا الترابط الوثيق لم يحدث بإرادة الثريا، ولا بإرادة حشرة العث.. فرحت أبحث عن سر ذلك الترابط ومن وضعه.. وكيف تكاملت المصلحتان؟

وقد وجدت في خلال بحثي أنه لا يمكن لنبتة أو حشرة أن تطور أسلوبا ما اعتمادا على احتياجات كائن آخر، ولا يمكن لهما أن يكونا على علم بهذه الاحتياجات؛ لأن هذه الكائنات الحية غير عاقلة وغير مدركة، ولا يمكن أن تنقل ما تتبعه من أسلوب حياتي إلى كائن حي آخر.

فعرفت أن هذا الترابط الوثيق، أو الانسجام الخارق الموجود بين الكائنات الحية مصدره أمر خارج عنها، وأن هناك قوة غيبية هي التي جعلت كل واحد منهما للآخر في نفس حاجته إليه.

***

أخذت هذه التساؤلات التي أثارت اهتمامي إلى صديق قديم لي، كان زميلا في الدراسة، وكنت أراه كثير المناقشة للأساتذة حول القضايا العلمية التي يطرحونها، وكان دائما يغلبهم في الحوار، فلا يكادون يستطيعون إجابته، فيتحاشونه، ويسخرون منه.

وقد تذكرته في ذلك اليوم، فرحت إليه عساني أجد عنده من العلم ما توقف فيه عقلي.. وما إن بادرته بذلك، حتى قال لي([8]): هل يمكن للزهرة أن تعرف ما تريده الحشرة؟ وهل يمكن لها أن تخطط لإيقاع الحشرة في حبائلها، وأن تقوم بتغييرات في بنيتها للوصول إلى ذلك الهدف؟

قلت: من المستحيل طبعا أن تقوم زهرة ما أو حشرة ما بإدخال تغييرات على شكلها بمحض إرادتها.. فالزهرة أضعف من أن تفعل ذلك.

قال: لكنا لو ألقينا نظرة على ما يحدث في العالم الذي نعيشه نرى أمثلة عديدة على هذه التغييرات، أو بالأحرى على هذه الأساليب.. من الأمثلة على ذلك الأسلوب الذي تتبعه نبتة [أوركيدة الكوريانثيس] في جذب الحشرات كوسيلة للتكاثر.. حيث أن تكاثر هذا النبات يعتمد على تحميل حبوب اللقاح على أجسام الحشرات.. وأزهار هذا النبات تكون على شكل باقات متجمعة، وأمام كل زهرة توجد وريقتان على شكل جناح مقعر، وخلف كل وريقة توجد وريقة أخرى صغيرة مقعرة، وعند تفتح هذه الأزهار يسيل إفراز خاص نحو الحافة السفلى لهذه الوريقات.. وبعد مدة تتخذ الزهرة لونا أخضر قاتما، وتفوح منها كذلك رائحة جذابة تجلب إليها النحل، ومصدر هذه الرائحة هو السائل الذي تم إفرازه عند تفتح الزهرة.

وهكذا تبدأ ذكور النحل بالطيران حول الزهرة التي تفوح منها الرائحة الجذابة، ثم تحاول هذه الذكور التمسك بحواف الزهرة القائمة ثم تحطّ عليها، وتبدأ بالبحث عن مكان في الجزء الرابط بين الزهرة وجذع النبات كي تتمسك به بأرجلها الخلفية، لكن هذا الجزء بالذات يمتاز بالانحناء والملمس الدّهني الأملس، ولذلك فإن الذكور التي تحوم حول الزهرة سرعان ما تسقط داخل تلك الوريقات المقعرة المليئة بالسائل الذي تم إفرازه حينما تحاول التمسك بالزهرة.

وهكذا لا يجد النحل الذي يسقط داخل الزهرة مخرجا إلا الجدار الأمامي لها، وهو عبارة عن أنبوب ضيق يفتح إلى الخارج، وتكون حافة هذا الأنبوب بموازاة السائل الدهني الذي يغمر قاع الخلية.. ولهذا يضطر النحل إلى السباحة حتى يصل إلى الحافة أو المخرج، وأثناء سباحته يمر من تحت الأعضاء الذكرية للزهرة والتي تكون محمّلة بحبوب اللقاح.. وهكذا تنجح الحشرة في الخروج من الزهرة، وتنجح الزهرة في إيصال حويصلاتها إلى زهرة أخرى.. وبذلك يحدث الإخصاب.

التفت إلي، وقال: أنت ترى أن هذه العملية ليست مفيدة في إخصاب الزهرة فحسب، بل هي مفيدة للنحل أيضا؛ لأنّ السائل الذي يسبح فيه النّحل مهم جدا بالنسبة إليه، فهذا السائل يكسب الذكر الرائحة المميزة والتي بواسطتها يستطيع جذب الأنثى أثناء فترة التكاثر.

قلت: إن ما ذكرته هو نفس ما اكتشفته.. فما تفسير ذلك؟

قال: لا يمكن تفسير ذلك بأي نظرية من النظريات المادية التي درسناها.. فمن المستحيل للزهرة أن تطور أي أسلوب لخداع أي حشرة أو جذبها بمحض إرادتها، ومن المستحيل لأي حشرة أن تطور أي أسلوب للحصول على أي مادة ضرورية لها من أي زهرة وبمحض إرادتها؟

قلت: فما التفسير الذي تراه خلافا للنظريات التي درسناها؟

قال: إنّ هذا الانسجام بين هذه الكائنات يدل على أن هناك قوة خارجية لها من العلم والحكمة واللطف والإرادة ما يجعلها توفق بين هذه الكائنات وتربط بينها بهذه الروابط التي لم يقصداها.

قلت: فما هي هذه القوة.. ألا يمكن أن تكون هي الإله الذي يذكره المتدينون؟

***

قال: دعنا لا نستعجل.. وهلم بنا إلى بعض أساتذتنا، فلعلنا نجد عنده الجواب، فهو أكثر منا سنا، وأطول منا خبرة.

ثم سمى لي الأستاذ، وهو [أنتوني فلو].. وقد عجبت لأن ذلك الأستاذ هو نفسه الذي كان يثير معه الكثير من النقاشات، فقلت له: أتدري ما تقول.. إن أنتوني أبعد الناس عن مثل هذه المسائل، ألم تر كيف كان يدرسنا أمثال هذه النظريات التي يعتبرها مقدسة، ولا يحق لأحد أن يناقش فيها.. بل إنه كان يعتبر مجرد مناقشتها خروجا من العقل والعلمية وسقوطا في التيه والخرافة.

قال: كان ذلك كذلك منذ زمن بعيد.. أما الآن فربما يكون قد تغير.. لقد لاحظت عليه إبان تدريسه لنا أنه لم يكن مقتنعا تماما بما يقول.. فهلم بنا إليه، فإن وجدنا عنده الجواب الكافي، اكتفينا به وإلا فما أكثر الأساتذة والباحثين.

ذهبنا إلى بيته الذي كان يعرف صاحبي جيدا، وقد عجبت إذ قيل لنا: انتظروه حتى ينهي صلاته.

فقد كنت أتصور أن كل الناس يمكنهم أن يؤمنوا إلا أنتوني فلو، فقد كان أشرس دعاة الإلحاد، بل ألف أكثر من ثلاثين كتابًا تدور حول فكرة الإلحاد.

قلت لمن ذكر لنا أنه يصلى: أمتأكد أنت مما تقول؟

قال: وكيف لا أكون متأكدا، وأنا حفيده الذي ربيت على يديه.. وقد كنت أصلي معه، وانتهت صلاتنا، لكنه بقي يضيف ما تعود إليها من النوافل؟

قلت: لكنه ألف أكثر من ثلاثين كتابًا تدعو إلى الإلحاد؟

قال: وقد ألف أيضا، وقبل فترة قصيرة كتابا نسخ به كل كتبه السابقة، وقد سماه [هنالك إله].. وقد تعرض بسبب ذلك لحملة تشهير ضخمة من المواقع الإلحادية في العالم، بل أزاحوا عنه كل تلك النياشين التي علقوها له بسبب وحيد، وهو اختياره الإيمان.

ما هي إلا لحظات، حتى قدم [أنتوني]، وحيانا بكل أدب، بل طلب منا أن ندخل بيته، وقدم لنا الشاي، وعاملنا بكل احترام من غير أن يسألنا عن غرضنا الذي جئنا من أجله.. وهذا ما لم نكن نعهده منه، فقد كان قاسيا شرسا صعب المعاملة.

سألته، وهو يقدم لنا الشاي: سمعت أنك بعد رحلتك الطويلة في عالم الإلحاد، تحولت إلى الإيمان.

قال: أجل يا بني.. لقد من الله علي بالهداية بعد غفلتي الطويلة.. وبعد صراعي الشديد معه، لكنه لحلمه ورأفته قابلني بجوده ومغفرته، ومنّ على قلبي بنور الإيمان.

قلت: فكيف كان ذلك.. ولم كان ذلك؟

قال: أسباب ذلك كثيرة ذكرتها في كتابي الذي أدعو فيه كل من ساهمت في تضليلهم إلى الإيمان.. ومنها ذلك التعقيد العالي، والمثير للدهشة في شريط الدي آن أي في الخلية الحية، فقد رأيته مصمما تعصميما عجيبا لم أشك أبدا أن يكون هناك مُصمم ذكي وراءه.

ومن تلك الأسباب ما رأيته من تعاون عجيب في عالم الحشرات، وهو ما جعلني أوقن تماما باستحال تفسير ذلك ماديا.

سأضرب لكما مثلا على ذلك بالنحل البناء([9]).. والذي يُعَدُّ من أكثر أنواع النحل اهتماما ببناء الخلايا، حيث تقوم الأنثى بالبحث عن المكان المناسب لبناء الخلية، وعندما تجده تشرع في تنظيفه مباشرة.. وبما أن بناء الخلية يحتاج إلى كمية من الطين، فلهذا تلجأ إلى تراب ناعم، وتخلطه بإفراز خاص لتحوله إلى طين ملائم لبناء الخلية، ثم تبدأ بالبناء بالتقاط كمية من الطين بواسطة فكها الذي تستخدمه كوسيلة للحفر في الطين، ومن ثمّ تحركه بأقدامها ليصبح على هيئة كرة، ومع إضافة جزء بعد آخر تبدو النّحلة وكأنها تعد قالبا للبناء، ثم تمسك الأنثى بهذه الكتلة الطينية بواسطة الفك السفلي لتعود بها إلى المكان المعد لبناء الخلية.

وعندما تعود إلى المكان المعدّ لبناء الخلية لا تبدأ بالعمل بصورة عشوائية، بل تباشر العمل وفق خطة معينة مرسومة لبناء الخلية، وهي تقترب في شكلها من النّفق، ووفقا لهذه الخطة، تستخدم الكرة الطينية التي أعدتها مسبقا لبناء الجزء الخلفي لأول غرفة في الخلية ذات الطرف المسدود، وتستمر شيئا فشيئا في تكملة بناء هذه الغرفة عن طريق جلب كميات أخرى من الطين.

وعند اكتمال البناء تبدأ بجلب الغذاء لتخزينه في هذا الجزء من الخلية، وأوّل ما تقوم بتخزينه هو حبوب اللقاح التي جمعتها، وتخزنها في هذا الجزء الخلفي من الخلية، وبعد كلّ عملية تخزين تقوم بإفراز العسل على كل طبقة من حبوب اللقاح التي جمعتها في رحلة سابقة، وبهذا الشّكل تكون قد أنهت تحضيراتها الأولية قبل وضع البيض.

وبعد أن تنتهي من تخزين حبوب اللقاح تبدأ على الفور بوضع البيض، ثم تعود إلى إكمال البناء انطلاقا من الأماكن التي توقفت فيها ووضعت عليها إشارات معينة.

وهكذا تستمر في بناء الخلية جزءا بعد جزء بعد أن تضع البيض في كل جزء يتم بناؤه، وبذلك تأخذ هذه الأقسام المبنية شكلا متسلسلا ومتعاقبا، ويصبح كل جزء في الخلية يحتوي على بيضة مع جزء من حبوب اللّقاح التي تم خزنها للغذاء.. ويفصل كل جزء عن الآخر بجدار طيني.

وبعد أن تنتهي من بناء آخر جزء في الخلية وغلقه تترك فراغا محددا وتسدّه بمسد محدد أيضا، وهذا المسدّ يمنع الغرباء من بناء الأعشاش أمام الخلية، وبالتالي يكون بإمكان اليرقات الخروج إلى العالم الخارجي.

التفت إلينا، وقال: لقد اتضح لنا من خلال كلّ خطوة من الخطوات التي يقطعها النحل البناء لإنشاء خليته أن هناك سلوكا عاقلا ومدركا لما يفعل.

وقد سمعت وأنا في فرط دهشتي من ذلك الأسلوب العجيب لتلك الحشرة البسيطة مسلما يقرأ قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)} [النحل: 68، 69]

وقد هزتني الآية هزا، فرحت أطلب من القارئ أن يعيدها علي، فرحت أتأملها، وأتأمل الطلب الأخير الذي ورد فيها، والذي يحث على التفكير.. فلا يكتشف آيات الله في خلقه إلا المفكرون.

وبعد عمليات تفكير طويلة ومعقدة اكتشفت فيها أن هذه الكائنات أضعف من أن تقوم بما تقوم به من دون إلهام إلهي، وتوجيه رباني.. وكان ذلك مقدمة إيماني الذي سرت فيه إلى النهاية التي رأيتموها.

***

لست أدري كيف تركناه من غير أن نخبره خبرنا، ولا سبب مجيئنا إليه، لكنا آثرنا ألا نخبره في ذلك الحين، فلم يكن الوقت مناسبا، وفي طريقنا إلى منازلنا التقينا صديقا آخر لنا، سألناه عن وجهته، فذكر لنا أنه ذاهب لأستاذنا [أنتوني فلو]، فسألناه عن سبب تذكره له، فقال: لقد كنت أتابع شريطا وثائقيا عن عالم النمل الأبيض.. ورأيته كيف يجتمع ويتآلف في جيش واحد ليبني ناطحات السّحاب.. وقد جعلني ذلك أتساءل: هل يمكن لعمال عميان أن ينشئوا ناطحات سحاب عملاقة مثل مبنى (إمباير ستايت)؟

لقد رأيت أن هذا مستحيل بالنسبة للإنسان صاحب الوعي والعقل، فكيف استطاع النّمل الأبيض الأعمى أن يشيّد مثل هذه الأبنية طوال حياته؟

قلنا له: لم نفهم ما تعني؟

قال: لاشك أنكم لا تعرفون النمل الأبيض وقدراته العجيبة على بناء أعشاش قوية للغاية لا يستطيع حتى الإنسان أن يهدمها بسهولة.. ليس ذلك فقط، بل إن كل نوع من أنواع النمل الأبيض يبني عشه بالشكل الذي يلبي احتياجاته.. فهناك نوع يبني عشه بالشكل الذي يقيه من الحر القائظ، ونوع آخر يبنيه كي يقيه من الأمطار الغزيرة، ومن الأعشاش ما يبنى في جوف الأشجار، ومنها ما يبنى تحت التربة، ومنها ما يبنى فوقها.

بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الأعشاش تحتوي على قنوات للتهوية وممرات خاصة ومتاهات للتمويه.. وفوق ذلك كله، فإن الخاصّية الإعجازية الملفتة للانتباه لدى هذا النوع من النّمل هي كونها عمياء تماما، وعلى الرغم من ذلك تستطيع أن تبني هذه الأعشاش الشبيهة بالأبراج العالية.

وهذا الأمر يثير الحيرة طبعا.. فالنّمل لا يستطيع رؤية القنوات التي ينشئها، ولا المواد الخام التي يستخدمها في البناء، ولا التراب الذي يُعَدُّ المادة الأساسية في البناء، ولا الغرف التي يشيدها على ارتفاع عال جدا.

ولو قارنا بين الأعشاش التي يشيدها النمل الأبيض والأبنية التي يشيدها الإنسان لكانت النتيجة محيرة للعقول إلى درجة كبيرة.. ولاستيعاب نتيجة هذه المقارنة يمكن الرجوع إلى ناطحات السحاب (إمباير ستايت) الموجودة في أمريكا، فارتفاع العمارة الشاهقة يبلغ 443 مترا، أما طول النمل الأبيض فيبلغ 1-2 سم.. وعلى الرغم من هذا القصر فإنه يستطيع بناء عشّ يبلغ ارتفاعه سبعة أمتار.. ولو كان النمل الأبيض بطول الإنسان العادي لاستطاع بناء ناطحة سحاب ارتفاعها أربعة أمثال (إمباير ستايت). وهذا العمل الذي يعجز عنه الإنسان يقوم بإنجازه النمل الأبيض الأعمى منذ أن وجد على وجه البسيطة، أي منذ ملايين السنين.

لم نجد ما نقول له أمام هذه المعلومات الخطيرة التي ذكرها لنا إلا أن نطلب منه أن نسير جميعا إلى أستاذنا القديم، والذي علمنا الإلحاد في مراحل الدراسة، لنتعلم منه الإيمان بعد تخرجنا.

***

ما أنهى صاحبنا حديثه حتى انتشرت أنوار لطيفة على تلك الروضة الجميلة التي اجتمع فيها كل أولئك العلماء المنورين بنور الإيمان، وقد سرى أريج تلك الأنوار إلى كل لطائفي، فصرت أرى عظمة الله، وهي تتجلى بكل بهاء وجمال في كل صنعة من مصنوعاته.

ورأيتها جميعا تدعونا بلسان حالها ومقالها إلى رحلة أعظم وأشرف نرى فيها الحقائق، ونتصل بها، ونتعايش معها بكل سعادة.. فالله ما أرانا بديع صنعه وجميل فضله إلا لنهتدي إليه، ونطرق بابه، حتى لا نحجب بالصنعة عن الصانع، وبالتصميم عن المصمم، وبالجمال عن الجميل المبدع.


([1]) انظر: التصميم في الطبيعة: هارون يحيى، ترجمة:أورخان محمد علي.

([2]) انظر: التصميم في الطبيعة: هارون يحيى، ترجمة:أورخان محمد علي.

([3]) انظر: الروعة في كل مكان: هارون يحيى، ترجمة:مصطفى الستيتي.

([4]) انظر: كتاب رحيق العلم والإيمان، الدكتور أحمد فؤاد باشا.

([5]) انظر: العلم يدعو للإيمان: كريسى موريسون.

([6]) انظر: الله جل جلاله: سعيد حوى.

([7]) انظر: الروعة في كل مكان: هارون يحيى، ترجمة:مصطفى الستيتي.

([8]) انظر: الروعة في كل مكان: هارون يحيى، ترجمة:مصطفى الستيتي.

([9]) الكلام المذكور هنا ليس من أبحاث أنتوني فلو، وإنما هو من كتاب: الروعة في كل مكان: هارون يحيى.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *