الصدفة.. والغائية

الصدفة.. والغائية

بعد انتهاء المحور الأول من الحديث عن الكون بين الرؤيتين الإيمانية والإلحادية، أخذ الجميع فترة من الراحة، أخذ بعدها المسؤول عن الشؤون العلمية في تلك البلدة مكبر الصوت، ثم قال: بعد انتهائنا من المناقشات حول المحور الأول، والمتعلق بقدم الكون وحدوثه.. سنتحدث الآن عن محور آخر، له علاقة بكلتا الرؤيتين الإيمانية والإلحادية.. وهو [الكون بين الصدفة والغائية].. فهل الكون وجد صدفة، أم أن هناك قصدا من وجوده؟.. وهل يمكن الجمع بين القصدية والصدفة؟.. سنحيل الإجابة على هذه الأسئلة إلى علمائنا الأفاضل مع مناقشة الحضور لهم.

التصميم العظيم:

قام أحد العلماء، وأخذ يتحدث بحماسة كبيرة، وكأنه رجل دين يخطب، لا عالم يذكر ما يعرفه من الحقائق بهدوء.. قام، وقال: خلافا لما قام به زملائي من تصرف لا أستطع أن أصفه بالأحمق، ولكنه في رأيي يدل على عدم وعيهم بما يذكرون.. بل يدل على عدم علمهم بآخر الطروحات العلمية التي تمكنت من تفسير الكون من دون حاجة إلى إله، فإني أنا [هوكينج].. وباعتباري تلميذا وفيا للفيزيائي الكبير ستيفن هوكينج.. الذي يمكن اعتباره أبرز علماء الفيزياء النظرية على مستوى العالم، صاحب الأبحاث الموضحة للعلاقة بين الثقوب السوداء والديناميكا الحرارية، وفي التسلسل الزمني..

ذلك الذي جعلته الفيزياء والمنهج العلمي يصرح لصحيفة تايمز البريطانية بأن الفيزياء الحديثة لا تترك مجالا للإيمان بأي خالق للكون.. وهو الذي عبر عن قناعته هذه بقوله: (مثلما أزاحت النظرية الدارونية الحاجة الى خالق في مجال علم الأحياء البيولوجي، فإن عددًا من النظريات الجديدة أحالت أي دور لخالق للكون عديمة الجدوى والحقيقة)

وهو العبقري الذي رد على تلك المعضلة الكبرى التي أفرزتها نظرية الانفجار العظيم باعتباره أن (ما يعرف باسم الانفجار الكبير لم يكن سوى عواقب حتمية لقوانين الفيزياء)

وقال معطيا البديل عن الله: (لأن ثمة قانونا مثل الجاذبية، صار بمقدور الكون أن يخلق نفسه من عدم.. والخلق العفوي هذا هو السبب في أن هناك شيئا بدلا من لا شيء، وفي وجود الكون ووجودنا نحن.. وعليه يمكن القول: إن الكون لم يكن بحاجة إلى إله يشعل فتيل ما لخلقه)

بناء على هذا سأعرض عليكم الآن ما قال في كتابه [التصميم العظيم] الذي حل به كل المشكلات المرتبطة بانبثاق الكون، أو بالقوانين التي تحكمه.

صمت قليلا، ثم قال([1]): لقد استطاع أستاذي هوكينج أن يلغي من خلال تلك الطروحات ضرورة وجود الله.. واعتبر أنه من الممكن تفسير كل شيء من خلال العلم فقط.. بل إنه رحل إلى أعمق أسرار الكون ليقرأ علينا آيات مقدسة من الفيزياء الحديثة، معتمدا في ذلك على نظريتين فيزيائيتين أساسيتين في تفسير موقفه العلمي.. نظرية ميكانيكا الكمّ.. ونظرية الأوتار.

فكلا النظريتين تشيران بقوة إلى وجود أكوان ممكنة عديدة ومختلفة.. وهذه الأكوان ليست المجرات المتنوعة في عالمنا، بل هي منفصلة ومختلفة عن عالمنا تماما، ولها حقائقها وقوانينها الطبيعية الخاصة بها.. فكل عالم منها لديه قوانينه وحقائقه المختلفة عن قوانين وحقائق العوالم الممكنة الأخرى.

***

قام رجل من أهل البلدة، وقال: ما دمت قد ذكرت هذا، فاذكر لنا السند الأول الذي اعتمد عليه في موقفه هذا.

قال هوكينج: السند الأول هو نظرية ميكانيكا الكم.. والتي برهنت التجارب فيها على أن الجسيم يتصرف، وكأنه جسيم وكأنه موجة في الوقت نفسه.. مع أن الموجة نقيضة الجسيم، وبذلك يستحيل أن يكون الجسيم جسيما وموجة في آن واحد.. وهذا يدل على أنه لابد من وجود عالمين: عالم حيث الجسيم جسيم.. وعالم آخر حيث الجسيم موجة.

أو بتعبير آخر، تعتبر ميكانيكا الكم أن قطة شرودنغر حية وميتة في آن واحد؛ فمن غير المحدد ما إذا كانت حية أم ميتة.. لذا لابد من وجود كونين: كون حيث قطة شرودنغر حية، وكون آخر مختلف حيث قطة شرودنغر ذاتها ميتة.

وهكذا حلت ميكانيكا الكم هذا الإشكال العلمي من خلال اعتبار أنه بالفعل توجد أكوان ممكنة متنوعة وعديدة.. وقد عبر أستاذي [ستيفن هوكينج] على هذا الاتجاه العلمي بقوله: (بالنسبة إلى ميكانيكا الكم، لا يوجد الجسيم في مكان معين، بل يوجد في كل الأمكنة الممكنة في الوقت نفسه.. فإذا طبقنا هذا المبدأ العلمي على الكون كله، فسنحصل على نتيجة أن الكون كله لا يوجد في حالة معينة، بل يوجد في كل الحالات الممكنة.. وبذلك ثمة أكوان ممكنة عدة إن لم تكن لامتناهية في العدد.. فالحالات الممكنة المختلفة للوجود ليست سوى العوالم الممكنة المتنوعة)

قال الرجل: هذا السند الأول، وقد فهمناه.. فما السند الثاني؟

قال هوكينج: السند الثاني هو نظرية الأوتار العلمية.. فالكون ـ بحسب هذه النظرية ـ ليس سوى عزف موسيقي.. فالكون يتكون من أوتار وأنغامها، ومع اختلاف ذبذبات الأوتار تختلف مواد الكون وطاقاته..

وهذه النظرية تستلزم وجود أبعاد عدة بالاضافة إلى الأبعاد المكانية الثلاثة المعروفة (العمق والطول والعرض والبعد الزماني).. وفي هذه الأبعاد الإضافية من الممكن للأوتار أن تتخذ هندسات مختلفة تربط الأوتار فيما بينها.. لكن قوانين الطبيعة تختلف باختلاف هندسات الطبيعة.. وبذلك ثمة إمكانية وجود قوانين طبيعية مختلفة تحكم أكوانا ممكنة متنوعة في تلك الأبعاد الإضافية..

وهكذا توصلنا نظرية الأوتار أيضا إلى أنه توجد أكوان ممكنة عدة إن لم تكن لامتناهية في العدد.. بالإضافة إلى ذلك، فإن ثمة بلايين من الحلول المختلفة والمتعارضة لمعادلات نظرية الأوتار.. وبذلك كل حل منها يصف كونا ممكنا مختلفا عن الأكوان الممكنة الأخرى التي تصفها الحلول الأخرى لنظرية الأوتار.. من هنا، تصر نظرية الأوتار على وجود أكوان ممكنة مختلفة.

قال الرجل: أبهذه النظرية فسر أستاذك الأسئلة المحيرة لنشأة الكون ونظامه؟

قال هوكينج: أجل.. فنظرية الأكوان الممكنة تجيب على السؤال الأساسي الذي حير الإنسانية، والذي هربت منه إلى الأديان، وهو: لماذا نوجد؟.. ولماذا يوجد عالمنا بقوانينه وحقائقه بالذات؟

فبالنسبة لهذه النظرية التي أبدعها أستاذي هوكينج توجد أكوان ممكنة مختلفة وعديدة إن لم تكن لامتناهية في العدد.. وبهذا فمن الطبيعي أن يوجد عالم كعالمنا تحكمه قوانينه الطبيعية بالذات، وتسمح بنشوء الحياة ونشوئنا.

بل إن نظرية أستاذي تنص على أن الأعداد الهائلة للأكوان الممكنة تجعل من غير المستغرب وجود أكوان شبيهة بعالمنا أو مطابقة له تتمتع بحقائقها وقوانينها بالذات وقادرة على إنجابنا.. فكما أنه توجد أكوان تمنع قوانينها وحقائقها نمو الحياة والعقل، ثمة أكوان أخرى تسمح بوجود حياة وعقل وتؤدي إليهما.

ولذا من غير المستغرب ـ كما يذكر أستاذي هوكينج ـ أن نوجد في عالم من تلك العوالم الملائمة لنشوء الحياة.

التفت إلى الجمع، وراح يصيح بصوت عال مثل خطباء الجمعة، وقال: انظروا عبقرية هوكينج، وكيف استطاع أن يفسر سر الكون.. بل سر الوجود.. بل أسرار الغيوب المحجوبة عنا.. وهي تلك الأكوان الكثيرة الممكنة.. والتي قد يوجد عالمنا فيها أيضا.. بل قد نوجد نحن فيها أيضا.

قام رجل من البلدة، وقال: فكيف يفسر أستاذك خروج الكون من العدم.. أو تحول العدم إلى وجود؟

قال هوكينج بثقة كبيرة: ذلك بسيط.. ما دامت ميكانيكا الكم موجودة، فمن الممكن تفسير كل شيء.. لقد شرح لنا أستاذنا هوكينج الكيفية التي يخرج بها الكون من العدم.. وهي أن العدم يتكون من طاقات متعارضة، ولذا تختزل بعضها البعض فيتشكل العدم، لكن بما أن التقلب الكمي الخاص بميكانيكا الكم، والذي لا يسمح بثبات أي شيء على حاله.. فمن المتوقع أن تفلت طاقة ما من العدم، ولا يتم اختزالها ما يتيح في المجال أمام تحول تلك الطاقة إلى عالم موجود بالفعل.

التفت إلى الجمع، وراح يصيح: وهكذا من الممكن نشوء الكون من العدم من دون الاعتماد على خالق لتفسير ذلك.. وبناء على هذا فإن أستاذنا هوكينج يصرح بأن الكون يخلق ذاته من خلال العدم.

أظن أن ذلك واضح، ذلك أنه بالنسبة إلى ميكانيكا الكم، تنشأ الجسيمات الافتراضية من العدم، ومن ثم تختفي بسرعة هائلة، وذلك ما يجعل من الممكن أن ينمو الكون من العدم.. وهكذا يخلق الكون نفسه تلقائيا بفضل العدم وقوانين الطبيعة كقوانين ميكانيكا الكم وقانون الجاذبية المسؤول عن تكوين النجوم والمجرات.

وبناء على هذا فإننا لا نحتاج إلى الله لكي نفسر سر الوجود وسر الكون.. ما دام يمكن تفسير وجود الكون أو وجود شيء بدلا من لا شيء من خلال العلم وقوانينه فقط.

قال الرجل: فأستاذك بهذا يحاول أن يبرهن على عدم وجود الله؟

قال هوكينج: لا.. بل هو يدلنا فقط على عدم ضرورة وجوده.. فالكون موجود لأنه ضروري الوجود.. وهو ضروري الوجود لأن عدم وجوده يستلزم وجود العدم، ووجود العدم يستلزم وجود الوجود كما أوضحت ميكانيكا الكم.

وبذلك استطاع هوكينج أن يدفعنا إلى التخلي عن الاعتماد على الكائنات الخارقة كالله من أجل تفسير العالم أو الإجابة على أسئلتنا العلمية..

نعم إن هوكينج لا يقول: إن الله قد مات، كما يقول نيتشه.. ولكنه يعتبر الله أصبح خارج الخدمة، بينما الفلسفة هي التي حقا قد ماتت.. لأنها لم تعد ضرورية تماما كفكرة وجود الله.. لأن الأسئلة الفلسفية الأساسية كسؤال (لماذا نوجد، ولماذا يوجد عالمنا؟) تحولت إلى أسئلة علمية مما يستدعي عدم ضرورة التفلسف بعد اليوم.

***

قال ذلك، ثم جلس، وقد تصور أنه قد أنهى المشكلة من أساسها، وأنه أعطى كل الأجوبة والحلول، لكنه ما إن جلس حتى طلب بعض أولئك العلماء التائبين الحديث، وقال([2]): قبل أن أحدثكم عن موقفي مما ذكره زميلي هوكينج أحب أن أذكر لكم ما قاله صديقنا الملقب بكاهن الإلحاد الأكبر [ريتشارد دوكينز] عن هذا التصميم العظيم الذي وضعه هوكينج ليفسر به الوجود.. لقد قال في ذلك: (لقد طرد دارون الإله من البيولوجيا، ولكن الوضع في الفيزياء بقي أقل وضوحا، ويسدد هوكينج الضربة القاضية الآن)

فأنتم ترون أن ذلك التصميم العظيم ليس ناتجا عن تجارب علمية، ولا عن منهج علمي، وإنما هو مجرد خيال وتخمين للهروب من الله.. بل إن هوكينج نفسه يرى أنه قام بهذا الدور لاستبعاد الخالق من الإيجاد وخلق الكون، فقد قال في كتابه الذي شرحه لنا صديقنا هوكينج: (تماما مثلما فسر دارون ووالاس كيف أن التصاميم المعجزة المظهر في الكائنات الحية من الممكن أن تظهر بدون تدخل قوة عظمى، فمبدأ الأكوان المتعددة من الممكن أن يفسر دقة القوانين الفيزيائية بدون الحاجة لوجود خالق سخر لنا الكون.. فبسبب قانون الجاذبية فالكون يستطيع ويمكنه أن ينشيء نفسه من اللاشيء.. فالخلق الذاتي هو سبب أن هناك شيء بدلا من لا شيء، ويفسر لنا لماذا الكون موجود، وكذلك نحن)

انظروا الهدف من النظرية.. إنه ليس علميا بالمرة.. ذلك أن ستيفن هوكينج رأى الإلحاد أعرج، لأنه يعتمد على نظرية التطور فقط.. فراح يضيف إليه رجلا ثانية من غير دليل سوى الخيال والتخمين.

ثم التفت إلى الحضور، وقال: هل تعلمون ـ سادتي الحضور ـ كم كونا افترضه هوكينج بحساباته في كتابه [التصميم العظيم] ليهرب من الاعتراف بالخالق وعظمته التي احترمها كل الفيزيائيين الكبار من أمثال نيوتن وأينشتاين وماكس بلانك وغيرهم.. لقد افترض وجود 10 أس 500 كون.. أي 10 وأمامها 500 صفر.. وتصور أن هذا ما يتناسب مع نظريته التي ستجمع كل قوانين الوجود لتمكننا من فهم كل شيء بعيدا عن الخالق.

سأبسط لكم هذا الذي قاله.. إنه يشبه تماما أن يحضر أحد سيارة مفككة من كل أجزائها ابتداء من أصغر مسمار فيها.. ثم يقول: إن هناك احتمالية رياضية لتكون هذه السيارة صدفة وعشوائية.

وبالطبع، فإن الإجابة على استحالتها رياضيا يتخطي 1 إلى 10 أس 50 أو 70 أو حتى 100.. لأن السؤال أصلا خطأ.. وذلك لأن الأجزاء لن تتحرك من ذاتها وتتراكب ويدخل بعضها في بعض إلا بفاعل قدير حكيم يعلم ما يفعل ويريده.

هذا من جهة.. ومن جهة الأخرى فلو كان ستيفن هوكينج يحترم عقله وعقول المنخدعين به لاعترف باستحالة وضع نظرية تفسر كل شيء، وذلك لسبب بسيط جدا، وهو أنه هو نفسه بجسده وعقله داخل في المعادلة والنظرية.. ويستحيل أن يخرج لنا هذا المنتج النهائي الخيالي بهذه الصورة.

لقد قال ماكس بلانك، العالم الألماني المحترم صنو أينشتاين والحائز على نوبل 1918م: (العلم الطبيعي لا يستطيع حل اللغز المطلق للطبيعة، وذلك لأنه في التحليل الأخير نكون نحن أنفسنا جزء من الطبيعة، وبالتالي جزء من اللغز الذي نحاول حله)

هل رأيتم تواضع العلماء.. هذا هو التفكير العلمي الصحيح، لا ذلك التفكير الممتلئ بالغرور، والذي يتصور أنه يفسر كل شيء..

***

جلس، فقام عالم آخر من التائبين، وقال: اسمحوا لي أن أقول لكم ما ذكره لي بعض الأصدقاء، ولست أدري مدى دقته، ولكني أعلم من الدوائر المحيطة بهوكينج أنه ليس ذلك بمستبعد.. وهو أن الدافع لهوكينج وراء هذا الطرح هو عدم فوزه بجائزة نوبل مثلما فاز بها الكثير من الفيزيائيين المتواضعين من أمثال أينشتاين وماكس بلانك وغيرهما.

لقد ذكر لي هذا الصديق أن هوكينج تألم كثيرا نتيجة خسارته لأشهر رهان علمي في تاريخ العلم الحديث أمام العالم بريسكل.. حيث كان قد تحدى بريسكل منذ عام 1997م إلى أن أعلن رسميا سنة 2004م بنفسه عن خسارته للرهان، واعترافه بأن تلك الثقوب السوداء تنضح ببعض المواد من مناطق غير منتظمة على سطحها..

لقد ذكر حينها أن نظريته التي أعاد صياغتها تستبعد اعتقاده السابق بأن الناس يمكنهم أن يستغلوا تلك الدوامات السوداء يوما ما في السفر إلي الأكوان الأخرى، وقال: (آسف لأنني خيبت ظن هواة الخيال العلمي.. لكنك إذا ألقيت بنفسك إلي إحدي الدوامات السوداء سترتد طاقة كتلة جسمك إلى كوننا مرة أخرى، ولكن بشكل مشوه)

ولذلك فإن ستيفن هوكينج بعدما أقر في كتابه الأول [موجز لتاريخ الزمن] بحقيقة الضبط الدقيق للكون، وخصوصا الثابت الكوني وضبط مقدار الجاذبية الرهيب، وبذلك لم يبق أمامه أي مبرر لتبرير الإلحاد.. راح يفر مما قاله باختراع فكرة الأكوان المتعددة الكثيرة جدا والعشوائية ليكون كوننا هو الوحيد من بينها الذي خرج بهذه الصورة.

لاحظوا أن هذه الفكرة أصلا غير قائمة.. لا على ملاحظات.. ولا على تجريب.. ولا على أي شرط من شروط النظرية العلمية المقبولة.

لقد قال [ريتشارد داوكنز] في حواره مع [ستيفن واينبرج] يبرر الضرورة الفلسفية لا العلمية للأكوان المتعددة: (إذا اكتشفت هذا الكون المدهش المعد فعليا بعناية.. أعتقد أنه ليس أمامك إلا تفسيرين اثنين.. إما خالق عظيم، أو أكوان متعددة)

هل رأيتم كيف يطوع العلم لإيدلوجيا الإلحاد والهروب من الاعتراف بخالق، وهو التفسير الأكثر علمية ومنطقية؟

***

جلس، فقام عالم آخر من التائبين، وقال: لو كان لطروحات هوكينج حظا من العلمية لوقف العلماء المختصون الكبار في صفها بعد أن عرضت عليهم مع أدلتها، فهم أدرى الناس بتخصصاتهم..

لقد قال الفيزيائي الشهير [راسل ستانارد]: (إن فلسفة هوكينج هي تحديدا ما أعارضه فهي كما وصلتني مثال واضح على التعالم، فطرح أن العلم هو مصدر المعلومات الوحيد، وأننا لدينا فهم كامل لكل شيء هو هراء بل وهراء خطير أيضا، فهو يشعر العلماء بالكبر والغرور بشكل مبالغ فيه)

وقال: (نظرية الأوتار تحتاج لمصادم هيدروني بحجم مجرة لاختبارها، وهذا غير ممكن.. حسنا لو قلنا ـ طبقا للنظرية ـ إن الكون خلق نفسه فمن أوجد [النظرية إم]؟.. ومن أوجد القوانين الفيزيائية الخاصة بها؟.. ورغم ذلك فلا توجد لها معادلة فيزيائية حتى الآن.. أطلب منهم أن يكتبوا معادلة فيزيائية.. لن يفعلوا لأنهم ببساطة لايمتلكونها)

وقال البروفسور [جون بولكنجهورن]، وهو من أشهر علماء الفيزياء النظرية: (إنها ـ يقصد الأكوان المتعددة ـ ليست فيزياء إنها في أحسن الأحوال فكرة ميتافيزيقيه، ولا يوجد سبب علمي واحد للإيمان بمجوعة من الأكوان المتعددة.. إن ماعليه العالم الآن هو نتيجة لإرادة خالق يحدد كيف يجب أن يكون)

وقال العالم [روجرز بنروز]، وهو الفيزيائي الشهير الذي أثبت مع هوكينج حدوث الإنفجار الكبير مُعلقا على كتاب [التصميم العظيم]: (على عكس ميكانيكا الكم فإن [النظرية إم] لاتملك أي إثبات مادي إطلاقا)

وقال البروفيسور [بول ديفيز] الفيزيائي الإنجليزي المعروف: (تبقى القوانين المطروحة غير قابلة للتفسير.. هل نقبلها هكذا كمعطى خالد؟.. فلماذا لانقبل الله؟.. حسنا وأين كانت القوانين وقت الإنفجار الكبير؟ إننا عند هذه النقطة نكون في المياه الموحلة)

وقال الفيزيائي وعالم الفضاء [مارسيلو جليسر]: (ادعاء الوصول لنظرية نهائية يتنافى مع أساسيات وأبجديات الفيزياء والعلم التجريبي وتجميع البيانات، فنحن ليس لدينا الأدوات لقياس الطبيعة ككل، فلا يمكننا أبدا أن نكون متأكدين من وصولنا لنظرية نهائية، وستظل هناك دائما فرصة للمفاجآت كما تعلمنا من تاريخ الفيزياء مرات ومرات.. وأراها إدعاء باطلا أن نتخيل أن البشر يمكن أن يصلوا لشيء كهذا.. وأعتقد أن على هوكينج أن يدع الله وشأنه)

وقال الفيزيائي [بيتر ويت] من جامعة كولومبيا: (لست من أنصار إدخال الحديث عن الله في الفيزياء، لكن إذا كان هوكينج مصرا على دخول معركة الدين والعلم فما يحيرني هو استخدامه لسلاح مشكوك في صلاحيته أو فاعليته مثل [النظرية إم])

وقال [ويليام كريج] الفيلسوف الأمريكي ساخرا: (لا شيء جديد علميا في هذا الكتاب بالمرة، ولكنه نقاش فلسفي بحت، خصوصا في الثلث الأول، وهو شيء غريب إذا علمنا أن هوكينج في أول صفحة من كتابه يقول إن الفلسفة قد ماتت)

وقال فيلسوف الفيزياء [كريج كالندر] من جامعة كاليفورنيا ساخرا: (منذ ثلاثين عاما صرح هوكينج بأننا على أعتاب نظرية كل شيء، وبحلول عام 2000 وحتى الآن في عام 2010.. لاشيء.. لكن لايهم فهوكينج رغم ذلك قرر أن يفسر سبب الوجود بالرغم من عدم وجود النظرية.. إن ما يتحدث عنه هو مجرد حدس غير قابل للإختار أبدا)

وقال العالم [جون بترورث] العامل بمصادم الهادرون بسويسرا: ([النظرية إم] خارج نطاق العلم)

وقال [د. هاميش جونستون] محرر موقع عالم الفيزياء، وهو يعبر عن خوفه من تأثر الدعم الحكومي للبحث العلمي في بريطانيا تبعا لتصريحات هوكينج: (توجد فقط مشكلة صغيرة وهي ضحالة الدليل التجريبي للنظرية.بمعنى آخر فهناك عالم كبير يخرج بتصريح للعامة يتحدث فيه عن وجود الخالق إعتمادا على إيمانه بنظرية غير مثبته.. إن الفيزياء بحاجة لدعم العامة حتى لاتتأثر بتخفيض النفقات وهذا سيكون صعبا جدا إذا ظنوا أن معظم الفيزيائيين يقضون وقتهم في الجدال عن ما تقوله نظريات غير مثبته عن وجود الخالق)

وقال بروفيسور الرياضيات [جون لينوكس]: (إن اعتبار الفلسفة قد ماتت خطير جدا خصوصا عندما لا تتوقف أنت نفسك عن استخدامها.. ولأن هوكينج لديه فهم مغلوط لكل من الفلسفة والدين فهو يريدنا أن نختار بين الله وقوانين الفيزياء.. إن القوانين الفيزيائية لايمكن أن تخلق شيئا فهي مجرد الوصف الرياضي للظواهر الطبيعية.. فقوانين نيوتن للحركة لن تدفع كرة البلياردو على الطاولة بدون لاعب يضربها، فالقوانين لن تحرك الكرة فضلا عن خلقها.. إن ما يقوله هو خيال علمي بحت.. من أين جاءت الخطة الكونية التي تحدث عنها هوكينج؟.. إنها ليست من الكون فمن جعلها تعمل إن لم يكن الله؟.. إن محاولة العلماء الملحدين الهروب من فكرة الخالق يجعلهم يعزون الوجود لأشياء أقل مصداقية كالطاقة والقوانين أوالكتل.. بالنسبة لي كلما زاد فهمي للعلم كلما زاد إيماني بالله لتعجبي من اتساع وتعقيد وتكامل خلقه)

ثم شرح كيف آمن عمالقة العلماء عبر التاريخ بوجود خالق عظيم لهذا الكون فقال: (إسحق نيوتن بعدما إكتشف قانون الجاذبية، وألف أهم كتاب علمي في التاريخ [برينسيبا ماثيماتيكا] ذكر أنه يأمل أن يساعد أصحاب العقول أن يؤمنوا بالله.. وكانت قوانين أينشتاين الرياضية مثار اندهاشة الدائم وإيمانه بوجود قوة حكيمة جبارة خلف هذا الكون..وإن لم يؤمن بإله الكتاب المقدس.. وآلان سانداج المعروف بالأب الروحي لعلم الفلك الحديث الحائز على أرفع الجوائز ذكر أن الله هو التفسير لمعجزة الخلق)

***

جلس، فقام عالم آخر من التائبين، وقال([3]): اسمحوا لي أن أعرفكم بنفسي.. أنا أوكام.. واختصاصي هو تطبيق شفرة أوكام على الدعاوى المختلفة، لأثبت مدى صحتها.. ولذلك أرى أن أحسن طريقة للتعامل مع هذه النظرية وغيرها من النظريات هي تطبيق هذا المبدأ العلمي الذي تتحاكم إليه العلوم المختلفة.

قال بعض أهل البلدة: لا يمكننا أن نطبق مبدأ لا نعرفه، ولا نعرف مدى مصداقيته العلمية.. فهلا شرحت لنا ذلك، أو بالأحرى أثبته لنا.

قال أوكام: بكل سرور.. فذلك المبدأ.. أو تلك الشفرة ـ كما يطلق عليها ـ متفق عليها علميا، وهي تدخل في كل العلوم.. بل إنها أحد أهم المبادئ المنطقيّة التي تشمل تطبيقاتها طيفا واسعا من المجالات المتباينة من علم المنطق، ونظرية المعرفة، والاقتصاد، وحتى الفلك والفيزياء وربما الرّياضيات إلى حد ما.

قال رجل من أهل البلدة: ما تعني بها؟

قال أوكام: سأشرحها لكم عن طريق تطبيقاتها.. فأنتم جميعا تطبقونها، وبتلقائية، ومن حيث لا تشعرون.. ففي الاقتصاد تعتبر هذه الشيفرة من أهم المبادئ الاقتصادية، ونحن نطبقها عن طريق أسمائها الأخرى في هذا المجال مثل قانون البخل أو التوفير، إذ يقضي باستخدام أقل الوسائل كلفة لتحقيق غاية اقتصادية ما.

وهكذا في مجال الرياضيات نفضل أقل البراهين تعقيدا عند تساوي تلك البراهين بالنتيجة ودرجة عموميتها.. وفي الفيزياء والفلك نفضل أقل التفاسير تعقيدا لظاهرة طبيعية ما عند وجود عدة تفاسير محتملة.. وبفضل هذا المبدأ فصل وإلى غير رجعة بين الفيزياء والميتافيزياء.. وبين الكيمياء والخيمياء([4]).

سكت قليلا، ثم قال: بما أن سميي الفيلسوف الإنكليزي [ويليام أوكام] هو أول من صاغ هذا المبدأ عام 1285 حيث استنتج في أبحاثه المتعلقة بهذا المبدأ أن (التعددية لا ينبغي أن تفرض دون ضرورة، أي أن الأولوية للأبسط وللأقل تكلفة، والأقل تشعبا بطبيعة الحال)، وقد عبر عن ذلك بقوله: (من العبث القيام بعدد أكبر من الخطوات لإنجاز شيء ما، بينما يمكننا إنجازه بعدد خطوات أقل)

طبعا لم يكن وليام أوكام أول من توصل إلى هذا المبدأ، حيث استنبطه رجل دين فرنسي واستخدمها لتفنيذ بعض الكينونات الفلسفية في معرض دفاعه عن اللاهوت المسيحي في وجه الفلسفة اليونانية، حيث نفى كينونات فلسفية كالعقل الواعي المنسوب لأرسطو، والعقل الفاعل وكذلك حرية الاختيار، بحجة أنها غير ضرورية..

وكذلك فعل نيكولا دوريزم الاقتصادي الفرنسي، وغاليلو غاليلي في دفاعه عن نموذجه الفلكي للسماوات.. وكان لنيوتن نصيبه في استخدامها أيضا، في تفضيل الفرضية الأبسط على الفرضيات المنافسة، وعرفت طريقة نيوتن هذه بسيف نيوتن الليزري الملتهب، حيث يصف نيوتن ذلك بقوله: (علينا أن نقبل فقط بالأسباب التي تلزم وتكفي لتفسير جميع جوانب الظاهرة المدروسة)

لكن المبدأ عرف باسم أوكام، لأنه استخدمه على نطاق واسع وبتشدد حتى سمي بـ [موس أوكام]، فمثلا اعتقد أوكام بوجوب التخلي عن العلاقات بين الأشياء، حيث يرى أن لا ضرورة لمفهوم العلاقة بين شيئين كون مفهوم العلاقة لايختلف عن فعل نشوئه في الشيء المعني، مع الأخذ بعين الاعتبار مبدأ السببية، حيث لا تبدو العلاقة بين شيئين سوى إعادة ترتيب لموقع كل منهما، مع المقدرة النفسية للفاعل أو المراقب على التميز بين مراحل نشوء العلاقة بين هذين الشيئين.

سكت قليلا، ثم قال: يمكننا صياغة هذا المبدأ علميا على النحو التالي: إذا كان لدينا فرضيتين متنافستين تعطيان التوقعات ذاتها، فعلينا أن نأخذ بالفرضية الأبسط..

ولهذا فإن شفرة أوكام هي الأداة التي طهرت الفيزياء من المفاهيم الميتافيزيقية إلى غير رجعة.. كما طهرت الكيمياء من الخيمياء.

بل إنه يمكن اعتبارها من أهم المبادئ التي استندت إليها أكثر النظريات العلمية شهرة في العصر الحديث، حيث أنه بعد نشر النسبية الخاصة لأينشتاين، وبما أنها وفرضية [لورانتز] حول الأثير([5]) تعطيان النتائج ذاتها، بالإضافة إلى الفشل في رصد الأثير في تجربة [ميكلسون مورلي الشهيرة]، فقد توصل كل من أينشتاين وبوانكاريه إلى ضرورة التخلي عن مفهوم الأثير نهائيا وإلى غير رجعة، لأن استخدامه عقد التفاسير الفيزيائية المطروحة من جهة، ولغياب الأدلة التجريبية على وجوده من جهة أخرى.

وبذلك نلاحظ أهمية الاستعانة بالتجربة وضرورتها.. ذلك أن المنهجية التجريبية ذاتها لا تتعارض مع مبدأ أوكام، حسب أوكام نفسه.

ولهذا نرى فيلسوف النسبية [آرنست ماخ]، والذي كان له أثر ملحوظ على أينشتاين، يجادل أينشتاين في أن الزمان والمكان ليسا كينونتين مطلقتين، فيقول له في مبدأ الوضعية: (لافرق بين شيء غير موجود وشيء موجود ولكن لا يمكن التحقق منه)

طبعا يجب الحذر من استخدام هذا المبدأ في مجال العلوم التجريبية، لأن ذلك قد يؤدي إلى الوقوع بالزلل، مثلا أخطأ [ماخ] وأتباعه حين طبقوا مبدأ الوضعية على نظرية الجزئيات، ففي ذلك العصر وبالرغم من نجاح النظرية الجزيئية إلا أنه كان من المتعذر التحقق من وجودها تجريبيا، وفي وقت لاحق نشر أينشتاين ورقة بحثية عن الحركة البراونية أثبتت وجود الجزيئات، وعلق أينشتاين على ذلك لاحقا في مذكراته بالقول إن الأحكام المسبقة الفلسفية من شأنها أن توقع ألمع العلماء بالزلل في حال الاعتماد عليها.

وهذا ما يعبر عنه بهذا القانون: (يجب أن تكون الأمور بأبسط شكل ممكن، ولكن ليس الأبسط بالمطلق) والمنسوب لأينشتاين، تعبيرا عن هذا المبدأ من وجة نظر عملية، وتجنبا للوقوع بالزلل.

قال آخر: صدقت يا أوكام، فما ذكرته من المعايير التي ينبغي استعمالها في أمثال هذه النظريات التي خلطت الفيزياء بالمجالات الي لا علاقة لها بها، وأحب أن أضيف إلى ما ذكرت عبارة جميلة قالها رائد ميكانيك الكم [بول ديراك] عن أهمية البساطة في الحلول العلمية، حيث قال: (إن الباحث العلمي في سعيه لإيجاد تفسيرات ونماذج علمية، يجب أن يراعي متطلبات البساطة والجمال، اللتين لهما في أغلب الأحيان المتطلبات ذاتها، ولكن في حال التعارض يجب تقديم الأخيرة)

وأحب أن أوضح لكم أن بول ديراك حين ذكر الجمال كان يقصد القدرة على التفسير المعمم والكامل لمختلف جوانب المسألة المطروحة، وحين ذكر البساطة كان يقصد التخلي عن كل ما لا يلزم لفعل ذلك.

قام بعض العلماء ممن ظلوا على إلحادهم، وقال: شكرا يا سيد أوكام، فقد أعطيتنا الشفرة التي نذبح بها المؤمنين الممتلئين بالخرافة.. وأحب أن أذكرك بأن صاحبنا [كريستوفر هيتشنز] استعمل هذه الشفرة ليذبح بها الإيمان بالله.. واستخدمها كذلك كاهننا الأعظم [ريتشارد دوكنز] في كتابه المقدس [وهم الإله]، حيث كتب يقول: (تاريخيا، سعى الدين إلى تفسير وجودنا، وطبيعة الكون، محاولا مساعدتنا في إدراك ذواتنا؛ إلا أن العلم خلف الدين في زمننا الحاضر)

وبذلك أثبت أن العلم فند الحاجة إلى الله بشكل خاص على قضية (تقويض أطروحة داروين لحجة التصميم)

وهكذا لخص عالـم الكونيات [سين كارول] هذه المسألة بقوله: (استطاع التقدم العلمي على مدار الخمسة قرون الأخيرة أن يجرد الله من أدواره التي يلعبها في هذا العالـم؛ ولذلك كان استدعاء الله لتفسير الظواهر الطبيعية أمرا مقبولا قبل ألفي عام، ولكن يمكن فعل ما هو أفضل من ذلك في الحاضر)

لقد قمت أنا أيضا بتطبيق هذا المبدأ على العلم والله؛ فوجدت أن العلم قادر على تفسير العالم بنفسه؛ فلا حاجة لنا بذلك لأداتي تفسير حين تكون أداة واحدة قادرة على إنجاز ما تفعله الأخرى.

قام آخر ممن أعلنوا إيمانهم، وقال ([6]): وأنا بدوري أشكرك سيد أوكام على تنبيهنا إلى هذا المبدأ المهم، والخطير، والصادق، وأحب أن أذكر لك بأنني في فترة من حياتي، قبل أن أبتلى بهذا الجحود والإلحاد رحت أطبقه على كل النظريات التي تستبعد الله.. وقد وجدتها جميعا تسقط أمام فرضية [الله] التي تدل عليها كل الدلائل.. فهي أسهل الفرضيات، وأجملها، وأبسطها، وكل الدلائل فوق ذلك تدل عليها.

ولكنها أداة مفيدة للغاية إذا استخدمت بالشكل المناسب، وفي المحل الصحيح.. أما إذا تم استخدامها بشكل غير صحيح ـ كما فعل دوكنز وغيره ـ فقد يكون لها انعكاسات خطيرة؛ ولهذا يتوجب أخذ الحيطة عند التعامل معها.

وأحب أن أنبه زميلي وصديقي الذي تصور أنه طبق مبدأ دوكام حين وضع الله مقابل العلم.. ثم اختار العلم.. بأنه أخطأ في التطبيق.. فالعلم والإيمان بوجود إله قضيتان غير متناقضتين؛ على الرغم من أن مروجي الإلحاد قد يدعون في بعض الأحيان بأنهم كذلك، لكن لا وجود لسبب مرض يجعلنا نفكر بوجود تعارض منطقي بين العلم والإيمان بوجود إله.

التفت لصاحبه الملحد، وقال: أرجو ألا تفهمني خطأ، فما أريد قوله هو: أنه مهما اكتشف من قوانين علمية غاية في الأهمية والأساسية، فمن المستحيل أن تكون هذه القوانين مفسرة لنفسها، بل تحتاج إلى واضع وضعها، ومنفذ أخرجها.

بالإضافة إلى هذا، فإن المناصرين لتطبيق شفرة أوكام ضد الله ليس بإمكانهم أن يفترضوا ببساطة أن الحجج الإيمانية ستفشل إذا كان استخدامهم لشفرة أوكام يراد أن يكون له أي اعتبار.

ربما هناك العديد من العيوب التي تعتري الحجج الإيمانية، وربما لا يوجد هناك عيوب في تلك الحجج، ولكن لتجنب المصادرة على المطلوب في تطبيقهم لشفرة أوكام، فإن عليهم أن ينخرطوا في نقاش تفصيلي ليظهروا أن الحجج الإيمانية ساقطة.

وأحب أن أشير هنا إلى تلك البساطة التي يتناول بها الملاحدة الأدلة على وجود الله، حين يضعون دليلا واحدا، وكأنه هو الكل، فإذا ما فندوه، أو احتالوا عليه تصوروا أنهم قد قضوا على الله.

ومن الأمثلة التي تحضرني في هذا المجال صديقا لي كان متمسكا بما يسميه [معضلة الشر].. وهي الدعوى القائلة بأن وجود المعاناة في العالم دليلا على عدم وجود إله كلي القوة والرحمة والمعرفة.. دون أن يلاحظ الحجج الإيمانية الأخرى.. أي أنه لم يكن يأخذها بعين الاعتبار بسبب تلك المعضلة التي توهمها، ولم يسمع من المؤمنين وجه تفسيرهم لها.

سكت قليلا، ثم قال: بالإضافة إلى ذلك كله، فإن المؤمنين عندما يفكرون بتفسيرات علمية لمظاهر العالم؛ فإنهم لا ينظرون لها بمعزل عن العلم، ولكنهم يصيغونها بواسطة القوانين العلمية، حيث يتم توضيح ظواهر الطبيعة وشرحها بشكل مباشر عن طريق العلم، وبشكل غير مباشر عن طريق الله، فيصاغ ذلك بقولهم: (إن الله يفعل بواسطة الأسباب، والتي يمكن وصفها علميا)

يمكنكم تخيل هذا بواسطة سلسلة سببية، حيث (س) تسبب (ص)، والتي بدورها تتسبب بحدوث (ع)، وبهذا يتحقق أثر (س) على (ع) من خلال (ص)

التفت إلى زميله الملحد، وقال: لتقريب هذا ـ صديقي العزيز ـ سأضرب لك مثالا تصحح به تطبيقك لمبدأ أوكام.. افترض أنني أنا صديقك قد رتبت موعدا لمقابلتك في محطة القطار بعد العمل، ولكنك تفاجأت أنني لم أصل في الموعد المحدد.. فإن أحد التفسيرات الممكنة هي أن تعتبر أنني تخلفت عن القطار.. ومن الممكن أيضا أن أكون قد تأخرت بسبب تأخري في العمل.

فإذا أظهرت الأدلة المتوفرة أنني تأخرت بسبب تخلفي عن القطار، فإن هذا لا يعني أن شفرة أوكام لن تتغاضى عن الفرضية التفسيرية الأخرى، وهي تأخري بسبب العمل.. وذلك لأن تأخري في العمل قد يكون السبب في تخلفي عن القطار.

وهكذا يقال في الافتراض القائل بأن الأسباب الطبيعية هي أداة الله في الفعل فإن ذلك صحيح، ولا يمكن تطبيق شفرة أوكام هنا حتى لو أمكن تفسير جميع المعطيات الفيزيائية المتوفرة لدينا من خلال هذه الأسباب الطبيعية.. لأنه لا تعارض بينهما.. فالله يفعل بالوسائط على مقتضى حكمته وعلمه.

***

قال رجل من أهل البلدة: لقد سمعنا حديثكم المفصل عن مبدأ أوكام.. فكيف تطبقونه على نظرية الأكوان المتعددة.. وعلى التصميم العظيم الذي طرحه هوكينج؟

قال الفيلسوف: ما أسهل تطبيق ذلك.. فهي في أصلها فكرة نتجت لحل معضلة الإعداد المسبق لكوننا بعناية، ولذلك راحت تفرض هذا الحل الممتلئ بالغرابة، وهو أن هناك تريليونات تريليونات تريليونات الأكوان الأخرى.. أي 10 أس500 كون ـ كما يذكر ستيفن هوكينج في كتابه الأخير [التصميم العظيم].. مع أننا لم نشهد أي كون آخر غير كوننا فضلا عن تريليونات تريليونات تريليونات الأكوان الأخرى.

ومع أن هذا ـ حتى لو صح ـ فإنه لا يحل مشكلة التصميم المسبق بعناية لكوننا، بل ربما يطرح تساؤلات فلسفية أعمق مع تقدم علوم الفيزياء..

قام عالم آخر، وقال: صدقتم.. فما ذكره مملوء بالغرابة.. وللمرء أن يتساءل لماذا الإقدام على فرضية غاية في الغرابة والدهشة والبعد عن التجريب والاختبار واليأس التام في الرصد كتلك الفرضية.. لا لشيء سوى للهروب من معطيات كوننا التي تطرح تساؤلات فلسفية عميقة.

قال عالم آخر: صدقتم.. فقد ذكر علماء الكونيات الداعمين لتلك الفكرة أن رصد كون آخر مستحيل علميا ومنطقيا، والسبب في ذلك يرجع لما يُعرف بأُفق الجسيم، وهو أقصى مسافة من تلك الجسيمات التي تحمل المعلومات، والتي ما إن تصل للراصد حتى يكون عمر الكون قد انتهى منذ مليارات السنوات الضوئية، وأي كون آخر حتما هو خارج أُفق الجسيم.

وبما أن فرضية الأكوان المتعددة طبقا لأفق الجسيم يستحيل رصدها أو حتى اختبار وجودها فإنها تخرج بذلك خارج دائرة العلم المادي النظري، لأن حجر الزاوية في العلم هو الرصد والاختبار والتجربة، وبذلك تتحول إلى فرضية فلسفية لا تخرج خارج هذا الإطار.

لقد عبر عن ذلك عالم الكونيات [جورج إليس]، فقال: (إن فرضية الأكوان المتعددة ليست من العلوم، ولا توجد داخل دائرة العلم، وإنما في إطار الفلسفة)

قال آخر: صدق [جورج إليس]، ذلك أننا بحاجة إلى رصد كون يختلف عنا في قوانين فيزيائه وقاصر في معطياته حتى نفخر بكوننا، وأنه الكون المميز.. وهذا يطرح إشكالات أعمق بكثير، إذ لابد من التصميم الدقيق قبل خروج هذه الأكوان بكل هذه المعطيات.

بل إن عملية إبداع أكوان متعددة عملية مدهشة للغاية، وتحتاج إلى قوانينها الخاصة هي الأخرى، وثوابتها الفيزيائية الخاصة التي ربما تفوق في دهشتها وعظمتها ثوابتنا تريليونات تريليونات تريليونات المرات.. وهل لهذه الأكوان المتعددة كون أُم.. ثم مِن أين أتى هذا الكون الأُم.. وبالتالي ربما نكتشف أن الذين افترضوا أكوان متعددة سيجابهون يوما ما بإلزامات ماورائية أعظم بكثير مما لو كانوا تخلوا عن تلك الفكرة.. إننا ننتقل خطوة ما ورائية أعلى بالقول بأكوان متعددة.

قال آخر: صدقتم، فالأكوان المتعددة لم تحل مشكلة الإعداد بعناية، بل طرحت مشكلة الإعداد بعناية لكن على أبعاد أخرى ربما لا يجرؤ العقل البشري على استيعابها في الأمد المنظور.

ثم إن معادلات النظرية والتي اعتمدها ستيفن هوكينج في كتابه الأخير تفترض خمس نهايات مختلفة تماما، والخمس معادلات بنفس الدرجة من القوة وكل معادلة تنتهي بملايين الطرق المختلفة.. ولذا يعترف هوكينج أننا حتى الآن نحاول أن نفك ألغاز النظرية إم ولكن يبدو أن هذا مستحيل..

قال آخر: صدقتم فهذه النظرية لم تدل عليها المخابر ولا حتى العقل المجرد، وإنما هي مجرد مقولات خيالية تحاول أن تتدارك المقولات الإلحادية القديمة التي كانت ترى أن الكون كاف نفسه بنفسه، ولذلك احتاج الملاحدة لوضع أنفسهم في هذا المأزق للبحث عن أكوان متعددة للخروج من مأزق الثوابت الكونية التي هم أنفسهم أطلقوا عليها الثوابت المعدة بعناية.

***

قام عالم آخر، وقال: لقد ذكرني حديثكم هذا بقصة لي جرت قبل فترة مع [بول ديفيز]، وهو العالم الفيزيائي المشهور، والذي انتقل من الإلحاد إلى لإيمان، فقد ذهبت إليه أعاتبه، وكنت حينها متأثرا بأطروحات هوكينج التي ذكرها في كتابه التصميم العظيم، فقال لي: لماذا تعاتبني، فحتى هوكينج نفسه لم ينجح في إقصاء وجود الله أو إمكانية وجوده، ولا دل على ذلك بأي دليل.. لأنه إذا كان كل ما يقوله هوكينج صحيحا ً، فإنه ما يزال من الممكن أن يوجد الله، وأن يكون الله خالق الكون..

قلت له: كيف تقول ذلك.. وقد فسر هوكينج نشأة الكون من العدم من جراء قوانين ميكانيكا الكمّ؟

قال: فما مصدر تلك القوانين الطبيعية التي أدت إلى أن يوجد الكون من العدم؟.. أليس من الممكن وجود خالق هو سبب وجود القوانين الطبيعية التي تتيح وجود الوجود من العدم؟

قلت: توجد هذه القوانين الطبيعية لأنه توجد كل القوانين الطبيعية الممكنة في أكوان ممكنة مختلفة، وبذلك ليس من الغريب أن توجد قوانين طبيعية كقوانين ميكانيكا الكمّ المسؤولة عن نمو الكون من العدم.

قال: فلماذا توجد كل القوانين الطبيعية الممكنة وما مصدرها؟

قلت: من الأجوبة المتاحة هو أنه لابد من وجود ميتاقوانين طبيعية تؤدي إلى نشوء كل القوانين والأكوان الممكنة من العدم.. والميتا قوانين هي القوانين الأعلى المؤدية إلى وجود القوانين الطبيعية.

قال: فما مصدر الميتاقوانين؟

لم أدر بما أجيبه، فراح يقول: أليس من الممكن أن يكون الله هو مصدرها؟

ثم أضاف يقول: وهكذا، فإن فكرة وجود الله وخلقه للوجود ما زالت فكرة ممكنة؛ فقد يوجد الله وقد نحتاج إليه كي نفسّر لماذا توجد أية قوانين أصلا ً.

***

بعد انتهاء العلماء من حوارهم حول نظرية التصميم العظيم، وما ارتبط بها من شبهات، قام [جون] ذلك الذي ذكرنا توبته في الجلسة الأولى، وخاطب زملاءه قائلا: أظن أنه بعد تعرفنا على مدى تفاهة هذه النظرية، وكونها أضعف من أن تكون سندا للإلحاد.. فإني أريد أن أسألكم عما يمكن أن يكون عائقا بينكم وبين الإيمان بالله بعد هذا؟

قام هوكينج، وقال: هناك عوائق كثيرة، منها أنه اكتشف حديثا إمكانية خروج الأجسام الافتراضية من مكان فارغ.. وبذلك اكتشف أنه يمكن أن توجد الأشياء من العدم.. وبذلك يمكننا الاستغناء عن الله استغناء مطلقا.

ابتسم جون، وقال: أرأيت إن دخلت مصنعا آليا للسيارات، ولم تجد عاملا واحدا، لكنك وجدت إنتاجا كثيرا، أتقول بأنك اكتشفت أن المصنع لا حاجة له إلى أي عقل يتحكم فيه، ويسير أموره؟

قال هوكينج: لا.. فالمتحكم فيه هو تلك الحواسيب المتطورة التي تسير آلاته، فاستغنى بذلك عن البشر من العمال.

قال جون: ومن صمم تلك الحواسيب ووضع برامجها؟

قال هوكينج: بالطبع هو الإنسان الغربي.

قال جون: دعنا من كونه غربيا أو شرقيا.. بل دعنا من كونه إنسانا.. فالقائم على ذلك المصنع لا بد أن يكون عاقلا.. أي لابد أن يكون هناك عقل وراء كل ذلك التصميم.

قال هوكينج: أجل.

قال جون: ولكنك لم تره.. بل رأيت إنجازاته فقط.

قال هوكينج: هذا شيء بديهي.. فالآلات صماء بكماء عمياء لا يمكنك أن تنتجع شيئا بذاتها.

قال جون: فطبق هذا على صنعة ربك.. وأخبرني.. إذا مررت بباب من هذه الأبواب الحديثة، ففتح لوحده بمجرد مرورك.. أتقول عنه: إنه رآك وعرفك، وراح ينفتح لك؟

قال هوكينج: مجنون من يقول ذلك.. بل إن الباب صمم بطريقة خاصة، بحيث لا يفتح إلا في وقت الحاجة إلى فتحه.

قال جون: وكيف ذلك؟

قال هوكينج: ذلك بسيط.. توضع مثلا حصيرة أمام الباب وخلفه، وتقوم بكشف الوزن، أو الضغط الواقع عليها، وعندما يزداد عن الوزن المقرر، والذي يعد مسبقا وهو أقل من متوسط وزن الإنسان، فإن جهاز الاستشعار يعطي أمرا للمزلاج بفتح الباب.

أو توضع أجهزة استشعار بصرية، تعمل على تعقب الحركة ورصدها أمام الأبواب عن طريق إشعاعات المايكروويف التي ينتجها هوائي يتم تركيبة فى رأس الباب.

أو توضع أجهزة استشعار بالأشعة تحت الحمراء فى تلك الأبواب تقوم بكشف درجات الحرارة فى محيط الباب، وعندما يقترب شخص، فإن الجهاز يقوم بالكشف عن التغير فى درجات الحرارة، ويعرف أن شخصا ما قادم فيبدأ عملية فتح وغلق الباب.

قال جون: ألا تلاحظ أن تلك الأجهزة تعمل وحدها بفعالية؟

قال هوكينج: أجل.. وهذا بفضل التطورات التقنية، وقد يصبح مثل هذا السلوك في المستقبل ساريا على كل شيء فيما يسمونه البيت الإلكتروني، والذي يشتغل فيه كل شيء بطريقة آلية.

قال جون: فهل يستغني هذا البيت عن المصممين المبدعين من البشر؟

قال هوكينج: لا.. يستحيل الاستغناء عن العقل البشري.

قال جون: فكيف ترى هذه التصاميم البسيطة التي لا تساوي في إبداعها صنع ذبابة واحدة محتاجة إلى عقل واع يعرف ما يفعل، ولم يفعل، ولم تر هذا الكون جميعا بحاجة إلى مثل هذا العقل الواعي المدبر؟

سكت هوكينج، فقال جون: هذا هو الغرور البشري الذي يفرح بما صنع، وينسى ربه.

***

قام عالم آخر من التائبين، وهو [جوهانس]، وقال مخاطبا جون: ليسمح لي سيدي الفاضل أن أخاطب زميلي وصديقي باللغة التي يفهمها.. فربما يكون قد أخطأ في فهم المسألة، أو ربما يكون قد لبس عليه، وأنا أقول له جوابا عن سؤاله: هل كان فى هذا الفراغ طاقة، أم كان فارغا حقا، وكان عدما محضا؟

أجابه هوكينج: من خلال مبدأ عدم الدقة لهيزنبيرج، فإن الفراغ كان به طاقة.. أو بتعبير آخر عندما نقيس طاقته فى هذا الزمن القصير يستحيل أن يكون صفرا، ويستحيل ان يكون أقل من ثابت بلانك، لأن هناك حدا أدنى من الطاقة يجب أن يبقى فى أى مكان، وبالتالى فليس هناك شيء اسمه فراغ حقيقى فى هذا الكون، ولا عدم تام من كل شيء أبدا.

قال جوهانس: فقد أجبت نفسك بهذا على سؤالك.. ولذلك لا يمكن أن تقول بأن العدم أوجد شيئا، لأنه ليس هناك عدم حقيقى أصلا.. بل لا يمكن أن يوجد.. فقانون بقاء الطاقة يبين أنه لم تزدد الطاقة، ولو كان العدم الحيقى موجود، وتصدر منه أجسام أو جسيمات لكان هذا مما يزيد الطاقة، وينتهك قانون بقاء الطاقة، وهذا لم يحدث.

إن هذا يدعونا إلى التعرف على مبدأ عدم الدقة لهيزنبيرج، والذي يوضح لنا معنى الفراغ ومن أين أتى، والعلاقة بينهما.. ويوضح لنا أن الفراغ الذي نطلق عليه اسم (اللاشيء) هو فى الحقيقة (شيء)، وأن ما نطلق عليه الفراغ هو الفضاء الخالى من المادة لا يعنى بالضرورة الخلو الحقيقى التام منها.

قام عالم آخر، وقال: لكن ما تقول في كون الطاقة التى جاءت منها الجسيمات الافتراضية خرجت من العدم المحض، لأن مبدأ عدم الدقة يسمح بانتهاك قانون حفظ الطاقة فى الفترات الزمنية القصيرة جدا، فهل مبدأ عدم الدقة يعنى انتهاك القانون الأول للديناميكا الحرارية أو قانون حفظ الطاقة؟

قال جوهانس: هناك فعلا من يستعمل عبارات مثل [اقتراض الطاقة من العدم]، ومثل [انتهاك قانون حفظ الطاقة]، لكن لمدة قصيرة، لكن هذه العبارة ليست صحيحة.. وقد أثبت ذلك [فاينمان] فى مخططاته الشهيرة حيث يكون مجموع الطاقة قبل وبعد التفاعل واحد بدون تغير، وهذا هو حفظ الطاقة.

وقد قال بعض المتخصصين في الكمومية اللونية: (لا يوجد انتهاك لقانون حفظ الطاقة فى أى خطوة، وأن ما هو شائع أن مبدأ عدم الدقة يسمح بانتهاك مبدأ حفظ الطاقة لكن لفترة قصيرة قول خاطئ، فمخططات فاينمان تجعل الطاقة محفوظة فى كل المراحل)

قام آخر، وقال: ولكن مع ذلك لا يمكنك أن أن تنكر أن العالم الكمى ليس به مستحيل، فتصرفات سكانه غيرت تصورنا عن الحقيقة والمستحيل، فأصبح كل شيء ممكنا.

قال جوهانس: هذا خلط بين معنى السببية، ومعنى الحتمية، فالسببية مرهونة بوجود حدود وقوانين تحكم الشيء لا يمكنه تجاوزها.. وأما الحتمية فهى تطبيق لقوانينا الكلاسيكية على العالم الكمى، وهذا ثبت بطلانه وسقوطه، لكن لم يسقط بذلك قوانين العالم الكمى نفسه التى تحكمه.

والدليل على ذلك أن ميكانيكا الكم بها حدود تحدها ومستحيلات لا تتجاوزها.. فكل قانون كمى هو في الحقيقة دليل على هذا، وإلا لما كان قانونا، ولما كان هناك علم اسمه ميكانيكا الكم.

التفت للسائل، وقال: مثلا.. هل يمكن أن تبقى حالة التراكب أثناء لحظة القياس أم أن هذا مستحيل؟

أجابه: بل هذا مستحيل، حينها يجب أن تنهار الدالة.

قال جوهانس: وهل يمكن وضع أكثر من فرميون واحد فى الحالة الكومية نفسها، أم أنه مستحيل؟

أجابه: طبعا.. هذا مستحيل.

 قال جوهانس: وهل يمكن قياس الطاقة بدقة متناهية فى زمن محدد بدقة، أم أن هذا مستحيل؟

أجابه: بل هذا مستحيل، ولا يمكن أن يكون مقدار عدم الدقة أقل من ثابت بلانك.

قال جوهانس: وهل يمكن قياس الموقع والزخم لإلكترون فى نفس الوقت بدقة متناهية؟

أجابه: لا يمكن.. وهذا ليس بسبب ضعف فى قياسنا، لكن هذا مستحيل فى طبيعة عالم الكم طبقا لقانون عدم الدقة لهيزنبيرج.

قال جوهانس: انطلاقا من كل إجاباتك هذه، فإن هناك مستحيلات طبقا لمكانيكا الكم.. وهذا يدل على أن هناك حدودا تحكمه.. وهو يدل على أن قانون السببية لا يزال قائما.. أما غرابة خصائص الالكترون والطاقة التى داخل عالمنا وأجسامنا، فإنها لا تعنى سقوط السببية، بل تعني أننا لا نزال نجهل الكثير من الأشياء الموجودة في الكون، ولذلك نستغرب من كل جديد.

الثوابت الكونية:

ما وصل الحديث بالعلماء إلى هذا الموضع، حتى قام رجل منهم، وقال: اسمعوني جيدا، أنا [ماكس بلانك]، سمي ذلك العالم الفيزيائي، مؤسس نظرية الكم، وأحد أهم فيزيائييّ القرن العشرين، والحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء، والذي قدم الكثير من المساهمات في مجال الفيزياء النظرية..

ابتسم، وقال: هذا الكلام ليس خروجا على الموضوع، وإنما أردت منه أن أذكر لكم من خلاله أن العلم لا يتنافى مع الدين.. فهذا الفيزيائي الكبير كان يقول دائما: (لا يمكن أن نجد تعارضا حقيقيا بين العلم والدين، فكلاهما يكمل الآخر.. إنهما يحاربان في معارك مشتركة ضد الادعاء والشك والتسلط والالحاد من أجل الوصول لمعرفة الإله)

هذا هو العالم الحقيقي الممتلئ بالتواضع، وللأسف، فإني مع كوني كنت تلميذا له، ومتأثرا بكتبه، لكن سرعان ما جذبتني الأطروحات الإلحادية الجديدة، لا بسبب علميتها، وإنما بسبب ما تتيحه لأصحابها من فرص الشهرة والمال والجاه.

ولهذا أنا أقر الآن بين أيديكم عن تراجعي عن كل أفكاري السابقة التي جرني إليها جهلي وغروري وكبريائي.

طبعا هذا ليس موقفا آنيا لحظيا مستعجلا.. وإنما هو وليد أبحاث كثيرة سابقة.. لكني لم أتجرأ بالتصريح إلا الآن..

سكت قليلا، ثم قال: لقد كان التفكير في الثوابت الكونية ودقتها هو السبب الذي جعلني أرى أنه من المستحيل أن يقوم الكون من دون إله.. ومن المستحيل أن تكون الصدفة، ولا غيرها السبب في ذلك.

قام رجل من البلدة، وقال: هلا شرحت لنا بتفصيل ذلك.

قال ماكس([7]): أجل.. يسرني ذلك.. لقد وجدت أنه ـ على عكس ما يظن دعاة الإلحاد الجديد ـ أنه كلما تطورت قدراتنا على فهم الكون وقوانينه نجد دلائل أقوى على التعقيد الهائل والتصميم الدقيق الذي لو لم ينضبط ضمن أقل تفصيل من تفاصيله لكانت الحياة مستحيلة فيه.

ووجدت أن من أقوى الأدلة على الضبط الدقيق لهذا الكون ذلك التصميم البديع للكون، والمبني على قوانين تم ضبطها وتنميقها بدقة، وبشكل هادف وموجه للسماح بتكون الظروف المناسبة لنشوء حياة في هذا الكون.. ويعبر عن هذه القيم الفيزيائية الثابتة بالثوابت الكونية.

فبعد الأرض عن الشمس بمسافة دقيقة جدا ثابت كوني للمحافظة على الماء بشكله السائل الضروري للحياة على الأرض..

وهذا المثال بسيط وضئيل مقابل الثوابت الكونية الرئيسية الأكبر والأكثر تعقيدا بكثير، والتي نجد منها الثابت الكوني للجاذبية.. والظروف الأولية لنشأة الكون والحقائق الثابتة كسرعة الضوء.. والظروف المحلية الضرورية لوجود حياة على كوكب ما، كالمسافة الضرورية التي يجب أن تفصل كوكبا ما عن النجم الذي يدور حوله بحيث تكون الحرارة مناسبة لنشوء حياة فيه.. وغيرها كثير.

وهي جميعا في منتهى الدقة.. والتعبير الرقمي عنها معقد جدا، ويعتمد على نوعية الحسابات والوحدات الرياضية المستخدمة..

وهي جميعا أيضا محل إجماع من كل علماء الفيزياء والرياضيات، فهم يتفقون عليها، ويتفقون على أنها محكمة، أي أنه لو حصل تغيير ولو بسيط عليها، فإنه سيدمر أي احتمال لتكون الكون ووجود أي نوع من الحياة فيه.

حتى [ستيفن هوكينج] داعية الإلحاد الجديد لم يستطع أن ينكرها، بل إنه قال عنها: (إن الحقيقة المدهشة هي أن القيم التي تحملها هذه الثوابت الفيزيائية يبدو أنها ضُبطت على مستوى عال من الدقة حتى تسمح بتطور الحياة في الكون)

قال الرجل: فهلا انتقلت من الإجمال إلى التفصيل، لنستوعب مدى دقة هذه الثوابت.

قال ماكس: لا شك أنكم تعلمون جميعا أن هناك أربع قوى كبرى تتحكم في كل الظواهر الكونية ـ بحسب العالم الذي نعيشه ـ وأول هذه القوى قوة الجاذبية.. وتليها القوى الكهرومغناطيسية مثل الكهرباء والضوء.. وتليها القوى النووية الكبرى، والتي تتحكم بسلوك العناصر الذرية الصغيرة.. وتليها القوى النووية الصغرى أوالخفوت الإشعاعي للذرات.. وهذه القوى جميعا تم تشكلها في أقل من جزء من المليون من الثانية بعد الإنفجار الكوني الكبير..

التفت للرجل، وقال: أتدري مدى دقة هذا التقدير الزمني؟

قال الرجل: لا..

قال ماكس: لو تأخرت هذه القوانين في التشكل، ولو بأقل مقدار لكانت المواد المتفجرة ستتبعثر نهائيا بدون أن ينجذب بعضها لبعض لتكون المجرات والنجوم والكواكب.. فالقوى النووية القوية والضعيفة الكامنة في الجزيئات الذرية كالبروتونات ـ مثلا ـ تحكمها علاقة دقيقة من التوازن، لو اختلت لما استطاع أي نجم أن يتكون نهائيا.

فلو تغير ثابت الجاذبية الكوني بمقدار وحدة عددية واحدة من ستين جزءا.. لما كانت الحياة ممكنة في الكون.

قال الرجل: ألهذه الدرجة؟

قال: هذا مجرد مثال عن ثابت من الثوابت الكونية.. ولهذا كانت مصدر إحراج للعديد من العلماء الملحدين.. فكريستوفر هيتشنز أحد أذكى المفكرين الملحدين في زمنه قال بصراحة: (إن فرضية التظيم الدقيق للكون هي أقوى حجة كان يواجهني فيها الطرف الآخر المؤمن بوجود إله)

قال الرجل: إن حديثك عن ثابت الجاذبية دفعنا إلى حب التعرف على سائر الثوابت، ومدى دقتها، والعلاقات التي تربط بينها.

قال ماكس: العديد من الثوابت الكونية يعبر عنها بمعادلات فيزيائية دقيقة ومعقدة وقيم رقمية لن تكون مفهومة الا للمتخصصين.. لذلك سأكتفي بذكر تسعة منها لتعرفوا من خلالها مدى الدقة التي ينبني عليها الكون.. ولتعرفوا أنه يستحيل مع هذه الثوابت تصور الصدفة أو العبثية.

قال الرجل: فما أولها؟

قال ماكس: أولها ثابت الجاذبية الكونية الذي ذكرته لكم.. وهو مهم جدا لتكون المجرات والنجوم والكواكب.. وقيمته من الثبات والدقة بحيث لو زادت بنسبة بسيطة، فإن النجوم ستحرق مخزونها من الطاقة بسرعة تجعل الكون قصير العمر، عنيف التفاعل، غير مناسب للحياة.

قال الرجل: فما الثاني؟

قال ماكس: ثانيها الثابت الكهرومغناطيسي، وهي القوى القطبية التي تتحكم بالقوى الجاذبة والطاردة للجزيئات الذرية، وهي المسؤولة عن تكون العناصر كلها.. فلو كانت القوى التي تسيطر على علاقة البروتونات مع النيوترونات ونواة الذرة.. بالإضافة للجسيمات الذرية المكتشفة حديثا.. أقل مما هي عليه، لما تكونت المعادن والعناصر مثل الهيدروجين والكربون والهيليوم، وغيرها.

قال الرجل: فما الثالث؟

قال ماكس: ثالثها ثابت القوة النووية الكبرى، وهي التي تجعل الجزيئات تتماسك فيما بينها، وهي قوى عظيمة لها قيمها الدقيقة.. وحين تتفكك تعطينا الطاقة الذرية.. فالقنبلة الذرية ليست سوى انفلات الطاقة النووية الكبرى التي تربط بين الأجسام الموجودة داخل نواة ذرة اليورانيوم.. وهذه الطاقة العظيمة ضرورية لتماسك الأجسام الموجودة داخل نواة الذرة فيما بينها، لولاها لتفككت كل العناصر الكونية، وما تكون اي جسم فضائي.. وأي تغيير بسيط للمقدار الدقيق لهذه الطاقة سيجعل تكون العناصر الفلزية مستحيلا.

قال الرجل: فما الرابع؟

قال ماكس: الرابع ثابت القوى النووية الصغرى، أو التآكل الإشعاعي الموجود في كل العناصر.. فكل ذرة تفقد طاقة إشعاعية.. وهذه قوة هي المسؤولة عن الإشعاع الذري لكل شيء في هذا الكون.. فكل ذرة تموت بشكل بطيء جدا حين تطلق إشعاعها الذي ينشأ عن تحويل النيوترون إلى بروتون.. وهذا الثابت الذي ينظم الإشعاع الضعيف للعناصر لو كان أقوى مما هو عليه لاستحال تكون النجوم في الكون.

قال الرجل: أراك حدثتنا الآن عن الثوابت الكونية المرتبطة بالقوى الأربع الرئيسية المتحكمة بالكون، والتي ذكرتها لنا سابقا.

قال ماكس: أجل.. ولكنها ليست وحدها.. فهناك ثوابت أخرى.. أنسيت أني ذكرت لكم أني سأكتفي بتسعة منها فقط.

قال الرجل: أجل.. فما الخامس؟

قال ماكس: الخامس ما يطلق عليه [الثابت الكوني]، وهو القيمة الفيزيائية لمدى التوازن المطلوب لضمان توسع الكون بمقدار لا يجعل الأجرام السماوية كالمجرات والنجوم والكواكب وأقمارها تتناثر في أرجاء الكون.. وبمقدار لا يجعلها متكتلة بشكل يحرمها من التكون والتشكل بحرية للسماح بوجود نجوم وكواكب.. فالثابت الكوني بذلك هو ميزان قوى الجذب والتنافر الكونية..

وتكمن أهميته في كونه محصلة فيزيائية لتفاعل كل الثوابت الفيزيائية الأخرى ليصبح الكون ممكنا.. فكل منها يتفاعل بقيمته الدقيقة والثابتة.. أي أن كل ثابت كوني يعتمد على الآخر بعلاقة نسبية..

وكمثال على ذلك، فإن القوى النووية الكبرى الكامنة في نواة الذرات أقوى من طاقة الجاذبية بعشر آلاف، مليار، مليار، مليار، مليار، مليار مرة.. هذا التوازن الدقيق بين القوى النووية الكبرى مع قوى الجاذبية هو الذي يسمح بتكون مجرات ونجوم وكواكب في الكون.. فلو أخذنا صفرا واحد من نسبة التوازن هذه لاختلت موازين الكون لدرجة يصبح بها الكون فضاء خاويا أو كتلة مادية خالية من الحياة..

التفت للرجل، وقال: هل تدري كم قيمة هذا الثابت الكوني؟

قال الرجل: لا..

قال ماكس: إنها 1: 10 أس 122.. وهو يعني أنه لو اختلفت قيمته بأقل من جزء من صفر يليه 123 صفرا، ثم 1 من الواحد لانهار الكون بأكمله بعد تشكله بلحظات، أو لتوسع بسرعة هائلة تمنع تشكل الجزيئات الأساسية.

وطبقا للمعلومات التي حصل بمقتضاها العلماء الباحثون على جائزة نوبل للفيزياء عام 2011 تبين وجود سرعة في توسع الكون لا تتيحها المعادلات الفيزيائية، ولا كتلة المادة المتاحة في الكون، ولذا فقد اتضح أن قيمة الثابت الكوني تحدد بالضبط التوسع المطلوب، وقد كتب [ليونارد سوسكايند] الفيزيائي الشهير يقول: (الثابت الكوني 10أس 122 يستحيل أن ينشأ بداهة عن صدفة).. ومثله قال [ستيفن هوكينج] في كتابه [موجز تاريخ الزمن]: (الحقيقة الواضحة بخصوص الثوابت الكونية تؤكد على أنها صُممت بعناية تتيح الحياة وبمنتهى الضبط المدهش)

قال الرجل: ما هذا الرقم الذي لا يمكن النطق به، لا التعبير عنه؟

قال ماكس: لمن لا يعرف معنى كلمة 123 صفر، فإن هذه الكلمة تعني أننا بحاجة إلى قرص صلب بحجم 15 مليار سنة ضوئية، أي أكبر من حجم الكون كله، لنخرج منه بهذا الإحتمال، وطبعا هذا هو قمة الجنون الرياضي، لأن المستحيل الرياضي لا يتجاوز 50 صفر فضلا عن 123 صفرا.

فافتراض هذا الثابت الكوني بهذا الرقم المدهش الذي ظل العلماء يفترضون أنه صفر زمنا طويلا إلى أن بينت الدراسات في 1998 أنه ليس صفرا، ويستحيل أن يكون صفر، وإنما هو قريب جدا جدا جدا جدا من الصفر، لكن لابد أن يكون أكبر من الصفر بمقدار ضئيل للغاية بحيث يصبح رقما عشريا وأمامه 122 صفرا ثم واحد.

وقد فشل الفيزيائيون في معرفة سبب كون هذا الرقم بهذا القرب المدهش من الصفر، ومع ذلك لم يصبح صفرا، ولذا اعتبر الكثير من الفيزيائيين هذه المشكلة أعمق مشكلة غير محلولة في الفيزياء، ويطلقون عليها [معضلة الثابت الكوني]

قال الرجل: أرى أن كل الأرقام التي كنت تذكرها تمتلئ بمثل هذه المعجزات؟

قال ماكس: أجل.. فكل الأرقام في الثوابت الكونية لا يمكن التعبير عنها لدقتها الشديدة.. فالنسبة بين الإلكترون والبروتون هي 1: 10 أس37.. والنسبة بين القوة الكهرومغناطيسية والجاذبية هي 1: 10 أس 40.. ونسبة تمدد الكون هي 1: 10 أس55.. وكتلة كثافة الكون هي 1: 10 أس59..

إن هذه الأرقام جميعا، وغيرها كثير، تحدد القيم الفيزيائية للثوابت الكونية التي لو حدث أي تغير بسيط للغاية فيها لما نشأ الكون..

لقد قال [ليونارد سوسكايند] أستاذ الفيزياء النظرية بجامعة ستافورد والمؤسس لنظرية الأوتار الفائقة: (إن المشكلة الحقيقية في إعداد الكون بعناية أن هذه المعطيات التي تقف على حافة السكين كلها مستقلة عن بعضها البعض، وفي الوقت نفسه تتلاقى لتسمح فقط بإحداث الحياة، وتغير أى مُعطى من هذه المعطيات التي نشأت مستقلة لم يكن يسمح لها بالتلاقي فضلا عن إمكانية إيجاد حياة أو حتى منظومة كونية)

قال الرجل: وعيت هذا.. فهات الثابت السادس.

قال ماكس: الثابت السادس هو ما يطلق عليه [الثوابت الفيزيائية والظروف الأولية لتكون الكون].. وهي الحالات الفيزيائية السابقة والموازية واللاحقة للانفجار العظيم، وهي الظروف التي يجب أن تتضافر لتسمح بتكون الكون.. وقد نصفها بالميزان الدقيق لتوزع الطاقة والمادة في لحظات زمنية.

ذلك أن الكون يتوسع الآن في خط زمني مستقيم، وتنخفض حرارته تدريجيا مع توسعه.. فإذا انكمش فإن الحرارة سوف تزيد مع اقتراب الأجسام الفضائية ببعضها حتى تصل لحرارة ضخمة غير قابلة للقياس..

ويمكن التعبير عن الظروف الأولية السابقة للانفجار العظيم بمعادلات رياضية، ولكن قد لا نستطيع تحديدها أبدا.. فنحن نتكلم عن حالة الوجود قبل أكثر من ١٨ مليار سنة.

لقد عبر العالم الفيزيائي البريطاني [روجر بينروز] عن هذا الثابت عند حديثه عن قانون الثيرمودينامكية الثاني، فقال: (التوسع الزماني المكاني للكون يتبعه زيادة في الفوضى، وهذا يعني أنه كلما عدنا عبر الزمن فإن النظام الكوني يزداد دقة وضبطا حتى نصل لقمة الضبط الكوني، وهي لحظة ما قبل الإنفجار الكوني)

وقد حاول هذا الفيزيائي الكبير أن يصل إلى حسابات تقديرية لمحاولة فهم الدقة اللامتناهية لظروف تكون الكون.. وقد استنتج من خلالها استحالة الصدفة في تكون الكون.

فقد استنتج أن احتمالية الصدفة لتوفر كل الظروف لتكون طاقة ومادة من حالة السكون الأدنى هي 1 على 10 يتبعه 123 صفر.. أي أنه لو كان لدينا ١٠ كرات في كيس، ٩ كرات بيضاء وواحدة حمراء.. فاحتمالية حصولنا على الكرة الحمراء هي واحد على عشرة أو 1/10.

أما احتمالية حصولنا على كون يدعم الحياة بالصدفة، فإننا نحتاج إلى رقم خيالي لنفهمه نحتاج إلى تجميع كل الذرات المكونة لحبة رمل على أرضنا، ثم نجمع كل الذرات المكونة لكوكبنا، مع الشمس، مع كواكب المجموعة الشمسية، وكل الذرات المكونة لمجرتنا، ثم نضيف إلى ذلك كله الذرات المكونة لكل المجرات في كل الكون المنظور وغير المنظور.. ومع ذلك كله سيظل الرقم أكبر.

التفت للحضور، وقال: إن هذا الرقم الكبير هو الذي دعا إلى طرح فكرة الأكوان المتعددة.. أي أنه اذا افترضنا ذلك العدد من الأكوان، فلا بد أن يحتوي أحدها على كل الثوابت الكونية الضرورية لتكون أجسام فضائية تمهد لنشوء حياة فيه.. وهذه الفرضية وقبلها الفرضية الأنتروبية مستحيلتان لا يقبل بهما أي عقل، ولا أي منطق.. بل هما ليسا سوى نوع من الهروب من إمكانية وجود الخالق..

قال الرجل: وعيت هذا.. فهات الثابت السابع.

قال ماكس: الثابت السابع هو نسبة كتل البروتونات والالكترونات. فإذا اختلفت هذه النسب الذرية فإن اللبنات الأساسية لتكون الحياة (DNA) ما كانت لتتكون([8]).

قال الرجل: وعيت هذا.. فهات الثابت الثامن.

قال ماكس: الثابت الثامن [سرعة الضوء].. فإذا كانت سرعة الضوء أكبر مما هي عليه، فإن المجرات والنجوم والأجسام المشعة ستصبح مضيئة لدرجة أن الكون كله سيصبح كتلة ضوئية ضخمة.. وإذا كانت سرعة الضوء أقل مما هي عليه فإن الكون سيكون خافتا أقرب إلى الظلمة منه إلى الضياء.

قال الرجل: وعيت هذا.. فهات الثابت التاسع.

قال ماكس: الثابت التاسع [نسبة زيادة كتلة النيوترون على حساب البروتون]، فلو كانت الزيادة أكبر لما تكونت العناصر الثقيلة في الكون، كالحديد والرصاص وغيرها من المعادن الضرورية للحياة، فأجسادنا تتكون من نسب متفاوتة من هذه المعادن، ولو كانت الزيادة أصغر لانكمشت النجوم، وتكونت ثقوب سوداء تدمر الكون بأكمله.. هذا إن نشأ الكون أساسا.

قال الرجل: وعيت الآن ما ذكرت.. وقد كان حديثك أكبر برهان على رد احتمالية الصدفة سمعته في حياتي.

قال ماكس: ليس ذلك فقط.. فهناك أيضا الظروف المساعدة لأي كوكب حتى تقوم عليه الحياة بشروطها التي نعيشها.. مثل صفائح تكتونية ثابتة مع عوامل جيولوجية مناسبة.. وتوفر كميات مناسبة من الماء في قشرته.. ومنها قمر بحجم مناسب ودورة مناسبة تساعد على إضافة استقرار وثبات للكوكب لكي يحافظ على دورته الشمسية.. ومنها حجم وكتلة مناسبين للكوكب للحصول على قدر من الجاذبية يضمن الحفاظ على الماء والغلاف الغازي من التشتت في الفضاء.. ومنها وجود كوكب آخر ضخم في مكان مناسب حول الكوكب يقوم بجذب كل الكويكبات والنيازك والأجرام السماوية الضخمة بعيدا عن الكوكب الاصلي.. مثلما في حالة الأرض نرى المشتري يقوم بهذه المهمة، حيث أن جاذبيته الضخمة تجذب كل الأجسام الضخمة الخطيرة مما يشكل درع حماية لكوكبنا.. ومنها وجود الكوكب في طرف المجرة بعيدا عن التكدس الداخلي.. ومنها توفر قطبية جزيئية للماء مع خصائص تجعل هذا العنصر الأساسي للحياة في حالته السائلة ونطاق حراري دقيق. فمثلا، لو كان الماء يتبخر ضمن حرارة ٢٥ مئوية، لاستحالت الحياة على الأرض.. وغيرها كثير.

التفت للحضور، وقال: هل يمكن عقلا في ظل كل هذه الثوابت والشروط الدقيقة جدا أن يكون هناك أي محل للصدفة؟

التوازن الكوني:

ما انتهى ماكس من حديثه حتى قام آخر، وقال: شكرا جزيلا صديقي العزيز ماكس على هذه الجرأة التي جعلتك تتحدث عن الحقيقة، ولا تحجب عنها بأي حجاب.. وأنا صديقك [شرودنجر] سمي ذلك الفيزيائي النمساوي المعروف بإسهاماته في ميكانيكا الكم، وخصوصا المعادلة المعروفة باسمه، والتي حاز بسببها جائزة نوبل في الفيزياء عام 1933م.

والذي لم يححبه علمه عن ربه، حيث صرح بقوله: (إن العلم يقف كالأبكم أمام الأمور القريبة من قلوبنا، مثل شعورنا بالانشراح والكآبة أو لما نعتبر هذا المشهد جميلا أم قبيح.. إن العلم لا يعرف شيئا عن الخير والشر، لأن مثل هذة الأمور لا يفسرها إلا الإقرار بوجود إله)

وأنا أحب تعقيبا على ما ذكرت أن أذكر نموذجا من نماذج الدقة في الصنع الإلهي، والتي تجعل القول بالصدفة ضربا من الجنون.. وهو في مجال اختصاصي.. وهو عن [القوة النووية الصغرى]([9]) التي أشار إليها وإلى دقتها صديقي العزيز ماكس..

فهذه القوى تعتبر من القوى المؤثرة في الكون، وتمتلك قيمة عددية ثابتة ودقيقة جدا، وهي موجودة في بعض جسيمات الذرة، وتسبب النشاط الإشعاعي للمادة.

ويمكننا أن نعطي مثالا على هذا النشاط الإشعاعي بتحلل النيوترون الموجود في نواة الذرة إلى بروتون وإلكترون ونيوترون مضاد.. ليتضح لنا من خلاله أن النيوترون الموجود في نواة الذرة ما هو إلا جسيم ذري ناتج من اتحاد بروتون وإلكترون ونيوترون مضاد..

والقوة النووية الصغرى هي القوة التي تؤدي إلى انحلال النيوترون إلى الجسيمات الثلاثة التي تتكون منها، لكنّ هذه القوة موجودة على شكل حساس وموزون لدرجة أن هناك توازنا في هذا النّشاط الإشعاعي.

فلو كانت قيمة هذه القوة أكبر قليلا مما هي عليه لتحلّلت النيوترونات في الكون وندر وجودها فيه، أي لأصبح الهليوم نادرا في الكون منذ الانفجار العظيم، لأن هذا العنصر يحمل نيوترونين في نواة ذرته، ويمكن القول أنه كان سينعدم وجوده بالمرة.

والمعروف عن الهليوم أنه أخف العناصر في الوجود بعد الهيدروجين، وإذا انعدم الهليوم في الكون ينعدم تكون العناصر الثقيلة في جوف النجوم في أثناء التفاعلات داخل مراكز النجوم نتيجة التفاعلات النووية التي تطرأ على نوى ذرات الهيليوم، وهذا يعني أن الهليوم يعتبر مادة خام لإنتاج العناصر الأخرى، أي أن انعدام الهليوم يؤدي إلى انعدام العناصر اللاّزمة لنشأة الحياة واستمراريتها.

وعلى عكس ذلك لو كانت قيمة القوة النووية الصغرى أصغر قليلا مما هي عليه لتحوّلت ذرّات الهيدروجين المصاحبة للانفجار العظيم إلى ذرات الهليوم، ولزادت كميات العناصر الثقيلة في مراكز النجوم زيادة غير عاديّة، وهذه الزيادة تؤدي حتما إلى استحالة نشوء الحياة.

التفت للحضور، وقال: هل رأيتم كيف أن القوة الضعيفة التي تحملها جسيمات الذرة لها قيمة ذات حساسية فائقة، وخلقت بهذه الكيفية لتلعب دورها في نشوء الكون.

بالإضافة إلى هذا، فإن هناك عاملا آخر يؤثر على مدى حساسية قيمة هذه القوة، وهو يتمثل في تأثير هذه القوة على جُسيم ذرّي يدعى بـ [النيوترينو]، فالنيوترينوات هي الجسيمات التي تلعب دورا كبيرا في دفق العناصر الثقيلة واللاّزمة للحياة والمتكونة في مراكز النجوم العملاقة إلى الفضاء السحيق.

وتعتبر القوة النووية الصغرى هي القوة الوحيدة التي تؤثر على جسيمات النيوترينو في الكون.

ولو كانت هذه القوة أصغر قليلا مما هي عليه لأصبحت جسيمات النيوترينوات أكثر حرية في الحركة دون أن تتأثر بقوة جذب أي شيء، وهذا يعني أن هذه الجسيمات تستطيع أن تهرب من قوة جذب النّجوم العملاقة دون أن تتأثر بالطبقات الخارجية لهذه النجوم، وبالتالي سيكون دفق العناصر الثقيلة إلى الفضاء مستحيلا.. ولو كانت هذه القوة أكبر مما هي عليه لبقيت في مراكز النجوم قابعة فيه دون حراك، وهذا يؤدي إلى صعوبة إطلاق العناصر الثقيلة المتكونة إلى الفضاء.

لقد ذكر [بول ديفيس] أن قوانين الفيزياء الأساسية والمؤثرة في الكون تحمل قيما معينة ومحددة لتناسب وتلائم حياة الإنسان، وإذا حدث أي تغيير طفيف في هذه القيم يتغير وجه الكون الحالي تغيرا ملحوظا، فقال: (ولما وجدنا نحن كبشر لنشاهد هذا الكون.. وكلّما استمر الإنسان في أبحاثه الفضائية اكتشف أموراً مثيرة لا يمكن تصديقها بالعقل الإنساني، وآخر ما توصل إليه الإنسان بشأن الانفجار العظيم يثبت أن الكون يتمدد بشكل دقيق وموزون لدرجة مثيرة للحيرة والإعجاب)

ويقول [آرنوبنزياس] أحد من اكتشف الأشعة الكونية الدالة على حصول الانـفجار العظيم، والحاصل على جائزة نوبل سنة 1965 موضّحا هذا التخطيط والتصميم الخارقين للكون: (إنّ علم الفلك يقودنا إلى أمور غير عادية، إلى كون خلق من العدم، الكون الذي يحتوي على موازين دقيقة للغاية تكفي سببا لنشأة الحياة، أي أنّ الكون وجد بهذه الكيفية لتحقيق هذه الغاية)

ويقول البروفيسور [روبرت جاسترو] أستاذ الفيزياء النظرية في جامعة كولومبيا: (إنّ الكون بالنسبة إلى الفيزيائيين والفلكيين هو المكان المناسب لعيش الإنسان والمحدد بمجموعة من القيم الرّياضية تحديدا ضيقا للغاية، وهذا التعريف يدعى بـ [المبدأ الإنساني]، وتعتبر هذه النتيجة برأيي من أكثر النتائج التي توصل إليها العلم الحديث غموضا)

سكت قليلا، ثم قال: إن كل هذه النتائج التي أقر بها كبار علماء العلماء في التخصصات المختلفة بشأن القوى الكونية المؤثرة من ناحية ثبات قيمها وتناسبها وتوازنها مع بعضها البعض بهذه الدّقة المتناهية تدل على أنه لا تفسير لهذه الحقيقة باستخدام كلمة المصادفة، وإنما التفسير الوحيد لها هو [المعجزة]

ونستطيع أن نتثبت كونها كذلك بإجراء القياسات التي تؤدي إلى نتائج ثابتة دائما، ولا تتغير حتى بنسبة 1 إلى 100 أو 2 إلى 100.. إضافة إلى أن هذه الموازين الدقيقة هي نفسها لم تتغير حتى قبل وجود الإنسان، أو وجود الحياة، ولم تعان أي تغيير أو تحول في قيمتها..

وهذا كله يعني أن الكون مستند إلى موازين دقيقة للغاية، والادّعاء بأنّ المصادفة هي التي أوجدت هذا النظام المتوازن والمتقن يعتبر منافيا لقواعد العقل والمنطق حتما..

***

قام رجل من أهل البلدة، وقال: ما دمت قد حدثتنا عن هذا، فاذكر لنا مدى الانسجام بين الشحنات الكهربائية؟

قال شرودنجر: شكرا على هذا السؤال المهم.. فهو أيضا يرشدنا إلى معجزة أخرى من معجزات التصميم الإلهي..

أنتم تعرفون أن البروتون أكبر من الإلكترون من ناحية الكتلة والحجم، فالبروتون يملك كتلة أكبر بـ 1836مرة من كتلة الإلكترون، ولو أجرينا مقارنة مادية بينهما فإن الأمر يصبح كالمقارنة بين الإنسان وحبة البندق، ويمكن القول أنه ليس هنالك أي تشابه بين الإلكترون والبروتون.

والغريب أن هذين الجسمين بالرّغم من عدم تشابههما إلاّ أنهما يملكان نفس الكمية من الشحنة الكهربائية، ولكن إحدى الشحنتين موجية والأخري سالبة، وكذلك تتميز الشحنتان بأنهما متساويتان من ناحية الشّدة، ولهذا السّبب تكون الذرة متعادلة الشحنة.

والغريب هنا هو أن المتوقع أن تكون الشحنتان غير متكافئتين، ولا يوجد أي مؤثر يجعلهما متساويتين، بل المتوقع أن يكون الإلكترون أضعف شحنة من البروتون لكونه أصغر منه كتلة، ولكن ذلك لم يحصل.

قال السائل: فماذا كان سيحدث لو كان الإلكترون غير متكافئ كهربائيا مع البروتون؟

قال شرودنجر: حينها ستصبح جميع الذرات الموجودة في الكون موجبة الشحنة نتيجة وجود البروتون الموجب الشحنة، وهذا يؤدي إلى أن تصبح جميع الذرات متنافرة مع بعضها..

قال السائل: فلنفرض أن هذا حدث.. فكيف يكون الحال؟

قال شرودنجر: يحدث ما لا يمكن أن يقع في الحسبان.. وأول ذلك التغييرات التي ستحدث في أجسامنا، فأول تغيير يحصل لحظة تنافر الذّرات مع بعضها البعض هو تمزق أيدينا تمزقا فجائيا إربا إربا.. وليست الأيدي فقط، بل كل الجسم سيتمزق إلى أجزاء وأشلاء في لحظة واحدة.. وحتى الغرفة التي نجلس فيها.. بل العالم الذي نشاهده.. وكذلك الكواكب الموجودة في المجموعة الشمسية.. وجميع الأجرام السّماوية في الكون كلها تتلاشى في لحظة واحدة، ولا يمكن بعدها أن يتكون أي جسم مادي يمكن رؤيته بالعين المجردة، ويصبح الكون في النهاية عبارة عن تجمّع من الذرات المتنافرة مع بعضها البعض بشكل عشوائي فوضوي في كافة أرجاء الكون.

قال السائل: ما هي نسبة التغيير في شحنة الإلكترون والبروتون كي تحدث مثل هذه الفوضى الشاملة؟

قال شرودنجر: لقد قال البروفيسور جورج كرينشتاين في كتابه [الكون التكافلي] مجيبا عن هذا السؤلا: (لو حدث تفاوت بين شحنتين كهربائيتين بنسبة جزء من 100بليون جزء لكان كافيا لتشتت واضمحلال الإنسان والحجر وسائر المواد الصغيرة.. وهذا المقياس أكثر حساسيةّ بالنسبة إلى الأجسام الكبيرة كالأرض والشمس لأنها تحتاج إلى تغيير بنسبة 1إلى بليون بليون فقط كي تضمحل)

وسبب ذلك هو أن البروتونات والإلكترونات التي تشكل الذرة ذات كتل مختلفة بصورة كبيرة إلاّ أنها صممت بنفس الكمية من الشحنة، وبصورة إعجازية، وهذا التطابق مهم جدا في الحفاظ على التوازن الكوني.

لقد تم حساب عدد البروتونات والإلكترونات في الكون حسابا دقيقا جدا.. ويمكن القول أنهما متساويتان في العدد مع وجود فارق ضئيل جدا يمكن إهماله.. وهذا التساوي مهم جدا في الحفاظ على التوازن الكهرومغناطيسي للكون.

قال السائل: وعينا هذا، لكن ما قيمة الانسجام أو التوافق العددي بين الإلكترون والبروتون الذي حدثتنا عنه؟

قال شرودنجر: إن هذا التوافق العددي مهم جدا لإحداث التّوازن الكهربائي في أرجاء الكون لأن أي زيادة في عدد إلكترونات أو البروتونات تؤدي إلى حصول تنافر بين الجسيمات المتشابهة الشحنة وابتعادها عن بعضها، وهذا يؤدي إلى إعاقة اتحاد الجسيمات دون الذرة مع بعضها لتشكيل الذرة، وبالتالي استحالة تكون الأجسام السماوية، وبالتالي استحالة تكون المجرات والنجوم والكواكب ومن ضمنها كوكبنا الذي نعيش عليه.

قال الرجل: بناء على ما ذكرت، وما ذكر الأستاذ ماكس.. ماهي احتمالات نشوء مثل هذا الكون بالمصادفة؟

قال شرودنجر: إنّ هذه الاحتمالات قد تم حسابها من قبل البروفيسور البريطاني روجر بنروز الأخصائي في الرّياضيات، والزميل الحميم لستيفن هوكينج، وأثبتت حسابات الاحتمالات التي من الممكن حدوثها من ضمن النتائج المتعددة والمحتملة لما يحصل بعد الانفجار العظيم.

وهي عبارة عن رقم مهول جدا.. إنه 1 مقسوم على 10 قوة 10 قوة 123.. وهذا الرقم من الصّعب جدّا استيعابه منطقيا.. فالتّعبير الرياضي 10قوة 123 يعني العدد 1وأمامه مائة وثلاثة وعشرون صفرا.. وهو أكبر من مجموع عدد الذّرات في الكون.. أي أكبر من 10 قوة 78.. وبالطبع فإن هذا الرقم خيالي، لأن الرّقم الذي توصل إليه روجر بنروز مساو لـ1ومعه 10قوة 123صفرا..

وأحب أن أذكر لك هنا قاعدة رياضية مهمة تتعلق بهذا، وهي أن احتمال أصغر من 1 مقسوم على 10 قوة 50 يمكن اعتباره صفرا.. وأنت كما ترى فإن النتيجة السّابقة احتمال أصغر من 1 مقسوم على10 قوة 50 بمقدار يساوي تريليون تريليون تريليون مرة.. وبإيجاز فإن احتمال نشوء الكون مصادفة مستحيل قطعا.

وقد علق البروفيسور بنروز على هذا الرقم الخيالي قائلا: (إن هذا الاحتمال أي العدد واحد مقسوم على 10 قوة 10 قوة 123 يعكس لنا مدى وضوح وبيان الإرادة الإلهية في هذا الأمر، فالرقم الذي تم التوصل إليه مدهش ومحير، فالمرء لا يستطيع أن يكتب أو يتعامل رياضيا مع رقم بهذا الكبر، لأن عليه في هذه الحالة أن يضع 10 قوة 123صفرا أمام العدد 1.. ولو وضع صفر على جميع البروتونات والنيوترونات الموجودة في الكون لما تم الوصول إلى هذا العدد من الأصفار، بل بقي وراءه كثيرا)

التفت لزملائه، وقال: لا شك أنكم تعرفون صدق كل الذي قلته.. وتعرفون أيضا أن تحقق أكمل احتمال وأفضله من بين الاحتمالات الهائلة التي شرحناها بلسان علم الرياضيات لهو أفضل دليل وأقوى برهان على أن هذا الكون مخلوق.. وبلا شك فإنّ الكون الذي نعيش فيه لم يأت نتيجة المصادفات العمياء أو سلوك الذرات غير العاقلة، فكل شيء في الكون حي أو غير حي ينطق بأنه مخلوق بقدرة إله.

***

جلس، فقام عالم آخر، وقال: شكرا جزيلا صديقي العزيز شرودنجر على هذه المعلومات القيمة التي أدليت بها.. والتي كنت شخصيا أعرفها، ولكني كنت كل حين أغض الطرف عنها، خوفا من النتائج التي تحملها.. لكني الآن، وبين هذا الحضور الكريم، وفي هذا الجو الممتلئ بلاصفاء والصدق، أحب أن أذكر لكم أنني أنا المسمى [هايزنبرج] سمي ذلك الفيزيائي الألماني الكبير، والحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1932.. وأحد مؤسسي فيزياء الكم، وصاحب أحد أهم مباديء الفيزياء الحديثة، مبدأ عدم اليقين، والقائل: (إنه نظام مبهر تحكمه قوة حكيمة قادرة، لو اختفت من الوجود لاجتاحت الجنس البشرى مصائب رهيبة أسوأ من الانفجارات النووية وحروب الإبادة)

وأنا اليوم وبعد فترة طويلة من الانحدار في هاوية الإلحاد أعود الآن إلى فطرتي الأصيلة، وأقر بين أيديكم بأني قد تخليت عن كل تلك الأوهام التي كانت تسيطر علي، وتمنع عيني عن رؤية الحقيقة.. أجمل حقيقة في الوجود.. وجود الإله العظيم الذي صمم هذا الكون بإبداع ودقة لا نظير لها.

واسمحوا لي بهذه المناسبة أن أذكر لكم بعض كنت ما ممتلئا بالعجب منه في فترة إلحادي، وكان كل حين يلح علي بأن أدخل جنة الإيمان، لكن نفسي الأمارة بالسوء كانت تحول بيني وبين ذلك.

كان أكبر ما يملأ عقلي بالعجب تلك القوانين الرياضية([10]) المحكمة الدقيقة التي لا تتخلف أبدا بصورة تدعو إلى الدهشة والإكبار، فحتى المادة الجامدة التي لا تملك شعورا كنت أراها تتبع قوانين صارمة معلومة.. فالماء أينما كان على هذه الأرض لن يكون معناه سوى مادة سائلة تحتوى على 11. 1 بالمائة من الهيدروجين، و88. 9 بالمائة من الأوكسجين.. ولذلك يستطيع أي شخص أن يجرى عملية تسخين الماء في معمله أن يقول بكل قطعية: إن درجة حرارة غليان الماء هي (100) سنتي جراد، دون أن يرى مقياس الحرارة ما دام ضغط الهواء760م. م.. فإذا كان ضغط الهواء أقل فسوف نحتاج طاقة أقل لتوفير الحرارة التي تدفع جزئيات الماء.. وتعطيها صورة البخار. وحينئذ سوف تنخفض درجة غليان الماء، وعلى العكس لو كان ضغط الهواء أكثر من 760م. م. فستزداد درجة غليان بمقدار زيادة ضغط الهواء.

لقد جرب الكثير من الباحثين العملية مرارا إلى أن تمكنوا من البت في أمر الغليان حتى قبل تسخين الماء.. ولو لم يكن هذا النظام والضبط في المادة وعمليات الطاقة لما وجد الإنسان أسسا يقيم عليه كشوفه ومنجزاته العلمية.. ولولا هذا النظام والضبط لحكمت عالمنا الاتفاقات والصدف المحضة.. ولكان من المستحيل على علماء الطبيعة أن يقولوا: إنه بمباشرة عمل ما في حالة معينة تحصل نتيجة كذا..

سكت قليلا، ثم قال: ومثله ما يسمى بنظام العناصر والدورية.. ذلك النظام الممتلئ بالعجب.. فقد وضع [ماندليف] خريطة للعناصر الكيماوية بمقاديرها الجوهرية، وسميت بالخريطة الدورية، وفى ذلك الوقت لم تكن كل العناصر قد تم كشفها حتى تملأ كل الخانات الموجودة في الخريطة، فتركها خالية؛ إلى أن ملأها العلماء فيما بعد، كما تخيلها [ماندليف] من قبل كشفها بسنين طويلة، وهذه الخريطة تحوى جميع العناصر الجوهرية بأرقام وقوائم مختلفة.

ومعنى الأرقام الجوهرية هو العدد الخاص الذي يوجد في مركز الذرة، من الشحنات الكهربية الإيجابية (البروتون).. وهذا العدد ـ كما تعلمون ـ هو الفارق بين ذرة عنصر وذرة عنصر آخر؛ فالهيدروجين الذي نعتبره أبسط عنصر يوجد في مركز ذرته شحنة واحدة من الكهربية الإيجابية، وكذلك توجد في العنصر المسمى (هيلوم) شحنتان، وهكذا.

وما كان لنا أن نتمكن من وضع خرائط العناصر المختلفة إلا بناء على قوانينها الرياضية العجيبة.. وهل هناك مثال للضبط أفضل من أننا عثرنا على العنصر رقم (101) بمجرد معرفة شحناته الكهربية الخمسة عشر؟!

التفت إلى أصدقائه من العلماء، وقال: ألا ترون أن العلماء جميعا من لدن ماندليف إلى آخر عالم فيكم يطلق على هذا النظام البديع لقب [القانون الدوري]، لا [الصدفة الدورية].. ذلك أنه ليس من الممكن أن نتنكر لما تطلبه هذه الضوابط والنظم من وجود إله عليم خبير هو الذي وضع قيمها بدقة عالية..

ثم التفت للحضور، وقال: لا شك أنكم تسمعون في الأخبار أن كسوفا للشمس، أو خسوفا للقمر سيحدث في اليوم الفلاني، والمكان الفلاني..ولا شك أن الكثير منكم ينبهر من دقة العلماء، ودقة حساباتهم.. ولكن أيهما أكثر إبهارا: هل مكتشف تلك الحسابات الدقيقة، أو واضعها ومصممها ومبدعها؟

سكت قليلا، ثم قال: وهكذا الحال عندما نرفع أعيننا إلى السماء، ونشاهد الكواكب والنجوم التي لا حصر لها؛ إن هذه الكرات السماوية التي لا تزال معلقة في الفضاء منذ قرون لا نعرف عدتها، تدور في الفضاء الفسيح السحيق على نظام معين معلوم بحيث يمكننا معرفة جميع الوقائع المستقبلة قبل وقوعها بقرون.. إنه نظام لا مثيل له من الذرة.. إلى قطرة الماء.. إلى الكواكب السحيقة في أجواز الفضاء.. نظام تستنبط على أساسه قوانين علمية.

إن نظرية نيوتن تفسر دوران الكرات الفلكية، وبناء عليها استطاع العالمان: آدمز ولا فريير أن يتنبآ بوجود كوكب لم يكن معروفا وجوده في وقتهما، وبناء على قولهما وجه مرصد برلين في ليلة من ليالي سبتمبر سنة 1846 تلسكوبا إلى الجهة التي أشارا إليها، وسرعان ما وجد المرصد الكوكب الذي نسميه اليوم (نبتون)، في أسرة الشمس.

تقدم من بعض زملائه من العلماء، وقال: ألا ترى ـ صديقي العزيز ـ أننا كنا واهمين حين كنا نردد كل حين، ونحن نكذب على أنفسنا وعلى الناس أنه ـ كما يقول هكسلى ـ (لو جلست ستة من القردة على آلات كاتبة، وظلت تضرب على حروفها لملايين السنين فلا نستبعد أن نجد في بعض الأوراق الأخيرة التي كتبوها قصيدة من قصائد شكسبير! فكذلك كان الكون الموجود الآن نتيجة لعمليات عمياء، ظلت تدور في (المادة) لبلايين السنين)

ضحك بصوت عال، وقال: ألا ترى إلى هذا اللغو المثير.. فهل هذا الكون العجيب قصيدة من قصائد شكسبير.. إن كل ذرة في الكون أكثر إبداعا ودقة ونظاما من كل قصائد شكسبير.. فأي صدفة عجيبة أنتجت هذا الواقع العظيم ذا الروح العجيبة؟

لقد كان البروفيسور ايدوين كونكلين أكثر عقلا منا حين قال: (إن القول بأن الحياة وجدت نتيجة (حادث اتفاقي) شبيه في مغزاه بأن نتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار صدفي يقع في مطبعة)

وكان ذلك العالم الأمريكي أكثر عقلا منا حين قال: (إن نظرية الصدفة ليست افتراضا، وإنما هي نظرية رياضية عليا، وهى تطلق على الأمور التي لا تتوفر في بحثها معلومات قطعية، وهى تتضمن قوانين صارمة للتمييز بين الباطل والحق، وللتدقيق في إمكان وقوع حادث من نوع معين وللوصول إلى نتيجة هي معرفة مدى إمكان وقوع ذلك الحادث عن طريق الصدفة)

تقدم من زميل آخر له، وقال: فلنسلم جدلا بما ذكر لنا هكسلي.. وافترضنا أن المادة وجدت بنفسها في الكون، وافترضنا أيضا أن تجمعها وتفاعلها كان من تلقاء نفسها.. ففي تلك الحال أيضا لن نظفر بتفسير الكون، فإن (صدفة) أخرى تحول دون طريقنا.. فلسوء حظنا: أن الرياضيات التي تعطينا نكتة (الصدفة) الثمينة هي نفسها التي تنفى أي إمكان رياضي في وجود الكون الحالي بفعل قانون الصدفة.

لقد استطاع العلم الكشف عن عمر الكون وضخامة حجمه، والعمر والحجم اللذان كشف عنهما العلم الحديث غير كافيين في أي حال من الأحوال، لتسويغ إيجاد هذا الكون عن قانون الصدفة الرياضي.

لقد ضرب العالم الأمريكي الشهير (كريسى موريسن) مثالا رائعا يمكنه أن يوضح لنا حدود الصدفة ومجالها، فقال: (لو تناولت عشرة دراهم، وكتبت عليها الأعداد من1 إلى 10، ثم رميتها في جيبك وخلطتها جيدا، ثم حاولت أن تخرجها من الواحد إلى العاشر بالترتيب العددي، بحيث تلقى كل درهم في جيبك بعد تناوله مرة أخرى.. فإمكان أن نتناول الدرهم المكتوب عليه في المحاولة الأولى من واحد على عشرة؛ وإمكان أن تتناول الدرهمين (2، 1) بالترتيب واحد في المائة وإمكان أن تخرج الدراهم (4، 3، 2، 1) بالترتيب هو واحد في العشرة آلاف.. حتى إن الإمكان في أن تنجح في تناول الدراهم 1إلى 10 بالترتيب واحد في عشرة بلايين من المحاولات)

لقد ضرب هذا المثال العالم الأمريكي الشهير (كريسى موريسن)، ثم استطرد قائلا: (إن الهدف من إثارة مسألة بسيطة كهذه، ليس إلا أن نوضح كيف تتعقد (الوقائع) بنسبة كبيرة جدا في مقابل (الصدفة)

بناء على هذا، فلنتأمل في أمر هذا الكون فلو كان كل هذا بالصدفة والاتفاق، فكم من الزمان استغرق تكوينه بناء على قانون الصدفة الرياضي؟

إن الأجسام الحية تتركب من (خلايا حية) وهذه (الخلية) مركب صغير جدا ومعقد غاية التعقيد، وهى تدرس تحت علم خاص يسمى (علم الخلايا). ومن الأجزاء التي تحتوى عليها هذه الخلايا: البروتين وهو مركب كيماوي من خمسة عناصر هي الكربون والهيدروجين والنتروجين والأوكسجين والكبريت.. ويشمل الجزيء البروتيني الواحد أربعين ألفا من ذرات هذه العناصر!

وفي الكون أكثر من مائة عنصر كيماوي كلها منتشرة في أرجائه، فأي نسبة في تركيب هذه العناصر يمكن أن تكون في صالح قانون (الصدفة)؟

وهل يمكن أن تتركب خمسة عناصر من هذا العدد الكبير لإيجاد (الجزيء البروتيني) بصدفة واتفاق محض؟!

إننا نستطيع أن نستخرج من قانون الصدفة الرياضي ذلك القدر الهائل من (المادة) الذي سنحتاجه لنحدث فيه الحركة اللازمة على الدوام؛ كما نستطيع أن نتصور شيئا عن المدة السحيقة التي سوف تستغرقها هذه العملية.

تقدم من زميل آخر له، وقال: أنت تعرف أن الرياضي السويسري الشهير الأستاذ (تشارلز يوجين جواي) حاول أن يستخرج هذه المدة عن طريق الرياضيات.. فانتهى في أبحاثه إلى أن (الإمكان المحض) في وقوع الحادث الاتفاقي الذي من شأنه أن يؤدى إلى خلق كون، إذا ما توفرت المادة، هو واحد على 60/10 (أي 10×10 مائة وستين مرة).. وبعبارة أخرى: نضيف مائة وستين صفرا إلى جانب عشرة.. وهو عدد هائل تتصدع له العقول.

ألا ترى أن إمكان حدوث الجزيء البروتيني عن (صدفة) يتطلب مادة يزيد مقدارها بليون مرة عن المادة الموجودة الآن في سائر الكون، حتى يمكن تحريكها وضخها، وأما المدة التي يمكن ظهور نتيجة ناجحة لهذه العملية فهي أكثر من 243/10 سنة.

إن جزيء البروتين يتكون من (سلاسل) طويلة من الأحماض الأمينية، وأخطر ما في هذه العملية هو الطريقة التي تختلط بها هذه السلاسل بعضها مع بعض فإنها لو اجتمعت في صورة غير صحيحة تضبح سما قاتلا، بدل أن تصبح موجدة للحياة.

تقدم من زميل آخر له، وقال: وأنت أيضا تعرف أن البروفيسور ج. ب. ليتز توصل إلى أنه لا يمكن تجميع هذه السلاسل فيما يقرب من 48/10 صورة وطريقة.. لقد عبر عن ذلك بقوله: (إنه من المستحيل تماما أن تجتمع هذه السلاسل ـ بمحض الصدفة ـ في صورة مخصوصة من هذه الصور التي لا حصر لها، حتى يوجد الجزيء البروتيني الذي يحتوى أربعين ألفا من أجزاء العناصر الخمسة التي سبق ذكرها)

ثم التفت للحضور، وقال: ومع ذلك كله، فإن القول بالإمكان في قانون الصدفة الرياضي لا يعنى أنه لابد من وقوع الحادث الذي ننتظره، بعد تمام العمليات السابق ذكرها، في تلك المدة السحيقة؛ وإنما معناه أن حدوثه في تلك المدة محتمل لا بالضرورة، فمن الممكن على الجانب الآخر من المسألة ألا يحدث شيء ما بعد تسلسل العملية إلى الأبد.

تقدم من زميل آخر له، وقال: أنت تعلم ـ صديقي العزيز ـ أن هذا الجزيء البروتيني ذو وجود كيماوي، ولذلك فهو لا يتمتع بالحياة إلا عندما يصبح جزءا من الخلية، فهناك فقط تبدأ الحياة.. وهذا الواقع يطرح أهم سؤال على عقولنا، وهو: من أين تأتى الحرارة عندما يندمج الجزيء بالخلية؟

أنت تعلم أنه لا يوجد جواب عن هذا السؤال عندنا، ذلك أنه من الواضح أن التفسير الذي يزعمه المتسترون وراء قانون الصدفة الرياضي لا ينطبق على الخلية نفسها، وإنما على جزء صغير منها هو الجزيء البروتيني، وهو ذرة لا يمكن مشاهدتها بأقوى منظار بينما نعيش، وفي جسد كل فرد منا ما يربو على أكثر من مئات البلايين من هذه الخلايا.

أنت تعلم أن (الكونت دى نواي) أعد بحثا وافيا حول هذا الموضوع ذكر فيه أن مقادير (الوقت، وكمية المادة، والفضاء اللانهائي) التي يتطلبها حدوث مثل هذا الإمكان هي أكثر بكثير من المادة والفضاء الموجودين الآن، وأكثر من الوقت الذي استغرقه نمو الحياة على ظهر الأرض..

وذكر: أن حجم هذه المقادير التي سنحتاج إليها في عمليتنا لا يمكن تخيله أو تخطيطه في حدود العقل.. فلأجل وقوع حادث ـ علي وجه الصدفة ـ من النوع الذي ندعيه، سوف نحتاج كونا يسير الضوء في دائرته82/10 سنة ضوئية (أي: 82 صفرا إلى جانب عشرة سنين ضوئية!) وهذا الحجم أكبر بكثير جدا من حجم الضوء الموجود فعلا في كوننا الحالي؛ فإن ضوء أبعد مجموعة للنجوم في الكون يصل إلينا في بضعة (ملايين) من السنين الضوئية فقط.. وبناءا على هذا، فإن فكرة أينشتاين عن اتساع هذا الكون لا تكفى أبدا لهذه العملية المفترضة.

أما فيما يتعلق بهذه العملية المفترضة نفسها، فإننا سوف نحرك المادة المفترضة في الكون المفترض، بسرعة خمسمائة (تريليون) حركة في الثانية الواحدة، لمدة243/10 بليون سنة (243 صفرا أمام عشرة بلايين)، حتى يتسنى لنا حدوث إمكان في إيجاد جزيء بروتيني يمنح الحياة.

لقد قال (دى نواي) يعبر عن هذا: (لابد ألا ننسى أن الأرض لم توجد إلا منذ بليونين من السنين، وأن الحياة ـ في أي صورة من الصور ـ لم توجد إلا قبل بليون سنة عندما بردت الأرض)

تقدم من زميل آخر له، وقال: لقد تبين لنا حتى الآن أن المادة العادية تحتاج إلى بلايين البلايين من السنين، حتى يتسنى مجرد إمكان لحدوث (جزيء بروتيني) فيها بالصدفة.. فكيف إذن جاءت في هذه المدة القصيرة في شكل مئات الآلاف من أنواع النباتات والحيوانات؟

 وكيف انتشرت هذه الكمية الهائلة على سطح الأرض في كل مكان؟.. ثم كيف جاء من خلال هذه الأنواع الحياتية ذلك المخلوق الأعلى الذي نسميه (الإنسان)؟

ثم التفت للحضور، وقال: اسمحوا لي بعد كل هذا أن أختم كلمتي هذه بمقولة قالها عالم الطبيعة الأمريكي (جورج إيرل ديفيس)، فقد عبر عن هذه الحقائق أحسن تعبير حين قال: (لو كان يمكن للكون أن يخلق نفسه فإن معنى ذلك أنه يتمتع بأوصاف الخالق، وفي هذه الحال سنضطر أن نؤمن بأن الكون هو الإله.. وهكذا ننتهي إلى التسليم بوجود (الإله)؛ ولكن إلهنا هذا سوف يكون عجيبا: إلها غيبيا وماديا في آن واحد! إننى أفضل حاكمه ومديره ومدبره، بدلا من أن أتبنى مثل هذه الخزعبلات)

***

انتهى العلماء من حديثهم في المحور الثاني، وقد شعرت بروحانية كبيرة تغمر المكان، ولاحظت في وجوه الكثير من العلماء حتى الذين لم يصرحوا بعد بعودتهم للإيمان سرورا كبيرا، وأنوارا كثيرة تكاد تستأصل الظلمات الإلحادية التي تحول بينهم وبين الجهر بالحقيقة.


([1]) انظر مقالا بعنوان: ستيفن هوكينج : التصميم العظيم، حسن عجمي.

([2]) من مقال بعنوان: الوجه الآخر للعلم – عالم الفيزياء الملحد ستيفن هوكينج وأفكاره الخيالية في نظر العلماء والمتخصصين – [النظرية إم] والأكوان المتعددة والجاذبية الخالقة.. من إعداد مجموعة من الباحثين، وتوجد توثيقات كثيرة مرتبطة بكل نص مذكور، ومنها مقاطع على اليوتيوب، ومن شاء أن يرجع إليها، فليرجع للمقال المذكور.

([3]) انظر مقالا بعنوان: شفرة أوكام هي أحد أهم المبادئ المنطقيّة وأوسعها استخداما.

([4]) الخيمياء: هي علم ينظر في المادة التي يتم بها تكوين الذّهب والفضة بالصّناعة، ويشرح العمل الذي يوصِل إلى ذلك، وتلجأ الخيمياء إلى الرّؤية الوجدانية في تعليل الظّواهر، وكثيراً ما لجأ الخيميائيّون إلى تفسير الظّواهر الطّبيعية غير المعروفة لديهم على أنّها ظواهر خارقة، وترتبط بالسّحر.

([5]) الأثير: هي مادة، كان يُعتقد أنّها تملأ كل الفضاء الكونيّ، وفسّر العلماء وجودها بأنّ الضّوء يسير في موجات تحتاج إلى وسط ماديّ لتنتقل..ولذلك افترضوا وجود أثيرٍ حاملٍ للضّوء بوصفه مادّة تختلف عن كل المواد الأخرى، مادة لايُمكن أن تُرى أو تُحّس أو تُوزَن، كما افترضوا أن الأثير ثابت وأنّ الكرة الأرضيّة والأجسام الأخرى في الفضاء تتحرك خلاله.

([6]) انظر مقالا بعنوان: شفرة أوكام لا تقطع صلة العالـم بالله، ديفيد جلاس ومارك مكارتني.

([7]) انظر لتبسيط الموضوع أكثر مقالا مهما مدعما بالصور والتوضيحات بعنوان: الضبط الكوني الدقيق والثوابت الفيزيائية، فادي السويطي..

([8]) انظر التفاصيل المرتبطة بهذا في كتاب [الحياة بين التوحيد والإلحاد] من هذه السلسلة.

([9]) انظر: سلسلة المعجزات، هارون يحي.

([10]) انظر: الاسلام يتحدى: وحيد الدين خان.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *