الحياد.. والتدبير

الحياد.. والتدبير

بعد انتهاء المحور الثاني من الحديث عن الكون بين الرؤيتين الإيمانية والإلحادية، وبعد أخذ فترة قصيرة من الراحة، قام المسؤول عن الشؤون العلمية في تلك البلدة، وقال: بعد انتهائنا من المناقشات حول المحور الثاني، والمتعلق بالصدفة والغائية وعلاقتهما بالكون.. سنتحدث الآن عن محور آخر، له علاقة بكلتا الرؤيتين الإيمانية والإلحادية.. وهو [الكون بين الحياد والتدبير].. فهل الكون خاضع لتدبير إلهي محكم؟ أم أن هناك قوانين تحكمه، ولا حاجة له بذلك إلى إله؟.. سنحيل الإجابة على هذه الأسئلة إلى علمائنا الأفاضل مع مناقشة الحضور لهم.

السنن والقوانين:

قام أحد العلماء، وأخذ يتحدث بحماسة كبيرة، وقال: خلافا لما قام به زملائي من تصرف يدل على عدم وعيهم بما يقولون.. فإني أنا هولباخ، سمي [بارون دي هولباخ]([1]).. لا شك أنكم تعرفونه.. إنه ذلك الكاتب والفيلسوف والموسوعي العظيم الذي عرف بكونه أحد رواد عصر التنوير الفرنسي..

ذلك الذي قال في كتابه [منهج الطبيعة]: (إن مصدر شقاء الإنسان وبؤسه هو جهله بالطبيعة.. إن إصراره على التمسك بالآراء الخاطئة العمياء التي تلقنها في طفولته.. وما نتج عن ذلك من تحيز وهوى ظللا عقله وأفسدا ذهنه.. يبدو أنهما قضيا عليه بالاستمرار على الخطأ.. أنه يستمد أسلوب تفكيره من الآخرين تحت مسئوليتهم، ثقة منه بهم، وهم أنفسهم مخطئون، أو أن لهم مصلحة في تظليله وخداعه. ولإزالة هذه الغشاوة وإخراجه من هذه المتاهة فإن الأمر يتطلب يداً حانية وحباً شديداً.. كما يقتضي أعظم الشجاعة التي لا يعتريها خوف ولا وجل وتصميماً أكيداً لا يكل ولا يمل.. ومن ثم يكون أهم واجب علينا أن نفتش عن الوسائل التي نقضي بها على الأوهام التي تظللنا وتخدعنا)([2])

وقد عبر مؤرخ الحضارة الكبير [ويليام جيمس ديورَانت]، عن موقفه من النظام الكوني، وعدم حاجته لإله، فقال: (بعد أن انتهى دي هولباخ من بيان برنامجه على هذه النحو تقدم في ترتيب ونظام ليفند كل الكائنات والاعتبارات والأفكار الخارقة للطبيعة. ويحبذ الطبيعة بكل ما فيها من جمال وقسوة وتقييد وإمكانات، وليختزل كل الحقيقة والواقع إلى مادة وحركة، ويبني على هذا الأساس المادي منهجاً للفضيلة والأخلاق يأمل أن يكون في مقدوره أن يحول المتوحشين إلى مواطنين، ويشكل الخلق الفردي والنظام الاجتماعي ويضفي سعادة معقولة على حياة مقرر لها الموت المحتوم.. إنه يبدأ ويختتم بالطبيعة، ولكنه ينكر أية محاولات لتشخيصها أو تجسيدها، إنه يحددها ويعرفها بأنها الكل الأعظم الذي ينتج من اجتماع المادة في مجموعاتها المختلفة. وهذا هو الاسم المحبب لدى دي هولباخ للكون، فهو يعرف المادة في حرص وحذر بأنها بصفة عامة، كل ما يؤثر على حواسنا بأي شكل كان)([3])

ثم اقتبس من كتابه هذه القوانين العظيمة: (كل شيء في الكون في حركة دائبة.. وجوهر المادة هو أن تعمل، وإذا تأملناها في يقظة تامة لاكتشفنا أنه ليس ثمة جزء صغير فيها ينعم بسكون مطلق، وكل ما يبدو لنا أنه ساكن لا يبقى ولو للحظة واحدة على نفس الحالة، وكل الكائنات تتناسل وتتكاثر وتتناقص وتتفرق باستمرار.. إن أشد الصخور صلابة تتصدع بدرجات متفاوتة أمام لمسات الهواء.. إن هذا الكل لا يقدم لمجال تأملنا وتفكيرنا إلا مجرد تعاقب ضخم متصل غير متقطع لأسباب ونتائج.. وكلما ازدادت معرفتنا وجدنا أبلغ دليل على أن الكون يعمل من خلال الأسباب الطبيعية وحدها. وقد يكون من العسير أن ندرك كيف أن المادة الجامدة يمكن أن تكون فيها حياة، ولكن يكون من الأصعب أن تصدق أن الحياة خلق أو نتاج خاص لوجود خفي خارج عن الكون المادي)

وأنا لم أذكر لكم هذه النصوص لأبين لكم أنها من أقوال سميي هولباخ.. وإنما ذكرتها لأنها عقيدتي وديني ومبدئي.. فإن كان حديثكم عن القوة التي تسيطر على العالم وتدبره هي [الطبيعة]، فأنا معكم في ذلك..

بل يمكنني أن أمارس معكم طقوس العبودية لها.. كما فعل سميي هولباخ حين راح يناجيها كما يناجي المؤمنون ربهم.. فراح يقول لها: (أيتها الطبيعة، يا سيدة كل الكائنات.. إن بناتك الفاتنات الجديرات بالتوقير والعبادة.. الفضيلة والعقل والحقيقية.. يبقين إلى الأبد معبوداتنا الوحيدات.. إن إليك تتجه كل تسابيح الجنس البشري وينصب عليك ثناؤه، وإليك يقدم كل ولائه وإجلاله)

وراح يقول: (إن صديق الجنس البشري لا يمكن أن يكون صديقاً للإله الذي كان في كل الأوقات سوطاً مسلطاً على الأرض.. إن رسول الطبيعة لن يكون أداة الأوهام المظللة التي تجعل الدنيا مقراً للخداع.. إن من يقدس الحقيقة لن ينسجم مع الزيف والباطل.. إنه يعلم أن سعادة الجنس البشري تقتضي بشكل لا رجعة فيه، تقويض صرح الخرافة المظلم المقلقل من أساسه، لكي يقيم على أطلاله معبداً للطبيعة ملائماً للسلام.. هيكلاً مقدساً للفضيلة.. فإذا ذهبت جهوده أدراج الرياح وإذا لم يستطع أن يبث الشجاعة في الكائنات التي اعتادت أن ترتعد فرائصها جبناً، فإن له على الأقل أن يفاخر بتجاسره على أن يقوم بالمحاولة)

وبناء على هذا المذهب الطبيعي المادي، فإنه لا حاجة لنا إلى إله.. ذلك أن القوانين الطبيعية هي التي تفسر نشأة الكون، وتفسر بعد ذلك أسرار التنظيم فيها.

لقد قال سميي هولباخ معبرا عن ذلك: (إن الإنسان من عمل الطبيعة، وهو يوجد في الطبيعة، خاضع لقوانينها، ولا يملك تخليص نفسه من هذه القوانين، ولا يمكنه أن يخطو فيما وراءها خطوة واحدة حتى في فكره.. ولذلك فأنه بدلاً من البحث خارج العالم عن كائنات توفر له السعادة التي تنكرها عليه الطبيعة يحمل به أن يدرس هذه الطبيعة ويعرف قوانينها، ويتأمل في قواها ويراعي القواعد الثابتة التي تعمل بمقتضاها.. فليطبق الإنسان كل ما يتصل إليه على هناءته هو ويخضع في صمت لما تفرضه عليه من الحماية أو الوصاية التي ليس في مقدور أحد تبديلها أو تغييرها، ويرتضي مبتهجاً أن يتجاهل الأسباب والعلل التي يحول بينه وبينها حجاب كثيف لا يمكن اختراقه، ويستسلم دون تذمر لقوانين الضرورة الكونية التي يستحيل عليه إدراكها إطلاقاً. ولا تحرره أبداً من تلك القوانين التي فرضت عليه بحكم ماهيته أو جوهره)

***

ما انتهى هولباخ من حديثه حتى قام بعض العلماء، وقال: ليسمح لي الجمع الكريم أن أتولى الإجابة على ما طرحه صديقنا العزيز هولباخ من بدائل للإله.

وأحب قبل أن أبدأ حديثي أن أعرفكم بنفسي، فأنا [توماس] سمي [توماس دافيدباركس] ذلك الأستاذ الألمعي في الكيمياء، والأخصائي في النظريات الكهربية والأشعة السينية.. والذي لم يمنعه علمه من أن يؤمن بالله، وينضم إلى الدعاة إليه.

ويسرني في هذا المقام، وإجابة لما طرحه صديقنا العزيز هو لباخ من إشكالات أن أحكي له قصة ذكرها سميي عن [ويتاكر تشيمبرز] في كتابه (الدليل).. وذكر أنها كانت حادثة بسيطة في نظر الناس.. لكنها كانت السبب في تحويل مجرى حياته من الإلحاد إلى الإيمان([4]).

لم تكن الحادثة سوى تأمل بسيط لم يستغرق منه إلا لحظات معدودة، لكنه كان بالنسبة له أفضل من قراءة آلاف الصفحات.. فالله تعالى بفضله جعل لنا من الكتب في عقولنا ما يغنينا عن آلاف الكتب التي قد تنحرف بنا إلى غير رجعة.

لقد كان يتطلع إلى ابنته الصغير،ة ثم التفت دون شعور إلى شكل أذنيها، وذكر بينه وبين نفسه أنه من المحال أن تكون تلك التلافيف الدقيقة التي تشتمل عليها الأذن قد نشأت عن طريق المصادفة.. إنها لا يمكن أن تكون قد نشأت إلا عن خبرة بالغة وتصميم وتدبير.

ولكنه أبعد هذه الفكرة عن عقله المارق عن الدين؛ فقد خشي أن يؤدي به هذا النوع من التفكر إلى النتيجة المنطقية، وهي أن التصميم يحتاج إلى مصمم أو مبدع أو إله، إنه لم يكن مستعدا حتى ذلك الوقت لقبول هذه الفكرة.

ثم علق سميي [توماس دافيدباركس] على هذا التأمل بقوله: (لقد عرفت كثيرا من أساتذتي المشتغلين بدراسة العلوم ومن زملائي الذين طافت بعقولهم مثل هذه الخواطر والأفكار حول مشاهداتهم في الكيمياء والطبيعة، ولو أنهم لم يعبروا عنها بتلك الصورة من اليأس العميق التي وجدها تشيمبرز في قرارة نفسه.. انني أقرأ النظام والتصميم في كل ما يحيط بي من العالم غير العضوي، ولا أستطيع أن أسلم بأن يكون كل ذلك قد تم بمحض المصادفة العمياء التي جعلت ذرات هذا الكون تتألف بهذه الصورة العجيبة.. إن هذا التصميم يحتاج إلى مبدع، ونحن نطلق على هذا المبدع اسم الله)

التفت لزميله هولباخ، وقال: لاشك أنك سمعت في هذا المجلس من حدثنا عن نابليون عندما التقى بلابلاس، فرآه قد صار نحيفا، فقال له: (أرى أنك فقدت الكثير من الوزن)، فأجاب لابلاس: (نعم سيدي.. فقدنا ابنتنا صوفيا التي ماتت أثناء الولادة)، فقال الامبراطور ببرودة: (لكن هذا لا يفسر فقدان الوزن، أنت عالم رياضيات، لو وضعت فقدان ابنتك في المعادلة فهذا لا يفسرعلميا النقص في الوزن!)

وهذه الكلمة تعبير جيد عن أن القوانين وحدها يستحيل أن تفسر الكون، فالكون أعقد من ذلك بكثير، الكون ـ صديقي هولباخ ـ ليس فقط قانون الجاذبية أو تلك القوى الأربع، أو غيرها من القوى، أو حتى القوى التي تضم في ذاتها جميع القوى، بل هو أعقد من ذلك بكثير.

إن ما قلته عن الاكتفاء بالقوانين والقوى يشبه ذلك الذي راح يحلل الأصباغ التي تشكلت منها لوحة زيتية بديعة، ثم راح يقول: لقد اكتشفت سر هذه اللوحة، وهي بذلك لا تحتاج إلى رسام.. وكل ما فيها أنها مشكلة من هذه الألوان.. ثم إن كل هذه الألوان تعود إلى لون واحد.. هو اللون الأبيض.. وبالتالي، فإن هذه الصورة ليست سوى تجمع عشوائي نتج عن طريق الصدفة لتتشكل منه هذه اللوحة..

هل يمكنك صديقي هولباخ أن تقبل مثل هذا القول.. هل يمكنك أن تعتبر كل ذلك الجهد العقلي الذي وضعته في كتبك على شكل حروف وكلمات هو مجرد حروف وكلمات تجمعت لتتشكل منها تلك الأفكار؟

ثم تقدم من صديق آخر له، وقال: أنت أستاذنا في الكيمياء، ونحن نقر لك بذلك، ونتتلمذ عليك فيها.. ألم تتأمل يوما في الترتيب الدوري للعناصر مثلما تأمل [ويتاكر تشيمبرز] في أذن ابنته؟

ألا تراه مثيرا للدهشة.. بل إنه مثير للدهشة.. ففائدة هذا التنظيم الدوري للعناصر لا تقتصر على ما يقدمه من عون وتسهيل في دراسة العناصر المعروفة ومركباتها، ولكنه يدفع إلى البحث عن العناصر التي لم يتم استكشافها بعد، والتي ساعد هذا التنظيم على التنبؤ بها، وتركت أماكنها في الجدول الدوري خالية تنتظر الكشف عنها.. ولا يزال الكيميائيون حتى اليوم، يستخدمون هذا الجدول ليساعدهم في دراسة التفاعلات الكيماوية والتنبؤ بخواص العناصر والمركبات، ولا شك أن نجاحهم في هذا السبيل يعد دليلا على ما يسود العالم غير العضوي من نظام بديع.

تقدم من هولباخ، وقال: ألم تتأمل صديقي العزيز في كون هذا النظام الذي نشاهده في العالم من حولنا ليس مظهرا من مظاهر القدرة على كل شيء فحسب، بل إنه يتصف فوق ذلك بالحكمة والاتجاه نحو تحقيق صالح الإنسان، مما يدل على أن اهتمام الخالق بنفع عباده لا يقل عن اهتمامه بالسنن والقوانين التي تنظم هذا الوجود.

انظر من حولك إلى الحكمة البالغة التي ينطوي عليها خروج بعض الظواهر عن العادة أو المألوف. فالماء مثلا، يتوقع الإنسان من وزنه الجزيئي (18) أن يكون غازيا تحت درجة الحرارة المعتادة والنمط المعتاد، فالنوشادر مثلا ووزنها الجزيئي (17) تكون غازية عند درجة حرارة ناقص 73 وتحت الضغط الجوي المعتاد، وكبريتور الأيدروجين الذي يعتبر قريبا في خواصه من الماء بحكم وضعه في الجدول الدوري وله وزن جزيئي قدرة 34، يكون غازيا عند درجة حرارة ناقص 59. ولذلك فإن وجود الماء على الحالة السائلة في درجة الحرارة المعتادة يجعل الإنسان يقف ويفكر.

ليس هذا فقط هو التحدي الذي يقوم به الماء في مواجهة القوانين التي تحكم الكثير من العناصر.. ولكن للماء فوق ذلك خواص كثيرة لولها ما وجدت الحياة، ولا استمرت.. وهي في مجموعها دليل على التصميم والتدبير، فالماء يغطي نحو ثلاثة أرباع سطح الأرض، وهو بذلك يؤثر تأثيرا بالغا على الجو السائد ودرجة الحرارة.

ولو أنه تجرد من بعض خواصه لظهرت على سطح الأرض تغيرات في درجة الحرارة تؤدي إلى حدوث الكوارث.. فللماء درجة ذوبان مرتفعة.. وهو يبقى سائلا فترة طويلة من الزمن.. وله حرارة تصعيد بالغة الارتفاع.. وهو بذلك يساعد على بقاء درجة الحرارة فوق سطح الأرض عند معدل ثابت، ويصونها من التقلبات العنيفة.. ولولا كل ذلك لتضاءلت صلاحية الأرض للحياة إلى حد كبير، ولقلت متعة النشاط الإنساني على سطح الأرض بدرجة عظيمة.

بالإضافة إلى هذا فإن الماء هو المادة الوحيدة المعروفة التي تقل كثافتها عندما تتجمد.. ولهذه الخاصية أهميتها الكبيرة بالنسبة للحياة، إذ بسببها يطفو الجليد على سطح الماء عندما يشتد البرد، بدلا من أن يغوص إلى قاع المحيطات والبحيرات والأنهار ويكون تدريجيا كتلة صلبة لا سبيل إلى اخراجها وإذابتها، ويكون الجليد الذي يطفو على سطح البحر طبقة عازلة تحفظ الماء الذي تحتها في درجة حرارة فوق درجة التجمد، وبذلك تبقى الأسماك وغيرها من الحيوانات المائية حية، وعندما يأتي الربيع يذوب الجليد بسرعة.

التفت للحضور، وقال: ليس ذلك فقط ما يوجد في خواص الماء العجيبة التي تجعله كائنا متفردا.. بل هناك خواص أخرى كثيرة ممتلئة بالحكمة والتدبير.. فله مثلا توتر سطحي مرتفع يساعد على نمو النبات بما ينقله إليه من المواد الغذائية التي بالتربة.. وهو أكثر السوائل المعروفة إذابة لغيره من الأجسام، وهو بذلك يلعب دورا كبيرا في العمليات الحيوية داخل أجسامنا بوصفه مركبا أساسيا من مركبات الدم.. وله ضغط بخار مرتفع على مدى واسع من درجات الحرارة، ومع ذلك فانه يبقى سائلا على طول هذا المدى المتسع اللازم للحياة.

التفت لزملائه، وقال: لاشك أن فيكم من درس هذه الخواص العجيبة للماء، ووضع النظريات لتعليل ظواهره المختلفة.. ولكن مع ذلك، ومع ما نبذله من جهود لمعرفة كيف تحدث هذه الظواهر، علينا أن نتساءل أيضا لماذا تحدث هذه الظواهر؟

في آخر كلمتي هذه، لا أجد أن أقول لكم بعد هذه الدعوة للتأمل في قوانين الماء إلا أن أصرح لكم بما صرح به سميي من أن الماء ليس هو المادة العجيبة الوحيدة.. (فهنالك ما لا يحصى من المواد ذات الخواص المذهلة التي لا تستطيع عقولنا أو إدراكنا المتواضع، إلا أن تقف مشدوهة أمامها.. وإنني أجد شخصيا أن تفسير هذه الظواهر والعجائب بنسبتها إلى قدرة إله حكيم خبير وتصميم خالق علوي، يعد تفسيرا مرضيا للنفوس ومقنعا للعقول.. انني أرى في كل ظاهرة من هذه الظواهر أكثر من مجرد الخلق والتدبير المجرد عن العاطفة، إنني ألمس فوق ذلك كله محبة الخالق لخلقه واهتمامه بأمورهم)

***

ما انتهى توماس من حديثه حتى قام بعض العلماء، وقال: شكرا جزيلا صديقنا العزيز [توماس]، والشكر الجزيل كذلك لسميك [توماس دافيدباركس] على هذه الدعوة للتأمل.

وأحب أن أخبركم أنني مررت بالكثير من أنواع التأملات التي ذكرها توماس.. وكان كل واحد منها كاف لهدايتي.. لكني كنت أعرض عنها بكبري وغروري وحرصي على مصالحي.

وأنا الآن أشهد بين أيديكم بأني قد تخلصت من كل تلك الحجب لأنضم إلى الفريق المؤمن من العلماء.. وأولهم سميي [ميربت ستانلي كونجدن] ذلك الفيلسوف والعالم الطبيعي والأخصائي في الفيزياء وعلم النفس وفلسفة العلوم وغيرها..

والذي نقل في بعض مقالاته تجربته التأملية الشخصية التي قادته إلى الإيمان، فذكر أنه رأى شجيرة ورد جميلة مزهرة نمت على جانب طريق منعزلة في بنسلفانيا.. وعندما مر بالمكان بعد فترة من الزمن، رأى بجوار الشجيرة أنقاض كوخ صغير متهدم، وقد غطته الأعشاب وبعض البقايا النباتية.. وكانت أقرب المساكن تبعد عن هذا المكان بما لا يقل عن نصف ميل.

لا شك أننا جميعا نمر بمثل هذه التجربة، ونرى جميع هذه المشاهد.. ولكنها لا تفعل في نفوسنا شيئا.. لكن سميي [ميربت] راح يتأمل فيها ليهتدي بشجيرة الورد إلى الله.

لقد قال معبرا عن ذلك: (لقد استبعدت من خاطري أن تكون هذه الشجرة قد نمت بجوار الكوخ بمحض المصادفة من بذرة حملتها الريح أو الماء أو بعض الحيوانات الأخرى، أو من جزيء من ساق الورد قذفت به الأقدار إلى هذا المكان.. لقد أدركت بالبداهة أنه لابد أن تكون هذه الشجيرة قد زرعها إنسان لينتفع بها بجوار ذلك الكوخ، ومع أنني لم أر هذه الشجيرة عند زراعتها، وليس لدي مرجع أستدل به على تاريخها فإنني لم أشك في أنها قد زرعت في مكانها وتحت ظروفها بوساطة الانسان)

التفت لزميله هولباخ، وقال: قد نستبعد في بادئ الأمر استخدام هذا النوع من المنطق أو التفكير في ميادين العلوم.. لكننا سوف تصدمنا الحقيقة، وهي أن هذا الأسلوب من أساليب الاستدلال هو الأسلوب الوحيد الذي قام عليه علم من أقدم العلوم الطبيعية، ألا وهو الفلك.

فنحن لا نستطيع أن نخضع المجرات والنجوم والسيارات في أفلاكها لحكم التجربة، كما أننا لا نستطيع أن نتخلص من آثار الأشعة الكونية التي تفصل بيننا وبين هذه الأجرام السماوية عند دراستها، بل لا نستطيع أن نعدل ما يطرأ على الموجات الضوئية والصوتية المنبعثة من هذه الأجرام من تغيرات بسبب المسافات الشاسعة التي تفصل بيننا وبينها.

ومع كل ذلك فإن هذه الظروف لم تحل بيننا وبين دراسة هذه الكوكب والنجوم في سمواتها، والاستفادة من النظريات والقوانين التي وصلنا اليها في دراسات أخرى مشابهة في ميادين العلوم.

لقد وصلنا بفضل كل ذلك إلى كثير من المعلومات والحقائق عن هذه العوالم التي لا نستطيع أن نراها إلا من بعد، ولا نستطيع أن نمحصها إلا تحت ظروف صعبة معقدة.

 التفت لزميل آخر له، وقال: أنت مختص في الذرة، ولاشك أن لك الكثير من المعارف والبحوث حولها، ولا شك أنك تستخدم ما تعرفه من قوانين الكتلة والطاقة في استنباط صفاتها وتركيبها وخواصها.. لكنك مع ذلك كله، ومع كونها مجال تخصصك الذي قضيت فيه كل عمرك لم تر الذرة حتى اليوم بطريقة مباشرة.. لكنك تؤمن بوجودها نتيجة آثارها.

التفت لزملائه الآخرين، وقال: إننا جميعا نستدل على هذه الظواهر جميعا بآثارها، معتمدين في ذلك على الاستدلال المنطقي الصرف، وعلى ما لدينا من حقائق أولية بسيطة تتعلق بهذه الظواهر والأشياء.

ولذلك نستطيع أن نستخدم نفس المنطق الاستدلالي في إدراك وجود الله تعالى ومعرفة صفاته.. إننا نستطيع أن نستخدم المنطق لكي ندرك أن لخالق هذا الكون صفات تناظر الصفات التي نجدها في أنفسنا، فلابد أن يكون الله متصفا بالحكمة والإرادة والقدرة.

ومما لا شك فيه أننا نحتاج في محاولتنا لوصف الخالق ومعرفة صفاته إلى مصطلحات ومعان تختلف اختلافا بينا عن تلك التي نستخدمها عندما نصف عالم الماديات، فالصفات المادية والتفسيرات الميكانيكية التي تقوم على نظريات السلوكيين تعجز عن أن تعيننا على تحقيق هذه الغاية. وبخاصة بعد ان تبين لنا أن هذا الكون الذي نعيش فيه لا يمكن أن يكون مادة صرفة وإنما هو مادة وروح، أو مادة وغير مادة، ولا نستطيع أن نصف الأشياء غير المادية بالأوصاف المادية وحدها.

التفت للحضور، وقال: كثيرا ما طلبت إلى تلاميذي أن يصفوا لي شيئا غير مادي مثل (الفكرة)، وطلبت إليهم أن يبينوا لي التركيب الكيماوي للفكرة وطولها بالسنتيمترات، ووزنها بالغرامات ولونها وضغطها وأن يصفوا لي شكلها وصورتها، وقد عجزوا جميعا عن تحقيق ذلك.

سكت قليلا، ثم قال: إننا لا نستطيع أن نسخر من هذه المشكلة أو نفر منها، فلو لم يكن هذا الكون ثنائيا لاستطعنا أن نعرف الفكرة تعريفا ماديا صرفا، وهو ما لم يحدث أبدا.

التفت لهولباخ، وقال: أنا أوافقك في أن العلوم تعالج كثيرا من الظواهر الطبيعية التي تحدث في هذا الكون، وتضع القوانين المناسبة لها.. ولكن مع ذلك فإن العلوم لا تستطيع أن تنفي بصورة قاطعة وجود عوالم أخرى غير مادية وراء العالم المادي.

إننا نستطيع بطريقة الاستدلال والقياس بقدرة الإنسان وذكائه، في عالم يفيض بالأمور العقلية، أن نصل إلى وجوب وجود قوة مسيطرة مدبرة تدبر هذا الكون وتدبر أموره وتعيننا على فهم ما يغمض علينا من أمر منحنيات التوزيع، ودورة الماء في الطبيعة، ودورة ثاني أوكسيد الكربون فيها، وعمليات التكاثر العجيبة، وعمليات التمثيل الضوئي ذات الاهمية البالغة في اختزان الطاقة الشمسية وما لها من أهمية بالغة في حياة الكائنات الحية، وما لا يحصى من عجائب هذا الكون، إذ كيف يتسنى لنا أن نفسر هذه العمليات المعقدة المنظمة تفسيرا يقوم على أساس المصادفة والتخبط العشوائي؟

وكيف نستطيع أن نفسر هذا الانتظام في ظواهر الكون والعلاقات السببية، والتكامل، والغرضية، والتوافق، والتوازن، التي تنتظم سائر الظواهر، وتمتد آثارها من عصر إلى عصر؟

التفت لزملائه الحضور، وقال بانفعال: بالله عليكم أجيبوني.. كيف يعمل هذا الكون دون أن يكون له خالق مدبر هو الذي خلقه وأبدعه ودبر سائر أموره؟

ثم سكت قليلا، وقال: إن جميع ما في الكون يشهد على وجود الله، ويدل على قدرته وعظمته.. وعندما نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا الكون ودراساتها، حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية، فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمته..

ذلك هو الله الذي لا نستطيع أن نصل اليه بالوسائل العلمية المادية وحدها، ولكننا نرى آياته في أنفسنا وفي كل ذرة من ذرات هذا الوجود.. وليست العلوم الا دراسة خلق الله وآثار قدرته.

التدبير والرعاية:

ما انتهى [ميربت] من حديثه حتى قام آخر، وقال: شكرا جزيلا صديقي العزيز ميربت على هذه الأحاديث الطيبة التي جعلتنا نرى الحقيقة بأعيننا.. تلك الحقيقة التي كنا نحاول سترها والهروب منها بكل الوسائل.. وأنا صديقك جورج، سمي البروفيسور [جورج.ف.أليس] الأخصائي بالفيزياء الفلكية، والقائل: (يمكننا أن نكتشف المقياس والمعيار الدقيق الذي يحكم هذا الكون المعقد التركيب والشاسع الذي يثير الدهشة في أذهاننا، وإن هذا المعيار الدقيق الموجود في الكون يجعل من تجنب كلمة (المعجزة) أمرا صعبا للغاية)

وأنا أحب تتمة لحديثك أن أنتقل من الآيات الإلهية العظيمة التي أشرت إليها إلى آيات أخرى ممتلئة بالدقة والرعاية والتدبير الحكيم.. وهي وحدها كافية لمن تأملها في الهداية إلى الله..

فأمر الكون ليس مجرد قوانين ولا مادة ولا طاقة، وإنما هو نظام بديع له غايات دقيقة ممتلئة بالمصالح والمنافع والرحمة والرعاية.

وقد كان البحث في هذا، والذي هو مجال تخصصي يدعوني كل حين للبحث عن مصدره ومنبعه وباعثه.. لكني كنت أولي ظهري عنه، وأقول لنفسي: اهتمي ببحوثك، ولا شأن لك بالميتافزيقا.. متناسيا أن أكثر أبحاثنا الفيزيائية أبحاث ميتافزيقية لم نشاهدها، ولا نستطيع اختبارها بدقة، ومع ذلك نهتم بها، بل ننال بسببها الجوائز العظيمة، والجاه العريض.

وبداية اسمحوا لي أن أذكر لكم أنه توجد قوانين وموازين ومقاييس وتوازنات لا يمكن عدها، تحكم كوكبنا الذي نعيش عليه، وتحكم المجموعة الشمسية التي ننتمي إليها، والمجرة التي نتبعها، وحتى الكون برمّته.. وكلّ هذه القوانين والموازين والمقاييس والتوازنات أعدت بشكل خاص لتأمين إمكانية توفر الحياة واستمرارها بشكل معجز على هذه الأرض التي نعيش عليها.

لا أقول: إنه ليس لتلك الكواكب والمجرات إلا هذا الدور، فذلك خارج اختصاصي، بل خارج اختصاصنا جميعا.. لكني أقول: إن هذا الضبط الدقيق للكون متناسب تماما مع حاجات الحياة في كوكبنا، ولو اختل لاختلت الحياة جميعا.. وهذا وحده كاف في الدلالة لا على الإبداع والدقة فقط، وإنما على الرعاية أيضا، فخالق هذا الكون فعل كل هذا، لأجلنا، وأجل راحتنا وطمأنينتنا وسعادتنا.

فعندما نتفحص الكون عن كثب ندرك أن القوانين الكونية الأساسية والمقاييس الفيزيائية الحسّاسة، وحتى أصغر الكميات وأدقها الموجودة في الكون قد قيست ووضعت في موضعها المناسب وفق ميزان دقيق للغاية.. والمحير في هذه القوانين أنها موضوعة وموزونة في الكون كي تؤدي دورها في وجود الإنسان ككينونة ثابتة في الوجود.

فهذه القوانين الكونية مثل سرعة تمدد الكون، وموقع كوكبنا في مجرة درب التبّانة، ونوع الضوء القادم من الشمس، وحتى درجة انسيابية الماء ومقدارها، والمسافة التي تفصل القمر عن كوكبنا، وكذلك مكونات الغلاف الجوي ونسبها، والعديد من القوانين الأخرى كلها عوامل وجدت ووضعت وفق معايير تناسب حياة الإنسان، وأي خلل في أحد هذه القوانين مهما كان ضئيلا يعني استحالة وجود الحياة.

التفت لزملائه من العلماء، وقال: هل ترون أنه من الممكن أن تكون هذه الآلاف من القوانين التي وجدت حسب معايير معينة لكل منها على حدة وجدت هكذا صدفة؟

وهل يمكن اعتبار كافة العوامل التي وفرت الحياة على هذه الأرض، وهي تعد بالملايين، حتى أنها لو وضعت إلى جانب بعضها لشكلت بمجموعها سلسلة لا تنتهي من المعجزات.. هل يمكن اعتبارها عوامل عشوائية لم توضع بقصد ولاحكمة؟

ثم التفت للحضور، وقال: لقد عبر الكثير من العلماء والباحثين عن هذه الحقيقة الكونية المدهشة والمحيرة للعقول.. فهذا البروفيسور [جون أوكيف] الباحث الفضائي في وكالة ناسا الأمريكية يقول: (عندما نأخذ المعايير الفلكية القياسية بعين الاعتبار نجد أنفسنا أمام مجموعة كبيرة من البشر تعيش تحت رعاية ورحمة قوة خفية.. ولو لم يكن الكون قد خلق بهذه الصورة الدقيقة المقاييس لما وجدنا أصلا على قيد الحياة، وبنظري إن هذه الحقائق والمعايير الكونية الحالية تثبت أنها وجدت كي تسهل حياة الإنسان ووجوده في الكون)

ويقول البروفيسور [بول ديفيس] الأخصائي بالفيزياء الفلكية: (تبدو القوانين الفيزيائية كنتاج لتخطيط على مستوى عظيم من الذكاء.. ولابد من غاية لوجود الكون)

ويقول الباحث الرياضي [البروفيسور روجر ينزو]: (أود أن أقول صراحة أن للكون هدفا من الوجود، ولا مكان أبدا للخطأ في هذا التكوين)

التفت للعلماء، وقال: لا بأس.. دعونا من هذه الاقتباسات، ولنذهب إلى الكون نفسه لنرى كيف أصبح قابلا للحياة.. وماهي متطلبات الحياة.. وما القوانين التي تحكمها.. وهل يمكن أن يكون كل ذلك من غير تدبير مدبر عليم قدير خبير؟

لا شك أنكم تعرفون أن الحياة تتطلب ثوابت معينة في المكان قبل أن تتمكن من الازدهار، فهناك متطلبات تتعلق بطبيعة مجرتنا، وطبيعة كوكبنا الذي يجب أن يكون في المكان المناسب الموافق لشروط الحياة.

التفت للجمهور، وقال: لا شك أنكم تعلمون أن الشمس تبعد بمقدار 93 مليون ميل عن الأرض.. وهذا هو المكان المناسب.. فلو أن كوكبنا كان على مسافة أقل أو أكثر من ذلك بقليل، فإنه لا يمكن أن توجد حياة على الأرض؟

فكروا الآن في احتمالات المسافات المختلفة التي يمكن أن يكون كوكبنا فيها بالنسبة للشمس.. إنها تريليونات من الاحتمالات التي يمكن أن يكون الكوكب قريبا جدا أو بعيد جدا منها.. فما هي احتمالات أن نكون في الموقع المناسب تماما؟

سكت قليلا، ثم قال: المسافة بين الأرض والشمس ليست هي العامل الوحيد في وجود الحياة على كوكب الأرض.. بل هناك العديد من الثوابت الأخرى، والتي ترتبط بكل شيء في الكون.. بالمكان والتوزيع المناسب للمادة المظلمة.. وبالنسبة المناسبة لمختلف كتل الجسيمات المعروفة والغير معروفة.. وبمعدل التحلل المناسب لمختلف الجسيمات المعروفة والغير معروفة.. وبالكثافة المناسبة لأشباة النجوم.. وبالكثافة المناسبة للمجرات العملاقة في الكون المبكر.. وبالحجم المناسب للتجمع المجري.. وبالكثافة المناسبة للتجمع المجري.. وبالموقع المناسب للتجمع المجري.. وبالحجم المناسب للمجرة.. وبالنوع المناسب للمجرة.. وبالتوزيع الناسب لكتلة المجرة.. وبالحجم المناسب للمجرة ذات الانتفاخ المركزي.. وبالمكان المناسب للمجرة.. وبالمعدل المناسب لتنوع مكان امتصاص المجرة القزم.. وبالعدد المناسب للغبار المجري.. وبالكثافة المناسبة للنجم العملاق في المجرة.. وبالتردد المناسب لأشعة جاما المنطلقة من المجرة.. وبالمكان المناسب للنجم بالنسبة لمركز المجرة.. وغيرها كثير..

***

جلس [جورج]، فقام عالم آخر، وقال: شكرا جزيلا صديقنا العزيز جورج على هذه المعلومات القيمة، وعلى دعوتك لنا للتأمل.. وأنا صديقك [مايكل] سمي البروفيسور [مايكل دينتون] الأخصائي في الكيمياء الحيوية، أشهد بين أيديكم بما شهد به صديقي، وبما شهد به سميي في كتابه [مصير الطبيعة]، حيث قال: (إن المسافات الفاصلة بين النجوم العملاقة، بل كافة النجوم تعتبر قضية حساسة جدا، فهذه المسافات تقدر كمتوسط لها بـ 30 مليون ميل بين نجوم مجرتنا، ولو تغيرت هذه المسافات بأن تكون أقل قليلا لأصبحت مدارات الكواكب غير مستقرة، ولو كانت أكبر قليلا لكانت المادة المنطلقة من قبل النجوم المنفجرة سوبر نوفا متشتتة تشتتا كبيرا للغاية لدرجة ينعدم معه تشكل مجموعات شمسية مثل التي ننتمي إليها.. فإن كنا نريد كونا صالحا وملائما للحياة لكان من الضروري استمرار النجوم المنفجرة في الانفجارعلى وتيرة معينة، علما أنّ هذه الانفجارات تعتبر محددة للمسافات المعينة الفاصلة بين النجوم، وإن هذه المسافات البعيدة والمحددة موجودة فعليا وتمارس تأثيرها المباشر)

ومثله قال البروفيسور [جورج كرنشتاين] عند حديثه عن هذه المسافات الشاسعة في كتابه [الكون التكافلي]: (إذا أصبحت النجوم أقرب مما هي عليه الآن فلا يحدث إلا فرق طفيف في المفاهيم الفيزيائية الفلكية، فقد لا يحدث أي تغيير في العمليات الفيزيائية الجارية في النجوم وفي الأجرام السماوية الأخرى، ولو نُظر إلى مجرتنا من نقطة بعيدة عنها، فلا يمكن تمييز أي تغيير فيها عدا أن عدد النجوم التي نراها ونحن مستلقين على الأعشاب يصبح أكثر.. عفوا أود أن أضيف أن هناك فرقا آخر يحدث وهو استحالة وجود إنسان مثلي يلقي نظرة على هذه النجوم، فهذه المسافات الشاسعة والهائلة الموجودة في الفضاء شرط أساسي لوجودنا)

وقد وضح بتفصيل سبب هذا، وهو أن الفراغات والمسافات البينية الموجودة في الفضاء تعتبر عاملا رئيسيا في تأمين المتغيرات الفيزيائية بشكل ملائم لحياة الإنسان، ومن ناحية أخرى فإن هذه الفراغات البينية الواسعة تحول دون ارتطام أرضنا بالأجرام السماوية العملاقة السابحة في الفضاء؟

والخلاصة التي خلص إليها هي أن طريقة انتشار وتوزيع الأجرام السماوية في الكون تتلاءم في أبعادها ومواضعها مع حياة الإنسان واستمراره، وأن هذه الفراغات لم تأت اعتباطا أو بصورة عشوائية، بل تعتبر نتيجة لعملية خلق من أجل غاية معينة.

***

جلس [مايكل]، فقام عالم آخر، وقال: شكرا جزيلا صديقنا العزيز مايكل على هذه المعلومات القيمة، وعلى دعوتك لنا للتأمل.. وأنا صديقك [وولز]، سمي [وولز اوسكار لندبرغ] عالم الفسيولوجيا والكيمياء الحيوية، والقائل: (للعالم المشتغل بالبحوث العلمية ميزة على غيره، وإذا استطاع أن يستخدم هذه الميزة في إدراك الحقيقة حول وجود الله، فالمبادئ الأساسية التي تستند اليها الطريقة العلمية التي يجري بحوثه على مقتضاها هي ذاتها دليل على وجود الله)

أشهد بين أيديكم بمثل ما شهد به زملائي من أن الرعاية الحكيمة التي تضبط الحياة على الأرض، وحدها كافية للدلالة على الله.. ذلك أن كل حسابات الاحتمالات تنهار أمام هذا الإبداع العظيم الذي لا يمكن تصوره.

ومثلما فعل زملائي في الاكتفاء بالأمثلة، فإني سأكتفي بمجال تخصصي، وهو حول الغلاف الجوي، والذي أخذ مني كل عقلي بسبب تلك النسب المثالية التي تجعله صالحا لقيام الحياة على الأرض.

فأنتم تعلمون أن الغلاف الجوي للأرض يتصف بكونه خليطا مثاليا ملائما للحياة، فهو يتكون من 77 بالمائة نتروجين، و21بالمائة أوكسجين، و1بالمائة من الغازات الباقية مثل ثاني أوكسيد الكربون والأركون وغازات أخرى.

وعندما نفحص أهم هذه الغازات، وهو الأوكسجين بالطبع، باعتباره يستخدم من قبل أجسام الكائنات الحية، وعلى رأسها الإنسان في إجراء التفاعلات الكيمائية لإنتاج الطاقة.. نجد التوازن فيه قائم على أسس حساسة جدا.

لقد قال [مايكل دينتون] معبرا عن ذلك: (هل من الممكن أن يحتوي غلافنا الجوي على نسبة أعلى من الأوكسجين، وأن يظل ملائما لعيش الإنسان؟ بالطبع لا، لأنّ الأوكسجين عنصر فعال جدا، ونسبته الحالية في الغلاف الجوي أي الـ21بالمائة هي النسبة المثالية لحياة الإنسان، والتي لا يمكن تجاوزها، فلو زادت هذه النسبة واحدا بالمائة لزاد احتمال اشتعال الغابات بالصواعق بنسبة 70 بالمائة)

وقال [جيمس لافلوك] الاخصّائي في الكيمياء الحيوية معلقا على هذا التوازن الحساس: (لو زادت نسبة الأوكسجين عن 25 بالمائة لاشتعلت الحرائق في كافة الغابات الاستوائية والسهول القطبية، بل كافة النباتات التي تشكل الحلقة الرئيسية في شبكة الغذاء للإنسان.. أما النسبة الحالية للأوكسجين فهي محفوظة بواسطة توازن دقيق بين حد الخطر وبين الفائدة.. فلو كانت نسبة غاز الأوكسجين في الغلاف الجوي أكثر بقليل مما هي عليه لتحول كوكبنا إلى عالم لا يطاق ولا يمكن العيش عليه، لأن شرارة صغيرة تكفي لإشعال حرائق ضخمة جدا تحول كوكبنا إلى شعلة من النار.. لو كانت نسبة غاز ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي أقل مما هي عليه لنتج من ذلك عدم المحافظة على حرارة سطح الأرض ولتحولت البحار والمحيطات شيئا فشيئا إلى مسطحات متجمدة وبالتالي يصبح كوكبنا غير ملائم للحياة)

والعجيب أن هذا التوازن الدقيق للأوكسجين يتحقق بواسطة دورته في الطبيعة، فالحيوانات تستهلكه بصورة دائمة، وتطلق ثاني أوكسيد الكربون أثناء الزفير، أما النباتات فتسلك سلوكا معاكسا لأنها تستهلك ثاني أوكسيد الكربون وتطلق الأوكسجين الضروري للحياة في الهواء، وتقوم هذه النباتات بإطلاق مليارات الأطنان من الأوكسجين يوميا إلى الهواء.

فلو كانت الحيوانات والنباتات تملك نفس الفعاليات الحيوية لأصبحت الأرض كوكبا عديم الحياة، وبمعنى آخر لو كانت هذه الكائنات الحية تنتج الأوكسجين لأصبح الغلاف الجوي ذا خاصية فائقة على الاشتعال، وتكفي شرارة لاشتعال حرائق كبيرة، وفي النهاية يتحول كوكبنا إلى قطعة من النيران، ومن جانب آخر لو كانت هذه الكائنات الحية تستهلك هذا الغاز مطلقة ثاني أوكسيد الكربون لأصبح الغلاف الجوي بعد برهة قصيرة خانقا للأحياء بالرغم من ممارستها لوظيفة التنفس الحيوية، وفي النهاية يحدث الموت الجماعي للأحياء.. إلا أن كل ذلك لا يحدث لأن الله الخالق القدير خلق كل شيء بميزان ولذلك يحافظ الأوكسجين على نسبته الثابتة في الغلاف الجوي والتي تعتبر النسبة المثالية لاستمرار الحياة على هذا الكوكب..وهذه النسبة تمثل حدا فاصلا بين الفائدة وبين الخطورة.

سكت قليلا، ثم قال: ليس ذلك خاصا بالأوكسجين فقط، بل إن الغلاف الجوي جميعا يتميز بأنه خليط من الغازات الموجودة بنسب متوازنة توازنا حسّاسا للغاية، فكل غاز يوجد بالكمية والنسبة الملائمتين، حتى نسبة ثاني أوكسيد الكربون والضار بالإنسان له مهمة جدا.. فهو يلعب دورا كبيرا في منع رجوع الإشعاعات الشمسية المنعكسة من سطح الأرض إلى الفضاء الخارجي محققا التوازن الحراري للأرض.

والأغرب من ذلك أن مكونات الغلاف الجوي تبقى ثابتة نتيجة النشاطات الحيوية وطبيعة التغيرات الحادثة في التضاريس والطبقات الأرضية في جميع أنحاء الأرض..

والأغرب من ذلك كله هو تلك الكثافة المثلى للغلاف الجوين والملائمة للتنفس.. فالمعروف أن الضغط الجوي يعادل 760 ملم زئبق بمستوى سطح البحر، وكثافة الهواء في نفس المستوى تعادل غراما واحدا في اللتر، أما انسيابية الهواء بمستوى البحر فتعادل 50 ضعف انسيابية الماء..

إنّ هذه القيم الواردة ليست مجرد أرقام بل حقائق طبيعية وضرورية لحياة الإنسان، لأن الهواء الذي تتنفسه الأحياء يجب أن يتصف بهذه الخصائص المتميزة الموجودة حاليا مثل مقدار الكثافة والانسيابية والضغط الجوي.. فلو كانت كثافة وانسيابية الغلاف الجوي أكثر بقليل مما هي عليه لأصبحت عملية التنفس صعبة للغاية، ويمكن تشبيهها عندئذ بصعوبة سحب كمية من العسل بواسطة حقنة طبية، فالرئتان تبذلان طاقة معينة للتغلب على مقاومة الهواء أثناء التنفس، ومقاومة الهواء تعني الممانعة التي يبديها الهواء ضد أي مؤثر يحاول أن يغير من حالته الحركية، إلاّ أن هذه المقاومة صغيرة للغاية نتيجة الخصائص الأخرى والمميزة للغلاف الجوي.. ولهذا السبب تستطيع الرئتان أن تسحب الهواء إلى الداخل وتطلقه خارجا، ولو زادت هذه المقاومة قليلا لازدادت صعوبة عمل الرئتين أثناء التنفس.

يمكننا تشبيه ذلك بحقنة طبية نستطيع بواسطتها سحب الماء بسهولة، ولكن من الصعب سحب العسل إلى داخلها، فالعسل أكثر كثافة من الماء وأقل انسيابية منه.. ولذلك فإن أيّ تغير في خصائص الغلاف الجوي كالكثافة والضغط والانسيابية يصعب من عملية التنفس كالصعوبة الحاصلة في سحب العسل داخل حقنة طبية.

لقد عبر البروفيسور [مايكل دينتون] عن هذا المعنى، فقال: (لو كانت كثافة الهواء أكبر مما هي عليه لزادت مقاومة الهواء، وزادت معها صعوبة التنفس والحصول على الكمية الضرورية من الأكسجين للحياة بواسطة الرئتين الموجودتين حاليا في أجسام الكائنات الحية ولاستحال تصميم جهاز للتنفس.. ولو أجرينا مقارنة بين الاحتمالات المختلفة لضغط الغلاف الجوي والاحتمالات المختلفة لنسب الأوكسجين فيه باحثين عن قيمة عددية معينة مناسبة لحياة الإنسان لوجدنا حدا ومجالا ضيقا للغاية على خط الأعداد، وتتحقق جميع الظروف الحياتية الملائمة ضمن هذه الحدود الضيقة ومنها اكتساب الغلاف الجوي لخصائصه المتميزة ضمن هذه الحدود وهذا يعتبر أمرا مدهشا للغاية)

سكت قليلا، ثم قال: إن هذه المعايير الحساسة للغلاف الجوي ليست ملائمة لتنفس الأحياء فقط، بل تعتبر سببا كافيا لبقاء كوكبنا أزرق، أي حاويا على نسبة كبيرة من الماء، ولو انخفض الضغط الجوي لخمس معدلاته لزاد التبخر من المسطحات المائية الكبيرة، وإن هذا البخار الزائد سيغطي سماء الأرض، ويعمل عمل البيت الزجاجي، أي سيؤدي إلى رفع درجة حرارة الأرض، أما لو زاد الضغط الجوي بمقدار ضعف معدلاته الحالية لقلت عملية التبخر وقلت بالتالي نسبة البخار في الجو وتحولت معظم اليابسة إلى صحاري قاحلة.

إلاّ أن كل هذه الاحتمالات لا تحدث أبدا، لأن الله خلق الأرض والشمس والكون بأبهى صورة وأكمل ميزان، وجعل في الأرض موازين دقيقة تعمل مع بعضها البعض بانسجام محققة الوسط الملائم لعيش الإنسان.

الملاءمة والتطوير:

جلس [وولز]، فقام عالم آخر، وقال: شكرا جزيلا صديقنا العزيز وولز على هذه المعلومات القيمة، وعلى دعوتك لنا للتأمل.. وأنا صديقك [كريسي] سمي [كريسي موريسون] ذلك العبقري المؤمن الذي تولى رئاسة أكاديمية العلوم بنيويورك، ورئاسة المعهد الامريكي لمدينة نيويورك، وغيرها من المناصب العلمية الرفيعة.. والتي لم تحجبه جميعها عن الله.. بل دعته إليه.. فراح يؤلف كتابه العظيم [العلم يدعو للإيمان]

ذلك الكتاب الذي استثمر فيه نتائج الأبحاث العلمية في الفلك والجيولوجيا والطبيعة والكيمياء والطب وعلم الأحياء وغيرها ليعبر منها إلى الله.. فالعلم يدل على الله، ولا يحجب عنه..

نعم قليل من العلم قد يحجب عن الله.. ولكن التعمق فيه لا يضع صاحبه إلى في محراب العبودية لله.

وتتمة لما ذكره زملائي العلماء حول تدبير الله لخلقه وعنايته بهم، فإني سأذكر هنا نماذج من لطف الله وعنايته بعباده بحيث وفر لهم كل ما يناسبهم ويملأ حياتهم بالسعادة والسلام([5]).

لقد عرفنا من خلال المداخلات التي قدمها زملاؤنا من العلماء أن كل شيء في هذا الكون في مكانه الصحيح.. فالأرض تدور كل أربع وعشرين ساعة، وهذا الدوران لو تأخر، لما أمكن وجود الحياة.. وإذا زادت سرعة الأرض حول الشمس أو نقصت تغير تاريخ الحياة هذا إن وجدت تغيرا تاما.. والشمس هي الوحيدة بين آلاف النجوم، التي جعلت حياتنا على الأرض ممكنة، وحجمها وكثافتها ودرجة حرارتها وطبيعة أشعتها كلها موضوعة في مكانها بدقة عالية.

وهكذا رأينا الغازات التي بالهواء، منظمة بعضها بالنسبة لبعض، وأقل تغيير فيها يكون قاتلا.. وحجم الكرة الارضية، ومكانها في الفضاء وبراعة التنظيمات التي تحكمها.. كلها موزونة بدقة عالية.

التفت لأصدقائه من العلماء، وقال: أنتم تعلمون أن فرصة حصول بعض هذه التنظيمات مصادفة هي بنسبة واحد إلى مليون، وفرصة حدوثها كلها معا، لا يمكن حسانها حتى بالبلايين.

ولذلك فإن وجود هذه الحقائق لا يمكن التوفيق بينه وبين أي قانون من قوانين المصادفة.. فمن المحال إذن أن نهرب من القول بأن مطابقات الطبيعة حتى توائم الإنسان هي أعجب كثيرا من مطابقات الإنسان ليلائم الطبيعة.

سكت قليلا، ثم قال: عندما نتأمل الحياة بتعقيداتها المختلفة نجد الأمر أكبر مما نتصور، فالكون ليس تجمعا لمواد وقوى فقط.. بل إن فيه شيئا أسمى من ذلك كله.. فيه الحياة والوعي والعقل والمشارع.. فيه أشياء أكبر تطورا بكثير من كل ما أنتجته مصانعنا ومخابرنا التي نتباهى بها.

التفت لزملائه، وقال: هل يمكن لأحد منكم أن يدعي أنه اخترع جهازا يستطيع أن يفكر.. لا كما يفكر الإنسان، وإنما كما يفكر النمل والحشرات؟

هل فيكم من استطاع أن يخترع آلة ذكية تشبه الزنبور الذي يصيد الجندب، ويحفر حفرة في الأرض، ويحز الجندب في المكان المناسب تماما حتى يفقد وعيه، ولكنه يعيش كنوع من اللحم المحفوظ لأولاده قبل أن يولدوا؟.. فأنثى الزنبور تغطي حفرة في الأرض، وترحل فرحا، ثم تموت.. فلا هي ولا أسلافها قد فكرن في هذه العملية، ولا هي تعلم ماذا يحدث لصغارها، أو أن هناك شيئا يسمى صغارا.. بل انها لا تدري أنها عاشت وعملت لحفظ نوعها.

وهكذا نرى النحل والنمل تدرك كيف تنظم وتحكم نفسها، فلها جنودها، وعمالها، وعبيدها، ويعاسيها.. حتى أننا إذا التقطنا قطعة كهرمان على شاطئ البلطيق، فقد نجد بها نملة محبوسة منذ دهور لا تعد، ونجدها نسخة طبق الأصل من النمل الموجود الآن.. فهل وقف التطور عن سيره حين طوبق بين النملة وبيئتها في الطبيعة؟.. وهل كان ذهن النملة الصغيرة، أداة أشد ضآلة من أن تضطلع بغرض أكبر ([6]

لكن مع كل ذلك الوعي الذي يبدو عليه الحيوان، فإن الإنسان يظل متفردا من بينها جميعا.. وهذا يدعو للكثير من التساؤلات المحيرة التي لا يستطيع أي واحد فيكم ـ أصدقائي العلماء ـ الإجابة عنها؟

فكيف يمكن للإنسان أن يمارس كل تلك التصرفات الممتلئة بالذكاء والعبقرية، وهو يتكون من نفس المواد التي يتكون منها سائر من حوله من الأشياء.. لو كان الأمر أمر مادة وقوانين فقط لكان الإنسان مشابها لها.. ولكنا نراه متطورا عنها بكثير.. فمن وهبه ذلك التطور؟.. هل وهبه لنفسه؟.. ومن يزعم أنه وهبه لنفسه؟.. أم أن الطبيعة التي وهبته ذلك؟.. فلم خصته دون غيره؟.. وهل لها من الوعي بحيث تخص جهة دون جهة؟

أنتم تعلمون أن التطوريين يذكرون بأن جمال ريش الطيور إنما هو إظهار للجاذبية التي يتوقف عليها بقاء النوع.. لكن الرسم الجميل ليس ضرورياً لوجود الانسان، فكيف وجدت هذه الموهبة في الإنسان؟.. وكيف توفرت في بعض الناس ولم تتوفر في غيرهم مع أنهم يتكونون جميعا من نفس المركبات الكيميائية، وتسري عليهم نفس قوانين الطبيعة؟

بعضهم ذكر في كتبه أن المادة، كالذرات والصخور والماء، قد تتحد، وإذا نفخت فيها الحياة، فقد تتطور إلى إنسان.. لكن هل يمكن لهذه العناصر، بعد أن تتم مطابقتها الكاملة للبيئة الطبيعية، أن تقطع مرحلة أخرى، وتنتج رجلا موسيقيا يستطيع أن يكتب الأنغام الموسيقية على الورق، ويسجل تناسقها البديع، ويصنع بيانو، ويخلب ألباب الجمهور المستمع، ويدع موسيقاه تسجل على أقراص من البلاستيك، وتذاع حول العالم عن طريق وسيط يسمى (الأثير)، ولا تعرف الذرات شيئا عنه سوى أنها توجد فيه أو بوساطته؟

سكت قليلا، ثم قال: أنتم تعلمون أن بعض أنواع الحيوانات تتعاون في جهودها، فهي لاتصطاد إلا في جماعات، وهي تجمع غذاءها وتخزنه للمستقبل، وهي تضاعف جهودها الفردية بطرق شتى بفضل العمل المشترك، ولكنها لا يبدو أنها تخطو خطوة واحدة بعد ذلك.. لكنا نرى الإنسان قد شيد الاهرام بمضاعفة القوة الفردية.. واكتشف الرافعة والطنبور، والعجلة، والنار.. وجعل حيوانات الحمل مستأنسة، وأضاف إليها عجلته، وبذا أطال في ساقيه، وقوى من ظهره..

وهكذا تغلب على قوة سقوط الماء، وتحكم في البخار والغاز، والكهرباء، وحول العمل اليدوي إلى مجرد السيطرة على الاجهزة الميكانيكية التي هي من مستحدثات عقله.. وهو في انتقاله من مكان إلى مكان، قد فاق الظبي في سرعته، وحين ركب أجنحة لعربته، قد سبق الطيور في طيرانها، فهل حدث ذلك كله عن طريق تفاعل في المادة وقع مصادفة؟

سكت قليلا، ثم قال: هل ترون كل هذه المعجزات مجرد قوانين طبيعية لا يقف خلفها عقل عليم، ومدبر حكيم؟.. في نفس الوقت الذي تصفون فيه اختراعاتكم التي لا تساوي معشار عقل نملة بأنها قمة العبقرية، وأنه لايمكن أن تخرج إلى العالم صدفة؟

***

جلس [كريسي]، فقام عالم آخر، وقال: شكرا جزيلا صديقنا العزيز كريسي على هذه المعلومات القيمة، وعلى دعوتك لنا للتأمل.. وأنا صديقك [روبرت]، سمي [روبرت هورتون كاميرون] ذلك العالم والأخصائي في الرياضيات، والحائز على جائزة الرابطة الرياضية في أمريكا، والمتخصص في التحليل الرياضي والقياس.. والذي لم يمنعه علمه ولا تفوقه من الإيمان بالله، والإذعان له، والدعوة إليه.. وقد كتب في ذلك المقالات الكثيرة.

وأنا تتمة لما ذكرت من بديع صنع الله في العقل الإنساني أحب أن أقتبس لك بعض ما ذكره سميي [روبرت]، والذي جعله يمتلئ إيمانا بالله.

لقد قال مجيبا لمن سأله عن وجود الله: هذا سؤال ذكي.. ولا بد لكي أجيب عنه أن أفكر.. وحتى أفكر لابد أن تكون لدي وسيلة تفكير.. وما دامت هذه الوسيلة ليست ملكي.. إذن هناك من وهبها لي.. ولا يحق لي أن أستعمل وسيلة التفكير الموهوبة لي في جحود صاحبها الحقيقي.

طلب منه أن يفصل أكثر، فقال: أنتم ترون أنني لست جهازا آليا، وتفكيري يذهب إلى أبعد ما يمكن أن يذهب إليه أي عقل من العقول الآلية.. فالعقل الآلي الحديث وظيفته تطبيق قاعدة معينة أو إيجاد علاقة معينة تبعا لأصول محددة مرسومة، أما عملية التفكير فتختلف عن ذلك اختلافا بينا، فهي تستطيع أن تتقيد بالقواعد، كما تستطيع أن تتغافلها.

التفت لزملائه من العلماء، وقال: أنتم تعلمون أن التفكير يتضمن استخدام المنطق، والقدرة على الحكم.. كما يتضمن تذوق الجمال والاستمتاع بالموسيقى والمرح وتقدير الفكاهات والطرائف..كما يستطيع أن يقرر صحة أحد البراهين أو خطأها.. كما أنه هو الذي يبدأ المناقشة في أمر هذه البراهين ويوجهها.. وهو الذي يستطيع أن يخترع النظريات الرياضية الجديدة ويقيم الدليل على صحتها.. وهو الذي يتضمن القدرة على تحليل النفس ونقدها.

تقدم من بعض أصدقائه من العلماء، وقال: أعلم مدى عبقريتك في الذكاء الاصطناعي.. وأنا أعلم أنك يمكن أن تصمم آلة تلعب الشطرنج كما أخبرتني بذلك.. ولكن هل يمكن لهذه الآلة أن تسعد بما تحققه من نجاح، أو تشمت في خسارة اللاعب الآخر، أو تحزن على ما وقعت فيه من الأخطاء.. نعم اختراعك فكرة رائعة.. ولكن لا يمكن مقارنته بالفكر الإنساني الذي لا يمكن مقارنته بجميع آلات الدنيا مجتمعة.

تقدم من زميل آخر له، وقال: أنت عالم نفسي، ولاشك أنك الآن تقوم بتحليل تصرفاتي، وتحاول أن تستنتج منها نوع شخصيتي.. ولكن هل يمكن أن تعتبر الإيمان بالله خللا نفسيا كما يذكر بعض أصدقائنا؟.. هل يمكن أن يكون الإيمان بالله مجرد تعبير عن بعض الرغبات المكبوتة؟.. هل يمكن أن يكون اعترافي بالحقيقة لا يقوم على المنطق، وأنني أؤمن لأنني أخشى ألا أكون مؤمنا؟

كلا فطبيعتنا الانفعالية دليل على حكمة الله وتدبيره، وإلا فكيف تكون حياة الإنسان بغير هذه الانفعالات؟.. وكم يمكن أن يعمر الإنسان على سطح الأرض بغير تلك المشاعر الجميلة ما يتصل بها من انفعالات؟.. ولماذا تنخفض نسبة وفيات الأطفال عندما يزداد حب آبائهم لهم؟

إنني اعتقد بوجود الله، لأنه وهبني التمييز الأخلاقي، فالجنس البشري لديه إحساس فطري بما هو خطأ وما هو صواب.

إان اعتقادي في الله يقوم أيضا على حرية الإرادة وذكائها، فأنا عندما أرغب أو أريد شيئا معينا يتخذ عقلي قرارا به، وإرادتي هي التي تنفذه.. ويختلف الإنسان في جميع هذه الصفات والمزايا عن سائر الكائنات الأرضية الأخرى.

سكت قليلا، ثم قال: إن رجال العلوم يعتمدون على التجربة للبحث عن النتائج العلمية.. أما أنا فمقتنع بوجود الله اعتقاداً يستند إلى أدلة تجريبية، ولكنها تجارب شخصية صرفة، ومع ذلك فهي أقوى لدي من كل دليل، وأشد إقناعا لي من أي برهان رياضي.

***

انتهى العلماء من حديثهم في المحور الثالث، وقد شعرت بروحانية كبيرة تغمر المكان، ولاحظت في وجوه العلماء سرورا كبيرا، وأنوارا كثيرة.. سواء أولئك الذين صرحوا بعودتهم للإيمان، أو أولئك الذين لم تكن لهم الجرأة الكافية للإعلان عن إيمانهم في هذا المجلس.. لكني استطعت أن أكتشف من خلال ملامحهم بصيصا من النور يتسرب رويدا رويدا ليمحو آثار ظلمة الإلحاد عن وجوههم وقلوبهم.


([1])  بارون دي هولباخ: [1723-1789] كاتب وفيلسوف وموسوعي فرنسي ألماني، عرف عن كونه واحدا من رواد في عصر التنوير الفرنسي، وقد عرف بتواجده في الصالونات الأدبية، وعرف بإلحاده، وقد كانت له عدة كتابات ضد الدين، وقد كان كارل ماركس واحد من المتأثرين بأفكاره..انظر في ترجمته د. رمسيس عوض، الإلحاد في الغرب ص 136.

([2])  نقلا عن: قصة الحضارة (38/ 140)

([3])  قصة الحضارة (38/ 142)

([4])  الله يتجلى في عصر العلم – كريسى موريسون.

([5])  المادة العلمية الواردة في هذا المطلب مقتبسة من كتاب [العلم يدعو للإيمان]

([6])  الاهتمام العلمي الحديث بعالم النمل يذكرنا بالإمام علي ودعوته للتأمل فيها وفي غيرها من الحيوانات، ومن الأمثلة على ذلك قوله في وصف النملة (في نهج البلاغة): (انظروا إلى النملة في صغر جثتها، ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا بمستدرك الفكر، كيف دبت على ارضها وصبت على رزقها، تنقل الحبة إلى جحرها، وتعدها في مستقر لها، تجمع في حرها لبردها، وفي ورودها لصدرها، مكفولة برزقها، مرزوقة بوفقها، لا يغفلها المنان، ولا يحرمها الديان، ولو في الصفا اليابس، والحجر الجامس، ولو فكرت في مجاري أكلها، في علوها وسفلها، وما في الجوف من شراسيف بطنها، وما في الرأس من عينها وأذنها، لقضيت من خلقها عجبا، ولقيت من وصفها تعبا.. فتعالى الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها، لم يشركه في فطراته فاطر، ولم يعته في خلقها قادر)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *