البداية

البداية

تبدأ حكاية رحلتي هذه مع [معلم الإيمان] عند زيارته لي لأول مرة، وقوله ـ بشدة ممزوجة لينا، وقسوة ممتلئة رحمة ـ: قم لتتعلم الإيمان.

فرددت عليه بتلقائية: أنا مؤمن بحمد الله، وقد ورثت إيماني عن أجداد كثيرين، كلهم يلهجون بالشهادتين، وماتوا وهم يرددونها.

قال: ذلك إيمان الوراثة.. وهو إيمان لا يفرقك عن غيرك، ولا يميزك عن سواك.. فكلهم ورثوا عقائدهم، كما ورثوا أموالهم.. ولا ينفعهم في اليوم الذي تبلى فيه السرائر إلا ذلك الإيمان الذي اكتسبوه، وعاشوه، وتحققوا به.. فعدل الله يأبى أن يحاسب الإنسان إلا على ما اختاره واكتسبه.

قلت: لكني سمعت مشايخي من العلماء والمحققين يسألون ربهم أن يرزقهم إيمانا كإيمان العجائز.. وقد حكى لي بعضهم أن الإمام الهمام شيخ الإسلام فخر الدين الرازي مر مع نفر من أصحابه على عجوز تعجبت من احترامهم له، فسألت عن سر ذلك، فقال لها بعضهم: هذا إمام وجد ألف دليل على وجود الله.. فتعجبت وقالت: لو لم يكن عنده ألف شك، لما احتاج إلى البحث عن ألف دليل.

قال: وهل تعرف دين العجائز، وإيمانهم؟

قلت: أجل.. فهو إيمان فطري بسيط لا يحتاج أي تكلف ولا استدلال.. هومثل حياتهم تماما، ممتلئ بالبساطة.. ليس فيه أي تعقيد.. ولا يحتاج بذلك أي بحث.

قال: فكيف يميز هؤلاء الحق من الباطل، والخير من الشر؟

قلت: هم ورثوا ذلك وراثة.

قال: فهل ورثوه عن معصومين لا يخطئون ولا ينحرفون، أم ورثوه عن بشر مثلهم يخطئون ويصيبون؟

قلت: بل ورثوه عن بشر مثلهم، يخطئون ويصيبون.

قال: فهل ترى موازين الله الممتلئة بالعدالة تقبل باطلهم الممزوج بالحق، وشرهم الممزوج بالخير، لكونهم ورثوه عن آبائهم وأجدادهم، ولا مسؤولية لهم في ذلك؟

لم أدر ما أجيبه، لأني إن خالفته في ذلك قرأ علي قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإلى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [المائدة: 104]، وغيرها من الآيات الكريمة التي تنعى عليهم تقليد المشركين لآبائهم، ووراثتهم الدين منهم.

وإن وافقته فيما ذكر أكون قد تخليت عن مبدئي الذي تعلمته وورثته.. لكني وجدت حيلة للفرار، فقلت: لك أن تقرأ علي ما شئت من آيات القرآن الكريم التي تنعى على المشركين اتباعهم لآبائهم وأجدادهم.. لكن الأمر مختلف هنا، فنحن مسلمون بحمد الله، وقد ورثنا الإسلام من أشخاص كثيرين كلهم مسلمون.

 قال: الحق أعظم من أن يتعلق بالأشخاص.. الحق اسم الله، واسم الله لا يسمى به غيره.. فلذلك ابحث عنه تجده..

قلت: فكيف أبحث عنه؟

قال: بالبحث عن أهله.

قلت: ها قد عدت بنا إلى الأشخاص..

قال: عندما تسلم للأشخاص، وتنقاد لهم، وتجثو بين أيديهم كالميت بين يدي الغسال، لا تناقش لهم رأيا، ولا ترد عليهم وهما، حينها تكون عبدا للأشخاص.. وحينها ستسد الحجب بينك وبين الحقيقة.

قلت: أتقصد أن أناقش الأشخاص؟

قال: تناقش أفكارهم، لا ذواتهم.. وحججهم، لا أعيانهم.

قلت: بم؟

قال: بحجج الله التي أودعها الله في عقلك، لتميز الحق من الباطل، والخبيث من الطيب.

قلت: هذا كلام جميل.. فمن أنت.. ومن الذي أرسلك لي؟

قال: ما دمت قد جئت لأعلمك الإيمان.. فأنا [معلم الإيمان]

قلت: لا شك أن الذي أرسلك لي هو معلمي [معلم السلام]

قال: كلنا نقطة تحت الباء([1]).. فلا تسأل عما لا يعنيك.. ولا تسأل عما يعجز عقلك عن فهمه.

قلت: معذرة.. نسيت أنني أتحدث مع النقطة التي تحت الباء..لكن أخبرني عن المنهج الذي تريد أن تعلمني به الإيمان.. هل على منهج الأشاعرة.. أم على منهج الماتريدية.. أم على منهج المعتزلة.. أم على منهج أهل الحديث.. أم على منهج الإمامية.. أم على منهج الإباضية.. أم على منهج المتكلمين.. أم على منهج الفلاسفة.. أم على منهج الإشراقيين والروحانيين.. أم على منهج..؟

قاطعني، وقال: ألم تتعلم من معلمك معلم السلام أن تترك مثل هذه الأسماء.. فلا يمكن إدراك الحقائق لمن سجن عقله في سجون الأسماء؟

قلت: بلى.. لك الحق في ذلك.. فالحق أعظم من أن يسجن في سجون الطوائف والمذاهب والأشخاص.

***

لست أدري هل كنت نائما أم يقظان حين جرى هذا الحوار بيني وبين معلمي الجديد [معلم الإيمان]، لكن الذي أدركه جيدا أنني كنت في قمة يقظتي، ومعها في قمة حزني، قبل تلك اللحظات السعيدة التي التقيت فيها معلمي الجديد.

كنت حينها مستلقيا على أريكتي أشاهد شريطا وثائقيا عن ظاهرة الإلحاد الجديد، وسيطرته على الشباب المسلم، وتحول الإلحاد إلى موضة جديدة لا تختلف عن موضة الأكل واللباس.

وقد آثر معدو الشريط الوثائقي تصويب الكاميرا على مجموعة من الشباب الملحد، مع ترك الفرصة لهم للحديث كما يشتهون من غير أي تدخل خارجي يوجه دفة الحديث.

وهذا أسلوب صحفي اعتمدته بعض الوسائل، الإعلام ورأت مدى نجاعته في نقل الصور والحقائق بدقة.. وقد أصابوا في ذلك.. فقد صور أولئك الشباب هذا الواقع الإلحادي الجديد بكل دقة، وبكل ألم.

كان أول من بدأ الحديث شاب في مقتبل العمر، راح يردد بين أصدقائه بفخر واعتزاز ـ مجيبا من سأله عن سر إلحاده ـ: وكيف لا ألحد.. وأنا أرى أن البشرية لم تزدهر، والعقول لم تنور إلا بعد أن تخلصت من قيود الإيمان الممتلئ بالخرافة.. انظروا إلى كبار عمالقة التاريخ من أمثال هولباخ وفولتير وهيغل وانجلز وماركس ونيتشه وفرويد ودركايم ولينين وتروتسكي وسارتر.. وغيرهم.. ترونهم جميعا نبذوا أديانهم وكل الخرافات التي تقيد بها سلفهم، ليؤمنوا بإله العقل والعلم.

قال آخر: وانظروا إلى عمالقة العرب تجدونهم جميعا من الذي أقروا بإلحادهم، بل انتصروا له رغم القمع الذي واجههم به الخرافيون.. هل سمعتم بإسماعيل مظهر، والزهاوي، والرصافي، والعظم، والقصيمي.. كل هؤلاء العمالقة، وغيرهم كثير، تمردوا على الخرافة، واعتنقوا الإلحاد.

قال آخر: هل سمعتم بعبقري العصر، بل نبي الإلحاد الجديد [ريتشارد دوكنز] صاحب القرآن البديل عن قرآن الخرافيين.. إنه صاحب كتاب [وَهْم الإله]، ذلك الكتاب العبقري الذي استطاع أن يحطم به أسطورة الدين وكل عقائده الخرافية.. لقد عبر في كتابه ذلك عن الحقيقة التي تاهت البشرية عنها لأجيال طويلة، لقد أثبت فيه أن (الملحدين يجب أن يكونوا فخورين، لأن الإلحاد دليل على عقل صحي ومستقل).. وأثبت (أن الملحدين يمكن أن يكونوا سعداء، متّزنين، ذوي أخلاق، وراضين فكريًا).. وأن (الانتقاء الطبيعي والنظريات العلمية المشابهة تتفوق على فرضية الإله في تفسير وجود الكائنات الحية والكون)([2])

قال آخر: ومثله ذكر [روبرت بيرسيغ]، فقد اكتشف أنه (عندما يعاني شخص من وهم يسمى ذلك جنوناً، وعندما يعاني مجموعة أشخاص من وهم يسمى ذلك ديناً)

قال آخر: وهل سمعتم بذلك العبقري العظيم [سام هاريس] صاحب الكتاب الأسطورة [نهاية الإيمان] الذي تصدر قوائم أكثر الكتب مبيعًا في العالم، وصاحب المحاضرات والفيديوهات التي يسمعها ويشاهدها مئات الآلاف حول العالم، وصاحب المؤسسة العظيمة [المعرفة العلمية] التي حطمت كل خرافات المتدينين.

قال آخر: وهل سمعتم بذلك الفلكي الأمريكي العظيم [كارل ساغان] صاحب كتاب [عالم تسكنه الشياطين: العلم الطبيعي كشمعة في الظلام] ذلك الكتاب الذي قضى على الخرافة والأسطورة، وبشر بملة الإلحاد الجديد..هذه النِّحلة الطبيعية المعاصرة التي قضت على كل الأديان.. ورفعت شعارات التنوير والعلم الطبيعي والعقلانية.. لقد استطاع أن يكمل بجهوده الجبارة ما قام به ريتشارد دوكينز في كتابه [وهم الإله]، وسام هاريس في كتابه [نهاية الإيمان]، وهيتشنز في كتابه [الإله ليس عظيمًا]

قال آخر: لا تنسوا أن تذكروا أعظم فيزيائي في التاريخ [ستيفن هوكينغ] الذي استطاع أن يجيب عن كل تساؤلاتنا المرتبطة بنشأة المادة، مثلما أجاب دوكينز عن أسئلتنا المرتبطة بالحياة.. ولذلك لا نحتاج أي دين ليجيبنا عن تساؤلاتنا.. فالعلم هو مصدر الحقيقة لا الدين.

قال آخر، بصوت ممتلئ بالانبهار والدهشة، وهو يحمل صورة هوكينغ وهو مقعد على كرسيه: لقد توصل هذا المقعد إلى معادلة عالمية تجمع بين النظرية العامة للنسبية التي توصل إليها أينشتاين وبين علم ميكانيك الكم.. واستطاع بذلك أن يحطم كل الخرافات التي تعلق بها المتدينون.

فجأة تغير حديث الشباب المجتمعين من الحديث عن الإلحاد وأسبابه إلى الحديث عن هوكينغ الذي امتلأوا إعجابا به إلى حد الثمالة، قال أحدهم: ألم تسمعوا ما أوردته القنوات الفضائية هذه الأيام من أن أطروحة الدكتوراه التي أعدها هوكينغ عام 1966، لاقت إقبالا كبيرا من الجمهور في يوم نشرها، ما أدى إلى تعطل قسم النشر بالموقع الإلكتروني لجامعة كامبريدج.. بل حاول أكثر من 500 ألف شخص تحميل البحث العلمي، المعنون بـ [خصائص الكون المتمدد]

قال آخر: أجل.. وقد وصف الدكتور أرثر سميث، من جامعة كامبريدج، تلك الأرقام بأنها مهولة.. وأضاف الدكتور سميث، نائب مدير الاتصالات العلمية بالجامعة: (هذه الأعداد أكبر بكثير من الأعداد التي حققها أي موضوع في مستودع جامعة كامبريج للأبحاث (أبوللو).. وأضاف: (ربما أجازف بالتخمين أن أطروحة البروفيسور هوكينغ تعد أكثر الموضوعات التي لاقت إقبالا، في أي مستودع للأبحاث على الإطلاق. لم نشهد أرقاما مثل تلك من قبل)

قال آخر: ألم تعلموا أن الأطباء قدروا في شبابه أنه لن يعيش سوى فترة محدودة بعدما تم تشخيص حالته عندما كان في الثانية والعشرين من عمره، بأنه مصاب بمرض عضال لا شفاء منه في العضلات والجهاز العصبي.. لكنه عاش رغما عنهم، ليذهل البشرية باكتشافاته العجيبة.

بعد أن ملوا من الحديث عن هوكينغ، وبعدها عن دوكينز.. قال أحدهم: دعونا من كل هذه الأحاديث.. وهلم أسمعكم آخر إبداعاتي التي نشرتها على صفحتي.. لقد وضعت آذانا جديدا للملاحدة([3])..

ضحك أصحابه، وقالوا: هلم أسمعنا إياه.. فصوتك جميل جدا.

راح الشاب يرفع صوته مثل المؤذنين بكلمات في قمة البذاءة لا أستطيع ذكرها لكم.. بعد انتهائه من سخريته قال بعض الحاضرين: رب هذة الدعوة التامة والصلاة القائمة آتي سيدنا نيوتن الوسيلة والفضيلة، وابعث داروين المقام المحمود الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد.

قال آخر: واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، لو قرأت هذا الآذان علي برج إيفل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية نيتون.

قال آخر: تعالوا لأسمعكم سورة جديدة من قرآن الملحدين، سميتها سورة الفاتحة.. اسمعوا لها..

ثم راح يقلد بعض المقرئين: أعوذ بداروين من الله الرجيم.. باسم نيوتن العالم العظيم.. الحمد لداروين العالم الفهيم.. هاتك عرض الدين.. إياك ندرس وإياك نستعين.. اهدنا الفهم السليم. فهم الذين أنعمت عليهم.. غير الذين ضحكت عليهم ولا المهبولين.

قال آخر: وقد وضعت سورة سميتها سورة داروين.. اسمعوا لها.

راح يقرأ: بسم العلم العظيم.. ألم.. والعلم العظيم.. هل اتاك حديث داروين.. اذ قال ياقوم انا كنا قردة خاسئين.. فتتطورنا إلى بشر عاقلين.. كذلك التطور يفعل لو كنتم موقنين.. فكذبوه وقالوا عجوز سمين.. أإذا كنا قرودا نتطور إلى بشرا إن هذا إلا أساطير الاولين.. ومابال القرود لم تتطور إن كنت من الصادقين.. قال ياقوم إنا نشترك معهم بسلف مشترك لو كنتم تعقلون.. قالوا مانراك إلا خرفت ياداروين.. فأرسلنا عليهم عذابا مهين.. وكذلك نجزي الظالمين.. فسبح بحمد العقل إنه لك دليل متين.. صدق العقل العظيم.

***

بقي الشباب الملحد فترة يمزج بين الجد والسخرية من القرآن الكريم، ومن كل الشعائر الدينية إلى أن كدت أنفجر ألما وحزنا وغضبا.. وقد زاد في ألمي أن هذا الشريط يراه ويسمعه ملايين الناس، والكثير منهم لا اهتمام له بالدين، ولا علاقه له به.. وقد خشيت أن ينتقلوا به من واقع الغفلة إلى واقع الجحود.. لتنتشر بذلك موضة الإلحاد، وتنتشر معها قيم الملاحدة.

وقد زاد في ألمي أن الفرص كلها كانت متاحة لهؤلاء الدجالين لينشروا سمومهم، فالكثير من الوعاظ والخطباء تخلوا عن الحديث عن العقائد والقيم، ليتحدثوا عن طوائفهم ومذاهبهم.. ليكفر بعضهم بعضا، ويبيح بعضهم دماء بعض لتخلو الفرصة بعدها لهذا الجيل من المنحرفين والملحدين.

في تلك اللحظات الأليمة، جاءني معلم الإيمان.. وطلب مني الاستعداد للقيام بأول رحلة لتثبيت الإيمان.. وطلب مني أن أحمل قلمي، لأسجل كل ما أراه وأسمعه بدقة.

سألته عن وجهتنا، فقال: سنذهب إلى فندق الملاحدة.

قلت متعجبا: فندق الملاحدة..ماذا تقول.. لعلك أخطأت.. قل جحيم الملاحدة.. لا فندق الملاحدة.. ألم تسمع سخريتهم من القرآن الكريم.. ألم تر صلافتهم ووقاحتهم.. هل ترى أن أمثال هؤلاء المجرمين يجازون بالفنادق.. لعل الأمر اختلط عليك؟

لم يأبه معلم الإيمان لكلامي.. بل سار بي في متاهات عجيبة لا أستطيع وصفها، حتى وصل بي إلى عمارة ضخمة، ممتلئة بكل ألوان الزينة، وفيها كل أنواع الرفاه.. وقال لي: هذا هو فندق الملاحدة.. فسر إليه، وستجد من يرشدك في رحلتك هذه.. ولا تنس أن تكتب كل ما تسمع.. وتسجل كل ما ترى.

امتلأت دهشة لما رأيت.. وقلت في نفسي: هل هذا هو فندق الملاحدة.. ألأجل هذا الفندق راح أولئك الشباب يتركون دينهم؟

قال لي معلم الإيمان: لا تستعجل.. وسر.. فلن ترى العجائب إلا بالسير.

قلت: وأنت.. ألن تسير معي؟

قال: أنا دوري الهداية والدلالة.. وقد انتهى الآن.. وسترى في الطريق من يرشدك.. فلكل وجهة إمام.

قال ذلك، ثم غاب عني، كما تعود معلم السلام أن يغيب.

سرت في الطريق المؤدية إلى فندق الملاحدة، وكانت ممتلئة بالزهور الجميلة، لكنها لم تكن تصدر أي رائحة.. بل كانت ممتلئة بالحزن والكآبة.. وكانت أول مرة أرى فيها الزهور بتلك الحالة.. وكانت أول مرة أشعر فيها بالأسى والألم، وأنا أعاين جمالها..

في مدخل الفندق.. رأيت شابا ممتلئا بأنوار الإيمان، استقبلني بأدب، وراح يقول لي: لاشك أن الذي أرسلك هو معلمي معلم الإيمان.

قلت: أجل.. هل تعرفه؟

قال: وهل يمكن لي أن أنساه.. لقد جعله الله واسطة الهداية التي أخرجتني من ظلمات الغواية.

قلت: عجبا.. وهل مررت بظلمات الغواية.. لا يبدو عليك ذلك.

قال: هل رأيت الشباب الذين امتلأوا إلحادا وغفلة؟

قلت: أولئك المجرمين أصحاب القلوب المظلمة، والعقول المعطلة.. لا تحدثني عنهم.

قال: لقد كنت أحدهم.. لكن الله من علي بمعلم الإيمان.. فخرجت من التيه إلى الرشاد.. ومن الضلال إلى الإيمان.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد رحل بي إلى هذا الفندق.. وفيه عاينت الحقيقة التي كان عقلي غافلا عنها..

قلت: إن ما تقوله عجيب.. فكيف يكون فندق الملاحدة مدرسة للإيمان.. وكيف يكون مركز الضلالة منبعا للهداية.. أتراكم أخطأتم التسمية.. أم ترى الإلحاد عندكم ليس سوى الإيمان؟

قال: لا هذا ولا ذاك.. هذا فندق الملاحدة، لأن نزلاءه جميعا ملاحدة..

قلت: لم تزدني إلا عجبا.. فكيف يكون أساتذة الإلحاد هم أساتذة الإيمان.

قال: عندما تراهم وتسمع كلامهم ستعرف حقيقة ذلك.

قلت: وهل سمعتهم أنت؟

قال: أجل.. ولولاهم لكنت الآن في هاوية الإلحاد التي أوقعتني فيها غفلتي.

قلت: لا أزال لا أفهم ما تقصد؟

قال: لقد كان هؤلاء النزلاء هم سبب غوايتي.. وأبى الله إلا أن يجعلهم سبب هدايتي.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد كنت في فترة إلحادي وغفلتي معجبا بهم، فانيا فيهم، فكنت أتلقى كل ما يقولونه بتسليم مطلق، لا أناقش لهم رأيا، ولا أطلب منهم دليلا.. فقد كانت أقوالهم وحدها كافية لإقناعي.. وكانت أسماؤهم وحدها كافية لتسليمي.

قلت: ولم كان الأمر كذلك؟

قال: لقد ابتليت بأساتذة وأصدقاء زينوهم في عيني.. وصوروهم لي كما يصور الأنبياء والقديسون للمؤمنين.. وقد جعلني ذلك أقع في شباكهم.. ولولا أن من الله علي بمعلم الإيمان الذي عرفني حقيقتهم لكنت الآن في حفرة من حفرهم، وسجن من سجونهم.

قلت: فكيف وظفوك مرشدا في هذا الفندق؟

قال: هم لم يوظفوني.. بل أنا الذي تطوعت لذلك.. حتى أصلح ما كنت أفسدت، وأرقع ما كنت مزقت.. فقد كنت داعية ضلالة.. وأبى الله إلا أن يجعلني داعية هداية.

قلت: وما ذلك على الله بعزيز.. فهلا دللتني على سر وجودي في هذا الفندق.

قال: لاشك أنك أحضرت قلمك وقراطيسك معك، كما طلب منك معلم الإيمان.

قلت: أجل.. هل تريدون توثيق عقود هذا الفندق؟

ابتسم، وقال: بل نريد تسجيل أحاديث نزلائه.

قلت: كيف ذلك.. وأنى لي بذلك؟

قال: في هذا الفندق أجنحة كثيرة.. يوجد في كل جناح منها مجموعة متجانسة من الملاحدة.. وهم يتحدثون ويناقشون أسرار الإلحاد وأسبابه ودوافعه.. وأنت مطالب بأن تسجل كل ما يقولونه بدقة من غير أن تتدخل في شيء.

قلت: وما الحاجة لكل هذا التعب.. لقد ترك الملاحدة تراثا ضخما، يمكن الرجوع إليه، فهو أدق من كل ما سأكتبه.

قال: ذلك ما سجلوه.. أما أنت فستسجل ما لم يسجلوه.. هناك أشياء كثيرة صاحت بها فطرتهم وعقولهم.. لكنهم لم يجرؤوا على تسجيلها.. ولا النطق بها.. وفي هذا الفندق من الأسرار ما يجعلهم يذكرون الحقيقة كما هي من دون طلاء ولا دجل.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لا تسأل عن الكيف، فلن تفهمه.. فالله قادر على كل شيء.. ألم تقرأ قوله تعالى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ} [فصلت: 21، 22]

قلت: بلى.. لكن ذلك في الآخرة.

قال: ربك رب الدنيا والآخرة..

قلت: لكن الله ذكر جلودهم؟

قال: من أنطق جلودهم قادر على أن ينطق ألسنتهم.

قلت: فهل هناك جلادون يجبرونهم على النطق بالحقيقة التي كانوا لا يجرؤون على النطق بها.

قال: لا تقل هذا فـ { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]

قلت: أتقصد أنهم ينطقون بالحقائق من تلقاء ذواتهم، من دون أن يجبرهم على النطق أحد؟

قال: أجل.. فقد تبين لهم في هذا الفندق {الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]

قلت: فقد فازوا إذن؟

قال: لو قالوا ذلك في غير هذا الفندق لفازوا.. لكن الحال هنا مختلف.. حتى الشيطان نفسه لو جاء هنا لنطق بالحقيقة التي راح يكابر في الاعتراف بها.

قلت: أنا لا أزال كليلا دون فهم كل ما يحصل.. ما دام هؤلاء لم يفوزوا فلم كان جزاؤهم النزول في هذا الفندق الفخم.

قال: هو فخم بالنسبة لناظرك.. لأنك لم تنكر الحقائق، ولم تجادل فيها.. لكن النازلين في هذا الفندق من الملاحدة يتعذبون عذابا شديدا.. هم يتعذبون بقدر ما تتنعم أنت.

قلت: لم أفهم كيف يكون النعيم عذابا.

قال: ألم تقرأ قوله تعالى: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69]؟

قلت: بلى.. ولكن تلك النار.. وذلك إبراهيم.

قال: من قدر أن يحول النار بردا وسلاما قادر على أن يحول هذا الفندق نارا وجحيما.

قلت: أتقصد أن سكان هذا الفندق لا يعاينون النعيم؟

قال: بل يعاينونه كما نعاينه.. لكنهم يرونه جحيما، ولا يرونه نعيما.

قلت: لقد كل فهمي دون هذا.

قال: ألم تر في طريقك الأزهار كئيبة حزينة، لا تصدر أي رائحة؟

قلت: بلى.. وقد تعجب من ذلك.

قال: ذلك لتفهم أن النعيم منه، لا من الأزهار..

قلت: ما تعني؟

قال: الله تعالى هو الذي يرزقك السعادة عند رؤيتك للأزهار.. لا الأزهار هي التي ترزقك ذلك.. فهي ليست سوى مخلوق مثلك.

قلت: ألهذا إذن يعاين هؤلاء الملاحدة النعيم، ولا يذوقونه؟

قال: أجل.. أبى الله أن يذيق السعادة من جحده.. فالسعادة ثمرة التواصل مع الله.. وبقدر تواصلك معه تكون سعادتك به.

قلت: أجل.. أعرف هذا.. وقد مررت في رحلاتي السابقة بمن علمني علوم هذا.

قال: فهلم بنا لنزور أجنحة الملاحدة.

قلت: لقد ذكرت لي أن الأجنحة كثيرة.. فهل سنزورها جميعا؟

قال: لا.. سنكتفي بسبعة منها..


([1])  هذه إشارة كان يستعملها كثير من الصالحين للدلالة على العبودية، وقد جعلناها رمزا لمعلم السلام، ولمن تحقق بمعاني السلام الشامل.

([2])  هذه النصوص الإلحادية نقتبسها عادة من المنتديات والمواقع الإلحادية، وهي كثيرة، لا نحتاج إلى بيان المصدر كل مرة، ويمكن لمن يرغب في التوثيق أن يسجل النص، ويرى مصادره في محركات البحث.

([3])  هذه النصوص الساخرة منقولة من مواقع مختلفة من صفحات الملاحدة واللادينيين العرب، وهي تعبر عن مظهر من مظاهر الإلحاد الجديد.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *