الإلحاد.. ومعضلة الشر

الإلحاد.. ومعضلة الشر

يمكن اعتبار [معضلة الشر] أو [مشكلة الشر] من أكثر الشبهات الإلحادية تداولا منذ القديم، وإلى عصرنا الحاضر، فهي موجودة في كل كتب الإلحاد، سواء كانت ذات طابع علمي أو فلسفي أو أدبي.. وحتى في المحافل الإلحادية نجدهم يعبرون عنها بصيغ مختلفة.

وهم يتصورون أنها البرهان الأكبر، والدليل الأعظم على نفي وجود الله.. فقد اعتبرها الشاعر الألماني الملحد (جورج بوخنر) بأنها [صخرة الإلحاد]

وقال [رونالد ناش] معبرا عن أهمية المعضلة في الفكر الإلحادي: (الاعتراضات على الإيمان بالله تظهر وتختفي.. لكن كل الفلاسفة الذين أعرفهم، يؤمنون أن أهم تحد جاد للإيمان بالله، كان في الماضي، وكائن في الحاضر، وسيبقى في المستقبل، هو مشكلة الشر)([1]

وذكر [مايكل روس]، أشهر فلاسفة العلوم المنافحين بشراسة عن الداروينية، في بعض مناظراته أنه (لا يرفض الإيمان بوجود الله إلا لسبب واحد، وهو مشكلة الشر)([2]

أما كاهن الإلحاد الجديد الأكبر (ريتشارد دوكنز)، فقد اعتبر هذه المشكلة من أدلته الكبرى على الإلحاد، فقال في كتابه [وهم الإله]: (لا بد من المسير إلى قول بسيط وسهل وهو الإقرار بوجود الشر، ورد وجود الله)

وهكذا نرى الفيلسوف الأمريكي (مايكل تولي) في مناظرته مع (ويليام لين كريغ) (2010م)، اكتفى ـ تقريبا ـ باستعراض مشكلة الشر لإنكار وجود الخالق، مصرحا أن الحجة المركزية للإلحاد هي حجة الشر، وهو ما فعله أيضا الفيلسوف البريطاني الملحد (ستيفن لاو)، في مناظرته مع كريغ (2011م)

ومثله الفيلسوف (مايكل مارتن)، فقد قسم في كتابه [الإلحاد: تبرير فلسفي] الذي نشره عام (1990م)، وهو من أقوى المؤلفات في هذا الباب،الطروحات الإلحادية إلى قسم، قسم خصصه للردّ على ما يستدلّ به المؤلّهة، وقسم كامل خصصه لحجيّة وجود الشرّ، والإستدلال به على نفي وجود الخالق.

ومع الاهتمام بهذه المعضلة في الفكر الإلحادي في جميع فترات التاريخ إلا أنها لاقت استحسانا كبيرا منذ عصر النهضة الأوروبية إلى اليوم لأسباب كثيرة أهمها الاهتمام الزائد بالحياة ومرافقها والانشغال بها عن البحث عن الحقائق الكوينة..

أو ما عبر عنه بعضهم عند وصفه لعصر التنوير بكونه العصر الذي انتقل فيه الإنسان من السؤال [لماذا نعيش؟] إلى سؤال [كيف نعيش؟]، واحتلّت فيه [وسائل الحياة] مكان [أغراض الحياة]، لتصبح الأرض هي منتهى بصر الإنسان، ونهاية طموحاته.

وقد عبر عن هذه الخاصية في الفكر الإنساني الحديث، والغربي خصوصا [س. إس. لويس] بقوله: (المشكلة الجوهريّة للحياة الإنسانية عند الحكماء في القدم هي التوفيق بين الروح والحقيقة الموضوعية، وكان الحلّ متمثّلًا في الحكمة، وترويض النفس، والفضيلة، أمّا العقل الحديث فيرى أنّ المشكلة الجوهرية هي إخضاع الحقيقة لرغائب الإنسان)([3]

وعبر عنها عالم الأعصاب والمحلّل النفسي النمساوي [فكتور فرنكل] بقوله: (للكثير من الناس اليوم وسائل للحياة، غير أنهم يفتقدون معنى يعيشون لأجله)([4]

وذكر أن الإنسان الأمريكي المترف، والذي لا يمثّل من مجموع سكان الأرض غير 5 بالمائة يستهلك 50 بالمائة مما يستهلكه البشر جميعًا من الأدويّة، لكنّه لم يفلح مع ذلك في التعامل مع الألم الذي صار مصدر ذعر وهدم لحياته، وأدّى به إلى إدمان الخمر والمخدرات للهروب من واقع الألم الموجود أو المحتمل.

وعبر عنه الدكتور [بول براند] ـ وهو جراح تقويم الأعضاء لمرضى الجذام، والذي أمضى نصف تاريخه العلمي الأول، في الهند، ونصفه الثاني في الولايات المتحدة الأمريكية ـ بقوله: (لقد واجهت في الولايات المتحدة مجتمعًا يبحث بكلّ ثمن عن تفادي الألم.. لقد كان المرضى يعيشون في درجة رفاه أعلى من كل من سبق لي معالجتهم، لكنّهم كانوا أدنى استعدادًا بمراحل لتحمّل الألم، وأبلغ تأثرًا به)([5]

ومن التقريرات التي صيغت بها معضلة الشر قول أحدهم: (هل يريد الله أن يمنع الشر، لكنه لا يقدر؟ حينئذ هو ليس كلّي القدرة!.. هل يقدر لكنه لا يريد؟ حينئذ هو شرير!.. هل يقدر ويريد؟.. فمن أين يأتي الشر إذن؟.. هل هو لا يقدر ولا يريد؟ فلماذا نطلق عليه الله إذن؟)

ومنها قول بعضهم: (كيف يسكت الله عن كل هذه الانتهاكات في حق الأطفال كل يوم؟ كيف يرضى الله عن كل هذا الشر، وكل هذا الدم؟ لماذا يخلق أطفالًا مُشوّهين إذا كان قادرًا على خلقهم في صورة سويّة؟.. هل الإله عاجز، فهو لا يستطيع أن يوقف كل هذا السوء والشر في العالم؟.. أم أنه شرير، فهو يتغنّى بصراخ الأطفال، ويتلذذ بإهراق الدماء، ويستمتع بقتل العزل والأبرياء؟)

ومنها ما عبر عنه استبيان جرى في أمريكا، وكان السؤال فيه: (لو أتيح لك أن تسأل الله سؤالًا واحدًا تعلم أنّه سيجيبك عنه، ماذا سيكون هذا السؤال؟)، وكانت الإجابة الأكبر نسبة هي: (لماذا هناك ألم ومعاناة في هذا العالم؟)([6]

انطلاقا من هذا سنذكر هنا وجوها للإجابة يمكن استعمالها جميعا، أو استعمال بعضها فقط، بحسب الحاجة إلى ذلك، لأن بعضها يدخل ضمن الإلزام الجدلي، ولا يدل في البراهين الحقيقية..

ولمن يريد التفصيل في علاج هذه المشكلة والتخصص فيها يمكنه أن يبحث فيها من خلال كتب الفلسفة وعلم الكلام وعلم الأخلاق وغيرها([7])، حيث نجد فيها جميعا مباحث تتعلق بأصل الشر، وكيف ينشأ؟ ومن المسؤول عنه؟.. وفي طبيعة الشر، وحقيقة وجوده؟.. وكيف يوجد؟.. وفي مشكلة الشر.. وكيف يشكّل الشر مشكلة لاهوتية متعلّقة بوجود الله وصفاته؟.. وبسبب الشر، ولماذا يسمح الله بوجوده.. وهل هناك سبب أخلاقي ومعقول لذلك؟؟ وبنهاية الشر.. وكيف سينهي الله الشر، أو كيف سيستخرج في ختام الأمر من الشر خيرًا؟

ونحب أن ننبه إلى أننا اعتمدنا في هذه الإجابات التي نذكرها، بل في هذا الموضوع جميعا على كتاب متخصص جامع للمسألة من كل أبوابها، وهو دراسة علمية جادة ومحترمة بعنوان [مشكلة الشر ووجود الله: الرد على أبرز شبهات الملاحدة]([8])، فقد استفدنا من المعلومات والتحليلات والاقتباسات الوادرة فيه، لكنا أعدنا صياغته، وبسطنا الكثير من القضايا المطروحة فيه، بالإضافة إلى حذفنا لكل ما فيه من أمور طائفية تتعلق بانتصاره لجهة من جهات المسلمين على غيرها، فمناظرة الملاحدة تستدعي من المسلم الخطاب الوحدوي، لا الخطاب الطائفي.

بالإضافة إلى ذلك اعتمدنا على ما ذكرناه بصفة خاصة في كتابنا [أسرار الأقدار]، وهو الكتاب الذي خصصناه للإجابة على كل التساؤلات المرتبطة بالقدر، وقد وضعنا في الباب الأخير منه، وهو [الرحمة] كل الشبهات المرتبطة بذلك، وأجبنا عليها بتفصيل، بالإضافة إلى ما ذكرناه في سائر أقسام الكتاب من شبهات.

بالإضافة إلى ذلك جميعا أشرنا إلى بعض ما ذكرناه في كتابنا [ابتسامة الأنين] من رحمات أودعها الله في طيات البلاء.. وهي كثيرة جدا، اكتفينا هنا بالإشارة لبعضها فقط.

وعلى العموم، فكل رسائل السلام كان غرضها الإجابة عن التفاصيل الكثيرة المرتبطة بهذه المعضلة.. فـ [كنوز الفقراء] يجيب عن الآلام المودعة في طيات الفقر، و[مفاتيح المدائن] يجيب عن الآلام المودعة في طيات التخلف، و[سوق الخطايا] يجيب عن الآلام التي يتسبب فيها الإنسان لنفسه عندما يترك مواضع البركات، وينزل إلى مهاوي المحق ودركاتها.. وهكذا فإن كل السلسلة تحاول أن تجيب عن التفاصيل الكثيرة المرتبطة بهذه المعضلة.

أولا ـ الأجوبة الإلزامية الجدلية:

وهي أجوبة كثيرة جدا، منها ما يمكن اعتباره والاستفادة منه عند مناظرة الملاحدة، ومنها ما لا يمكن اعتباره، ولا الاستفادة منه، ولها علاقة بالثنائية المشكلة للمعضلة، وهي [الله]، و[الشر] والمفاهيم المرتبطة بها.

1 ـ الجواب المرتبط بالله وصفاته:

وهو أن هناك فرقا بين وجود الله وبين نوع صفاته.. فما دام العقل قد أثبت وجود الله بالأدلة الكثيرة، فإنه لا يصح له أن يفرض عليه الصفات التي يريد، فوجود الشرّ لا يستلزم نفي وجود الله، وإنما قد يستلزم نفي بعض صفاته، وحينها تتحول المناظرة من البحث في وجود الله إلى البحث عن مدى اتصافه بالعلم والقدرة والرحمة مثلا، وفرق كبير بين الأمرين.

وهذا الجواب يدخل ضمن الإلزام الجدلي، ولا يعبر عن حقيقة الحال، فهناك فرق بين كون الله موجودا، وبين إلزامه بفعل الخير المجرد.. فنحن نرى الملوك الظلمة، والطغاة المستبدين.. فهل ينفي طغيانهم حقيقة وجودهم؟

ويمكن صياغة هذا الجواب كما يلي:

المقدمة الأولى: الدلائل الفطرية والعقلية والعلمية تدل على أنّ لهذا العالم خالقًا.

المقدمة الثانية: لا يوجد برهان منطقي يلزم عقولنا على الاعتقاد أنّ صفة العدل ضرورية في هذا الخالق الذي دلّ الكون والعقل على أنه واجب الوجود.

النتيجة: وجود الشرّ لا تعلّق له بمسألة وجود الخالق، وإنما له تعلّق بصفاته.

وانطلاقا من هذه النتيجة يلزم الملحد بالبحث عن تفسير لوجود الشر في العالم مع الإقرار بوجود إله.. وذلك ما يلزمه بالبحث عن الدين الأمثل الذي أعطى التفسير الصحيح لهذه المعضلة.. وطبعا إن كان صادقا، فسيجد الحقيقة في الإسلام وحده، ذلك أنه مع إقراره بوجود الشر في العالم إلا أنه بين مبرراته بكل دقة وعلمية وموضوعية كما سنرى في الأجوبة التالية.

وقد أقر الملاحدة أنفسهم بضحالة الاستدلال بمعضلة الشر على نفي الإله، حيث أن الفيلسوف الملحد [ج. ماكي]، والذي يُعدّ من أشرس الملاحدة استدلالًا بمشكلة الشرّ، وانتصارًا للإلحاد، يذكر أنّ مشكلة وجود الشر هي (مشكلة فقط لمن يؤمن أنّ هناك إلهًا قديرًا كامل الخيريّة، وهي مشكلة منطقية تتمثّل في توضيح عدد من الاعتقادات والتوفيق بينها.. إذا كنت مستعدًا للقول إنّ الله غير كامل الخيرية، وليس تام القدرة.. فعندها لن تواجهك مشكلة الشر)([9]

ومثله ذكر الفيلسوف [دانيال هاورد سنايدر] الذي عبر عن عجز الملاحدة عن الاستدلال بمعضلة الشر على نفي وجود الله، فقال: (إنّ مشكلة الشر هي مشكلةٌ للملحد، أو لمن وجد مقدّمات المشكلة واستنتاجاتها مقنعة، وكانت أسباب قناعته بوجود الله هشّة. أمّا إذا كان للمؤمن بالربّ حجّة صلبة، فإنّ وجود الشر ليس مشكلة)([10]

وبهذا الإلزام الجدلي رد (أنتوني فلو) بعد تراجعه عن إلحاده على هذه المعضلة بقوله: (من المؤكد أنّه لا بدّ من مواجهة وجود الشر والألم، ولكن، فلسفيًا، يُعتبر هذا الموضوع منفصلًا عن السؤال عن وجود الله، فمن وجود الطبيعة نفسها نحن نصل إلى أصل إيجادها.. ربما للطبيعة عيوب، ولكن ذلك لا يدلّ البتّة إن كان لها مصدر نهائي أم لا.. وبالتالي فوجود الله لا يرتبط بوجود الشر السائغ أو غير السائغ)([11]

بل إن [ريتشارد دوكنز] نفسه أقر في في كتابه [وهم الإله] بإمكانية الإجابة على هذه المعضلة بمثل هذا الجواب، حيث قال ساخرا: (في الحقيقة، أصحاب الميول الدينية لديهم أيضًا عدم تمييز مزمن بين الحقيقة والأمر الذي يرغبون أن يكون هو الحقيقة، بالنسبة للمؤمن بنوع من الذكاء الكوني الخارق، من السهل جدًا التغلّب على مشكلة الشر. يكفي أن تفترض وجود إله قذر، مثل ذاك المتفشّي في كلّ صفحة من صفحات العهد القديم، أو إذا لم يعجبك ذلك، اخترع إلهًا شريرًا مستقلًا بذاته، وسمّهِ الشيطان، وانسب الشر الذي في العالم إلى صراعه الكوني مع الإله الخيّر، وإن شئت هناك حلّ أكثر تطوّرًا؛ افترض وجود إله له اهتمامات أعظم من أن يأبه لكروب الإنسان، أو إلهًا ليس سلبيًا أمام الآلام التي تصيب البشر، لكنّه يراها ثمنًا لا بدّ أن يدفع مقابل نعمة حريّة الإرادة البشريّة في كون منظّم وخاضع للنواميس. كثير من اللاهوتيين يعمدون إلى تبنّي مثل هذه التعقلنات)([12]

وما ذكره دوكينز ساخرا تعبير حقيقي عن أن الملاحدة أنفسهم يجدون مشكلة في هذه المعضلة، وعدم قدرتها على حل المشكلة من أساسها، ذلك أن وجود الشر لا ينفي وجود الله، وإنما يدعو إلى البحث عن سببه.. ولماذا جمع الصانع العظيم الذي أبدع كل هذا الكون في كونه بين الخير والشر، واللذة والألم.. وهذا التساؤل يدعو إلى التأمل العقلي، والبحث في الأديان، لا التسرع بنفي الإله.

وبناء على هذا الجواب الإلزامي، نشأت الكثير من الرؤى والمدارس الفلسفية التي حاولت أن تفسرها وفق رؤية كونية شاملة.. فالمدارس الشرقية أو الغربية التي تبنت [وحدة الوجود] بمفهومها الفلسفي، راحت تفسر الشر بما يتناسب مع هذه الرؤية، باعتبار الوجود واحدا، فلا صانع ولا مصنوع، وبذلك تنتفي المشكلة عندهم أصلا.. أما المدارس أو الأديان الثنوية، فراحت تثبت وجود الشر، وتنسبه إلى إله غير إله الخير.. وهكذا راحت كل مدرسة تحل المشكلة بطريقتها الخاصة.

وبناء على ذلك ذلك أيضا ظهرت بعض المدارس التي تتبنى تصورا عن الله ينفي كمال علمه وقدرته، وتصور أن ما يحصل من شرور في الكون مفروض عليه، ولا طاقة له به، ولذلك تسلل الشر إلى عالمنا، ولا يملك الله له دفعًا.

وقد عبّر [فيليب يانسي] عن هذا بقوله: (إنّ الثيوديسيين القدماء كـ(أوغسطين) و(الأكويني) و(كالفن) تقبلوا وجود الشر لكنهم حاولوا تبريره، في حين تذهب كتابات المعاصرين إلى قبول إشكالية الشر، ولكن مع مراجعة الفهم التقليدي الألوهي لصورة الخالق؛ فالأوائل رأوا الإشكال في فهم مغزى الشر، وبعض الأواخر رأوا الإشكال في فهم حقيقة الله)([13]

وبهذا الجواب أجاب الحبر اليهودي [هارولد س. كوشنر] في كتابه الذي حقّق عددًا كبيرًا من المبيعات [عندما تحدث الأمور السيئة لأناس طيبين]، والذي نشره عام (1981م) وقرر فيه (أنّه وإن كان الله كامل الخيريّة إلا أنّه ليس كاملًا في قدرته)

وبهذا الجواب أيضا أجابت مدرسة [Process theism]، والتي ترى محدودية السلطان الإلهي في الكون، وهي تصوره شبيها بصانع الساعات الذي يلفّ زرّها الجانبي، ثم يترك الساعة تعمل وحدها.. أو هو أشبه ما يكون بإله (أرسطو)، غير أنّ إله (أرسطو) ينصرف عن العالم لأنه أدنى من أن يكون محلّ اهتمامه، في حين أنّ إله هذه الطائفة من اللاهوتيين يمعنه عجزه عن أن يفعل فعله الكامل في العالم.

ومما ساعد على ظهور هذه النزعة، أو هذا النوع من الأجوبة، ما نجده في الكتاب المقدس من نسبة الكثير من صفات النقص والعجز لله تعالى، مثلما ورد في [سِفر التكوين 6/6]: (فَحَزِن الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإنسان فِي الأرض، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ) تعليقا على ما ورد بعد ذكر انتشار الشّر والفساد بين الناس في حقبة من التاريخ السحيق.

ومن هذا الباب أيضا ما وقع فيه بعض المسلمين أيضا حين فسروا العدل الإلهي تفسيرا يجوز له الظلم باعتباره يفعل ما يشاء، وكل ما يفعله داخل في سلطانه، ولذلك لا يصح أن يطلق عليه ظلما، ذلك أنهم عرفوا الظلم بكونه (ليس بممكن الوجود.. لأنه إمّا التصرّف في ملك الغير أو مخالفة الآمر، وكلاهما ممتنع في حق الله؛ إذ هو المالك لكلّ شيء، وليس فوقه آمر)

وهذا غير صحيح، فالنصوص القرآنية الكثيرة تنص على امتناع الظلم عن الله بمفهومه الحقيقي، وليس بذلك المفهوم الذي ذكره المتكلمون، كما قال تعالى:{ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (آل عمران:182)، وقال:{ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ} (غافر: 31)، وقال:{ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (فصلت:46)، وقال:{ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (يونس:44)، وقال:{ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} (النساء:40)، وقال:{ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً} (طـه:112)، والهضم أن ينقص من جزاء حسناته والظلم أن يعاقب بذنوب غيره.

ومثل هذا كثير في القرآن، وهو مما يدل على أن الله قادر على الظلم ولكن لا يفعله فضلا منه وجودا وكرما وإحسانا إلى عباده، كما ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربه تعالى:(يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي)([14]) أي أنه تعالى منع نفسه من ظلم عباده.

2 ـ الجواب المرتبط بحقيقة الشر:

وهي أجوبة كثيرة نجدها في المؤلفات التي اهتمت بحل هذه المعضلة، ولا يمكن اعتبارها جميعا أجوبة حقيقية، لأن فيها ما هو حقيقي، ومعتبر، وفيها ما يمكن اعتباره من باب الإلزامات الجدلية، وليس من باب الحقائق البرهانية القطعية، ومن تلك الأجوبة:

1. مواجهة العقل الملحد بطبيعته وحقيقته، وهو أنه عقل عبثي لا يعرف غاية للوجود، ولذلك فإنه من المستغرب أن يطرح مثل هذا السؤال، بل إنه من المستغرب عليه أن يشعر بقيم الخير والشر، والمعاني المجردة المرتبطة بها.

إضافة إلى ذلك، فإن هذا العقل يؤمن بالكثير من الفلسفات المادية التي تبرر التفوّق العرقي، والبقاء للأقوى، وهو بذلك يعتبر مثل هذه السلوكات شريرة سلوكات طبيعية، لا يصح له اعتبارها شرا مطلقا..

2 ـ محاولة التنصل من الشر نفسه باعتباره غير موجود، وأن ما نراه منه هو مجرّد وهم، أو تصوّر ذهني لشيء غير موجود، أو ـ كما عبر برتراند راسل ـ عن ذلك بقوله: (الشر هو العالم السفلي للأوهام التي يجب أن نحرّر حواسنا منها)، وقد تبنى هذه الرؤية أتباع الديانة الهندوسية، باعتبارهم أن الشر مجرّد (مايا) أي وهم.. وهو قول بعض متصوفة الأديان المختلفة، بما فيهم الإسلام نفسه([15]).

ولا يمكن الاعتماد على هذا الجواب باعتباره منتقضا بالبداهة العقليّة والحسيّة، بالإضافة إلى أنه لا يحل المشكلة، فوهم الشرّ نفسه شرٌّ.. وهو يستدعي البحث عن حل وجواب.

وفي مقابل هذا الجواب نجد جوابا آخر يعتبر الوجود كله شر، وأن الخير ليس إلا وهم.. وهو يعتبر أن سبب الشر هو رغبتنا في الوجود، ولذلك نحتاج لمواجهة الشر إلا الفناء في [النرفانا].. وهي ـ مثل سابقتها ـ دعوى تصادم ما نعيشه في واقعنا العقلي والحسي من أنواع الفرح والخير والسعادة.

3 ـ محاولة التنصل من الإجابة التفصيليه عن الشر، باعتباره سرا محضا.. وقد أجاب بهذا بعض فلاسفة الصوفية خصوصا عند اعتبارهم أن ما يبدو شرًّا في الكون ليس سوى أسرار غامضة، سدت عن وعينا المنافذ لفهمها، ولذلك لا يجوز لنا أن نتجرأ على وصفها شرا([16]).. ذلك أن العلم بحقيقتها متعذرٌ لجهلنا المطبق بأغراض الخلق الإلهي، ولذلك فإنّه علينا أن نسلّم أننا أعجز من أن نصم شيئًا ما في وجودنا بأنّه شرٌّ لأننا على عماية تامة بالحكمة الإلهية الخارقة.

وهذا الجواب مع ما يحمله من كثير من المصداقية ـ كما سنرى ـ إلا أنه لا يمكن اعتباره مطلقا، ذلك أن القرآن الكريم، وهو المعبر عن حقائق الوجود، أخبرنا أنّ الشرّ حقيقة كونية لا يمكن إنكارها، كما قال تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا} [الإسراء: 83]، وقال: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: 51]

ومثله حكى عن أيوب عليه السلام قوله: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 83، 84]

بل أخبر القرآن الكريم أن الله تعالى يبتلي عباده بالآلام، فقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)} [البقرة: 155، 156]

ومع ذلك فإن هذا الجواب ـ كما سنرى ـ فيه الكثير من المصداقية، فالعقل البشري يعجز عن معرفة تفاصيل الحكم المخبأة وراء ما يراه من مظاهر، وليس في هذا دعوة للكسل عن البحث، وإنما هو دعوة للتواضع، والكف عن الغرور..

ثانيا ـ الأجوبة العلمية الحقيقية:

وهي الأجوبة المنطلقة من الجمع بين ما تنص عليه المصادر المقدسة الإسلامية خصوصا، وما لم يحرف في كتب الديانات الأخرى، وبين ما ينص عليه العقل السليم والفطرة الطاهرة النقية وما دل عليه العلم وخصوصا الحديث منه بعد ذلك.

وهي تبدأ بالتعريف بالله ـ بحسب ما يدل عليه العقل والنقل ـ وبيان تنزهه عن أنواع النقص والقصور والظلم والجور وغيرها، وبيان كونه يتصف بكل صفات الجمال والجلال والكمال، لينبني عن كل ذلك تشكل معرفة في النفس تفيد أن خالقا بهذا الكمال يستحيل أن يبدو منه أي شيء يتناقض مع قدوسيته وكماله..

 وهو ما يدعونا بعد ذلك إلى البحث في ضوء هذه المعرفة المقدسة عن حقيقة ما نتوهمه شرا، وعن حقيقة الحياة التي ارتبط بها ذلك الشر، وهل هو غاية مقصودة لذاتها، أم هو حالة عارضة..

وكون الشر مقصودا لذاته، أو مخلوقا بالأصالة، مستحيل بحسب صفات الخالق العظيمة.. وكونه حالة عارضة يدعونا إلى البحث عن أسرارها بحسب ما تنص عليه المصادر المقدسة،وبحسب ما يدل عليه العقل الذي يثبت وجود الله، ويبقى الإشكال في وجود الشر، وقد ذكرنا في مقدمة هذا الفصل أن الملاحدة أنفسهم يقرون بأنه لا تعارض بين وجود الله وبين معضلة الشر، وإنما التعارض في وصفه بالرحمة أو القدرة أو العلم مع وجود الشر.

1 ـ الجواب المرتبط بصفات الله:

تضعنا معضلة الشر بين أمرين تتوهم أننا إن قبلنا أحدهما، نفينا الآخر، فهي تخيرنا بأن نقبل إلها قاسيا ظالما لا يبالي بعباده، وبما يصيبهم من آلام، وبين أن نعتبره رحيما، ولكنه في نفس الوقت إما جاهل لا يعرف المعاناة التي يعانونها، أو عاجز عن حل ما ينزل بهم..

ولا تضع في حسابها أن هناك احتمالات أخرى، تتناسب مع كون الإله رحيما، وفي نفس الوقت عالما وقديرا.. وهذه الاحتمالات تنطلق من وصف الله بالحكمة، وهي أن توضع الأمور في مواضعها المناسبة لها، بحسب ما تقتضه أسماء الله الحسنى.

ولذلك فإن المعرفة التي تزيل هذه الشبهة من جذورها هي المعرفة التي تتبنى رؤيتين: الرؤية التنزيهية: واعتبار الله منزها عن كل ما لا يليق به من صفات لا تتناسب مع عظمته ولطفه وعلمه وقدرته ورحمته.. والرؤية التعظيمية والتي تثبت لله كل صفات الحمد والجمال والإحسان والرحمة والفضل.

وحتى نقرب هذا للقارئ نذكر أنه إذا عرفنا أن طبييا ما منزه عن الجهل والحقد والظلم، وفي نفس الوقت ممتلئ بكل صفات الرحمة والحكمة واللطف، نصحنا باستعمال دواء مر، أو حمية قاسية، فإن هذا لا يجعلنا ننظر إلى ذلك الطبيب بحقد أو قسوة، وإنما ننظر إليه بتقدير واحترام، لأنه لم ينطلق من تلك النصيحة إلا من خلال رحمته ولطفه.

وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا المثال حين رأى امرأة قد فرق بينها وبين ولدها، فجعلت كلما وجدت صبياً أخذته فألصقته بصدرها وهي تبحث على ولدها، فلما وجدته ضمته إليه وألقمته ثديها، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:(أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه؟)، قالوا:(لا يا رسول اللّه)، قال:(فواللّهِ، للُّه أرحمُ بعباده من هذه بولدها)([17])

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرنا بأن هذه الرحمة التي وقفتها هذه الأم ليست سوى تجل من تجليات رحمة الله، فقال:(جعل اللّه الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) ([18])

ولذلك كان أكثر أسماء الله الحسنى يصب في بحر الرحمة، فتوبة الله على عباده، وتجاوزه عنهم من رحمته بهم، وقد أخبر القرآن الكريم أن {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طـه:5)، وفي ذلك إشارة إلى أن مملكة هذا الكون الواسعة مبنية على أساس الرحمة الإلهية ومنتهية إليها.

فالله تعالى في تلك الآية الكريمة لم يختر من أسمائه إلا هذا الاسم الجليل الذي يجمع بين الدلالة على منتهى الرحمة وكمالها والعلمية على الذات ليدل على هذا المعنى، فإنه إذا قيل:(حكم الملك الشجاع) دل ذلك على ان أكبر منجزات هذا الملك مؤسسة على شجاعته، وإن قيل:(حكم الملك العادل) دل ذلك على أن أبرز ما يظهر في مملكته هو عدله، وهكذا.

وهذا ما نفهمه من الآية الكريمة، فهي لم تقرر معنى الاستواء بقدر ما قررت معنى الرحمة التي على أساسها يحكم الكون، ولكن التحريف اهتم بالاستواء وأوغل فيه مع دقة مسلكه، وكاد يعرض عن معنى الرحمة التي هي المقصود الأول من البيان في هذه الآية، أو كما قال تعالى:{ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} (الفرقان:59)

ولهذا يربط القرآن الكريم بين ملك الله الذي يعني تدبير الله للأشياء وبين رحمته تعالى، كما قال تعالى:{ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً} (الفرقان:26)

ولذلك ورد في القرآن الكريم الإخبار عن سعة الرحمة الإلهية وشمولها باعتبار الكون مؤسسا عليها إنشاء وتدبيرا، قال تعالى:{ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } (الأعراف: 156)، وقال تعالى:{ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (الأنعام:147)، فالآيتان الكريمتان صريحتان في سعة الرحمة الإلهية وشمولها لكل شيء، ولم يرد في القرآن الكريم اقتران السعة بشيء من صفات الله إلا في صفتي الرحمة والعلم.

وقد جمع الله تعالى بينهما، مع اقترانهما بالسعة في قوله تعالى:{ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} (غافر:7)

لكن هذا الجواب قد يعارض بما نراه في الواقع فكيف يمكن وصف الله تعالى بالرحمة التي لا حدود لها في نفس الوقت الذي نرى فيه أنواع الآلام والمصائب؟

والجواب على ذلك من وجوه نفصلها في العناوين التالية:

أ ـ خصوصيات الرحمة الإلهية:

فالرحمة الإلهية تختلف في حقيقتها عن رحمتنا البسيطة، ذلك أن أحدنا إذا رحم غيره رق قلبه، وانهمرت دموعه، وشعر بمشاعر هي أدل على الضعف منها على الكمال.. والله تعالى الكبير المتعال الذي ليس كمثله شيء يتعالى عن النقص، فهو السلام الذي سلم من كل الآفات، بل من كل ما نتوهمه كمالا، بل نحن ـ لضعفنا وقصورنا ـ لا نعرف من حقائق الأسماء إلا بعض مظاهرها، أما حقائقها فلا حدود لها.

ولذلك تتفق رحمته تعالى مع ما نفهمه من الرحمة في بعض الأمور، وتختلف في بعضها.. فالرحمة في منطقنا تستدعي مرحوما، وتشترط في المرحوم أن يكون محتاجا، وتشترط في الراحم أن يفيض عنايته على المرحوم بما يسد حاجاته، قاصدا بذلك العناية بالمرحوم، فإن قصر ـ مع القدرة ـ لم تعتبره رحيما، فإن عجز اكتفت منه بما يظهر عليه من أمارات الرقة وعلاماتها، فتكون رحمة قاصرة لا يصيب المرحوم منها إلا امتنانه لمن رحمه.

وتتفق الرحمة الإلهية مع هذه المعاني جميعا إلا في المعنى الأخير، والذي لا يعتبر شرطا في الرحمة، بل هو دليل العجز والنقص، وعدم احتواء الرحمة الإلهية على هذا المعنى مظهر من مظاهر كمالها، لأن الرحيم الذي يفيض عنايته بسبب ما اعتراه من الرقة، هو في حقيقته يعالج رقته، ويعتني بالضعف الذي أصابه لا بالمرحوم، ولذلك تجده يضطر المرحوم للتوسل إليه بفاقته وعجزه ليرحمه.

يقول الغزالي:(الرحمة لا تخلو عن رقة مؤلمة تعتري الرحيم فتحركه إلى قضاء حاجة المرحوم والرب سبحانه وتعالى منزة عنها، فلعلك تظن أن ذلك نقصان في معنى الرحمة، فاعلم أن ذلك كمال وليس بنقصان في معنى الرحمة، أما أنه ليس بنقصان فمن حيث أن كمال الرحمة بكمال ثمرتها ومهما قضيت حاجة المحتاج بكمالها لم يكن للمرحوم حظ في تألم الراحم وتفجعه، وإنما تألم الراحم لضعف نفسه ونقصانها ولا يزيد ضعفها في غرض المحتاج شيئا بعد أن قضيت كمال حاجته، وأما أنه كمال في معنى الرحمة فهو أن الرحيم عن رقة وتألم يكاد يقصد بفعله دفع ألم الرقة عن نفسه فيكون قد نظر لنفسه وسعى في غرض نفسه، وذلك ينقص عن كمال معنى الرحمة بل كمال الرحمة أن يكون نظره إلى المرحوم لأجل المرحوم لا لأجل الاستراحة من ألم الرقة) ([19])

وحتى نبسط هذا المعنى نعود إلى مثال الطبيب الجراح، فلا شك أننا قد نبدو أكثر رحمة ورقة في التألم لحال المريض، لكن الطبيب الناصح أكثر رحمة منا حين يحرمه من بعض ما يشتهيه، لأن نظره بعيد، وغايته أسمى، أما غايتنا فهي محدودة بالتخلص من ذلك الألم الذي يعترينا وهو مصلحة لنا لا للمريض.

ب ـ تعارض الرحمة مع العدل والحكمة:

فالرحمة قد تتعارض مع مقتضيات أسماء حسنى أخرى كالعدل مثلا، وحينها تقتضي الحكمة الإلهية تقديم العدل على الرحمة، كما في قوله تعالى:{ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الحجر:49)، وقال بعدها:{ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} (الحجر:50)، ومثل ذلك قوله تعالى:{ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (المائدة:98)

فالله تعالى هو الرحيم الذي خلق كل شيء، وجعل لكل شيء من الحكم ما يصب في بحر الرحمة التي هي منفعة محضة، ولكن هذه الرحمة قد يعترضها ما يحيلها إلى ألم، ولا يكون ذلك الاعتراض إلا من نفس الإنسان.

وكمثال على ذلك هذه الأرض التي نعيش عليها، فإن الله تعالى جعلها رحمة صرفة، بكل ما فيها، لكن فعل الإنسان الذي استغل ما وهب من عقل، وما عرف من قوانين، جعله يمزج هذه الرحمة بأنواع الكدر والتلوث والآلام، بحيث قد تتحول بفعله إلى آلام محضة.

ولذلك قال تعالى:{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم:41)، فقد نسب الله تعالى الفساد إلى كسب الناس.

وأخبر عن الكفرة أنهم:{ أَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ } (الفجر:12)، وأخبر عن المجرم الذي { إِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (البقرة:205)

ولهذا أخبر تعالى أن كل ما يحصل في الأرض من مشاق هو نتيجة حتمية للذنوب، على حسب ما يقتضيه العدل الإلهي والحكمة الإلهية، التي رتبت المشقة على المعصية، كما رتبت الراحة على الطاعة، قال تعالى:{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرض وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } (لأعراف:96)

وقال تعالى عن أهل الكتاب:{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} (المائدة:65 ـ 66)، أي لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء، على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث اللّه به محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتماً لا محالة.

وهو ما أشار إليه سقوط آدم u من الجنة، حيث كان يجد كل شيء في غاية الجمال والمتعة واليسر، حيث خوطب من الحق تعالى:{ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)} (طه)

ولكنه مباشرة بعد شرب كأس اللذة، أصابه شؤمها فسقط عنه لباس الرخاء ليلبس لباس التعب والعناء، قال تعالى:{ فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} (طـه:121)

وأخبر تعالى عن جزائه للذين:{ أَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} (الفجر: 12) } بأنه:{ صَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} (الفجر: 13)

وهذه النصوص تشير إشارة صريحة إلى الفساد الذي حصل في البر والبحر والجو بفعل معاصي المدنية الحديثة، التي أرادت أن توفر الترف لثلة قليلة تمتص أموالها على حساب صحة الأرض وجمالها وصلاحيتها للحياة.

وكما كان كسب الإنسان هو السبب فيما حصل للأرض من مصائب، وما حصل لأهلها نتيجة لذلك من بلاء تخبرنا النصوص أن كل المعاصي صغرت أو كبرت هي الحائل بين الإنسان والرحمة الصرفة، أو هي المزيج المؤلم الذي يكدر الرحمة، ويظهرها بمظهر العقوبة والألم.

ولذلك قال تعالى مخبرا عن مقالة الملائكة المقربين من حملة العرش، ومن حوله:{ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (غافر:9)

ولهذا كان لكل مخالفة شرعية من الآلام ما يكدر صفو الرحمة النازلة مع ذلك الأمر التشريعي، قال تعالى مشيرا إلى هذا المعنى:{ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} (المائدة:49)

وسر ذلك هو أن التكاليف الشرعية هي نفسها رحمة، فلذلك كان مجرد مخالفتها ألما قد يشعر به الإنسان الحساس في حينه، وقد يغفل عنه إلى أن تتراكم الآلام، فيهتز ميزان الرحمة في نفسه.

فالمعصية بذلك تشبه وضع الإنسان نفسه في مواضع العطب، فإنه في حينها قد يغفل عن جراحه لحرارة ما هو فيه من معصية، فإذا ما انطفأت تلك الحرارة في نفسه عادت الآلام لتشعره بجروحه الكثيرة.

ولذلك فإن المصائب تتوالى بتوالي الكفر، وتنمو بنمو المعصية، قال تعالى:{ وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} (الرعد: 31)

ولهذا أخبر تعالى أن المؤمنين المستقرين في طاعة الله لا يرون إلا الرحمة الخالصة، والتي قد يتيه عنها بسبب الغفلة الغافلون، ولهذا قال تعالى آمرا المؤمنين بأن يخاطبوا المنافقين قائلين:{ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} (التوبة:52)،

ولكن رحمة الله مع ذلك قد تعفو عن بعض الذنوب، فتمحوها، أو تجعل من ذلك البلاء كفارة لها، قال تعالى:{ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (الشورى:30)، وقال تعالى:{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} (فاطر:45)

والقرآن الكريم يضرب لنا الأمثلة الكثيرة عن آثار المعاصي المتمكنة من النفوس، لينبهنا إلى أن الشر الذي كانت تنطوي عليه تلك النفوس هو السر الواقف وراء ما حاق بها من عذاب، فلهذا كانت تلك العقوبات ـ والتي هي في حقيقتها نوع من التطهير كما سنرى ـ متناسبة مع جرائمهم:

 فالله تعالى قال عن أهل سبأ:{ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} (سـبأ:16)

ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يحذر قومه مثل هذا المصير، قال تعالى:{ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} (فصلت:13)

ج ـ صفات الله أعظم من أن تنحصر في ثلاث:

كما رأينا عند عرضنا للشبهة التي تقوم عليها هذه المعضلة هو قيامها على (أنّ وجود الشّر يتعارض مع وجود الإله ذي الصفات الثلاث، القدرة والعلم والرحمة، ويحاول الملحد من خلال حصر الصفات الإلهية في هذه الثلاث أن يقيم دعواه في التعارض الذي يمنع وجود الإله، مستغنيًا بذلك عن النظرة الكليّة التي لا تهمل من صفات الربّ شيئًا، والتي تتوّصّل بأفقها الواسع إلى إدراك التآلف الوجودي بين وجود الله الكامل ووجود الشر)

وهذا ما يخالف التصورات الإسلامية وما لم يحرف من الأديان عن الله تعالى، فالله تعالى في التصوّر الإسلامي هو مالك الملك الذي له الكون كلّه، وهو صاحب الكبرياء بعظمته التي لا تدانى وسلطانه الذي لا يضاهى، وهو بمنطق العدل والحق، حتّى بمعاييرنا الأرضية، له أن يفعل في ملكه ما شاء.

وذلك لا يعني الظلم كما ذكرنا، فالله منزه عنه، وإنّما نقول إنّ حقوق المالك العادل أوسع من حقوق المملوك في ميزان العدل، وسلطان المالك العادل أعظم من سلطان المملوك، وبذلك تتّسع الآفاق في فهم أنّ لله أن يوجّه الخلق لأمر، ويضعهم في اختبار، ويعاقبهم على العصيان، فليسوا هم هملًا في الدنيا، وإنّما خلقوا لأمر، ووضعوا على الأرض لغاية، وواجبهم الطاعة، وذلك عند النظر في العدل الإلهي يوجب ألا يكون للإنسان أن يستأثر بالحكم، ولا أن يكون مركز الكون، فحقيقة العدل أن يكون لله أعظم حقّ.

وقد وضح ابن القيم عند إجابته على هذه المعضلة، فقال: (الحكمة إنما تتم بخلق المتضادات والمتقابلات، كالليل والنهار، والعلو والسفل، والطيب والخبيث، والخفيف والثقيل، والحلو والمر، والبرد والحرّ، والألم واللذة، والحياة والموت، والداء والدواء، فخلق هذه المتقابلات هو محل ظهور الحكمة الباهرة، ومحل ظهور القدرة القاهرة، والمشيئة النافذة، والملك الكامل التام. فتوهم تعطيل خلق هذه المتضادات تعطيل لمقتضيات تلك الصفات وأحكامها وآثارها، وذلك عين المحال. فإنّ لكل صفة من الصفات العليا حكمًا ومقتضيات وأثرًا هو مظهر كمالها، وإن كانت كاملة في نفسها، لكن ظهور آثارها وأحكامها من كمالها، فلا يجوز تعطيله، فإن صفة القادر تستدعي مقدورًا وصفة الخالق تستدعي مخلوقًا، وصفة الوهاب الرازق المعطي المانع الضار النافع المقدم المؤخر المعز المذل العفو الرؤوف تستدعي آثارها وأحكامها. فلو عطلت تلك الصفات عن المخلوق المرزوق المغفور له المرحوم المعفو عنه لم يظهر كمالها، وكانت معطلة عن مقتضياتها وموجباتها. فلو كان الخلق كلهم مطيعون عابدون حامدون لتعطل أثر كثير من الصفات العلى والأسماء الحسنى. وكيف كان يظهر أثر صفة العفو والمغفرة والصفح والتجاوز والانتقام والعز والقهر والعدل والحكمة التي تنزل الأشياء منازلها وتضعها مواضعها؟ فلو كان الخلق كلهم أمة واحدة لفاتت الحكم والآيات والعبر والغايات المحمودة في خلقهم على هذا الوجه، وفات كمال الملك والتصرف، فإن الملك إذا اقتصر تصرفه على مقدور واحد من مقدوراته فإما أن يكون عاجزا عن غيره فيتركه عجزًا، أو جاهلا بما في تصرفه في غيره من المصلحة فيتركه جهلاً.. وأما أقدر القادرين وأعلم العالمين وأحكم الحاكمين فتصرفه في مملكته لا يقف على مقدور واحد، لأن ذلك نقص في ملكه. فالكمال كل الكمال في العطاء والمنع والخفض والرفع والثواب والعقاب والإكرام والإهانة والإعزاز والإذلال والتقديم والتأخير والضر والنفع، وتخصيص هذا على هذا، وإيثار هذا على هذا. ولو فعل هذا كله بنوع واحد متماثل الأفراد لكان ذلك منافيًا لحكمته. وحكمته تأباه كل الإباء، فإنه لا يفرق بين متماثلين، ولا يسوّي بين مختلفين. وقد عاب على من يفعل ذلك، وأنكر على من نسبه إليه. والقرآن مملوء من عيبه على من يفعل ذلك. فكيف يجعل له العبيد ما يكرهون، ويضربون له مثل السوء وقد فطر الله عباده على إنكار ذلك من بعضهم على بعض وطعنهم على من يفعله، وكيف يعيب الرب سبحانه من عباده شيئا ويتصف به، وهو سبحانه إنما عابه لأنه نقص فهو أولى أن يتنزه عنه. وإذا كان لا بد من ظهور آثار الأسماء والصفات ولا يمكن ظهور آثارها إلا في المتقابلات والمتضادات لم يكن في الحكمة بد من إيجادها، إذ لو فقدت لتعطلت الأحكام بتلك الصفات وهو محال)([20]

وبهذه العقيدة التي تتوافق مع العقل والنقل، والتي تجعل لله ـ باعتباره صاحب الكمال المطلق ـ كامل الحق في إدارة مملكته بحسب ما تقتضيه حكمته ورحمته وأسماؤه الحسنى تنتفي الكثير من الطروحات الإلحادية المرتبطة بهذا الجانب.

ذلك أن الكثير من الملاحدة عندما يواجهون بالقول بأن الشر حقيقة نسبيّة، وأنّ ما يبدو شرًا من وجه، هو خير من وجه أو وجوه أخرى، يردون على ذلك بقولهم: (لماذا لم يخلق الربّ عالما من دون شر أصلًا، أليس ذلك دليلًا على عجزه؟)

وهنا ينتقل المخالف من شبهة تعارض الشر والحكمة، بعد أن عجز عن الرد، إلى شبهة تعارض الشر والقدرة.. والأصل ـ إن كان الملحد منصفًا ـ أن يسلّم بعدم وجود تعارض بين الشر والحكمة. ثم يفتح الباب لشبهة جديدة، وهي: تعارض الشر والقدرة، ولِمَ لَمْ يخلق الله عالما آخر بلا شر؟

2 ـ الجواب المرتبط بحقيقة الشر:

وهي أجوبة كثيرة بحسب نوع الشر ومصدره وهيئته، ولذلك كان للتفصيل دوره الكبير في الإجابة على ذلك.. وسنقتصر هنا على الشرور الكبرى التي يطرحها الملاحدة، ونجيب عنها، بحسب ما ذكرته الدراسات الكثيرة التي اهتمت بهذا الجانب، بالإضافة إلى معارفنا القطعية التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم، ونحب أن نبين أن الكثير منها متداخل يصعب تمييز بعضه عن بعض، فالقضايا متشابكة، ولذلك قد يختلط بعضها ببعض.

أ ـ حقيقة الشر وعلاقته بالوجود:

وهذا من التساؤلات المهمة جدا، والتي اختلفت المدارس الإسلامية وغيرها في الإجابة عنها، فهل الشر الذي نراه مقصود بالأصالة، أم أنه عارض.. أو بعبارة أخرى: هل هو حقيقة ذاتية لها وجود استقلالي، أم هو عرض انتزاعي لا يستقلّ لنفسه بكيان؟.. أو بعبارة أكثر تبسيطًا: هل يوجد ما يمكن أن نقول إنّه شر بذاته، لا أنّه شر في ظرف من الظروف ووجه من الأوجه؟

والإجابات على هذا الإشكال تتراوح بين رؤيتين: رؤية ترى أنّ الشرّ حقيقة موضوعيّة.. وأخرى ترى أن الشرّ ليس إلّا غيابًا للخير.

أما الرؤية الأولى، فليست إلا نوعًا من أنواع المغالطات المنطقية؛ أي مغالطة التشييء أو التجسيم؛ إذ يتمّ التعامل مع الأشياء المجرّدة على أنّها ذوات متحيّزة أو أحداث واقعيّة.. فليس الشرّ في واقع الناس مادة تُحسّ، وإنّما هو أثر لفعل أو حال ما، إذ لا وجود لشر مطلق، ولذلك فهو أمر نسبيّ أو جزئيّ. وبصورة أدقّ، علينا أن نعتبر الشرّ صفة لا ذاتًا، وأنه لا يُعامل معاملة الاسم إلّا إذا كان في صيغة التجريد([21]).

وهذا ما يدعونا إلى التساؤل عن إمكانية تصور وجود عالمٍ شرير من كلّ وجه.. أي وجودٌ كلّ ما فيه شر لا يخالطه خير في مبناه أو مآله.. والجواب على هذا ما ذكره [جون جوردون ستاكهاوس] بقوله: (لا يمكنني تصوّر ذلك، ولم أشهد أيّ وصف لذلك العالم في العلم أو الفلسفة أو الأدب)([22]

وبناء على هذا، فإن الشرّ ليس سوى حال وصفي، أو بعبارة [كورنليوس بلنتنجا]: (غير ما يجب أن يكون عليه الشيء)([23]

والدليل على هذا هو أنّ الشرّ واقعيًا ليس إلّا عارض فساد في شيء من أشياء الوجود التي هي في أصل وجودها سليمة من العيب، كالجرح في اليد، والصدأ في الحديد، فلولا اليد، وأصل سلامتها، ما كان الجرح، وما عرفنا أنّه انتقال عن أصل السلامة، ولولا مادة الحديد وأصل براءتها ممّا يخرّبها، ما كان الصدأ، وما علمنا أنّ الصدأ فساد في هذا المعدن، فالجرح كشرّ لا يقوم بنفسه وإنّما يحتاج إلى يدِ، ولم نعرف نحن أنه أذى يصيب اليد حتى علمنا قبل ذلك أنّ الأصل في اليد المعافاة والسلامة منه، وكذلك أمر الحديد وكلّ شرّ في عالمنا.

وبذلك، فإن الشرّ المحض ـ كما يذكر علماء المسلمين ـ (ليس حقيقة ذاتيّة.. فليس في وجودنا ما يمكن أن يُقال إنّه شر خالص، فليس هناك شر في الدنيا إلّا وهو خير من وجه أو أوجه أخرى.. فالمرض مثلًا، مؤذ للجسد من جهة، ومختَبرٌ للصبر وشاحذ للهمة وربما حتى مقو للمناعة من جهة أخرى.. وهكذا الأمور المكروهة عادة، لا يخلو منها نفع للإنسان)([24]

وبعد أن ذكر بعض التقسيمات المرتبطة بالشر، قال: (الشر لم يترتب إلا على عَدَم. وإلا فالموجود من حيث وجوده لا يكون شرًا ولا سببًا للشر.. فالأمور الوجودية ليست شرورًا بالذات بل بالعرض من حيث إنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة)

ثم وضح ذلك بعبارة أخرى، فقال: (الشرّ نسبي إضافيّ وهو وضع هذا التأثير في غير موضعه والعدول به عن المحل اللائق إلى غيره.. وهذا بالنسبة إلى الفاعل، وأمّا بالنسبة إلى المفعول فهو شر إضافيّ أيضًا، وهو ما حصل له من التألّم وفاتَه من الحياة، وقد يكون ذلك خيرًا له من جهة أخرى، وخير لغيره. وكذلك الوطء، فإنّ قوّة الفاعل وقبول المحل كمال، ولكنّ الشر في العدول به عن المحل الذي يليق به إلى محلّ لا يحسن ولا يليق. وهكذا حركة اللسان وحركات الجوارح كلها جارية على هذا المجرى. فظهر أنّ دخول الشر في الأمور الوجودية إنما هو بالنسبة والإضافة لا أنّها من حيث وجودها وذواتها شر)([25]

وهذا لا يعني أن الشر مجرّد وهم، أو إنه أمر لا حقيقة له، فتلك دعوى غير صحيحة، وإنما قصدنا هو أنّ الشر (مجرّد نِتاج أنطولوجي عَرضي لخلق كائنات محدودة)([26])، فوجوده تابع لوجود كون غير متصف بالكمال، وليس هو أصلٌ لذاته، ومحدوديته في منعه الشيء من بلوغ مرتبة الكمال أو الاستواء والصلاح.

وبناء على هذا لا يصح اعتبار الشر من فعل الخالق، ذلك أنه ليس ذاتًا موضوعيّة وإنّما هو صفة انتزاعيّة، ولذلك لا تصحّ نسبة الشر إلى الله سبحانه، وإنّما هو صفة من صفات مخلوقاته.

وقد يُعترض على هذا بأنّ الشر نتاج عن مخلوقات الله، وبذلك فهو يعود إلى الله خالق هذه المخلوقات، والجواب على ذلك هو أنّ هناك فرقًا بين فعل الله الخالق مباشرة، وفعل مخلوق الخالق؛ فإنّ الله لا يريد لعباده إلّا الخير لكنّ العوارض قد تنحرف بذلك الخلق لتحوله شرا.

ومن الأمثلة على ذلك أن الله خلق لعباده الإرادة الحرة، والتي تجعلهم قد يختارون غير ما رضيه لهم، فالشر الذي يحصل لهم بسبب ذلك هو نتاج إرادتهم، والله سبحانه خلق إمكانية وجود الشرّ لا الشرّ ذاته.

قال ابن القيم معبرا عن هذا المعنى: (والعبد إذا فعل القبيح المنهيّ عنه، كان قد فعل الشر والسوء، والرب سبحانه هو الذي جعله فاعلًا لذلك. وهذا الجعل منه عدل وحكمة وصواب؛ فجَعْلُه فاعلًا خيرٌ، والمفعول شر قبيح. فهو سبحانه بهذا الجعل قد وضع الشيء موضعه لما له في ذلك من الحكمة البالغة التي يحمد عليها. فهو خير وحكمة ومصلحة وإن كان وقوعه من العبد عيبًا ونقصًا وشرًا. وهذا أمر معقول في الشاهد، فإنّ الصانع الخبير إذا أخذ الخشبة العوجاء والحجر المكسور واللبنة الناقصة فوضع ذلك في موضع يليق به ويناسبه كان ذلك منه عدلًا وصوابًا يمدح به. وإن كان في المحل عوج ونقص وعيب يذم به المحل. ومن وضع الخبائث في موضعها ومحلها اللائق بها، كان ذلك حكمة وعدلًا وصوابًا، وإنما السّفه والظلم أن يضعها في غير موضعها)([27]

ومن الأمثلة على ذلك أن الله تعالى يخلق خلقًا غير عاقل يفعل الشر، لكنّه شر من وجه لا من كل الأوجه؛ فالزلازل والبراكين مثلًا هي نتاج لقوانين فيزيائية بثّها الله في الأرض، وهي ليست شرًا في ذاتها، أولًا لأنّ الزلازل والبراكين قد تقع في منطقة ليس فيها إنسان ولا حيوان، فلا يتضرر منها أحد، وثانيًا، لأنّ هذه الزلازل والبراكين من أسباب تهيئة الأرض للعيش، فهي تنفّس عن الطاقة المخزونة في باطن الأرض، وتخرج الكثير من الثروات المعدنية إلى سطح الأرض ليستفيد منها الإنسان، وغير ذلك مما نعلم ومما لا نعلم. فالآثار السلبيّة لهذه الظواهر الكونيّة هي نتاج لهذا المخلوق في ظروف معيّنة غير دائمة، فالشر وجه لها وليس فعلًا لله، وإن كان الله سبحانه يريد من بعض هذه الظواهر ما يكرهه بعض خلقه لحكمة تربو على الشر الناتج عنها.

وبناء على هذا دلّ الكتاب والسنّة على أن الشرّ لا يضاف إلى الله تعالى لا وصفًا ولا فعلًا، ولا يتسمّى باسمه بوجه من الوجوه، وإنّما يدخل في مفعولاته بطريق العموم.

حتى إبليس نفسه ـ وهو من الإشكالات التي يستشكل بها في هذا الباب ـ فإنه ليس شرا محضا، بل إن النظر في قصته كما وردت في القرآن الكريم تبين أنّ الله تعالى لم يخلق إبليس ليضلّ الناس، وإنّما خُلق كما خلق البشر للعبادة، غير أنّه اختار أن يتكبّر على أمر الله بالسجود لآدم، ورضي لنفسه طريق الضلالة والإضلال.

بالإضافة إلى ذلك، فإن لوجود إبليس، على ضلاله، حكمٌ جليلة يصعب استقصاؤها، أشار ابن القيم إلى بعضها بذكره([28]):

1. أنّ وجود إبليس يكمل لرسل الله وأوليائه مراتب العبودية بمجاهدة عدو الله وحزبه، ومخالفته ومراغمته في الله، وإغاظته وإغاظة أوليائه، والاستعاذة به منه، والإلجاء إليه أن يعيذهم من شره وكيده، فيترتب لهم على ذلك من المصالح الدنيوية والأخروية ما لم يحصل بدونه، ومعلوم أن الموقوف على الشيء لا يحصل بدونه.

2. خوف الملائكة والمؤمنين من ذنبهم بعد ما شاهدوا من حال إبليس ما شاهدوه، وسقوطه من المرتبة التكريمية إلى المنزلة الإبليسية، يكون أقوى، وأتم.

3. جعل سبحانه إبليس عبرة لمن خالف أمره، وتكبّر عن طاعته، وأصرّ على معصيته، كما جعل ذنب أبي البشر عبرة لمن ارتكب نهيه، أو عصى أمره ثم تاب وندم ورجع إلى ربه. فابتلى أبوي الجن والإنس بالذنب، وجعل هذا الأب عبرة لمن أصر وأقام على ذنبه، وهذا الأب عبرة لمن تاب ورجع إلى ربه.

4. حال إبليس محك امتحن الله به خلقه ليتبين به خبيثهم من طيبهم، كما جعل أنبياءه ورسله محكًا لذلك التمييز، فأرسله الى المكلفين وفيهم الطيب والخبيث، فانضاف الطيب الى الطيب، والخبيث الى الخبيث.. واقتضت حكمته البالغة أن خلطهم في دار الامتحان، فإذا صاروا إلى دار القرار، يميز بينهم. وجعل لهؤلاء دارًا على حدة ولهؤلاء دارًا على حدة، حكمة بالغة وقدرة قاهرة.

5. ليظهر الله كمال قدرته في خلق مثل جبريل والملائكة وإبليس والشياطين، وذلك من أعظم آيات قدرته ومشيئته وسلطانه فهو خالق الأضداد كالسماء والأرض، والضياء والظلام، والجنة والنار، والماء والنار، والحر والبرد، والطيب والخبيث.

6. خلقُ أحد الضدين من كمال حسن ضدّه، فإنّ الضدّ إنما يَظهر حسنه بضده، فلولا القبيح لم تُعرف فضيلة الجميل، ولولا الفقر لم يعرف قدر الغنى.

ب ـ مصدر الشر ووجوهه:

فالكثير من الشرور التي نراها في العالم مصدرها الإنسان نفسه، والحرية التي وهبت له، كما قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]

وبناء على هذا فإن العالم الذي يريد الملحد من الله أن يصنعه بديلا عن عن هذا العالم عالم غير كامل على الحقيقة، لأنه عالم فقد فيه الإنسان أهم خصيصة، وهي حرية الإرادة، فهو عالم جبري لا يعدو فيه قدر الإنسان ريشة تحرّكها الرياح أين شاءت وأنّى شاءت.

وقد علّق [ج. أس. ويل] على قول الملحد الشهير [هكسلي] بأنه لو عَرَضت عليه قوّةٌ عظمى منحةَ ألّا يفعل إلّا الحق، على شرط أن يتحوّل إلى كيان أشبه بالساعة؛ فسيوافق على هذا العرض لأنّ الحريّة الوحيدة التي لها قيمة، هي حريّة فعل الصواب، بقوله: (إنّ حريّة الساعة هي أبعد ما يكون عن أن تسمّى حريّة، إنّها ضرورة ميكانيكية مطلقة.. وافتراض هكسلي يلغي النتيجة التي أرادها؛ لأنه يهدر الشيء الصميمي في الشخصيّة البشرية، فالكائن غير القادر على أن يفعل الخطأ غير قادر أيضًا على أن يفعل الصواب، إنّه ليس بشرًا البتّة وإنّما هو آلة ميكانيكيّة الحركة. إنّه ليس روحًا حرّة قادرة على أن تتعلّم الرضوخ من آلامها، وإنّما هو روبوت مثل الإشارة الضوئية عند مفترق الطرق)([29]

وبناء على هذا يعتبر الفيلسوف الأمريكي [ألفن بلنتنجا] من أبرز المدافعين عن حجّة الإرادة الحرّة في نقض دعوى لامنطقية الشر في عالم أنشأه إله حكيم ورحيم؛ فهو يرى أنّ ملَكة حريّة الإرادة عند الإنسان (مبرّر معقول لنفي عدم تساوق وجود الإله الكامل مع وجود الشر؛ فإنّ الشر الأخلاقي هو نتيحة لممارسة الإنسان الفعل النابع من إرادته الحرّة.. فالشر هنا ضريبة لازمة ومنطقيّة ومرضيّة لنعمة الإرادة الحرّة؛ وبذلك ينتقض الاعتراض على عدل الله أنّه يسمح للشر بالوجود.. إنّه لا معنى عقلًا وواقعًا أن نتحدّث عن كائن حر يملك إرادة الاختيأر ضمن الطبيعة البشريّة المحضة، ثم هو لا يفعل إلّا الخير)([30]

ويذهب إلى أبعد من ذلك، حين يقول: (إن حقيقة أنّ مخلوقات حرّة تزلّ أحيانًا، لا تحسب ضد وجود قدرة الله الكليّة ولا ضد خيريّته؛ لأنّه ليس بالإمكان أن يُمنع وقوع الشر الأخلاقي إلّا بمنع إمكانية الخير الأخلاقي)، أي إنّنا أمام استحالة عقليّة محضة، ملخصها أنّه يمتنع عقلًا الجمع بين وجود إرادة حرّة تفعل ضمن حريّتها، وعجز هذه الإرادة عن أن تفعل غير الشر.. كما أنّ منع هذا الشر يعني إلغاء حريّة الإنسان، وتحوّله إلى كائن موجّه غير مريد، وهو ما يؤول إلى منع تسمية فعله الميكانيكي الصواب، خيرًا؛ لأنّه ليس فعلًا اختياريًا.

ومثله ذهب الفيلسوف [مايكل بترسون] حين قال: (إنّه كلّما كانت الاختيارات أمام الإنسان أوسع، وكانت إرادته قادرة على انتقاء أحدها، كلّما كان الإنسان أقدر على خير أكبر وشر أبلغ، وكلّما ضُيّق على الإنسان في إرادة الفعل عنده؛ كلّما تقلّصت قدرته على فعل كلّ من الخير والشر)([31]

وبناء على هذا كله صاغ بعضهم هذه الأفكار بالصياغة التالية: (خلق الله سبحانه كلّ أمر حسنٍ + من الأشياء الحسنة التي خلقها الله، الإرادة الحرّة + الإرادة الحرّة سبب لإمكانيّة وقوع الشرّ = إذن، المخلوق الذي خلقه الله خَيِّرًا من الممكن أن يفعل الشرّ)([32]

وعبر عن هذه المعادلة [هوبرت بوكس] بقوله: (يبدو أنّ السماح بوجود الشرّ الأخلاقي، هو أمر قابل للتفسير عندما يُعترف أنّ حياة الإنسان، امتحانٌ.. بما أنّ الله قد جعل الإنسان ينال عاقبة فعله، فإنّ تلك النعمة ينبغي أن تمنح له كجزاء لجهده، فليس هناك إذن مفر من أن يكون للإنسان إمكانية اختيار الخطأ.. فقط عندما نكون معرّضين لإمكانية الهزيمة، نكون مستحقين لجزاء النصر)([33]

ج ـ حقيقة الحياة وعلاقتها بالشر:

ينطلق الملاحدة من تصورات مادية محدودة عن حقيقة الحياة، وكونها محصورة فيما نراه من مظاهر وصور، وما نعيشه من زمان محدود، ولذلك يشعرون بما يطلقون عليه [معضلة الشر] شعورا حقيقيا.. ولهم الحق في ذلك الشعور بناء على المعطيات التي يتصورونها عن الحياة..

فليس غريبا أن يطرح تلك المعضلة من يتصور أن الله تعالى خلق الإنسان ليعيش سنوات معدودة، لا تساوي شيئا في حساب الزمن، ثم يبتليه في تلك السنوات المحدودة بألوان من البلاء تضيق بها نفسه، وكل الفضاء المحيط به..

لكنه إن علم أن هذه الحياة ليست هي الحياة الحقيقية، وأن هناك حياة أخرى، أكبر وأوسع، وأنه في حال نجاح الإنسان في الاختبارات التي ابتلي بها، سينال السعادة المطلقة التي لا يعتريه فيها أي ألم أو شر أو مصيبة، فإنه لن يطرح هذه المشكلة أصلا، بل لن تخطر على باله، بل إنه يستهين بكل ما يراه من آلام طمعا في السعادة التي تنتظره، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض)([34])

وقد عبر بعضهم عن هذا المعنى،فكتب ـ تحت عنوان [وماذا بعد الموت!] ـ يذكر تجربته الشخصية، فيقول: (أن يسأل الإنسان نفسه، وهو جالس في بيته بين أهله وأطفاله يأكل طعامًا لذيذًا أو يشاهد برنامجًا مسليًا، أو يستلقي مرتاحًا على سريره الدافئ، أو يتبادل الحوار الشيق مع أصدقائه في ناد أو مقهى.. ومن حولهم تتمخض حركة الحياة الدائمة عن الأمل والبلادة والمتعة والنسيان.. ليس كمن يسأل نفسه، وهو يلتفت فجأة في أعماق الظلام، الى قبر جديد، وحيد، نبت قبل دقائق في قلب الصحراء، وغادره أقرب أصدقائه وأشد محبيه)([35]

ثم راح يطرح تأملاته في ذلك قائلا: (ترى.. لو أن دينًا من السماء لم ينزل.. ودخل في عقول الناس، على مدار التاريخ، خرافة الملحدين والعدميين، من أنه لا حياة بعد هذه الحياة، لا بعثًا ولا حسابًا ولا جزاءً.. وأن نهاية الإنسان المطلقة تجيء عندما يسكت قلبه عن الخفقان ويوارى التراب، لكي ما يلبث أن يأكله الدود ويتحول بعد قليل إلى تراب يستعدّ لاستقبال الحفنات الجديدة من التراب الذي لا يكف عن الانقطاع.. إن أيّ مسلم لا يستطيع بفطرته وبداهته ويقينه وإيمانه أن يتصور موقفًا عدميًا كهذا، إنه بمجرد تصوّره يحس بالاختناق، ويستنفر كل طاقاته النفسية للخلاص من المأزق واستنشاق الهواء الصافي النقي.. إنه لا يفرّق أبدًا بين كابوس لا يرحم يدهمه في المنام وبين إحساس عدمي قاتم يمر بخاطره في المقبرة)

ثم ذكر الآثار الإيجابية لذلك الشعور المؤلم، فقال: (وأكثر من هذا، فإن المسلم يستمد من موقف الفراق هذا ثقة أكبر بعقيدته التي منحته الأمل الكبير بالبعث والنشور والحساب، وبدينه الذي علّمه دائمًا أن الموت ليس سوى نقلة، نقلة فحسب إلى دار أخرى غير هذه الدار وإلى حياة أخرى غير هذه الحياة.. ويتملكه إحساس عميق بالرثاء والاحتقار لكل أولئك الذين سعوا إلى تزييف الحياة وبترها باعتقادهم أن الإنسان يحيا مرة واحد فحسب ثم يأكله الدود ويلفّه التراب، ولا شيء وراء ذلك.. وما أكثر الذين ذهبوا إلى المقابر لتشييع صديق أو قريب، وهم لا يملكون إيمانًا ولا يقينًا، وإذا بنازلة الموت وبمشهد حصر الميت بين جدران الحفرة الأربع، وإهالة التراب عليه، تحرك أفئدتهم الميتة، وتهز عقولهم الكسولة، وتغسل عن نفوسهم الصدئة ما علق بها من رين وغبار.. فيغادرون المكان وهم أشد إيمانًا وأعمق يقينًا.. وفرق وأي فرق بين إنسان مؤمن يرجع من المقبرة وهو يحمل أملًا كبيرًا وبين إنسان ملحد يخنقه المشهد المحزن ويزيده كآبة وضياعًا)

ثم ذكر الدور الذي يقوم به الإيمان للتخفيف من الآلام الناتجة عن ذلك المشهد المؤلم وغيره، فراح يتساءل قائلا: (ثم ماذا عن العدل النهائي المطلق! لقد اغتيل أربعة من الأبرياء.. وليس بمستبعد أن يفلت القتلة من طائلة القصاص.. وما قيمة الحياة.. وما قيمة الإنسان نفسه لو ترك مصيره هكذا معلقًا على عدل أرضي لا يملك في معظم الأحيان الأداة المضمونة لتحققه ونفاذه؟!)

ثم أجاب عن أسئلته بقوله: (إن الإسلام، ذلك الدين القيّم يمنحنا الجواب في كلتا الحالتين.. ولو لم يكن الدين سوى هذا الجواب لكان في ذلك وحده الدافع الأكبر لالتزامه، ومعايشته، وتعشّقه، والتشبث به حتى آخر لحظة من حياتنا التي يعلمنا الإيمان أنها لن تنقطع، ولن تزول، ولن يضيع حق من حقوقها بالصدفة أو العبث أو الفوضى)

ثم راح يخاطب قراءه يطلب منهم أن يعيدوا تجربة ما حصل له، فقال: (جرّبوا بأنفسكم ذلك.. اختبروا صدقه.. ليس في بيوتكم ونواديكم.. ولكن في المقابر..لحظة مواراة جثة صديق أو قريب.. التفتوا إليها بعد دقائق من مغادرتكم المكان.. وحيدة.. مهملة.. منقطعة في الصحراء.. أمن الممكن أن تكون هذه هي نهاية الإنسان؟!)

وما ذكره هذا الباحث في تجربته الشخصية الإيمانية شهد به الملاحدة أنفسهم، وخاصة عندما ارتفعت عنهم كل تلك الكبرياء التي كانت تحول بينهم وبين الاعتراف بالحقيقة..

فهذا زعيم فلاسفة العبثية، وأحد رؤوس الإلحاد في القرن العشرين [جون بول سارتر]، يقول على فراش الموت: (أنا لا أشعر أنني نتاج للصدفة، أو ذرّة غبار في الكون، وإنما شخص متوقّع وجوده، ومجهّز، ومتصوَّر.. باختصار، كائن لا يقدر إلا خالق على أن يضعه هنا)([36]

ولذلك كان الإلحاد سببا من أسباب الآلام الكبرى التي تعتري الإنسان نتيجة عدم وجوده لأي وسيلة من وسائل المواساة والعزاء، أو كما عبر على ذلك النورسي بقوله: (إن في الوحدانية سهولة ويسرًا بدرجة الوجوب، وفي [الإلحاد] صعوبة ومشكلات بدرجة الامتناع)([37]

د ـ ضرورة وجود الشر والمقدار المسموح به:

عند مناظرة الملاحد، وتبيين أن الشر له وجوه متعددة، فهو شر وألم من وجه، وخير ونفع من جهة أخرى، يطرح تساؤل جديد عن سر ذلك.. ولماذا لم يخلق الله عالمًا أقلّ شرًا؟

والجواب عن ذلك هو أن الاعتراض على هذا يستدعي إجابتنا على تساؤلات كثيرة، منها التساؤل عن امتلاكنا القدرة على تحديد الحد الأدنى من الشر المقبول.. وهل نحن نعترض على الشر الزائد، أم على كلّ صورة قصوى موجودة للشر؟.. وهل الإزعاج الملازم للألم الناتج عن الشر، بلا حكمة؟

والإجابة على هذه التساؤلات توصلنا إلى أننا واقعون تحت أسر عجز معرفي عن تحديد الحد الأدنى المطلوب من الشر في عالمنا؛ أو كما قال الفيلسوف [فان إنواجن]: (التساؤل عن عدد الشر العظيم المسموح به المتوافق مع خطة الله هو أشبه بطرح سؤال يقول: ما هو الحد الأدنى من حبات المطر التي من الممكن أن تنزل في إنجلترا في القرن التاسع عشر بما يتوافق مع طبيعة أنّ إنجلترا كانت بلدًا خصبًا في القرن التاسع عشر؟)، فوقائع الشر كحبّات المطر في عالم واسع، تعجز الحكمة البشرية عن حصر المطلوب منها.

ومثله طرح الفيلسوف [بروس لِتل] إشكالية منطقيّةً حول الاعتراض بقضيّة (الشر المنكر الذي لا يليق بالحياة البشريّة التي تتوافق مع حكمة الربّ)، ويتمثّل هذا الإشكال في: (تعريف الشر الذي يعتقد الإنسان أنّه شديد؛ ولذلك فهو يتعارض مع منطق الرحمة الإلهية)

وقد افترض [بروس لِتل] لبيان ذلك أن نرمز للشرّ بحرف (أ)، فتكون درجات الألم تصاعديًا على الشكل التالي: (أ+1) و(أ+2) و(أ+3).. وكلّما عَظُم الرقم كان الألم أشدّ. ولنفترض أنّ أقصى شرّ يتصوّره الإنسان هو (أ+5). ولذلك يطلب الإنسان أن يتمّ إلغاء (أ+5)، وهنا يتدخّل الربّ لمنع حدوث مثل هذا المستوى من الشّر في حياة الإنسان، وعندها سيكون أقصى الألم (أ+4).. وفي هذه الحال سيعترض نفس المشكّك لأنّه يراه في ذهنه أقصى ألم متصوّر، ويرى أنّ الحكمة الإلهية تقتضي زواله.. ثم يكون سقف الألم (أ+3)، ويعترض المشكّك مرّة أخرى على سقف الألم، لأنّ حسّه العاطفي يراه أكبر منغّص على سعادته.. وهكذا يستمرّ الاعتراض حتّى لا يبقى هناك [شر!].. ومآل اعتراضِ من ضاقت نفسه بالألم الذي ينغّص وجوده هو إلزام الربّ أن يرفعه من [دنيا الامتحان] إلى جنّة الجزاء، ليغيّر خطّة الوجود الإنساني، لمجرّد لجاجة النفس الإنسانيّة الطماعة التي لا تشبع، والتي كلّما منحت خيرًا طلبت المزيد، وكلّما رُفع عنها شر طلبت حطّ غيره عنها.

أما [س. إس. لويس]، فقد تساءل عما يريده المعترض في دخيلة نفسه، ثم أجاب بقوله: (الذي يمكن أن يرضينا حقًا [كبشر] هو إله يقول على أيّ شيء نحب أن نفعله: ماذا يهم، طالما أنتم راضون وقانعون؟.. إننا في الحقيقة لا نريد أبًا في السماء قدر ما نريد جدًا في السماء، شيخًا عجوزًا محسنًا، هو كما يقولون (يحب أن يرى الشباب يستمتعون)، وخطته لأجل الكون هي ببساطة أن يُقال فعليًا في نهاية كلّ يوم: (لقد استمتع الجميع بوقت طيب).. إنّ الإنسان حين يضجّ من كلّ ألم وتعب ومسؤولية، هو يبحث في الحقيقة عن إله يوفّر له ملعبًا يمرح فيه، ومَعِينًا للّذات التي لا ترتوي، ثم ينال بركة الإله ورضاه! إنه يبحث عن [خادم] أو [يدٍ مصفقة!])

بالإضافة إلى هذه الأجوبة، فإن النظر العلمي في بنية الإنسان الماديّة يكشف يومًا بعد يوم أنّ الله سبحانه لم يترك من الألم في حياة الإنسان إلّا أقلّ القليل، وأنّه سبحانه قد زوّد الإنسان بموانع بيولوجيّة كثيرة تقيه الألم، وكثير منها، بل كلّها مثيرة للدهشة عند التدبّر، ولو أنّ بعضها تخلّف؛ لتحوّلت حياة الإنسان إلى جحيم متواصل.

ومن الأمثلة على ذلك ما يكشفه مرض [دوار الحركة]، والذي قد يبدو مؤلما وشرا، لكن أشهر الفرضيات التي تشرح لنا سبب حدوثه تذكر أنه آلية دفاعية للجسم ضد سموم عصبية، حيث تقوم الباحة المنخفضة الموجودة في الدماغ بتحفيز عملية التقيؤ عند اكتشاف هذه السموم.

وهكذا، فإن النظر التدبّري في الجهاز العصبي للإنسان حجّة للقول إنّ الله سبحانه قد رفع الكثير من الأذى الذي تقتضيه السنن الكونيّة لو جرت بعفويّة ضمن قوانينها الرتيبة، ذلك أنه يمثّل شبكة اتّصال داخلية تعينه على التواؤم مع البيئة المحيطة به، وهو جهاز حساس، ولذلك جعل الله أهم عناصره وأكثرها حساسيّة داخل الجمجمة، محمية بهذه العظام الصلبة، وداخل العمود الفقري لحمايتها من الصدمات.. وهو فوق ذلك كله آلة صممت ليكون من أهم وظائفها حماية الإنسان من أذى العالم الذي يحيط به.

وقد دلت الكشوفات العلمية المرتبطة بهذا الجهاز على قدرته على إسكات صوت الألم الصارخ عند الحاجة؛ ذلك أن الجهاز العصبي الطرفي قد يرسل رسالة الألم إلى النخاع الشوكي الذي يوجهها إلى الدماغ لتفسيرها كألم مزعج، لكنّ الدماغ يقوم بتحريف الرسالة حتى لا تتحوّل إلى مفهوم ألميّ، وهو ما يظهر في أرض المعركة أو عند أهل الرياضات الروحية.

ومن وسائل الرحمة الإلهية المخففة للألم، والتي تدل على علم الله بألمنا، وفي نفس الوقت علمه بكيفية تخفيفه، مادة [الإندروفين] الناقلة للإشارات بين الأعصاب، وهي موجودة في أكثر من موضع في البدن، ويتمّ فرزها تبعًا للمؤثرات الخارجية، وهي تتعامل أساسًا مع المستقبلات في الخلايا الموجودة في الدماغ.. ودورها هو حبس الألم وجعلنا نحس بالمتعة بأنواعها.. بالإضافة إلى إشعارنا أنّنا أخذنا نصيبًا كافيًا من الأمور الممتعة.

أما التساؤل المنجر عن هذا، وهو تلك الآلام الشديدة التي لا تطاق، ولا تخفف، فمع إقرارنا بوجودها إلا أنه ـ كما يقول الطبيب (براند) ـ لا يمثّل غير 1 بالمائة من الآلام التي نشعر بها، أما الآلام الأخرى فمن الممكن علاجها بأكثر من سبيل.

وقد ذكر الفيلسوف [سونبرن] إلى أنّ الله برحمته قد خفّف الألم الشديد على الإنسان بوجهين عظيمين.. أحدهما: أن الألم إذا وصل إلى درجة تفوق طاقة الإنسان على التحمّل؛ يفقد الإنسان وعيه، ويذهب معه شعوره بالألم.. والثاني: أن الموت ينهي آلام الإنسان، خاصة إذا أصاب الإنسان الهرم، وضعفت مناعته عن تحمّل الأمراض والأوجاع.. وبذلك يكون الموت نفسه ـ والذي قد نتصوره شرا محضا ـ رحمة إلهية.

ومن الأجهزة التي أودعها الله فينا لتقوم بدورها في تخفيف الآلام عنا ما أودعه في الجهاز المناعي الذي يمكن اعتباره جيشا شديد التنظيم والتنسيق، ليس له من دور سوى حماية أجسامنا من هجمات الأعداء القادمين مثل البكتريا والفيروسات وغيرها، وهو لا يكتفي بالمواجهة فقط، وإنما يقوم بتخزين معلومات دقيقة عن هذه الأجسام حتّى تكون زادًا لردّ صولتها إذا عادت مرّة أخرى.

وقد ذكر الطبيب الإنجليزي [إدوارد جِنّر] مكتشف التلقيح الذي يراد به تكوين مناعة طارئة للبدن من أمراض مخصوصة، هذا المعنى بإعجاب إيماني شديد قائلا: (أنا لست مندهشًا أنّ الناس ليسوا ممتنين لي، وإنما أعجب أنهم غير ممتنين لله لأجل الخير الذي سخّرني كأداة لتبليغه لرفقائي من البشر!)

وهكذا لو نظرنا إلى الظواهر الطبيعية المختلفة، فإننا نجد الرحمة الإلهية تكتنف كل مظهر، لتخفف من الآلام التي قد يتسبب فيها، فالنيازك التي تصيب الأرض بصفة مستمرة منذ زمن بعيد لم تؤثّر في الوجود البشري على الأرض، رغم أنّها كافية وحدها أن تنهي حياتنا في لحظة واحدة لو نزلت في المناطق الآهلة بالسكان، ودون أن يخفف الغلاف الجوي من قوّتها، حجمًا وسرعة.. وهكذا الزلازل، والتي يخبرنا العلم أنّ الجزء الأعظم منها يقع في البحر، فلا يصيب الإنسان منها شيء.

هـ ـ سبب عدم كون الشر الضروري وهميا:

وهو تساؤل وجيه، وقد قرره بعضهم بقوله: إذا كان في الشر ضرورة تفيد الإنسان في تنمية شخصيّته وتهذيبها وتحقيق كمال الإنسانيّة فيها؛ فلِمَ لم يخلق الله عالما يكون فيه هذا الشر غير مؤذ؛ وذلك بأن يكون الإنسان، مثلًا، مرتبطًا بآلات التجربة دون علم منه، ويعيش مع هذه الآلات حالات التجربة والاختبار والمعايشات التي نعيشها في عالمنا، دون أن يناله أذى، لأنّ الشر هنا مجرّد وهم برمجي في هذه الآلات؟

وقد أجاب الفيلسوف [سنايدر] على هذا الإشكال بقوله: (إنّ تحويل هذا الشر من وجود موضوعي إلى مجرّد إيحاء آليّ مبرمج، قد ينمّي لنا شخصيتنا في ذاتها، لكنّه سيفقد العالم خيرًا كثيرًا.. ففي ذلك الحين، لن يُعين أحد أحدًا، ولن يُعان أحد من أحد.. ولن يتعاطف أحد مع أحد، ولن يتُعاطف مع أحد.. ولن يغفر أحد لأحد، ولن يُغفر لأحد من أحد.. وحينها سيختفي التعاطف والتآلف بين الناس.. فلن يعوّض أحد أحدًا، ولن يُعوَّض أحد من أحد.. ولن يعجب أو يمجّد أحد أحدًا لأنه يسعى لهدف نبيل، ولن يُمجَّد أحد لذلك.. ولن يهب أحد من ماله أو وقته أو موهبته شيئًا للمحتاجين، ولن يُوهب أحد شيئًا من ذلك.. باختصار، إذا أضحت تجربتنا لتنميّة شخصيتنا مجرّد توّهم حتى لا نشعر بوخز الألم؛ فإنّ عالمنا في هذه الحال سيكون ضيقًا جدًا، خُلْوًا من كلّ اتّصال حقيقي مع الغير)

ثم ختم بهذه النتيجة التي عبر عنها بقوله: (يبدو إذن أنّه إذا أراد الله أن ينشئ فينا القدرة على تطوير ذواتنا وتجربتها وتأكيدها في سياق إنشاء البشر علاقات في ما بينهم، فلا بد أن يَسمح بالشر)

ذلك أن العالم الذي يكون في الشر هينًا ليّنًا خفيفًا حتى إنّ الإنسان لا يشعر بوكزه ووخزه، ولا يؤثّر في فعله، هو عالم ليس بإمكان أحد فيه أن يؤذي أحدًا؛ عالم ليس فيه لإرادة أحد أو عمله أثر حقيقي، وجود وهمي، تتحوّل فيه ذواتنا ذاتها إلى وهم.. وطلب شر وهميّ في حياة الإنسان الذي يحمل المواصفات الأرضيّة، هو في الحقيقة طلبٌ لعالمٍ وهمي، وحياة وهميّة.

و ـ دور الألم في التوجيه والتربية وتطوير قدرات الإنسان:

فالشر، أو الألم الذي يشعر به الإنسان عند كل حادثة له دور كبير في ترقيته وتطويره وجعله أكثر إنسانية ورحمة، وبذلك يكون الألم آلة من آلات السير بالإنسان للتحقق بإنسانيته في مستوياتها الرفيعة.

وحتى نقرب هذا الأمر، نذكر أن الجهاز العصبي المعقّد الذي لا يزال العلم يسعى لكشف طبيعته وخريطته، يدل على أنّ إحساسنا بالألم ليس مجرّد حدث عبثي ناتج عن ضغط من الداخل أو الخارج، وإنّما هو جرس إنذار ينبّه الإنسان إلى أمر يدبّ على لحمه، أو يجري في دمه.

فضغطة الصدر قد تكون إنذارًا مسبقًا بجلطة، ووجع السن علامة على نخر السوس، وارتخاء المفاصل تنبيه لارتفاع السكر.. واستغناؤنا عن هذه الآلام يعني إطلاق يد المرض تعبث بداخلنا دون أن ندري، وإفساحٌ لميدان أجسادنا تخترقه الفيروسات أنّى شاءت.

ومن الأمثلة التي يذكرها العلماء في هذا الباب لتقريب هذا المعنى: أنّ فقدان الأصابع بسبب مرض الجذام لا يعود إلى الأثر المباشر لهذا المرض على الأطراف، وإنّما لأنّ المريض يفقد الإحساس في هذه المناطق مما يسمح للأمراض بأن تجد لها مجالًا للتأثير السلبي دون إزعاج من المنظومة العصبيّة التي تزرع الألم لتحصد المعالجة العاجلة.

ولذلك فإن الألم أحيانا كثيرة يكون هو السبب في حفظنا وترقيتنا وتربيتنا، وقد يحتاج أحيانا كثيرة ـ ليؤدي هذا الدور المهم ـ أن يكون فوق قدرتنا الاعتياديّة على التحمّل، ذلك أن الإهمال والاستصغار لكثير من عوارض الأبدان طبعٌ فينا، ولو تُركنا إلى ألم بسيط لا يهزّنا ويزعجنا، لغفلنا عن كثير من فواتك الأمراض التي تثخن في البدن وتزهق الروح.

ولذلك ـ أيضا ـ يحتاج الألم حتى يؤدي دوره في حفظنا وترقيتنا أن يكون خارجًا عن سيطرتنا.. ذلك أن الألم الذي ينغّص علينا نومنا أو يفسد علينا لذّة الأكل، هو رسالة جادة من البدن إلى وعينا حتّى لا نتراخى في الأخذ بأسباب العلاج، ولو أننا استطعنا أن نكف هذا الألم بضغطة زر كما يُكَفُّ صوت جرس المنبّه، لما تمكن الألم من أداء دوره فينا.. فنفوسنا أبلد من أن تُسلم إلى نظام مترف في إدلال الإنسان عند هجمة المرض.

وقد ذكر الدكتور [بول براند] في كتابه [هِبة الألم] هذا المعنى، فقال: (لقد احتاج الأمر إلى سنوات كثيرة من البحث لجمع كامل الصورة.. يَستعمل الألم مجموعة واسعة من نبرات المحاورة. يهمس إلينا في المراحل الأولى: نشعر في اللاوعي بعدم ارتياح بسيط أو حاجة لتغيير الوضعيات على الفراش أو تعديل لطريقة الخطو عند الركض. ثم يتحدّث إلينا الألم بصوت أعلى عند تنامي الخطر: تزداد حساسية اليد بعد فترة من كنس أوراق الشجر، أو تتقرّح الرجل في الحذاء الجديد. ويصرخ الألم عندما يصبح الخطر عظيمًا: يُلزم المرء أن يعرج أو حتى يتوقف تمامًا عن الجري)

والألم بذلك يقوم بدور الطبيب الحكيم الناصح الرفيق، الذي لا يتدرّج إلى الوجع الأحدّ إلّا عندما تكون الحاجة أشدّ إلى الانتباه والتفاعل الواعي مع الأذى الداهم للبدن.

وقد ذكر هذا الطبيب تجربته كجراح مع مرضى الجذام ببيان كيف يؤول فقدان المرضى للإحساس إلى أن تتلف أطرافهم بالبتر، وربّما يصابون بالعمى لغياب الحافز الفيزيولوجي لأن يرمشوا، فقال: (طَرْفُ العين اللاإرادي هو عجيبة من عجائب الجسم البشري، لا يوجد جهاز استشعار للألم أكثر حساسية من ذاك الذي على سطح العين)

وهكذا ذكر قيمة السعال ودور الآلام التي تعتيرنا خلاله، فقال: (يكمن الخطر للإنسان الذي لا يشعر بالألم، في كل شيء.. الحنجرة التي لا تشعر البتة بالدغدغة لا تُستثار لتسعل وتخرج البلغم من الرئة إلى الحنجرة، ولذلك فإنّ من لا يسعل أبدًا مهدد بمرض الالتهاب الرئوي)

ويعرض خلاصة تجربته مع الألم وموقعه في حياة الإنسان، فيقول: (لقد تعلّمت أن أميّز بصورة جوهرية بين أمرين: الشخص الذي لا يشعر بالألم هو إنسان توجّهه مهامه في الحياة، أمّا الشخص الذي يتمتع بنظام سليم لاستشعار للألم، فهو مُوَجَّه ذاتيًا.. هذا الذي لا يشعر بالألم من الممكن أن يَعرف بعلامة ما أنّ فعلًا ما هو مؤذٍ، ولكنه إذا أراد ـ حقيقة ـ أن يأتي به، فإنه سيفعل ذلك لا محالة. أمّا الذي يستشعر الألم، فإنه سيمتنع عن الفعل لأجل خوفه من الألم مهما كانت رغبته في أن يأتي بالفعل عظيمة، لأنّه يعلم في أعماق نفسه أنّ حفظ نفسه أجلّ من أيّ شيء يريد أن يفعله)

وما يقال في عالم الجسد يقال في عالم الروح، ذلك أن التنبيهات والآلام التي تعتري الإنسان بسببها لها دور كبير في تنبيهه وتربيته وترقية روحه ليعيش عالمه الحقيقي الذي أراده الله له، لا عالمه المزيف الذي أراده لنفسه.

وقد ذكر العقاد في معرض إجابته على معضلة الشر هذا المعنى، فقال: (لنرجع إلى المقابلة بين هذا العالم وبين الذى يتخيله أولئك المعترضون وافيًا بالقصد أو جديرًا بحكمة الله.. فإن كان هو أقرب إلى التصوّر فقد صدقوا وأصابوا، وإن كان العالم الذى نحن فيه هو الأقرب إلى التصوّر فقد سقط الاعتراض.. فما العالم الذى يتخيّل المعترضون أنّه أجدر من عالمنا هذا بحكمة الله وقصد المدبّر المريد؟)

ثم أجاب على هذا السؤال بقوله: (هو عالم لا نقص فيه فلا نمو فيه، ولا آباء ولا أبناء، ولا تفاوت فى السن والتهيؤ والاستعداد، ولا تقابل فى الجنس بين الذكور والإناث، بل جيل واحد خالد على المدى لا يموت ولا يتطلّب الغذاء والدواء.. عالم لا نقصَ فيه فلا حدود فيه، وكيف يُوجد الناس بلا حدود بين واحد منهم وأخيه؟ بل لماذا يُوجد الألوف ومئات الألوف نسخة واحدة لا فرق فيها بين أحد وأحد، ولا محل فيها للاختلاف.. إذ كان الاختلاف يستدعي نقص صفة هنا ووجودها هناك؟.. إذن يُخلق إنسان واحد يُحقق معنى الإنسانية كلّها ولايكون فيه نقصٌ ولا تعدد ولا تكون له بداية ولا نهاية.. فذلك إذن إله آخر مستمتع بكل صفات الكمال والدوام!.. عالمهم المتخيل هو عالم لا حرمان فيه. فلا ينتظر فيه الحي شيئًا يجيء به الغد ولا يشتاق اليوم إلى مجهول.. بل ماذا نقول؟ أنقول الغد واليوم؟ ومن أين يأتي الغد واليوم فى عالم لا تغاير فيه ولا تنوّع فى التراكيب والحركات؟ إنما يأتى اليوم والغد من تغاير الكواكب بالحركة والضخامة والدوران، فإذا بطل التغاير والتركيب فلا شمس ولا أرض ولا قمر ولا أيام ولا أعوام.. هو عالم لا ألم فيه ولا اجتهاد فيه، ولا اتّقاء لمحذور ولا اغتباط بمنشود.. هو عالم لا أمل فيه ولا محبة ولا حنان ولا صبر ولا جزع ولا رهبة ولا اتصال بين مخلوق ومخلوق، لأن الاتصال تكملة ولا حاجة إلى التكملة بأرباب الكمال.. هو عالم لا ظلم فيه، فلا فضيلة ولا رذيلة، لأنّ الفاضل هو الإنسان الذي يعمل الخير ولو شقي به ويتجنب الشر ولو طابَ لهُ مثواه. فإذا ضمن الجزاء العاجل على أعماله أولًا فأولًا فلا فضل له على الشرير. وإذا وجد العالم وفيه أشرار يجزون أبدًا بالعقاب وأخيار يجزون أبدًا بالثواب فذلك ظلمٌ أكبر من هذا الظُلم الذي يأباه المنكرون للقصد والتدبير.. هو عالمٌ لا فرق فيه بين الأبد الأبيد واللحظة العابرة، لأنك تريد في كل لحظة عابرة من لحظاته أن تجمع حكمة الآباد، وأن تكون مقاصدها هي مقاصد الكون الذي لا تعرف نهاية طرفيه، فلا انتظار لبقية الزمن ولا مُوجب للانتظار، ولن يحيا المخلوق المحدود بغير انتظار إلّا كانت في حسّهِ لونًا آخر من ألوان الفناء)([38]

وهكذا عبّر الفيلسوف [أوغسط أُوت] في كتابه عن [مشكلة الألم] عن موقع الألم من الحياة العدميّة التي صنعها عقل الملحد، فقال: (إذا كان الله مجرّد اسمٍ عابثٍ، إذا كان كلّ شيء ينتهي بالنسبة لنا بالموت، إذا كان كلّ أمل في وجود أفضل هو وهم، فلنا أن نتساءل إن كانت الحياة تستحق أن نعيشها. نحن نتحدّث عن التطوّر، ونرغب في ازدهار مستمر لشؤون الإنسان، وتكيّفًا كاملًا بين الملكات الإنسانيّة وطبيعة العالم الخارجي، ولكن هل لهذه الآمال البعيدة، وربّما المضلّة، أن تعوّض الآلام الحاضرة؟ وحتّى لو تحقّقت، فهل ثمراتها الموعودة تدوم أكثر من لحظة؟)([39]

ز ـ الآفات الطبيعية وعلاقتها بالعدل والرحمة الإلهية:

أو ما يعبر عنه بـ [مشكلة الشر المادي]، وهي تنقسم إلى نوعين: آفات للإنسان فيها يد، مثل تلويث البيئة وإهلاك الحرث.. وأخرى ليس له عليها سلطان، مثل الزلازل والبراكين والمجاعات.

وسيقتصر حديثنا في هذا الوجه عن الآفات الطبيعيّة التي ليس للإنسان فيها يد؛ ذلك أنا قد تعرصنا لغيرها في الوجه السابق.

وقد أشارت النصوص المقدسة إلى الكثير من الحكم المودعة في ضمن هذا النوع من الآفات منها أن الله تعالى جعل بحكمته هذه الدار محلا لاختبار عباده، لينزل كل واحد منهم ـ في النشأة الآخرة ـ المحل الذي ينسجم مع طبيعته، وتبرزه أهليته، فلذلك كانت هذه الدار هي دار التمييز التي يتميز فيها المحسن من المفسد، والراضي من الساخط، كما قال تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (لأنفال:37)، وقال:{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} (آل عمران:142)

وقد أشار بعض الصالحين إلى هذا المعنى حين دخل عليه جماعة يزورونه، فجمع بـين يديه حجارة، ثم قال: من أنتم؟ فقالوا: محبوك، فأقبل عليهم يرميهم بالحجارة فتهاربوا فقال: ما بالكم ادعيتم محبتي، إن صدقتم فاصبروا على بلائي.

وقال آخر: كنت نائما عند بعض الصالحين، فانبهني فقال لي: (يا فلان، رأيت كأني قد وقفت بين يدي الله تعالى فقال لي: خلقت الخلق فكلهم ادعى محبتي، وخلقت الدنيا فهرب مني تسعة أعشارهم، وبقي معي العشر، وخلقت الجنة فهرب مني تسعة اعشار العشر، وبقي معي عشر العشر، فسلطت عليهم ذرة من البلاء، فهرب مني تسعة اعشار عشر العشر، فقلت للباقين: معي، لا الدنيا اردتم، ولا الجنة اخذتم ولا من النار هربتم، فماذا تريدون، قالوا: انك تعلم ما نريد، فقلت لهم: فاني مسلط عليكم من البلاء بعدد انفاسكم ما لا تقوم له الجبال الرواسي اتصبرون؟ قالوا: اذا كنت انت المبتلي لنا، فافعل ما شئت فهؤلاء عبادي حقا)

وقال آخر: (الناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم؛ فصار المؤمن إلى إيمانه، وصار المنافق إلى نفاقه)

وبناء على هذا يخبرنا القرآن الكريم عن المواقف المختلفة من أنواع البلاء، وتمييز الخلق على أساسها، ففي موقف الخوف مثلا يخبر تعالى عن صنفين من الناس: أما الأول، وهو الناجح في الاختبار، فيذكر وقوفه كالطود الأشمّ أمام كل المخاوف، قال تعالى:{ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران:173).. وأما غيرهم من الجبناء الساقطين في الاختبار فقد قال تعالى في شأنهم:{ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} (المائدة:52)

وقد أخبر تعالى عن الناجحين في الاختبار بأنه من المنعم عليهم، قال تعالى:{ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (المائدة:23)، وهذا في مقابلة الساقطين الجبناء الذين قالوا:{ يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} (المائدة:22)، وقالوا بكل تبجح:{ يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة:24)

وهكذا في كل المواقف، نجد المؤمنين الصادقين الناجحين فيما أنعم به عليهم من البلاء، ونجد الراسبين الساقطين في الامتحان الذين قال تعالى في شأنهم:{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} (الحج:11)

فهذا الخاسر لا يعبد الله في الحقيقة وإنما يعبد أهواءه التي قد تتفق أحيانا مع ما يأمر به الله، فيتوهم الخلق أنه يعبد الله، فلذلك يبتلى بما يظهر حقيقته، ويكشف عن سريرته.

بعد هذا البيان القرآني الذي ليس بعده بيان، نذكر بعض ما أشار إليه العلماء في معرض ردهم على الإشكالات المرتبطة بهذا، ومنها ما عبر عنه [إيونج]، أستاذ الأخلاق في جامعة كامبردج بقوله: (وإنّها لحقيقة واقعة أنّ ثمّة خيرات لا تأتي بغير محصول الشر، فكيف تتسنّى الفضيلة مثلًا بغير المغريات والعوائق ومن ثمّ بغير الشر ولو في صورة الألم والعرقلة؟ وكيف توجد شجاعة بغير ألم أو مشقة أو خطر؟ وكيف يوجد الحب في أرفع حالاته التي نعرفها ما لم يكن هنالك داعية للعطف والإشفاق والتضحية، لا بدّ من شر نغلبه كي نحصل على فضيلة الغلبة عليه، وربّما كان هناك ضروب أخرى من الحب والفضيلة كالتي نتخيّل أنّ الكائنات العليا التي تعلو على طوق الإنسان متصفة بها ولا تنطوي على شر من الشرور، ولكنّها ـإذا صحّ تخيّلناـ نوع آخر غير حبّنا وفضيلتنا، وكلّما تعدّدت أنواع الفضائل كان ذلك أفضل وأجمل)([40]

وقال الجاحظ معبرا عن هذا المعنى: (لو كان الشرّ صرفًا هلك الخلق، أو كان الخير محضًا سقطت المحنة وتقطّعت أسباب الفكرة، ومع عدم الفكرة يكون عدم الحكمة، ومتى ذهب التخيير ذهب التمييز، ولم يكن للعالم تثبّت وتوقّف وتعلّم، ولم يكن علم، ولا يعرف باب التبيّن، ولا دفع مضرة، ولا اجتلاب منفعة، ولا صبر على مكروه ولا شكر على محبوب، ولا تفاضل في بيان، ولا تنافس في درجة، وبطلت فرحة الظّفر وعزّ الغلبة، ولم يكن على ظهرها محقّ يجد عزّ الحق، ومبطل يجد ذلّة الباطل، وموقن يجد برد اليقين، وشاكّ يجد نقص الحيرة وكرب الوجوم؛ ولم تكن للنفوس آمال ولم تتشعّبها الأطماع.. ولو كان الأمر على ما يشتهيه الغرير والجاهل بعواقب الأمور، لبطل النّظر وما يشحذ عليه، وما يدعو إليه، ولتعطّلت الأرواح من معانيها، والعقول من ثمارها، ولعدمت الأشياء حظوظها وحقوقها)([41]

وقال النورسي: (قال أهل العقول والخبرة: إنما تعرف الأشياء بأضدادها، فلولا تجربة الحاجة لما كان في الكسب لذة، ولولا تجربة العجز لما كان في القدرة لذة، ولولا العلّة لكانت العافية بلا لذة. وقد أراد الله أن يجعل تجربة المعاناة وآلامها سببًا لمعرفة الخير ونعيمه، ليعرف العبد فضل الله عليه، وليتذوق بلسان التجربة عذوبة النعمة فلا يزهد في قدرها، ويدرك أنه يَفضُل بقية الخلق بما حظي به من خير)([42]

وقد لخص الطبيب الدكتور [براند] تجربته مع الألم في آخر أيام حياته بقوله: (اعتقدت في فترة من فترات العمر أنّ الألم هو نقيض السعادة. وكنت أرسم رسمًا توضيحيًا للحياة، وهو عبارة عن رسم بياني ذي قمة على كلّ جانب، ومكان منخفض في الوسط. تمثّل القمّة اليسرى خبرات الألم والحزن المؤلم، وتمثّل القمّة اليمنى السعادة والابتهاج، وبين القمتين توجد الحياة العادية الهادئة. وأعتقد أن هدفي من ذلك هو أن أوجّه بحزم نحو السعادة وأبتعد عن الألم. ولكنني الآن أرى الأمور بطريقة مختلفة، فلو رسمت مثل هذا الرسم البياني اليوم، فسوف تكون فيه قمّة واحدة في المنتصف، وما حولها سهول. هذه القمة هي الحياة التي يلتقي فيها الألم والسرور، والسهول المحيطة بها هي النوم واللامبالاة أو الموت)([43]

ويعبر الفيلسوف الأمريكي [فان إنواجن] عن هذا المعنى، فيقول: (إذا ألغى الله ببساطة كلّ غوائل هذا العالم بسلسلة لا تتناهى من الخوارق؛ فسيفسد ذلك خطّته الذاتية لمصالحة الإنسان معه. إنّه لو فعل ذلك؛ فسنكون في حال رضى بقدرنا ولن نرى داعيًا للتعاون معه)([44]

وتذكر بعض الدراسات العلمية أنه أجري استفتاء لمجموعة من كبار السن في لندن، وكان السؤال الموجّه إليهم: (ما هي أسعد فترة في حياتك؟)، وكان جواب 60 بالمائة منهم: (فترة الحرب!)، ففي كلّ ليلة تلقي الطائرات أطنانًا من المتفجّرات على المدينة، وتحوّل المباني الهائلة إلى حطام، والآن يتذكّر الضحايا هذا الوقت باشتياق وحنين؛ فقد اكتسبوا من تلك التجربة صفات الشجاعة والتآزر والتضحية، وعرفوا معاني التآخي والتعاون ([45]).

وفي مقالة صدرت في مجلة علمية عن حياة ثلاثمائة قائد ممن كان لهم تأثير بالغ على حركة التاريخ، كشف البحث أنهم كلهم يشتركون في أمر واحد، وهو أنهم كانوا أيتامًا، إما أيتام بسبب وفاة الوالدين أو بسبب حدوث انفصال بينهما، أو أيتام عاطفيًا بسبب حرمان قاس في طفولتهم([46]).


([1])  Ronald H. Nash, Faith and Reason (Grand Rapids, MI: Zondervan, 1988), p.177..

([2])  Randy Alcorn, If God Is Good: Faith in the Midst of Suffering and Evil (Colorado Springs, Colo.: Multnomah Books, 2009), p.11..

 ([3])   C. S. Lewis, The Abolition of Man (HarperCollins e-Books, 2014), p.77..

 ([4])  Frankl , The Unheard Cry for Meaning (New York: Simon & Schuster, 1978), pp. 20–21..

 ([5])  Paul Brand and Philip Yancey, The Gift of Pain: Why we hurt and what we can do about it (Grand Rapids, MI: Zondervan/HarperCollins, 1997), p12

([6])Lee Strobel, The Case for Faith (Michigan: Zondervan, 2000, EPub Format, 2000).

([7])  لأهمية هذه المعضلة في الفكر الإلحادي، فقد ألفت فيها الكثير من المؤلفات، وقد نشر (باري وتني) دراسة ببليوغرافية عن المؤلفات الفلسفية واللاهوتية التي نشرت عن مشكلة الشر في ثلاثة عقود فقط، من (1960-1990)، فإذا هي تبلغ 4200 دراسة

([8])  تأليف د. سامي عامري، ونشر مركز تكوين للدراسات والأبحاث، عام 2016.

 ([9])  J. L. Mackie, “Evil and Omnipotence,” in Mind 64, no. 254 (1955): 200, 201..

 ([10])  Daniel Howard-Snyder, “Introduction,” in Daniel Howard-Snyder, ed. The Evidential Argument from Evil (Bloomington: Indiana University Press, 1996), p.xi..

 ([11])  Antony Flew, There is a God, p.156..

([12])  Richard Dawkins, The God Delusion (London: Bantam Press, 2006), p.108..

([13])  Philip Yancey, Where Is God When It Hurts? (Grand Rapids, Mich.: Zondervan, 1990), pp.9-10.

([14]) رواه مسلم.

([15])  Wendy Doniger O’Flaherty, The Origins of Evil in Hindu Mythology )Berkeley: University of California Press, 1976)..

([16])  وفي مقابل هذا المقولة نجد مقولة[الكون الشفّاف]، وهو اعتبار الكون يشفّ عن كلّ ما وراءه من خير وشرّ، فكلّ فعلٍ في الكون مردّه إلى أعيان مخصوصة من الحِكم التي من الممكن للبشر إدراكها (وهذا قول بعض المؤلّهة)، أو أنّ الكون ليس إلّا مجرّد تفاعلات مادية يتيح لنا العلم معرفتها، وإن على مراحل، بتقدّم معارفنا العلميّة (وهذا قول عامة الملاحدة)

([17]) رواه البخاري.

([18]) رواه البخاري ومسلم.

([19]) المقصد الأسنى:62.

([20])  ابن القيم، شفاء العليل، ص439-440.

 ([21])  ohn Gordon Stackhouse, Can God be trusted?: faith and the challenge of evil (New York: Oxford University Press, 1998), 30..

([22])  المرجع السابق، ص50.

([23])  Cornelius Plantinga Jr., Not the Way It’s Supposed to Be: A Breviary of Sin (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1995..

([24])  انظر ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ص363.

([25])  المرجع السابق، ص365.

([26])  Adam Swenson, Privation theories of pain, Int J Philos Relig (2009) 66:139.

([27])  ابن القيم، شفاء العليل، ص361.

([28])  ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القدر والحكمة والتعليل، ص467-469.

  ([29])  J. S. Whale, The Problem of Evil (London: SCM Press, 1954), pp.33-34.

([30])  Alvin Plantinga, God, Freedom, and Evil (Grand Rapids: Eerdmans, 1977.

([31])   Michael Peterson, “The Problem of Evil: The Case against God’s Existence,” in Michael L Peterson; et al., Reason and Religious Belief: an introduction to the philosophy of religion (New York: Oxford University Press, 1998), pp. 126-127.

([32])   Norman L Geisler, If God, Why Evil?, p.29.

 ([33])  Hubert S. Box, The Problem of Evil (London: The Faith Press, 1934), p.56.

([34])  الترمذي كتاب الزهد رقم (2403) عن جابر وقال هذا حديث غريب.

([35])  عماد الدين خليل، آفاق قرآنية،بيروت: دار الكتب العلمية، 1982م، ص291-295.

([36])  Thomas Molnor, National Review, 11 June 1982, p.677..

([37])  النورسي، شعاعات، الشعاع الثاني.

([38])  العقاد، الله، كتاب في نشأة العقيدة الإلهية، بيروت: المكتبة العصرية، د.ت.، ص225-227.

 ([39])  A. Ott. Le problème du mal (Paris: Fischbacher, 1888), pp.5-6.

([40])  عباس العقاد، عقائد المفكرين، المجموعة الكاملة لمؤلفات العقاد، 11/453.

([41])  الجاحظ، الحيوان (بيروت: دار الكتب العلمية، 1424ه)ـ، 1/134-135.

([42])  النورسي، اللمعات، ص 321.

([43])  See John Hick, Evil and the God of love, New York, Harper & Row, 1966..

([44])   Peter van Inwagen, The Problem of Evil (Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 2006), p.88…

([45])  فيليب يانسي، أين الله في وقت الألم، ص68.

([46])  المصدر السابق، ص 175..

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *