الإلحاد.. وخلق الكون

الإلحاد.. وخلق الكون

يعتبر الكون بظواهره العجيبة، وتصميمه البديع من أبرز الأدلة على الله، ذلك أنه يستحيل أن تكون هذه الدقة، وتلك البراعة، وذلك التنظيم العجيب المبني على موازين دقيقة، ناشئا عن صدفة عشوائية، أو طبيعة عمياء صماء، بل لابد له من جهة خارجة عنه، تملك من القوة والعلم والقدرة والحكمة وكل صفات الكمال ما يؤهلها لمثل هذا الإبداع العظيم.

ولهذا، فقد استعمل الملاحدة كل الحيل، ليصرفوا النظر عن هذا الإبداع العظيم، ويجعلوه وليدا لعلل كثيرة، حتى لو كانت غريبة متناقضة، فيكفي أن تكون وسيلة للصد عن الله، حتى تكون محل قبول لديهم.

وبناء على هذا، فإن على الداعية إلى الله على بصيرة، والذي يريد أن يواجه الإلحاد، وحيله وخدعه، أن يتعرف على منتجات العلوم الحديثة التي يستند إليها الملاحدة في تبرير إلحادهم، وهي تشمل خصوصا علمي الفلك والفيزياء بنوعيها الكلاسيكي والحديث..

ومن خلال ذلك سيكتشف المغالطات التي يمارسها الملاحدة عند استدلالهم بها؛ ذلك أنها من الناحية المنطقية عديمة الدلالة على الإلحاد، وإنما يتلاعب الملاحدة بالألفاظ ليجعلوها سندا لهم.

بالإضافة إلى ذلك يكتشف الأغلوطات الكثيرة المرتبطة بها، ذلك أن الكثير من النظريات التي نجدها على المواقع كسند يعتمد عليه الملاحدة ليس لها أي حظ علمي عند المتخصصين، فهي لم تجرب، بل يستحيل تجريب أكثرها، وهي عبارة عن ميتافيزياء، وليست فيزياء، ولذلك لا يصح اعتبارها سندا علميا.

وهذا ما أشار إليه الكثير من الباحثين المختصين من أمثال البروفسور [جون بولكنجهورن] الفيزيائي الشهير الذي قال معبرا عن نقده الشديد لنظرية الأكوان المتعددة: (إنها ليست فيزياء.. إنها في أحسن الأحوال فكرة ميتافيزيقيه، ولا يوجد سبب علمي واحد للإيمان بمجوعة من الأكوان المتعددة.. إن ماعليه العالم الآن هو نتيجة لإرادة خالق يحدد كيف يجب أن يكون)

ومثله قال الفيزيائي الشهير [راسل ستانارد] الذي اعتبر الكثير من طروحات الفيزياء الحديثة فلسفة وليست علما، فقال: (إن فلسفة هاوكنج تحديدا ما أعارضه، فهي كما وصلتني مثال واضح على التعالم، فطرح أن العلم هو مصدر المعلومات الوحيد، وأننا لدينا فهم كامل لكل شيء هراء، بل هراء خطير أيضا، فهو يشعر العلماء بالكبر والغرور بشكل مبالغ فيه)

وبناء على هذا، نحاول في هذا الفصل أن نذكر أهم ما يحتاجه من يواجه الإلحاد من معارف ترتبط بهذه النظريات: الحديثة منها، والتقليدية، ليتبين من خلالها حظها من العلم، ولتكون له القدرة العلمية على مناقشة الدعاوى الإلحادية المتعلقة بها.

ومن خلال استقرائنا للشبهات العلمية المطروحة في هذا الجانب نجد أنها تبدأ ـ أولا ـ من فرضية أزلية الكون أو ما يطلق عليه علميا [الحالة الثابتة]، وهو ما سنذكر الرد العلمي عليه في المبحث الأول، والذي نبين فيه الأدلة العلمية على حدوث الكون.

والشبهة الثانية: وهي هي فرضية الصدفة والعشوائية؛ وقد رددنا عليها بتفصيل في الفصل السابق، لكنا سنركز هنا على الطروحات الفيزيائة الجديدة التي حاولت أن تحيي الصدفة بلباس علمي جديد، وذكرنا استحالة ذلك وفق المنتجات العلمية الحديثة كالثوابت الكونية والتوازن وغيرها.. بالإضافة إلى أننا ركزنا خصوصا على طروحات هاوكنج حول التصميم العظيم والأكوان المتعددة والأوتار الفائقة باعتبارها أكثر النظريات انتشارا بين الملاحدة..

وبما أنا أفردنا جزءا من هذه السلسلة [الإلحاد والدجل] لهذه الناحية، وذلك في كتاب [الكون بين التوحيد والإلحاد]، فقد اكتفينا هنا بتلخيص بعض ما ورد فيه، ومن أراد المزيد يمكنه العودة للكتاب ليجد التفاصيل الكثيرة، بالإضافة لما فيه من تبسيط للكثير من الحقائق العلمية.

أولا ـ الكون بين القدم والحدوث:

من أكثر المغالطات التي ظل الملاحدة يعتمدون عليها لقرون طويلة قولهم بقدم العالم، وكونه بذلك لا يحتاج إلى محدث يحدثه؛ وهذا ما تطلب من الفلاسفة المؤمنين محاولة استعمال براهين عقلية وفلسفية تتماشى مع القول بقدم العالم، مثلما ذكرنا ذلك في الفصل الأول.. وحاول آخرون إثبات حدوث العالم، ولكن بأدلة فلسفية، لا علمية.

وظل الحال هكذا إلى العصر الحديث، حيث كانت الفكرة السائدة قبل بداية القرن العشرين لدى أكثر المدارس المادية هي كون العالم قديما؛ وهي فكرة تتناسب مع الأفكار المادية التي ترى أن المادة كانت الشيء الوحيد الموجود في الكون، وأن الكون وجد في الزمن اللانهائي، وسوف يبقى إلى الأبد([1]).

وقد كان من أنصار هذه الفلسفة الكبار الفيلسوف (إيمانويل كانت) الذي دافع عنها، وأعلن أن الكون موجود في كل الأزمان، وأن كل احتمالية (إن كانت موجودة) فسوف ينظر إليها على أنها ممكنة، وبناء على ذلك رأى عدم انسجام الإيمان مع العقل، وإن كان قد قبل الإيمان باعتباره محفزا على القيم، ولو أنه غير معقول في ذاته.

ومع بداية القرن التاسع عشر صارت فكرة أزلية الكون، وعدم وجود لحظة لبدايته مقبولة بشكل واسع، وتم نقل تلك الفكرة إلى القرن العشرين من خلال أعمال الماديين الجدليين من أمثال (كارل ماركس) و(فريدريك أنجلز) وغيرهما.

لكن مع إطلالة القرن العشرين، انقلب الحال، وصار العلم المادي في صفّ القائلين بأنّ الكون حادث، وأنه وُجد بعد أن لم يكن، وقد كان في ذلك إحراجا كبيرا للملاحدة، وهو ما وضعهم بين أمرين: إما قبول الإيمان، عن طريق الانتساب لأي دين من الأديان، أو عن طريق الإيمان المجرد عن الانتساب لأي دين.. وإما الهروب لأي حل آخر، لينجو به من الإشكالات التي طرحتها الأدلة العلمية على حدوث الكون.

وربما يعتقد الكثير أن (نظرية الانفجار العظيم) هي الدليل العلمي الوحيد لخلق الكون، وذلك ليس صحيح؛ فهناك دلائل أخرى كثيرة، بل إنّ كلّ الدلائل المادية والرياضية تدلّ على أنّ الكون له بداية.

وقد صرح بذلك كبار علماء الفيزياء والفلك وغيرهم، وقد قال الكوسمولوجي الشهير اللاأدري [ألكسندر فلنكن] في حديثه بمناسبة عيد ميلاد (هاوكنج) السبعين، سنه 2012م، والذي ناقش فيه العلماء أهم نظريات نشأة الكون: (تقول كلّ الأدلة التي عندنا إنّ الكون له بداية)([2])

 وأكّد هذا الأمر بلغة أكثر حدّة، بقوله: (لقد قيل إنّ الحجة هي التي تقنع العقلاء والدليل هو الذي يقنع حتى غير العقلاء. لم يعد بإمكان علماء الكوسمولوجيا، بعد أن قامت الآن الأدلة، أن يَتَخفّوا وراء إمكانية وجود كون أزلي. لم يعد هناك مهرب، عليهم أن يواجهوا مشكلة البداية الكونيّة)([3])

وبناء على هذا سنحاول هنا أن نذكر أهم الأدلة على حدوث العالم، والموقف منهما:

1 ـ الانفجار العظيم:

مع كون نظرية [الانفجار العظيم] من الحقائق العلمية التي دلت عليها كل الأدلة إلا أننا نجد من يشكك فيها بطرق مختلفة، حتى توهم البعض أن هذه النظرية مجرد مغالطة، في نفس الوقت الذي تعتبر فيه نظرية التطور حقيقة علمية مع انعدام الأدلة عليها، بل مع وقوف الأدلة ضدها.

وللأسف نجد من المؤمنين من يردد هذا الوهم؛ فيذكر أن هذه النظرية مجرد [نظرية]، أي أمرٌ لم يثبت، وإنما هي مجرد افتراض.. ولو ثبت بطلان هذه النظرية فسيفقد المؤمنون بالله دليلهم العلمي الوحيد على وجود الله، ليرجع الأمر إلى ما كان عليه سابقًا من دلالة العلم الطبيعي على أزلية المادة، خاصة مع وجود بدائل نظرية كوسمولوجية تقرّر أزلية الكون.

وسبب هذا الخطأ هو التعبير عن [الانفجار العظيم] بكونه نظرية، في نفس الوقت الذي تعتبر فيه [النظرية] مجرّد رأي لا تسنده البراهين، ولا يحمل أيّة سلطة أدبيّة، ولا يعبر عن أي حقيقة علمية.

لكن هذا غير صحيح؛ فالنظرية في المفهوم العلمي ـ طبقًا لتعريف الأكاديمية القومية الأمريكية للعلوم ـ هي: (تفسير موثّق بصورة جيدة لبعض جوانب العالم الطبيعي من الممكن أن يضم حقائق، وقوانين، واستدلالات، وفرضيات مختَبرة)([4])

أ ـ أدلة الانفجار العظيم:

وبناء على هذا يمكننا أن نقول: إنّ سيناريو (الانفجار الأوّلي العظيم) موثَّق بالقرائن العلميّة المدعومة بالنبوءات الصادقة للعلماء، وهو بذلك تفسير علمي مدلّل عليه لنشأة الكون.

وقد صرح بذلك الكثير من العلماء، فقد قال عالم الفيزياء والفلك ورأس علماء وكالة (ناسا) اللاأدري [روبرت جسترو] في ختام كتابه [الله والفلكيون]: (تنتهي القصّة بالنسبة للعالِم الذي عاش بإيمانه بقوّة العقل، كمنامٍ سيء. لقد تسلّق جبال الجهل، ويكاد يقهر أعلى قمّة، وبينما هو يرفع نفسه إلى الصخرة الأخيرة، يُفاجأ بتهنئة من جَمْع من اللاهوتيين الجالسين هناك منذ قرون)([5])

وقال (بول ديفيس): (لو أنّ نظرية الانفجار الكبير كانت تقوم على عمل (هابل) و(أينشتاين) فقط، لما استطاعت أن تحوز هذا الدعم الواسع. لحسن الحظ، توجد أدلة تأكيدية مقنعة. … حقيقة أنّ الكوسمولوجيا الحديثة وفّرت أدلّة فيزيائية صلبة لصالح الخلق هو أمر مرضٍ جدًا للمفكّرين المتديّنين)([6])

وشهد [فكتور ستنجر] أنّ (كلّ سنة تمرّ، ومع تراكم المعلومات الكونية، تتوافق معارفنا بصورة أكبر مع الصورة العامة للانفجار العظيم على الأقلّ)([7])

وقال مؤرّخ العلوم [فردريك برنهام]: (هذه الاكتشافات المتاحة الآن، تجعل القول إنّ الله قد خلق الكون فرضية جديرة بالاحترام اليوم، بصورة أكبر من أي وقت مضى في المئة سنة الأخيرة)([8])

وقال عالم الكوسمولوجيا الشهير، ورئيس (الجمعية الملكية البريطانية في لندن لتطوير المعرفة الطبيعية [مارتن ريس]) سنة 1999م: (كنت سابقًا، منذ سنوات قليلة، أثق بدرجة 90% في حدوث الانفجار العظيم… أمّا الآن فالنسبة أعظم بكثير، التقدّم العظيم في المشاهدات والتجارب جعلت الصورة الكونية الكبرى أدقّ أثناء التسعينات من القرن العشرين، وأرغب الآن في رفع درجة يقينيى إلى 99%)([9])

وقال: [راسل كانون] ـ وهو عضو في فريق علمي أمريكي قام بمسحٍ لعدد كبير من الكواكب باعتماد أساليب أحدث وأكثر تطوّرًا ـ سنة 2005م: (لقد عَلِمنا منذ زمن بعيد أنّ أفضل نظريّة لتفسير الكون هي الانفجار العظيم… ما يمكننا الآن أن نكون واثقين فيه بصورة أكبر هو أنها الفكرة الأساسيّة الصحيحة)([10])

وقال الصحفي الأمريكي [جورج ول] مازحًا: (إنّه يبدو أنّ الملاحدة سيعترضون على وكالة (ناسا) باعتبارها تقدمّ دعمًا علميًا للمتديّنين من خلال ما يثبته (مرصد هابل الفضائي) من حقائق!)([11])

بناء على هذا، سنذكر هنا باختصار بعض ما ذكره عالم الفيزياء الفلكية [هيو روس] من الأدلة العلمية على حدوث (الانفجار العظيم)، وهي ثلاثون دليلًا منسّقة على طريقة جيّدة، وموثّقة تفصيلًا من دراسات المتخصصين أصحاب الكشوف والدراسات([12]):

1. وجود إشعاع الخلفية الكونية وحرارته: وقد قدّر [رالف ألفر] و[روبرت هرمان] سنة 1948م أنّ تبرّد الكون بعد (الانفجار العظيم) سينتج أشعة كونية بحرارة تقارب 5 كلفن (-455°F)، وقد اكتشفت هذه الأشعة سنة 1965م وكانت حرارتها تقريبًا 3 كلفن (-457°F)، وهي قريبة جدًا من النسبة المتنبَّأ بها.

2. طابع الجسم الأسود لإشعاع الخلفية الكونية: فالاختلافات بين طيف الإشعاع الخلفي المتنبّأ به والمكتشف لاحقًا بلغ أقلّ من 0.03% على مدى طول الموجات المدرَكة.

3. نسبة التبريد لإشعاع الخلفية الكونية: حيث تتنبّأ (نظرية الانفجار العظيم) أنّ الإشعاع الكوني كلّما كان أطول عمرًا كلّما كان أبرد، وكلّما عدنا إلى الماضي من خلال قياس الإشعاعات الأبعد، كلّما ارتفعت حرارة الإشعاع، وهو ما أثبته العمل المرصدي.

4. التماثل الحراري لإشعاع الخلفية الكونية: فالاختلاف الحراري بين الإشعاعات الكونية من مختلف الجهات لا يتفاوت إلّا بقدر جزء واحد من عشرة آلاف، وهو ما لا يمكن أن يفسّر إلّا بأنّ الإشعاعات الخلفية تعود إلى حدث خلق كوني أوّلي حار جدًا.

5. نسبة الفوتونات مقارنة بالبريونات في الكون: فنسبة (الفوتونات) مقارنة بـنسبة (البريونات) -البروتونات والنوترونات- في الكون تتجاوز 100 مليون للواحد، وهذا يثبت أنّ الكون في حال أنتروبية عالية جدًا. ولا تفسير لذلك إلّا أنّ الكون كلّه قد تفجّر بسرعة من حال حار وكثيف جدًا.

6. تموجات الحرارة في إشعاع الخلفية الكونية: فلا بدّ أن تبلغ التموّجات الحرارية في خريطة إشعاع الخلفية الكونية درجة تقارب الواحد من عشرة آلاف حتى تتكون المجرّات وعناقيد المجرّات من انفجار خلقي عظيم. وقد تمّ رصد هذه التموّجات بالنسبة المتنبّأ بها.

7. قوة طيف التموجات الحرارية في إشعاع الخلفية الكونية: فقد أكّدت تجربة (بوميرانج) في أبريل 2000م درجات الطيف الحراري لإشعاع الخلفية الكونية المتنبأ بها.

8. معدّل التوسّع الكوني: فقد أظهر قياس سرعة المجرات أنّ توسّعًا كونيًا قد بدأ في زمن قريب من الزمن المحدّد للانفجار العظيم.

9. المدارات المستقرّة للنجوم والكواكب: فالمدارات المستقرة للكواكب حول النجوم، وللنجوم حول نواة المجرّة، لا يمكن أن تثبت ماديًا إلّا بعد توسّعات كبيرة وسريعة ثلاثية الأبعاد في المكان.

10. وجود الحياة والإنسان: فلا بدّ من نظام شمسي مستقر لوجود الحياة والإنسان، وهو ما لا يمكن أن يكون في غير سيناريو الانفجار والتبريد التدرّجي الذي تنبأت به (نظرية الانفجار العظيم)

11. وفرة الهليوم في الكون: حيث يتنبّأ نموذج (الانفجار العظيم) أن يتحوّل ربع (الهيدروجين) في الكون إلى (هليوم) في الدقائق الأربع الأولى للخلق، ذلك أن الاحتراق النجمي هو المصدر الوحيد الآخر (للهليوم).. وقد قاس العلماء نسبة كثافة (الهليوم) في السحب الغازية والمجرات التي ليس فيها البتة نجوم تحترق أو فيها فقط قليل من ذلك، وحدّدوا بذلك نسبة الهليوم الأوّلية، ووجدوا أنّها قريبة جدًا مما تنبّأت به النظريّة.

12. وفرة الديوتريوم في الكون: فالانفجار العظيم هو وحده القادر على إنتاج (الديوتريوم) -الهيدروجين الثقيل-، أمّا النجوم فتدمّره.. وقد أثبتت قياسات (الديوتريوم) في السحب الغازية والمجرات التي ليس فيها البتة نجوم تحترق أو فيها فقط قليل من ذلك، أنّه يلزمنا أن نقرّ أنّ الكون يعود في أصله إلى انفجار أوّل.

13. وفرة اللثيوم في الكون: فالانفجار العظيم هو وحده القادر على إنتاج (اللثيوم)، أمّا النجوم فتدمّره.

14.حجج النسبية العامة: فقد أثبتت نظرية النسبية العامة صحّتها مرارًا وتكرارًا، ولا تصحّ معادلاتها إلّا في كون له بداية، وله طبيعة تمدديّة.

15. مبرهنة الزمكان للنسبية العامة: فقد أثبتت مبرهنة رياضية قدمها كلّ من (ستيفن هاوكنج) و(روجر بنروز) سنة 1970م أنّه إذا كان للكون كتلة، وإذا كانت ديناميكيّته محكومة بقانون النسبية العامة، فلا بدّ عندها أن يكون متناهيًا في الماضي.

16. قياسات كثافة الطاقة في الفضاء: حيث طوّر كلّ من (أينشتاين) و(إدنجتون) نموذجًا كونيًا دون أن يتضمن انفجارًا عظيمًا، وذلك بإثبات قوة مضادة للجاذبية سمّاها أينشتاين (الثابت الكوني)، وأثبت لها قدرًا معينًا، وقد تراجع (أينشتاين) بعد ذلك عن نظريّته، غير أنّ علماء أثبتوا بعد عقود وجود هذا الثابت، وتدلّ قيمته التي وصلوا إليها على أنّ للكون بداية.

17. الأعمار النجمية: فوفقًا لنظرية الانفجار الكبير، ستتكون أنواع مختلفة من النجوم في حقب مختلفة بعد الخلق. وتُخبر الألوان ودرجات حرارة أسطح النجوم عن زمن بداية احتراقها. وأعمار هذه النجوم تتوافق مع (نظرية الانفجار العظيم)، ومع بقية قياسات الزمن إلى بداية الانفجار.

18. أعمار المجرّات: فطبق (نظرية الانفجار العظيم)، لا بدّ أن تتكوّن المجرّات في بدايات الكون، ضمن البلايين الأربعة الأولى. وهو ما يوافق قياسات العلماء.

19. انخفاض في ازدحام المجرّات: حيث تتنبّأ (نظرية الانفجار العظيم) أنّ المجرّات تتباعد عن بعضها البعض على مرّ الزمن. وقد أثبتت صور مرصد هابل أنّه كلّما نظرنا بعيدًا إلى الماضي، كلّما كانت المجرّات أكثر تقاربًا. وعند النظر في الثلث الأول من عمر الكون نلاحظ أنّ المجرّات كانت شديدة التقارب، وكأنّها حرفيًا تفكّ أذرعها الحلزونية عن بعض.

20. صور تاريخ الكون: حيث تتنبّأ نظرية الانفجار العظيم أنّ جميع المجرات قد نشأت في أوقات متقاربة، ولما كانت المجرات تغيّر شكلها بصورة دراماتيكية مع تقدّمها في العمر، كان شكل أقدمها غير شكل أحدثها، وهو ما أثبتته صور المرصد هابل.

21. نسبة المادة العادية مقارنة بالمادة الأجنبية: حيث يتنبّأ نموذج (الانفجار العظيم) أنه لتتكون المجرات والنجوم وتتطوّر حتى توجد منطقة صالحة للحياة الفيزيائية، لا بد أن تتحوّل في الكون نسبة من المادة الأجنبية (التي لا تتفاعل بصورة جيدة مع الإشعاعات) إلى مادة عادية (تتفاعل بصورة جيدة مع الإشعاعات) بمعدّل خمسة أو ستة إلى واحد، وهو ما أثبتته القياسات الحديثة.

22. وفرة البرليوم والبورون في النجوم الهرمة: حيث كشف الفلكيون أنّ نسبة (البرليوم) و(البورون) في الكون توافق ما تنبأت به (نظرية الانفجار العظيم).

23. كثافة المجموعات النجمية الأولى والثانية والثالثة: حيث يتنبّأ (الانفجار العظيم) أنّه مع توسّع الكون ستظهر ثلاث مجموعات نجمية مختلفة، وأنها في هذه المرحلة العمرية لا بدّ أن تحمل صفات معينة، وهو ما أثبته البحث العلمي.

24. كثافة الثقوب السوداء والنجوم النوترونية ومكانها ونوعها: فالكون الناشئ عن انفجار عظيم، والذي يسمح بوجود حياة مادية في مكان فيه، من المتوقّع أن ينتج بعد بلايين السنين من احتراق نجومه عدد صغير نسبيًا من (الثقوب السوداء)، وعدد أكبر من (النجوم النيوترونية) في كلّ مجرة. ومن المتوقّع أيضًا أنّ تنتج المجرّات الكبيرة (ثقوبًا سوداء) في مركز لبّها. وقد كشف العلماء (الثقوب السوداء) و(النجوم النيترونية)، وكثافتها، ومكانها.

25. تشتّت عناقيد المجرات النجمية: حيث يتنبّأ (الانفجار العظيم) أنه مع توسّع الكون ستنتثر في الكون أنواع مختلفة من المجموعات النجمية والمجرّيّة بدرجات محدّدة تتزايد مع الوقت. ويتنبّأ أيضًا أن المجموعات النجمية الأكثر كثافة لن تتشتت، ومع ذلك ستتطوّر السرعات المدارية لنجومها حول مركز المجموعة نحو وضع يسمى بـ(virialization). وقد كشف الرصد الفلكي عن هذه التطورات في تاريخ الكون.

26. كتلة النيوترينو وطبيعته: حيث تفترض أفضل نماذج (الانفجار العظيم) أنّ الشكل الأكثر هيمنة من أنواع المادة هو مادة أجنبية تسمّى (المادة المظلمة الباردة). ويدرك العلماء اليوم أنّ (النيوترينات) موجودة بكثافة كبيرة في الكون، وأنها باردة ومظلمة.. وتكشف الأبحاث الأحدث أنّ (النيوترينات) تتحوّل من طبيعة ولون إلى آخر. ويدلّ هذا التحوّل أنّ جسيم (النيوترينو) لا بدّ أن تكون كتلته أصغر من (الإلكترون) ببلايين وملايين المرات. مثل هذه الأحجام هي التي تفترضها أفضل نماذج (الانفجار العظيم).

27. الكثافة الكونية للبروتونات والنيوترونات: فقد أثبتت أربع طرق مختلفة لتحديد كثافة البروتونات والنيوترونات في الكون أنّ النسب التي توصّلت إليها توافق ما توقعه (نموذج الانفجار العظيم) لكون يضمّ نجومًا وكواكب صالحة للحياة([13]).

ب ـ نقض أدلة الملاحدة:

بما أن نظرية الانفجار العظيم كانت بمثابة الصاعقة التي قضت على آخر قشة يتعلق بها الملاحدة، فقد راحوا يفرون منها بكل وسائل الفرار، ويستعملون لذلك كل أنواع المغالطات، والتي سنذكر بعضنا مع الرد عليها هنا باختصار:

1. الهروب إلى المستقبل واكتشافاته العلمية: وهي حيلة يستعملها الملاحدة كثيرا كلما ضيقت عليهم السبل، فيتذرعون بأنه سيكشف في المستقبل ما يثبت دعاواهم، متجاهلين أن المستقبل أيضا قد يؤيد دعاوى مخالفيهم.

وقد سئل [جاسترو] عن قول الكاتب الملحد الشهير [إسحاق أزيموف]: (إنّ العلماء وإن عجزوا اليوم عن تفسير الانفجار العظيم، فسيتمكنون غدًا من فعل ذلك لأنّ العلم يتطوّر تبعًا لما يكتسبه من معلومات جديدة)

فأجاب بقوله: (أنا متشبّث بفكرة أنّ العلم لن يتمكّن من أن يفكّ شفرة سبب الانفجار الكوني مادام يظهر أنّ الكون كان لامتناهي الحرارة والكثافة في لحظاته الأولى. يبدو لي هذا الاستنتاج كإحدى الحقائق الصلبة للعلم، مثل التقسيم الكمّي للشحنة، وكتلة الإلكترون، واللولب الثنائي للحمض النووي. في رأيي، بإمكان الوضع أن يتغيّر فقط إن أطيح بالانفجار العظيم من خلال الكشف عن معلومات جديدة، ولكن في ضوء اكتشاف إشعاع الكرة النارية الأوّلي على يد (بنزياس) و(ويلسن)، يبدو هذا التطور بعيدًا)([14])

وقد مرّت اليوم ثلاثة عقود على هذا التصريح، لم يكشف البحث العلمي عن أيّة معلومة جوهرية قادرة على نقض طرح الانفجار العظيم، بل أكّد البحث على خلاف ذلك بدعمه سيناريو الحال الملتهبة لبداية الكون.

2 ـ عدم التفريق بين النماذج والنظريات: فالعلماء يميّزون بين النموذج كفكرة كبرى، والنظريات التي تنضوي تحته، وهي لا تتناقض فيما بينها؛ فما يقوم به العلماء الآن من حلّ أهم الإشكالات التي تواجه (نظريّة الانفجار العظيم) ليس مناقضا للنظرية، وإنما هو ضمن نفس النموذج الكوني لذات الانفجار.

 وقد نجحت نظرية (التضخم الكوني) ضمن (نموذج الانفجار العظيم) في حلّ المشكلات الثلاث الكبرى للنموذج والتي تتعارض مع التصوّر الكلاسيكي للانفجار العظيم، وهي (مشكلة الأفق)، و(مشكلة التسطّح)، و(مشكلة أحادية القطب المغناطيسي).

 فـ(نظرية الانفجار العظيم) نجحت في أن تفسّر ما نعرفه عن الكون دون أن تتخلّى عن أصولها، وأهمّها أنّ للمكان والزمان بداية.

3 ـ الأدلّة على الانفجار العظيم الذي نشأ منه الكون تتراكم مع تتابع الاكتشافات الفلكيّة الكبرى ولا تتناقص: وهي تثبت قدرتها التفسيرية للظواهر الكونية المشاهدة اليوم والتي تمثّل التاريخ القديم للكون. ولعلّ أبرز طابع لصلابة (نظرية الانفجار العظيم) هو صحّة نبوءاتها العلميّة عن تاريخ الكون منذ بدايته، والناتج عن انفجار حراري هائل تمددت عناصره لتنشئ المكان المتوسّع بسرعة.

ولم تكن أبحاث العلماء الأمريكيين وحدها حجّة متجددة لصالح نظرية الانفجار الكبير، وإنّما هي أبحاث علماء الكوسمولوجيا في كلّ قارات الأرض، ومن ذلك أنّ (الوكالة الأوروبية لأبحاث الفضاء) التي تُعنى بتطوير برامج التعاون الفضائي بين دول أوروبا الغربية، قد أصدرت تقارير سنة 2013م عن تحليل نتائج ما رصده (مرصد بلانك الفضائي) الذي أنشئ لمسح توزيع (إشعاع الخلفية الميكروي الكوني) في الكون بدقة عالية، وقد جاء في أحدها: (إجمالًا، توفّر المعلومات المستقاة من الخريطة الجديدة لبلانك تأكيدًا رائعًا للنموذج القياسي للكوسمولوجيا بدقّة غير مسبوقة)([15])

ج. فشل البدائل المطروحة:

لم يكتف الملاحدة بالامتعاض أو الحزن على تلك الحقائق العلمية التي هدمت جميع الأسس الإلحادية التي استندوا إليها، واستند قبلهم فلاسفة الإلحاد، بل راحوا يضعون النماذج، ويتخيلونها، ليبنوا على أساسها كونا وهميا لا يستند لأي دليل علمي([16]).

وقد عبر عن هذا المنهج الجديد في الرد على الانبثاق الكوني عالم الفيزياء الفلكية (كريستوفر إشام)، فقال: (ربّما أفضل حجة لصالح الطرح القائل إنّ (الانفجار العظيم) يؤيّد الإيمان بالله هو التململ الواضح الذي قوبل به من طرف بعض الفيزيائيين الملاحدة. وقد أدّى ذلك إلى ظهور أفكار علمية، مثل (الخلق الدائم) أو (الكون المتذبذب)، وقد تمّ تقديمها بحماسة تفوق بكثير قيمتها الحقيقية ممّا يلزم المرء بأن يرى دوافع نفسيّة أعمق بكثير من الرغبة المألوفة للمنظّر لدعم نظريّته)([17])

بناء على هذا، سنذكر هنا بعض البدائل التي طرحها الملاحدة للفرار من الانفجار العظيم، وكيف أثبت العلم فشلها:

الحالة الثابتة:

وهي من النظريات التي لم تثبت بعد تقدّم (نظرية الانفجار العظيم)، مما اضطر الكل إلى التخلي عنها، ومنهم [أرنو بنزياس] الذي قال عنها:: (لقد تبيّن أنّ (نظرية الحال الثابتة) قبيحة جدًا حتّى إنّ الناس لفظوها. كان الطريق الأيسر لمطابقة الملاحظات مع العدد الأقل من المعلمات هو الطريق الذي فيه أنّ الكون خُلق من لاشيء، في لحظة، وبقي يتّسع)([18])

ومن الانتقادات التي وجهت لها:

1. فقدانها الأدلة الإيجابية لصحّتها.

2. عدم وجود مجرّات قديمة جدًا في محيط مجرّتنا، ينفي أن يكون الكون أزليًا.

3. عدم وجود مجرات صغيرة جدًا في محيط مجرتنا، ينفي الخلق العفوي المستمر.

4. ندرة الانزياحات الحمراء وراء z =5 تقتضي وجود حدّ حقيقي للكون أدنى من الحد البصري المتوقّع من كون لانهائي ثابت.

5. تفتقد النظرية لآلية مادية (مثل الانفجار الأوّلي) لقيادة التوسّع المبصَر للكون.

6. إشعاع الخلفية الكونية الميكروي المدرَك -والذي يتناسق تمامًا مع تصوّر تبريد الكرة النارية البدائية- يتحدى قصّة الكون كما تقدّمها نظرية الحال الثابتة.

7. عدم الانتظام الهائل للكون لا معنى له في (نظرية الحال الثابتة)

8. وفرة (الهليوم) في الكون توافق ما تنبأت به (نظرية الانفجار العظيم) لا (نظرية الحال الثابتة)

9. لا تقدّم (نظرية الحال الثابتة) تفسيرًا للوفرة المعروفة (للديوتريوم) و(الهليوم الخفيف) و(الليثيوم)، وفي المقابل تقبل هذه الظاهرة التفسير السلس في سيناريو (الانفجار العظيم) الحار ([19]).

وقد أدّى ظهور فساد (نظرية الحال الثابتة)، وعجز مخزونها النبوئي، إلى أن ينصرف عامة أنصارها عنها إلى (نظرية الانفجار العظيم) التي نجحت فما فشلت فيه النظرية الأخرى

الكون الساكن:

وهذا مما قد يطرح كبديل لبداية الكون، ذلك أن الزمان هو مقدار الوجود بين حدثين، وفي غياب الحركة بجميع أنواعها ينعدم الزمان، وهذه الدعوى باطلة من الناحيتين العقلية والعلمية:

أما من الناحية العقلية: فإن ظهور الحركة في الكون بعد سكونه من الأزل إمّا أن يكون بسبب أو بغير سبب.. إن قال الملحد إنّ الحدث الأول نتج عن سبب، فقد أوقع نفسه في ما يحاذره؛ وهو افتراض ذات غير مادية متعالية على الزمان والكون الهامد أزلًا؛ إذ هي تسبقه أنطولوجيًا. وإن قال إنّ الكون قد انتقل إلى الحركة دون سبب فقد زعم أنّ الشيء قد ينتقل من حال إلى آخر دون سبب، وهذا ظاهر الفساد!

أما من الناحية العلمية: فإن حقائق العلم ترفض التسليم لدعوى الكون الساكن، لأنّ الكون الساكن ميّتٌ حراريًا، ولا يمكن أن ينتقل إلى الحركة إن افترضنا جدلًا إمكان وجوده دون حرارة، وهو غير ممكن أصلًاحتى تُضخّ إليه الحرارة من الخارج، وهو ما يضطرّ الملحد إلى التسليم بوجود من هو خارج الكون، وهو ما يسعى لنفيه!

وهذا الوهم قد يقود إليه سوء الفهم لنظرية التموّج الكمومي، وهو وهم لا يطابق الواقع لأنّ الفراغ الكمومي ـ كما يقول أصحابه ـ هو عالم من الطاقة المتحرّكة المضطربة، وهو ما يعني أنّه بعيد عن معنى السكون والجمود.

النموذج المتذبذب:

وهو نموذج يحاول تجاوز الانبثاق الكوني، والعوة للحالة الثابتة، باعتبار أنّ الكون في حال توسّع ثم انكماش دائبين منذ الأزل، دون بداية، وقد قال الفيزيائي البريطاني (جون غربن)، معبرًا عن الأيديولوجية التي تنطلق منها هذه النظرية: (الإشكال الأكبر في نظرية الانفجار العظيم المتعلّقة بنشأة الكون هو فلسفي ـ وربما حتى لاهوتي ـ وهو: ماذا كان قبل الانفجار؟ كان هذا الإشكال وحده كافيًا لمنح دفعة أولى لـ(نظرية الحال الثابتة)، ولكن بعد أن تبيّن ـ للأسف ـ أنّ تلك النظرية معارضة للأمور المشاهدة، كان الطريق الأفضل للالتفاف حول هذا الإشكال الأوّلي هو في تقديم نموذج يتوسّع فيه الكون من (مفردة) (singularity)، ويعود فينهار بعد ذلك، ثم يعيد دورته هذه دون نهاية)([20])

وقد انتقدت هذه النظرية انتقادات كثيرة جدا لمخالفتها لكل القوانين العلمية، ولعدم إمكانية إثباتها نظريا أو عمليا، ذلك أن الكون المتذبذب ـ في حال التسليم جدلا بإمكانيته ـ لا يمكن أن يكون أزليًا لأنّه لا يستطيع أن يقاوم عدّة عوامل مادية وقانونية مطلوبة، وقد قال كل من (زلدوفيتش) و(نوفيكوف) عن هذا النموذج: (النموذج متعدد الدورات له مستقبل لانهائي، أمّا ماضيه فهو متناهٍ)([21])

وعندما حسب الفلكي (جوزيف سلك) عدد المرات الممكنة لتاريخ تذبذب الكون انطلاقًا من المستوى الأنتروبي الحالي للكون، وجد أنّ الحالات الممكنة لا يمكن أن تتجاوز مئة مرّة ([22]).

بالإضافة إلى هذا، فقد انتقدت هذه النظرية انتقادات كثيرة منها:

1. لا يوجد دليل مادي على أكثر من انفجار واحد وتمدّد واحد للكون.

2. أشار (فلنكن) إلى أنّ هذه النظرية تصادم وجود الكون إلى اليوم؛ إذ إنّها لو صحّت، فلا بدّ أن يكون الكون قد بلغ مرحلة (التوازن الترموديناميكي) (thermodynamic equilibrium) لتتوقف جميع التفاعلات الفيزيائية في الكون، وهو خلاف ما نعلمه ونشاهده من كوننا اليوم ([23]).

3. يبدو أنّ الكثافة المشاهدة للكون لا تكفي في أفضل أحوالها لنصف ما يُحتاج لانكماش كوني.

4. لا توجد آلية فيزيائية معروفة ومعقولة من الممكن أن تحقق الانكماش العكسي المطلوب.

5. لما حسب الفلكي (جوزيف سلك) (Joseph Silk) عدد المرات الممكنة لتاريخ تذبذب الكون انطلاقًا من المستوى الأنتروبي الحالي للكون، وجد أنّ الحالات الممكنة لا يمكن أن تتجاوز مئة مرّة ([24]).

6. يحتاج الكون لكي يمرّ بعدد لانهائي من دورات التذبذب المتتابعة أن يبدأ بمقادير مضبوطة ومتقنة من المادة والطاقة والقوانين الحاكمة لها حتى يتمكن من أن يعيش دورة التمدد قبل الانكماش، وهو ما لا تسمح به عشوائية الكون الإلحادي.

7. إنّ الكون المتذبذب، حتى لو صّح تاريخيًا، فإنه لا يمكن أن يكون أزليًا لأنّه لا يستطيع أن يقاوم عدّة عوامل مادية وقانونية مطلوبة، ولذلك قال كل من (زلدوفيتش) (Zeldovich) و(نوفيكوف) (Novikov) في الحكم على هذا النموذج: (النموذج متعدد الدورات له مستقبل لانهائي، أمّا ماضيه فهو متناهٍ)([25])

الأكوان المتعددة.

تعتبر نظرية الأكوان المتعددة من أكثر النظريات شهرة وشيوعا على الرغم من عدم التحقق منها علميا، وبأي وسيلة من الوسائل، بل على الرغم من أنه لا يمكن التثبت منها بحال من الأحوال، ذلك أن أصحاب النظرية أنفسهم يذكرون أن كل كون من الأكوان منفصل تماما عن الأكوان الأخرى، بل له قوانين تختلف اختلافا جذريا عن غيرها، والسبب في ذلك ـ كما يذكرون ـ يرجع لما يُعرف بأُفق الجسيم، وهو أقصى مسافة من تلك الجسيمات التي تحمل المعلومات، والتي ما إن تصل للراصد حتى يكون عمر الكون قد انتهى منذ مليارات السنوات الضوئية، وأي كون آخر حتما هو خارج أُفق الجسيم.

ولأجل ذلك يذكر علماء الفيزياء والفلك الكبار استحالة اعتبار هذه النظرية حقيقة علمية لا الآن، ولا في المستقبل للاستحالة العلمية والمنطقية لإثباتها، وقد قال عالم الكونيات [جورج إليس]، معبرا عن ذلك: (إن فرضية الأكوان المتعددة ليست من العلوم، ولا توجد داخل دائرة العلم، وإنما في إطار الفلسفة)

ولذلك فإن هذه النظرية التي لم تدل عليها المخابر، ولا حتى العقل المجرد، ليست سوى مقولات خيالية تحاول أن تتدارك المقولات الإلحادية القديمة التي كانت ترى أن الكون كاف نفسه بنفسه، ولذلك احتاج الملاحدة لوضع أنفسهم في هذا المأزق للبحث عن أكوان متعددة للخروج من مأزق الثوابت الكونية التي هم أنفسهم أطلقوا عليها الثوابت المعدة بعناية.

وقد أشار الفيزيائي الشهير البروفسور [جون بولكنجهورن] هذا المعنى، فقال ـ عند حديثه عن هذه النظرية ـ: (إنها ليست فيزياء.. إنها في أحسن الأحوال فكرة ميتافيزيقيه، ولا يوجد سبب علمي واحد للإيمان بمجوعة من الأكوان المتعددة.. إن ماعليه العالم الآن هو نتيجة لإرادة خالق يحدد كيف يجب أن يكون)([26])

بل إن [ريتشارد داوكنز] في حواره مع [ستيفن واينبرج] بين سبب اعتماد هذه النظرية والاهتمام بها، وهو كونها وسيلة لنفي الإله، وقد قال معبرا عن ذلك: (إذا اكتشفت هذا الكون المدهش المعد فعليا بعناية.. أعتقد أنه ليس أمامك إلا تفسيرين اثنين.. إما خالق عظيم، أو أكوان متعددة) ([27])

وأشار هاوكنج إلى ذلك أيضا، فقال: (تماما مثلما فسر دارون ووالاس كيف أن التصاميم المعجزة المظهر في الكائنات الحية من الممكن أن تظهر بدون تدخل قوة عظمى، فمبدأ الأكوان المتعددة من الممكن أن يفسر دقة القوانين الفيزيائية بدون الحاجة لوجود خالق سخر لنا الكون.. فبسبب قانون الجاذبية فالكون يستطيع ويمكنه أن ينشيء نفسه من اللاشيء.. فالخلق الذاتي هو سبب أن هناك شيء بدلا من لا شيء، ويفسر لنا لماذا الكون موجود، وكذلك نحن)([28])

وحتى يتلافى ستيفن هاوكنج الانتقادات التي توجه لهذه النظرية في خصوص تفسير دقة الكون والثوابت العجيبة التي تحكمه راح يفترض في كتابه [التصميم العظيم] وجود 10 أس 500 كون.. أي 10 وأمامها 500 صفر، وهو ـ كما يذكر بعض الباحثين ـ لا يختلف في ذلك عمن يحضر سيارة مفككة من كل أجزائها ابتداء من أصغر مسمار فيها.. ثم يقول: إن هناك احتمالية رياضية لتكون هذه السيارة صدفة وعشوائية، وبالطبع، فإن الإجابة على استحالتها رياضيا يتخطي 1 إلى 10 أس 50 أو 70 أو حتى 100.. لأن السؤال أصلا خطأ.. وذلك لأن الأجزاء لن تتحرك من ذاتها وتتراكب ويدخل بعضها في بعض إلا بفاعل قدير حكيم يعلم ما يفعل ويريده.

التضخم الأزلي:

وهو نموذج اقترحه عالم الفيزياء الفلكية الروسي (أندري لند) في السبعينات من القرن الماضي، غير أنه عاد في بداية العقد التالي ليقترح نموذجًا آخر يُعرف بـ(التضخم الجديد)، ثم عاد فانتبه بعد فترة قصيرة إلى عيوب نموذجه الجديد، لينشئ بعد ذلك ما يعرف بنموذج (التضخم العشوائي)، حيث تنشأ من جوانب الكون الأم أكوانٌ جديدة تتوسّع، وتنشأ من جوانبها أيضًا أكوان أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية.

ولم تقدّم هذه النظريات في عناصرها وتاريخها حجّة مادية واحدة لإثبات صدقها، ولذلك أعرب الفيزيائي [جون برّو] عن امتعاضه منها بقوله: (للأسف، لا يبدو أنّ كامل المخطط الكبير للتضخم الأزلي قابل للاختبار)([29])، ومثله قال [هاوكنج]: (في رأيي الخاص، نموذج التضخم الجديد هو ميت الآن كنظرية علمية)([30])

ومن أهم الردود على أزليّة نموذج (لند) كان بنشر (أرفن بورد) و(ألكسندر فلنكن) سنة 1994م دراسة تثبت أنّ كلّ نظريات التمدد، بما في ذلك نظرية (لِند) لا يمكنها أن تتلافى المفردة التي نشأ منها الكون.. وقد انتهيا في دراستهما إلى أنّ (الزمكان المادي المعقول، والمتوسع أبدًا، لا بدّ أن يضمّ مُفردة أولى في تاريخه)([31])، وهو ما أقرّ به (لند) في رده على هذه الدراسة([32]).

نماذج التذبذب الفراغي:

خلافا لما تذهب إليه معظم نظريات التضخم ـ والتي ترى أنّنا كلّما عدنا إلى الخلف وراء حاجز بلانك ـ أي الثانية 10-43 من الانفجار العظيم ـ انكمش الكون حتى يصبح مفردة ـ فإن نماذج الفراغ المتذبذب ترى في المقابل أنّ العالم قبل تضخمه لم يكن ككلٍ يتوسّع، وإنما كان فراغًا بدائيًا في حال ثبات أزلي، وكانت تفاعلات الطاقة مستمرة في هذا المجال الفراغي، وهو ما نتج عنه تحوّل الطاقة إلى مادة، وبالتالي نشوء أكوان صغيرة، وبذلك فإنّ لكوننا بداية لا تمثّل البداية المطلقة، وإنّما هي مجرّد تغيّر في الكون الأزلي.

وقد قدّمت هذه النماذج حلًا مغريًا للخروج من إشكالية الكون المخلوق مع الاعتراف بحقيقة ابتداء كوننا وتمدّده، لكنّها لم تتجاوز في تاريخ حياتها العقد الثامن من القرن العشرين، وذلك لأسباب كثيرة منها:

1. وجود إشكالات في آليات توليد المادة.

2. أنّ افتراض أزلية الكون يقضي أن تنشأ من الطاقة أكوان أزليّة لا نهائية العدد، لتندمج بعد ذلك فيما بينها، وهذا ما يخالف حقيقة كوننا صغير السن نسبيًا، فأزلية الطاقة الأولى التي يستحيل معرفة سبب تحوّلها إلى مادة، تقضي أن يكون ما ينشأ منها أزليًا، والحلّ الوحيد للإشكال السابق هو افتراض تضخّم الفراغ الأوّل، وهو ما سيعيدنا إلى افتراض بداية مطلقة للكون، وهو ما يفرّ منه الملاحدة.

3. أن هذا النموذج فشل في إقناع الراصدين، حتى قال عالم الكوسمولوجيا الكمومية الشهير [كريستوفر إشام]: (إنّه قد تمّ التخلّص من هذه النظرية منذ فترة بعيدة، ولم يتم إحياؤها منذ ذلك الحين)([33])

نظرية الأوتار:

وهي مجموعة من الأطروحات التي تنطلق من الزعم بأنّ المادة ليست بناءً من الجسيمات مثل الكواركات، وإنما هي في الحقيقة مجموعة أوتار من الطاقة صغيرة الحجم، ذات بعد واحد وطبيعة اهتزازية.

وعلى الرغم من كثرة الإشكالات المثارة حولها إلا أنها وجدت دعاية إعلامية واسعة بسبب غرابتها وتطرّفها، وكونها وسيلة يستعملها الملاحدة لبث أغلوطاتهم وشبهاتهم.

وتقدّم هذه النظرية صيغتين اثنتين للوجود الكوني:

النظرية الأولى: وهي من وضع الفيزيائيين (غبريال فنزيانو) و(موريزيو غسبريني)، وهي تقرّر أنّ الانفجار العظيم عبارة مرحلة بين انكماش سابق وتمدد لاحق، حيث تكوّن قبل الانفجار العظيم ثقب أسود في الفراغ الأزلي المستقر، وقد أدّى انهياره إلى ظهور النسب اللاحقة من الحرارة والكثافة وغير ذلك، مما أدّى إلى التوسّع اللاحق.

ولا يوجد ما يدل على هذا الافتراض أي دليل مادي، بالإضافة إلى عدم اكتمال تأصيلها النظري، بالإضافة إلى أنه يلزم من نشوء الثقوب السوداء في الفراغ الكوني في أي رقعة منه أن تكون نشأة هذه الثقوب من الأزل، وهو ما يخالف واقع عمر كوننا الصغير سنًا نسبيًا. كما يلزم من ذلك أيضًا أن تندمج الثقوب السوداء في بعضها منذ الأزل لتكوّن ثقبًا أسود مساويًا في امتداده للكون، وهو ما يؤول إلى أن يكون زمن ما بعد الانفجار العظيم قديمًا من الأزل. كما يلزم من كون الكون مغلقًا أن يصل إلى حال التوازن الترموديناميكي، وهو ما لم يبلغه كوننا بعد.

النظرية الثانية:، وهي الأشهر، وتسمى (نموذج التحوّل الناري)، وانتصر لها (بول ستينهارت)، وهي في أحدث نماذجها، تفترض وجود غشائين أزليين، ينتج من تكرر تصادمهما ثم تباعدهما كون جديد.

وهذه النظرية محض خيال، وهي تعاني من إشكالات داخلية عميقة، وقد انتقدت من نواح مختلفة منها([34]):

1. أنّ سلسلة التصادم اللامتناهية محالة عقلًا.

2. أنّ الدقة العالية المطلوبة لتوازي هذين الغشائين حتى عند تباعدهما لا تفسّر بغير الصنعة الحكيمة.

3. أنها لا تملك أن تقدم كونًا أزليًا لأنّ كلّ نموذج تضخمي لا بدّ أن يعود إلى نقطة ابتداء.

وقد صرّح (ستينهارت) أنّه لا يلزم من نموذجه أن تكون التذبذبات لا نهائية في الماضي، بل واعترف بنفسه أنّ لنموذجه التذبذبي بداية في قوله: (القصة الأرجح هي أنّ التذبذب قد ابتدأ ببداية مفرديّة)([35])

ولذلك ردّ ما قبل تلك البداية إلى الغيب، ليصبح هذا النموذج في ذاته قاصرًا عن إثبات أزلية الكون، بل قائلًا إنّ له بداية نشأ منها!

نموذج هارتل- هاوكنج:

وهو نموذج لا علاقة له ببداية الكون، ذلك أن الزمن الذي أثبته قبل الانفجار العظيم، (زمن تخيّلي)، وقد افترضه (هاوكنج) لتصحّ معادلاته دون أن يرى له حقيقة، وكانت غايته تلافي المفردة التي نشأ منها كوننا، ولذلك اعترف بقوله: (عندما يعود المرء إلى الزمن الحقيقي الذين نعيش فيه، ستظل هناك مفردات)([36])

وهذا السلوك يمارسه الفيزيائيون عادة كسلوك افتراضي غير حقيقي، كما عبر عن ذلك الفيزيائي [جون برّو] بقوله: (من دأب الفيزيائيين الذين يعمدون كثيرًا إلى تحويل الزمن إلى مكان لمعالجة بعض إشكالات ميكانيكا الكم، دون أن يتصوّروا أنّ الزمن هو في الحقيقة مثل المكان. وفي نهاية الحساب، يعودون إلى التفسيرات الاعتيادية للوجود على أنه بعد زمني واحد وثلاثة أبعاد للمكان)([37])

ومن الأمثلة على هذا النوع من الاستعمال ما قام به عالم الكيمياء [ويليام هـ. ملر] سنة 1969م عندما استعمل الزمن التخيلي لفهم ديناميكية التفاعلات الكيميائية، ونال بذلك مجدًا علميًا، دون أن يتحوّل الزمن التخيّلي عنده إلى حقيقة موضوعيّة.

وهكذا؛ فإن فإن ما قام به (هاوكنج) هو أنه تخلّص من المفردة التي تمثّل فيزيائيًا بداية المكان والزمان ليصبح تاريخ بداية الزمان كقاعدة ناعمة وليس كنقطة كما في النماذج الكلاسيكية، وبذلك لا توجد للبداية نقطة أولى! وهو تصوّر رياضي لا يمكن نقله إلى الواقع، أو بعبارة (فلنكن): مجرّد (ملاءمة حاسوبية)([38])

ولذلك قال الفيزيائي [دافيد بارك]: (من السهولة المخادعة تصوّر أحداث قبل الانفجار العظيم.. لكن لا سبيل البتّة في الفيزياء لأن يكون لهذه التصوّرات معنى)([39])

ونحب أن ننبه هنا إلى أنّ [هاوكنج] نفسه يقرر بداية للكون مثل سائر الكوسمولوجيين، فهو القائل: (اليوم، تقريبًا يؤمن الجميع أنّ الكون، والزمن نفسه، لهما بداية مع الانفجار العظيم)([40])

مع العلم أن [هاوكنج] صرح أنه يلزم من وجود بداية للكون وجود خالق له؛ فهو الذي أعلن أنّه (إذا كانت للكون بداية، فعلينا أن نفترض أنّ للكون خالقًا، ولكن إذا كان الكون مكتفيًا بنفسه بصورة تامة، دون أن يكون له حد أو حافة، فلن تكون له بداية ولا نهاية)([41])

2 ـ أدلة أخرى:

بالإضافة للدليل السابق، والذي يمكن اعتباره حقيقة علمية دلت عليها كل الدلائل، وسقطت في مواجهتها كل النماذج والنظريات، هناك أدلة أخرى كثيرة تزيد في قطعية ذلك الدليل، وتجعل من حدوث العالم قضية قطعية لا مجال للجدل فيها، ومن تلك الأدلة:

القانون الثاني للديناميكا الحرارية:

وهو القانون الذي يحتلّ مكانة خاصة بين القوانين الكونية، حتى اعتبره عالم الكوسمولوجيا [إدنجتون] القانون الأوّل لكلّ العلوم، واعتبر أن (أي نظرية علمية تتعارض مع هذا القانون لا تملك أملًا في البقاء، وستنهار ضرورة)([42])

ومع كون هذا القانون في الأصل متعلّقا بالانتقال الحراري، إلا أنه مع ذلك يستعمل في محال كثيرة، منها أنّ الكون ينحو إلى الفوضى بعد الانتظام، وأنّ النُظُم تتحوّل من السلوك المنتظم إلى السلوك العشوائي.. ومن لوازم هذا القانون أنّ الكون يتّجه إلى فقد طاقته، ويتحوّل بصورة عفوية من الحرارة إلى البرودة، ومن النظام إلى الفوضى، فكلّ شيء يتحوّل من الأعلى إلى الأدنى.. أي أنه [قانون الفساد في الكون]، وهو الحقيقة الكبرى التي ألزمت (أينشتاين) أن يقول بكلّ ثقة: (إنه لا يمكن أن يتمّ إبطاله في يوم ما)([43])

ويمكننا الاستفادة من هذا القانون في الدلالة على وجود بداية للكون، وذلك من خلال التصورات الكبرى التي يؤمن بها الملاحدة حوله، وهي كونه كيانا مغلقا رغم ضخامته الهائلة.. وكونه كيانا ماديا بحتا.. واعتبار روحه هي طاقته التي يستهلكها وتمنعه من أن يبلغ مرحلة التموّت الحراري..

وبناء على هذا، وبناء على أن الكون يستهلك طاقته على مدى الزمن بما يجعلها تتناقص يومًا بعد يوم، كما يتقلص البنزين من خزّان السيارة كلّما أخذت السيارة منه رصيدًا لحركتها؛ فإن هذا يدل على أنّ لهذا الكون بداية محدّدة بدأ منها استهلاك الطاقة، ولا يستقيم لذلك أن يكون الكون أزليًا؛ لأنه لا ينقص إلا المبدوء، فإنّ الكون الذي تتناقص طاقته من الأزل، تنفد طاقته في الأزل.

وقد عبر الفيزيائي اللاأدري [بول ديفيس] عن هذا المعنى، فقال: (اليوم، نحن نعلم أنه لا يمكن لنجم أن يستمر في الاحتراق إلى الأبد؛ إذ لا بدّ أن ينفد وقوده. وهذا يفيد في توضيح مبدأ عام جدًا: [مفهوم] الكون الأزلي يتعارض مع استمرار وجود العمليات الفيزيائية التي لا رجعة فيها. إذا كان بإمكان النظم الفيزيائية أن تخضع لتغييرات لا رجعة فيها بمعدل محدود، فهي إذن ستنتهي من تلك التغييرات في زمن لانهائي مضى)([44])

ويقول: (ثمّة خيوط لأدلّة عديدة تدعم هذه النظرية المذهلة، وسواء قبلنا كافّة التفاصيل أم لم نقبل، فالفرضيات الأساسية ـ بوجود نوع من خلق ما ـ تبدو قاهرة من وجهة نظر العلم، ويعود الفضل ـمباشرة ـ إلى مجموعة كبيرة من البراهين، تعود إلى أحد أكثر قوانين الفيزياء شهرة، ذلك المعروف بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية، ويوضح هذا القانون ـبالمعنى العام ـ أنّ الكون يصبح ـيومًا بعد يوم ـ أكثر اضطرابًا، فثمّة نوع من الانحدار التدريجي والعنيد ينزع إلى الفوضى، والأمثلة على صحة القانون الثاني واضحة للعيان، ففي كلّ مكان: بنايات تنهار، بشر يتقدّمون في العمر، جبال وسواحل تتآكل، وموارد الطبيعة تنضب.. وقد أثبتت تجارب دقيقة عديدة أنّ الكميّة الكليّة للاضطراب في نظام ما لا تنخفض أبدًا، وإذا كان النظام معزولًا عن محيطه، فأيّ تغييرات تحدث داخله سوف ترفع الأنتروبي، أي الاضطراب، بحدّة بالغة حتى لا يمكنه بعدها الوصول إلى أعلى، وحينها لن يحدث المزيد من التغيير؛ إذ يكون النظام قد وصل إلى حال توازن الديناميكا الحرارية)([45])

ومع وضوح دلالة هذا القانون على وجود بداية للكون إلا أن بعض الملاحدة طمع في أن تكون الكوسمولوجيا الكمومية هي المخرج من هذا المأزق الذي أوقعهم فيه القانون الثاني للديناميكا الحرارية، لكنّ دراسة نشرت قريبًا للكوسمولوجي [آرون وال] أثبتت أنّ السلطان التام لهذا القانون على كوسمولوجيا الكم يلزمنا بالإقرار بخلق الكون، ولا حلّ لمواجهة ذلك إلا بتبنّي إمكانية أن تسير حركة الزمان بصورة عكسيّة، أي أن يتحرّك الزمان إلى الماضي لا من الماضي([46]).

النظرية النسبية لأينشتاين:

وهي نظرية يمكن الاستدلال بها على وجود بداية الكون، وقد علِم [أينشتاين] أثناء عمله على نظريته أنّ الحسابات تقوده إلى كون غير مستقر في حجمه، فاضطرّ للهروب من هذه النتيجة أن يفترض سنة 1917م وجود ما سمّاه بـ [الثابت الكوني] كإضافة إلى نظريته في النسبية العامة، حتى يتحقق الاستقرار الكوني بالتغلّب على سلطان الجاذبية بوجود قوة تنافرٍ تفعل فعلًا معاكسًا لفعل الجاذبية، لكنّه اضطرّ إلى التنازل عن رأيه والإقرار بتوسّع الكون بعد اكتشاف [هابل] في آخر العقد الثاني من القرن العشرين لدليل مدرك لتنائي المجرّات عنّا.

بالإضافة إلى هذا، فقد نشر بعض الباحثين ورقة علمية سنة 2003 في مجلة [Physical Review Letters] تحت عنوان [الزمكانات المتضخمة غير تامة من جهات الماضي]، وأثبتوا فيها أنّ الكون اللامتناهي في الزمان لا يتوافق مع نظرية أينشتاين النسبية التي ثبت صدقها علميًا منذ زمن.

تمدد الكون:

ودلالته واضحة على وجود بداية للكون؛ فقد اكتشف [إدون هابل] في بداية القرن العشرين أنّ الكون يتمدّد، وأن سرعة ابتعاد الأجرام عن بعضها تطابق سرعة ابتعادها عن الأرض.. وكان هذا الكشف من أقوى الدلائل لتأكيد (نظرية الانفجار العظيم)، غير أنّ هذا التمدّد وحده حجّة لوجود بداية للكون.

وقد أبدى [هاوكنج] استغرابه من عدم الكشف عن تمدد الكون قبل القرن العشرين؛ إذ إنّه من المستحيل أن يوجد كون ثابت من الأزل تعمل فيه الجاذبية عملها الجذبي([47]).

وعلّق على ذلك قائلًا: (كان الكشف عن توسّع الكون إحدى أكبر الثورات الفكريّة في القرن العشرين. من السهل أن نتساءل ـبصورة متأخرة: لِمَ لَمْ يفكّر أحد في ذلك من قبل. لقد كان على (نيوتن) والآخرين أن يكتشفوا أنّ الكون الثابت لا بدّ أن يبدأ عن قريب في الانكماش تحت تأثير الجاذبية)([48])

ومن الحجج الأقوى اليوم لدلالة التوسّع على نفي أزليّة الكون [مبرهنة بورد وغوث وفلنكن]، والتي لقيت قبولًا كبيرًا في أوساط الكوسمولوجيين في العالم، وهي تقرّر أنّ كلّ كون أو أكوان تتمدّد بدرجة أعلى من الصفر، فلا ريب أنها تعود إلى بداية ولا يمكن أن تكون أزليّة ([49])

وقد لخّص أصحاب المبرهنة دراستهم بقولهم: (النموذج الكوسمولوجي المتضخم ـ أو حتى المتوسع بسرعة كافية ـ لا بدّ أن يكون غير تام في الاتجاهات الماضية للعدم والزمان)

مفارقة السماء المظلمة:

وتسمى كذلك [مفارقة أولبرز] على اسم الفلكي الألماني [هاينريش أولبرز] (1840م)، وهي تنص على أنه لو كان الزمان بلا بداية لكانت السماء كلّها مضيئة ليلًا لأنّها ستكون مغمورة كلّها بأضواء النجوم التي وصلنا ضوؤها منذ الأزل، أمّا والحال كما نعرف من سمائنا اليوم من أنّ ليلها أسود إلا من قليل من النجوم المضيئة، فذاك يعني أنه لا يصلنا من ضوء النجوم إلا ما انتهى من رحلته إلينا منذ بداية تخلّق النجوم أو بعد ذلك.

يقول [بول ديفيس] معبرا عن ذلك: (لو كان الكون غير متناهٍ في تمدده المكاني والزماني لكان الضوء الآتي من النجوم اللامتناهية منهمرًا على الأرض من السماوات. ويظهر الحساب البسيط أنّ السماء لا يمكن أن تكون مظلمة في مثل هذه الظروف. يمكن حلّ المفارقة بافتراض سنّ محدود للكون؛ إذ إننا في هذه الحال سنكون قادرين فقط على رؤية النجوم التي أخذ ضوؤها زمنًا للسفر عبر الفضاء إلى الأرض منذ البداية)([50])

ثانيا ـ الكون بين الصدفة والغائية:

بناء على ما ذكرنا سابقا من كون [الصدفة] المبنية على العشوائية وعدم القصد هي المغالطة الكبرى التي اعتمد عليها الملاحدة على مدار التاريخ، فإن على الداعية المواجه للإلحاد ألا يكتفي بما ذكرنا من ردود عقلية وعلمية، بل يذكر هؤلاء الملاحدة بما يكتشفه العلم كل حين من أدلة التصميم والقصد واستحالة الصدفة.

وسنكتفي هنا بالحديث عن ناحيتين مهمتين تدعمان الغائية، وتقضيان على المغالطات المرتبطة بالصدفة، وقد وضحناهما بتفصيل أكثر في كتاب [الكون بين التوحيد والإلحاد]، وهما:

1 ـ الثوابت الكونية:

على عكس ما يظن دعاة الإلحاد الجديد في مغالطاتهم الكثرة؛ فإنه كلما تطورت قدراتنا على فهم الكون وقوانينه نجد أقوى الدلائل على التعقيد الهائل والتصميم الدقيق الذي لو لم ينضبط ضمن أقل تفصيل من تفاصيله لكانت الحياة مستحيلة فيه([51]).

ومن أقوى الأدلة على الضبط الدقيق لهذا الكون تلك القوانين التي تحكم الكون، والتي تم ضبطها وتنميقها بدقة عالية، وبشكل هادف وموجه للسماح بتكون الظروف المناسبة لنشوء حياة في هذا الكون، والتي يعبر عنها بالثوابت الكونية.

فبعد الأرض عن الشمس بمسافة دقيقة جدا ثابت كوني للمحافظة على الماء بشكله السائل الضروري للحياة على الأرض..

وهذا المثال بسيط وضئيل جدا مقابل الثوابت الكونية الرئيسية الأكبر والأكثر تعقيدا بكثير، والتي نجد منها الثابت الكوني للجاذبية.. والظروف الأولية لنشأة الكون والحقائق الثابتة كسرعة الضوء.. والظروف المحلية الضرورية لوجود حياة على كوكب ما، كالمسافة الضرورية التي يجب أن تفصل كوكبا ما عن النجم الذي يدور حوله بحيث تكون الحرارة مناسبة لنشوء حياة فيه.. وغيرها كثير.

وهي جميعا في منتهى الدقة.. والتعبير الرقمي عنها معقد جدا، ويعتمد على نوعية الحسابات والوحدات الرياضية المستخدمة..

وهي جميعا محل إجماع من كل علماء الفيزياء والرياضيات، فهم يتفقون عليها، ويتفقون على أنها محكمة، أي أنه لو حصل تغيير ولو بسيط عليها، فإنه سيدمر أي احتمال لتكون الكون ووجود أي نوع من الحياة فيه.

حتى [ستيفن هاوكنج] داعية الإلحاد الجديد لم يستطع أن ينكرها، بل إنه قال عنها: (إن الحقيقة المدهشة هي أن القيم التي تحملها هذه الثوابت الفيزيائية يبدو أنها ضُبطت على مستوى عال من الدقة حتى تسمح بتطور الحياة في الكون)

ولننتقل من الإجمال إلى التفصيل حتى نستوعب مدى دقة هذه الثوابت؛ فإن العلماء يذكرون أن هناك أربع قوى كبرى تتحكم في كل الظواهر الكونية ـ بحسب العالم الذي نعيشه ـ وأول هذه القوى قوة الجاذبية.. وتليها القوى الكهرومغناطيسية مثل الكهرباء والضوء.. وتليها القوى النووية الكبرى، والتي تتحكم بسلوك العناصر الذرية الصغيرة.. وتليها القوى النووية الصغرى أوالخفوت الإشعاعي للذرات.. وهذه القوى جميعا تم تشكلها في أقل من جزء من المليون من الثانية بعد الانفجار الكوني الكبير..

ولو أنها تأخرت في التشكل، ولو بأقل مقدار لكانت المواد المتفجرة ستتبعثر نهائيا بدون أن ينجذب بعضها لبعض لتكون المجرات والنجوم والكواكب.. فالقوى النووية القوية والضعيفة الكامنة في الجزيئات الذرية كالبروتونات ـ مثلا ـ تحكمها علاقة دقيقة من التوازن، لو اختلت لما استطاع أي نجم أن يتكون نهائيا.

فلو تغير ثابت الجاذبية الكوني بمقدار وحدة عددية واحدة من ستين جزءا.. لما كانت الحياة ممكنة في الكون.

وهذا مجرد مثال عن ثابت من الثوابت الكونية.. ولهذا كانت مصدر إحراج للعديد من العلماء الملحدين.. فـ [كريستوفر هيتشنز] أحد أذكى المفكرين الملحدين في زمنه قال بصراحة: (إن فرضية التظيم الدقيق للكون هي أقوى حجة كان يواجهني فيها الطرف الآخر المؤمن بوجود إله)

بناء على هذا، سنذكر هنا باختصار تسعة ثوابت كونية يتجلى من خلالها مدى الدقة التي ينبني عليها الكون.. ومن خلالها نتعرف على استحالة تصور الصدفة أو العبثية في بناء الكون.

1 ـ ثابت الجاذبية الكونية: وهو مهم جدا لتكون المجرات والنجوم والكواكب.. وقيمته من الثبات والدقة بحيث لو زادت بنسبة بسيطة، فإن النجوم ستحرق مخزونها من الطاقة بسرعة تجعل الكون قصير العمر، عنيف التفاعل، غير مناسب للحياة.

2 ـ الثابت الكهرومغناطيسي: وهي القوى القطبية التي تتحكم بالقوى الجاذبة والطاردة للجزيئات الذرية، وهي المسؤولة عن تكون العناصر كلها.. فلو كانت القوى التي تسيطر على علاقة البروتونات مع النيوترونات ونواة الذرة.. بالإضافة للجسيمات الذرية المكتشفة حديثا.. أقل مما هي عليه، لما تكونت المعادن والعناصر مثل الهيدروجين والكربون والهيليوم، وغيرها.

3 ـ ثابت القوة النووية الكبرى: وهي التي تجعل الجزيئات تتماسك فيما بينها، وهي قوى عظيمة لها قيمها الدقيقة.. وحين تتفكك تعطينا الطاقة الذرية.. فالقنبلة الذرية ليست سوى انفلات الطاقة النووية الكبرى التي تربط بين الأجسام الموجودة داخل نواة ذرة اليورانيوم.. وهذه الطاقة العظيمة ضرورية لتماسك الأجسام الموجودة داخل نواة الذرة فيما بينها، لولاها لتفككت كل العناصر الكونية، وما تكون اي جسم فضائي.. وأي تغيير بسيط للمقدار الدقيق لهذه الطاقة سيجعل تكون العناصر الفلزية مستحيلا.

4 ـ ثابت القوى النووية الصغرى: أو التآكل الإشعاعي الموجود في كل العناصر.. فكل ذرة تفقد طاقة إشعاعية.. وهذه القوة هي المسؤولة عن الإشعاع الذري لكل شيء في هذا الكون.. فكل ذرة تموت بشكل بطيء جدا حين تطلق إشعاعها الذي ينشأ عن تحويل النيوترون إلى بروتون.. وهذا الثابت الذي ينظم الإشعاع الضعيف للعناصر لو كان أقوى مما هو عليه لاستحال تكون النجوم في الكون.

5 ـ الثابت الكوني: وهو القيمة الفيزيائية لمدى التوازن المطلوب لضمان توسع الكون بمقدار لا يجعل الأجرام السماوية كالمجرات والنجوم والكواكب وأقمارها تتناثر في أرجاء الكون.. وبمقدار لا يجعلها متكتلة بشكل يحرمها من التكون والتشكل بحرية للسماح بوجود نجوم وكواكب.. فالثابت الكوني بذلك هو ميزان قوى الجذب والتنافر الكونية..

وتكمن أهميته في كونه محصلة فيزيائية لتفاعل كل الثوابت الفيزيائية الأخرى ليصبح الكون ممكنا.. فكل منها يتفاعل بقيمته الدقيقة والثابتة.. أي أن كل ثابت كوني يعتمد على الآخر بعلاقة نسبية..

وكمثال على ذلك، فإن القوى النووية الكبرى الكامنة في نواة الذرات أقوى من طاقة الجاذبية بعشر آلاف، مليار، مليار، مليار، مليار، مليار مرة.. هذا التوازن الدقيق بين القوى النووية الكبرى مع قوى الجاذبية هو الذي يسمح بتكون مجرات ونجوم وكواكب في الكون.. فلو أخذنا صفرا واحد من نسبة التوازن هذه لاختلت موازين الكون لدرجة يصبح بها الكون فضاء خاويا أو كتلة مادية خالية من الحياة..

وقيمة هذا الثابت الكوني هي 1: 10 أس 122.. وهو يعني أنه لو اختلفت قيمته بأقل من جزء من صفر يليه 123 صفرا، ثم 1 من الواحد لانهار الكون بأكمله بعد تشكله بلحظات، أو لتوسع بسرعة هائلة تمنع تشكل الجزيئات الأساسية.

وطبقا للمعلومات التي حصل بمقتضاها العلماء الباحثون على جائزة نوبل للفيزياء عام 2011 تبين وجود سرعة في توسع الكون لا تتيحها المعادلات الفيزيائية، ولا كتلة المادة المتاحة في الكون، ولذا فقد اتضح أن قيمة الثابت الكوني تحدد بالضبط التوسع المطلوب، وقد كتب [ليونارد سوسكايند] الفيزيائي الشهير يقول: (الثابت الكوني 10أس 122 يستحيل أن ينشأ بداهة عن صدفة).. ومثله قال [ستيفن هاوكنج] في كتابه [موجز تاريخ الزمن]: (الحقيقة الواضحة بخصوص الثوابت الكونية تؤكد على أنها صُممت بعناية تتيح الحياة وبمنتهى الضبط المدهش)

ولمن لا يعرف معنى كلمة 123 صفر، فإن هذه الكلمة تعني أننا بحاجة إلى قرص صلب بحجم 15 مليار سنة ضوئية، أي أكبر من حجم الكون كله، لنخرج منه بهذا الإحتمال، وطبعا هذا هو قمة الجنون الرياضي، لأن المستحيل الرياضي لا يتجاوز 50 صفر فضلا عن 123 صفرا.

فافتراض هذا الثابت الكوني بهذا الرقم المدهش الذي ظل العلماء يفترضون أنه صفر زمنا طويلا إلى أن بينت الدراسات في 1998 أنه ليس صفرا، ويستحيل أن يكون صفر، وإنما هو قريب جدا جدا جدا جدا من الصفر، لكن لابد أن يكون أكبر من الصفر بمقدار ضئيل للغاية بحيث يصبح رقما عشريا وأمامه 122 صفرا ثم واحد.

وقد فشل الفيزيائيون في معرفة سبب كون هذا الرقم بهذا القرب المدهش من الصفر، ومع ذلك لم يصبح صفرا، ولذا اعتبر الكثير من الفيزيائيين هذه المشكلة أعمق مشكلة غير محلولة في الفيزياء، ويطلقون عليها [معضلة الثابت الكوني]

وهكذا نجد كل الأرقام في هذا المجال تمتلئ بمثل هذه المعجزات؛ فكل الأرقام في الثوابت الكونية لا يمكن التعبير عنها لدقتها الشديدة.. فالنسبة بين الإلكترون والبروتون هي 1: 10 أس37.. والنسبة بين القوة الكهرومغناطيسية والجاذبية هي 1: 10 أس 40.. ونسبة تمدد الكون هي 1: 10 أس55.. وكتلة كثافة الكون هي 1: 10 أس59..

إن هذه الأرقام جميعا، وغيرها كثير، تحدد القيم الفيزيائية للثوابت الكونية التي لو حدث أي تغير بسيط للغاية فيها لما نشأ الكون..

لقد قال [ليونارد سوسكايند] أستاذ الفيزياء النظرية بجامعة ستافورد والمؤسس لنظرية الأوتار الفائقة: (إن المشكلة الحقيقية في إعداد الكون بعناية أن هذه المعطيات التي تقف على حافة السكين كلها مستقلة عن بعضها البعض، وفي الوقت نفسه تتلاقى لتسمح فقط بإحداث الحياة، وتغير أى مُعطى من هذه المعطيات التي نشأت مستقلة لم يكن يسمح لها بالتلاقي فضلا عن إمكانية إيجاد حياة أو حتى منظومة كونية)

6 ـ الثوابت الفيزيائية والظروف الأولية لتكون الكون: وهي الحالات الفيزيائية السابقة والموازية واللاحقة للانفجار العظيم، وهي الظروف التي يجب أن تتضافر لتسمح بتكون الكون.. وقد نصفها بالميزان الدقيق لتوزع الطاقة والمادة في لحظات زمنية.

ذلك أن الكون يتوسع الآن في خط زمني مستقيم، وتنخفض حرارته تدريجيا مع توسعه.. فإذا انكمش فإن الحرارة سوف تزيد مع اقتراب الأجسام الفضائية ببعضها حتى تصل لحرارة ضخمة غير قابلة للقياس..

ويمكن التعبير عن الظروف الأولية السابقة للانفجار العظيم بمعادلات رياضية، ولكن قد لا نستطيع تحديدها أبدا.. فنحن نتكلم عن حالة الوجود قبل أكثر من ١٨ مليار سنة.

لقد عبر العالم الفيزيائي البريطاني [روجر بينروز] عن هذا الثابت عند حديثه عن قانون الثيرمودينامكية الثاني، فقال: (التوسع الزماني المكاني للكون يتبعه زيادة في الفوضى، وهذا يعني أنه كلما عدنا عبر الزمن فإن النظام الكوني يزداد دقة وضبطا حتى نصل لقمة الضبط الكوني، وهي لحظة ما قبل الإنفجار الكوني)

وقد حاول هذا الفيزيائي الكبير أن يصل إلى حسابات تقديرية لمحاولة فهم الدقة اللامتناهية لظروف تكون الكون.. وقد استنتج من خلالها استحالة الصدفة في تكون الكون.

فقد استنتج أن احتمالية الصدفة لتوفر كل الظروف لتكون طاقة ومادة من حالة السكون الأدنى هي 1 على 10 يتبعه 123 صفر.. أي أنه لو كان لدينا ١٠ كرات في كيس، ٩ كرات بيضاء وواحدة حمراء.. فاحتمالية حصولنا على الكرة الحمراء هي واحد على عشرة أو 1/10.

أما احتمالية حصولنا على كون يدعم الحياة بالصدفة، فإننا نحتاج إلى رقم خيالي لنفهمه نحتاج إلى تجميع كل الذرات المكونة لحبة رمل على أرضنا، ثم نجمع كل الذرات المكونة لكوكبنا، مع الشمس، مع كواكب المجموعة الشمسية، وكل الذرات المكونة لمجرتنا، ثم نضيف إلى ذلك كله الذرات المكونة لكل المجرات في كل الكون المنظور وغير المنظور.. ومع ذلك كله سيظل الرقم أكبر.

وهذا الرقم الكبير هو الذي دعا إلى طرح فكرة الأكوان المتعددة.. أي أنه اذا افترضنا ذلك العدد من الأكوان، فلا بد أن يحتوي أحدها على كل الثوابت الكونية الضرورية لتكون أجسام فضائية تمهد لنشوء حياة فيه.. وهذه الفرضية وقبلها الفرضية الأنتروبية مستحيلتان لا يقبل بهما أي عقل، ولا أي منطق.. بل هما ليسا سوى نوع من الهروب من إمكانية وجود الخالق..

7 ـ نسبة كتل البروتونات والالكترونات: فإذا اختلفت هذه النسب الذرية فإن اللبنات الأساسية لتكون الحياة (DNA) ما كانت لتتكون([52]).

8 ـ سرعة الضوء: فإذا كانت سرعة الضوء أكبر مما هي عليه، فإن المجرات والنجوم والأجسام المشعة ستصبح مضيئة لدرجة أن الكون كله سيصبح كتلة ضوئية ضخمة.. وإذا كانت سرعة الضوء أقل مما هي عليه فإن الكون سيكون خافتا أقرب إلى الظلمة منه إلى الضياء.

9 ـ نسبة زيادة كتلة النيوترون على حساب البروتون: فلو كانت الزيادة أكبر لما تكونت العناصر الثقيلة في الكون، كالحديد والرصاص وغيرها من المعادن الضرورية للحياة، فأجسادنا تتكون من نسب متفاوتة من هذه المعادن، ولو كانت الزيادة أصغر لانكمشت النجوم، وتكونت ثقوب سوداء تدمر الكون بأكمله.. هذا إن نشأ الكون أساسا.

هذه بعض الثوابت الكونية، التي تجعل من الصدفة مستحيلة عقلا ومنطقا وعلما ومن كل الوجوه.. وبالإضافة إلى ما ذكرنا هناك الظروف المساعدة لأي كوكب حتى تقوم عليه الحياة بشروطها التي نعيشها.. مثل صفائح تكتونية ثابتة مع عوامل جيولوجية مناسبة.. وتوفر كميات مناسبة من الماء في قشرته.. ومنها قمر بحجم مناسب ودورة مناسبة تساعد على إضافة استقرار وثبات للكوكب لكي يحافظ على دورته الشمسية.. ومنها حجم وكتلة مناسبين للكوكب للحصول على قدر من الجاذبية يضمن الحفاظ على الماء والغلاف الغازي من التشتت في الفضاء.. ومنها وجود كوكب آخر ضخم في مكان مناسب حول الكوكب يقوم بجذب كل الكويكبات والنيازك والأجرام السماوية الضخمة بعيدا عن الكوكب الاصلي.. مثلما في حالة الأرض نرى المشتري يقوم بهذه المهمة، حيث أن جاذبيته الضخمة تجذب كل الأجسام الضخمة الخطيرة مما يشكل درع حماية لكوكبنا.. ومنها وجود الكوكب في طرف المجرة بعيدا عن التكدس الداخلي.. ومنها توفر قطبية جزيئية للماء مع خصائص تجعل هذا العنصر الأساسي للحياة في حالته السائلة ونطاق حراري دقيق. فمثلا، لو كان الماء يتبخر ضمن حرارة ٢٥ مئوية، لاستحالت الحياة على الأرض.. وغيرها كثير.

ولا يمكن عقلا في ظل كل هذه الثوابت والشروط الدقيقة جدا أن يكون هناك أي محل للصدفة.

2 ـ التوازن الكوني:

وهو من أكبر الأدلة التي يمكن من خلالها أن نواجه من يقول بالصدفة والعشوائية، فالتوازن في الكون في منتهى الدقة والحساسية، وكمثال على ذلك [القوة النووية الصغرى]([53])، فهذه القوة تعتبر من القوى المؤثرة في الكون، وتمتلك قيمة عددية ثابتة ودقيقة جدا، وهي موجودة في بعض جسيمات الذرة، وتسبب النشاط الإشعاعي للمادة.

فلو كانت قيمة هذه القوة أكبر قليلا مما هي عليه لتحلّلت النيوترونات في الكون وندر وجودها فيه، أي لأصبح الهليوم نادرا في الكون منذ الانفجار العظيم، لأن هذا العنصر يحمل نيوترونين في نواة ذرته، ويمكن القول أنه كان سينعدم وجوده بالمرة.

والمعروف عن الهليوم أنه أخف العناصر في الوجود بعد الهيدروجين، وإذا انعدم الهليوم في الكون ينعدم تكون العناصر الثقيلة في جوف النجوم في أثناء التفاعلات داخل مراكز النجوم نتيجة التفاعلات النووية التي تطرأ على نوى ذرات الهيليوم، وهذا يعني أن الهليوم يعتبر مادة خام لإنتاج العناصر الأخرى، أي أن انعدام الهليوم يؤدي إلى انعدام العناصر اللاّزمة لنشأة الحياة واستمراريتها.

وعلى عكس ذلك لو كانت قيمة القوة النووية الصغرى أصغر قليلا مما هي عليه لتحوّلت ذرّات الهيدروجين المصاحبة للانفجار العظيم إلى ذرات الهليوم، ولزادت كميات العناصر الثقيلة في مراكز النجوم زيادة غير عاديّة، وهذه الزيادة تؤدي حتما إلى استحالة نشوء الحياة.

وبذلك، فإن هذه القوة الضعيفة التي تحملها جسيمات الذرة لها قيمة ذات حساسية فائقة، وخلقت بهذه الكيفية لتلعب دورها في نشوء الكون.

بالإضافة إلى هذا، فإن هناك عاملا آخر يؤثر على مدى حساسية قيمة هذه القوة، ويتمثل في تأثير هذه القوة على جُسيم ذرّي يدعى بـ [النيوترينو]، فالنيوترينوات هي الجسيمات التي تلعب دورا كبيرا في دفق العناصر الثقيلة واللاّزمة للحياة والمتكونة في مراكز النجوم العملاقة إلى الفضاء السحيق.

وتعتبر القوة النووية الصغرى هي القوة الوحيدة التي تؤثر على جسيمات النيوترينو في الكون، ولو كانت هذه القوة أصغر قليلا مما هي عليه لأصبحت جسيمات النيوترينوات أكثر حرية في الحركة دون أن تتأثر بقوة جذب أي شيء، وهذا يعني أن هذه الجسيمات تستطيع أن تهرب من قوة جذب النّجوم العملاقة دون أن تتأثر بالطبقات الخارجية لهذه النجوم، وبالتالي سيكون دفق العناصر الثقيلة إلى الفضاء مستحيلا.. ولو كانت هذه القوة أكبر مما هي عليه لبقيت في مراكز النجوم قابعة فيه دون حراك، وهذا يؤدي إلى صعوبة إطلاق العناصر الثقيلة المتكونة إلى الفضاء.

لقد ذكر [بول ديفيس] أن قوانين الفيزياء الأساسية والمؤثرة في الكون تحمل قيما معينة ومحددة لتناسب وتلائم حياة الإنسان، وإذا حدث أي تغيير طفيف في هذه القيم يتغير وجه الكون الحالي تغيرا ملحوظا، فقال: (ولما وجدنا نحن كبشر لنشاهد هذا الكون.. وكلّما استمر الإنسان في أبحاثه الفضائية اكتشف أموراً مثيرة لا يمكن تصديقها بالعقل الإنساني، وآخر ما توصل إليه الإنسان بشأن الانفجار العظيم يثبت أن الكون يتمدد بشكل دقيق وموزون لدرجة مثيرة للحيرة والإعجاب)

ويقول [آرنوبنزياس] أحد من اكتشف الأشعة الكونية الدالة على حصول الانـفجار العظيم، والحاصل على جائزة نوبل سنة 1965 موضّحا هذا التخطيط والتصميم الخارقين للكون: (إنّ علم الفلك يقودنا إلى أمور غير عادية، إلى كون خلق من العدم، الكون الذي يحتوي على موازين دقيقة للغاية تكفي سببا لنشأة الحياة، أي أنّ الكون وجد بهذه الكيفية لتحقيق هذه الغاية)

ويقول البروفيسور [روبرت جاسترو] أستاذ الفيزياء النظرية في جامعة كولومبيا: (إنّ الكون بالنسبة إلى الفيزيائيين والفلكيين هو المكان المناسب لعيش الإنسان والمحدد بمجموعة من القيم الرّياضية تحديدا ضيقا للغاية، وهذا التعريف يدعى بـ [المبدأ الإنساني]، وتعتبر هذه النتيجة برأيي من أكثر النتائج التي توصل إليها العلم الحديث غموضا)

وكل هذه النتائج التي أقر بها كبار علماء العلماء في التخصصات المختلفة بشأن القوى الكونية المؤثرة من ناحية ثبات قيمها وتناسبها وتوازنها مع بعضها البعض بهذه الدّقة المتناهية تدل على أنه لا تفسير لهذه الحقيقة باستخدام كلمة المصادفة، وإنما التفسير الوحيد لها هو [المعجزة]

ونستطيع أن نتثبت كونها كذلك بإجراء القياسات التي تؤدي إلى نتائج ثابتة دائما، ولا تتغير حتى بنسبة 1 إلى 100 أو 2 إلى 100.. إضافة إلى أن هذه الموازين الدقيقة هي نفسها لم تتغير حتى قبل وجود الإنسان، أو وجود الحياة، ولم تعان أي تغيير أو تحول في قيمتها..

وهذا كله يعني أن الكون مستند إلى موازين دقيقة للغاية، والادّعاء بأنّ المصادفة هي التي أوجدت هذا النظام المتوازن والمتقن يعتبر منافيا لقواعد العقل والمنطق حتما..


([1])  من أهم المراجع التي رجعنا إليها في هذا المطلب:

1 . خلق الكون من العدم والانفجار الكوني الكبير،  هارون يحي، وهو موجود بموقع (موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة)

2. فمن خلق الله؟ نقد الشبهة الإلحادية: [إذا كان لكل مخلوق خالق فمن إذن خلق الله؟ في ضوء التحقيق الفلسفي والنقد الكوسمولوجي]، د. سامي عامري، تكوين للدراسات والأبحاث. المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى 1437هـ 2016م.

([2])  Lisa Grossman, Death of the Eternal Cosmos, in New Scientist. 1/14/2012, Vol. 213 Issue 2847, p.7 .

 ([3])  Alexander Vilenkin, Many Worlds in One: The Search for Other Universe (New York: Hill and Wang, 2006), p.176..

 ([4])  National Academy of Sciences, Teaching about Evolution and the Nature of Science (Washington, DC: National Academy Press, 1998), p.7.

([5])  Robert Jastrow, God and the Astronomers (Toronto: George J. McLeod, 1992,), p.116..

([6])  Paul Davies, God and the New Physics (New York: Simon and Schuster, 1983), 20-24.

([7])   Cliff Walker, ‘An Interview with Particle Physicist Victor J. Stenger’ (November 1999) <www.positiveatheism.org/ crt/ stenger1. htm..

([8])   Henry F. Schaefer III, “Stephen Hawking, The Big Bang, and God,” <http://globalwebpost.com/farooqm/study_res/hawking/schaefer.html.

([9])   Martin Rees, Just Six Numbers: The deep forces that shape the universe (New York: Basic Books, 2000), p.10..

([10])   Universe is flat with a ripple,” January 12, 2005 < http://www.theage.com.au/news/Science/Universe-is-flat-with-a-ripple/2005/01/12/1105423539638.html.

([11])  George Will, “The Gospel from Science,” in Newsweek, November 8, 1998.

([12])   Hugh Ross, The Creator and the Cosmos, appendix.

 ([13])  Hugh Ross, The Creator and the Cosmos, appendix.

 ([14])  Roy Abraham Varghese, ed. The Intellectuals Speak out about God: A handbook for the Christian student in a secular society (Chicago, Ill. : Regnery Gateway, 1984), p.17..

([15])Planck Reveals an Almost Perfect Universe ”<http://www.esa.int/Our_Activities/Space_Science/Planck/Planck_reveals_an_almost_perfect_Universe>. Retrieved 1/19/2015 ..

([16])William Lane Craig, Reasonable Faith (Wheaton, Ill.: Crossway Books, 2008), pp.125-150.

([17])   C. Isham, “Creation of the Universe as a Quantum Process” in R.J. Russell, W.R. Stoeger and G.V. Coyne, eds. Physics, Philosophy and Theology: A common quest for undestanding (Vatican City: Vatican Observatory, 1988), p.378.

([18])   Quoted by Fred Heeren, Show Me God (Wheeling, IL : Day Star Publications, 1997), p.156.

([19])   Hugh Ross, The Fingerprint of God: Recent scientific Discoveries Reveal the Unmistakable Identity of the Creator (Orange, CA: Promise Publishing, 1991), p.95.

([20])  Hugh Ross, The fingerprint of God, p.97..

([21])   I. D. Novikov and B. Zeldovich, “Physical Processes Near Cosmological Singularities,” in Annual Review of Astronomy and Astrophysics 11 (1973): 401-402..

([22])  Joseph Silk, The Big Bang, (San Francisco: W. H. Freeman, 1989), pp.311–312..

([23])   (James D. Sinclair):William Lane Craig and J. P. Moreland, eds. The Blackwell Companion to Natural Theology, p.151.

([24])  Joseph Silk, The Big Bang, (San Francisco: W. H. Freeman, 1989), pp.311–312..

([25])   I. D. Novikov and B. Zeldovich, “Physical Processes Near Cosmological Singularities,” in Annual Review of Astronomy and Astrophysics 11 (1973): 401-402..

([26])  انظر: عالم الفيزياء الملحد ستيفن هوكينج وأفكاره الإلحادية الخيالية في نظر العلماء والمتخصصين، مرجع سابق.

([27])  المرجع سابق.

([28])  المرجع سابق.

([29])   John Barrow, The Book of Nothing: Vacuums, voids, and the latest ideas about the origins of the universe (New York: Pantheon Books, 2000), p.256..

([30])  Stephen Hawking, A Brief History of Time, p. 132.

([31])   Arvind Borde and Alexander Vilenkin, “Eternal Inflation and the Initial Singularity,” in Physical Review Letters 72 (1994): 3305..

([32])   A. Linde, D. Linde, and A.Mezhlumian, “From the Big Bang Theory to the Theory of a Stationary Universe’” in Physical Review D 49, 1994, 1783-1826.

([33])   Christopher Isham, “Quantum Cosmology and the Origin of the Universe,” lecture presented at the conference “Cosmos and Creation,” Cambridge University, July 14, 1994.

([34])  Gary Felder, Andret Frolov, Lev Kaufman, and Andrei Linde,“Cosmology with Negative Potentials,” <http://arXiv:hep-th/0202017v2> (February 16, 2002.

([35])  P. Steinhardt, and N. Turok, The cyclic model simplified, p.5.

([36])   Stephen Hawking, A Brief History of Time, p. 139..

([37])   John D. Barrow, Theories of Everything (Oxford: Clarendon, 1991), pp.66-67.

([38])   Alexander Vilenkin, Many Worlds in One: The Search for Other Universes (New York: Hill and Wang, 2006), 182.

([39])   David Park, “The Beginning and End of Time in Physical Cosmology,” in The Study of Time IV, ed. J. T. Fraser, N. Lawrence, and D. Park (Berlin: Springer Verlag, 1981), pp.112-113.

([40])   Hawking and Penrose, Nature of Space and Time, p.20.

([41])   Stephen Hawking, A Brief History of Time, p.146.

([42])   Arthur Eddington, The Nature of the Physical World (New York: Macmillan, 1928), p.74.

([43])   Albert Einstein (author), Paul A Schilpp (editor), Autobiographical Notes )A Centennial Edition, Open Court Publishing Company, 1979(, p. 31.

([44])   Paul Davies, The Mind of God: The Scientific Basis for a Rational World (New York: Simon & Schuster, 1992), p.46.

([45])  بول دافيز، الله والفيزياء الحديثة (تعريب: هالة العوري، دمشق: دار صفحات، 2013م)، ص22-23.

([46])   Aron C. Wall, “The Generalized Second Law implies a Quantum Singularity Theorem,” < http://arxiv.org/abs/1010.5513v3 >..

([47])   Stephen Hawking, A Brief History of Time, p.6.

([48])  المرجع السابق، ص41.

([49])   A. Borde, Guth and A. Vilenkin, Inflationary space-times are not past-complete, Phys. Rev. Lett. 90 151301 (2003), pp.1-4.

([50])  Paul Davies, The Mind of God, p.46..

([51]) انظر لتبسيط الموضوع أكثر مقالا مهما مدعما بالصور والتوضيحات بعنوان: الضبط الكوني الدقيق والثوابت الفيزيائية، فادي السويطي، وقد استفدنا المادة العلمية منه.

([52]) انظر التفاصيل المرتبطة بهذا في كتاب [الحياة بين التوحيد والإلحاد] من هذه السلسلة.

([53]) انظر: سلسلة المعجزات، هارون يحي.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *