الإلحاد.. وخلق الحياة

الإلحاد.. وخلق الحياة

بعد كل ذلك الجدل واللغط والمغالطات التي حاول الملاحدة من خلالها إثبات عدم حاجة الكون إلى إله، واجهتهم مشكلة أخرى، ربما تكون أعقد من المشكلة السابقة، وهي مشكلة الحياة التي يرونها على الأرض، والتي لا تنسجم مع كل التفسيرات المادية، ذلك أن الحياة فوق المادة، وهي معقدة تعقيدا خطيرا لا يمكن وصفه.. ولذلك راحوا يبحثون عن حلول أخرى لعلها تتدارك ما وقعوا فيه.

وكانت الصدفة هي مغالطتهم في هذا الجانب كما كانت هي مغالطتهم في سائر الجوانب، وحتى يجدوا تصويرا لكيفية الصدفة، راحوا يضعون فرضيات كثيرة لنشأة الحياة، وتنوعها.

ولذلك يحتاج الداعية المواجه للإلحاد أن يتعرف على تلك الفرضيات، وعلى المنهج العلمي في الرد عليها، وقد ذكرنا التفاصيل الكثيرة المرتبطة بذلك في كتابنا [الحياة: تصميم لا صدفة]، ولذلك سنكتفي هنا بذكر مغالطاتهم المتعلقة بنشأة الحياة وتنوعها، وكيفية الرد عليها.

أولا ـ الإلحاد.. ونشأة الحياة

على الرغم من عدم قدرة العلم على إثبات أي شيء يتعلق بنشأة الحياة، وكيفيتها، ذلك أنها غيب مطلق، ولا يمكن بأي وسيلة من الوسائل العلمية التعرف على ذلك إلا أن الملاحدة وحتى يفروا من الأسئلة التي تطرح عليهم في هذا الجانب راحوا يفترضون افتراضات عجيبة ممتلئة بالغرابة، وتفتقر لأي مصداقية علمية.. وسنقتصر هنا على اثنين منها:

1 ـ التوالد الذاتي:

وهي نظرية تنص على أنه([1])، وقبل بضع مليارات من السنين، قررّت بعض من المواد اللاعضوية الميتة في موضع معيّن من الأرض، أن تجتمع لتكوين أول خلية حية.. وقرارها هذا، كان من تلقاء نفسها ومن دون الاستعانة بأي قوى خارجية، ما عدا الظروف الطبيعية التي كانت سائدة آنذاك.

وراحوا لأجل إثبات هذا يفترضون كل مستحيل، ومن تلك المستحيلات إمكانية نشأة الحياة من المادة الميتة.. وكان هذا هو المعتقد السائد في أيام داروين.. فالناس كانوا يؤمنون بالتولّد التلقائي.. فباعتقادهم أن يرقات الديدان تتولد من اللحم الميت، كما أن القمامة هي المسؤولة عن توليد الفئران والذباب والحشرات، والبراغيث متولدة من مواد غير حية كالغبار، والضفادع وبعض الكائنات المائية نشأت مباشرة من طين الجداول والبرك، والأسماك والزواحف والفئران يمكنها أن تنشأ تلقائياً من تربة رملية أو حتى من مواد متعفنة.. بل حتى الإنسان نفسه نصوا على أنه يمكن أن ينشأ من بركة من الوحل بطريقة التوالد الذاتي.

وقد ذكر [فان هلمونت] الذي اشتهر بتجاربه في التمثيل الضوئي للنبات بأنه لو أخذنا كمية من القمح، وبعضا من التبن والقش، وقطعة من قماش قديم، وقطعة أو قطعتين من ملابس داخلية وسخة.. ثم أضفنا إلى الكل قليلاً من الماء، ثم تركنا هذه المجموعة في مكان هادئ لعدة أيام؛ فإنه سرعان ما تولد هذه المجموعة مجموعة من الفئران.

وقد انتقد هذه النظرية كل الباحثين المحققين ابتداء من [فرانسيسكو ريدي] الذي أثبت بتجربة بسيطة أن يرقات الذباب توجد في اللحم المتعفن نتيجة لفقس البيض الذي تضعه أنثى الذباب على اللحم، لا من توالدها ذاتياً ومباشرة من اللحم المتعفن، فلو جنبنا اللحم من الذباب، وذلك بتغطية الوعاء المحتوي على اللحم وبقطعة من القماش النظيف لاستحال ظهور اليرقات مهما تعفن اللحم وطال تعفنه، إلا أن ترك اللحم بدون تغطية ولّد عليه يرقات الذباب.. وقد أدت هذه التجربة وتجارب أخرى من هذا القبيل إلى إضعاف شوكة نظرية التوالد الذاتي.

وبعد اختراع المجهر في نهاية القرن السابع عشر على يد [أنطون فان ليفنهوك]، واكتشافه لكائنات دقيقة لم تكن ترى بالعين المجردة، بل ظهرت خلال المجهر الضوئي، عاد فأنعش نظرية التوالد الذاتي بعض الشيء، ذلك أن وجود هذه الكائنات الدقيقة في السوائل المتخمرة لا يمكن شرحه إلا على أساس فكرة التوالد الذاتي.

وكان من بين الذين وجدوا في اكتشاف ليفنهوك انتعاشاً لفكرة التوالد الذاتي القسيس [الويلزي نيد هام]، لذا أجرى عدة تجارب، وجد من خلالها أن حساء لحم الضأن سوف يؤدي إلى إنتاج كائنات دقيقة حتى بعد تسخينه لدرجة الغليان.

لكن تلك التجارب لم تكن علمية، فقد وجد القسيس الإيطالي [لازورا سبالانزاني] أن الحساء الذي اعتمد عليه [الويلزي نيد هام] كان عرضة للتلوث بالهواء بعد التسخين مما يشرح ظهور الميكروبات في تجاربه.. ولإثبات ذلك قام بعدة تجارب سخن فيها الحساء لمدة طويلة تستمر بالساعات، وعاملة بطريقة تحول دون تلوثه بالهواء.. وفي نهاية هذه التجارب لم يظهر أي نوع من الميكروبات.

وهكذا أجرى قريبي [لويس باستور] تجارب عديدة قدمت دلائل قاطعة على عدم صحة التوالد الذاتي.. وقد أثبت أن الهواء ملئ بالكائنات الدقيقة التي يمكنها أن تنمو على الحساء بتعرض الحساء للهواء.. ذلك أنه لو عرضنا الحساء المعقم لهواء معقم؛ فإنه لا تنمو أية ميكروبات على الحساء، إلا أن الحساء بتعرضه لهواء غير معقم تنمو عليه كائنات دقيقة مختلفة.. وبناء على هذه التحارب فقد صرح باستور قائلا: (سوف لا تحيا أبداً نظرية التوالد الذاتي بعد أن صرعتها هذه التجارب البسيطة)

2 ـ الحساء البدائى:

وهي نظرية ينطلق منها جميع الملاحدة في تصوير وتفسير نشأة الحياة، وهي تنص على أن الحياة نشأت بسبب توفر ظروف معينة، اجتمعت جميعا لتشكل ما يسمونه [الحساء البدائي] الذي انطلقت منه الحياة، ثم تطورت بعد ذلك إلى الصورة التي نراها عليها اليوم.

وقد أخذ هؤلاء بالاستعانة بالكثير من البيولوجيين([2]) ـ المؤمنين وغير المؤمنين ـ محاولة التعرف على كيفية ذلك، لمواجهة الطروحات الإيمانية، وحتى يقدموا تفسيرا عقلانيا على معتقداتهم([3]).

والافتراض الذي انطلقوا منه هو أن النشأة الطبيعية للحياه الأولى مرت بالمراحل التالية:-

المرحلة الاولى: توليف المواد (غير الحية) وفق ظروف معينه، وتكون مونومرات عضويه صغيره بدائيه مثل الأحماض الأمينية أو النيوكليوتيدات (الحساء البدائى)

المرحلة الثانيه: انضمام مونومرات (جزيئات صغيره) وارتباطها لتكوين جزيئات أكثر تعقيدا هى البوليمرات مع مرور الوقت.

المرحلة الثالثه: إنتاج جزيئات بسيطه ذاتيه التكرار والتطور التدريجى للحياه الأولى.

ففى الخطوة الاولى للحياه يجب توليف الماده الخام الاولى للحياه وهى الاحماض الامينيه ومفردات الحمض النووي، ولذلك فإن التساؤل البديهى هو هل يمكن أن يحدث هذه فى ظروف طبيعيه وكيف؟

وللإجابة على هذا السؤال قاموا بتصميم مخابر للتعرف على كيفية نشوء الحياة من مادة غير حية، وقد عرفت أشهر هذه التجارب بتجربة ميللر، التي قام بها الباحث الأمريكي ستانلي ميللر عام 1953.

فقد قام هذا العالم في سبيل إثبات إمكانية نشوء الحمض الأميني عن طريق الصدفة، بصنع جو في مخبره زعم أنه كان موجودا على الأرض البدائية (والذي ظهر فيما بعد أنه غير حقيقي)، وبدأ يعمل.

والمزيج الذي استخدمه في جوه البدائي مكون من الأمونيا والميتان والهيدروجين وبخار الماء، وقد عرف ميللر أنه لا يمكن أن يتفاعل الأمونيا والميتان وبخار الماء تحت ظروف طبيعية، وكان يعلم أن عليه أن يحقن المزيج بالطاقة ليبدأ التفاعل.

حينها افترض أن هذه الطاقة كانت تأتي من الومضات الضوئية في جو الأرض البدائية، وبناء على هذا الاعتقاد استخدم تيارا كهربائيا مصطنعا في تجربته.

وقام ميللر بغلي مزيجه حتى درجة 100 درجة مئوية وادخل في الغرفة تيارا كهربائيا، وبعد نهاية الأسبوع حلل ميللر الكيميائيات التي تشكلت في الغرفة، ولاحظ أنه قد تم تركيب ثلاثة من الحموض الأمينية العشرين، التي تشكل أساس البروتين.

وقد أثارت هذه التجربة اهتمام الماديين والملاحدة وبدؤوا يروجون لها على أنها نجاح بارز، من غير أن يحققوا فيها وفي مدى مصداقيتها.

وبناء على تلك التجربة التي سنرى متى تهافتها وعدم مصداقيتها، راح الماديون والملاحدة يضعون مخططات لكيفية نشأة الحياة؛ فذكروا أن الأحماض العضوية تعاونت فيما بعد في سلاسلها المنظمة عن طريق الصدفة لتشكل البروتينات التي وضعت نفسها داخل غشاء الخلية مثل البنية التي جاءت ـ بطريقة ما ـ إلى الحياة وشكلت الخلية البدائية.. ومع مرور الزمن تجمعت الخلايا وشكلت العضويات الحية.

وقد تعرضت هذه التجربة، وما انبنى عليها لانتقادات كثيرة يحتاج الداعية إلى التعرف على بعضها ليستعملها أثناء مناظراته ومحاوراته، وأهمها:

1 ـ أن الظروف التي نشأت عندها الحياة، والتى يجب محاكاتها غير معروفة، ويفترض أنها مجهوله على وجه اليقين، بل غلب الاعتقاد العلمى وفقا لما تم رصده من مشاهدات أنها كانت مغايره تماما لما تم التكهن به فى النماذج المقترحه من قبل أنصار النشأه الطبيعيه.

2 ـ تعقد ظاهرة الحياة، حتى أننا لا نفهم الخصائص الأساسية لها، فكيف يمكن تفسيرحدوثها؟

وسنرى بعض التفاصيل المرتبطة بهذا في العنوانين التاليين:

أ ـ عدم توافق ظروف التجربة مع البيئة الأرضية:

فلم تكن الظروف البدائية الأرضية التي افترضها ميللر في تجربته حقيقية. فقد كان النتروجين وثاني أكسيد الكربون من مكونات الجو البدائي، إلا أن ميللر أهمل هذا واستخدم الميتان والأمونيا كبديل.

وقد ذكر [كيفين مكين] عن هذا في مقالة كتبها في مجلة [اكتشف]، قال فيها: (قلد ميللر وأوري البيئة البدائية باستخدامهما خليطا من الميتان والأمونيا. حسب اعتقادهم أن الأرض كانت مخزنا حقيقيا لمزيج حقيقي متجانس من المعدن، والصخور والجليد. إلا أنه، ومن خلال الدراسات الأخيرة، ثبت أن الأرض كانت في تلك الأزمان حارة جدا وأنها كانت تتكون من النيكل والحديد المصهورين، لذلك فإن البيئة الكيميائية لذلك الزمن كانت تحتوي بالدرجة الأولى على النتروجين N2 وثاني أكسيد الكربون CO2 وبخار الماء H2O. ومع ذلك لم تكن ملائمة، كما هما الأمونيا والميتان، لإنتاج جزيئات عضوية)

بالإضافة إلى ذلك؛ فإن التجارب المنتجه للاحماض الامينيه تفترض الغياب الكلى للاكسجين لانه عدو للتجربه مع أنه كان متواجدا بوفره فى جو الارض البدائى، فالباحثون الآن متأكدون تماما من أن غاز الاكسجين كان موجودا على الأرض في وقت مبكر لأن غلافها احتوى على الكثير من بخار الماء، والإنحلال الضوئي للمياه الناجم عن الأشعة فوق البنفسجية في الغلاف الجوي العلوي سيكون مصدرا رئيسيا للأكسجين الحر في الغلاف الجوي حيث أنتج الأكسجين بمعدلات مرتفعه للغاية على الأرض البدائية، لعدم وجود درع الأوزون (المصنوع من الأكسجين) لمنع ضوء الأشعة فوق البنفسجية، وكشف تحليل أقرب عصور ما قبل الكمبري للصخور الرسوبية على وجود الأكسجين الحر، وبمستويات مماثلة لما هو عليه اليوم.

كما نشرت مجلة العلوم عدد ديسيمر 1995 مقالا لجون كوهين يظهر ذلك بوضوح ويؤكد مخالفة جو الارض البدائى المفترض أن تحاكيه تجربة ميلر لما افترضه ميلر تماما مما يؤكد عدم صلاحيتها.

وقد تم العثوربواسطة الجيولوجين فى طبقات الارض القديمه على المعادن المؤكسدة   (الهيماتيت) في وقت مبكر قبل 3.8 مليار سنة كدليل لا يقبل التشكيك على وجود الاكسجين بمعدلات مرتفعه جدا كما هى الان.

ثم توالت التأكيدات العلميه لكشوف تقر بوجود الأكسجين الحر فى غلاف الارض بعد وقت قريب جدا من تشكلها حيث تم اكتشاف وجود نطاقات واسعه من الكائنات الحيه المعتمده على التمثيل الضوئى لحياتها

وفى نفس الاطار نشرت نيتشر في نوفمبر 1996 نتائج، من معهد سكريبس لعلم المحيطات بوجود النظائرالداله على أن الأيض الخلوي كان يجري قبل 3.8 بليون سنة.

وقد توالت الدرسات والتأكيدات من قبل الجيوكيميائين بتداول تلك الكشوف ففى عام 2004 نشرت مجلة العلوم حول الامر لتقول ان الظروف المؤكسدة، وبالتالي التمثيل الضوئى تواجدت على كوكب الارض منذ اكثر من 3،7 مليارسنه وأن الحياة كانت موجودة تقريبا في أقرب وقت كانت الأرض قادرة على دعم ذلك،

وهذا كله يدل على فشل تجربة ميلر وشبيهتها، ذلك أنه لايمكن أن تتم فى مجال مؤكسد يحتوى على الاكسجين، كما أكد ميلر ذلك بنفسه.

ومع ذلك، فإن المدافعين عن نموذج ميلر وبدون أى دليل حقيقى يدعون بأن الاكسجين لم يتواجد بنسبه تذكر فى الغلاف الجوى قبل 2،4 مليار سنه بمعطيات قديمة عفى عليها الزمن، مع أن أغلب علماء الجيولوجيا اليوم يؤكدن تواجده بنفس نسبة وجوده اليوم فى الغلاف الجو بل وفى اعماق البحار قبل 3.46 مليار سنه من هذا الوقت، وتؤكد اسبقية البكتيريا الخضراء المزرقه المنتجه للاكسجين قبل ذلك بملايين السنين

بالإضافة إلى ذلك، فإنه إذا لم يكن هناك اكسجين فى ذلك الوقت من عمر نشوء الحياه فلن يكون هناك اوزون، لذلك لن تكون هناك حمايه من الأشعة فوق البنفسجية التى تنفذ لتدمر المواد الكيميائية الحيوية المتكونه فى الحساء البدائى المزعوم.

ومع كل هذه الأدلة وغيرها، لا يزال الماديون يصرون على تلك التجربة التي أثبت العلم فشلها، باعتبارها الخيار الوحيد أمامهم لإثبات نشأة الحياة عن طريق الصدفة، وهذا ما أقره [جوناثان ويلز]، عالم الأحياء التنموية، فى كتابه [أيقونات التطور]، حيث قال: (نحن لا زلنا جاهلين جهلا عميقا بكيفية نشأة الحياة. ومع ذلك لازالت تجربة ميلر أوري تستخدم كأيقونه للتطور، لأنه لم يظهر شيء أفضل. وبدلا من قول الحقيقة، أعطينا انطباعا مضللا أن العلماء أثبتوا تجريبيا الخطوة الأولى في أصل الحياة)

وذهب آخرون منهم إلى الإقرار بفشها، ووضع بدائل لها، لتحل محلها، ولو فترة من الزمن، مثل [نيك لين] وفريقه بكلية الكيمياء الحيوية في جامعة لندن عام 2010، حيث ذكر بأن نظرية الحساء البدائي لا تصمد، وأنها من الماضي، وبدلا من ذلك اقترح نشأة الحياة في الفتحات الحرارية المائية تحت سطح البحر.. وهي فرضيه مقترحه فقط للخروج من الازمه، ولا يقوم على دعمها أى دليل، إضافة إلى مواجهتها مشاكل تضعها هى أيضا فى نطاق المستحيل العلمي.

ب ـ تعقد ظاهرة الحياة:

ومع كل ما سبق ذكره من عدم توفر أي دليل علمي على صحة ما يذكره الماديون الملاحدة من نشأة الحياة؛ فإن للحياة من التعقيد ما لا يمكن لأي نظرية مهما اتسمت بالعلمية أن تصوره، أو كما قال [كارل بوبر]: (التقدم العلمى غير المسبوق فى البيولوجيا جعل مشكلة أصل الحياة لغزا أكبر مما كان عليه قبل؛ فقد اكتسبنا مشاكل جديدة وأكثر عمقا)

ذلك أن الاحماض الامينيه ليست سوى ماده عضويه بسيطه جدا خاليه تماما من الحياه، ومجرد لبنة بناء بسيطه وأوليه ويمكن تشبيهها باستخراج معدن الالومينوم كاحد عشرات او مئات المعادن الاساسيه المستخدمه فى بناء طائره وجعلها تطير.

وبالطبع لن يطير معدن الالومينوم الخام إلا فى الطائره، وداخل نظام مصمم وذكى بالغ التعقيد، وهكذا الاحماض الامينيه؛ فإنها لا تمثل أى قيمه بيولوجيه الا فى الخليه مع اعتبار الفارق الشديد فى نسبه التعقيد بين الطائره والخليه.

أو يمكننا تشبيه الاحماض الامينيه بانها جزء من مجموعة الحروف، والخليه الحيه هى كتاب مؤلف من ملايين الحروف لتشكيل ملحمة روائية بالغة الحنكه، والاشكال الحقيقى يكمن فى الاستخدام الذكى لترتيب تلك الحروف، وليست مجرد تراكمات وتراكبات عشوائيه ناتجه من عمليات فزيوكيميائه.

فالخليه نظام كونى مستقل له إراده تخالف تلك القوانين، ونظرة قريبه فى الخليه تثير الذهول من ذلك التصميم الدقيق المحكم؛ فهى مدينه كامله من الآلات الجزيئيه المتعاضده المتكامله التى يحسدها عليها عوالم التقانات النانوية؛ فمع اهتزازها أو التفافها أو زحفها المتواصل في أرجاء الخلية، تقطع هذه الآلات، وتلصق وتنسخ جزيئات جينية، وتقوم بنقل المغذّيات من مكان إلى آخر أو تحولها إلى طاقة، وتبني أو تصلح الأغشية الخلوية، وتنقل الرسائل الميكانيكية والكيميائية والكهربائية.

بالإضافة إلى ذلك؛ فإن من أبرز ألغاز الحياة، والتى تقف بقوه ضد كل النظريات العشوائيه التي تحاول تفسيرها، تلك الغائية والتوجيه المستقل للحياة بعيدا عن العمليات الكيميائية الطبيعية.

فبتخطى تلك العقبات التي مرت بها أمثال تلك التجارب، وبافتراض نجاحها فى محاكاة جو الأرض وإنتاج مادة عضوية أولية للحياة، وتخليق الأحماض الأمينية، فإن تخليقها من مواد أولية ليست الجزء الصعب.. فالإشكال الحقيقى هو الحصول على نوع الأحماض الأمينية المطلوبة للحياة، وطريقة تنظيمها.

ذلك أنه يوجد أكثر من 2000 نوع من الأحماض الأمينية في الطبيعة، بينما لا يدخل فى التركيب الحيوى للخلية إلا 20 نوعا فقط.. وعلاوة على ذلك، يتم تجميع الذرات التي تشكل كل الأحماض الأمينية الأساسية في شكلين متناظرين عرفا باسم (اليد اليسرى، واليد اليمنى) مقارنة بتناظر كلتا يدي الإنسان.. فلكل يد نفس المكونات، ومع ذلك فهي مختلفة.

ومثل أيدينا، تأتى الأحماض الأمينية في شكلين حيث تتألف من نفس المكونات، ولكن هي صور طبق الأصل من بعضها البعض، ولهذا تسمى الأحماض الأمينية العسراء، والأحماض الأمينية اليمينيه.

لكن المذهل هو أن جزيئات الأحماض الأمينية اللازمه للحياة كلها عسراء التوجه، وكل السكريات الموجودة في الأحماض النووية اللازمه للحياة يمينية التوجه، أما تلك الأحماض الأمينية المنتجة في المختبر فهي نصف عسراء، ونصف يمينية، وتسمى راسيمات، وهنا تكمن مشكله قاتلة، وهي أن السكريات العسراء والأحماض الأمينية اليمينيه تكون سامة وقاتلة، وتحول دون أى محاوله للتخلق الحيوى المزعوم من تلك المخاليط الراسميه الملوثه.

وعلاوة على ذلك، فقد تم تصميم جميع الإنزيمات لتعمل فقط مع سكريات اليد اليمنى والأحماض الأمينية العسراء.. لذلك إذا تم ارتباط حمض أمينى واحد يمينى الاتجاه أثناء تجميع بروتين، فإن ذلك البروتين الناتج لن يكون له أي قيمة للحياة.

ثانيا ـ الإلحاد.. وتنوع الحياة

تعتبر نظرية التطور أو [النظرية الداروينية] ([4]) القاعدة التي يعتمد عليها كل الملاحدة والفلاسفة الماديين، ذلك أنها تنطلق من إنكار حقيقة الخلق، وتعتبر كل ما حصل من تنوع للحياة سلسلة صدف متوالية.. ولذلك كان دحض هذه النظرية واجبا يحتمه علينا الدين، لحماية المعتقدات، والرد على كل وسيلة يعتمدها الملاحدة لنفي وجود الله، أو نفي تدبيره لخلقه.

وترجع جذور الفكر الذي قامت عليه هذه النظرية إلى العصور القديمة؛ وذلك بوصفه اعتقادا متعنتا يحاول التنكر لحقيقة الخلق.. فقد دافع معظم الفلاسفة الوثنيين في اليونان القديمة عن فكرة التطور.. وعندما نلقي نظرة على تاريخ الفلسفة، نجد أن فكرة النشوء والارتقاء تشكل العمود الفقري لكثير من الفلسفات الوثنية.

وقد أحيا دارون تلك الفلسفات، وحاول أن يعطيها بعدا علميا إلا أنه لم يفلح في ذلك، بل كان كل ما فعله هو ومن تبعه ما عبر عنه الدكتور البيولوجي التطوري [هنري جي] المُحرر بمجلة نيتشر التطورية الشهيرة في كتابه [البحث في أعماق الزمن] مُعلقا على أضحوكات الاستشهاد ببضعة عظام لا تملأ صندوقا صغيرا على تطور الإنسان: (إن أخذ سلالة من الأحافير، وادعاء أنها تمثل خطاً تكاثرياً لا يعتبر فرضية علمية قابلة للاختبار، وإنما هو تأكيد على قصة تحمل نفس قيمة القصص التي تروى قبل النوم ربما تكون مفيدة، ولكن ليست علمية!)

مع العلم أن دارون لم يتلق أي تعليم رسمي في علم الأحياء، ولكنه اهتم بموضوع الطبيعة والكائنات الحية اهتمام الهواة، وحفزه هذا الاهتمام على الانضمام إلى رحلة استكشافية على متن سفينة أبحرت من إنكلترا عام 1832، وجابت مناطق مختلفة من العالم لمدة 5 سنوات.

وانبهر دارون انبهارا كبيرا بمختلف أنواع الأحياء، وخاصة بنوع معين من العصافير (الحساسين) التي شاهدها في بعض الجزر، واعتقد دارون أن التنوع في مناقير العصافير يعزى إلى تكيفها مع موطنها، وانطلاقا من ذلك افترض أن أصل الحياة والأنواع يكمن في فكرة التكيف مع البيئة؛ فافترض أن أنواع الأحياء لم توجد بشكل منفصل، بل إنها انحدرت من سلف مشترك، واختلفت عن بعضها البعض نتيجة للظروف الطبيعية.

ولم تستند فرضية دارون على أي اكتشاف أو تجربة علمية؛ ولكنه حولها ـ مع مرور الزمن ـ إلى نظرية حظيت بأهمية لا تستحقها، من خلال الدعم والتشجيع الذي تلقاه من أشهر علماء الأحياء الماديين في عصره.

وتتمثل فكرة النظرية في أن الأفراد التي تتكيف مع موطنها على النحو الأفضل تنقل صفاتها إلى الأجيال الآتية، ثم تتراكم هذه الصفات المفيدة مع الوقت، ويتحول الفرد إلى نوع يختلف اختلافا كاملا عن أسلافه. ووفقا لدارون، يمثل الإنسان أكثر نتاج متطور لهذه الآلية.

وقد أطلق دارون على هذه العملية اسم: التطور بالانتقاء الطبيعي، وظن أنه اكتشف أصل الأنواع ؛ أي أن أصل نوع ما هو نوع آخر، ونشر هذه الآراء في كتابه الذي يحمل عنوان [أصل الأنواع بواسطة الانتقاء الطبيعي] عام 1859.

وقد كان دارون يدرك جيدا أن نظريته تعاني من مشكلات كثيرة، وقد اعترف بهذه المشكلات في كتابه في فصل بعنوان [صعوبات النظرية]، ويأتي على رأس هذه الصعوبات سجل المتحجرات، وتعقيد أعضاء الأحياء الذي لا يمكن أن يفسر عن طريق الصدفة (مثل العين) وغرائز الأحياء.

وكان يأمل في التغلب على هذه الصعوبات بواسطة الاكتشافات الجديدة؛ ولكن ذلك لم يوقفه عن تقديم عدد من التفسيرات غير الملائمة أبدا لبعض هذه الصعوبات.

وقد علق الفيزيائي الأمريكي ليبسون على صعوبات دارون بقوله: (عندما قرأت كتاب أصل الأنواع لمست أن دارون نفسه كان أقل ثقة مما كان الناس يصورونه في أغلب الأحيان؛ إذ يوضح الفصل الذي يحمل عنوان [صعوبات النظرية] مثلا قدرا لا يستهان به من عدم الثقة بالنفس، وبوصفي فيزيائيا، فقد أثارتني بشكل خاص تعليقاته حول كيفية ظهور العين)

وقد كان من أبرز الشخصيات التي تأثر بها دارون عالم الأحياء الفرنسي [لامارك]، الذي كان يرى أن الكائنات الحية نقلت السمات التي اكتسبتها أثناء حياتها من جيل إلى جيل، وبهذه الصورة تطورت هذه الكائنات؛ فالزرافات تطورت من حيوانات شبيهة بالبقر الوحشي عن طريق إطالة أعناقها شيئا فشيئا من جيل إلى جيل عندما كانت تحاول الوصول إلى الأغصان الأعلى فالأعلى لأكل أوراقها، وبناء على ذلك استخدم دارون فرضية توريث السمات المكتسبة التي اقترحها لامارك بوصفها العامل الذي جعل الأحياء تتطور.

وكان كل من لامارك ودارون مخطئا، ذلك أنه لم يكن ممكنا في تلك الفترة دراسة الحياة إلا بواسطة تكنولوجيا بدائية جدا، وبمستوى غير ملائم أبدا.. ولم تكن هناك مجالات علمية مثل علم الوراثة وعلم الكيمياء الحيوية، بل حتى اسمهما لم يكن موجودا؛ ومن ثم كان لا بد أن تعتمد نظريتهما اعتمادا كاملا على قوة مخيلتيهما.

وبينما كانت أصداء كتاب دارون مدوية، اكتشف عالم نبات النمساوي [غريغور مندل] قوانين الوراثة سنة 1865، وعلى الرغم من أن اكتشافات مندل لم يسمع بها الكثيرون حتى أواخر ذلك القرن، فإنها اكتسبت أهمية عظيمة في أوائل القرن العشرين الذي شهد ولادة علم الوراثة، وفي فترة لاحقة، اكتشف تركيب الجينات والكرموزومات، وفي الخمسينيات، أدى اكتشاف تركيب جزيء (DNA) (الذي يحتوي على المعلومات الوراثية) إلى إيقاع نظرية التطور في أزمة كبيرة، ويرجع ذلك إلى التعقيد المدهش للحياة وبطلان آليات التطور التي اقترحها دارون.

وكان حريا بهذه التطورات أن تؤدي إلى إلقاء نظرية دارون في مزبلة التاريخ، لكن هذا لم يحدث نظرا لإصرار الفلاسفة الماديين والملاحدة على تنقيح النظرية وتجديدها والارتفاع بها إلى منابر العلوم.

وبناء على ذلك حاول مجموعة من العلماء الذين أصروا على ولائهم لدارون أن يتوصلوا إلى حلول مناسبة لتلك الأزمة.. والتقى هؤلاء العلماء في اجتماع نظمته الجمعية الجيولوجية الأمريكية سنة 1941، وبعد مشاورات طويلة نجح في النهاية بعض علماء الوراثة وعلماء الحيوان وعلماء المتحجرات القديمة وعلماء الوراثة الرياضية في التوصل إلى اتفاق حول الطرق المناسبة لترقيع الدارونية.

وقد ركز هذا الفريق من العلماء على مسألة أصل التغيرات المفيدة التي من المفترض أنها قد تسببت في تطور الكائنات الحية (وهي مسألة لم يستطع دارون نفسه تفسيرها، لذلك حاول ـ ببساطة ـ أن يتجنبها معتمدا على لامارك)

وبدأ تفكير هؤلاء العلماء يدور حول الطفرات العشوائية، وقد أطلقوا على نظريتهم الجديدة اسم [النظرية التركيبية الحديثة للتطور التركيبي]، التي تم تكوينها بإضافة فكرة الطفرة إلى فرضية دارون الخاصة بالانتقاء الطبيعي، وبعد مرور وقت قصير، أطلق على هذه النظرية اسم [الدارونية الجديدة] كما أطلق على الأشخاص الذين قدموها اسم الدارونيين الجدد.

وأصبحت العقود الآتية لتلك الفترة بمثابة حقبة للمحاولات اليائسة الرامية إلى إثبات صحة الدارونية الجديدة، وكان معروفا من قبل أن الطفرات (أو المصادفات) التي حدثت في جينات الكائنات الحية تلحق بها الضرر دائما، لكن الدارونيين الجدد حاولوا أن يقدموا برهانا على وجود طفرة مفيدة من خلال القيام بآلاف التجارب على الطفرات.. ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل الذريع.

كما حاولوا أيضا إثبات أن الكائنات الحية الأولى قد نشأت عن طريق الصدفة وتحت ظروف أرضية بدائية وفقا لفرضية النظرية، ولكن نفس الفشل صاحب هذه التجارب أيضا.. وكان الفشل حليف كل تجربة تسعى إلى إثبات أن الحياة يمكن أن تنشأ بالصدفة، وأثبت حساب الاحتمالات أنه لا يمكن حتى لبروتين واحد (وهو الوحدة الأساسية للحياة) أن يتكون عن طريق الصدفة.

أما بالنسبة للخلية (التي من المفترض أنها قد ظهرت عن طريق الصدفة تحت ظروف أرضية بدائية يتعذر التحكم فيها وفقا لعلماء التطور)؛ فإنه من غير الممكن تركيبها حتى في أكثر المختبرات تطورا في القرن العشرين.

وقد منيت نظرية الدارونية الجديدة بالهزيمة من قبل سجل المتحجرات أيضا؛ إذ لم يعثر قط في أية بقعة من العالم على أي من الأشكال الانتقالية التي من المفترض أن تظهر التطور التدريجي للكائنات الحية من الأنواع البدائية إلى الأنواع المتقدمة حسبما تزعم نظرية الدارونيين الجدد.

وفي نفس الوقت، كشف التشريح المقارن أن الأنواع التي يفترض أنها تطورت بعضها من بعض تتسم في الواقع بسمات تشريحية مختلفة تماما، وأنها من غير الممكن أبدا أن تكون أسلافا أو خلفاء لبعضها البعض.

وبما أن [الدارونية الجديدة] لم تكن نظرية علمية أبدا، بل كانت مبدأ أيديولوجيا؛ فقد ظل أنصارها يدافعون عنها على الرغم من كل الأدلة المناقضة لها.. ومع ذلك، لم يستطيعوا الاتفاق على أي من النماذج المختلفة المقترحة لفهم التطور هو النموذج الصحيح. ويتمثل أحد أهم هذه النماذج في السيناريو الخيالي المعروف باسم [التوازن المتقطع]، أو [التطور على قفزات]

فمع أن معظم العلماء الذين يؤمنون بالتطور يقبلون نظرية الدارونيين الجدد المتعلقة بـ [التطور البطيء التدريجي]، ومع ذلك، فقد تم خلال العقود الأخيرة اقتراح نموذج مختلف يعرف باسم التطور على قفزات، أو التوازن المتقطع، ويرفض هذا النموذج فكرة الدارونيين بشأن حدوث التطور بشكل تراكمي وتدريجي، ويرى ـ بدلا من ذلك ـ أن التطور قد تم بقفزات كبيرة ومتفرقة.

وظهر هذا النموذج في بداية السبعينيات، بعد أن أدرك عالما المتحجرات الأمريكيان، [نايلز إلدردج] و[ستيفن غولد] أن مزاعم الدارونيين الجدد يدحضها سجل المتحجرات تماما، لأن المتحجرات أثبتت أن الكائنات الحية لم تنشأ بالتطور التدريجي، بل ظهرت فجأة بكامل تكوينها.

وكان الأصل أن يتخلى الداروينيون عن معتقداتهم بسبب ذلك، لكنهم لم يفعلوا، بل راحوا يقدمون بدائل أخرى، حتى لو كانت ممتلئة بالغرابة.

وحتى نعرف مدى تهاتف هذا النموذج الخيال، نذكر أن عالم المتحجرات الأوربي [شايندولف] ذهب إلى أن أول طائر خرج من بيضة إحدى الزواحف كطفرة هائلة، أي نتيجة مصادفة ضخمة حدثت في التركيب الجيني.

وحسب النظرية ذاتها، كان من الممكن أن تتحول بعض الحيوانات البرية إلى حيتان ضخمة إذا تعرضت لتحول فجائي شامل.

ومع أن هذه الادعاءات المخالفة تماما لجميع قوانين علم الوراثة والفيزياء الحيوية والكيمياء الحيوية، والتي لا تختلف عن تلك القصص الخيالية التي تدور حول تحول الضفادع إلى أمراء إلا أنه ونتيجة لانزعاج علماء المتحجرات المؤمنين بالتطور من الأزمة التي كان يمرون بها جزم الدارونيين الجدد بهذه النظرية التي كانت تتميز بأنها أكثر غرابة حتى من الدارونية الجديدة نفسها.

ويتمثل الغرض الوحيد من هذا النموذج في توفير تفسير للفجوات الموجودة في سجل المتحجرات التي لم يتمكن نموذج الدارونيين الجدد من تفسيرها.

ومع ذلك، يكاد يكون من غير المعقول أن تجري محاولة لتفسير فجوات المتحجرات الموجودة في تطور الطيور عن طريق الادعاء بأن الطائر قد خرج فجأة من بيضة إحدى الزواحف؛ ذلك أن تطور نوع إلى نوع آخر يتطلب ـ باعتراف علماء التطور أنفسهم ـ حدوث تغير ضخم ومفيد في المعلومات الوراثية، ومع ذلك، لا يمكن لأية طفرة أيا كانت أن تحسن المعلومات الوراثية أو تضيف إليها معلومات جديدة؛ ذلك أن الطفرات لا تؤدي سوى إلى إفساد المعلومات الوراثية. ومن ثم فإن الطفرات الهائلة التي تخيلها نموذج التوازن المتقطع لن ينتج عنها غير إضعاف وإتلاف هائل، أي كبير، في المعلومات الوراثية.

وفضلا عن ذلك، فقد انهار التطور المتقطع من أول خطوة بسبب عدم قدرته على التعامل مع مسألة أصل الحياة، وهي ذات المسألة التي تدحض نموذج الدارونيين الجدد منذ البداية. وما دام من غير الممكن أن يتكون ولو حتى بروتين واحد عن طريق الصدفة، فلا يوجد معنى للجدال حول ما إذا كانت الكائنات الحية المكونة من تريليونات البروتينات قد مرت بمراحل تطور متقطعة أو تدريجية.

بناء على هذا سنحاول أن نضع هنا بين يدي القارئ أهم الردود العلمية على هذه النظرية:

1 ـ الرد على علمية هذه النظرية:

سبق أن ذكرنا في الفصلين المخصصين للمغالطات العلمية والعقلية التي يعتمدها الملاحدة عدم اعتماد الملاحدة على المنهج العلمي والعقلي في طروحاتهم العلمية المرتبطة بالإلحاد، ذلك أنها مبنية على تفكير رغبوي وليس على تفكير علمي.

وأول ما يدل على هذا هو أن كبار علماء الحياة كتبوا في الرد على نظرية التطور، ولم يكونوا يؤمنون بها، ولو كانت نظرية لها مصداقية علمية ما صدر منهم ذلك.. لأن الحقيقة لا يمكن إخفاؤها أو الهرب منها.

فمن العلماء الذين ردوا على نظرية التطور [ديفيد برلنسكي]، وقيمته في هذا المجال هو كونه عالما لا أدريا، وهو عالم في الرياضيات والبيولوجيا الجزيئية والفلسفة، وهو من أشهر من انتقدوا نظرية التطور، والإلحاد الذي يروج بسببها، وهو صاحب كتاب [وهم الشيطان] الذي ألفه في الرد على [ريتشارد دوكينز] وغيره سنة 2008م.. وله حوار مصور شهير باسم [العنيد – مفكر متمرد يتحدى داروين]، وهو مليء باعترافاته من سخرية العلماء الحقيقيين من خرافة التطور، ومليء بالسخرية العلمية من افتراضات التطور الخيالية ونقاط ضعفها القاتلة.

ومنهم [مايكل دنتون]، وهو عالم لاأدري، ومتخصص في الكيمياء الحيوية، وكان يؤمن بنظرية التطور بحكم إلحاده وتخصصه إلى أن اكتشف بنفسه، ومع التقدم الرهيب في البيولوجيا الجزيئية عشرات الثغرات القاتلة التي أزالت عن التطور الهالة العلمية التي ينسجها أتباعه حوله ليمرروه على الناس بغير تفكير ولا مناقشة، فقام ساعتها بوضع كتابه الشهير [التطور نظرية في أزمة] عام 1985م، وهو من أوائل الكتب التي قلبت نظرية التطور في العصر الحديث رأسا على عقب، وله مشاركات عديدة في وثائقيات علمية عن الدقة المتناهية وعلامات التصميم الذكي في الحياة والأرض والكون وصولا إلى الإنسان.

ومنهم [مايكل بيهي]، وهو عالم لاديني وتطوري سابق ومتخصص في الكيمياء الحيوية وأستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة ليهاي في بنسلفانيا – أمريكا، وقد ساورته شكوك كثيرة أيضا في نظرية التطور مع تخصصه العلمي الدقيق والاكتشافات العلمية الأخيرة، وخصوصا عندما قرأ كتاب (التطور نظرية في أزمة) لمايكل دانتون، حيث وجد أن كل النقاط التي ذكرها بالفعل طعنت التطور الصدفي والعشوائي في مقتل، فقام بتأليف كتابه الشهير [صندوق داروين الأسود] عام 1996م، ويعتبر من أشهر من أسسوا ووضعوا قواعد نظرية (التصميم الذكي) في شكلها الأكاديمي الأخير وخصوصا نقطة (التعقيد غير القابل للاختزال) ودلالته على استحالة التطور التدريجي العشوائي عبر الزمن، وعلى دلالتها على الغائية لظهور الأعضاء المعقدة مرة واحدة من جهة مُصمم ما (هو لا يذكر إله أو خالق بعينه)

ومنهم [جوناثان ويلز]، وهو عالم البيولوجيا الجزيئية الأمريكي، والذي يعترف بأنه كان ملحدا في شبابه، وذلك في مجموعة كتب الصحفي الشهير [لي ستروبل]، لكن بسبب دراسته للبيولوجيا الجزيئية، ومع الاكتشافات الحديثة أيضا الناطقة بعلامات الغائية والخلق تراجع عن إلحاده، وصار من أعدى أعداء نظرية التطور وفضحها وكشف زيفها للناس، وهو صاحب الكتاب الشهير [أيقونات التطور] عام 2002م

ومنهم [جيري فودور]، و[ماسيمو بياتيللي بالماريني]، وأولهما بروفيسور الفلسفة وعلم الإدراك بجامعة ولاية نيوجيرسي، والثاني بروفيسور الفلسفة وعلم الإدراك بجامعة ولاية أريزونا، والاثنان ملحدان، وقد بدأ أولهما بالتشكيك في حقيقة وجود خرافة (الانتخاب) الطبيعي وذلك في كتاب [لماذا لا تملك الخنازير أجنحة؟]، والذي تم نشره في معرض الكتاب بلندن عام 2007م، ثم شارك مع ماسيمو في إصدار الكتاب الصادم للتطوريين [الأمر الذي أخطأ فيه داروين] عام 2011م.

وقد كتبا في مقدمة الكتاب يقولان: (هذا ليس كتاباً عن الله، ولا عن التصميم الذكي، ولا عن الخلق. ليس أياً من أحدنا متورطٌ في شيءٍ من ذلك.. لقد رأينا أنه من المستحسن أن نوضح هذا منذ البداية، لأن رأينا الأساسي فيما سيأتي يقضي بأن هناك خطأ ما ـ وربما خطأ لدرجة قاتلة ـ في نظرية الانتخاب الطبيعي)

وهذا يدل على أن أكبر الانتقادات الموجهة لخرافات التطور وآلياته الخيالية وغير العلمية هي من أشخاص ملحدين أو لا أدريين أو لادينيين فضلا عن أن يكونوا تطوريين من قبل أن يرجعوا لصوابهم وعقلهم.

ومنهم [جوب مارتين]، وهو أستاذ أحياء متخصص وتطوري سابق، وقد حكى قصته عن الخنفساء المدفعية الشهيرة وتعقيدها غير القابل للاختزال: وكيف أن مناقشاته مع الطلبة كانت سببا في إعادة تفكيره في هذه الاستحالات التطورية الكثيرة التي لا وزن علمي لها إلا الخرافة والتلقين والوهم بصحتها.

ومنهم [فيليب جونسون]، وهو متخصص في القانون، وكان ملحدا وتطوريا، ولكنه أفاق بدوره على كتاب (التطور نظرية في أزمة) لمايكل دانتون، وبدأ في التوسع في القراءة ومتابعة آخر الأخبار العلمية إلى أن تيقن تماما من خرافات التطور وأنها لا تعدو تزييفات وتكهنات خيالية لا يدعمها أي دليل عقلي أو علمي تجريبي صحيح، وعلى إثر هذا صار من أشهر مَن ينتقدون خرافات التطور في أمريكا بل كان يخوض مناظرات بنفسه مع تطوريين ويهزمهم، ومن مؤلفاته في هذا المجال (هزيمة الداروينية: كتاب عن مناظرة)، و(هزيمة الداروينية بعقول مفتوحة)، و(محاكمة داروين)، وهو من أشهر كتبه، و(كتاب عن الاعتراضات الوجيهة للتطور وأشياء أخرى)

هذه بعض النماذج عن المعارضين للتطور، وما كتبوه في انتقادها، ويمكن الاستفادة منها في الردود على هذه النظرية، وبيان تهافتها.. وكل ما ذكرناه من مناظرات ونحوها موجودة على النت، ويمكن الوصول إليها بسهولة.

2 ـ التصميم الذكي:

وهي نظرية نشأت في مواجهة نظرية التطور([5])، وتحاول تفسير نشأة الأنواع الحية تفسيرا علميا بعيدا عن كل أنواع الأيديولوجيا والتفكير الغرضي، وهي تتبنى توجهاً مناهضاً للدور العشوائي اللاغائي الذي تعطيه نظرية التطور للطبيعة، باعتبارها أداة فاعلة في الخلق..

وهي لأجل ذلك تواجه دعاوى التطوريين عن وجود عيوب في تصميم الأنواع الحية؛ لكونها تطورت بعضها من بعض، فنشأت العيوب نتيجة السمكرة وإعادة التخليق، وهي لذلك لا تعترف بوجود أعضاء بلا وظيفة، أو أعضاء غيّرت وظيفتها عبر المشوار التطوري.

وهي ترى في الأنظمة الحيوية تعقيدات وظيفية متخصصة، وتعقيدات غير قابلة للاختزال، ومن ثم تعجز الرؤية التطورية التدرجية التراكمية عن تفسيرها.

وهي تحصر دورها في وصف حقيقة الحياة كما هي، وتزيل عنها الرؤية التطورية الخرافية.. وترى كل نوع من الأنواع عالما قائما بذاته، لم يتطور من غيره، ولم ينشأ عنه.. وهي لذلك تفسر خلق الأنواع الحية بكونها تمت من قِبل مصمم ذكي، ولا تسمي اسم ذلك المصمم ليجتمع فيها جميع الأديان المؤمنة بوجود مصمم ذكي بغض النظر عن اسمه وصفاته وحقيقته، وهذا ما يفرقها عن النظريات الدينية.

وهي لا تتبنى رؤية دينية معينة لسببين.. أولهما أن ذلك سيبعدها عن أداء دورها المرتبط بمواجهة أيقونات التطور وكهنته.. والثاني هو أن تحديد المصمم بدقة وعلمية أمر يخرج عن قدرة العلم.. ولذلك ترى هذه النظرية أن الخلق الخاص لكل نوع حي يتناسب كفرضية تفسيرية مع التصميم الذكي، بينما التطور التدريجي للأنواع الحية بعضها من بعض لا يتواءم مع التصميم.

ودورها يتعدى تقديم تفسير لنشوء الأنواع الحية، وهي الحدود التي تتناولها نظرية التطور؛ بل إنها تضيف إلى ذلك تفسيراً لنشأة الكون ككل، يُستدل عليه من خلال التوافق الدقيق للكون.

وقد تعرض أصحاب هذه النظرية لمضايقات كثيرة من طرف التطوريين؛ فمنذ بدأت حركة التصميم الذكي، والتطوريون يشيعون عن أصحابها أنهم [خَلْقَوِيُّون]، مع أن المنضمين إلى هذه الحركة والمؤسسات التابعة لها ليسوا كذلك جميعا.. فبعضهم دينيون مع اختلاف دياناتهم.. وبعضهم لا أدريون.. بل إن بعضهم ملاحدة.

ومن أقطاب هذه النظرية البروفيسور [دين كينيون]، وهو من أوائل المؤسسين لهذه الحركة، وأحد المشاركين في وضع نموذج شهير لتفسير نشأة البروتين في بدء الخلق من خلال الأُلفة الكيميائية للأحماض الأمينية، بعد أن تراجع عن نموذجه واعترف بعدم وجود قيمة تفسيرية له.

ومنهم البروفيسور [أنتوني فلو]، الذي قضى عمره في الإلحاد، ثم عاد عنه وصنّف كتاب [هناك إله] الذي أعلن فيه تراجعه عن إلحاده، وانضم إلى حركة التصميم الذكي..

ومنهم الدكتور البيولوجي [هنري جي] المُحرر بمجلة نيتشر التطورية الشهيرة، وذلك في كتابه [البحث في أعماق الزمن]، والذي علق على الاستشهاد ببضعة عظام لا تملأ صندوقا صغير على تطور الإنسان أو غيره ـ مع كونه من التطوريين ـ: (إن أخذ سلالة من الأحافير وادعاء أنها تمثل خطاً تكاثرياً لا يعتبر فرضية علمية قابلة للاختبار، وإنما هو تأكيد على قصة تحمل نفس قيمة القصص التي تروى قبل النوم ـ ربما مفيدة.. ولكن ليست علمية)

ومنهم [جيري فودور]، وهو بروفيسور الفلسفة وعلم الإدراك بجامعة ولاية نيوجيرسي، والذي كتبت كتابه في التشكيك في حقيقة وجود خرافة الانتخاب الطبيعي مع كونه كان حينها ملحدا، وذلك في كتابه [لماذا لا تملك الخنازير أجنحة؟]

وسنذكر هنا نماذج مختصرة عن بعض طروحات هذا الفريق العلمي المواجه لنظرية التطور:

أ ـ التعقيد المتخصص:

ولإيضاح مرادهم من هذا المصطلح، نذكر هذا المثال التقريبي، وهو أنه عندما نرى أحد أحرف الأبجدية لوحده، فإننا نذكر أنه متخصص دون كونه تعقيداً.. لكننا عندما نرى جملة طويلة من الأحرف العشوائية، فإننا حينها نصفها بكونها تعقيدا.. ولكن ليس متخصصاً.. لكن عندما نرى قصيدة لشكسبير حينها نقول: إنها [تعقيد متخصص]

وبناء على هذا؛ فإننا عندما ندقق النظر في تفاصيل الكائنات الحية نجدها جميعا في غاية التعقيد والتخصص للدرجة التي لايمكن فيها اعتبارها وجدت هكذا صدفة.. وقد وجدت ببعض العمليات الرياضية المعقدة أن أي شيء احتمال حدوثه في الطبيعة أقل من 1 من 10150 يعتبر من هذا النوع.. ويعتبر في نفس الوقت من الأمور التي يستحيل في حقها أن تكون صدفة.

أما علاقة هذا بنظرية التطور.. وكيف يتسبب في هدمها، فواضح جدا، ذلك أن كل شيء في الحياة، بل في الكون من هذا النوع.. فالتعقيدات المتخصصة دليل لايقبل الشك على وجود مصمم ذكي قد تحكم بإنشاء هذه التعقيدات، وهذا ماينقض نظرية التطور التي تعتبر أن الكائنات قد تكونت بمحض الصدفة.

والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.. ومنها مثلا تصميم النظام الميكانيكي للمخلوقات.. فهو تصميم في غاية التعقيد والتخصص لدرجة لا يمكن تصورها، ذلك أنه غالباً ما يكون تصميم الأنظمة المتحركة أكثر تحدياً للمصممين من الأنظمة البنيوية الثابتة.

وكمثال على ذلك أننا نرى المشاكل التي تظهر في المثقب اليدوي أكبر بكثير من تلك التي يمكن أن تنتج عن الإبريق، ذلك لأن الأولى تعمل على أساس ميكانيكي، بينما يقوم الثاني على مبدأ الشكل الفيزيائي، والتصاميم العملية تميل لأن تكون أكثر تعقيداً.

وسب بذلك هو أن كل عنصر من عناصر التصميم يؤدي هدفاً معيناً.. وغياب أو تعطّل أيٍّ من هذه العناصر يؤدي إلى عجز النظام عن العمل في عنصر واحد يجعل النظام عديم الفائدة.

ولأجل هذا نرى نهاية الكثير من هذه التصاميم مملوءة بالعيوب والأخطاء.. لكن ذلك لا يصدق إلا على الأنظمة التي يصممها الإنسان، حيث نرى فيها أخطاء أكبر بكثير مما يمكن تصديقه، لأن معظم هذه التصاميم أنجزت عن طريق التجربة والخطأ، على الرغم من أن بعض الأعطال يمكن تجنبها في الطور البدائي الذي يسبق إدخال المنتج إلى الأسواق، إلا أنه يبقى من المستحيل تلافي جميع الأخطاء.. ومع ذلك لم يزعم أحد من الناس أن أي تصميم صممه الإنسان وجد هكذا صدفة.

أما عندما ننظر إلى جميع الأنظمة الميكانيكية في الطبيعة، فإننا نراها ترقى إلى درجة الكمال.. فجميع المخلوقات مصممة بإتقان محكم لا يمكن تصور مدى دقته.

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك جمجمة نقار الخشب.. فهي مصممة بإتقان بديع لا يمكن تصور مدى دقته وتعقيده وغائيته؛ فنقار الخشب يتغذى على الحشرات واليرقات التي تختفي في جذوع الأشجار، ويستخرجها عن طريق النقر.. حيث يستطيع أن ينقر ما بين تسع إلى عشر نقرات في الثانية الواحدة، ويزداد هذا العدد ليصل إلى ما بين 15 ـ 20 عند الأنواع الأصغر حجماً، ومنها نقار الخشب الأخضر.. وتصل سرعة عمله إلى 100 كم/سا.. أما الزمن الفاصل بين النقرة والأخرى فهو أقل من 1/1000 من الثانية.

والصدمة التي تنتج عن هذه الطرقات المتتالية لا تختلف عن تلك التي يسببها ضرب الرأس في حائط إسمنتي، إلا أن التصميم المعجِز لدماغ نقار الخشب يجنبه التعرض لأي نوع من الإصابة.

ولذلك كانت جمجمة نقار الخشب تتميز عن سائر الطيور في هذه الناحية.. فعظام الجمجمة تتصل عند معظم الطيور ببعضها، ويعمل المنقار مع حركة الفك السفلي إلا أن منقار وجمجمة طائر نقار الخشب منفصلان عن بعضهما بأنسجة إسفنجية تمتص الصدمات الناتجة عن عملية النقر.. بل إن هذه المادة المرنة تؤدي عملها بشكل أفضل من ماص الصدمات في السيارات.. وجودة هذه المادة تأتي من قدرتها على امتصاص الصدمات المتتالية بفواصل قصيرة جداً واستعادتها لحالتها الطبيعية على الفور، وهي تفوق بجودتها المواد التي أفرزتها التكنولوجيا الحديثة بأشواط.

حيث أن هذه العملية تكتمل حتى في حالات أداء الطائر عشر طرقات في الثانية، وفصل المنقار عن الجمجمة بهذه الطريقة الخارقة تسمح للحجرة التي تحمل دماغ الطائر بالحركة بعيداً عن المنقار العلوي أثناء عملية النقر، وهكذا تكون وتتشكل آلية ثانية في امتصاص الصدمات.

ب ـ التعقيدات غير القابلة للاختزال:

ولإيضاح مرادهم من هذا المصطلح([6])، نذكر هذا المثال التقريبي، وهو عن مصيدة الفئران؛ فهي ـ كما نعلم ـ مؤلفة من عدة أجزاء.. مؤلفة من قطعة خشبية، ومن نابض، ومن ملقط معدني، ومن قطعة جبن.. وعندما نزيل أي جزءٍ منها، فإن باقي الأجزاء لا قيمة لها على الإطلاق، فلن تعمل المصيدة إلا بوجود كامل أجزائها مجتمعةً مع بعضها في أماكنها.. ومثل ذلك القوس الحجري، فإننا إذا قمنا بإزالة أيّ حجرٍ منه، فسينهار تماماً.. وبذلك فإن القوس والمصيدة أنظمة غير قابلة للاختزال.

وهذا هو الحال مع الكائنات الحية.. فالأنظمة المعقدة لا يمكن أن تعمل عند إزالة أحد أجزائها، ولذا لا يمكن لهذه الأنظمة أن تكون قد تشكلت بالتطور التدريجي، بل إنها لا بد أن تكون قد وجِدَت كما هي بشكلٍ فوريّ لا على مراحل، والكائن الحي مثالٌ على هذه الأنظمة.

أما علاقة هذا بنظرية التطور.. وكيف يتسبب في هدمها، فواضح جدا، ذلك أن نظرية التطور تخبرنا أن الكائنات الحية معقدة التركيب الموجودة اليوم قد تطورت عن كائناتٍ أخرى أقل تعقيداً، وبما أن تعقيد الكائنات الحية يزداد عن طريق إضافة أجزاء أو وظائف أخرى إليها عن طريق الطفرات مثلاً؛ فبناءً عليه يمكن أن يقال: كما أن الكائنات تطورت بإضافة أجزاء ووظائف جديدة، فإنه نظرياً يجب أن نتمكن من العودة خطوةً إلى الوراء في المسار التطوري بأن نزيل الجزء المضاف، ويجب على الكائن الحي عندها أن يبقى قادراً على القيام بمهامه الحيوية.

فإذا كانت الرئتان قد ظهرتا مثلاً عندما خرجت السمكة الرئوية من الماء، يجب أن يكون صحيحاً أننا إذا أزلنا رئتي السمكة ستصبح أقل تعقيداً لكن قادرةً على الحياة والقيام بالوظائف الحيوية كما كانت قبل ظهورهما! وبما أن هذا لا يحدث، فإن هذا يؤدي بالضرورة إلى أن نظرية التطور ليست صحيحة.

وكذلك؛ فإنه إذا كانت نظرية التطور مبنية على تصور أن هذه الوظائف المعقدة الموجودة فى الكائنات الحية جاءت بشكل تدريجى عبر بلايين السنين، وأنه تم انتخاب كل شيء صالح أثناء هذه الفترة فتراكمت هذه الصلاحيات حتى وصلت إلى هذا التعقيد الذى نشاهده، والذى يقوم بكل هذه الوظائف الحيوية فى الكائنات الحية فلاشك أن هذا التصور ينهار إذا وجدنا فى الكائنات الحية وظائف غير قابلة للاختزال.

وهذا ما أقر به داروين نفسه فى كتابه أصل الأنواع حيث قال: (إذا كان من الممكن إثبات وجود أي عضو معقد لا يرجح أن يكون قد تكون عن طريق تحولات عديدة ومتوالية وطفيفة، فسوف تنهار نظريتي انهيارا كاملا)

ومعنى أن هذا العضو معقد تعقيد غير قابل للاختزال أى أن الوظيفة التى يقوم بها لا وجود لها قبل أن تجتمع كل الأجزاء التى يتكون منها هذا الشيء.. وأنه لو فقد ولو جزء واحد من المكونات لتلاشت الوظيفة بالكلية.

ومثل ذلك الأجهزة الحديثة المعقدة التى لو قطعت منها أي سلك، أو أخرجت منها جزءا صغيرا، فإنها تفسد بالكلية.. ذلك أن هذه الأجهزة لا يمكن تصور تكونها بشكل تدريجى، نتيجة تراكم الصلاحيات والمنافع التى يمكن تحصيلها من أشكال منها أولية التركيب.

ومن الأمثلة على ذلك المصعد الكهربائى، فوظيفته حمل الناس من الأدوار العلوية إلى السفلية أو العكس، وهذه الوظيفة لا يمكن تحقيقها قبل أن تجتمع كل أجزاء المصعد من أسلاك وأحبال ومحركات والصندوق الكبير الذى يدخله الناس، ويكون كل شيء من هذه الأشياء فى موضعه بالضبط، وموصلا بمصدر الطاقة.. وكل هذا يجب أن يحدث أولا قبل أن يتحرك المصعد سنتيمترا واحدا.

أما لو أحضرنا ربع المكونات الأساسية للمصعد أو نصفها مثلا، فلن نتمكن من استخدام المصعد لطابقين أو ثلاثة حتى نكمل باقى الأجزاء الناقصة، ولذلك كان هذا تعقيدا غير قابل للاختزال، ولا يمكن تكونه بشكل عشوائى بدون علم ولا حكمة ولا غاية.

فى حين أن العضو أو الشيء المعقد تعقيدا يمكن اختزاله لا يحتاج إلى مصمم، ويمكن أن يتكون بالصدفة وتراكم صلاحيات أجزائه، لأن كل جزء من أجزائه يحمل نفس الوظيفة التى يحملها هذا التعقيد المختزل في النهاية لكن بمقدرا أقل، وإلا لما وجد الانتخاب الطبيعى سببا لانتخاب تلك الأجزاء والتدريج يفيد فقط فى زيادة مقدرا الوظيفة.

 وبالمقارنة مع مثال المصعد الكهربائى نجد الدرج قابلا للاختزال، ذلك أنه إذا كان عندنا درجة واحدة فقد حققت منفعة لأنها سترفعنا بمقدار ارتفاع هذه الدرجة من درجات الدرج، ولو أحضرنا ربع عدد درجات الدرج المطلوب لمبنى مكون من عشرة طوابق لانتفعنا بها ولاستطعنا الصعود والهبوط عليها إلى طابقين أو ثلاثة.. بخلاف المصعد الذى لا يمكن الإنتفاع به بأى نفع إلا بعد اكتمال كل أجزائه.

وبذلك، فإن طريقة الدرج هى التى تتبناها الداروينية فى تحصيل المنافع بشكل تدريجى بسيط لتحقيق الوظائف المطلوبة، وهي تنهار إذا لم تستطع تعميم هذا الأسلوب على كل الوظائف الموجودة فى الكائنات الحية.

والأمثلة عن الوظائف الحيوية المتصفة بهذا الوصف لا يمكن حصرها.. ومن أمثلتها السوط البكتيرى، وتخثر الدم، وتشفير الحمض النووي، وتنظيم الجهاز المناعى، وغير ذلك كثير.

ونحب أن ننبه إلى أن التطور الهائل لعلم الكيماء الحيوية منذ أواسط القرن الماضي وحتى اليوم يصب في خدمة نظرية التصميم الذكي، وخصوصا في خدمة التعقيدات غير القابلة للاختزال([7]).

ذلك أن أنه أدى إلى تغير جذري في معرفة العلم والطب بما يجري في جسم الإنسان، وبالذات في مقومات الحياة، فقد تبين للعلماء وبوضوح قاطع لا لبس فيه، أن حياة أي كائن حي، قائمة على عدد يصعب حصره من الآلات والأجهزة التي تعمل بشكل متكامل ومتزامن.. ولو توقف أي منها عن العمل لكان لها تأثيرات قد تكون مميتة على حياة الكائن الحي.

وهذه الآلات ليست مصنوعة من معادن وأخشاب وغيرها من المواد التي نعرفها، ولكنها مصنوعة من جزيئات كيميائية، تقوم بكل ما يخطر وما لا يخطر على البال من أعمال، وتتحكم بكل ما يجري في الكائن الحي من مهام.

فهي تحمل المواد، وتنقلها، ثم تفرغ حمولتها في المكان المناسب، وتنسخ الخلايا وتعطيها شكلها ولونها، وتنقل صفات الكائن الحي لذريته وتدافع عنه ضد الأعداء، وتولد التيار الكهربائي وتنقله وترسله إلى الأماكن المطلوبة وتقطعه عندما تنتهي مهمته، ولو عددنا كل ذلك بتفصيل لما انتهينا.

وقد كان هذا التغير في المعرفة أحد المعاول الكبرى التي ساهمت مع غيرها في هدم نظرية التطور، ذلك أنه من المعروف أن نظرية داروين تقوم على أسس ثلاثة.. أولها أن الكائنات لها أصل مشترك.. والثاني أن الاختلاف والتنوع والتعقيد الذي نراه في الكائنات هو نتيجة طفرات عشوائية كانت تحدث للكائنات على مر الملايين من السنين، وأن تراكم هذه الطفرات كان يؤدي إلى تغيرات في الكائنات الحية.. وثالثا الاصطفاء الطبيعي، الذي ينتقي من الكائنات ما تؤدي طفراته المتراكمة إلى تحسن في نوعه، فيبقى ويتكاثر وينقل صفاته المحسنة الجديدة إلى ذريته، في حين ينقرض الكائن الأضعف أو ذو الصفات الأدنى.

لكن اكتشاف العمليات البيولوجية المتسلسلة والمعقدة، والتي لا تكاد تحصى، والموجودة في الخلايا الحية، كان أحد أهم عوامل انهيار مبدأ تراكم الطفرات، وبالتالي انهيار النظرية من أساسها.


([1])  من المراجع التي رجعنا إليها في هذا: كتاب [وقال الله]، تأليف الدكتور فريد أبو رحمة، ترجمة ميشال خوري، ومقالا بعنوان [نظريات نشأة الحياة]، والمعلومات الواردة فيه موجودة في مواقع ودوائر معارف علمية كثيرة.

([2])  الروسي الملحد الكسندر ايفانوفيتش اوبارين اول من روج لنشر هذه الفكره بسخاء حيث افترض ان جو الارض انذاك كان مختزل كيميائيا ثم بتعرضه لطاقه من نوع ما ينتج اشكال بسيطه من الحياه تتطور تدريجيا فى برك ومحيطات الحساء العضوى البدائى، وفى عام 1953 خرج طالب الدراسات العليا بجامعة شيكاغو ستانلى ميلر بسيناريو مفترض بتجربته الشهيره التى يدعى بانها نجحت بمحاكاة ظروف الارض فى وقت مبكر وتعزيز عمليه كيميائيه لانتاج لبنات الحياه.

([3])  انظر مقالا في الموضوع بعنوان: نشوء الحياة وتجربة ميلير، ومقالا مميزا آخر بعنوان: نظرية التطور وحقيقة الخلق، لعالم الحياة أحمد يحيى.

([4])  انظر: خديعة التطور الانهيار العلمي لنظرية التطور وخلفياتها الأيديولوجية: هارون يحيى، وغيرها من كتبه، ويستحسن للداعية الرجوع إليها ولغيرها لكونها جمعت الكثير من الاقتباسات والنقول من العلماء والمختصين في الغرب، سواء من أولئك الذين لا يزالون يؤمنون بنظرية التطور، أو من الذين تراجعوا عنها.

([5])  انظر مقالا مهما بعنوان: اتجاهات في تفسير التنوع الحيوي، منى زيتون.

([6]) انظر: مقالا بعنوان: ما هو التعقيد الغير قابل للإختزال؟، د. أحمد إبراهيم.

([7]) انظر: تطور الكيمياء الحيوية يهدم نظرية دارون، مقالة نشرت في العدد 89 (نيسان 2015) من مجلة التقدم العلمي الكويتية.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *