الإلحاد.. وبراهين الألوهية

الإلحاد.. وبراهين الألوهية

أول ما على المتصدي لمواجهة [الإلحاد] تعلمه والتدرب عليه: إتقان فنون الحجج الدالة على وجود الله، بمختلف أصنافها، وإتقان استعمالها، من دون تحيز لواحد منها، ذلك أن التحيز قد يجعله يخطئ في تعامله مع الجمهور الذي يريد أن يخاطبه؛ فالمطلوب هو الإثبات، وليس الثبوت، ولذلك فإن الداعية يستعمل الوسائل التي يقتنع بها المخاطَب، لا التي اقتنع بها هو.

وذلك كله بناء على القاعدة المعروفة [لله طرائق بعدد الخلائق]، فقد لا يفهم بعض الناس دليلا من الأدلة كالدليل الأنطولوجي لأنسلم وديكارت، أو دليل الصديقين للفارابي وابن سينا والملا صدرا.. لكن في نفس الوقت نرى من فهم تلك الأدلة، واستفاد منها، وتحول بموجبها من الإلحاد إلى الإيمان.. ولذلك لا معنى لانتقادها أو رفضها بحجة عدم تناسبها مع الاتجاه الفكري أو المدرسة الفكرية التي يتبناها الداعية المواجه للإلحاد.. ذلك أن مقصده خطاب الآخر، لا نفسه.

وهكذا يكون موقف الداعية الحقيقي من القضايا المختلفة منطلقا من مدى تدعيمها للإيمان، ومواجهة الإلحاد، بغض النظر عن التفاصيل المرتبطة بها..

فمن المسائل المطروحة في هذا الباب ـ مثلا ـ مسألة قدم العالم، وهل هي في حال صحتها ـ كما يقول الكثير من الفلاسفة ـ تتناقض مع الإيمان، أو لا تتناقض معه، وهل قدم العالم شرط لثبوت الصانع، أو ليس شرطا.. فالداعية الحقيقي يعتبر هذه المسألة مسألة جزئية، ولهذا يبحث فيها على كلا الاحتمالين.. على احتمال الحدوث، وهو الذي دل عليه العلم.. أو على احتمال عدم الحدوث ـ كما يقول أكثر الفلاسفة ـ وفي هذه الحالة أيضا يمكن للداعية أن يثبت أنها لا تتناقض مع وجود الله بناء على مبدأ العلية والإمكان.

وبما أننا تناولنا في كتابنا [الهاربون من جحيم الإلحاد] المناهج الكبرى التي استعملها العلماء والفلاسفة والمتكلمون من المدارس المختلفة للدلالة على وجود الله، مع ضرب الأمثلة عن البراهين المرتبطة بها، وتقريراتها المختلفة، مع تبسيط كل ذلك وتفصيله؛ فسنحاول هنا في هذا الفصل تلخيص ما ذكرناه على شكل عناصر مضبوطة محدودة، ومن شاء المزيد من التقريرات، والتفاصيل، فيمكنه الرجوع للكتاب، ليستفيد منه بالإضافة إلى تلك التفاصيل الطرق المختلفة في تقرير البراهين واستعمالها، والإجابة على الإشكالات المرتبطة بها.

وقد قسمنا في ذلك الكتاب المناهج الكبرى التي تقوم عليها براهين وجود الله إلى سبعة أقسام، وهي تختلف باختلاف المخاطبين بتلك البراهين:

أولها البراهين القاطعة: وقصدنا بها أصناف الأدلة والبراهين التي استعملها الفلاسفة والمتكلمون، مثل برهان العلية، وبرهان لحدوث، وبرهان التطبيق أو نفي التسلسل، وغيرها.. وهي جميعا براهين تنطلق من الكون كواسطة للوصول إلى الله.

وثانيها المعاني الرقيقة: وقصدنا بها أصناف الأدلة التي استعملها الفلاسفة أو الصوفية، وهي الانطلاق من الأعلى إلى الأدنى أو من المكون إلى الكون، ومن أمثلتها برهان الفطرة، وبرهان الصديقين، والبرهان الوجودي أو الأنطولوجي، والبرهان الوجداني.

وثالثها العناية الرحيمة: وقصدنا بها أصناف الأدلة التي استعملها الفلاسفة والمتكلمون والعلماء، والتي تتعلق بالنظر إلى عناية الله بعباده ورحمته بهم، عبر المظاهر المختلفة لتلك العناية، والتي دل العلم الحديث على تفاصيل الكثير منها.

ورابعها الصنعة العجيبة: وقصدنا بها أصناف الأدلة التي يستعملها علم الكلام الجديد، والعلماء المعاصرون في الدلالة على الله انطلاقا من براعة الصنعة وإتقانها، فالصنعة المتقنة تدل على الصانع المبدع، وقد استفدنا في هذا المنهج خصوصا مما كتبه علماء الفيزياء والفلك والطب وغيرهم في هذا الجانب محاولين تبسيطه قدر المستطاع.

وخامسها النظام البديع: وقصدنا بها أصناف الأدلة التي يستعملها علم الكلام الجديد خصوصا لنفي العشوائية والصدفة.. فالنظام يحتاج إلى منظم، ويستدعيه بالضرورة العقلية.

وسادسها الآيات الباهرة: وقصدنا بها أصناف الأدلة التي تواجه الأطروحات الإلحادية التي تتصور أن الأدلة على الله أدلة نظرية وفلسفية فقط، ليس لها أي جانب حسي أو تجريبي.. فهي تعطي الكثير من المناهج التي يمكنها أن تحول الإيمان بالله إلى تجربة حسية، كسائر التجارب.

وسابعها الهداية المبينة: وقصدنا بها أصناف الأدلة التي استعملتها الكتب المقدسة في الدلالة على الله، لا عبر الاستدلال بنصوص تلك الكتب المقدسة نفسها، لأن ذلك قد يعبر دورا، وإنما باعتبارها ظاهرة من الظواهر الحسية، التي تحتاج إلى البحث فيها من هذا الجانب، وقد حاولنا أن نبين أن هذه الظاهرة أكبر ظاهرة تعريفية بالله، فالله لم يعلن عن نفسه من خلال الكون وظواهره فقط، وإنما أعلن عنه عبر رسله وكلماته المقدسة لعباده.. وقد اقتصرنا على بعض الأمثلة على ذلك، بناء على أننا خصصنا سلسلة [حقائق ورقائق] جميعا لإثبات النبوة بالمناهج المختلفة، وإثبات النبوة، ليس سوى إثبات للألوهية بالدرجة الأولى.

وسنحاول هنا أن نذكر باختصار وتلخيص شديد بعض النماذج عن البراهين المرتبطة بكل قسم، ومن شاء التفصيل، فعليه بالعودة للكتاب المذكور.

أولا ـ البراهين القاطعة:

ونريد بها أصناف الأدلة والبراهين التي استعملها الفلاسفة والمتكلمون، مثل برهان العلية، وبرهان لحدوث، وبرهان التطبيق أو نفي التسلسل، وغيرها.. وهي جميعا براهين تنطلق من الكون كواسطة للوصول إلى الله.

ويحتاج لمن يريد استعمال هذا النوع من البراهين أن يدرس المنطق وعلم الكلام والفلسفة دراسة جيدة، لأن الكثير ممن ينكر الأدلة المطروحة فيها، أو يشاغب فيها، يكون مصدره الجهل بها، أو قلة معرفته بها، أو كما عبر عن ذلك [فرنسيس بيكون] بقوله: (القليل من الفلسفة يميل بعقل الإنسان إلى الإلحاد، ولكن التعمق فيها ينتهي بالعقول إلى الإيمان.. إذا أمعن (العقل) النظر وشهد سلسلة الأسباب كيف تتصل حلقاتها فأنه لا يجد بدًا من التسليم بالله)([1])

وهذا شرح مختصر لبعضها، كما يورده المتكلمون والفلاسفة في المدارس المختلفة.

1 ـ برهان العلية:

وهو من البراهين البديهية العقلية التي تتفق عليها العقول، وقد أشار إليه قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرض بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36)} [الطور: 35، 36]، فالقرآن الكريم من خلال هاتين الآيتين الكريمتين يبين أن العدم لا يمكن أن يصنع شيئاً، ولذلك فإن الحادث يحتاج إلى محدث، فلا رجحان من دون مرجح.

والدليل على كون هذا البرهان من البراهين القطعية الفطرية هو تلك العبارات الكثيرة التي نسمع بها من عوام الناس، والتي تستند إلى هذا الدليل، ومن أمثلتها أن عجوزا كانت تمسك مغزلا، سئلت عن سر إيمانها، فقالت: (من آلة النسيج هذه، فعند ما أمسك مقبضها وأدوّره بهذا الدوران ينسج الحبل، وحيث أرفعُ يدي وأتوقف عن التدوير تتوقّف ويبقي الصوف والقطن على حاله، عندها لا نسيج ينسج، ولا ليف يبرم.. من هنا أيقنت أن للأفلاك والنجوم والكواكب السيّارة والشمس والقمر والأرض ونظام الخلق بأجمعه خالقاً مقتدراً، متى شاء عطّل الوجود ورماه في هوّة العدم. وإن شاء أمدّه بأسباب الحياة وأدار عجلة استمراره)([2])

ومثلها ذلك الأعرابي الذي سئل: بِمَ عرفتَ ربك؟ فقال: (البَعرةُ تدل على البعير، والأثَر يدل على المسير، ليل داجٍ، ونهار ساجٍ، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير؟!)

وروي أن طائفة من الملاحدة طلبوا من بعض العلماء أن يثبت لهم وجود الله، فقال لهم: (قبل أن أناظركم هلم بنا إلى الشاطئ، فقد علمت أن هناك سفينة مملوءة من البضائع والأرزاق جاءت تشق عباب الماء حتى أرست في الميناء، ونزلت الحمولة وذهبت، وليس فيها قائد ولا حمالون ولا عساكر ولا حراس.. فهي فرصة لنا للغنيمة منها).. ضحك الملاحدة لقوله، وقالوا له: (كيف تريد أن تناظرنا وأنت لا عقل لك.. فهل يعقل أن سفينة تأتي بدون قائد وتنزل وتنصرف؟! حتى صبياننا لا يصدقون هذا).. فقال: (كيف لا تعقلون هذا، وتعقلون أن هذه السماوات والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والناس كلها بدون صانع؟)

وما ورد في هذه التعبيرات جميعا هو نفسه ما عبر عنه الفلاسفة باسم [برهان العلية]، وبعضهم يسميه الدليل الكياني([3]).

ومن التقريرات التي قرر بها هذا الدليل هذا التقرير الفلسفي: ومقدمته الأولى هي أننا نرى في العالم حادثات، وتقلبات، حتى إن وجودنا نحن من جملة تلك الحادثات.. وهذه مقدمةٌ، مبنية على الإحساس والمشاهدة، ومسلم بها عند أهل العلم القديم، والعلم الحديث.

أما المقدمة الثانية، فهي أنه لا بد لكل حادثٍ من علةٍ، وهذه المقدمة، وإن كانت لا تستند بكليتها إلى الإحساس، والتجربة، والمشاهدة؛ بناءً على أن العلية أمر معنويٌّ، لا يشاهَد، ولا أناَّ لم نشاهِد كل حادثٍ، إلا أنها ليست دون المقدمة الأولى المبنية على الحسِّ في القوة؛ بل أقوى منها.. ذلك أن حصول العلم بالمحسوس، بواسطة الإحساس، يتوقف عند التحليل العلمي على تصديق هذه المقدمة الثانية، ولهذا، يقال بأن: (الشبهة في مبدإ العلية، تستلزم الشبهة في وجود المحسوسات)

ومن تلك التقريرات هذا التقرير المستند للطريقة المتبعة في علم الكلام، وهي: كل حادثٍ، يلزم أن يكون ممكناً؛ لا مستحيلاً، وإلا لما حدَثَ؛ ولا واجباً، وإلا لما سبقه العدم.. والممكن، ما لا يقتضى لذاته أن يكون موجوداً، ولا أن يكون معدوماً.. فالوجود والعدم، سيان بالنسبة إليه؛ فإذا وُجدَ، وُجدَ لعلةٍ ترجحه لهُ، لئلاَّ يلزم الرجحان من غير مرجحٍ، وهو محالٌ، ومستلزمٌ لعدم تساوي الوجود والعدم، فيما فُرض تساويهما فيه.

و عدمُ التساوي فيما فُرضَ فيه التساوي، يستلزم خلاف المفروض، المؤدي إلى التناقض.

فعلى هذه الطريقة، تكون المقدمة الثانية من مقدمات البرهان على وجود الله، القائلة بأن لكل حادث علةٌ، ثابتةً بالبرهان، وعلى الطريقة الأولى تكون بديهية.

فمقدمات هذا الدليل، أدناها درجةً في اليقينية، هي المقدمة الأولى، المبنية على الحس([4]).. فإذا كانت مقدمات الدليل يقينية، كانت النتيجة المترتبة عليها أيضاً يقينية، إلا أن مرتبتها في اليقين، تكون على قدر أدنى المقدمات مرتبةً فيهِ، لأن نتيجية القياس المنطقي تتبع أخس المقدمتين اللتين يتألف منهما القياس.. حتى إن هذه الكائنات المحسوسة، التي نسميها [العالم]، إن لم تكن موجودةً، وكانت حواسنا تغالطنا، فعند ذلك ينهار الدليل الذي أقمناه لإثبات وجود الله، بانهيار مقدمة من مقدماته.

لكن بما أن جماهير الناس، بما فيهم الملاحدة أنفسهم ليسوا من الحسبانية، الذين لا يستيقنون وجود العالم، وينفون اليقين في كل شيء.. وليسوا من [أشباه الحسبانيين] القائلين بأن العالم عبارة عن صورة نفسية، أنشأتها أذهاننا في نفسها، ومخيلاتُنا في الخارج، وهم الذين يتزعمهم الفيلسوف [كانت].. فإن الجميع يدرك وجود الله، كما يدرك وجود المحسوسات.. أي أن إدراك وجودها، ليس أقوى من إدراك وجودهِ بدليله العقلي المنطقي.

وقد عبر عن ذلك [له بينج]، وهو من أكبر الفلاسفة الغربيين الألمان، فقال: (إن اليقين البرهاني، عبارة عن اليقين البديهي، الذي ينطبق على رابطة بين الحقائق المتعددة، بدلاً من انطباقه على حقيقة منفردة)

2 ـ برهان الحدوث:

وهو البرهان الذي استعمله المتكلمون خصوصا، ليردوا به على من يستند للقول بقدم العالم([5]) للرد على مبدأ العلية، واعتبار العالم قديما، ولا يحتاج إلى من يحدثه.. ولذلك احتاجوا للرد عليه بالبراهين الدالة على حدوث العالم.. لكن من الفلاسفة أو أكثرهم من راح يجمع بينهما: بين قدم العالم والعلية، وأنه لا تنافي بينهما، كما سنرى.

وبما أننا سنشرح أدلة حدوث الكون بتفصيل في الفصل المخصص لذلك، بحسب ما دلت عليه العلوم الحديثة، فسنكتفي هنا بالبراهين الكلامية والفلسفية، إما تلك التي تحاول البرهنة على حدوث العالم، أو تلك التي ترى أن قدمه لا يتعارض مع حاجته للصانع.

فمن الأدلة التي استدلوا بها على حدوث العالم أنه: إذا افترضنا أن العالم بدون بداية في الزمان، فإن هذا يعني أن كل حادثة فيه قد سبقتها حوادث أخرى لانهاية لها.. ولا يمكن أن تأتي حادثة من سلسلة لامتناهية من الحوادث.. فكي نثبت ظهور حادثة يجب علينا افتراض بداية أولى للزمان.. وهذا القول نفسه يسرى على المكان، فإذا افترضناه كلاً لامتناهياً، فلا معنى لوجود الأمكنة الجزئية، لأن المكان الجزئي ما هو إلا تركيب لبعض خصائص المكان الواحد الكلي، أي اللامتناهي.. واللامتناهي لا يمكن أن يُخصَّص أو يُجزأ، ولذلك لا يمكن انقسام المكان اللامتناهي، لأن المنقسم هو المتناهي وحده.. وبما أن هناك أمكنة جزئية، وبما أنه من الممكن أن ينقسم المكان، فيجب القول بتناهي المكان.

وقد رد عليهم المخالفون بردود كثيرة([6])، وذكروا فيها أنه لا تنافي بين الإيمان بالله، وبين قدم العالم؛ فالعالم ـ حتى لو قيل بقدمه ـ يظل عاجزا فقيرا محتاجا، ولذلك يحتاج إلى من يعتني به ويرعاه وينظمه ويعطيه من المدد ما يستمر به وجوده([7]).

ولذلك كان أكثر القائلين بقدم العالم من الفلاسفة من المؤمنين الموحدين، من أمثال أرسطو والفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم كثير.. وردوا على المتكلمين في ذلك والقائلين بأنه لا يستقيم الإيمان بالله مع القول بقدم العالم.. باعتبارهم أن ذلك ناشئ عن النظر المبدئي البسيط، لكن عند التأمل في القضية بعمق نجد أن الأمر لا علاقه له بذلك.. فالظل تابع لصاحبه، ولا يمكن أن يكون موجودا بدونه، ومع ذلك يظل موجودا معه في كل حين.. وهكذا نور الشمس يظل تابعا للشمس مرتبطا بها في كل الأزمنة، مع أنه لا وجود له من دونها.. وهكذا الخالق ـ كما يعبرون ـ فمن ضروريات كونه إله كونه خالقا.. ولذلك ينشأ الخلق عنه كما تنشأ عن الشمس أشعتها من غير ارتباط بزمن.

3 ـ برهان التطبيق:

وهو البرهان الذي يدل على استحالة التسلسل، والمراد منه أن (يستند الممكن في وجوده إلى علة مؤثرة فيه، وتستند تلك العلة المؤثرة إلى علة أخرى مؤثرة فيها، وهلم جرا إلى غير نهاية)، أي أن تستمر العلية والمعلولية إلى ما لا نهاية([8]).

وهذا البرهان مهم جدا، ذلك أن الكثير من الملاحدة يستعملونه في دعواتهم الإلحادية، وذلك عندما يشكلون على المؤمنين بعد طرحهم لبرهان العلية بقولهم: [سلمنا بأن الخلق يحتاج إلى خالق، فمن خلق الله؟]

أو قولهم: (لا شك أنكم أيها المؤمنون بوجود إله، انطلقتم في بحثكم عن الله من السؤال عن علة وجود المادة الأولى للكون.. ثم أجبتم أنفسكم بأن علة وجود المادة الأولى للكون هي الله، ونحن نسألكم بنفس ما سألتم به: وما علة وجود الله؟.. لاشك أنكم ستحتالون علينا بأن الله غير معلول الوجود.. وإن كان الأمر كذلك، فلماذا توقفون مبدأ السببية وتعطلونه عندما يتعلق الأمر بالله؟.. وهنا نجيبكم: ولماذا لا نفترض أن المادة الأولى غير معلولة الوجود؟!)([9])

ومن الأمثلة على انتشار مثل هذا الإشكال بين الملاحدة، واستعمالهم له، ما عبر عنه [برتراند راسل] في محاضرته المشهورة [لماذا لست مسيحيا]، والتي عبر فيها عن سبب الحاده، فمما جاء فيها قوله: (لقد قبلت لوقت طويل بفرضية المسبب الأول، حتى جاء اليوم الذي تخليت عن هذه الفرضية، وذلك بعد قراءتي لسيرة حياة جون ستيوارت ميل، حيث قال فيها: (لقد علمني والدي إجابة السؤال عمّن خلقني. وبعدها مباشرة طرحت سؤالاً أبعد من هذا، من خلق الإله؟).. إن هذه الجملة القصيرة، علمتني، إلى الآن، كيف أن مبدأ المسبب الأول هو مبدأ مغالط ومسفسط. فإذا كان لكل شيء مسبب، فيجب أن يكون لله مسبب أيضاً. وإذا كان كل شيء بلا مسبب، فسيكون العالم هو الله! لهذا وجدت أنه لا مصداقية في هذه الفرضية)

ومثله صرح [دوكنز] بقوله: (كل الحجة تدور حول السؤال التالي (من خلق الله) حيث لا يمكن استعمال نظرية الإله المُصمِم لتفسير الخلق المعقد هذا لأن أي إله قادر علي تصميم أي شيء يجب أن يكون علي مستوي أعلى من التعقيد ويتطلب بدورة إلي تفسير)

وبناء على هذا كانت أهمية إتقان استعمال هذا النوع من البراهين في مواجهة هذه الشبهة ونظيراتها من الشبه، ومن الردود التي صاغها المتكلمون في الرد على هذه الشبهة [برهان التطبيق] أو [برهان نفي التسلسل]

وتقريره هو([10]): أن عالمنا الذي نعيش فيه غني بمجموعة من الظواهر الطبيعية.. وكلّ ظاهرة إمّا أن تكون علّة أو معلولة، فهي علّة للظاهرة التي تليها، ومعلولةً لظاهرة قبلها.. ولولا وجود العلّة لم يحدث المعلول، وبانعدام العلّة ينعدم المعلول.. وهكذا يتحقّق وجوده بوجودها.

وفي هذه الحالة نحن في العلل التي نشأت بها الظواهر الكونية بين أمرين.. إما أن نصل بها في التسلسل إلى علة نهائية هي العلّة الموجدة للكون.. وهي الله تعالى، وهو الغني بالذات، ويعتبر هو الخالق لهذه السلسلة.. وإما أن نستمر في التسلسل إلى ما لا نهاية له من العلل.. وهذا مستحيل عقلا.

وسبب اعتباره مستحيلا هو أنه لا يمكننا أن نتصوّر مجموعة من الكائنات الحيّة ـ والتي كانت فاقدة للحياة يوماً ما، ثم أصبحت فجأة قادرة عليها ـ أنها أوجدت نفسها من العدم من دون أن يكون هناك طرف خارجي صاحب قدرة مطلقة هو الذي أوجدها؟

ذلك أن كلّ كائن في هذا العالم يشهد بصدق بأنّه لم يكن صانع نفسه، بل يعترف بوجود علة موجدة له.. وجميعهم يشهدون بأنّ وجودهم وحقيقتهم لم تكن من ذات أنفسهم.. إذن من أين أتى وجودهم وخلقهم، وكيف؟

ليس أمامنا إلاّ طريق واحد، وهو الاعتراف بأن كلّ موجود حادث وناتج عن موجود غني بالذّات، وعنده يتوقّف التسلسل، إذ يعتبر هو العلّة الرئيسية لجميع المعلولات، وهو الخالق القدير.

وبناء على ذلك، فإن من يدّعي بأنّ الكائنات قد أوجدت نفسها من العدم دون استعانة بكائن خارجي، يشابه من يدعي بأننا يمكن أن نحصل على عدد صحيح عند اجتماع ما لا نهاية له من الأصفار، أو يمكننا الحصول على الوجود أو الحياة عندما تتراكم ما لا نهاية من العدوم.

وبناء على ذلك كله، فإن وجود هذه المخلوقات قد انحصر تحقّقها بكائن حي غني على الإطلاق، إذ يعتبر نهاية للتسلسل، ومنبعاً للكائنات جميعاً.. وأنه هو العلّة المطلقة.. وما دام كذلك، فهو ليس بمعلول.. فيستحيل على العلة المطلقة أن تكون معلولة.. ذلك أن وجودها ينبع من نفسها، وهي غير محتاجة إلى سواها.

بالإضافة إلى هذا هناك ردود أخرى ذكرناها في كتاب [الهاربون من جحيم الإلحادي] نلخصها فيما لي:

الرد الأول: لو دخلت إلى مكتبك ووجدت كتابا على الطاولة.. ووجدت في نفس الوقت رجلا جالسا على كرسي، ثم خرجت ورجعت، فوجدت الكتاب الذي كان على الطاولة داخل الدرج، ووجدت الرجل جالسا على البساط.. فلا شك أنك ستسأل من نقل الكتاب إلى الدرج.. دون أن تسأل عمن نقل الرجل إلى البساط.

وسبب ذلك أن الكتاب ليس له إرادة، ويحتاج إلى من ينقله، ولا يتحرك بذاته، فلذلك كان السؤال منطقيًا واقعيًا.. بخلاف السؤال عن الرجل، ذلك أن لديه قوة وطاقة واختيارا وارادة يستطيع بها أن ينتقل بنفسه من غير أن ينقله أحد.

الرد الثاني: أن في هذا الإعتراض مغالطة كبيرة لمن طرحه، ذلك لأنه يفترض أن الاله مثله.. أي له مادة مثل مادة الكون، مما يمكن سحب القياس عليها، وهذا غير صحيح.. فالله لا يشبه مخلوقا في شيء..

ولهذا لا يصح أن نخضعه لتصوراتنا، لأنه ليس شبيها بشئ نعرفه حتى نقيسه عليه.. فإذا كان فوق تصوراتنا ومعارفنا، بل فوق قدرات عقولنا مهما تضخمت ملايين المرات، فإن هذا السؤال يعد مستحيلا فى حقه، بل وغير منطقى أيضا.

ذلك أن جميع المخلوقات يصح فى حقها هذا السؤال، لأنها تتحرك وفق قوانين نكاد نعرفها جميعا، ويمكن إخضاعها للتجربة والقياس والحسابات الرياضية، لكن الله ليس خاضعا لكل هذا، لأنه فوق علمنا وتصوراتنا، وما يمكن أن نقترحه على مانعرفه لايمكن اقتراحه على ماهو فوق معارفنا وتصوراتنا.. بل الشئ الوحيد الذى نتأكد منه أنه ليس مشابها لكل مانعرف وما نتوقع معرفته، ولا يمكن أن تسرى عليه تخيلاتنا.

الرد الثالث: وفق أى قانون يمكن أن نسأل هذا السؤال، وهل يمكن للعقل البشرى أن يجعل الله مادة لمعرفته فى ذاته؟.. إن معنى ذلك هو أن هذا العقل البشرى بلغ من القدرة أن يكون إلها.. ولكن الثابت أن هذا العقل بكل وسائله، وبكل معارفة الحديثة لايزال عاجزا عن تفسير أشيئا كثيرة فى عالم الماديات، ورغم كل معارفه فلا يزال الكون مجهولا بالنسبة له، وهو مازال يطور ويصحح فى معلوماته كل يوم، ومع كل كشف جديد.. فإذا كان العقل ومقاييسه ومعارفه لايمكنه إدراك أغلبية الحقائق المخلوقة، فكيف فى وثبة من الغرور يريد أن يخضع خالقه وخالق معارفه ومقاييسه لأدواته البدائية هذه.. إن المنطق لا يقبل أن يكون الطفل الذى يحبو، ويستطلع الأشياء من حوله قادرا على فهم ما يفهمه الشيخ المجرب العالم.

الرد الرابع: أن المقدمات العقلية الكثيرة تدل على أن الأصل في الخالق الوجودُ؛ إذ لو كان الأصل فيه العدم لَمَا أوجد الكون؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، وإذا كان وجود الله هو الأصل، فهذا يستلزم أنه لا يحتاج إلى موجِدٍ يوجده، ولا علة لوجوده؛ إذ لا يُبحَث عن علةِ وجودِ ما الأصلُ فيه الوجود!

ولهذا، فإن قول القائل: إن خالق الكون بحاجة إلى خالق، رغم أنه خالق، قريب من قول القائل: إن المِلح يحتاج إلى ملح كي يكون مالحًا رغم أنه مالح.. وإن السكر يحتاج إلى سكر حتى يكون حلوًا رغم أنه سكر.. وإن الأحمر يحتاج إلى اللون الأحمر كي يكون أحمرَ رغم أنه أحمر.

وهكذا، فإن قول القائل: (من خلق الله؟) يساوي قوله: ما الذي سبق الشيء الذي لا شيء قبله؟.. ويساوي قوله: ما بداية الشيء الذي لا بداية له؟.. ويساوي قوله: ما بداية وجود الشيء الذي لا بداية لوجوده؟.. وهذه الأقوال جميعا في غاية السخف والسقوط والاستحالة.

الرد الخامس: أولا.. أن الأصل في الخالق الوجود؛ إذ لو كان الأصل فيه العدم لما أوجد الكون؛ لأن فاقد الشيء الذي لا يملِكه ولا يملِك سببًا لإعطائه لا يعطيه، وإذا كان الأصل في الخالق الوجود، فلا يصح أن نسأل عن سبب وجوده.

ثانيا.. إن الله ـ كما تدل عليه الأدلة العقلية الكثيرة ـ أزليٌّ؛ فوجوده ذاتي لا ينفك عنه، فلا يصح أن نسأل عن سبب وجوده، ووجوده ليس له بداية.

ثالثا.. إن الله له الكمال المطلق؛ إذ هوواهبُ الكمال لمخلوقاته؛ فهو أحق بالاتصاف به من الموهوب، وكل كمالٍ ثبت للمخلوق الممكن، فإنه يكون ثابتًا للخالق من باب أَوْلى.. وإذا كان الكمال المطلق لله، والاحتياج يناقض الكمال المطلق، فالكامل المطلَق لا يحتاج إلى غيره، وعليه فالخالق لا يحتاج إلى غيره، وإذا لم يحتَجْ إلى غيره فهو غير معلول، وإذا كان غير معلول فلا يصح أن نسأل عن علته.

رابعا.. إن السؤال عن سبب وجود شيء يصح فيما كان الأصل فيه الحدوث، وأنه لم يكن موجودًا ثم أصبح موجودًا بعد عدم، والله قديم وليس حادثًا.

خامسا.. لو قلنا بأن كلَّ خالق له مَن خلَقه؛ أي: خالق الكون له مَن خلقه، ومَن خلَق خالقَ الكون له مَن خلَقه، ومَن خلَق خالقَ خالقِ الكون له مَن خلَقه، وهكذا إلى ما لا نهاية، فإن هذا يستلزم أنْ لا خالقَ للكون، وهذا باطل لوجود الكون؛ فوجود الكون يستلزم عدم تسلسل الفاعلين إلى ما لا نهاية؛ إذ لا بد أن تصل سلسلة الفاعلين إلى علة غير معلولة، ولا بد مِن سبب تنتهي إليه الأسباب، وليس هناك أسباب لا تنتهي إلى شيء، وإلا لم يكن هناك شيء؛ أي: إن التسلسل في الفاعلين ممنوع، بل لا بد أن نصل إلى نهاية، وهذه النهاية في الفاعلين أو المؤثرين هي إلى الله تعالى.. وهذا ما نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم: 42].. أي أن كل شيء ينتهي إليه.

الرد السادس: وهو مثال مبسط عن انتفاء التسلسل في الواقع.. وهو أن هناك مراتب في القيادة في النظام العسكري، حتى أنه لا يطلق جندي رصاصة إلا بعد أمر القائد له بذلك.. فإذا افترضنا أن هذا النظام لا نهاية لتسلسله.. أي أن الجندي قبل أن يرمي الرصاصة يستأذن من المجند الذي فوقه مرتبة، وهو كذلك لا يعطي الإذن حتى يستأذن ممن فوقه، وهكذا إلى ما لا نهاية.. فهل يمكن في هذه الحالة أن يطلق الجندي النار؟

ومن الطبيعي أنه لا يمكن أن يطلق الرصاصة في هذه الحالة، لأنه لن يصل إلى الجندي الذي سيعطيه الإذن بإطلاق النار.

وبذلك فإنه يثبت أنه لابد من انتهاء السلسلة إلى شخص لا يوجد فوقه أحد ليعطيه الإذن بإطلاق النار، حينها ستنطلق الرصاصة.. وبدون هذا الشخص، ومهما كثُر عدد الأشخاص، لن تنطلق الرصاصة؛ لأنهم حينها كالأصفار إذا وضعتها بجانب بعضها البعض، فمهما كثرت وبلغت حدًّا لا نهاية له، فستظل لا تساوي شيئًا، إلا أن يوضع قبلها رقم: 1 فأكثر.. حينها يصبح لها وجود واعتبار.

ثانيا ـ المعاني الرقيقة

ونريد بها أصناف الأدلة التي استعملها الفلاسفة أو الصوفية، وهي الانطلاق من الأعلى إلى الأدنى أو من المكون إلى الكون، ومن أمثلتها برهان الفطرة، وبرهان الصديقين، والبرهان الوجودي أو الأنطولوجي، والبرهان الوجداني.

وقد أطلقنا عليه هذا الاصطلاح لكونها تنطلق من المكون لتصل إلى الكون.. ولذلك كانت معانيها رقيقة ودقيقة، فلا يستوعبها إلا أصحاب النفوس الطاهرة، والقلوب الخاشعة، والأرواح السامية، فلذلك لا معنى لجحودها أو إنكارها بسبب عدم القدرة على فهمها، ذلك أن هناك من له القدرة على ذلك.. ولله طرائق بعدد الخلائق.

ولذلك لا يصح لأي مناظر في الإلحاد أن ينكر مثل هذه البراهين، فهي أدلة قوية قاطعة، يمكن الاستفادة منها مع من له القدرة على ذلك، ذلك أن البشر مختلفون في طباعهم، وفي طريقة تفكيرهم، فبعضهم يفكر تفكيرا غليظا كثيفا محدودا.. وبعضهم يفكر تفكيرا رقيقا عميقا واسعا.. وهم الثلة القليلة من أصحاب العقول الذين نسميهم عباقرة.

وهكذا الأمر مع الحقائق الإيمانية.. فهناك من يحتاج إلى الأدلة الكثيفة التي تحاول أن تزيل الغشاوة عن عينيه، وقد تفلح ولا تفلح.. وهناك من يكون مبصرا، لا غشاوة على عينيه، ولذلك لا يحتاج إلى أي أدلة، لأنه مبصر بالفطرة أو الاكتساب.

ومن الأمثلة المقربة لذلك قدرات بعض العقول في الحساب.. حيث أنه تلقى إليه المسائل العويصة الصعبة، فيحلها في طرفة عين، وكأنه يراها بأم عينيه.. وهناك من يبذل جهدا كبيرا في حلها، ويستعمل كل ألوان الأقلام، ومع ذلك قد يخطئ في حلها.

ولذلك كان الداعية الحكيم هو الذي يستعمل لكل قوم لغتهم الخاصة بهم.. فهناك من لا ينجذب عقله للبراهين القاطعة، لكنه ما إن يسمع المعاني الرقيقة حتى يذوب فيها.. وينتقل مباشرة من الإلحاد إلى الإيمان.. ومن الغفلة إلى اليقين.

وقد ضرب لنا القرآن الكريم المثال على ذلك بسحرة موسى عليه السلام الذي آمنوا بربهم وسجدوا له وضحوا بأنفسهم في سبيله لا للخطابات العقلية التي خاطبهم بها موسى عليه السلام، وإنما لما رأوه من حججه الواضحة، وأدلته القاطعة التي تحدثت بها العصا، فقد كانت الآيات الباهرة هي دليلهم إلى الله، ولهذا قال تعالى: {لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7].. ويقاس عليه: ولكل أمة رسول.. ولكل عقل حجة.

وهذا شرح مختصر لبعضها، ومن شاء التفاصيل، وكيفية الاستعمال، فيمكنه الرجوع لكتاب [الهاربون من جحيم الإلحاد]

1 ـ برهان الفطرة:

وهو البرهان المستند لذلك الإيمان الجبلي الموجود في الفطرة الإنسانية الطاهرة التي لم تتلطخ بأوزار المادية، ولم تتدنس بدنس الكبرياء والغرور والعجب الذي أصاب أصحاب الفكر المادي، والذي أشار إليه قوله تعالى عند خطابه للإنسان في عالم الذر: { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172]

ونظم هذا الدليل هو أن الإنسان لو ترك وذاته، بدون معلم أو مربي، فإنّه يشعر في أعماق نفسه، وبما أودعه الله في خلقته بأنّ لهذا الكون خالقا خلقه، ومكوناً كونه، ومبدعاً أبدعه، ومدبراً دبره هذا الشعور نابع من فطرته وذاته وليس مما تعلمه من والديه وأهله، يولد معه، وينمو معه، ويبقى معه لا يتغير بتغير الظروف، ولا يمكن انتزاعه من نفسه، لأنّه جزء لا يتجزأ منها، فكما أنّ غرائز الإنسان ذاتية له لا يمكن فصلها عنه ولا تحتاج إلى تعليم معلم، وكما أنّ عواطف الإنسان وأحاسيسه جزء من خلقته وكيانه البشرى، فإنّ شعوره الفطري الذاتي يدفعه دائما إلى الإيمان بأنّ لهذا الكون خالقاً ومدبراً وربّاً.

و لو افترضنا إنساناً يولد في الصحراء بعيداً عن تعليم الأهل والمجتمع، ثُمّ يكبر هذا الإنسان حتى يبلغ سنّ الرشد، فإنّه كما يعرف غرائزه وأحاسيسه، فسيعرف أنّ له ربّاً وخالقاً، خلقه وأوجده من العدم، وكما يعرف أنّه يحتاج إلى الطعام لسدّ جوعه، وإلى الشراب لإرواء عطشه، فإنّه ليعرف كذلك من خلال فطرته بأنّه بحاجة إلى خالق لخلقه، وموجد له يوجده من العدم، أنّه يبحث بذاته ويتساءل من أين جاء؟ والى أين سيذهب؟ ولماذا هو في هذه الدنيا؟ ولابدّ أن يكون له خالقاً خلقه وكوّنه وأبدعه، فهو يؤمن بوجود خالق يتوجه إليه في حاجاته وخصوصاً عند الشدائد بدون حاجة إلى من يعلمه ذلك.

وقد عبر عن هذا الدليل الفيلسوف الفرنسي ديكارت بقوله: (لا يبقى ما يقال بعد ذلك إلا أن هذه الفكرة ولدت ووجدت معي منذ خلقت، كما ولدت الفكرة التي لدي عن نفسي، والحق أنه لا ينبغي أن نعجب من أن الله حين خلقني غرس فيّ هذه الفكرة لكي تكون علامة للصانع مطبوعة على صنعته)

بل عبر عنه الفيلسوف الاسكتلندي الشكاك [ديفيد هيوم] الذي قال في [حواراته]: (ليس هنالك من هو أشد مني إحساسًا بالدين المنطبع في نفسي أو أشد تعلقًا بالموجود الإلهي كما ينكشف للعقل بين ابتداع الطبيعة وصناعتها اللذين من الصعب تفسيرهما).. وقال في موضع آخر من الكتاب: (لا توجد حقيقة أظهر وأوضح من وجود إله)

 ومما يدل على دلالة الفطرة على وجود الخالق ما يلي([11]):

1 ـ وجود العبودية والتدين عبر تاريخ البشر: لاحظ العلماء أن جميع الأمم التي درس علماء تاريخ الأديان تاريخها اتخذت معبودات تتجه إليها وتقدَّسها، ولا يوجد عَلَى الإطلاق في أي عصر من العصور، ولا في أي أمة من الأمم مجتمع بلا دين ولا بلا إله معبود، حقاً كَانَ أو باطلاً فهناك اتجاه فطري إِلَى أن يكون هناك دين، وإله معبود حتى قال بعضهم: (لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات، لكن لم توجد جماعة بغير ديانة)

وقال [ويليام جيمس ديورَانت]: (صحيح أنّ بعض الشعوب البدائية ليس لها ديانة على الظاهر فبعض قبائل الأقزام في إفريقية لم يكن لهم عقائد أو شعائر دينية على الإطلاق، إلاّ أنّ هذه الحالات نادرة الوقوع ولا يزال الاعتقاد القديم بأنّ الدين ظاهرة تعم البشر جميعاً اعتقاداً سليماً وهذه في رأي الفيلسوف حقيقة من الحقائق التاريخية والنفسية)([12])

وعبر في موضع آخر ـ وهو المؤرخ الكبير للحضارات البشرية ـ عن مدى تجذر الدين في الفطرة، وأن استثمار رجال الدين لذلك يدل على مدى ترسخه فيها، فيقول: (إنّ الكاهن لم يخلق الدين خلقاً لكن استخدمه لأغراضه كما يستخدم السياسي دوافع الإنسان الفطرية وغرائزه، فلم تنشأ العقيدة الدينية عن تلفيقات أو الاعيب كهنوتية إنّما نشأت عن فطرة الإنسان)([13])

وقال العالم الاجتماعي [صموئيل كونيك] عند حديثه عن جذور الدين في الأسلاف من البشر: (إنّ أسلاف البشر المعاصر ـ كما تشهد آثارهم التى حصل عليها في الحفريات ـ كانوا أصحاب دين، ومتدينين، بدليل أنَّهم كانوا يدفنون موتاهم ضمن طقوس ومراسيم خاصة وكانوا يدفنون معهم أدوات عملهم، وبهذا الطريق كانوا يثبتون اعتقادهم بوجود عالم آخر، وراء هذا العالم)([14])

فالشعور الفطري بوجود خالق مدبر لهذا الكون شعور مشترك بين جميع الناس مغروس في النفوس، يقوم في نفس الطفل الصغير، والإنسان البدائي والإنسان المتحضر، والجاهل والعالم والباحث والفيلسوف، كل هؤلاء يشعرون بشعور مشترك لا يستطيعون دفعه عن أنفسهم.

يقول الفيلسوف الانجليزي [توماس كارليل] بقوله: (إنّ الذين يريدون إثبات وجود الله بالبرهان والدليل ما هم إلاّ كالذي يريد الاستدلال على وجود الشمس الساطعة الوهّاجة بالفانوس)

2 ـ الالتجاء إلى الله عند الشدائد فالشدائد تصفي جوهر الفطرة: من أوضح الأدلة على فطرية المعرفة بالله عز وجل والإيمان بوجوده ذلك الدافع القوي الذي يُلجئ الإنسان عند المصائب والمخاطر إلى نداء الله تعالى، والاستغاثة به كائناً من كان ذلك الإنسان مؤمناً أو غير مؤمن ففي الشدة تبدو فطرة الناس جميعاً كما هي في أصلها الذي خلقها الله عليه، وعندما تمر المحنة وتأتي العافية والنعمة يعودون إلى مخالفة فطرتهم من جديد، ويندر أن لا يذكر إنسان أمثلة من حياته عاش فيها هذا المعنى قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإنسان كَفُورًا } [الإسراء: 67]

وكثيراً ما تنكشف الحجب عن الفطرة، فتزول عنها الغشاوة التي رانت عليها عندما تصاب بشدة، أو تقع في مأزق لا تجد فيه من البشرعوناً، وتفقد أسباب النجاة، فكم من ملحد عرف ربّه ورجع إليه عندما أحيطت به شدة، وكم من مشرك أخلص دينه لله لضرّ نزل به، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22]

3 ـ التساؤلات الفطرية عن الوجود: هناك أسئلة تدور في ذهن الإنسان وتلح على الإنسان في داخله لا يستطيع دفعها عن أصل الوجود ونهايته وسببه، وعن الموت وأسراره، وعن الروح وأسرارها مما يدل على وجود فطرة كافية في النفوس تبرز هذه الأسئلة عن الإله والوجود.

4 ـ احتياج النفس إلى قوة مدبرة: لا ريب أن كل إنسان يشعر في قرارة نفسه بافتقار وحاجة إلى إله قادر مدبر، يرفع إليه حاجاته، ويسند إليه أموره، وهذا الشعور ناشئ عن النقص والعجز الذاتي في أنفسنا، والعاجز يفتقر أبداً إلى من يعينه، والناقص دائماً يحتاج إلى من يكمله.

فنحن نشعر بوجود الروح فينا فنحرص عليها دون أن نشعر بها بإحدى الحواس الظاهرة وفي أنفسنا نشعر بالعواطف والوجدانيات، كالحب والبغض والرغبة والكره، فما الدليل على وجودها فينا وهي متغلغلة في داخلنا هل نستطيع أن نقيم عليها دليلاً أكثر من أننا نشعر بها وهي حق لا شك فيه كذلك حاجة النفس إلى قوة مدبرة.

وتثار حول هذا البرهان بعض الشبهات، وهذا هو تقريرها وكيفية الرد عليها([15]):

1 ـ لوكانت معرفة الله فطرية لما أنكرها أحد: والجواب على هذا هو أن الإقرار بالخالق وكماله يكون فطرياً ضرورياَ في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة.

وما يحصل من ضلال أوانحراف في هذه الفطرة أمر طارئ على هذه الفطرة السليمة فالإنسان قد تحيط به مؤثرات كثيرة تجعله ينحرف عن المعبود الحق، والبشر جميعا في كل العصور يبحثون عن إله يعبدونه، وهذا استجابة لنداء مرتكز وموجود في داخلهم.

بالإضافة إلى ذلك، فإن من أثر عنه إنكار الخالق في البشر قليلون جداً على مرّ التاريخ مقارنة مع من يثبت وجوده، وهذه القلة على قسمين:

أحدهما: من ينكر وجود الله ظاهراً فقط، مع إيمانه بخلاف ذلك في قرارة قلبه، كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14]

والثاني: هو في الحقيقة معترف بوجود صانع مدبر خالق ظاهراً وباطناً، غير أنه يحيل ذلك إلى الطبيعة أوغيرها، مما يدل على وجود علوم أولية فطرية مشوبة بالمؤثرات الخارجية.

2 ـ تطلع العقلاء إلى الاستدلال على وجود الله: فلوكان أمرا فطريا لما كان ذلك، والجواب: أننا لا نسلم أن جميع العقلاء كذلك، بل جمهور العقلاء مطمئنون إلى الإقرار بالله تعالى، وهم مفطورون على ذلك، ولهذا إذا ذكر لأحدهم اسمه تعالى، وجد نفسه ذاكرة له مقبلة عليه، كما إذا ذكر له ما هومعروف عنده من المخلوقات.

والمتجاهل الذي يقول: إنه لا يعرفه، هوعند الناس أعظم تجاهلاً ممن يقول: إنه لا يعرف ما تواتر خبره من الأنبياء والملوك والمدائن والوقائع، وذلك عندهم أعظم سفسطة من غيره من أنواع السفسطة، ولهذا من تتبع مقالات الناس المخالفة للحس والعقل وجد المسفسطين فيها أعظم بكثير من المسفسطين المنكرين للصانع، فعلم أن معرفته في الفطرة أثبت وأقوى.

والاستدلال على وجود الله رغم دليل الفطرة من باب تعدد الأدلة،وتعدد الأدلة يزيد في التصديق، واليقين، والمعرفة، والإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس الناس، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة.

3 ـ لوكان التوجه إلى الله أمراً فطرياً لما عبد الناس في مختلف العصور آلهة شتى: والجواب على ذلك هو أن الإنسان إذا لم يهتد إلى الله تعالى فإنه يُعبِّد نفسه لأي معبود آخر ليشبع في ذلك نهمته إلى التدين، وذلك كمن استبد به الجوع فإنه إذا لم يجد الطعام الطيب الذي يناسبه فإنه يتناول كل ما يمكن أكله ولوكان خبيثا ليسد به جوعته.

4 ـ فساد هذا الدليل بسبب وجود الملاحدة: والجواب على ذلك هو أن من فسدت فطرته لا يمكن إصلاحها إلا بالحجج والبراهين العقلية، والتي قد لا تجدي معه أيضا، مثل المريض النفسي الذي تنتابه الأوهام التي لا يمكن دفعها عنه بالإقناع أوالتفاهم.

وسبب ذلك هو أن الفطرة قابلة للتغير والانحراف بفعل مؤثرات خارجية، وهذا الانحراف كان هوالسبب في وجود الوثنيات والشرك في الأمم السابقة، وهوأيضا سبب الشرك والضلال في زمننا الحاضر.

2 ـ برهان الصديقين:

وقد سمي بهذا الاسم لكونه لم يستخدم أي واسطة لإثبات ذات الحق([16])، فالاستدلال فيه على ذات الله بالله، خلافا للقاعدة العامّة للاستدلال، والتي تنص على أنه لا بدّ أن يكون لكلّ برهان حدّ أوسط لإثبات مطلوبه، كما فعل المتكلّمون الذين اتّخذوا من حدوث العالم واسطة لإثبات وجود الله بوصفه [محدث الأشياء]، أو ظاهرة النّظام في العالم لإثبات المنظّم.. أو كما فعل أرسطو عن طريق الحركة، استنادا إلى أن كلّ حركة تتطلّب محرّكاً، وكلّ المحرّكين يجب أن ينتهوا إلى محرّك غير متحرّك، ومن ثمّ أثبتوا وجود الله بوصفه [المحرّك الأول]

وهكذا نرى في جميع هذه الاستدلالات أنه اتُّخذ عالم المخلوقات واسطة، فانتقلوا من الشاهد إلى الغائب، ومن العيان إلى الخفاء.

وتقرير هذا البرهان هو: إنّ حقيقة الوجود موجودة، أي إنّها عين الموجودية ويستحيل عليها العدم، ثم إنّ حقيقة الوجود في ذاتها، أي في موجوديتها وواقعيتها، ليست مشروطة بأي شرط وليست مقيّدة بأي قيد.

فالوجود بحكم كونه وجوداً موجود، وليس لوجوده مناط أو ملاك ما، وليس بفرض وجود شيء آخر أيضاً، أي إنّ الوجود في ذاته ليس مشروطاً بشرط، ثمّ إنّ الكمال والعظمة والشدّة والاستغناء والجلال والكبرياء والفعلية والإطلاق، هذه الصفات التي تقف مقابل النقص والصغر والإمكان والمحدودية والحاجة، تنبعث جميعها من الوجود، أي ليس هناك حقيقة غير الوجود، إذاً فالوجود في ذاته يساوي اللامشروطية بشيء آخر، أي يساوي الوجوب الذاتي الأزلي، ويساوي أيضاً الكمال والعظمة والشدّة والفعلية.

ونستنتج من هذا أنّ حقيقة الوجود في ذاتها ومع قطع النظر عن أيّ تعيّن يلحقها من الخارج تساوي الذات الأزلية، إذاً فأصالة الوجود تقود عقلنا بشكل مباشر إلى ذات الحقّ لا إلى شيء آخر.. وما سوى الحقّ لا يتعدّى أفعاله وآثاره وظهوراته وتجلّياته، ومن ثمّ لا بدّ من العثور عليه بدليل آخر.

وهذه الواقعيّة التي ندفع بها السّفسطة ونجد كلّ ذي شعور مضطرًّا إلى إثباتها، وهي لا تقبل البطلان والرّفع لذاتها، حتّى إنّ فرض بطلانها ورفعها مستلزم لثبوتها ووضعها، فلو فرضنا بطلان كلّ واقعيّة في وقتٍ أو مطلقًا كانت حينئذٍ كلّ واقعيّة باطلة واقعًا، أي الواقعيّة ثابتةـ وكذا السّوفسطي لو رأى الأشياء موهومة أو شكّ في واقعيّتها، فعنده الأشياء موهومة واقعًا والواقعيّة مشكوكة واقعًا، أي هي ثابتة من حيث هي مرفوعة.

 وإذا كانت أصل الواقعيّة لا تقبل العدم والبطلان لذاتها فهي واجبة بالذّات، فهناك واقعيّة واجبة بالذّات والأشياء التي لها واقعيّة مفتقرة إليها في واقعيّتها، قائمة بالوجود بها.

بعد هذه المقدمة، فإننا إذا نظرنا إلى العالم نظرة حسّية وعلمية نجد أنّ العالم يقبل العدم، أي إنّنا نجد الواقع الحسّي محدوداً مشروطاً، فنتعامل مع وجودات توجد في موقع وتفقد في موقع آخر، أو توجد في حين وتفقد أحياناً أخرى، وهي توأم النقص والجزئية والإمكان والمحدودية والمشروطية والتبعية.

ومن ثمّ نضّطر إلى القول بأن (العالم ليس هو عين الواقع الذي لا يقبل النفي، بل يتوفّر على الواقع بواسطة، وبدونها يضحي بلا واقع)، أي إنّنا نحكم بأنّ العالم ليس هو عين حقيقة الوجود، بل العالم ظل الوجود، إذاً فالعالم أثر، وهو ظهور وتجلٍ وشأن واسم.

وبناء على هاتين المقدمتين، فإن العقل الفلسفي المرتكز على المعرفة الوجودية، انطلاقاً من أنّ الوجود وجود، يقودنا قبل كلّ شيء إلى الله، وهو أوّل موجود نتعرّف إليه.

أمّا القراءات التّجريبيّة والحسّيّة فتقودنا إلى الوجودات المحدودة والمقيدة والمشروطة والممكنة التي هي آثاره وأفعاله وتجلّياته وشؤونه، وعلى هذا المنوال نكتشف الواجب ونكتشف الممكن أيضاً.

على أنّ الثابت في أبحاث الإلهيات أنّ طريق كشف الممكن لا ينحصر في ما تقدّم، بل يمكن اكتشاف الممكن بواسطة الواجب، كما أنّ اكتشاف الواجب لا ينحصر بالطريق المتقدّم، بل يمكن اكتشاف الواجب عن طريق الممكن.

بناء على هذا التقرير فإن برهان الصدّيقين، بحسب تقرير [صدر المتألهين] لا يحتاج إلى أكثر من تعقّل الوجود بما هو وجود، والالتفات إلى أصل الواقعية، وهو يقوم على مجموعة من الأسس، وهي:

1. أصالة الوجود: أي إنّ ما له التحقّق هو حقيقة الوجود، والماهيات موجودة بالعرض والمجاز.

2. وحدة الوجود: أي إنّ حقيقة الوجود لا تقبل الكثرة المتباينة والاختلاف الذي تقبله هو تشكيكي ورتبي، فإمّا أن يكون مرتبطاً بالشدّة والضعف والكمال ونقص الوجود، وإمّا أن يكون مرتبطاً بالامتداد والاتّصال الذي هو نوع من تشابك الوجود والعدم. وعلى كلّ حال فالكثرة المتصوّرة في الوجود كثرة في توأم الوحدة، وهي عين الوحدة من زاوية من الزوايا (الوحدة في عين الكثرة والكثرة في عين الوحدة).

3. إنّ حقيقة الوجود لا تقبل العدم: فالموجود من حيث هو موجود لا يعدم، والمعدوم من حيث كونه معدوماً لا يوجد، وحقيقة عدم الموجودات عبارة عن محدودية الموجودات الخاصّة، لا أنّ الوجود يقبل العدم، وبعبارة أخرى العدم نسبي.

4. حقيقة الوجود بما هو، تساوي الكمال والإطلاق والغنى والشدّة والفعلية والعظمة والجلال والإطلاق والنورية، بصرف النظر عن أيّ حيثية وجهة تنضمّ إليه، أي حقيقة الوجود. أمّا النقص والتقيّد والفقر والضعف والإمكان والصغر والمحدودية والتعيّن فكلّها من العدم. إذاً، تنشأ كلّ تلك السمات من العدم، وحقيقة الوجود تقف مقابل العدم، وما هو من شؤون العدم خارج عن حقيقة الوجود، أي إنّه منفي عن حقيقة الوجود ومسلوب منها.

5. طروّ العدم وشؤونه والنقص والضعف والمحدودية وغيرها ينشأ من المعلولية، أي إذا كان الوجود معلولاً وفي مرتبة متأخّرة من علّته، فهو في الطبع ذو مرتبة من النقص والضعف والمحدودية، لأنّ المعلول عين الربط والتعلّق والإضافة بالعلّة، ولا يمكن أن يكون في مرتبة العلّة، والمعلول كونه مفاضاً من العلّة فهو عين التأخّر عن العلّة، وعين النقص والضعف والمحدودية.

ومن الشبهات التي تعرض لهذا البرهان القول بأنه من الممكن أن ينشأ وهم بشأن استنتاجنا بأنّ ما هو موجود ينحصر في ذات الواجب وشؤونه وظهوراته وتجلّياته، فيقال إنّ هذا يستلزم نفي العلّية والمعلولية أساساً، بل نفي الممكن والإمكان، لأنّ الفرض هو عدم وجود شيء في البين سوى ذات الحقّ وشؤونه وأسمائه.

لكن هذا الوهم باطل، إذ ينشأ هذا الوهم من عدم إدراك المفهوم الصحيح للعلّية والمعلولية، فيحسب أنّ العلّية لون من الولادة تفرض للعلّة، فتفرز من ذاتها شيئاً إلى الخارج، وتكون حاجة المعلول إلى العلّة نظير حاجة الولد إلى الأم.

لكنّ دراسات صدر المتألهين خصوصا أثبتت أنّ المعلول عين الحاجة وعين الارتباط والتعلّق والارتهان بالعلّة، فالعلّة مقوّمة لوجود المعلول، ومن ثمّ تكون المعلولية مساوية للظهور والشأنية. إذاً، لا منافاة بين هاتين النظريتين.

3 ـ البرهان الوجودي:

ويطلق عليه كذلك [البرهان الأنطولوجي]، وله تقريرات مختلفة تبدأ من الراهب أنسلم، وتنتهي بالفيلسوف الكبير [رينيه ديكارت]، والذي يعتبر بحق [مؤسس الفلسفة الحديثة]

وحتى تتوضح قيمة هذا البرهان، نذكر أنه كان في أوروبا في ذلك الزمان تياران كلاهما يحاول أن يواجه الإلحاد بأسلوبه الخاص:

أما التيار الأول، فتمثل في التوجه الأكويني المنتسب لـ [توماس الأكويني] الذي بنى براهينه على أساس اثنينية العقل والله متأثرا بأفكار أرسطو، وبطروحات الفيلسوف ابن رشد وأتباعه.

أما التيار الثاني، فهو التوجه الأغوسطيني الإيماني الذي بنى براهينه على أساس اثنينية النفس والله، وقد تأثر أيضا بالأفكار الصوفية الإسلامية، والتي تدعو إلى البدء في الرحلة من الله للوصول إلى أكوانه.. بل ربما يكون تأثر بالطرح القرآني نفسه، والذي يعتبر الله حقيقة بديهية لا تحتاج إلى أي براهين تدل عليها، فالله تعالى يخبر عن منهج دعوة الرسل لأقوامهم، فيقول: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرض} [إبراهيم: 10]

بل إن القرآن الكريم يذكر أن وجود الله حقيقة نفسية موجودة حتى في نفوس الملاحدة أنفسهم، وأن سبب عدم اعترافهم بها هو كبرهم وجحودهم، قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14].. ولذلك كان كفرهم هو كفر نفسي، قبل أن يكون كفرا عقليا.. أي أنهم كفروا بحقائق آمنت بها أنفسهم، ودلت عليها فطرهم، لكنهم لكبرهم جحدوها.

وقد كان من أبرز أعلام هذه المدرسة، وربما يكون ديكارت من المتأثرين به والمتتلمذين على يديه الفيلسوف والمتأله [أنسيلم] ([17])، والذي تحول في ذلك العصر إلى أفضل ممثل للتوجه الأغوسطيني المؤسس على الإيمان والعرفان.. وميزته أنه حاول أن يكون حلقة وصل بين الأغوسطينية والتوماوية، أو بين الإشراق الداخلي والتأمل العقلي.

فقد قدم في كتابه [بروسلجيون]، نفسه على أنه الساعي لـ (إيجاد حجة دامغة لا بد أن تكفي ـ وحدها ـ في البرهنة على أن الله موجود حقا، وأنه الخير الأسمى، وأنه غني عن العالمين، وأن جميع الخلق يحتاجون إليه في وجودهم وفي سعادتهم، وفي البرهنة على كل ما نعتقده في الجوهر الإلهي)([18])

ومن التقريرات التي قرر بها هذا البرهان: إنكم مهما تصورتم من كائن ممكن الوجود على أنه أكبر شيء، فسوف تجدون بأنه ليس ذلك الكائن الأكبر، لأنه ليس بوجود حقيقي.. ولهذا السبب يجب على الكائن ذي الكمال المطلق أن يحتوي في وجوده، إلى جانب الكمالات الأخرى، الوجود الواقعي الكامل.. فالوجود الحقيقي هو المكون الماهوي لهذا الكائن اللامتناهي، بخلاف باقي الموجودات الممكنة والتي لا تمتلك هكذا ماهية.

ومنها: إذا كان الله إلها، فإن الله موجود فالوجود الإلهي كفيل للقول بوجود الله.

ومنها: البرهان على وجود الله لا يبدأ من الوجود، بل من فكرة الله نفسها.. ولما كان الله هو ما لا يتصور أعظم منه.. أي الموجود الكامل، وكأن الوجود أحد هذه الكمالات، فالله موجود.. فالموجود الكامل لا يوجد فقط في الذهن، بل أيضا في الواقع وإلا كان مجرد تصور، ولا فرق في ذلك بين المؤمن وغير المؤمن، فهو دليل طبيعي مفطور عليه الإنسان.

ومنها([19]): إن الموجود الذي لا يمكن تصور شيء أعظم منه لا يمكن أن يوجد في العقل وحده، وبالفعل، حتى إذا كان موجودا في العقل وحده، فمن الممكن أن نتصور موجودا مثله له وجود في الواقع أيضا، وهو بالتالي أعظم منه، وعليه، إذا كان موجودا في العقل وحده، فإن الموجود الذي لا يمكن تصور شيء أعظم منه سيكون من طبيعة تستلزم أن يكون بالإمكان تصور شيء أعظم منه.

وحتى أبسط هذه التقريرات، فقد وضعت حوارا في كتابي [الهاربون من جحيم الإلحاد] على لسان أنسلم وبعض محاوريه، جاء فيه:

قال المحاور: أرى أنك تتكلم كلاما غريبا، لا دلالة له، فهلا وضحته لي، ولهؤلاء الذين يحيطون بك.

قال أنسلم: أجبني.. هل يمكن أن تتصوَّر أي شيء في الذّهن مهما كان عظيما؟

قال المحاور: نعم.. يمكنني ذلك.

قال أنسلم: فهل يمكن أن تتصوَّر ما هو أعظم من ذلك الشَّيء الّذي ورد في خيالك؟

قال المحاور: نعم، يمكن تصوّر شيء أعظم من ذلك.

قال أنسلم: فلنسمِّ هذا الأعظم الذي لا أعظم منه [الله].. أترى أن هذا خاص بك، أم يشمل جميع الناس؟

قال المحاور: بل جميع الناس يستوون في هذا.. حتى الأحمق يمكنه أن يتصوَّر هذا الشَّيء الأعظم في ذهنه؟

قال أنسلم: فهل هذا الشيء الّذي يتصوره الجميع.. المؤمن وغير المؤمن.. موجود في الذهن فقط أم موجود في الذهن، وفي الواقع؟

قال المحاور: ربّما يكون موجودا في الذهن فقط.

قال أنسلم: ألا ترى أننا حين نذكر أنَّ هذا الأعظم موجود في الذّهن فقط نكون قد حقرناه، ولم نعطه أي قيمة، بل إن أي موجود مهما كان حقيرا يصبح أعظم منه.. وبالتّالي فإنَّ هذا الأعظم لا يبقى عظيمًا.

قال المحاور: هذا صحيح…

قال أنسلم: فإذن ليكون هذا الأعظم عظيمًا ينبغي أن يكون موجودًا في الذّهن وفي الواقع.

قال المحاور: نعم، بكلّ تأكيد.

قال أنسلم: إذن، مادمنا نستطيع تصوُّر هذا الموجود الأعظم، والّذي هو الله، فإنَّ هذا يعني أن الله موجود في الذّهن وفي الواقع.

ومن الاعتراضات التي اعترض بها على هذا البرهان ما ذكره راهب مارموتيو، والذي كتب كتابا حاوره فيه على لسان شخص غير مؤمن بوجود خالق للكون قال له فيه: يلزم من برهانك هذا أن مجرد التصور لشيء ما يستلزم وجوده الخارجي.. وبناء على قولك هذا توجد [الجزيرة المثلى].. ولو أن الجزيرة المثلى لم توجد، فإن ذلك سوف يتناقض مع كونها مثلى.. وعليه فإنها وغيرها مما نعتبرها مثاليًا، يجب وجوده.. وهذا أمر غير منطقي؛ لأن الجزيرة المثلى لا توجد بالفعل.. وإذا كانت البراهين الموازية للبرهان الأصلي غير منطقية فالأخير يكون غير منطقي كذلك.

وقد كتب له أنسلم ردًا يقول له فيه: (فرق كبير بين الوجود الواجب، والوجود الممكن.. أما الجزيرة التي ذكرتها ورحت تشنع بها علي فهي ممكنة، ووجودها ممكن؛ لأنه يفتقر إلى وجود البحر والأرض، والجزر نفسها لا يلزم وجودها، فهو إذن وجود غير واجب.. فكيف تبطل ما ذكرت بما ذكرت.. وكيف تبطل بالممكن الواجب)

أما ديكارت، والذي كان له دور كبير في عصره وغيره من العصور، حيث راح يلغي ثنائية العقل والإيمان، باطراح الإيمان، وإعادة حقوق العقل إليه، وتخليصه من الحسبانية، وقضائه على الشك، بسلاحٍ مأخوذٍ من الشك نفسه، كما عبر عن ذلك بقوله:(إن قضية [أدرك فأنا إذن موجودٌ] حقيقةٌ بديهية، وهذه الحقيقة لا تسقط في أي زمان بساحة الذاكرة، ولا تزال غير فاقدة لبداهتها حتى تصل إلى الله؛ فإذا وصلت إليه تُيقِّن أن العقل أنشئ لفهم الحقيقة، ويتضمن هذا اليقينَ المقدماتُ المستخدمة في إثبات وجود الله أيضاً)([20])

وهو يقصد بذلك أنه يشك في كل ما ليس بمبرهن عليه، ولا يُقبَل، ما عدا الظاهر بذاته، أو بغيره، أو تدل الأدلة والبراهين عليه..

وقد مارس بذلك ما مارسه جميع المؤمنين الذي قد ينطلقون من الشك، ليحققوا الإيمان، فالخروج من الإيمان الوراثي يستدعي طرح تساؤلات تشكيكية ليصل صاحبها بعدها إلى بحر الحقيقة الذي لا ساحل له.. ولذلك يحتاج إلى أن يبحر في زورق صحيح من البراهين العقلية، ليتمكن من الاستمرار في الطريق.

لقد فعل ذلك الكثير من الفلاسفة والمفكرين، ومنهم [طوماس في سوم أولوزيك] الذي بدأ أبحاثه الإلهية بطرح هذا السؤال: (هل الله موجود؟)، ثم راح يجيب عليه بقوله: (و ليكن جوابنا بالنفي).. ثم راح يورد الاعتراضات العقلية على ذلك النفي إلى أن أثبت الوجود.

والميزة التي جعلت من ديكارت أستاذا للإيمان كما أنه أستاذ في الفلسفة هو اعتباره لموجودية الإدراك الأساس الذي ينطلق منه اكتشاف الحقائق، كما عبر عن ذلك بقوله: (مهما كان ترتيب المعاني، الذي يراد تقريره في الفلسفة، فالشيء الذي يبقى حقيقة دائماً، هو الشعور؛ فقد أشك في وجود الأجسام، وقد أشك في وجود الله، وفي الحقائق الرياضية؛ لكن لا أشك أصلاً في وجود شعوري، لأن شكي في وجود شعوري، شعورٌ أيضاً؛ والحال أن شعوري، أي شكي معناه أني موجودٌ، فإن من لا يوجد، لا يشكُّ أيضاً؛ وبناءً عليه، فأنا مدرك، شاعرٌ، موجودٌ، من حيثُ أني مدركٌ، إن لم أكن موجوداً بأي حيثية)

وبناء على هذا لم يستعمل ديكارت الأدلة الطبيعية.. لا الدليل الكياني.. ولا دليل العلة الغائية.. الذي استعمله سائر الفلاسفة.. لأنه رأى أن وجودَ الكائنات المادية يحتاج أولا إلى إثبات وجودها إلى وجود الله؛ والذي لا يحتاج في إثبات وجوده إلى وجود الله، إنما هو وجود نفسه، فلا دور.. فوجود نفسه، المستفاد من إدراكه، هو الحقيقة الأولى الثابتة، ثم يترتب عليه وجود الله، ثم يترتب عليه ثبوت وجود العالم.

ففلسفة ديكارت بهذا تمتاز بكونه أثبت وجود الله، قبل إثبات وجود العالم المادي، واستدل عليه من وجود نفسه الناطقة، ووجود شعوره، وتمتاز أيضاً بكونه بنى حقية وجود العالم على صدوقية الله.

لعل كل ذلك.. وكل تلك المعاني السامية التي أشار إليها ديكارت متضمنة في قوله تعالى: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} [الذاريات: 23]، فقد أخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن أحقية ربوبية الله للكون بدليل شعوري نفسي وهو النطق.. فكما أن الإنسان يشعر بنطقه، ولا يجادله أحد في وجوده، فإن ذلك الشعور لابد أن يكون أداته ووسيلته للوصول إلى الحق.

بناء على هذا، راح ديكارت مثله مثل أنسلم والقديس أوغسطين وغيرهما من الفلاسفة والباحثين عن الله يخاطبون زمر المشككين واللاأدريين والملاحدة بقوله: إذا قلت الله، فإني أفهم منه جوهراً أزلياًّ غير متناهٍ، ولا قابلٍ للتغير، عليماً، قديراً، أوجدني وسائر الأشياء على تقدير ثبوتها.. فمن أين يأتيني هذا المفهوم؟.. ومن حيث أنه معنى من المعاني، يلزم أن يوضح منشأه؟.. وهب أني لكوني جوهراً، أتصور في نفسي جوهراً غيري، ولكني جوهرٌ متناهٍ؛ فكيف أتصور جوهراً غير متناهٍ؟.. ألا يكفي هذا للدلالة على وجود الله؟

وكان يقول ـ مخاطبا علماء الرياضيات والهندسة ([21]) ـ: من الحقائق ما هو ضروريٌّ أزلي، وتلك الحقائق لا تخرج من أن تكون حقاًّ، ولو لم يوجد شيءٌ من الأشياء، التي تعمل فيها، مثلاً إن زوايا المثلث مساوية لقائمتين، فلا تحتاج هذه الحقيقة في أن تكون حقاًّ، إلى تحقق أي مثلث في الواقع، ولا تحتاج أيضاً إلى وجود الذهن الإنساني ليعلمها، فهي حقٌّ، ولو لم يوجد إنسان في الدنيا، وإذا لم يكن لها أي توقف على العالم، ولا على الروح الإنسانية، لزم أن تكون مربوطة بوجود آخر.

وكان يقول مخاطبا لهم: إن وجود الله يقيني، أكثر من يقينية الدعاوى الهندسية، والقوانين الرياضية، لأن تلك الدعاوى، وتلك القوانين التي لا تحتاج في كونها حقاًّ، ثابتةٌ إلى وجود ما تنطبق عليه من الكائنات في العالم، ولا في أذهان من يتصورونها من علماء البشر الرياضيين.

وكانوا يقول مخاطبا الذين لم يستسيغوا رفض التسلسل، ولم تقنعهم البراهين المرتبطة بذلك: أنتم لستم في حاجة للبرهنة على بطلان التسلسل، فبقاء الكون على ما عليه دليل على الله.. ذلك أن حفظ الجوهر، وإبقاءه، عينُ خلقه.. فمن خلقني سابقاً، هو الذي يبقيني حالاً؛ مع أني لا يمكنني إن لم أسنده إلى من يملك جميع الكمالات، وأجد مفهومه في ذهني، أن أسنده لا إليّ، ولا إلى والديّ، ولا إلى أيّ علة أخرى.

وكان يرد على الذين يناقشونه في هذا الدليل بقوله: إن العلة الموجدة لأي شيء، يلزم أن تبقى ما دام معلولها باقياً، حتى لو زالت علته، انعدم معها المعلول، فيكون زوال العلة علةٌ لعدم الحادث؛ ومن هنا يقال: (علة العدمِ، عدم العلة)

ومن أحسن تقريراته للدليل الوجودي ما عبر عنه بقوله: (إني لأتصور هذه المشابهة المتضمنة لفكرة الله بعين الملكة التي أتصور بها نفسي، أي أني حيث أجعل نفسي موضوع تفكيري، لا أتبين فقط أني شيء ناقص، غير تام، ومعتمد على غيري، ودائم النزوع والاشتياق إلى شيء أحن وأعظم مني، بل أعرف أيضاً وفي الوقت نفسه أن الذي اعتمد عليه يملك في ذاته كل هذه الأشياء العظيمة التي أشتاق إليها، والتي أجد في نفسي أفكارً عنها، وأنه يملكها لاعلى نحو معين أو بالقوة فحسب، بل يتمتع بها في الواقع وبالفعل وإلى غير نهاية، ومن ثم أعرف أنه هو الله)

وعبر عنه في محل آخر، فقال: ما دمتم لا تنظرون إلى أنفسكم.. فانظروا إلي أنا جيدا.. انظروا إلى ديكارت.. وسترون أنه موجود غير تام الكمال.. بل ناقص.. وهو ليس الكائن الوحيد في الوجود، إذ لابد لوجوده من علة.. والعلة لابد أن تكون مكافئة على الأقل للمعلول إن لم تكن أكثر منه فضلاً وكيفاً.. وبما أن ديكارت الذي يقف أمامكم ليس علة لوجود نفسه، إذ لو كان كذلك لاستطاع أن يحصل من نفسه لنفسه على كل مايعرف أنه ينقصه من الكمالات، لأن الكمال ليس إلا محمولاً من محمولات الوجود، والذي يستطيع أن يهب الوجود يستطيع أن يهب الكمال.. والتأمل في هذا يدلكم على وجود علة وجوده، وهي ذات تتوفر على كل ما لا يمكن تصوره من الكمالات وهذه هي ذات الله تعالى ([22]).

وعبر عنه في محل آخر مخاطبا به بعض المهندسين والرياضيين، فقال: كما أن فكرتنا عن المثلث تستتبع أن تكون زواياه الداخلية مساوية لقائمتين (180 درجة)، كذلك فإن فكرتنا عن الله باعتباره كائناً كاملاً متناهياً تستلزم وجوده بالضرورة.. ففكرة الوجود متضمنة في تعريف المثلث.. وعليه فإذا كان من التناقض أن نعتبر الزوايا الداخلية للمثلث لاتساوي قائمتين، فمن التناقض كذلك أن نعتبر الله غير موجود، لأن الوجود متضمن في ماهية الله على نحو ما تكون مساواة الزوايا الداخلية للمثلث لقائمتين متضمنة في تعريف المثلث.

ويذكرنا هذا البرهان الأخير ببرهان ذكره [ابن حزم]، وهو مهم خصوصا لمن لهم ميول رياضية، وهذا ملخصه ([23]): إن خاصة العدد هو أن يوجد عدد آخر مساو له، وعدد آخر ليس مساوياً له، هذا لا يخلو منه عدد أصلاً.. المساواة هي أن تكون أبعاضه كلها مساوية له إذا جزئت.. فالفرد والفرد مساويان للاثنين، والزوج والفرد ليسا مساويين للزوج الذي هو الاثنان، والخمسة مساوية للاثنين والثلاثة، غير مساوية للثلاثة.. وهكذا كل عدد في العالم.

فكل ما كان له أبعاض فهو مركب كثيراً بلا شك، فهو إذن بالضرورة ليس واحداً، فالواحد ضرورة هو الذي لا أبعاض له.

وبناء على هذا، فإن الحس وضرورة العقل يشهدان بوجود الواحد، إذ لو لم يكن الواحد موجوداً لم يقدر على عدد أصلاً، إذ الواحد مبدأ العدد والمعدود الذي لا يوصل الى عدد ولا معدود إلا بعد وجوده، ولو لم يوجد الواحد لما وجد في العالم عدد ولا معدود أصلاً.

وبما أن العالم كله أعداد ومعدودات موجودة.. فإن الواحد لابد أن يكون موجودا بالضرورة، ذلك أنه لو نظرنا في العالم كله نظراً طبيعياً ضرورياً لم نجد فيه واحداً على الحقيقة البتة بوجه من الوجوه، لأن كل جرم من العالم منقسم.. محتمل للتجزئة.. متكثر بالانقسام أبداً بلا نهاية.. وكل حركة فهي أيضاً منقسمة بانقسام المتحرك بها الذي هو المدة.. وكذلك كل معقول، من جنس أو نوع أو فصل.. وكذلك كل عرض محمول في جرم فإنه منقسم بانقسام حامله.. وهذا أمر يعلم بضرورة العقل والمشاهدة.

وبما أن أمر العالم هكذا، وليس في العالم واحد البتة.. وبما أن البرهان قائم على ضرورة وجود الواحد، فإذن لابد من وجوده.. وبما أنه ليس في العالم، فهو إذا شيء غير العالم.

ثالثا ـ العناية الرحيمة

ونقصد بها أصناف الأدلة التي استعملها الفلاسفة والمتكلمون والعلماء، والتي تتعلق بالنظر إلى عناية الله بعباده ورحمته بهم، عبر المظاهر المختلفة لتلك العناية، والتي دل العلم الحديث على تفاصيل الكثير منها.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع من الاستدلال عند ذكره لنعم الله على عباده، فالله تعالى يخاطب عباده بكل حنان ورحمة، ويقول لهم: { أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)} [النبأ: 6 ـ 16]

وهذا النوع من البراهين يحوي الكثير من البراهين الفرعية التي لا عداد لها، لأن نعم الله لا عد لها، كما قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } [النحل: 18]، وقال: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34]

ولهذا يبتلي الله عباده بسلب النعم، لا عقوبة لهم، وإنما تأديبا وتربية ليكتشفوا حقيقة المنعم، لأنه لا سعادة لهم إلا في جواره وصحبته، والعيش في ظلال رعايته وعنايته، وقد ذكر الله تعالى ذلك التأديب الإلهي الذي حصل لقوم فرعون عندما أعرضوا عن موسى عليه السلام، والذي نص عليه قوله تعالى: { وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134)} [الأعراف: 132 ـ 134]

وقد ذكرت في كتاب [الهاربون من جحيم الإلحاد] الكثير من البراهين المرتبطة بهذا النوع، أكتفي هنا بتلخيص أحدها، وهو ما أطلقت عليه [برهان التسخير]، والذي ذكرت فيه اهتمام ابن رشد به، ودعوته إليه، واعتباره أفضل من الأدلة التي يستعملها المتكلمون والفلاسفة.

وقد قال معبرا عن ذلك: (الطريق التي نبه الكتاب العزيز عليها ودعا الكل من بابها إذا استقرىء الكتاب العزيز وجدت تنحصر في جنسين: أحدهما: طريق الوقوف على العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجلها ولنسم هذه (دليل العناية).. والطريقة الثانية: ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء الموجودات مثل اختراع الحياة في الجماد والإدراكات الحسية والعقل، ولنسم هذه (دليل الاختراع)

ثم ذكر وجه الاستدلال على البرهان الأول [برهان العناية].. فذكر أنه ينبني على أصلين بقدر فهمهما والرسوخ في معرفتهما، بقدر ما يتوضح البرهان، وتزال الإشكالات المرتبطة به.

أما الأصل الأول، فهو (أن جميع الموجودات التي ها هنا موافقة لوجود الإنسان)، وأما الأصل الثاني، فهو (أن هذه الموافقة ضرورة من قبل فاعل قاصد لذلك، مريد، إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق.. أي صدفة)

ثم فصل بعض الحقائق المرتبطة بالأصل الأول، فقال: (فأما كونها موافقة لوجود الإنسان، فيحصل اليقين بذلك باعتبار موافقة الليل والنهار، والشمس والقمر لوجود الإنسان، وكذلك موافقة الأزمنة الأربعة له، والمكان الذي هو فيه أيضا وهو الأرض، وكذلك تظهر أيضا موافقة كثير من الحيوان له والنبات والجماد وجزئيات كثيرة مثل الأمطار والأنهار والبحار، وبالجملة، الأرض والماء والنار والهواء، وكذلك أيضا تظهر العناية في أعضاء البدن وأعضاء الحيوان، أعني كونها موافقة لحياته ووجوده.. وبالجملة فمعرفة ذلك أعني منافع الموجودات داخلة في هذا الجنس، ولذلك وجب على من أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة أن يفحص عن منافع المجودات)

وهكذا ذكر [دلالة الاختراع] على الله، ولها علاقة أيضا بـ [دلالة العناية]؛ فذكر أنها أيضا تنبني على أصلين موجودين بالقوة في جميع فِطر الناس، أما أحدهما، فهو (أن هذه الموجودات مخترعة.. فإنا نرى أجساما جمادية، ثم تحدث فيها الحياة، فنعلم قطعا أن ها هنا موجدا للحياة ومنعما بها، وهو الله تبارك وتعالى.. وأما السموات فنعلم من قبل حركاتها التي لا تفتر أنها مأمورة بالعناية بما ها هنا ومسخرة لنا، والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة)

وأما الأصل الثاني، فهو (أن كل مُخترَع فله مُختَرِع، فيصح من هذين الأصلين أن للموجود فاعلا مخترِعا له)

وبناء على هذا، فقد دعا ابن رشد إلى البحث في الآفاق والأنفس للتعرف على الله.. فقد نصب الله دلائل التعرف عليه في مخلوقاته، قال تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53]

يقول في ذلك: (ولذلك كان واجبا على من أراد معرفة الله حق معرفته أن يعرف جواهر الأشياء ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات، لأن من لم يعرف حقيقة الشيء لم يعرف حقيقة الاختراع، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: { أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الأعراف: 185].. وكذلك أيضا من تتبع معنى الحكمة في وجود موجود، أعني معرفة السبب الذي من أجله خلق، والغاية المقصودة به كان وقوفه عى دليل العناية أتم)

ثم ذكر أن هذا النوع من الأدلة هو الذي دلت عليه النصوص المقدسة، ففي القرآن الكريم الكثير من (الآيات المنبهة على الأدلة المفضية إلى وجود الصانع سبحانه في الكتاب العزيز وهي منحصرة في هذين الجنسين من الأدلة، فذلك بيّن لمن تأمل الآيات الواردة في الكتاب العزيز في هذا المعنى.. وذلك أن الآيات التي في الكتاب العزيز في هذه المعنى إذا تصفحت وجدت على ثلاثة أنواع: إما آيات تتضمن التنبيه على دلالة العناية، وإما آيات تتضمن التنبيه على دلالة الاختراع، وإما آيات تجمع الأمرين من الدلالة جميعا)

رابعا ـ الصنعة العجيبة

ونقصد بها أصناف الأدلة التي يستعملها علم الكلام الجديد، والعلماء المعاصرون في الدلالة على الله انطلاقا من براعة الصنعة وإتقانها، فالصنعة المتقنة تدل على الصانع المبدع.

ونستفيد هذا النوع من الأدلة من خلال ما كتبه علماء الفيزياء والفلك والطب وغيرهم في هذا الجانب، وهو ما يستدعي من الداعية الذي يريد أن يناظر الملاحدة أن يكون على اطلاع بالكثير من أمثال هذه المعارف العلمية التي تصب في بحر الإيمان.

وقد ذكرت في كتاب [الهاربون من جحيم الإلحاد] و[الكون بين التوحيد والإلحاد] و[الحياة تصميم لا صدفة] الكثير من البراهين المرتبطة بهذا النوع، وسنرى بعض ما يرتبط بها في الفصول المخصصة لهذا في هذا الكتاب.

وأحب أن أشير هنا فقط إلى برهان من تلك البراهين تحدث عنه الكثير ممن اهتم بهذا النوع من الأدلة، وهو [برهان التصميم]، وهو برهان خصص له هارون يحيى كتابه المعروف [التصميم في الطبيعة]، وقد أشار في مقدمته إلى المباني التي يتأسس عليها هذا البرهان.

فقد ذكر([24]) أنه عند النظر في الكائنات المختلفة نجد أنها ذات تصميم بديع فريد ممتلئ بالغرابة.. وبما أن كل تصميم لا بد له من مصمم.. فالنتجية الطبيعية لتينك المقدمتين الضروريتين هي أنه لا بد لهذه الخلائق من خالق خلقها وقت ما يشاء، وحفظ بقاءها بقوة وحكمة مطلقة.

ونحن في الواقع نتعامل بهذا المنطق مع كل المنتجات، فعندما نرى العلامة الموجودة في منتصف حبة الأسبرين، يخطر على بالنا مباشرة أنها صممت خصيصا لمساعدة أولئك الذين يتناولون نصف جرعة.. وأن تلك العلامة ليست عبثا، وإنما هناك قوة خارجية وضعتها، وصممتها بذلك الشكل.

وهكذا، فإن كل منتج موجود حولنا، حتى ولو لم يكن ببساطة حبة الأسبرين، له تصميم مميز، بدءاً من المركبات التي نخرج بها إلى العمل وانتهاء بجهاز التحكم عن بعد.

ولهذا فإنه لا يصعب على أحدنا أن يفكر في أن السيارة نوع من أنواع التصاميم، ذلك لأن الهدف من تصنيعها هو نقل الأشخاص والشحنات، وحسب هذا الهدف يتم تصميم الأجزاء المختلفة مثل المحرك والإطارات وجسم السيارة، وتجميعها في المصنع.

وعندما ننتقل من هذه التصميمات البشرية إلى التصميمات الموجودة في الطبيعة نجد العجب العجاب.. فهل يمكن أن تكون تلك التصميمات التي هي أدق بكثير من تصميماتنا جاءت وحدها، ومن غير وجود مصمم صممها؟

هل يمكن أن تكون اليدان اللتان تعملان بشكل لا يمكن لأي رجل آلي أن يعمل به، والعينان اللتان تنفذان عملية الرؤية بطريقة لا يمكن لأفضل آلة تصوير في العالم أن تنفذها.. هل يمكن أن يكون كل ذلك جاء صدفة، ومن غير تصميم مقصود؟

وعندما يصل أحدنا إلى هذه النتيجة الهامة، يجد أن كل المخلوقات الموجودة على سطح الأرض، بما فيها نحن، هي في الحقيقة تصميم فريد، وكل تصميم لا بد له من مصمم، إذن: لا بد لهذه الخلائق من خالق خلقها وقت ما يشاء، وحفظ بقاءها بقوة وحكمة مطلقة.

خامسا ـ النظام البديع

ونقصد بها أصناف الأدلة التي يستعملها علم الكلام الجديد خصوصا لنفي العشوائية والصدفة.. فالنظام يحتاج إلى منظم، ويستدعيه بالضرورة العقلية، وقد ذكرت في كتاب [الهاربون من جحيم الإلحاد] الكثير من البراهين المرتبطة بهذا النوع.

وأحب أن أنقل هنا نصا قد يوضح كيفية استخدام هذا البرهان، وهو ما يرتبط بالثبات في قوانين الكون، وهو جزء من النظام الذي يحكمه.

فقد ذكرت فيه على لسان المؤمن الهارب من جحيم الإلحاد قوله: لا أزال أذكر تلك الأيام جيدا، حينها كنت أجمع بين تخصصين علميين: تخصص في العلوم القانونية، وتخصص في العلوم المادية.. وقد كان من فضل الله علي الجمع بين ذينك التخصصين.. فقد كان الأول هو من دعاني لتصحيح أخطائي عن الثاني.. وكان الثاني هو ملهمي في تعديل بعض أفكاري في التخصص الأول.

لقد كان مما شد انتباهي في الكون، كما شد انتباهي في المجتمعات القوانين التي تحكمها، فقد كنت أرى أن ثبات القوانين وحزمها ودقتها هي وحدها الكفيلة بتنظيم المجتمعات ورقيها، وأن تخلفها هو سبب كل المآسي التي تحصل لها.. وقد دفعني إلى ذلك ما كنت أراه في المجتمعات المتخلفة من عدم التزام بالقوانين، وتلاعب بها، واحتيال عليها.

وقد شاء الله أن يكون ذلك التفكير هو المقدمة التي أركب بها سفينة الإيمان، لأجلس فيها معكم هذا المجلس..

والبداية كانت مع القوانين الفيزيائية والكيميائية التي بهرتني بثباتها الذي لولاه لم يكن الكون بالصورة التي هو عليها.. بل لولاه لم تكن هناك علوم ولا معارف أصلا، فهي جميعا وليدة للثبات الذي بنيت عليه قوانين الكون ونواميسه.

من الأمثلة على ذلك([25]) قوانين [الانصهار والجمود] في المعادن.. فالمواد الصلبة تتحول إلى حالة سائلة بالانصهار.. ولولا هذه الخاصة لم نتمكن من استخراج المعادن من مظانها لاختلاطها بالتربة.. وكيف يمكن أن نعيد تشكيلها لولا انصهارها وتجمدها.. فبالانصهار والتجمد نأخذ المعادن من أعماق الأرض، وبهما نشكل المعادن كما نريد.. وقد جعلني هذا أتساءل عن المقنن الذي وضع لها هذه القوانين، والتي كانت سببا في الاستفادة منها، ولولا ذلك لم يستفد منها أحد.

ومن الأمثلة على ذلك قوانين [التبخر والتكثيف]، فلولا هذان القانونان لم تنزل الأمطار، ولم تتشكل ذلك أن البحر الملح الأجاج، هو الذي يتبخر ماؤه بفعل أشعة الشمس ليتشكل منه الماء، فمن الذي قنن قانون ذلك التبخر؟.. ومن قنن قانون التكثيف حيث يتحول الماء إلى بخار، والبخار إلى ماء دون أن تعلق المواد الراسبة في السائل في البخار؟

مع العلم أنه لولا هذين القانونين.. قانون التبخر والتكثيف.. لما كانت أمطار، ولما كانت مياه عذبة نشربها، ونرتوي بها.

وهكذا رحت أنظر في ظاهرة الذوبان.. فلولا ذوبان أملاح المعادن في الماء لما أمكن للنبات أن يأخذ كل المعادن من التربة.. فكل أملاح المعادن تذوب في الماء، ثم يصعد الماء مع أملاح المعادن المذابة، لتأخذ الأوراق حاجتها.. ولولا هذه الظاهرة والقوانين المرتبطة بها لما ذابت الأطعمة على شكل سائل، ولما تنقل هذا السائل إلى الدم، ليتحول إلى الخلايا.

وذكرت فيه بعض الردود على من يعتبر الطبيعة مقننا للقوانين، ومنها هذا الرد الذي تضمنه هذا الحوار:

قال ذلك، ثم راح يسألني عن تخصصي الأول في القانون إلى الدرجة التي ظننت أنه قد خرج من الموضوع، لكني اكتشفت أنه راح يستثمر تخصصي فيه ليقنعني بما ذكره لي.

قال لي: بحكم خبرتك في القانون وفي تواريخ القوانين.. هل رأيت قانونا يحكم أي مجتمع من المجتمعات دون أن تكون هناك جهة ما قامت بتشريعه.. وجهة أخرى قامت بتنفيذه.. وجهة أخرى راحت تراقب الصرامة في ذلك التنفيذ؟

قلت: أجل.. فلا يوجد قانون من دون مقنن.. ولا نظام من دون منظم.

قال: فكيف نحكم على هذه القوانين المنظمة للكون، والتي لولاها لم يكن بالصورة التي هو عليها، بأنها صدرت من غير مقنن ولا منظم ولا مقدر؟

قلت: أساتذتنا يذكرون أنها الطبيعة.

ابتسم، وقال: ما دام للطبيعة كل هذه السلطة، فلم لم تذهب إلى تلك الشعوب المتخلفة، لتفرض عليها من القوانين ما يخرجها من تخلفها وفوضاها وعبثيتها.

قلت: في إمكان تلك الشعوب أن تنظم نفسها بنفسها.

قال: لكنها لم تفعل.. فكيف سكتت الطبيعة عنها؟

قلت: أنت تتحدث عن الطبيعة، وكأنها كائن مستقل له قدراته الخاصة.

قال: وما هي إذن؟

قلت: هي القوانين نفسها.

قال: فهل يمكن للقوانين وحدها أن تفعل شيئا.. وهل يمكن للقوانين أن تصدر من غير عاقل ولا واع ولا مدرك؟

سادسا ـ الآيات الباهرة

ونقصد بها أصناف الأدلة التي تواجه الأطروحات الإلحادية التي تتصور أن الأدلة على الله أدلة نظرية وفلسفية فقط، ليس لها أي جانب حسي أو تجريبي.. فهي تعطي الكثير من المناهج التي يمكنها أن تحول الإيمان بالله إلى تجربة حسية، كسائر التجارب.

وهو ما أشار إليه أبو العتاهية بقوله:

وفي كل شيء له آية

  تدل على أنه واحد

فأدلة الوحدانية هي نفسها هي أدلة الوجود، ولهذا نرى القرآن الكريم يشير كثيرا إلى هذا النوع من البراهين، كما في قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرض لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، وغيرها من الآيات الكثيرة التي تدعو إلى النظر في الآيات المبثوثة في الكون.. فكل آية منها دليل قائم بذاته على الله.

وقد بين بعض المعاصرين([26]) أهمية هذا النوع من الأدلة فقال: (هذه الحجة القرآنية ـ التي أسميناها دليل الآيات ـ يمكن وضعها هي الأخرى في صيغة من الصيغ المنطقية العقلية المعروفة، وذلك أن الحجج المنطقية ليست محصورة في الاستنباط، أو ما كان يسميه علماؤنا بقياس الشمول، بل هنالك حجج أخرى منطقية عقلية صحيحة يستعملها الناس في علومهم بل في حياتهم اليومية، وإن لم يصوغها الصياغات المنطقية) ([27])

ثم وضع صياغة منطقية لهذا النوع من البراهين، فقال: (والحجة القرآنية هذه يمكن وضعها في هذا الشكل المنطقي، كأن نقول مخاطبين الملحد: أنت تعلم من نفسك أنك حادث وجدت بعد أن لم تكن.. فإما أن تكون قد وجدت من العدم أو أن شيئاً أوجدك.. من المستحيل أن توجد من العدم.. إذن فقد أوجدك شيء.. هذا الموجد إما أن يكون نفسك أو أن يكون غيرك.. من المستحيل أن تكون أنت الذي أوجدت نفسك.. إذن لابد أن يكون شيء غيرك هو الذي أوجدك.. هذا الغير إما أن يكون مثلك في حاجته إلى من يوجده أو لا يكون..لا يمكن أن يكون مثلك؛ إذ ما قيل عنك سيقال عنه أيضاً.. لابد إذن أن يكون خالقاً بنفسه غير مفتقر إلى من يوجده؛ وهذا هو الله تعالى)

وقد ذكرت في كتاب [الهاربون من جحيم الإلحاد] الكثير من البراهين المرتبطة بهذا النوع، أكتفي هنا بذكر هذين النصين اللذين يتحدث فيهما بعض الفارين من جحيم الإلحاد عن بعض أغلوطات الملاحدة المرتبطة بهذا الجانب، وكيفية الرد عليها.

النص الأول: قال: لا أزال أذكر تلك الأيام جيدا، حينها كنت أصيح في كل حين في وجوه المؤمنين: إن كان لإلهكم وجود فليرنا نفسه، أو ليعلن عنها، أو ليظهر آية من الآيات حتى لو كانت بسيطة.. فلا يمكن أن نؤمن بشيء من غير أن يظهر نفسه.

وكنت أضيف إلى هذه الكلمات الكثير من التصرفات التهريجية التي أتحدى بهم المؤمنين، فأضع ورقة صغيرة على الطاولة، وأقول لهم: أنتم تزعمون أن إلهكم قادر على كل شيء.. ما دام كذلك، فليظهر نفسه برفع هذه الورقة، ولو مترا واحدا.. بل حتى سنتمتر.. أو ملمتر.

ثم أمكث مدة أنتظر.. وبعدها أقول لهم: هل رأيتم عجز إلهكم؟.. إنه لا يستطيع رفع ورقة مع أننا أعطيناه وقتا كافيا لفعل ذلك.

ثم أطلب من صبي من الصبيان أن يحمل الورقة، ويرفعها، ثم أقول: ها أنتم رأيتم بأم أعينكم أن هذا الصبي الصغير أقوى من إله المؤمنين.

وكان المؤمنون عندما يسمعون هذا يتألمون، ولا يجدون ما يقولون، وإن كانوا في قرارة قلوبهم يتمنون لو أن الله حقق المعجزة، ورفع الورقة.. أما غيرهم، فكانوا يضحكون ويصفرون ويرقصون ويتصورون أنني قد وضعت حجرا في أفواه المؤمنين بتلك اللعب التي ألعبها.

لكني في قرارة نفسي لم أكن مقتنعا بما أقول، فالله ليس ملزما أن يستجيب لأمثالي من الساخرين، ولو أنه فعل ذلك لأصبح الكل يطالبه بما يشاء، ولتغير نظام المجتمع، بل نظام الكون لأن هناك من لا يقنع برفع الورقة، فيطالبه بأن يغيب الشمس، أو يحول الليل نهارا والنهار ليلا.. أو يقتل فلانا.. أو يحيي ميتا.. وهكذا يصبح الكل يتدلل على الله، ويطالبه بالمعجزات ليمن عليه بعد ذلك بالإيمان.. وكأن الله مفتقر لخلقه حتى يؤمنوا به.

وعندما أعود إلى بيتي، ويعود إلي الكثير من عقلي أدرك أنني لم أكن أمارس احتجاجات عقلية، بل كنت أمارس مغالطات تهريجية لا علاقة لها بالمنطق، ولا بالعقل.

بل إنني كنت أشعر أنني لم أكن أغالط إلا نفسي، فأين الإلحاد، وأين المنطق؟.. وهل يمكن أن يكون الملحد منطقيا أو عقلانيا؟.. وكيف يكون كذلك، وهو لا يؤمن إلا بالمادة، والمادي لا يمكنه أن يؤمن بقوانين المنطق، لأنه يعتقد بأن كل شيء في الوجود مادة فقط.. وقوانين المنطق ليست مادية.. ولهذا فإن قوانين المنطق لا يمكن أن تتواجد في العالم الإلحادي.. وبالرغم من ذلك، فإن المُلحد يناقض نفسه حين يستخدمها..

إنه في ذلك يشبه الشخص الذي يذكر أنه لا يؤمن بالهواء، وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يعيش من دون هواء.. هكذا هو الملحد بالضبط، هو ينكر السيارة التي يركبها، ويجحد العقل الذي يستعمله، ويغفل عن الحقيقة التي يستند إليها وجوده.

النص الثاني: أذكر أني التقيت بعد نهاية بعض تلك التهريجات قسا مسيحيا، فقلت له ساخرا: هل تؤمن بأن المسيح مشى على الماء؟

فقال لي: أجل.. وأنت هل تؤمن بأن الماء وجد هكذا وحده من لا شيء؟

قلت: أجل.. أنا أؤمن بذلك.

قال: فلماذا تنكر علي معجزة أنت تؤمن بما هو أخطر منها.. فإن قلت لي: أثبت لي بأن المسيح مشى على الماء.. فإني سأقول لك أنا أيضا: أخرج لي لترا أو قطرة من الماء من لاشي..

ثم قال لي: أنا أؤمن بإله خالق يستطيع أن يُعطل أو يعّلق قوانين الطبيعة التي خلقها، ويمارس ما شاء فيها من المعجزات، لأنه لا شيء يعجزه.. وقد دلني الدليل العقلي على ذلك.. ذلك أنه أثبت لي قدرته بكل هذه الآيات المعجزات التي أراها.. وبذلك فأنا لا أقفز على عقلي، ولا أؤمن بالخرافة.. لأني ما دمت مؤمنا بأن الله خالق كل شيء في الكون، فليس من الغرابة أن أؤمن بأنه ليس مقيدا بقوانين الكون الذي خلقه هو، ووضعها هو.. وبذلك فإن الله ما دام خلق الماء، فإنه بالتأكيد يستطيع أن يجعل في أي شخص شاء القدرة على أن يمشي عليه.

سابعا ـ الهداية المبينة

ونقصدبها أصناف الأدلة التي تدل على تواصل الله تعالى مع خلقه عبر الوسائط المختلفة، فالله تعالى لم يعلن عن نفسه من خلال الكون وظواهره فقط، وإنما أعلن عنه عبر رسله وكلماته المقدسة لعباده، كما يعلنه كل حين عبر هدايتهم والاستجابة لدعواتهم.

وقد خصصنا سلسلة [حقائق ورقائق] جميعا لإثبات هذه النوع من الأدلة، باعتباره أكبر أنواع الأدلة، وأكثرها دلالة وصراحة وقطعية، فإثبات النبوة وما يتعلق بها، ليس سوى إثبات للألوهية بالدرجة الأولى.

بالإضافة إلى ذلك ذكرت في كتاب [الهاربون من جحيم الإلحاد] الكثير من البراهين المرتبطة بهذا النوع، أشير إلى بعضها هنا:

1 ـ برهان التواصل:

وأقصد به التواصل الدائم لله تعالى مع خلقه، والمتحقق كل حين، وهو من أعظم أنواع الأدلة التي لا يستفيد منها إلا المتواضعون الصادقون الذين تطهروا من الكبرياء، وراحوا يطلبون بصدق من الله أن يعرفهم عن نفسه، ويدلهم عليه.

وقد قلت على لسان الهارب من جحيم الإلحاد في تقرير هذا الدليل: وقد كان مظهر الهداية، وتواصل الله مع كائناته، هو دليلي الأول إلى الله.. فقد كنت أقول في نفسي: إن كان الله موجودا، فيستحل ألا يتواصل مع خلقه، بأي طريقة من طرق التواصل.. ولابد أن تكون له لغته الخاصة في تواصله بهم.. لأنه يستحيل أن يكون الإله من جنس مخلوقاته، ولذلك فإن تواصله معهم يستحيل أن يكون من جنس تواصل مخلوقاته بعضها ببعض.

وقد عرفت بعد ذلك، بعد أن من الله علي بالهداية التامة أن القرآن الكريم ذكر هذا الدليل على لسان موسى عليه السلام حين سأله فرعون، فقال: { فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى } [طه: 49]، فقال له موسى عليه السلام: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50]

فالله لم يكتف بخلق خلقه، ولا العناية بهم.. بل يتواصل معهم كل حين لهدايتهم ودلالتهم على مصالحهم في كل جزئية منها أو كلية.

ودل على هذا النوع من البراهين كذلك قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 68، 69]، فهاتان الآيتان الكريمتان تشيران إلى أن ما نراه من عجائب النحل ليس بسبب الغريزة كما يصور قومنا، وإنما هي هداية إلهية خاصة، لا نعرف سرها ولا كنهها ولا كيفيتها.. ولكنا نرى بكل دقة آثارها التي تدل عليها.

وقد كان أول ما دعاني إلى هذا النوع من التفكير أني كنت أشاهد في يوم من الأيام شريطا وثائقيا عن ثعبان الماء([28])، وكيف يقطع آلاف الأميال في المحيط، قاصدا الأعماق السحيقة جنوب برمودا حيث يلتقي ثعابين الماء من كل أنحاء العالم، وهناك تبيض وتموت، أما صغارها التي لا تملك وسيلة تتعرف بها على أي شيء، سوى أنها في مياه قفرة، فإنها تعود أدراجها، وتجد طريقها إلى الشاطئ الذي جاءت منه أمهاتها.. ومن ثم إلى كل نهر أو بركة صغيرة.. وقد ملأني هذا بالعجب، فكيف اهتدت تلك الصغار إلى محالها بدقة عالية، لو لم تكن هناك هداية خاصة، هي التي أرتها الطريق، وهي التي أوصلتها إليها.

وهكذا رأيت الجراد البالغ من العمر سبعة عشر عاما في ولاية نيوانكلاند. يغادر شقوقه تحت الأرض حيث عاش في ظلام مع تغير طفيف في درجة الحرارة، ويظهر بالملايين في 24 مايو من السنة السابعة عشرة تماما.. بحيث يضبط مواعيده للظهور في اليوم تقريبا بهداية يعجز عنها الإنسان لولا أنه يستعمل التقويم.

وهكذا رأيت في الإنسان من دلائل الهداية ما ملأني بالعجب.. فقد رأيت كيف تنمو الغدد التي تصنع اللبن أثناء الحمل، يدفعها إلى هذا النمو مواد يفرزها المبيضان، وفي نهاية الحمل وبدء الوضع، تتلقى هذه الغدد النخامية الموجودة في قاعدة الجمجمة أمرا بالبدء في صنع اللبن، وما يكاد الطفل يولد حتى يبحث عن ثدي أمه بهداية لا حد لها، وعملية الرضاعة عملية شاقة، إذ أنها تقتضي انقباضات متوالية في عضلات وجه الرضيع ولسانه وعنقه، وحركات متواصلة في فكه الأسفل، وتنفسا من أنفه، ويقوم الطفل بهذا كله بهداية تامة من أول رضعة لساعة فطامه.. وقد ذكر لي بعض المختصين في هذا أن الرجل نفسه لا يستطيع أن يقوم بعملية الرضاع كما يقوم بها الطفل الذي لا يتجاوز عمره ساعات.

هذه بعض النماذج التي كان التفكير فيها أول رحلتي إلى الله.. وهي ظاهرة أشمل مما ذكرت بكثير.. فهي تنتظم شؤون الكون كله من الإلكترونات في الذرة، إلى الذرة، إلى العناصر، إلى الأرض، إلى الشموس، إلى المجرات بكل حوادثها إلى كل خلية من خلايا الحيوان، إلى كل جهاز من أجهزته، إلى كل حيوان من وحيد الخلية، إلى النحلة، إلى الإنسان.. وهكذا.

وقد جعلني هذا أتساءل بيني وبين نفسي: هل يمكن أن تكون هناك هداية بلا هاد؟.. وهل يمكن أن تسير الطائرات والسيارات من غير أن يكون هناك قائد يقودها، أو دليل يدلها على الطريق؟

وقد جعلني هذا التفكير أنتقل إلى نوع آخر من البحث، لعله أكثر صلة بالدلالة على الله.. وهو في إمكانية تواصل الله مع عباده.. وهل أن الله وضع القوانين لعباده هكذا، ثم تركهم، أم أنه يقوم بنفسه بدلالتهم عليها كل حين، وأنه إذا ما احتاجوا إليه كان غوثهم وعونهم ومددهم.

طبعا لم أكن في ذلك الحين مؤمنا بإله، كما أني لم أكن كذلك من المكابرين الذين يجحدون الله ويستعملون كل الوسائل لجحوده.. بل كنت لا أدريا.. ولهذا كنت بحوثي وتأملاتي في هذا المجال هي للتأكد من الفرضيات التي وضعتها.. والتي رأيت أن الله بكرمه دلها عليها جميعا ابتداء من ظاهرة الهداية التي ذكرتها إلى ظاهرة التواصل المباشر مع عباده وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لأمنياتهم.

وقد رحت للتأكد من مدى تواصل الله مع عباده أذهب إلى المحال التي يكون فيها المؤمنون الصادقون المتواضعون وأسألهم عن تجاربهم الخاصة في هذا المجال، فكان كل واحد منهم يذكر لي تجربته الخاصة في إجابة الله لدعواته، أو إغاثة الله له في كرب من الكروب أو محنة من المحن..

ويذكرون لي كيف أنهم بمجرد التواصل مع الله بصدق وعبودية وتواضع كيف يعود الرخاء بعد الضراء، وكيف تزول الكروب، وكيف يقضى على الشدائد.

وقد ذكر لي بعضهم أن الله تعالى ذكر هذا، فقال: { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 40، 41]

وقال في موضع آخر: {وَإِذَا مَسَّ الْإنسان الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يونس: 12]

وقال في موضع آخر: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 63، 64]

2 ـ برهان النبوة:

وهو من أهم البراهين وأدقها وأكثرها وضوحا ودلالة، ذلك أن الله تعالى أعلن عن نفسه من خلال أنبيائه عليهم السلام، وعرفنا بحقائق الوجود، وعرفنا فوق ذلك بالمصير الذي ينتظرنا، وينتظر الحياة جميعا.

ولذلك كان الاهتمام بالنبوة والبحث فيها حلا لكل المعضلات التي توقف العقل البشري في فهمها أو التعرف عليها..

وقد ذكرت بعض تقريرات هذا البرهان في كتاب [الهاربون من جحيم الإلحاد]، أكتفي منه هنا بهذا المقطع الذي يتحدث فيه المؤمن الهارب من جحيم الإلحاد بقوله: اسمعوا حديثي عن برهان من براهين الهداية المبينة، أطلقت عليه اسم [برهان النبوة].. وهو برهان يدل على الله من كل الوجوه، وبكل المقدمات، وبجميع اللغات.. فالله برحمته لم يتواصل مع آحاد خلقه برعاية حاجاتهم وإجابة دعواتهم فحسب.. ولم يحفظ عليهم حياتهم بالقيم التي وفرها لهم فقط.. وإنما أضاف إلى ذلك إرسال وسائط الهداية لهم ليكونوا نماذج تيسر عليهم تحقيق الكمال، وليبلغوهم الحقائق التي لا يمكن أن يصلوا إليها بعقولهم المجردة.

وقد كان أول ما دفعني إلى هذا البرهان هو شعوري بأن الذي خلق هذا الكون ـ إن كان موجودا فعلا ـ فإنه لابد أن يتصل بخلقه بأي طريقة من الطرق ليعرفهم بنفسه أولا، ويعرفهم بحقيقتهم وغاية وجودهم ثانيا، وليعلمهم كذلك القيم التي عليهم أن يسلكوها لينسجم وجودهم مع الكون جميعا.

وقد التقيت حينها رجلا جمع بين الفلسفة والعلم راح يقول لي ـ بعد أن عرضت له ما خطر على بالي ـ: إن ما تقوله صحيح.. ومنطقي.. فيستحيل على من صمم هذا الكون بهذا الإبداع، وأبرز فيه لخلقه كل أنواع العناية والرعاية، أن يغفل عن هذه النقطة التي اهتدى إليها عقلك.. ذلك يستحيل.

ذلك أن الإنسان لايستطيع أن يصل الى حقائق الوجود الكبرى بجهوده الشخصية.. ولا يستطيع أن يصل إلى فهم أسرار بدء الحياة ونهايتها.. ولا حقائق الشر والخير.. ولا كيفية تنظيم أجهزة الحياة([29]).

ولهذا ترى قومنا، بل من قبلهم من الفلاسفة تاهوا بعقولهم، ولم يتمكنوا أن يصلوا بها إلى شيء.. لقد ذكر صديقنا [ألكسيس كريل] هذا، فقال: (إن مبادىء الثورة الفرنسية، وأفكار ماركس، ولينين، لاتنطبق إلا على الإنسان العقلي المثالى.. ومن الواجب أن نشعر بصراحة تامة بأن قوانين العلاقات الإنسانية لم تكشف بعد..أما الاجتماع والاقتصاد وما أشبههما، فهي علوم افتراضية محضة، بدون أدلة يمكن اثباتها بها)

ومثله قال الأستاذ [ج. و. ن. سوليفان]: (إن الكون الذي كشفه العلم الحديث هو أكثر غموضا وابهاما من التاريخ الفكري بأكمله، ولاشك في أن علمنا عن الطبيعة أكثر غزارة من أي عصر مضى، ولكن هذه المعلومات كلها غير مقنعة، فنحن نواجه اليوم الابهام والمتناقضات في كل ناحية)

إن هذا الجهل المطبق للإنسان بمثل هذه الحقائق الضرورية يستدعي البحث عن مصدر آخر نتعرف من خلاله على هذه الحقائق.

ثم التفت إلي، وقال: إن هذه الحالة وحدها تكفي لنتبين حاجتنا الشديدة الى التواصل مع مبدع هذا العالم، ذلك أن سر الحياة يدل على أنه لابد أن تأتي المعرفة من الخارج تماما مثلما يأتينا الضوء والحرارة اللذين تتوقف عليهما حياة الإنسان.

قلت: فلم لا يكون هذا التواصل عبر كل شخص على حدة، ولا يحتاج إلى خواص الناس، ليتم التواصل عبر واسطتهم؟

نظر إلى الشمس، وقال: إن طرحك هذا يشبه من يطلب أن يكون لكل إنسان شمسه الخاصة به.. والتي ينير بها الكون متى شاء.. ويجعله مظلما متى شاء.

قلت: ما تعني؟

قال: كما أن الشمس واسطة النور والدفء.. وأشياء كثيرة مما تنعم به أجساد الناس وحياتهم.. فإن وسائط الهداية الإلهية هم شموس الأرواح وهداتها.

قلت: هلا وضحت لي أكثر.

قال([30]): الحدس الشخصي لا يُستفاد منه إلا لتثبيت الإيمان واليقين بعد اقتناع العقل وانكشاف الحقائق، لكنه لا يصلح أن يكون مصدرا يتفق عليه الناس لأنه خاص بكل منهم على حدة، ولا يمكن طبعا أن يُعتمد مصدرا للتشريع والقوانين، فلا يمكن لبقية الناس أن يتحققوا من زعم أحد بأنه تلقى قانوناً إلهياً بحدسه الخاص.

قلت: فلماذا لا تكون حلقة الوصل هذه من كائنات أخرى غير البشر؟

قال: لقد ذكرني سؤالك هذا بآية وردت في القرآن.. كتاب المسلمين المقدس.. ففيه هذه الآية التي تجيبك بكل لفظة فيها: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأرض مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} [الإسراء: 95]

قلت: لم أفهم المراد منها، فهلا وضحته لي.

قال: هي تريد أن تقول لنا بأن الله يبعث للناس رسلا من جنسهم لكي يتمكنوا من رؤيته ومخالطته والتواصل معه والتعلم من سلوكه وأفعاله وأقواله، وليضعوه أيضا موضع الاختبار والتمحيص.. ولو أن الله منح الناس القدرة على رؤية الملاك المُرسَل في حال إرساله بدلا من رسول بشري، فربما كان الجاحدون سيطرحون اعتراضا آخر من قبيل: وما الذي يضمن لنا أن هذا الملاك مرسل من الله أيضا وليس مجرد كائن فضائي أو شيطان متجسد؟

قلت: إن هذا يقتضي بحثا مستحيلا في هذا الزخم الكبير من الأديان.. فمن أدرانا من هو الصادق من المدعي.

قال: وهنا تكمن مسؤولية الإنسان في البحث عن الوحي الصحيح، والتحقق من صدق نسبته إلى الله وسلامته من التبديل والتحريف، وذلك بالتحقق أولا من صدق الأشخاص الذين زعموا أنهم أنبياء مرسلون من الله، بدراسة سيرتهم ومعجزاتهم وما نُقل عنهم من أقوال وأفعال، ثم بالتحقق من صدق الوحي الذي جاؤوا به، وذلك بعرضه على العقل ودلائل الحس.. وغيرها من أنواع التمحيص والتدقيق.


([1]) مُلحدون محدثون معاصرون، د. رمسيس عوض، ص 58.

([2]) معرفة الله، ج‏1، ص: 148.

([3]) استفدنا بعض التقريرات هنا من [موقف العلم والعقل من رب العالمين]، مصطفى صبري.

([4]) أي المقدمة القائلة بوجود أي حادث في الدنيا..

([5]) القدم: أو الوصف بالقديم تعني عند الفلاسفة والمتكلمين ما ليس له أوّل البتّة. فكلّ موجود لم يسبقه عدم البتّة، أو كلّ موجود خلا بتاتا من حال لم يكن موجودا ثمّ كان، سمّوه قديما. وكلّ موجود كان له أوّل أو سُبِقَ بعدم، فمهما امتدّ في الماضي ولو كانت مدّته آلاف آلاف السّنين، فهو ليس بقديم، بل إنّه حادث.

([6])  منها قولهم: لنفترض أن للعالم بداية.. وبما أن كل بداية تفترض زماناً خالياً سبقها، فمعنى هذا أننا نفترض زماناً سابقاً على وجود العالم كان خالياً منه.. لكن لا يمكن ظهور شئ من زمان خالٍ، لأن الزمان الخالي لا يمتلك شرطاً يميز وجود أو عدم وجود العالم.. أي ليس به مرجح للوجود على العدم.. وهكذا بالنسبة لمحدودية المكان، فإن القول بذلك يعني أن هذا العالم يقع في مكان خالٍ، وهذا مستحيل، إذ ينطوي على القول بأن للعالم صلة بمكان خالٍ، أي باللاشئ.. فلا يبقى إلا القول بأن العالم لامتناه من حيث الامتدادين الزماني والمكاني..

ومنها قولهم: لو فرضنا أن العالم الّذي هو صنع الله لم يكن قديما.. أي أنه كان في فترة من الفترات غير موجود.. فإن هذا لا يخلو من وجوه.. فإمّا أنّ الله كان عاجزا ثمّ صار قادرا، وحين صار قادرا قام بصنعه، وهذا محال.. وإمّا أن يكون قد افتقر لآلة من الآلات، ثمّ وجدت، وهذا أيضا محال، لأنّه من ضروريات كون الإله إلها قدرته المطلقة، وكون كل ما سواه محتاجا له، والآلات مفعولة له، فكيف تكون شرطا في الخلق؟.. وإمّا أنّ الله لم يكن مريدا لوجود الكون، ولذلك بقي معلّقا في العدم حتى أراده.. وهذا أيضا محال، لأنّه يجعل الذّات الإلهيّة محلاّ للحدوث والتغيّر.. ولأنّه ولو افترضنا جواز كونه محلاّ لتجدّد هذه الإرادة، فإنّ هذه الإرادة نفسها المتجدّدة الّتي كانت سببا لإيجاد العالم الحادث، هي نفسها محتاجة لإرادة أخرى متجدّدة لتوجدها لكونها هي نفسها حادثة.. فيتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية، وهذا محال.

([7]) اقتبسنا بعض المادة العلمية هنا من مقال بعنوان: شرح اعتراضات الغزالي على دليل الفلاسفة الأوّل في إثباتهم لقدم العالم، لطفي خيرالله..

([8])  وننبه إلى الذين يشكلون على البرهان المرتبط بنفيه إلى أنه نُظم في الأصل لإبطال حوادث لا أول لها، كما ذكرنا في تعريفه، وليس لإبطال ما لا آخر له، و الفرق بينهما أنّ وجود حوادث لا آخر لها جائز عقلًا، لأن سبب وجود هذه السلسلة من الحوادث خارج عن ذاتها، و هذا ما لا يمكن أن تقوله في سلسلة الحوادث التي لا أول لها دون أن تقع في تناقض يرفضه العقل السليم.

([9]) انظر: مقالا بعنوان [الملحد وسؤاله الخاطئ من خلق الله؟]، وانظر:الفيزياء ووجود الخالق د. جعفر شيخ إدريس.. صراع مع الملاحدة حتى العظم الشيخ عبدالرحمن الميداني.. كواشف زيوف الشيخ عبدالرحمن الميداني.

([10]) انظر: مصدر الوجود بين العلم والفلسفة، الشيخ جعفر السبحاني.

([11])  انظر مقالا بعنوان : [دليل الفطرة] موجود في مواقع مختلفة من بينها بعض المقررات العلمية في مادة العقيدة الإسلامية، وكلها من دون مؤلف.

([12]) قصة الحضارة: 1 / 99..

([13]) قصة الحضارة: 1 / 99..

([14]) كتاب جامعه شناسي : 192.

([15])  المرجع السابق.

([16])  انظر: أصول الفلسفة والمنهج الواقعيّ، ج2، ص 648، وقد عرضت للتفاصيل الكثيرة المرتبطة به وبتقريراته في كتاب[الهاربون من جحيم الإلحاد]، واقتصرت هنا باختصار على تقرير الملا صدرا له.

([17]) انظر مقالا بعنوان: البرهان الأنطولوجي عند أنسيلم، عبد العالي العبدوني.

([18]) نماذج من الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط: أوغسطين – أنسيلم – توما الأكويني، حسن حنفي ، ص 137.

([19]) إميل برهييه في تاريخ الفلسفة (3/51)

([20]) المطالب والمذاهب، (ص: 68).

([21]) هذا الاستدلال في إثبات وجود الله للفيلسوف بوسسوئه، وهو يشبه ما يطرحه ديكارت..

([22]) الفلسفة الحديثة من ديكارت إلى هيوم، ص 97. وانظر:دراسات في الفلسفة الحديثة والمعاصرة، د/ يحي هويدي، ص 46.. بتصرف.

([23]) انظر: الفصل لابن حزم 1/83-84.

([24]) انظر: التصميم في الطبيعة: هارون يحيى، ترجمة:أورخان محمد علي.

([25]) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: محمد راتب النابلسي.

([26]) أقصد محمد أبو القاسم حاج حمد (1941-2004م)

([27])  انظر: الفيزياء ووجود الخالق: مناقشة عقلانية إسلامية لبعض الفيزيائيين والفلاسفة الغربيين، أبو القاسم حاج حمد.

([28]) انظر: الله جل جلاله: سعيد حوى.

([29]) الاسلام يتحدى: وحيد الدين خان.

([30]) انظر: مقالا بعنوان [نبوة محمد]، أحمد دعدوش وربى الحسني..

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *