الإلحاد.. والمغالطات العقلية

الإلحاد.. والمغالطات العقلية

لا يعتمد الملاحدة في كتبهم ومناظراتهم التفكير المنطقي السليم، المبني على المقدمات الحقيقية، والموصل للنتائج الصحيحة، وإنما يعتمدون طرقا ملتوية كثيرة مبنية على المغالطات بمختلف أنواعها، فهم سفسطائية بامتياز.. لا يختلفون عن سلفهم من السفسطائية في شيء، حتى أن منهم من ينكر وجود الكون، ومنهم من ينكر المدارك الحسية، ومنهم من ينكر القوانين العقلية المعروفة بالبداهة كقانون العلية والدور والتسلسل وغيرها.

ولذلك كان على الداعية المواجه للإلحاد أن يتعرف على أنواع تلك المغالطات، والتلبيسات التي يمارسونها من خلالها، حتى لا تنطلي عليه أولا، وليكشف تلاعبهم وحيلهم وخدعهم ثانيا.

والسر في كل تلك المغالطات هو اعتمادهم على ما يطلق عليه [التفكير الرغبوي]،] أو [التفكير بالتمني]، وهو تفكير غير متناسب تماما مع العقل السليم.. ذلك أنه يبحث في حقائق الأشياء كما هي عليه، لا كما يحب أن تكون.. وهو غير متناسب مع العلم أيضا، لأن العلم يقتضي موافقة الواقع موافقة تامة، وما عداه يعتبر جهلا أو خيالا أو ظنا كاذبا، ولا علاقة له بالعلم([1]).

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع من التفكير، فقال: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } [النساء: 123]، فالآية الكريمة اعتبرت كل ميزان وضعه البشر من غير العمل مجرد أمان وأوهام وتوقعات لا علاقة لها بالواقع.

وضرب القرآن الكريم لذلك مثالا بدعوى بني إسرائيل أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة، فرد الله عليهم بقوله: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [البقرة: 80]

وبناء على ذلك كان التفكير الرغبوي أغلوطة من الأغلوطات التي يخادع بها الإنسان نفسه، ليصور الواقع بالصورة التي يريد، لا بالصورة التي هو عليها، ولهذا أطلق عليه الكاتب البريطاني كريستوفر بوكر مصطلح [دائرة الخيال]، والتي تبدأ عادة ـ كما وصفها ـ (بانخراط الفرد في حلم يعيش فيه ويعتقد في صحته، ثم لا يلبث أن يفيق بعد أن يدرك أن الواقع يعمل ضد أمنياته، فيدخل في قنوط، وهنا يسعى إلى بذل جهد بغية أن يطوع الواقع لحلمه، دون جدوى، فيدخل كابوساً مخيفاً، وتتبخر أمنياته)([2])

وما ذكره كريستوفر ينطبق تماما على مواقف الملاحدة الجدد من الحقائق العلمية الثابتة، والتي تبرهن على ضرورة وجود الله، وقد عبر عالم الفيزياء والفلك ورأس علماء وكالة (ناسا) (روبرت جسترو) في كتابه [الله والفلكيون] عن هذا النوع من التفكير عند حديثه عن الأدلة العلمية المثبتة لنشأة الكون، فقال: (اللاهوتيون عامة مبتهجون ببرهان نشأة الكون، في حين أنّ الفلكيين غاضبون بصورة غريبة. لقد آل الأمر إلى أنّ العلماء يتصرّفون على الطريقة التي نتصرّف بها نحن لما تكون اعتقاداتنا مخالفة لما دلّ عليه الدليل)([3])

وقال: (تنتهي القصّة بالنسبة للعالِم الذي عاش بإيمانه بقوّة العقل، كمنامٍ سيء. لقد تسلّق جبال الجهل، ويكاد يقهر أعلى قمّة، وبينما هو يرفع نفسه إلى الصخرة الأخيرة، يُفاجأ بتهنئة من جَمْع من اللاهوتيين الجالسين هناك منذ قرون)([4])

ومثله عالم الفلك والرياضيات (أرثر إدنجتن) الذي عبر عن امتعاضه الشديد من الأدلة على حدوث الكون، فقال: (إنّ أصل الكون هو فسلفيًا أمر بغيض)([5])

ومثلهما كان موقف مكتشف إشعاع الخلفية الكونية الميكروي المثبت لنشأة الكون (روبرت ويلسن) الذي كان من أنصار قد العالم أو الحالة الثابتة، لكنه بسبب اكتشافه ذلك قال: (لقد أحببت فلسفيًا نظرية الحال الثابتة، وعليّ بوضوح أن أتراجع عن ذلك)([6])

أما الصحفي الأمريكي (جورج ول) فقد قال معبرا بسخرية عن موقف الملاحدة من الأدلة على نشأة الكون من العدم: (يبدو أن الملاحدة سيعترضون على وكالة (ناسا) باعتبارها تقدمّ دعمًا علميًا للمتديّنين من خلال ما يثبته (مرصد هابل الفضائي) من حقائق)([7])

وهكذا نرى الملاحدة يتبنون نظرية التطور مع عدم ثبوتها علميا لكونها وسيلتهم الوحيدة للهرب من الإيمان، وقد عبر [سير آرثر كيث] عن ذلك بقوله: (إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علمياً ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر، وهذا ما لا يمكن حتى التفكير فيه)

ومثله قال [سير جيمس جينز] في كتابه الشهير [عالم الأسرار]: (إن في عقولنا الجديدة تعصباً يرجح التفسير المادي للحقائق)

وذكر [ويتكر شامبرز] في كتابه [الشهادة] حادثاً كان من الممكن أن يصبح نقطة تحول في حياته، حيث ذكر أنه بينما كان ينظر إلى ابنته الصغيرة استلفتت أذناها نظره، فأخذ يفكر في أنه من المستحيل أن يوجد شيء معقد ودقيق كهذه الأُذُن بمحض اتفاق، بل لا بد أنه وجد نتيجة إرادة مدبرة… ثم ذكر أنه طرد هذه الوسوسة عن قلبه حتى لا يضطر أن يؤمن ـ منطقياً ـ بالذات التي أرادت فدبرت، لأن ذهنه لم يكن على استعداد لتقبل هذه الفكرة الأخيرة.

وقد علق الأستاذ الدكتور [تامس ديور باركس] على هذه الحادثة بقوله: (إنني أعرف عدداً كبيراً من أساتذتي في الجامعة ومن رفقائي العلماء الذين تعرضوا مراراً لمثل هذه المشاعر، وهم يقومون بعمليات كيميائية وطبيعية في المعامل)([8])

بناء على هذا نحاول في هذا الفصل التعرف على أهم الأغلوطات التي يستعملها الملاحدة في الجانب الفكري والفلسفي ([9])، وسنقتصر هنا على أربع مغالطات كبرى يستعملونها كثيرا، بل يعتمدون عليها اعتمادا كليا، وهم يكيلون فيها بالمكاييل المزدوجة، حيث يستعملونها متى شاءوا، ويتركونها متى شاءوا من دون اعتماد أي ضوابط تقيد ذلك، وتبين مصداقيته، وهي بهذا الترتيب:

الأول: نفي العلية، واعتقاد عدم إمكانيتها تفسير ما يحصل من ظواهر، وذلك لكونها من الأسس الكبرى التي تقوم عليها براهين الإيمان.

الثاني: الإيمان بالعلية، مع إسناد الخلق للطبيعة وقوانينها المختلفة.

الثالث: الإيمان بالعلية، مع إسناد الخلق للصدفة والعشوائية ووضع الاحتمالات المرتبطة بذلك.

الرابع: الإيمان بالعلية، وإسناد الخلق للأسباب التي يكشف عنها العلم في كل حين.

أولا ـ إنكار مبدأ العلة والسببية:

يعتبر مبدأ السببية ([10]) من المبادئ الكبرى التي اتفقت عليه جميع العقول، بل اعتبر من (إحدى بدائه الفكر الأساسية)، ذلك أنه (لا يحدث شيء بلا علة، أو على الأقل بلا سبب محدد)([11])

بل إن الفطرة تقتضيه، فالطفل الصغير إن تعرض لتأثير مؤثر ما؛ تراه يطلب ذلك المؤثر ويبحث عنه، فيلتفت ليبحث عمن ضربه خلسة، لكونه مما ارتكز في فطرته، وفي مبادئ عملياته العقلية الأولى أن لكل فعل فاعلا، ولكل مصنوع صانعا.. بل إنه إن لم يجد ذلك المؤثر يرتبك، بل لعله يخاف ويهلع، وسبب ذلك الخوف ليس الجن أو الشياطين.. فالطفل لا يدرك وجود تلك القوى غير المنظورة أصلا في تلك المرحلة المبكرة من حياته، ولكن سبب ذلك هو الاضطراب النفسي الذي يصيبه نتيجة اختلال المبادئ التي يفهم بها الوجود.

ولهذا كان البحث في العلل قديما قدم الفكر نفسه، فمنذ العصور الفلسفية لليونان اهتم أرسطو بدرس العلل، وقسمها إلى علل أربع: المادية، والصورية (الهيولى)، والفاعلية، والغائية([12]).. وقد أثبت بالأدلة العقلية أن الله هو العلة الأولى، وليس معلولا لشيء آخر.

لكن الملاحدة راحوا يتعنتون في قبول هذا المبدأ، ويتلاعبون به مع كونهم يستعملونه، حتى لا يعطوا الفرصة للمؤمنين في استعماله لإثبات وجود الله.

ولعل أهم من تولى كبر ذلك، وعنه نقله سائر الملاحدة [ديفيد هيوم([13])] الذي تميز عن غيره من الفلاسفة بسلوكه خطاً فلسفيا جديداً خطيرا.. فلا هو تبع المثالية المشغولة بالتأمل العقلي.. ولا هو ناصر المذهب التجريبي.. بل ذهب إلى أن مصدر المعرفة للإنسان لا يكون بالعقل، كما أنه لا يكون بالحواس.. وإنما يكون بالعادة والتكرار..

ولذلك أنكر وجود ما يسمى بالعقل البشري، وقال: إن العقل ليس سوى ذاكرة نحفظ بها تجاربنا وتجارب الآخرين.. وبهذا أبطل العلية، وفتح الباب على مصراعيه لهدم المنهج الإستقرائي، ومنه لهدم المنهج التجريبي.. وبذلك أحدث من الفضائح الفلسفية ما هو وبال على البشرية جميعا.

وقد عبر بعضهم عن فعلته تلك، فقال: (هيوم أول فيلسوف أوروبي نقل فكرة العلة من معانيها الأرسطية إلى معنى التتابع المجرد بين السبب والمسبب، أي التتابع الذي لا يعني شيئا أكثر من أن السبب سابق لمسببه فيما دلت عليه العادة (التجربة). وقد كان يمكن عقلا أن يجيء الترتيب على صورة أخرى، لكنه جاء هكذا)([14])

وقد استفاد من مقولته تلك عمانويل كانط ([15])، الذي أعطى الملاحدة المبرر العقلي لنفي وجود الله، باعتبار أنه لا يمكن التدليل عليه بالدليل العقلي.. بل راح ـ تحت تأثير تلك المقولة ـ يزعم أنه يستحيل إثبات وجود الله بالعقل، كما أنه يستحيل إثبات عدمه.. ثم ترك القضية بعد ذلك للضمير، ولمصادرات العقل العملي.

مع أنه كان قبل احتكاكه به وبأفكاره لا يقول بذلك، بل كان يقرر العلية في كتبه، لكنه بعد اطلاعه على مقالته تحول إلى كانط المؤمن الوحيد الذي يحبه الملاحدة، ويستدلون بمقالاته لضرب الدين.. لقد قال في ذلك: (إن هيوم أيقظني من سباتي الاعتقادي، وكان ذلك برأيه في مبدأ العلية بنوع خاص، إذ كان قد قال: إن مبدأ العلية ليس قضية تحليلية، أي: إن المعلول ليس متضمنًا في العلة أو مرتبطًا بها ارتباطًا ضروريًّا، وإن الضرورة التي تبين له ما هي إلا وليدة عادة تتكون بتكرار التجربة)([16])

وقال في محل آخر: (عندما لا نقتصر، في استعمالنا للمبادئ الفاهمية، على تطبيق عقلنا على موضوعات التجربة، بل نغامر بمد العقل إلى ما وراء حدود هذه التجربة ؛ ستتولد قضايا مماحكة لا أمل بمصادقة التجربة، ولا خوف عليها من مناقضتها، وكل واحد منها سوف لن تخلو من التناقض وحسب، بل ستجد أيضا في طبيعة العقل الشروط التي تجعلها ضرورية، لكن للأسف، سيستند لزعم النقيض هو الآخر إلى حجج تتمتع بنفس المصداقية ونفس الضرورة)([17])

وقد جعلته هذه المغالطات يعطي الحجج والذرائع للاأدريين، الذين لا يختلفون كثيرا عن الملاحدة، وقد قال معبرا عن ذلك: (ويمكن أن نتصور بسهولة أن ساحة القتال هذه قد خيضت مرارا حتى الآن، وأن عددا كبيرا من الانتصارات قد أحرز من جهة وأخرى، أما بالنسبة إلى الانتصار الأخير الذي سيحسم المسألة ؛ فقد اتخذت الاحتياطات لكي يبقى دائما فارس الحق وحده سيد الميدان بمنع خصمه من حمل السلاح من جديد، وليس علينا كحكم حيادي في المعركة أن نهتم بمعرفة هل يتصارع المتحاربون من أجل قضية محقة، أم من أجل قضية باطلة، ويجب علينا أولا أن ندعهم يحسمون المسألة. فقد يعترفون بعد أن يتعب الواحد منهم أكثر مما يؤذي الآخر ببطلان تنازعهم ویفترقون کأصحاب)([18])

وهكذا استفاد [برتراند راسل([19])] من طروحات هيوم على الرغم من تناقضها الشديد مع العقل والمنهج العلمي، لكنه قبلها، ودافع عنها لكونها من السبل التي يمكنه أن يستعملها في مواجهة الطروحات الإيمانية؛ فقد قال ـ عند نقده للاستناد إلى الخبرات الحسية في التفسير ـ: (أنقتصر على خبراتنا الحسية وما تأتي به؟، فإذا لم يكن بين هذه الخبرات خبرة مباشرة بما يسمى (قوة) فلا داعي لافتراضها عند تفسير الطبيعة وظواهرها، إنها أحداث تتلاحق وتترابط مجموعات بمجموعات، فإذا اطرد حدوث مجموعة منها كان ذلك واحدا من قوانين الطبيعة، فالأمر كله حوادث وارتباطها بالتجاور، ولا شيء غير ذلك في علمنا ؛ إلا ما نتبرع به ظنا ووهما.. فإذا اعترض علينا معترض بأن (القوة) الرابطة بين السبب ونتيجته هي مما يرد في خبراتنا ؛ أجبناه بأنه يخلط بين ما (يخبره) وبين ما (يستدله).. إنه قد يرى الريح تقتلع الشجرة، فيظن أنه قد رأى بعينه (القوة) التي فعلت بها الريح ما فعلت، لكنه أحس الريح، وأحس الشجرة تقتلع، ثم (استدل) من عنده (قوة) ؛ لأنه يميل بفطرته أن يسأل (لماذا)، على حين أن النظرة العلمية تسأل (كيف)، ولا تزيد على ذلك ؛ إننا لا نلاحظ إلا أحدثا في تتابعها المطرد، من اطراد التتابع تتألف القوانين الطبيعية، أما (لماذا) كانت هذه القوانين على نحو ما كانت ؛ فشيء لا يأتي بين ما يأتينا عن طريق الخبرة الحسية.. ولو حاولنا تعليل القوانين بقولنا (لماذا) لاحتاج التعليل إلى تعليل، وهذا إلى ثالث، وهلم جرا، ونكون عندئذ كالهندي الذي سأل (لماذا) لا تسقط الأرض في الفضاء؟.. وأجاب نفسه بقوله: لأنها تستند إلى فيل، ثم سأل مرة أخرى: ولماذا لا يسقط الفيل في الفضاء؟.. وأجاب نفسه بقوله: لأنه بدوره يستند إلى سلحفاة، لكنه سأل نفسه: ولماذا لا تسقط السلحفاة في الفضاء؟.. فأخذته الربكة، وقال: إنه ملَّ البحث الميتافيزيقي، ولا يريد المضي فيه)([20])

وهذا المنهج في التفكير الذي يعتمده الملاحدة، دليل على مدى غلبة التفكير الرغبوي عليهم، ذلك أن مبدأ العلية من مبادئ الذهن الأولى، بل هي من القضايا التي يتوقف عليها عقل كل إنسان، ويحكم بها، قبل الحكم بسائر القضايا، ويجعل لها قيمة، وأهمية تجعلانها فوق كل مناقشة.. فتلك القضايا للتفكر، كالعضلات للمشي، على تشبيه الفيلسوف [له بينج]

ذلك أن كل إنسان يستخدمها ـ حتى ديفيد هيوم نفسه ـ ربما البعض لا يعرفها في حالته الابتدائية، أي يستخدمها من حيث لا يشعر، وهي آخِرُ تأمين على ما يعرف الإنسان، وما يريد أن يعرفه من الحقائق؛ ولولاها، لما تقررت أي حقيقة في الأذهان.

لقد قال أرسطو معبرا عن ذلك: (للمبادئ الأولى خصلتان؛ الأولى: عدم احتياجها إلى الإثبات بالدليل.. والثانية: كونها معلومة بيقين، أعلى من جميع النتائج، التي يمكن أن تُستنتج منها؛ لأن الاستنتاج مجرى اليقين، والمبادئ معادنه).. وقال: (لو احتاج كل معرفة إلى البرهنة، لاستحال العلم).. أي، للزم التسلسل في البراهين.

فجميع العلوم مدينة لمبدإ العلية؛ لأن العلم معرفة الشيء بسببه؛ وبعبارة أخرى بدليله؛ فلولا مبدأ العلية في الإنسان، لما انبعثت نفسه إلى تحري الأسباب، والعلل، وارتفعت العلوم([21]).

وقد قال الغزالي معبرا عن هذا المعنى: (من بدائة االعقول أن الحادث لا يستغني في حدوثه عن سبب يحدثه، والعالم حادث فإذا لا يستغني في حدوثه عن سبب)([22]).

ويوضح الفخر الرازي هذه الحقيقة بقوله: (إن حدوث دار منقوشة بالنقوش العجيبة، مبنية على التركيبات اللطيفة الموافقة للحكم والمصلحـة يستحيل إلا عند وجود نقاش عالم، وبان حكيم، ومعلوم أن آثار الحكمة في العالم العلوي والسفلي أكثر من آثار الحكمة في تلك الدار المختصرة، فلما شهدت الفطرة الأصيلة بافتقار النقش إلى النقاش والبناء إلى الباني، فبأن تشهد بافتقار كل هذا العالم إلى الفاعل المختار الحكيم كان أولى)([23])

وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى:{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرض بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36)} [الطور: 35، 36]؛ فالآيتان الكريمتان تضعان الإنسان أمام ثلاثة احتمالات تتمثل في:

أ. أنهم خلقوا من غير خالق وهذا ممتنع عقلاً.

ب. أنهـم خلقـوا أنفسهـم وغيرهـم.. وهذا أشد امتناعاً في العقل، لأن المخلوق لا يخلق نفسه ولا غيره.

ج. أن لهم خالقاً خلقهم، وهذا ما يسلم به العقل، وهو الحق.

وبناء على هذا، فإن نقد السببية وعدم الاعتراف بها نقد لكل علوم الدنيا وأصول القواعد وكليات البديهيات، ومن العجيب أن المُلحد يُعمِل السببية في مخبره، ويُسِّلم بوجودها، ويُسلِّم بيقينية مُعطياتها، ويُسلم بنتائج تجاربه المرتبطة بها.. بل يُعمل السببية في كل كبيرة وصغيرة من حياته الشخصية وفي بحثه وحاله ومآله، ثم يوقف السببية في أصل كل هذه الأمور، ويفترض العدم مصدراً وحيداً للوجود، ويُصِر على ذلك، وهذا هو الكبرياء بعينه.

ومما قد يستدل به الملاحدة الجدد على نفي السببية ما يطلق عليه [حُجة التذبذب الكمومي]، أو [مبدأ عدم اليقين عند هايزنبرج]

وقد رد على هذا المبدأ الملاحدة أنفسهم، فقد قال [ستيفن هاوكنج] في كتابه [التصميم العظيم]: (في حال مبدأ عدم اليقين لهايزنبرج يجب أن نعلم أنه يستحيل أن يوجد مكان يخلو من الطاقة ونقل الطاقة، ولابد أن يحتوي على أقل قدر من الطاقة في هذا الفراغ، ويحدث أن تظهر وتختفي لحظياً جسيمات، لكن هذا الظهور والإختفاء محكوم بعالم الكوانتم المادي ـ له قوانين وأُسس وأُطر ضابطه ـ أي أننا لسنا في العدم بل في عالم مادي.. ولو صح أن هذه الجسيمات تحتوي على طاقة لانهائية لكان المفترض بمجرد ظهور الكون وظهور هذه الجسيمات لانهائية العدد والطاقة فإنها تؤدي إلى انكماش الكون على نفسه فورا وانتهائه وهذا بداهة ما لم يحدث)([24])

ثانيا ـ إسناد الخلق للطبيعة وقوانيها:

وهو من أهم الأطروحات الإلحادية وأكثرها انتشارا، حيث يعتبر الملاحدة أن علة وجود العالم هي قوانين الكون نفسها.. أو هي الطبيعة.. ويرون أن ما في الكون من الأنظمة وقوانين يجعله مستغنيا عن خالق يدبر أموره.. فقوانينَ الكون هي التي تحكُمُ الكون.

وقد ظهر هذه المغالطة قديما عند بعض الفلاسفة الطبائعيين، والذين ذكروا أن عناصر العالم الأربعة (الماء والهواء والتراب والنار) هي أصل الوجود، وأنها قديمة، وأن كل شيء يتكون من اتحادها أو افتراقها([25]).

وبقيت هذه المغالطة مستعملة إلى العصر الحديث، وفي كل فترة تلبس لباسا جديدا، أو تظهر بصورة جديدة:

فمن صورها تلك الصورة التي ظهرت بها في القرن الثامن عشر فيما يعرف بمدرسة الفلسفة الطبيعية، التي انتهت إلى المادية الضرورية المحضة متمثلة في المدرسة الماركسية، والتي تقوم على فكرة أن المادة قديمة، ولها قوانينها، وتلك القوانين هي التي أوجدت كل الموجودات، وقوانين المادة تلك هي البديل على الاختراع الإلهي، فالمادة هي الله، وقوانينها هي الإرادة الإلهية.

وقد قال ماركس معبرا عن ذلك: (إن العزة الإلهية والهدف الإلهي هي الكلمة الكبيرة المستعملة اليوم لتشرح حركة التاريخ، والواقع أن هذه الكلمة لا تشرح شيئا)([26])

وقال كيلي وكوفالزون: (إن العلم إذ يكشف عن الصلات الطبيعية بين ظواهر الطبيعة؛ يطْرُد في تصوره الإله من الطبيعة، ويدحض خطأ المثالية، ويؤيد صحة النظرة المادية للعالم، والعلم يتفق مع المادية في بحثه عن الحقيقة في الحياة ذاتها، وفي الطبيعة، وهذا ما يدل على أن العلم الحقيقي هو ذو طابع مادي. إن العلم مادي بطبيعته وبجوهره، والمثالية غريبة عنه وعدوة له)([27])

وهكذا ذهب دولباك (1723ـ1789) إلى أن (المادة متحركة بذاتها، وأن كل شيء يفسر بالمادة والحركة، وأنهما أزليتان أبديتان، خاضعتان لقوانين ضرورية هي خصائصهما. فليس العالم متروكًا للصدفة، ولا مدبرًا بإله، وكل الأدلة على وجود الله منقوضة، ولا غائية في الطبيعة. ليست العين مصنوعة للرؤية، ولا القدم للمشي، ولكن المشي والرؤية نتيجتان لاجتماع أجزاء المادة. ولا نفس في الإنسان، ولكن الفكر وظيفة الدماغ، والفرق بين العقول نتيجة الفرق بين الأدمغة)([28])

وهكذا (وجدت الطبيعة ليس فقط قبل الناس، وإنما عموما قبل الكائنات الحية، وبالتالي مستقلة عن الإدراك، وهي أولية.. أما الإدراك فلم يستطع التواجد قبل الطبيعة، فهو ثانوي)([29])

بل إننا نجد من راح يطرح دين الطبيعة بديلا للأديان السماوية، مثلما فعل [بول هينري ثيري] المعروف بـ [بارون دي هولباخ]([30]) في بداية عصر النهضة الأوروبية في كتابه [فضح أسرار المسيحية ومنهج الطبيعة]، وهو الكتاب الذي دعا فيه إلى عبادة الطبيعة بدل الله.

وقد عبر مؤرخ الحضارة الكبير [ويليام جيمس ديورَانت] عن رؤيته وعمله في ذلك، فقال: (بعد أن انتهى دي هولباخ من بيان برنامجه على هذه النحو تقدم في ترتيب ونظام ليفند كل الكائنات والاعتبارات والأفكار الخارقة للطبيعة. ويحبذ الطبيعة بكل ما فيها من جمال وقسوة وتقييد وإمكانات، وليختزل كل الحقيقة والواقع إلى مادة وحركة، ويبني على هذا الأساس المادي منهجاً للفضيلة والأخلاق يأمل أن يكون في مقدوره أن يحول المتوحشين إلى مواطنين، ويشكل الخلق الفردي والنظام الاجتماعي ويضفي سعادة معقولة على حياة مقرر لها الموت المحتوم. إنه يبدأ ويختتم بالطبيعة، ولكنه ينكر أية محاولات لتشخيصها أو تجسيدها، إنه يحددها ويعرفها بأنها الكل الأعظم الذي ينتج من اجتماع المادة في مجموعاتها المختلفة. وهذا هو الاسم المحبب لدى دي هولباخ للكون، فهو يعرف المادة في حرص وحذر بأنها بصفة عامة، كل ما يؤثر على حواسنا بأي شكل كان)([31])

ثم اقتبس من كتابه قوله: (كل شيء في الكون في حركة دائبة.. وجوهر المادة هو أن تعمل، وإذا تأملناها في يقظة تامة لاكتشفنا أنه ليس ثمة جزء صغير فيها ينعم بسكون مطلق، وكل ما يبدو لنا أنه ساكن لا يبقى ولو للحظة واحدة على نفس الحالة، وكل الكائنات تتناسل وتتكاثر وتتناقص وتتفرق باستمرار.. إن أشد الصخور صلابة تتصدع بدرجات متفاوتة أمام لمسات الهواء.. إن هذا الكل لا يقدم لمجال تأملنا وتفكيرنا إلا مجرد تعاقب ضخم متصل غير متقطع لأسباب ونتائج.. وكلما ازدادت معرفتنا وجدنا أبلغ دليل على أن الكون يعمل من خلال الأسباب الطبيعية وحدها. وقد يكون من العسير أن ندرك كيف أن المادة الجامدة يمكن أن تكون فيها حياة، ولكن يكون من الأصعب أن تصدق أن الحياة خلق أو نتاج خاص لوجود خفي خارج عن الكون المادي)

وهكذا أعطى [بارون دي هولباخ] للطبيعة كل صفات حتى أنه في سنة 1704م عندما أصدر [صامويل كلارك] كتابه [مبحث عن وجود الله وصفاته]، ونسب لله الصفات الواجبة له مثل الخلود والقدم واللامحدودية واللانهائية، رد عليه بقوله: (إن جميع الصفات التي نسبتها يا كلارك لله غير قابلة للفهم، بل هي تنطبق على المادة والطبيعة بصورة أوضح)

ولم يتوقف تأليهه للطبعية عند ذلك الحد، بل راح يناجيها كما يناجي المؤمنون الله، فقد قال في فقرة ختامية من كتابه [منهج الطبيعة] يناجيها، وكأنها الله نفسه: (أيتها الطبيعة، يا سيدة كل الكائنات.. إن بناتك الفاتنات الجديرات بالتوقير والعبادة.. الفضيلة والعقل والحقيقية.. يبقين إلى الأبد معبوداتنا الوحيدات.. إن إليك تتجه كل تسابيح الجنس البشري وينصب عليك ثناؤه، وإليك يقدم كل ولائه وإجلاله)

وهذا ما كان سائدا في الغرب في عصر النهضة، فقد تصوروا أنه يمكن أن يسند لقوانين الطبيعة كل شيء، باعتبار أن في إمكانها أن تعوض الله، وأن تفسر كل حقائق الوجود، أو كما عبر عن ذلك بعضهم بقوله: (لقد أثبت (نيوتن) أنه لا وجود لإله يحكم النجوم، وأكد (لابلاس) بفكرته الشهيرة أن النظام الفلكي لا يحتاج إلى أي أسطورة لا هوتية.. وقام بهذا الدور العالمان العظيمان (دارون) و(باستور) في ميدان البيولوجيا.. وقد ذهب كل من علم النفس المتطور والمعلومات التاريخية الثمينة التي حصلنا في هذا القرن بمكان الإله، الذي كان مفروضا أنه هو مدير شئون الحياة الإنسانية والتاريخ)([32])

وعبر عنه الرياضي والفلكي المعروف [بيير سيمون لابلاس] حين سأله نابليون عن مكان الله في نظامه الميكانيكي الخاص بالأجرام السماوية، فقال له بكل ثقة: (يا سيدي لست بحاجة إلى هذا الافتراض)([33])

وبقي كل الملاحدة على هذه الرؤية إلى أن جاء الإلحاد الجديد، وراح يدعمها بصنوف الحيل والخدع، ومن أمثلة ذلك قول هاوكنج: (تماما مثلما فسر دارون ووالاس كيف أن التصاميم المعجزة المظهر في الكائنات الحية من الممكن أن تظهر بدون تدخل قوة عظمى، فمبدأ الأكوان المتعددة من الممكن أن يفسر دقة القوانين الفيزيائية بدون الحاجة لوجود خالق سخر لنا الكون.. فبسبب قانون الجاذبية فالكون يستطيع ويمكنه أن ينشيء نفسه من اللاشيء.. فالخلق الذاتي هو سبب أن هناك شيء بدلا من لا شيء، ويفسر لنا لماذا الكون موجود، وكذلك نحن) ([34])

وكل هذه الطروحات لا تعدو أن تكون مغالطات عقلية، ذلك أن من يقول بذلك لا يختلف كثيرا عمن يزعم أن القوانين التي تعمَل بها السيارة يمكن أن تُسيِّر السيارةَ دون الحاجة لمن يقُودها.. أو مثل من يعتقد أن القوانين التي تعمل بها الطائرة يمكن أن تجعَلها تطير دون الحاجة لمن يقودها.. أو مثل من يعتقد أن القوانينَ الحسابية يمكن أن تُجريَ عملية حسابية دون الحاجة إلى محاسبٍ مالي([35]).

ولا يخفى أن كل ذلك مغالطات لا دليل عليها، بل كل شيء ينفيها.. إذ قوانينُ الكون ليست عندها المقدرة على تدبير وتسييرِ الكون، سواء أكانت مجتمعة أم متفرقة.. فقوانين السيارة ليست عندها المقدرة على قيادة السيارة، سواء أكانت مجتمعة أم متفرقة.. وقوانين الطائرة ليست عندها المقدرة على طيران الطائرة، سواء أكانت مجتمعة أم متفرقة!

وهكذا، فإن قوانين الكون هي وصفٌ لطريقة سَيْر الكون، وليست هي مَن يُسيِّر الكون، كما أن قوانين الطائرة هي وصفٌ لطريقة طيران الطائرة، وليست هي مَن يقود الطائرة.

بل إن قوانينَ الكون تدل بَداهةً على وجود مُقنِّن لها، سنَّ هذه القوانين، وأودَعها في الكون، والعلمُ بذلك كالعلم بوجود كاتبٍ للكتابة، وبانٍ للبناء، ومؤثِّر للأثر، وفاعل للفعل، ومحدِث للحدَث، وهذه القضايا المعيَّنة الجزئية لا يشكُّ فيها أحدٌ مِن العقلاء، ولا يُفتَقَر في العلم بها إلى دليلٍ؛ فهي واضحةٌ ظاهرة.

قد يقال: إذا كانت قوانينُ الكون تدلُّ بَداهةً على وجود مُقنِّن لها سنَّ هذه القوانينَ وأودَعها في الكون؛ فلم لا يعتبر الكون نفسه هو الذي سن هذه القوانينَ.. أي سن القوانين لنفسه؟

والجواب عن هذا هو أنه لو كان الكونُ هو الذي سنَّ هذه القوانين لنفسه، لاستطاع أن يُغيِّرَها كما يشاء، لكن الواقع أنه لا يستطيع تغييرَها، ولا الخروج عنها، وإنما هي مفروضةٌ عليه فرضًا؛ فدلَّ ذلك على أن هذه القوانينَ ليست مِن الكون نفسِه.

قد يقال: فلم لا نقول بأن الذي سنَّ هذه القوانينَ هي القوانينُ نفسُها؟

والجواب عن هذا هو أن هذا تصويرٌ للقوانين على أنها فاعلٌ محرك، وهذا تصوُّر غير صحيح، والواقع يرفضه؛ لأن القوانينَ مجردُ وصفِ سلوك الظواهر الطبيعية التي تحدُثُ في الكون وتتكرَّر تحت نفس الظروف، وليست هي الفاعلَ المحركَ للكون.

قد يقال: فلم لا نقول بأن الذي سنَّ قوانينَ الكون هي الصدفةُ؟

والجواب عن هذا هو أن الصُّدفةَ تصف كيفية الحدث، ووصفُ كيفية حدوث الفعل لا ينفي وجودَ فاعلٍ له.. ومعنى أن الفعلَ حدَث صدفة أنَّ الفعل حدَث دون قصدٍ وترتيب مسبق مِن الفاعل، وليس أن الفعلَ ليس له فاعلٌ.

بالإضافة إلى ذلك، فإن العلامة المميزة للصدفة: هي عدمُ الثبات، وعدم الاطِّراد، بينما قوانينُ الكون ثابتةٌ مطَّردة.. والصُّدفة لا تنتج قوانينَ مطردة ثابتة.. ولو سلَّمنا جدلًا وتنزُّلًا أنها أنتجت قوانينَ مطردة، فسَرْعان ما تزول هذه القوانينُ.

ولذلك كله فإن ما ذكروه أصعب هضما للعقل من إسناده إلى خالق عظيم، كما عبر عن هذا المعنى العالم المختص في علم الأحياء والنبات [رسل تشارلز آرنست] بقوله: (الواقع الذي ينبغي أن نسلم به هو أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية، قد باءت بخذلان وفشل ذريعين.. ومع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجمع بعض الذرات والجزيئات عن طرق المصادفة، يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية. وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة، فهذا شأنه وحده. ولكنه إذ يفعل ذلك فإنما يسلم بأمر أشد إعجاز وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله الذي خلق هذه الأشياء ودبرها)([36])

وذلك لكون (المادة لا يمكن أن تكون مطلقا مبدأ حياة ولا مصدر، لأن ما كان خاليا من شيء قوة وفعلا لا يمكنه مطلقا أن يكون مصدرا له، ومادة الخالية من الحياة بالقوة والفعل، فإذا لا يمكن أن تكون مصدرا للحياة. أما خلوها من الحياة فعلا فبالمشاهدة، لأن كلا يرى أن المادة عرية منها، وإلا لاقتضى أن تحرك نفسها فعلا بأن تنمو أو تحس أو تعقل، وذلك ظاهر البطلان ظهور الشمس في رابعة النهار. وأما خلوها منها بالقوة ؛ فلأنها لو قدرت أن تبرز الحياة ذات يوم لقدرت أن تبرزها الآن ؛ لأن طبائع الأشياء ثابتة لا تتغير، فكما كانت من قبل فهي الآن، ولا يمكن أن توجد في وقت وتضمحل في آخر، وذلك مقرر في مبادئ العلوم الطبيعية الثابتة، فما شوهد قط ولا يشاهد أدنى أثر للحياة في المادة ؛ فإذا ثبت الافتقار إلى موجد هو مسبب الأسباب)([37])

ثالثا ـ إسناد الخلق للصدفة والعشوائية:

وهي من المغالطات التي يستعملها أكثر الملاحدة، فهم يذكرون ـ بصيغ مختلفة ـ أن كل ما نراه من أنواع الجمال والنظام، والإبداع والإتقان ليس نتاج خلق إلهي محكم، وإنما هو ثمرة لصدفة([38]) عشوائية تنقلت طورا فطورا إلى أن تحولت إلى العالم الذي نراه بأحيائه وجماداته([39]).

أي أن الحياة ـ كما يرون ـ نشأت صدفة عبر سلسلة طويلة من التطور الكيميائي ما قبل الحيوي استمر لملايين السنين، ابتداءً من الكيميائيات البسيطة، مرورًا بالجزيئات المتعددة، والجزيئات المتعددة الناسخة ذاتيًّا داخلة بدورات تحفيزية، وصولًا إلى كائنات [ما قبل بكتيرية]، وأخيرًا وصولًا إلى بكتريا بسيطة.

ومثل ذلك الكون الذي نراه بهذا الانتظام لم يتكون ـ كما يذكرون ـ إلا صدفة نتيجة سلسلة من العلل المادية غير العاقلة وغير المدركة.. ونتيجة لتوافر الظروف والعلل المادية لنشأة الكون نشأ الكون دون حاجة لقوة عاقلة مريدة أرادت إنشاءه على هذا الشكل.

وهم يستعملون في ذلك أساليب مختلفة، بحسب العصر العلمي الذي يكونون فيه، حيث نجدهم يقللون الاحتمالات في العصور السابقة التي لم يتم اكتشاف الكثير من الحقائق العلمية فيها، ويزيدونها في العصور التالية.

ومن أمثلة ذلك أن [توماس هنري هاكسلي([40])]، والذي كان يدعى (كلب داروين) نتيجة إخلاصه الشديد لدارون ونظرية التطور، ذكر أنه: لو تركنا ستة قرود تضرب على آلة كاتبة تحوي 26 حرفا، و4 رموز، ومسافات، وزمنا طويلا، فإنها يمكنها أن أن تكتب الاعمال الكاملة لويليام شكسبير..

أما في العصور المتأخرة، وبعد الاكتشافات العلمية الكثيرة، فإنه لم تعد تكفي القرود الستة، فذلك راحوا يجرون تعديلات على تلك النظريات، فاستبدلوها بنظرية جديدة، وهي [نظرية القردة اللا متناهية]، أو على وضع أكبر عدد من الاحتمالات والفرص ليتحقق من خلالها الكون بالصورة التي نراه عليها..

ولذلك نراهم يضعون ترليونات الاحتمالات التي تفوق كل الممكنات في سبيل إلغاء قوة خارجية أنشأت الكون وصممته، حتى أن دوكينز أثناء رده على المعجزات باعتباره تدل على وجود قوة خارجية راح يقول في كتابه صانع الساعات الأعمى: (المعجزة عبارة عن شيء ممكن الحدوث، لكن حدوثه مفاجئ جدًا. فإذا لوّح تمثال رخامي لمريم العذراء بيده تجاهنا فعلينا اعتبار ذلك معجزة، لأنّ كلَّ خبراتنا ومعارفنا تؤكّد لنا عجز الرخام عن هذه الحركة.. لكن العلم لن يحكم على هذه الحادثة باعتبارها مستحيلة تمامًا، ولكنها فقط غير محتملة الحدوث للغاية)([41])

ويعبر في موضع آخر عن هذه الفكرة بصيغة أكثر وضوحا، فيقول: (فرضيتي بأنّ الأحداث التي يشيع ذكرها كمعجزات ليست أمورًا خارقة للطبيعة، لكنّها جزءٌ من سلسلة من الأحداث الطبيعية الأكثر أو الأقل احتمالية.. المعجزة، بكلمات أخرى، في حال حدثت، فإنّ ذلك ضربة حظ مبهرة، لا تنقسم الأحداث برتابة إلى أحداث طبيعية ومعجزات.. فبمجرّد إعطاء وقتٍ أو فرصٍ غير محدودة، فإنّ أيَّ شيءٍ ممكن)([42])

وبناء على هذا، فقد طرح في كتابه [وهم الإله] إمكانية توفر ملايير ملايير الكواكب التي تصلح للحياة في مكان ما من الكون الواسع، حتى يكون كوكبنا هذا، وبالصورة التي هو عليها مجرد احتمال من الاحتمالات، أو كما عبر عن ذلك بقوله: (سأقولها ثانية، إذا كانت احتمالات تولّد حياة على كوكبٍ ما عفويًا واحد إلى مليار، يبقى الحدث غير المتوقّع مع ذلك مفاجأة ممكنة الحدوث على مليار كوكب)([43])

ونتيجة لهذه الطريقة في التفكير راح يفسر كل شيء، فهو لا يحتاج إلا إلى الزمن، وقد قال شارحا كيف تعمل الصدفة عملها في تمثال الرخام الذي سبق ذكره: (فيما يتعلّق بالتمثال الرخامي، تتدافع الجزيئات في الرخام الصلب فيما بينها باتجاهات غير محدّدة باستمرار، يلغي التدافع بين الجزيئات المختلفة بعضه، لذلك تبقى كامل يد التمثال ثابتة. ولكن إذا حدث واتجهت كل الجزيئات ـ بصدفة مطلقة ـ باتجاه واحد في اللحظة نفسها فستتحرّك اليد. من الممكن أن يلوّح تمثال رخامي لنا في هذه الحالة. من الممكن أن تحدث، لكن الاحتمالات المعاكسة لمثل هذه صدفة، كبيرةٌ بشكلٍ غير ممكنٍ تخيّله. ولكن ليست عصية على الحساب كثيرًا. قام زميلٌ فيزيائي بحساب ذلك لي، ووجد أنّ عدد الاحتمالات كبيرٌ جدًا بحيث أنّ عمر الكون حتى يومنا هذا صغير جدًا لا يكفي لكتابة كل الأصفار! من الممكن لبقرةٍ أن تقفز إلى القمر نظريًا مع أنّ احتمالية ذلك قليلة. إنّ خلاصة هذا الجزء من النقاش أن نتمكًن بالحساب من الوصول إلى مناطق من ضآلة الاحتمال بشكل أكبر بكثير مما نستطيع أن نتخيله معقولًا)([44])

وكل هذه أطروحات ممتلئة بالمغالطات، ولم يدل عليها أي دليل علمي ولا رياضي، ولا عقلي.. حتى أن البعض أجرى تجربة على مجموعة من القردة، وبعد تدريبها على الضرب على لوحة المفاتيح، وتركها مدة طويلة، لم تتمكن من كتابة كلمة واحدة كاملة ([45]).

مع العلم أنه حتى لو تمكنت هذه القردة من كتابة جملة، بل من كتابة قصيدة، بل من كتابة ديوان كامل، فإن ذلك لا يغير من القضية شيئا.. ذلك أن كل ذلك لا يساوي شيئا أمام دقة خلية واحدة وإحكامها وعجائب صنعتها.

بالإضافة إلى ذلك يقال لهؤلاء المولعين بإضافة احتمالات عدد القردة، وما عليها كتابته، ليثبتوا الصدفة([46]): هل يمكن لهذه القردة أن تنطق كلماتها، أو تجعل كلمات القصيدة ناطقة؟.. وهل هناك قرد يعيش ملايين السنين؟.. وهل هناك آلة كاتبة تظل تطبع لملايين السنين؟.. وهل هناك أوراق تكفي للكتابة عليها لملايين السنين؟.. ومن الذي صنع له الحبر ووفره له في نفس المكان الذي هو فيه؟.. ومن الذي وفر له الأوراق في نفس المكان الذي هو فيه؟

ولو سلمنا أن الصدفة يمكن أن تنتج أشياء غير متوقعة، فليس معنى ذلك أنها يمكن أن تنتج حدثًا مستحيلاً، ونشأة نظام مستمر قابل للتفسير بلا منظم عاقل: حدَثٌ مستحيل لا يمكن وقوعه مهما طال الزمان، وتحول مادة غير حية بنفسها لمادة حية: حدث مستحيل لا يمكن وقوعه مهما طال الزمان، وتحول مادة غير واعية بنفسها إلى كائن واعي: حدث مستحيل لا يمكن وقوعه مهما طال الزمان، وتحول مادة لا تسمع بنفسها إلى كائن يسمع: حدث مستحيل لا يمكن وقوعه مهما طال الزمان، وتحول مادة لا تضحك إلى كائن يضحك: حدث مستحيل لا يمكن وقوعه مهما طال الزمان.

ولذلك فإن الرد على هذه المغالطة من أيسر الأمور، ذلك أنها لا تعتمد إلا على نفس المبادئ التي يعتمد عليها هؤلاء في طروحاتهم، ويغالطون فيها، وسنذكر هنا باختصار خمسة وجوه، يمكن الاستفادة منها في الرد على هذه المغالطة([47]):

1 ـ الصدفة تفسر كيفية الحدث لا تحديد الفاعل:

ذلك أنه يمكننا قبول الصدفة باعتبارها تصف كيفية الحدث.. لكن لا يمكن قبولها أبدا لنفي وجود فاعل للحدث.. وهو ما يقوم به الملاحدة، حيث يجعلون الصدفة وسيلة لنفي الفاعل، لا لوصف الكيفية.

والأمثلة الواقعية المقربة لهذا كثيرة جدا، ونعيشها كل يوم، ومنها ـ مثلا ـ أنه عندما اكتشف أهالي إحدى قرى المنوفية بمصر عن طريق الصدفة مدخل مقبرة فرعونية أثناء إجراء حفائر لتشييد مسجد، وقاموا بإبلاغ مسؤولي المجلس الأعلى للآثار، الذين أوفدوا لجنة فنية وأثرية متخصصة، وتبين لهم ـ بعد البحث والتنقيب ـ أنه من الاكتشافات الأثرية المهمة، وأنه يعود إلى العصر الفرعوني المتأخر للدولة الفرعونية القديمة.

فهنا عبرنا عن الاكتشاف بكونه صدفة.. لكنا لم نعبر عن المكتشَف بأن حصوله كان صدفة، وإنما رحنا نبحث بجد عن حقيقته وتاريخه والتفاصيل المرتبطة به، ولو اعتبرناه صدفة لما فعلنا ذلك.

وهكذا عندما نسمع أن أحد القوانين الفيزيائية اكتشف صدفة.. مثل اكتشاف أرشميدس لقانون الطفو، واكتشاف نيوتن للجاذبية.. لا نفهم من ذلك أن القانون ليس له مكتشِف.. وإنما طريقة الاكتشاف فقط كانت عن طريق الصدفة.

وهكذا عندما نسمع أن شيئًا من الأشياء اخترع صدفة.. مثل اختراع هانز ليبرش للنظارة الطبية، واختراع جون واكر لأعواد الثقاب، واختراع ليبارون سبنسر للميكروويف.. لا نفهم من ذلك أن هذا الشيء ليس له مخترِع.

وهكذا عندما نسمع أن جريمة من الجرائم اكتشفت صدفة لا نفهم من ذلك أن هذه الجريمة ليس لها مرتكب.

وبناء على هذا، فإن اعتبار الكون نشأ صدفة نتيجة سلسلة من التفاعلات الطويلة، دون تنظيم أو تخطيط سابق.. مقولة غير صحيحة، بل هو مغالطة صريحة.

بل إن الملاحدة في معاملاتهم العادية يقرون بهذا، ويعتبرونه، ولا يطبقونه إلا في هذا الأمر وحده، لينفوا وجود الله..

ومن الأمثلة على ذلك أن [كارل ساغان]، في روايته [اتصال] التي حولتها [هوليود] إلى فلم سينمائي، يحكي قصة عالِمة فلك تدعى [إيلي] كانت تدرس مع زملائها في مركز أبحاث [سيتي] إشارات واردة من أعماق الفضاء، وتبين من خلال البحث أنها تتمتع بصفتي التفرد والتعقيد، وذلك ما جعل أعضاء فريق البحث يؤكد أنها يستحيل أن تكون قد نشأت بالصدفة، ولذا يصيحون: (إنها ليست تشويشا كونيا.. إنها تحمل نظاما).. ثم تكشف أحداث الفيلم عن ورود تلك الرسائل بالفعل من عوالم أخرى.

فالرواية، والفيلم الذي مثلها يؤكد أن رسالة معقدة واحدة كانت كافية لإثبات وجود مرسل ذكي، لكن هذا الرجل نفسه وملايين الملحدين لم يستخدموا نفس هذا المنطق عندما يرون تعقيد الحمض النووي..بل يعتبرونه نشأ عن صدفة عشوائية.

2 ـ تكرار الحدث يقلل من احتمالية الصدفة:

وهذا من الحقائق المتفق عليها عند جميع العقلاء؛ فعندما يتكرر حدث معين بنفس النمط يستبعد العقل الصدفة من الحسبان، ويذهب للبحث عن السبب الكامن وراء الحدث؛ فالصدفة لا تکون أکثرية أو دائمية في الحدوث، بل عشوائية، لا قصد فيها ولا ترتيب، ولا يمكن التنبؤ بها قبل حدوثها، وهذا ما يقضي على تلك المغالطة من أساسها، لأنها تنبني ـ كما ذكرنا ـ على اعتماد الزمن الطويل، والزمن ليس في مصلحة الصدفة.

ومن الأمثلة المقربة لهذا المعنى أنه لو وجدنا حادثة من الحوادث تتكرر من حين لآخر في نفس المكان وبنفس النمط، فإننا لا شك نستبعد الصدفة، ونبحث عن السبب الكامن وراء ذلك، وهذا السبب ربما يكون خللاً ما في هذا المكان، أو شخصًا معينًا يتسبب في ذلك.

فلو رسب طلاب مدرسة معينة في امتحان معين دون باقي المدارس، فلا شك أننا سنستبعد الصدفة، ونبحث عن سبب ذلك، فقد يكون خللاً في المنظومة التعليمية، أو إهمال أُسَرِ الطلاب لأبنائهم أو غير ذلك.

ولو أن شخصا يسكن في شقة وحيدًا، ويذهب لعمله صباحًا ويأتي ليلاً، وعندما عاد في يوم من الأيام لشقته وجد نافذة حجرة النوم مفتوحة، رغم أنه يغلق جميع نوافذ الشقة قبل خروجه منها، فإنه في المرة الأولى، قد يعتبر ذلك غفلة منه، وأنها حصلت صدفة، لكن إن تكرر هذا الأمر، فإنه سيستبعد الصدفة، ويبحث عن سبب ذلك، وأول ما يتبادر إلى ذهنه هو أن شخصًا يتسلل إلى شقته.

وبناء على هذا، فإن قول الملاحدة بأن مادة الكون كانت موجودة ثم انفجرت وتباعدت أجزاؤها وتناثرت، وفي اللحظات الأولى من الانفجار الهائل ارتفعت درجة الحرارة إلى عدة تريليونات، كونت فيها أجزاء الذرات، ومن هذه الأجزاء كونت الذرات، وهي ذرات الهيدروجين والهليوم، ومن هذه الذرات تألَّف الغبار الكوني الذي نشأت منه المجرات فيما بعد، ثم تكونت النجوم والكواكب، وما زالت تتكون حتى وصل الكون إلى ما نراه عليه اليوم، وكل هذا صدفة دون تدخُّل قوى عاقلة مريدة مغالطة كبيرة لا تخالف العقل فقط، بل تخالف العلم أيضا.

فحسب قانون نيوتن الأول [الجسم الساكن يبقى ساكنًا ما لم تؤثر عليه قوة خارجية فتحركه، والجسم المتحرك بسرعة ثابتة في خط مستقيم يبقى على هذه الحالة ما لم تؤثر عليه قوة خارجية فتغير الحالة الحركية له] يستدعي البحث عن قوة خارجية أدت إلى ذلك؛ لأن كل حدث لا بد له من محدِث.. وهم يذكرون أن مادة الكون الأولى كانت ساكنة ثم انفجرت، فلا بد إذن من وجود من فعل بها ذلك.

بالإضافة إلى هذا، فإنه من المعلوم أن أي انفجار يتبعه تناثر لأشلاء عديدة وجسيمات صغيرة، فكيف يتبع الانفجار تجمُّع للجزئيات والجسيمات، وتكوين أرض وجبال وكواكب ونجوم ومجرات وغير ذلك دون وجود قوة خارجية حكيمة عالمة أدت لذلك؟

ومن المعلوم أيضا أن أي انفجار يتبعه دمار، فكيف يتبع الانفجار الكوني العظيم عمار وتكوين أرض وجبال وبحار ومحيطات وأنهار وكواكب وأقمار ونجوم ومجرات دون وجود قوة عالمة حكيمة؟

ومن المعلوم فوق ذلك كله أن أي انفجار يتبعه هدم، فكيف يتبع الانفجار الكوني بناء أرض وجبال وكواكب وأقمار ونجوم ومجرات دون وجود قوة عالمة حكيمة؟

وعلى التسليم الجدلي بما قالوا؛ فكيف يبقى الكون، ويستمر دون وجود قوة خارجية تحافظ على بقائه واستمراره؟

وإذا كان الكون قد تطور من المادة الأولى له، فمن الذي طور هذه المادة؛ إذ أي تطور لا بد له من مطور؟.. فإن قيل: المادة هي التي طورت نفسها عبر ملايين السنين، فالجواب: هذا الكلام يستلزم أن الأدنى يتطور بنفسه إلى الأعلى، والتطور الذاتي إلى الأكمل دون تدبير حكيم عليم قدير خالق، أمرٌ مستحيل عقلًا؛ إذ الناقص لا ينتج الكامل([48])، ويلزم من هذا الكلام قبول تحول الناقص إلى الكامل بنفسه، وهذا نظير وجود الشيء من العدم الكلي المحض([49]).

وإذا كان وجود هذا الكون عن طريقة الصدفة، أليس من الممكن، والحال هكذا، أن توجد صدفة أخرى تقضي على هذا الكون كله؟ وتتعطل كل هذه المصالح من شمس وقمر ونجوم وغير ذلك، مما في هذا الكون المترابط المنتظم بصورة تضمن استمرار الحياة سليمة عن الخراب والتداخل؛ إذ الشمس تجري لمستقر لها، والنجوم زينة للسماء، والقمر ضياء، والرياح لواقح، والسحب تحمل المطر، والليل في وقته، والنهار في وقته، كلها تجري لصالح الإنسان، ولبقاء الحياة هذه الدهور التي لا يعرف لها وقتًا إلا الله تعالى، بل والإنسان نفسه أعظم آية، كيف أوجدته الصدفة من العدم؟ وكيف وجد الإنسان الحي من مادة ليس لها حياة؟!([50]).

وعلى التسليم الجدلي أن تكوين كوكب من الكواكب كان صدفة، فكيف تفسر الصدفة تكوين الكواكب الأخرى؟ ولو كان تكوين أحد الأقمار صدفة، فكيف تفسر الصدفة تكوين الأقمار الأخرى؟ ولو كان تكوين أحد النجوم صدفة، فكيف تفسر الصدفة تكوين النجوم الأخرى؟ فإذا سلمنا جدلاً أن الصدفة أحدثت كوكبًا، فلا يمكنها أن تكرر إحداث كوكب آخر كل مرة.

وإذا سلمنا جدلاً أن الصدفة أحدثت قمرًا، فلا يمكنها أن تكرر إحداث قمر آخر كل مرة، وإذا سلمنا جدلاً أن الصدفة أحدثت نجمًا، فلا يمكنها أن تكرر إحداث نجم آخر كل مرة، وإذا سلمنا جدلاً أن الصدفة أحدثت مجرة، فلا يمكنها أن تكرر إحداث مجرة أخرى كل مرة؛ أي: نحن أمام كمٍّ هائل من الأحداث المتكررة، التي يحيل العقل حدوثها دون وجود قوة عالمة حكيمة أدت لذلك، نحن أمام سلسلة من الصدف المنظمة، وليس صدفة واحدة.

وما دام الكون لم يكن إلا مادة راكدة ركودًا رهيبًا، ولم يكن هناك شيء غير المادة الراكدة، فمن أين أتت هذه الصدفة التي حركت الكون كله، مع أن هذا الحادث الذي وقع لم تكن له أية أسباب موجودة، لا داخل المادة ولا خارجها؟

3 ـ احتمال وقوع الحدث لا يستلزم وقوعه:

وهذا من المعلومات البديهية التي يحاول الملاحدة تجاوزها باعتبارهم أن الصدفة شيء حتمي الوقوع، لا ممكن الوقوع([51]).. فاحتمال وقوع الحدث لا يستلزم وقوعه، واحتمالية وقوعه تكون في كل مرة، فلو أن عندنا قطعة معدنية بها وجه صورة ووجه كتابة عندما نلقيها على الأرض، فاحتمال وقوع وجه الصورة في كل مرة واحد من اثنين 1/2، ولكن مع ذلك يمكن أن نلقي القطعة المعدنية عشر مرات ولا نحصل على وجه الصورة، ويمكن أيضًا أن نلقيها عشرين مرة ولا نحصل على وجه الصورة.

ولو أن عندنا حجر نرد به ستة وجوه، فاحتمال الحصول على وجه [1] في كل مرة سيكون واحدًا من ستة 1/6، ويمكن أن تلقي حجر النرد عشر مرات ولا تحصل على وجه [1]، ويمكن أيضًا تلقيه عشرين مرة أو ثلاثين مرة ولا تحصل على وجه [1].

وليس معنى أن الحدث يمكن حساب احتمالية وقوعه بالصدفة أنه ممكن الوقوع بمعزل عن الأسباب الموجِدة له، فالاحتمالية الرياضية لا تعني أن الحدث قابل لأن يخرج إلى حيز الواقع دون أن تتوافر له المقدمات التي تنسجم مع القوانين الموجدة للظاهرة ([52]).

فإن قال طالب لا يذاكر ـ مثلا ـ: من المحتمل أن أنجح بنسبة 50 بالمائة، قيل له: النجاح له أسبابه، وليس معنى احتمالية نجاحك في الامتحان إمكان أن تنجح دون مذاكرة؛ فمن جد وجد، ومن زرع حصد.

ومن خلال هذا يظهر مدى تهافت قول الملاحدة: (إذا كان هناك احتمال ـ ولو ضئيلاً ـ في أن تنشأ الحياة من المادة صدفة بلا خالق عبر ملايين السنين، فمن الممكن أن تنشأ الحياة من المادة صدفة عبر ملايين السنين، وفي ظل وجود الكثير من الوقت المستحيل يصبح ممكنًا، والممكن يصبح من المحتمل، والمحتمل قد يصبح مؤكدًا، وما على المرء إلا الانتظار، والوقت نفسه ينفذ المعجزات)

بالإضافة إلى هذا، فإن قولهم هذا يستلزم أن المادة التي لا حياة فيها يمكن أن تعطي الحياة لغيرها، وهذا باطل؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه إذا كان لا يملِكه ولا يملك أسبابه، والمادة تفتقد الحياة، فكيف تهب الحياة لغيرها؟.. والحياة شيء غير مادي، فكيف تكون ناتجة من شيء مادي؟.. والحياة لا تأتي إلا من حي، والكائنات الحية لا يمكن أن تأتي إلا من كائنات حية مثلها.. وكلام هؤلاء الملاحدة يستلزم قبول تحول الناقص إلى الكامل بنفسه، وهذا نظير وجود الشيء من العدم الكلي المحض([53]).

والبون الشاسع بين المادة والكائنات الحية لا يمكن تغافله؛ إذ المادة لا حياة فيها، ولا نمو ولا حركة ولا تكاثر، والكائن الحي كالإنسان والحيوان يتمتع بالحياة والنمو، والحركة والتكاثر.

أما ادعاؤهم بأن الوقت كفيل بأن يحول المستحيل ممكنًا، فمغالطة كبرى؛ لأن الوقت عامل هدم لا عامل بناء؛ فالكائنات من إنسان وحيوان ونبات وأسماك وطيور وحشرات كلها تهرَمُ وتموت بمرور الوقت، والجمادات من بيوت وقصور وغير ذلك تفسُدُ وتبلى بمرور الوقت، وإذا تركت طعامًا أو لحمًا تجده يفسد بعد مدة معينة، حتى النجوم بمرور الوقت تجدها تفقد وقودها من غاز الهيدروجين الذي يزودها بالطاقة، أضِفْ إلى ذلك أن الشيء الممكن قد يصير مستحيلاً بمرور الوقت.

وهؤلاء الملاحدة الذين يرون أن المادة قد أدت إلى ظهور عناصر متجاوزة لها ـ كالحياة مثلاً ـ هم في نهاية الأمر ينسبون للمادة مقدرات غير مادية، ومن ثم فإنهم يكونون قد خرجوا من مقاصد الفلسفة المادية، خصوصًا وأن فرضياتهم لا تخرج عن كونها تكهنات عنيدة طفولية تضمن لهم الاستمرار في ماديتهم، وتضمن لهم في الوقت ذاته تفسير ما حولهم من تركيب ووعي وغائية([54]).

4 ـ تعارض الصدفة وقوانين الاحتمالات:

ذلك أن المصادفة والاحتمال تقوم الآن على أسس رياضية سليمة بغية الوصول إلى حكم صحيح مطلق، وهي تضع أمامنا الحكم الأقرب إلى الصواب مع تقدير احتمال الخطأ في هذا الحكم..

وقد تقدمت دراسة نظرية المصادفة والاحتمال من الوجهة الرياضية تقدمًا كبيرًا، حتى أصبحنا قادرين على التنبؤ بحدوث بعض الظواهر التي نقول: إنها تحدث بالمصادفة، والتي لا نستطيع أن نفسر ظهورها بطريقة أخرى (مثل قذف الزهر في لعبة النرد)

وقد صِرنا ـ بفضل تقدم هذه الدراسات ـ قادرين على التمييز بين ما يمكن أن يحدث بطريق المصادفة، وما يستحيل حدوثه بهذه الطريقة، وأن نحسب احتمال حدوث ظاهرة من الظواهر في مدى معين من الزمان.

وبناء على هذا، فإننا إذا أردنا أن نحسب دور المصادفة في نشأة الحياة ـ كما يزعم الملاحدة ـ فإن علينا أن نتعرف على كل العناصر الضرورية المشكلة للحياة، ثم نقوم بحساب الاحتمالات الممكنة لذلك.

مع العلم ([55]) أن هناك فرقا بين خلق الشيء، وترتيبه أو تركيبه، حيث إن فكرة المصادفة لا يمكننا أن ندخلها البحث الأول، لأن الموجود لا تحكمه قانون المصادفة بحال من الأحوال، وأما تركيب الأشياء فقد يبقى موضع بحث، كما أن حركة الشيء لا يمكن أن يرد الى المصادفة، وهكذا نجد أن قانون المصادفة يبقى مشوهاً مبتوراً منذ الأساس، فإلقاء حجر النرد ذي الوجوه السداسية قد تلعب الصدفة دورها، فيتكرر رقم واحد خمس مرات أو ست مرات أو أكثر، ولكن احتمال هذا نادر جداً كما أن احتمال سحب أوراق مرقمة من 1 ـ 10 وموضوعة في كيس واحد بصورة مرتبة متدرجة (بحيث ان الرقم 1 يأتي في الأول ثم تتبعه الأرقام التالية بالترتيب) احتمال ضعيف ونادر ولكن أين لقانون المصادفة أن يلعب دوره في الوجود أصلاً أو في حركة المادة من الأساس؟!

بالإضافة إلى هذا، فإن العلم يقف دون تفسير ظاهرة الحياة، فقانون المصادفة عاجز عند هذه العتبة؛ فترتيب المواد بكيفية ما قد يوضع في مدار البحث، ولكن انبثاق الحياة من الموات يبقي معجزة مستحيلة التفسير على ضوء المنهج الذي يفكر به الملاحدة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن حظ المصادفة من الاعتبار يزداد وينقص بنسبة معكوسة مع عدد الامكانيات المتكافئة المتزاحمة، فعندما نضع عشرة أرقام مرقمة من واحد الى عشرة في كيس واحد. فان احتمال أن يكون الرقم واحد هو الأول احتمال واحد من عشرة لأن كل رقم من الأرقام العشرة قد يكون هو المسحوب، فالمصادفة ليس لها وجدان ولا ذاكرة كما يقول الرياضي الكبير جوزيف برترند.

والأمر الأخطر من ذلك كله هو أن تطبيق هذا القانون إنما يتم على المادة غير الحية، فدراسة الاحتمال على ضغط غاز في وعاء أو خليط من غازات قد يصح، ولكن على الخلية وباقي الحياة فانه يقف، لأن الترابط في الخلية مع ظاهرة الحياة معجزة ومحيرة الى حد يجعل هنا القانون غير ساري المفعول في هذا المجال..

بناء على ذلك كله، فلو كان معنا كيس فيه عشرة أرقام من 1 ـ 10 وأردنا أن نسحب ورقة واحدة فان احتمال أن يكون الرقم واحد هو الأول هو احتمال واحد من عشرة، لانه كما ذكرنا كل رقم قد يكون له الحظ في أن يكون هو المسحوب.. ولكن المثل يتعقد بشدة أكثر عندما نريد أن نسحب رقمين متتابعينن ذلك أن احتمال أن يكون الرقم واحد ثم يتبعه الرقم اثنان هو احتمال واحد ضد مائة، لأننا لو فكرنا كيف سيتم الأمر فان احتمال رقم واحد ثم تنبعه الارقام الباقية بشكل غير محدد مثل واحد يتلوه سبعة أو واحد يتلوه ثلاثة حتى يكتمل نصاب عشرة مرات ثم بقية الأرقام بالطريقة نفسها فيكون المجموع مائة مرة، وهي احتمال أن نسحب رقمين متتاليين ويكون الرقم الأول واحداً والثاني اثنين.. ثم يتعقد المثل أكثر عندما نريد أن نسحب ثلاثة أرقام متتالية بحيث تخرج الارقام واحد، اثنان، ثلاثة متتابعة فيكون احتمال ذلك هو واحداً صد ألف.

وهكذا نتدرج في التعقيد والصعوبة حتى نصل الى حد عجيب وهو اذا أردنا أن نسحب الارقام العشرة مرتبة بعضها تلو بعض بحيث تخرج الارقام من واحد الى عشرة متتابعة فإن احتمال هذا هو واحد ضد عشرة مليارات، أي اننا إذا أردنا أن نسحب الاوراق عشرة مليارات مرة فان احتمال أن تخرج الارقام مرتبة بعضها تلو بعض بشكل متدرج من (1 ـ 10) هو مرة واحدة، قد تكون المرة الاولى هي التي ستكون المطلوبة ولكننا لا ننتظر معجزة لان الطبيعة شريفة غير مخادعة ولان احتمال عشرة مليارات هو الذي يرد الى الذهن قبل المرة الواحدة؟

لكن هذا المثال بسيط جداً مقارنة بأمثلة أخرى أكثر تعقيدا، فلو فرضنا أن لدينا انبوباً زجاجياً وفيه ألف كرة بيضاء وألف كرة سوداء والكرات البيضاء تعلو الكرات السوداء، وهذا الانبوب يتصل من إحدى نهايته بكرة زجاجية مجوفة تتسع إلى أكثر من ألفي كرة من حجم الكرات الموجودة في الأنبوب الزجاجي، فلو القينا نظرة على الانبوب الزجاجي لوجدنا اللون الأبيض واضحاً كما ان اللون الأسود واضح، ولكن لو فرضنا اننا املنا الانبوب الزجاجي (وهو لا يتسع في قطرة إلا لكرة واحدة فقط بحيث تصبح الكرات بعضها فوق بعض) بحيث أن الكرات اختلطت في النهاية المجوفة التي تتسع للجميع فان اللون يصبح رمادياً، وإذا أردنا ارجاع الكرات الى الانبوب الزجاجي فان اللون لا يعود كما كان أي الأبيض متميز عن الأسود بل يصبح اللون رمادياً وذلك لامتزاج الكرات السوداء مع البيضاء امتزاجاً تاماً..

والآن فإن أمكانية أن تعود الكرات إلى ما كانت عليه أي الألف كرة البيضاء منفصلة عن الكرات السوداء تحتاج إلى احتمال لا يمكن تصوره وهو احتمال 489 × 10 أس 600 أي رقم 489 مسبوق بـ 600 صفر إلى اليمين وهذا يحتاج الى ملء أسطر عديدة من الاصفار وهو رقم لا يمكن قراءته بحال.. وهذا المثل هو فقط في ناحية اللون مع تماثل باقي الشروط فكيف الحال لو حدث تغير في شروط أخرى، وأين سيكون قانون المصادفة عند ذلك وهذا كما ذكرنا في عالم المادة فقط وفي ترتيب الاشياء..

وهذا المثال لا يساوي شيئا أمام أمثلة أخرى أكثر تعقيدا، ومن ذلك ما قام به عالم رياضي سويسري هو [تشارلز يوجين جاي] على ذرة واحدة من العضويات والتي يمكن أن تشترك في تركيب خلية واحدة من خلايا الكائنات التي تعمر هذا الوجود.. ومع أن الوزن الذري لابسط الأحيات هو 34,500 وهو آح البيض ومع ذلك قام بتبسيط أول فاعتبر الذرات 2000 (الفي ذرة). وقام بتبسيط آخر فاعتبر أن الذرات هي نوعان فقط بينما هي في الحالة العادية أربع جواهر على الاقل وهي الفحم والهيدرجين والاكسجين والآزوت بالاضافة إلى الكبريت والنحاس والفوسفور وغيرها من العناصر.

وقام بتبسيط ثالث وهو اعتبار الوزن الذري عشرة وسطياً مع ان الفحم 12 والاكسجين 16… فكانت نتيجة الحسابات التي وصل اليها هي أقرب للخيال منها إلى الحقيقة حيث أن احتمال حدوث هذه الذرة تحتاج لثلاثة أشياء: أولاً: الاحتمال النظري لحدوث هذه الذرة وثانياً: المادة وحجمها التي بامكانها أن تعين رقم الاحتمال وثالثاً: الزمن الذي تحتاج اليه نظرية الاحتمالات حتى يمكن تشكيل هذه الذرة الواحدة فقط.

وبناء على هذا كان احتمال المصادفة تقريباً 2 × 10 أس 321 أي مسبوق بـ 321 صفر إلى يمين الرقم.

وأما حجم المادة الذي نحتاج إليه حتى تتحقق مثل هذه المصادفة فهو بحجم كرة ضخمة يحتاج الضوء لكي يقطع قطرها الى 10 أس 164 سنة أي رقم واحد أمامه 164 صفراً، ونتيجة قراءة هذا الرقم يكون بالسنين الضوئية وهو ما يعادل المسافة التي لو سار الضوء سنة زمنية كاملة يستطع أن يقطعها وهي ما تصل إلى رقم ستة ملايين مليون ميل أي 6 × 1 أس 120 ميلا، حيث إن الضوء يقطع في الثانية الواحدة 300 الف كيلو متر أو 186 الف ميل أو كما ذكرنا في السنة الواحدة 11 مليون ميل و160 الف ميل أو كما ذكرنا في السنة الواحدة 6 مليون مليون ميل على وجه التقريب حيث وصلنا الى هذا الرقم بضربه عدة مرات حتى نصل إلى رقم السنه، فهذه الكرة المادية التي نحتاج اليها لحدوث احتمال تكون ذرة بسيطة مكونة من الفين من الذرات وذات نوعين فقط من الجواهر وذات وزن ذري وسطياً يبلغ العشرة (كما ذكرنا ثلاث تبسيطات لهذه الذرة الوحيدة) هي ذات قطر يبلغ بالسنين الضوئية 10 أس 164 سنة.. وهذا الرقم يبلغ في علم الفلك أكبر من الكون الذي تخيله انشتاين بسكستيليون سكستيليون سكستيلون مرة.

بقي علينا الشيء الثالث وهو الزمن بالاضافة الى الاحتمال والكون المادي، فلو فرضنا أن عامل الخض الحروري هو الذي يعمل وبقدر يبلغ 500 مليون تريليون هزة في الثانية الواحدة أي 5 × 10 14 / ثا، والتي هي من رتبة ذبذبة الضوء، فان الزمن الذي نحتاج اليه مع كل هذا هو 10 أس 243 بليون سنة.

ويجب أن لا ننسى مع ذلك كله أن الأرض على آراء الجيولوجيين لم توجد إلا منذ بليوني سنة كما أن الحياة لم توجد إلا منذ بليون سنة.. وهكذا فاننا نجد انفسنا أن الامكانية الزمانية والحجم المادي لا يسعفنا في تحقيق تكوين ذرة واحدة (مع وجود الذرات بالأصل أي ليس الخلق)، وهكذا نصل إلى أن نجعل فكرة المصادفة هي الاستحالة لذرة واحدة.

لكن الكون ليس ذرة واحدة فقط مصممة على نسق عجيب وتكوين غريب، فتكوين الذرة مدهش محير وتركيب الفلك مدهش محير، وتركيب الخلية مدهش محير، وتركيب الانسجة مدهش محير، وتركيب الاعضاء مدهش محير، كما أن تركيب الكائن الحي مدهش محير، وأما النفس فهي ذلك العالم الغامض المجهول الذي تستشف البشرية بعض مكنونانه الآن..

ونختم هذا الدليل بما قاله رئيس أكاديمية العلوم الأمريكية بنيويورك [كريسي موريسن] ـ ردا على الملحد [هيكل] في قوله: (إيتوني بالهواء وبالماء، وبالأجزاء الكيماوية، وبالوقت، وسأخلق الإنسان): (إن هيكل يتجاهل في دعواه الجينات الوراثية، ومسألة الحياة نفسها، فإن أول شيء سيحتاج إليه عند خلق الإنسان هو الذرات التي لا سبيل إلى مشاهدتها، ثم سيخلق (الجينات) أو حملة الاستعدادات الوراثية، بعد ترتيب هذه الذرات، حتى يعطيها ثوب الحياة، ولكن إمكان الخلق في هذه المحاولة بعد كل هذا لا يعدو واحداً على عدة بلايين، ولو افترضنا أن (هيكل) نجح في محاولته فإنه لن يسميها مصادفة، بل سوف يقررها وبعدها نتيجة لعبقريته)([56])

وقال البروفيسور [إيدوين كونكلين]: (إن القول بأن الحياة وجدت نتيجة (حادث اتفاقي) شبيه في مغزاه بأن نتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار يقع في مطبعة على سبيل المصادفة)

وقال عالم الطبيعة الأمريكي [جورج إيرل ديفيس]: (لو كان يمكن للكون أن يخلق نفسه فإن معنى ذلك أنه يتمتع بأوصاف الخالق، وفي هذه الحال سنضطر أن نؤمن بأن الكون هو الإله، وهكذا ننتهي إلى التسليم بوجود (الإله) ولكن إلهنا هذا سوف يكون عجيباً، إلهاً غيبياً ومادياً في آن واحد! إنني أفضل أن أؤمن بذلك الإله الذي خلق العالم المادي، وهو ليس بجزء من هذا الكون، بل هو حاكمه ومديره ومدبره، بدلاً من أن تبنى مثل هذه الخزعبلات)

وقال عالم الأعضاء الأمريكي [مارلين ب. كريدر]: (إن الإمكان الرياضي في توافر العلل اللازمة للخلق عن طريق المصادفة في نِسَبِها الصحيحة هو ما يقرب من لا شيء)

5 ـ الصدفة لا تتناسب مع الدقة والنظام:

وهذا ما يدل عليه الواقع، فالصدفة يمكن أن تفسر حدثا طارئا بسيطا، أما أن تفسر واقعا معقدا ممتلئا بكل ألوان النظام، فهذا مستحيل.

فيمكننا قبول أن يلتقي عالمان، ويتناقشا في مسألة علمية محددة، وفي محل معين صدفة، لكننا لا يمكن أن نقبل اجتماع مئات العلماء في وقت واحد، لإقامة مؤتمر علمي صدفة.

فالأول أمر بسيط، أما الثاني فمعقد جدا، ويحتاج تحضيرات كثيرة، ولذلك يستحيل حصوله صدفة.. ولهذا لم نسمع أبدا أن هناك مؤتمرا حصل صدفة من دون أن يكون هناك تحضير مسبق.

ومثل ذلك، بل أعقد منه بترليونات المرات هذا الكون، فذراته قد صممت وهيئت، بحيث إنها إذا اجتمعت بطريقة معينة يتكون منها شيء معين في الكون، مثلاً تتجمع الذرات بطريقة معينة تكون ماءً، وبطريقة أخرى تكون أكسجينا، وبطريقة أخرى تكون نيتروجينا، وبطريقة أخرى تكون ذهبًا، وهكذا، فلا بد من وجود مصمم لها ومهيئ لها قبل وجودها وقبل نشأة الكون.

بالإضافة إلى ذلك، فإن فروع العلم كافة تثبت أن هنالك نظامًا معجزًا يسود هذا الكون، أساسه القوانين والسنن الكونية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل، والتي يعمل العلماء جاهدين على كشفها والإحاطة بها، وقد بلغت كشوفنا من الدقة قدرًا يمكننا من التنبؤ بالكسوف والخسوف وغيرهما من الظواهر قبل وقوعها بمئات السنين.

فمن الذي سن هذه القوانين وأودعها كل ذرة من ذرات الوجود، بل في كل ما هو دون الذرة عند نشأتها الأولى؟.. ومن الذي خلق كل ذلك النظام والتوافق والانسجام؟.. من الذي صمم فأبدع وقدَّر فأحسن التقدير؟.. هل خلق كل ذلك من غير خالق أم هم الخالقون؟ إن النظام والقانون وذلك الإبداع الذي نلمسه في الكون حيثما اتجهت أبصارنا يدل على أنه من صنع إله قدير عليم خبير([57]).

والملاحدة الذي يذكرون أن (نشأة الحياة ليست دليلاً على وجود خالق؛ لأنها نشأت صدفة عبر سلسلة طويلة من التطور الكيميائي ما قبل الحيوي استمر لملايين السنين ابتداءً من الكيميائيات البسيطة، مرورًا بالجزيئات المتعددة، والجزيئات المتعددة الناسخة ذاتيًّا داخلة بدورات تحفيزية، وصولًا إلى كائنات ما قبل بكتيرية، وصولًا إلى بكتريا بسيطة) ليس سوى مغالطة كبيرة، لا يقبلها أي عقل سليم، بل هو دليل على جهلهم بمفهوم الصدفة؛ إذ على التسليم الجدلي ـ تنزلاً معهم ـ أن الحياة نشأت صدفة نتيجة سلسلة من التفاعلات فهذا لا ينفي وجود خالق للحياة؛ لأن الصدفة ليست فاعلة، ولكنها صفة للفعل الصادر من الفاعل، والفعل لا يوجد بدون فاعل.

وعلى التسليم الجدلي أن الملاحدة قدموا الآلية الصحيحة لنشأة الحياة، فهم تكلموا عن كيفية نشأة الحياة، وليس لماذا نشأت الحياة، ومن الذي أنشأها؟ ومن الذي جعلها تنشأ بهذه الطريقة؟ إذ العلم يبحث عن الفعل، ولا يبحث عن الفاعل، ويبحث عن الحدث، ولا يبحث عن الحادث.

ولو كانت الحياة قد نشأت نتيجة سلسلة من التفاعلات، فلا بد من وجود موجِد للمواد التي تتفاعل، ولا بد من وجود من أعطى هذه المواد القابلية للتفاعل، وهذه السلسلة من التفاعلات لها شروط معينة للحدوث، فتحتاج إلى من يهيئ لها الشروط المعينة لحدوثها، وهذه السلسلة من التفاعلات تحتاج إلى من يحافظ عليها كي تعطي نتائجها.

ولو كانت الحياة قد تطورت من مادة غير حية، فمن الذي طور هذه المادة؟ إذ أي تطور لا بد له من مطوِّر، وإن قيل: المادة هي التي طورت نفسها عبر ملايين السنين، فالجواب: هذا الكلام يستلزم أن الأدنى يتطور بنفسه إلى الأعلى، والتطور الذاتي إلى الأكمل دون تدبير حكيم عليم قدير خالق، أمرٌ مستحيل عقلًا؛ إذ الناقص لا ينتج الكامل في خطةٍ ثابتة، وهو بمثابة إنتاج العدم للوجود([58])، ويلزم من هذا الكلام قبول تحول الناقص إلى الكامل بنفسه، وهذا نظير وجود الشيء من العدم الكلي المحض([59]).

بالإضافة إلى هذا.. ألم يكن من الممكن أن ترتطم النجوم ببعضها البعض وتتحطم؟ وبعد حدوث الحركة في المادة، أما كان من الممكن أن تبقى حركة مجردة دون أن تصبح حركة ارتقائية، تجري في سلسلة مدهشة من العمل التطوري لإيجاد الكون الخالي؟

ما هو ذلك المنطق الذي جعل النجوم والسيارات تتحرك بهذا النظام العجيب في الكون اللامتناهي؟ وما هو ذلك المنطق الذي أوجد النظام الشمسي في ركن بعيد من أركان الكون؟ وما هو ذلك المنطق الذي أمكن بواسطته إجراء تغيرات مدهشة أتاحت الفرصة لنشأة الحياة الإنسانية على كرة الأرض؟

وهذه التغيرات التي قد حدثت بالفعل على كرتنا لا نعرف حتى الآن ما إذا كانت موجودة على ظهر سيار أو نجم آخر من ملايين المجرات المنتشرة في أركان الكون، فما هو المنطق الذي تسبب في إيجاد مخلوق حي من مادة بدون حياة؟ هل لأحد أن يقدم لنا تفسيرًا معقولًا لتوضيح: كيف وجدت الحياة على سطح الأرض؟ ولماذا؟ وتحت أي قانون تستأنف الحياة وجودها المدهش بهذا التسلسل؟!

ثم ما هو ذلك المنطق الذي أوجد في حيز مكاني صغير كل تلك الأشياء اللازمة لحياتنا ومدنيتنا؟ ثم ما هو ذلك المنطق الذي يعمل على إبقاء هذه الأحوال دائمًا في صالحنا كما هي؟ أي صدفة واتفاق يتيحان حدوث هذه الإمكانات بهذا التسلسل والترتيب الجميل، ثم استمرارها لملايين السنين بحيث لا يطرأ عليها أدنى تغير يخالف مصالح الإنسان([60]

رابعا ـ إسناد الخلق للتطور العلمي:

وهذه من المغالطات الكبرى التي يدلسون بها على العوام والبسطاء، حيث يتصورون أن اكتشاف سبب أي ظاهرة من الظواهر مغن عن الله.. وكأن الظاهرة تتحرك بنفسها من غير حاجة محدث لها.

وقد عبر عن هذه المغالطة [ريتشارد داوكنز] بقوله متسائلا: (لماذا يعتبر الله تفسيراً لشيء ما؟)، ثم أجاب على تساؤله بقوله: (هو ليس تفسيرا، بل هو بالأحرى عجز فى التفسير واللامبالاة، وهو عبارة عن [لا أعرف] متنكرة بالروحانيات والطقوس.. وعندما يعطى الناس لله هذا الدور فى شىء ما، فهذا يعنى عادة بأنهم لا يملكون أي دراية بهذا الشيء، ولذلك فإنهم يعطون التفسير لأسطورة سماوية لا يمكن أن نعرفها أو نصل اليها يوماً ما، وولو سألت من أين أتت تلك الشخصية، فالاحتمالات هى أن تحصل على إجابة ضبابية، نصف فلسفية عن وجوده الأزلي، أو وجوده خارج الطبيعة، والتى بالطبع لا تفسر شيئاً على الإطلاق)([61])

وعبر عن ذلك بصياغة أخرى أكثر وضوحا، فقال: (الفراغات بالأساس في عقل الخلوقيين، تملأ بواسطة الإله)([62])، أي أن المؤمن يلجأ إلى الله بسبب عجزه عن التفسير العلمي لما يراه من ظواهر، وبذلك يكون الإيمان حائلا بينه وبين البحث عن حقائقها وتفسيرها تفسيرا علميا.

أما عالم الفيزياء البريطاني الشهير [ستيفن هاوكنج] الذي لم يكن يدع مناسبة إلا ويشهر فيها إلحاده، ولو لم يكن لذلك علاقة بالموضوع المطروح، ومن أمثلة ذلك ما نشرته الصحف العالمية عنه أنه، ولكي يثير انتباه الحاضرين في مهرجان [ستارموس فيستيفال] الذي استضافته جزر الكناري بمشاركة ثلة من العلماء ورواد الفضاء، للتباحث في أمور الفضاء، وكان هاوكنج من ضمن المشاركين، وفجأة سمع الصوت المعدني الصادر من كرسيه المتحرك يصدح في أرجاء القاعة، ليفاجئ الجميع ويؤكد مرة أخرى أنه (ليس هناك حاجة إلى وجود خالق لنشأة الكون)

ثم أضاف (الدين مثله مثل العلم، إذ كلاهما يفسران أصل الكون، ولكن أعتقد أن العلم هو أكثر إقناعا، ويقدم باستمرار إجابات لأسئلة يعجز الدين الإجابة عليها.. ولا أحد يستطيع أن يثبت وجود الخالق، ولكن يمكن التفكير في كيفية نشوء الكون بشكل عفوي، ونحن نعلم أنه لا يمكن تقديم أي تفسير عقلي إلا عن طريق العلم، وفي النهاية سنعرف كل ما يعرفه الخالق إذا كان موجودا فعلا)([63])

وهذا كله من المغالطات التي جعلتهم يوهمون العامة أن نسبة الخلق لله، تعني عدم الحاجة للبحث في الأسباب، وهذا غير صحيح؛ فالاعتقاد بوجود الله، وكونه مسبب الأسباب لا يعني الاستغناء عن الأسباب الطبيعية، أو التمرّد على شيء من حقائق العلم الصحيح، وإنّما هو اعتقاد بأن الله هو المسبب لهذه الأسباب الطبيعية، ويحتّم على تسلسل العلل والأسباب أن يتصاعد إلى قوّة فوق الطبيعة وفوق الكون.. وحتى لو سلمنا جدلا أن العلم وصل إلى معرفة كل الأسباب الطبيعية، فهذا لا ينفي وجود الخالق، بل هذه الأسباب الطبيعية دالة على موجد لها، فكل سبب له مسبب، وهو الله عز وجل.

ومثل ذلك ما لو اخترع الإنسان حاسوبا ضخما استطاع أن يصنع آلات بديعة.. تقوم هي الأخرى بصناعة آلات أخرى.. وهكذا فإن هذا التسلسل لن ينفي دور الإنسان.. بل يبقى الإنسان هو المبدع الأول لتلك الآلات جميعا.

ولهذا فلو أن شخصا سئل عن المنتج الأخير، ومن صنعه، وقال: الإنسان هو الذي صنعه لكان صادقا، لأن الإنسان هو الذي صنع من صنع تلك المصنوعات.

وقد رد على هذه المغالطة الكثير من علماء الطبيعة أنفسهم، فقد قال بعضهم: (ان الطبيعة حقيقة من حقائق الكون وليست تفسيرا له، لأن ما كشفتم ليس بيانا لاسباب وجود الدين، فالدين يبين لنا الاسباب والدوافع الحقيقية التي تدور وراء الكون، وما كشفتموه هو الهيكل الظاهر للكون. إن العلم الحديث تفصيل لما يحدث، وليس بتفسير لهذا الأمر الواقع، فكل مضمون العلم هو اجابة عن السؤال: (ما هذا؟)، وليس لديه اجابة عن السؤال: (ولكن لماذا؟)([64])

ولتوضيح هذا ضرب مثالا بسيطا بالكتكوت الذي يعيش أيامه الاولى، داخل قشرة البيضة القوية، ويخرج منها بعدما تنكسر مضغة لحم؛ فقد كان الإنسان القديم يؤمن بأن الله أخرجه، ولكنا شاهدنا اليوم بالمنظار أنه في اليوم الحادي والعشرين يظهر قرن صغير على منقار الكتكوت، يستعمله في تكسير البيضة، لينطلق خارجا منها، ثم يزول هذا القرن بعد بضعة أيام من خروجه من البيضة.

وهذه المشاهدة، كما يزعم الملاحدة، أبطلت الفكرة القديمة القائلة: بان الإله يخرج الكتكوت من البيضة، مع أن المشاهدة الجديدة لا تدلنا إلا على حلقات جديدة للحادث، ولا تكشف عن سببه الحقيقي، فقد تغير الوضع الآن، فأصبح السؤال لا عن تكسر البيضة، بل عن (القرن)

ذلك أن السبب الحقيقي سوف يتجلى لأعيننا حين نبحث عن العلة التي جاءت بهذا القرن؛ فالعلة التي كانت على معرفة كاملة بأن الكتكوت سوف يحتاج إلى هذا القرن ليخرج من البيضة، فنحن لا نستطيع أن نعتبر الوضع الاخير (وهو مشاهدتنا بالمنظار) إلا أنه (مشاهدة للواقع على نطاق أوسع)، ولكنه ليس تفسيرا له.

وقد قال البروفسور [سيسيل بايس هامان]، وهو أستاذ أمريكي في البيولوجيا، معبرا عن هذا المعنى: (كانت العملية المدهشة في صيرورة الغذاء جزءا من البدن تنسب من قبل إلى الإله، فاصبحت اليوم بالمشاهدة الجديدة تفاعلا كيماويا، هل أبطل هذا وجود الاله؟ فما القوة التي أخضعت العناصر الكيماوية لتصبح تفاعلا مفيدا؟… إن الغذاء بعد دخوله في الجسم الإنساني يمر بمراحل كثيرة خلال نظام ذاتي، ومن المستحيل أن يتحقق وجود هذا النظام المدهش باتفاق محض. فقد صار حتما علينا بعد هذه المشاهدات أن نؤمن بان الله يعمل بقوانينه العظمى التي خلق بها الحياة!)([65])

وهكذا؛ فإن الإنسان القديم كان يعرف أن السماء تمطر، لكننا اليوم نعرف كل شيء عن عملية تبخر الماء في البحر، حتى نزول قطرات الماء على الأرض، وكل هذه المشاهدات صور للوقائع، وليست في ذاتها تفسيرا لها، فالعلم لا يكشف لنا كيف صارت هذه الوقائع قوانين؟ وكيف قامت بين الأرض والسماء على هذه الصورة المفيدة المدهشة، حتى أن العلماء يستنبطون منها قوانين علمية؟ والحقيقة أن ادعاء الإنسان بعد كشفه لنظام الطبيعة أنه قد كشف تفسير الكون ليس سوى خدعة لنفسه، فإنه قد وضع بهذا الادعاء حلقة من وسط السلسلة مكان الحلقة الاخيرة.

ويقول العالم الامريكي [سيسيل] معبرا عن هذا المعنى بلغة ساخرة: (إن الطبيعة لا تفسر شيئا من الكون، وإنما هي نفسها بحاجة إلى تفسير.. فلو أنك سألت طبيبا: ما السبب وراء احمرار الدم؟.. فسيجيب: لأن في الدم خلاياحمراء، حجم كل خلية منها700/1 من البوصة!.. حسنا، ولكن لماذا تكون هذه الخلايا حمراء؟.. فسيجيب: في هذه الخلايا مادة تسمى (الهيموجلوبين) وهي مادة تحدث لها الحمرة حين تختلط بالاوكسجين في القلب.. هذا جميل، ولكن من أين تأتي هذه الخليا التي تحمل الاهيموجلوبين؟.. فسيجيب: إنها تصنع في كبدك.. عجيب! ولكن كيف ترتبط هذه الاشياء الكثيرة من الدم والخلايا والكبد وغيرها، بعضها ببعض ارتباطا كليا، وتسير نحو أداء واجبها المطلوب بهذه الدقة الفائقة؟.. فسيجيب: هذا ما نسميه بقانون الطبيعة.. ولكن ما المراد بقانون الطبيعة هذا. ياسيدي الطبيب؟.. فسيجيب: المراد بهذا القانون هو الحركات الداخلية العمياء للقوى الطبيعية والكيماوية.. ولكن لماذا تهدف هذه القوى دائما إلى نتيجة معلومة؟ وكيف تنظم نشاطها، حتى تطير الطيور في الهواء، ويعيش السمك في الماء، ويوجد إنسان في الدنيا، بجميع ما لديه من الامكانات والكفاءات العجيبة المثيرة؟.. فسيجيب: لا تسالني عن هذا، فإن علمي لا يتكلم الا عن: (ما يحدث)، وليس له ان يجيب: (لماذا يحدث؟)([66])

ثم يعقب على هذه المحاورة بقوله: (يتضح من هذه الأسئلة مدى صلاحية العلم الحديث لشرح العلل والاسباب وراء هذا الكون.. ولا شك أنه قد أبان لنا عن كثير من الأشياء التي لم نكن على معرفة بها، ولكن الدين جواب لسؤال آخر، لا يتعلق بهذه الكشوف الحديثة العلمية، فلو أن هذه الكشوف زادت مليون ضعف عنها اليوم فسوف تبقى الإنسانية بحاجة إلى الدين، لأن جميع هذه الكشوف (حلقا ثمينة من السلسلة)، ولكن ما يحل محل الدين لا بد أن يشرح الكون شرحا كليا وكاملا. فما الكون على حاله هذه إلا كمثل ما كينة تدور تحت غطائها، لا نعلم عنها الا أنها تدور.. ولكنا لو فتحنا غطاءها فسوف نشاهد كيف ترتبط هذه الماكينة بدوائر وتروس كثيرة، يدور بعضها ببعض، ونشاهد حركاتها كلها.. هل معنى هذا أننا قد علمنا خالق هذه الماكنة بمجرد مشاهدتنا لما يدور داخلها؟.. هل يفهم منطقيا أن مشاهدتنا هذه أثبتت أن الماكينة جاءت من تلقاء ذاتها، وتقوم بدورها ذاتيا؟.. لو لم يكن هذا الاستدلال منطقيا فكيف إذن نثبت بعد مشاهدة بعض عمليات الكون أنه جاء تلقائيا، ويتحرك ذاتيا؟)

وقد عبر عن هذا المعنى أيضا البروفيسور [هريز] عند نقده فكرة داروين عن النشوء والارتقاء، فقال: (إن الاستدلال بقانون الانتخاب الطبيعي يفسر عملية (بقاء الأصلح)، ولكنه لا يستطيع أن يفسر حدوث هذا الأصلح)

وبناء على هذا كله([67]) فإن هذه المكتشفات التي وضع الإنسان المعاصر يده عليها لم تزد على أنها وضعت الإنسان أمام مجهول جديد لم يجد له حلا ولا تفسيرا، ألا هو: من الذي أوجد هذا القانون الذي ينظم هذه الظواهر الكونية؟ ومن الذي أوجد العلة التي بواسطتها يكون ذلك المعلول؟

وهذا السؤال الجديد الذي يحار أمامه الإنسان المعاصر، مهما بلغ من العلم، وأدرك من المعارف، لا بد له في نهاية المطاف من أن يعزو هذا إلى قوة وراء هذا القانون، هي التي أوجدته وأحكمته، ألا وهي قدرة الله وحكمته.

نعم.. لقد اكتشف نيوتن قانون الجاذبية، وعرفنا أنه هو الذي يحكم النجوم في هذا الفضاء،وهو الذي يتحكم بحركتها، ولكن هذا لا يدعونا إلى الالحاد، وإنكار الدين والألوهية، بل إنه وضعنا أما السؤال الجديد، من الذي أوجد هذا القانون العظيم المحكم الذي يذهل لدقته وإتقانه كل عقل بشري؟

إنه السؤال الذي لا يدفعنا إلى الالحاد، بل يزيدنا إيمانا بدقة الصانع العظيم، موجد هذا القانون، ألا وهو الله..

فجميع المكتشفات التي عرفناها، والقوانين العلمية التي وضعنا أيدينا عليها، لم تقل لنا أنه لا اله.. ولم تدلنا على عدم وجوده، ولم تزد على أن وضعت أيدينا على بعض المجاهيل التي كنا لا نعرفها، وما أكثرها في هذا الكون، بل أرشدتنا إلى البحث عن بقية المجاهيل التي توصلنا إليها من خلال كشفنا عن هذا ا لمجهول، والتي لم نكن لنتمكن من الوقوف عليها وبحثها لولا كشفنا لهذا المجهول الأول الذي عرفنا به السبب والعلة لبعض مظاهر الكون، كما أنها زادتنا إيمانا بوجود الله وصدق الدين،ولو كانت هذه المكتشفات،وهذه القوانين تدل على عدم وجود الله وبطلان الدين، لما كان بها مجال للاستدلال على وجود الله وصدق الدين، إلا أننا نجد جميع المؤمنين يدعمون إيمانهم بوجود الخالق بهذه المكتشفات الحديثة.

ولذلك؛ فإن مثل المنكر لوجود الله وقدرته باكتشافه لبعض القوانين العلمية إلا كمثل إنسان كان يسمع عن مركبة الفضاء، ويعجب لدقة صنعها وعظمة صانعها، ويتعجب من حركتها، وطيرانها، وهبوطها، ويكيل صفات المدح والثناء والإعجاب لصانعها، ثم أتيح له أن يرى مركبة الفضاء، ويرى الآلات والمحركات التي كانت سببا في حركتها، فلما رأى محركها وما فيها من الآلات قال: (لقد اكتشفت سر الحركة في هذه المركبة، إنها تسير بواسطة هذا المحرك، وتلتقط الصور وتبثها بواسطة هذه الآلات، إذن فلا داعي للقول بأن ثمة صانعا صنعها، ولا داعي للإعجاب بقدرته)

 ويقول: (لقد كنا نعزوها للصانع ونعجب من دقة صنعه، عندما كنا لا نعرف سر حركتها، وأنها مرتبطة بذلك المحرك، أما وقد عرفنا سر الحركة والمحرك، فلا داعي لأن تنسب الحركة لذلك الصانع).. هل يمكن أن يقبل أي عاقل هذا القول؟

بل إن الموقف الصحيح هو أن اطلاعنا على المحرك الذي تتحرك به المركبة، والآلات التي بداخلها، لا يدعونا إلى جحود صانعها، وإنما يدعونا لزيادة الإعجاب به، لما في هذه الآلات من الدقة البالغة، والإتقان، والإحكام.

وهكذا؛ فإننا كنا نعجب من قدرة الله في حركة النجوم، ووقوفها في الفضاء، حينما كنا لا نعرف قانون الجاذبية، فكنا ننسب وقوفها في الفضاء وحركتها إلى قدرة الله، وحينما اكتشفنا قانون الجاذبية، وعرفنا أن هذه الأجرام خاضعة لهذا القانون، وأنه في غاية الدقة والإتقان والإحكام لم يدفعنا هذا إلى جحود الله، وإنما زادنا إيمانا به وبقدرته التي أوجدت مثل هذا القانون الذي يحكم النجوم في هذا الفضاء.

إننا عندما عرفنا قانون الحركة في أصغر ذرة من ذرات الوجود وفي أكبر مجرة من مجرات السماء، وأنها كلها تدور وتتحرك طبقا لنظام محكم بديع، تتفق فيه جميع أجزاء هذا الكون من عناصر الذرة إلى أجرام المجرة، إننا عندما عرفنا هذه الحركة واكتشفناها لم تزدنا إلا إيمانا بالله، وبالقوانين المحكمة التي خلقها وأحكمها، ليدل بها الإنسان على وجوده وقدرته.

إن هذه القوانين لم تقل لنا إنه لا إله، وإنما دلتنا على أن الله يجري أحكامه في هذا الكون بناء على هذه القوانين.

لقد عبر نيوتن ذاته، وهو مكتشف قانون الجاذبية، عن هذا المعنى، فقال: (لا تشكوا في الخالق، فإنه مما لا يعقل أن تكون الضرورة وحدها هي قائدة الوجود، لأن ضرورة عمياء، متجانسة في كل مكان وفي كل زمان، لا يتصور أن يصدر منها هذا التنوع في الكائنات، ولا هذا الوجود كله، بما فيه من ترتيب أجزائه وتناسبها، مع تغيرات الأزمنة والأمكنة، بل إن كل هذا لا يعقل أن يصدر إلا من كائن أوليّ له حكمة وإرادة) ([68])

وقال: (من المحقق أن الحركات الحالية للكواكب لا يمكن أن تنشأ من مجرد فعل الجاذبية العامة، لأن هذه القوة تدفع الكواكب نحو الشمس، فيجب لأجل أن تدور هذه الكواكب حول الشمس أن توجد يد إلهية تدفعها على الخط المماس لمداراتها)

وقال: (ليس هذا كل ما في المسألة، فان الله ضروري أيضا، سواء لإدارة هذه الأجرام على بعضها، وهو الأمر الذي لا يمكن أن ينتج من مجرد قوة الجاذبية، أو لتحديد وجهة هذه الدورات، لتتفق مع دورات الكواكب، كما يرى ذلك في الشمس والقمر وتوابعها)

وقال: (وغير هذا، ففي تكون الأجرام السماوية، كيف أن الذرات المبعثرة استطاعت أن تقسم إلى قسمين، القسم المضيء منها انحاز إلى جهة لتكوين الأجرام المضيئة بذاتها، كالشمس والنجوم، والقسم المعتم تجمع في جهة أخرى، لتكوين الأجرام المعتمة، كالكواكب وتوابعها، وكل هذا لا يعقل حصوله إلا بفعل عقل لا حد له)

ومثله قال العلامة الانجليزي [هرشل]، وهو من كبار علماء الفلك: (كلما اتسع نطاق العلم، ازدادت البراهين الدامغة على وجود خالق أزلي، لا حد لقدرته ولا نهاية، فالجيولوجيون، والرياضيون، والفلكيون، والطبيعيون، قد تعاونوا وتضامنوا على تشييد صرح العلم،وهو صرح عظمة الله وحده)

وقال [هربرت سبنسر]: (نرى من بين كل هذه الأسرار التي تزداد غموضا، كلما زاد بحثنا فيها، حقيقة واضحة لا بد منها، وهي أنه يوجد فوق الإنسان قوة أزلية أبدية ينشأ عنها كل شيء)

وقال الفزيولوجي الفرنسي [لينيه] في كتابه [الله في الطبيعة]: (إن الله الأزلي الكبير، العالم بكل شيء والمقتدر على كل شيء قد تجلى لي ببدائع صنائعه، حتى صرت مندهشا مبهوتا، فأي قدرة، وأي حكمة، وأي إبداع أودعه مصنوعات يده، سواء في أصغر الأشياء أو أكبرها، إن المنافع التي نستمدها من هذه الكائنات تشهد بعظم رحمة الله الذي سخرها لنا، كما أن جمالها وتناسقها ينبئ بواسع حكمته، وكذلك حفظها عن التلاشي وتجددها يقر بجلاله وعظمته)

وقال [مونتيل] في دائرة معارفه: (إن أهمية العلوم الطبيعية لا تنحصر فقط في إشباع نهمة عقولنا، ولكن أهميتها الكبرى هي في رفع عقولنا إلى خالق الكون، وتحليتنا بإحساسات الإعجاب وإلا جلال لذاته المقدسة)

وقال العالم الطبيعي الفيزيائي [ميريت ستانلي]: (إن جميع ما في الكون يشهد على وجود الله سبحانه، ويدل على قدرته وعظمته، وعندما نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها، حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية، فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمته، ذلك هو الله الذي لا نستطيع أن نصل إليه بالوسائل العلمية المادية وحدها، ولكننا نرى آياته في أنفسنا، وفي كل ذرة من ذرات هذا الوجود، وليست العلوم إلا دراسة خلق الله وآثار قدرته)

وقال العالم الكيماوي الرياضي [جون كليفلاند]: (إن النتيجة المنطقية التي يفرضها علينا العقل ليست مقصورة على أن لهذا الكون خالقا فحسب، بل لا بد أن يكون هذا الخالق حكيما، عليما، قادرا على كل شيء، حتى يستطيع أن يخلق هذا الكون وينظمه ويدبره، ولابد أن يكون هذا الخالق دائم الوجود، تتجلى آياته في كل مكان، وعلى ذلك فانه لا مفر من التسليم بوجود الله خالق هذا الكون وموجهه، إن التقدم الذي أحرزته العلوم منذ أيام لورد كيلفن يجعلنا نؤكد بصورة لم يسبق لها مثيل ما قاله من قبل: إننا إذا فكرنا تفكيرا عميقا، فإن العلوم سوف تضطرنا إلى الإيمان بالله)

وقال الأخصائي في علم الحيوان والحشرات [أدوارد كيسيل]:(لقد من الخالق على جيلنا، وبارك جهودنا العلمية بكشف كثير من الأمور حول الطبيعة، وصار من الواجب على كل إنسان، سواء أكان من المشتغلين بالعلوم، أم من غير المشتغلين بها، أن يستفيد من هذه الكشوف العلمية، في تدعيم إيمانه بالله)

هذه بعض الاقتباسات من أقوال علماء الطبيعة أنفسهم، وفي جميع مجالات العقل والعلم، تشهد بأن هذه المعارف والعلوم والمكتشفات كانت من أكبر الأدلة الناطقة على وجود الله وعظيم قدرته.. ولذلك فإن الإلحاد لم يكن أبدا وليد المكتشفات العلمية الحديثة، بل الأمر على خلاف ذلك تماما، فالعلم لم ولن يؤدي أبدا إلا إلى الإيمان.


([1])  انظر في تعريف العلم أبجد العلوم، أبو الطيب محمد صديق خان القِنَّوجي، دار ابن حزم، الطبعة الأولى 1423 هـ- 2002 م (ص: 31)

([2])    انظر: مقالا بعنوان آفة التفكير بالتمني، د.عمار علي حسن، موقع 24 ،السبت 31 أكتوبر 2015 / 22:59 على الرابط التالي: http://24.ae/article/197112/.

 ([3])  Robert Jastrow, God and the Astronomers, p.16 .

 ([4])   Robert Jastrow, God and the Astronomers (Toronto: George J. McLeod, 1992,), p.116.

([5])   نقلا عن:  فمن خلق الله؟: نقد الشبهة الإلحادية [إذا كان لكل شيء خالق، فمن خلق الله؟] في ضوء التحقيق الفلسفي والنقد الكوسمولوجي، د. سامي عامري، مركز تكوين للدراسات والأبحاث، 2016، ص95.

 ([6])  Quoted by Heeren, Show Me God, 157.

([7])  George Will, “The Gospel from Science,” in Newsweek, November 8, 1998..

([8])  الله يتجلى في عصر العلم.

([9])  من المراجع التي رجعنا إليها في هذا الفصل:

1. الأسس اللا عقلية للإلحاد.. مشكلة مبدأ العالم نموذجاً، عمر بسيوني.

2. ما كتب حول الصدفة وغيرها مثل كتاب: كتب هارون يحي في نقد نظرية التطور، وكتب عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني في نقد الإلحاد، بالإضافة للكثير من كتب العقيدة الحديثة، ففيها جميعا مباحث تتعلق بالرد على القول بالصدفة..

([10]) استفدنا المادة العلمية هنا من مقال مهم بعنوان: الأسس اللا عقلية للإلحاد.. مشكلة مبدأ العالم نموذجاً، لعمرو بسيوني.

([11]) المعجم الفلسفي لجميل صليبا، 1/649.

([12]) تاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم، 148.

([13]) ديفيد هيوم (1711، 1776)، فيلسوف واقتصادي ومؤرخ اسكتلندي ولد وتوفي بأدنبره، أهم كتبه: بحث في الطبيعة الإنسانية، ثلاثة أجزاء، وفحص عن الفهم الإنساني، وفحص عن مبادئ الأخلاق، والتاريخ الطبيعي للديني، وغير ذلك راجع تاريخ الفلسفة الحديثة ليوسف كرم 172 ـ 173.

([14]) مناهج البحث عند مفكري الإسلام لعلي سامي النشار، 164.

([15]) عمانويل كانط (1724 ـ 1804 )، حاول التوسط بين التجريبية والعقلانية المثالية، ووجه نقدا عقليا للدين، أهم كتبه: نقد العقل الخالص النظري (المشهور بنقد العقل المحض )، ونقد العقل العملي، ونقد الحكم، وميتافيزيقا الأخلاق، ورسالة في السلام الدئم راجع يوسف كرم 208 ـ 216.

([16]) تاريخ الفلسفة الحديثة، ليوسف كرم 210.

([17])  نقض العقل المحض لكانط، ترجمة موسى وهبة، 225..

([18])  نقد العقل المحض 226، ویسمیه صراحة فی موضع لاحق بالمنهج الریبی.

([19])  برتراند راسل (1872 – 1970)، إنجليزي، أستاذ للفلسفة بجامعة كمبردج، وأحد أعلام المنطق الرياضي المعاصرين، أهم كتبه: تاريخ الفلسفة الغربية، وتحليل المادة، وموجز الفلسفة، والمدخل إلى الفلسفة الرياضية، وغير ذلك. راجع يوسف كرم 431..

([20])  الفلسفة بنظرة علمية، لبرتراند راسل، تلخيص وتقديم د زكي نجيب محمود، 95 – 102، بتصرف.

([21])  انظر: موقف العلم والعقل من رب العالمين، مصطفى صبري.

([22]) احياء علوم الدين : للغزالي، ج1، ص106 .   

([23]) التفسير الكبير : للرازي ، ج19، ص73  .

([24])  التصميم العظيم ص 169- 171.

([25])  انظر: تاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم 45 – 46.

([26])  بؤس الفلسفة، كارل ماركس، ترجمة، أندريه يازجي، دار اليقظة ومكتبة الحياة، سوريا، 127..

([27])  المادية التاريخية، ف. كيلي، م كوفالزون، ترجمة: أحمد داود، نشر دار الجماهير، دمشق، 500..

([28])  تاريخ الفلسفة الحديثة ليوسف كرم، 192، 193..

([29])  أسس المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، لسيريكين وياخوت، ترجمة محمد الجندي، دار التقدم، موسكو، 39..

([30])  بارون دي هولباخ: [1723-1789] كاتب وفيلسوف وموسوعي فرنسي ألماني، عرف عن كونه واحدا من رواد في عصر التنوير الفرنسي، وقد عرف بتواجده في الصالونات الأدبية، وعرف بإلحاده، وقد كانت له عدة كتابات ضد الدين، وقد كان كارل ماركس واحد من المتأثرين بأفكاره..انظر في ترجمته د. رمسيس عوض، الإلحاد في الغرب ص 136.

([31])  قصة الحضارة (38/ 142)

([32]) نقلاعن الاسلام يتحدى مدخل علمي الى الايمان، وحيد الدين خان، تعريب: ظفر الاسلام خان، مكتبة الرسالة، ص18.

([33])  نقلا عن العلم في منظوره الجديد لروبرت م .أغروس و جورج ن. ستانسيو، ترجمة كمال خالايلي، طبع سلسلة عالم المعرفة، ورقمه في السلسلة (134)، ص54.

([34])  المرجع سابق.

([35]) اقتبسنا بعض المعلومات الواردة هنا من مقال بعنوان: مغالطات أكذوبة الملاحدة: أن الكونَ يسير بقوانينَ؛ فلا يحتاج إلى خالق ليدبِّرَ أمره..

([36])  الله يتجلى في عصر العلم، 79، مقالة (الخلايا الحية تؤدي رسالتها)، لرسل تشارلز آرنست.

([37])  دلائل التوحيد للقاسمي، 101..

([38]) يقصد بالصدفة عدة معانٍ، منها: حدوث الشيء دون علة؛ كغليان الماء دون أي سبب، وهذا مستحيل؛ فمن المستحيل حدوث شيء دون علة وسبب.. ومنها: حدوث الشيء بعلة مجهولة، مثل صديق كان يمشي في شارع لزيارة أحد أقاربه، فوجد صديقًا له كان ذاهبًا لشراء طعام من السوق صدفة، وهنا ترافق وتزامن.. ومنها: حدوث الكون وانتظامه عبر سلسلة من العلل غير العاقلة وغير المدركة، ومنها: التقاء عرضي لسلسلتين من الأسباب، ومنها: توفر مجموعة من العوامل بطريقة غير واعية لتُشكل ظاهرة..

([39]) استفدنا الكثير من المادة العلمية المرتبطة بهذا المطلب من كتاب [الملحد واستدلاله الخاطئ بالصدفة] د. ربيع أحمد.

([40]) توماس هنري هاكسلي: (1825- 1895) عالم أحياء بريطاني.. كان قد لقب بـ (كلب داروين) لدفاعه القوي عن نظرية تشارلز داروين النشوء والتطور.. التقى تشارلز داروين في حوالي 1856.. وهو صاحب نظرية القرد .

([41])  صانع الساعات الأعمى، لماذا تُظهِر أدلة التطوّر كوناً بلا مصمم، ريتشارد دوكينز،: (نيويورك: نورتون، 1996)، 159.

([42])  المرجع السابق، ص 139.

([43])  وهم الإله، ريتشارد دوكينز، ص 373-374.

([44])  صانع الساعات الأعمى، 159-160..

([45]) أراد المركز البريطاني للبحوث اختبار هذه النظرية حاسوبياً .. فوضع ستة قردة افتراضية بدأت تضرب على الآله الكاتبة لمدة شهر كامل لم يجدوا فيها كلمة مكونة من حرف واحد .. في الإنجليزية، مع العلم أن الحرف في الإنجليزية يعتبر كلمة اذا كان مسبوقاً ومتبوعاً بفراغ..

([46])  انظر: الملحد واستدلاله الخاطئ بالصدفة، د. ربيع أحمد.

([47])  انظر: الملحد واستدلاله الخاطئ بالصدفة، د. ربيع أحمد.

([48]) كواشف زيوف للشيخ عبدالرحمن حبنكة الميداني ص 331.

([49]) كواشف زيوف للشيخ عبدالرحمن حبنكة الميداني ص 446.

([50]) المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات للدكتور غالب عواجي 2/1174 – 1175.

([51])  انظر: الملحد واستدلاله الخاطئ بالصدفة، د. ربيع أحمد.

([52])  خرافة الإلحاد للدكتور عمر شريف ص 337.

([53])  كواشف زيوف للشيخ عبدالرحمن حبنكة الميداني ص 446.

([54]) الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان للدكتور عبدالوهاب المسيري ص 27.

([55])  انظر: الطب محراب للإيمان، خالص جلبي، ص9، فما بعدها، وقد ذكر أنه اقتبس الأمثلة الواردة هنا من كتاب مصير البشرية لكاتبه ليكونت دي نوي.

([56])  الله يتجلى في عصر العلم.

([57]) من مقدمة مترجم كتاب: الله يتجلى في عصر العلم، الدكتور الدمرداش عبدالمجيد ص 7.

([58]) كواشف زيوف للشيخ عبدالرحمن حبنكة الميداني ص 331.

([59]) كواشف زيوف للشيخ عبدالرحمن حبنكة الميداني ص 446.

([60]) الدين في مواجهة العلم لوحيد الدين خان ص 46 – 47.

([61])  وهم الإله، ص136.

([62])  المرجع السابق، ص64 4.

([63])  انظر: مقالا بعنوان: عالم فيزيائي بريطاني شهير يجدد نفيه وجود خالق للكون، حميد كعواس، موقع هسبريس، الخميس 02 أكتوبر 2014 على الرابط التالي:

https://www.hespress.com/sciences-nature/242317.html

([64])  نقلا عن الإسلام يتحدى، ص31.

([65])  The Evidence of God in an Expounding Universe، p 221..

([66])  نقلا عن الإسلام يتحدى: 34.

([67])  انظر: الدين والعلم، د. محمد حسن هيتو.

([68])  هذا النص وما يليه من النصوص منقول من كتاب: الدين والعلم، د. محمد حسن هيتو، وصراع مع الملاحدة حتى العظم، لحبنكة الميداني، وغيرهما.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *