الإلحاد.. والقيم الحضارية

الإلحاد.. والقيم الحضارية

عندما نستقرئ الأطروحات الكبرى للملاحدة ابتداء من عصر النهضة الأوروبية إلى اليوم نجد الغالب عليها دعوى خطيرة هي كون الإيمان بالله عقبة دون تحقيق القيم الحضارية.. فهم لم يكتفوا بكونه عقبة دون التحرر الإنساني، وإنما أضافوا إليه أيضا كونه عقبة دون التحضر والقيم المرتبطة به.

ولذلك نشأت الماركسية وغيرها من التيارات الإلحادية في ظل تلك التصورات التشويهية للدين، ونشأ معها وقبلها شعار [الدين أفيون الشعوب]، وهو الشعار الذي رفع قبل الثورة الفرنسية، وبقي مستعملا لدى الملاحدة إلى اليوم.

ولهذا، فإن على الداعية المواجه للإلحاد أن يناقش الشبهات المرتبطة بهذا في الجانب، لا بالدفاع عن الدين، ذلك أن المقصود في العادة بالدين هي تلك الأديان المنحرفة التي كانت حقيقة أفيونا للشعوب.

ولذلك فإن الجدل معهم في هذا لا طائل من ورائه، بل قد يكون لهم الحق في كثير منه، وقد قال تعالى مشيرا إلى ذلك الشعار الذي يرفعونه، ومقرا له في بعض معانيه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34]؛ فهذه الآية الكريمة تشير إلى ما كان يقوم به رجال الدين من استغلال للدين في سبيل تحقيق المصالح الشخصية، وتشويه الدين لأجل ذلك، حتى يصبح مطية لخدمة أغراضهم.

وإنما بناحيتين مهمتين:

أولاهما: بيان عدم علاقة الإيمان بالله بكل ما وقعت فيه الأديان من الانحرافات، وأن الإيمان بالله، كقضية عقلية منفصل تماما عن الأديان.. ولكل منهما منهجه الخاص في البحث.

فالبحث عن الإيمان بالله، يقتضي استعمال الأدلة العقلية التي سبق أن أشرنا إلى مجامع الكثير منها في الفصل الأول.. أما البحث في الأديان، ومدى مصداقيتها، فيقتضي مناهج كثيرة، كالمنهج التاريخي والوثائقي للتحقق من مصادرها المقدسة، وملاحظة مدى التحريف الذي وقع لها.. أو كدراسة نصوصها والقيم التي جاءت بها والأدلة التي تعتمد عليها وغير ذلك، مما سنراه في الفصل الأخير من هذا الكتاب.

وثانيهما: هو بيان عدم إمكانية مساهمة الإلحاد في التنوير والتحضر، وأن الجرائم التي أصابت البشرية إبان حكم الملاحدة لا تقل عن الجرائم التي أصابتها إبان حكم رجال الدين المزيفين، ولذلك، فإن الإلحاد ليس حلا كما يزعم الملاحدة، بل هو يساهم في الظلامية والاستبداد، وكل أنواع الظلم والجور، كما نرى في الواقع.

بناء على هذا، سنحاول في هذا المبحث تطبيق ما ذكرناه على ناحيتين مهمتين ترتكز عليهما كل القيم الحضارية، لنرى مدى صلة الإيمان أو الإلحاد بهما.

وقد اعتمدنا فيهما بالدرجة الأولى على ما كتب من مؤلفات كثيرة حول العلمانية، وتاريخها، وتاريخ المذاهب الفكرية المرتبطة بها([1]).

أولا ـ الإلحاد.. والعلم:

ربما تكون دعوى [العلمية] أو [المنهج العلمي] هي الأيقونة التي يستعملها الإلحاد في كل عصوره، فمنذ عهد ديموقريطَسْ، ذلك الفيلسوف اليوناني المادي صاحب المذهب الذرّي، والملاحدة يصفون المؤمنون بالجهل وقلة العقل، ويرمونهم بالدجل والخرافة والابتعاد عن العلمية والعقلانية، أو كما عبر عن ذلك توماس جفرسون ـ كما ينقل عنه دوكينز ـ بقوله: (رجال الدين من مختلف الطوائف يعانون من تقدم العلم كما يعاني السحرة من موعد شروق الشمس، ويعبسون في وجه تلك الإطلالة التي تعلنهم بأن تلك الوهام التي يعتاشون عليها في طريقها للزوال)([2])

وبناء على هذا ظهرت المذاهب المادية والوضعية، والتي تقسم التاريخ العلمي للبشرية لثلاثة أطوار: الطور اللاهوتي، والطور الميتافزيقي، والطور العلمي الوضعي.. ثم تسخَر من كل الأطوار، وتعتبر الطور العلمي هو الوحيد الجدير بالاحترام، وتدعو إلى العزوف عن البحث عن أصل الكون ومصيره أو علله الأولى، وتعتبر البحث في ذلك أو الاهتمام به أوهاما وخرافة.

 وهكذا راح فرويد وأشباهه من علماء النفس يفسرون وجود الله تفسيرا نفسيا لا علاقه له بالعلم ولا بالعقل، فالناس في رأي فرويد يميلون إلى الاعتقاد بوجود أب وراء هذا الكون لأنهم، بوصفهم أطفالاً، بحاجة ماسة إلى رعاية أب، وهكذا فإن الإنسان ـ عند فرويد وغيره في ذلك العصر ـ هو الذي يخلق الله، لا العكس([3]).

وبناء على هذا اعتبر الدين مرضا من الأمراض النفسية، فقال: (يمكن القول بأن الدين هو عصاب البشرية الوسواسي العام، وبأنه ينبثق، مثله مثل عصاب الطفل، عن عقدة أوديب، عن علاقات الطفل بالأب. وانطلاقاً من هذه التصورات، يمكننا أن نتوقع أن يتم العزوف عن الدين عبر سيرورة النمو المحتومة التي لا راد لها)([4])

ومثله برتراند راسل الذي راح يصور الإيمان بالله بكونه مجرد فكرة مستمدة من نظم الطغيان والاستبداد: (الإنسان استمد فكرة الإيمان بالله من نظم الطغيان والجبروت السائدة في الشرق، فعلاقة الإنسان بالله أشبه ما تكون بعلاقة العبد الذليل بالحاكم المستبد، وهي ذلة تأباها كل نفس تشعر بالمعزة والكرامة)([5])

لكن كل المواقف السلبية التي نطق بها دعاة الإلحاد القديم لا تشكل شيئا أمام دعاوى أصحاب الإلحاد الجديد الذين تصوروا أنهم وحدهم أصحاب العلم والعقل والحكمة، وأن من عداهم ليسوا سوى بلهاء وأغبياء، ولا علاقة لهم بالعلم، ولا بالمنطق، ولا بأي أداة من أدوات التفكير.

وقد عبر عن هذه اللغة الساخرة من العقل المؤمن كل من كتب في الإلحاد الجديد، أو قدم حصصا وبرامج تدعو إليه، فكلها مملوءة بالتهكم والسخرية من العقول المؤمنة، وكلها تعتبر العلم ومناهجه بضاعة خاصة بالملاحدة لا يشاركهم فيها غيرهم.

وكل هذا غير صحيح، ومجرد دعاوى، وللرد عليهم نعتمد منهجين:

أولهما: بيان أن كبار العلماء والفلاسفة والباحثين في كل العصور كانوا من المؤمنين، وأن الإيمان لم يحل بينهم وبين العلم ولا البحث ولا التفكير، بل كان داعما لهم، وسندا في الكثير من الأطروحات التي نوروا بها العالم.

ثانيهما: بيان عدم تنافي الدين الصحيح مع العلم، وأن التناقضات التي حصلت بين العلم والدين سببها تحريف الأديان، وليس الدين نفسه.

وسنحاول أن نشرح ـ باختصار ـ كلا المعنيين في المطلبين التاليين:

1 ـ العلماء.. والإيمان:

مما قد يحتاج إليه المناظر للملاحدة، ليثبت لهم عدم التعارض بين العلم والإيمان، التعرف على أعلام العلماء الكبار في جميع المجالات، والذين لم يحل الإيمان بينهم وبين العلم، وذلك ليثبت لهم أنه لو كان العلم يقتضي الإلحاد، لكل كل أولئك العلماء المؤمنين غير جديرين بتلك الألقاب العلمية الكثيرة التي لقبوا بها.

فمن هؤلاء العلماء([6]) الفيزيائي الكبير [جيمس جول] (1818ـ 1889) الذي بيّن العلاقة بين الحرارة والحركة الميكانيكية، ولذا دعيت وحدة الطاقة باسمه [الجول] بالإضافة الى كونه أحد مؤسسي ما عرف بالطاقة الحرارية، وذلك بفضل تقديمه أساسا اختباريا للقانون الأول المختص بالديناميكا الحرارية، والذي يشير إلى أن الكون عاجز عن خلق نفسه بنفسه.. وقد عبر عن إيمانه بالله بقوله: (بعد التعرف على إرادة الله وطاعتها، يجب أن يكون هدفنا التالي هو الاطلاع على خصائص الحكمة والقدرة والصلاح لديه، كما تبرزها أعماله)([7])

ومنهم [وليم طومسون] (1824ـ 1907) الذي اشتهر بإرسائه مبادئ الطاقة الحرارية، وبصياغته الدقيقة لكل من قانونها الأول الذي كان العالم جول قد عرضه أولا، ولقانونها الثاني.. بالإضافة إلى ذلك، فهو مكتشف قياس الحرارة المطلقة، والتي أطلق اسمه على وحدتها تكريما له، كما أنه سجل نحو تسعين اختراعا خلال حياته.. وقد عبر عن إيمانه بالله بقوله: (كل ما حولنا يشير بوضوح تام إلى خطة حكيمة وصالحة.. أما فكرة الإلحاد فهي بعيدة كل البعد عن المنطق السليم بشكل أعجز عن التعبير عنه بالكلمات)([8])

ومنهم [جايمس كلارك ماكسويل] (1831ـ 1879)، صاحب نظرية الكهرطاسية، مع ما يرافقها من معادلات، والتي مهدت السبيل أمام فيزياء القرن العشرين.. وقد كان من صلواته التي حفظت في وثائقه قوله: (اللهم القادر على كل شئ، يا من خلقت الإنسان، وجعلته نفسا حيا حتى يتسنى له أن يطلب وجهك، كما سلطته على المخلوقات، علمنا أن ندرس أعمال يديك بهدف تسخير الأرض لخدمتنا، وعزز دوافعنا المقدسة لخدمتك)

ومنهم [جوانّس كبلر] (1571ـ 1630) الذي استحق، بفضل اكتشافاته في علم الفلك، أن يوصف بالرجل الذي باشر العملية التي اعتمدت المنطق بدل الخرافات، فقوانينه الثلاث حول مسار الكواكب، هي التي أرست أسس علم الفلك الحديث، وقد عبر عن إيمانه بقوله: (أنا مسيحي مؤمن، معترفاً بأن الله هو الخالق اللطيف الذي كوّن الطبيعة من لا شيء)([9]) وذكر في كتابه [انسجام العالمين]، والذي أصدره في العام 1619 لتدوين مبدأه الثالث المتعلق بمسار الكواكب، هذه الكلمات: (عظيم هو الله ربنا، وعظيمة قدرته، ولا نهاية لحكمته)([10])

ومنهم [روبرت بويل] (1627ـ 1691) الذي يعتبر بحق رائد الكيمياء الحديثة، والذي كان له دور كبير في تقدم التفكير العلمي، ومن جملة اكتشافاته الشهيرة، جهوده بشأن علاقة ضغط الغازات بحجمها، والتي لا تزال تُعرف في أيامنا بقانون بويل.. فهو لم يكتف بتلك العلوم فقط، بل أضاف إليها تأليفه لبعض الكتب الدينية التي ضمنها مجموعة من التأملات الروحية التي انطلق فيها من عالم الطبيعة لتوضيح حقائق الدينية ([11]).

ومنهم [إسحق نيوتن] (1642ـ 1737)، صاحب الاكتشافات الكثيرة، كقوانين الجاذبية وقوانين الحركة وغيرها، بالإضافة إلى مساهماته في حقول الفيزياء، والرياضيات، وعلم الفلك وغيرها، وقد كتب متحدثا عن كتابه [برينسيبا ماثيماتيكا] الذي يعد من أعظم الكتب العلمية، وأكثرها تأثيرا في مسار التطور العلمي، ولا سيما في الفيزياء: (لقد كتبت هذا الكتاب وأنا أضع نصب عيني أن يكون سبيلا إلى مساعدة الناس على أن يؤمنوا بالله المعبود، ولن يسعدني شيء أكثر من تحقيق هذه الغاية)، ومن أقواله المأثورة: (يكفي أن أنظر لإبهامي حتى أكون مؤمنا بالله)، ومن أقواله: (الإلحاد هو ضربٌ من الغباء. فعندما أنظر إلى النظام الشمسي، أرى أن الأرض تقع على المسافة المناسبة من الشمس، والتي تمكّنها من الحصول على الكميات المناسبة من الحرارة والنور. وهذا بالطبع، لم يحدث من قبيل الصدفة)، ومن أقواله: (إن هذا النظام الرائع الذي يتكوّن من الشمس والكواكب والمذنّبات لا يمكنه أن يصدر إلاّ عن مشورة وسلطان كائن فهيم وفطن… وهذا الكائن الإلهي هو الذي يتحكّم بالكل إذ هو رب الكل)([12])

ومنهم [مايكل فاراداي] (1791ـ 1867) الذي كان رائداً في حقل الكهرباء، وهو المسؤول عن اختراع كل من المولّد الكهربائي والمحوّل الكهربائي، كما أنه كان من أوائل مصنعي المحركات الكهربائية، ولهذا أطلقت فاراد (Farad) على وحدة المواسعة الكهربائية، ومن أقواله المعبرة عن إيمانه قوله لمن سأله عن تخميناته بشأن ما يحصل بعد الموت: (أنت تحدثني عن تخمينات؟ ليس عندي أية تخمينات. بل أنا مستند إلى أمور يقينية وأكيدة. لأني عالم بمن آمنت وموقن أنه قادر أن يحفظ وديعتي إلى ذلك اليوم)([13])

ومنهم [صموئيل مورس] (1791ـ 1872) مخترع التلغراف، ونظام مورس الذي دُعي باسمه، والذي اختار عبارة [ما فعل الله] الواردة في الكتاب المقدس ([14])، لتكون أول رسالة رسمية تم نقلها بواسطة التلغراف، ومن تصريحاته المعبرة عن إيمانه قوله: (أنه عمل الرب… ليس لنا، يا رب، ليس لنا، لكن لاسمك أعطِ مجداً)([15])

ومنهم [متى موري] (1806ـ 1873) الذي كان رائداً في مجالي علم المحيطات، وعلم وصف المياه، والذي كانت مقالاته وكتبه من أشهر المراجع في هذين الحقلين، ومن كلماته المعبرة عن إيمانه قوله: (لقد لامني العلماء على اقتباسي من الكتاب المقدس لتثبيت مبادئ الجغرافيا المادية. فالكتاب المقدس، في زعمهم، لم يُكتب لأهداف علمية، وبالتالي لا سلطة له في ما يتعلق بالمسائل العلمية. لكن أرجو منكم المعذرة. فالكتاب المقدس هو السلطة بالنسبة إلى كل شيء يأتي على ذكره… إن الكتاب المقدس هو حق وصحيح، كما أن العلوم أيضاً هي حق وصحيحة. وهكذا فإن قراءة كل واحد منهما، على نحوٍ صحيح، لن يعمل إلا على برهان صحة الآخر)([16])

ومنهم [لويس باستور] (1822ـ 1895)، مؤسس الصنف علم الأحياء المجهري (Microbiology) وعلم الجراثيم (Bacteriology)، والذي اقترح التلقيح، وتحصين المناعة، والبسترة، والتي ساعدت على إنقاذ حياة الملايين من الناس، وصاحب قانون النشوء الإحيائي، داحضاً بذلك فكرة التولّد التلقائي، والتي كانت رائحة في ذلك الحين.. وهو مع كل هذه المنجزات العلمية الضخمة، كان مؤمنا، ولم يحل العلم بينه وبين الإيمان، وقد عبر عن إيمانه بقوله: (العلم يعمل على تقريب الناس من الله)، وقال: (كلّما أمعنتُ في دراسة الطبيعة، كلّما ازدادت دهشتي أمام عما الخالق)([17])

ومنهم [البروفسور جون بولكنجهورن] الفيزيائي الشهير الذي تأثر تأثرا شديدا بسبب انحراف الفيزياء النظرية عن مجالها، ودخولها في عوالم ممتلئة بالغموض والغرابة للهروب من الله.. وقد قال معبرا عن نقده الشديد لنظرية الأكوان المتعددة: (إنها ليست فيزياء.. إنها في أحسن الأحوال فكرة ميتافيزيقيه، ولا يوجد سبب علمي واحد للإيمان بمجوعة من الأكوان المتعددة.. إن ماعليه العالم الآن هو نتيجة لإرادة خالق يحدد كيف يجب أن يكون)

ومنهم [جوهانس كبلر] صاحب الاكتشافات العظيمة في علم الفلك، والذي يوصف بالرجل الذي باشر العملية التي اعتمدت المنطق بدل الخرافات، بفضل قوانينه الثلاثة حول مسار الكواكب، والتي أرست أسس علم الفلك الحديث.. والذي لم تمنعه شهرته العلمية من إعلان إيمانه بالله، معترفا بأن الله هو (الخالق اللطيف الذي كوّن الطبيعة من لا شيء).. كما أنه اعترف بأنه قوانينه التي اكتشفها جاءت وليدة إيمانه بأن الله هو إله ترتيب، وليس إله تشويش.. ولهذا فقد أطلق على كتابه عنوان [انسجام العالمين]، الذي وردت فيه هذه العبارات الجميلة: (عظيم هو الله ربنا، وعظيمة قدرته، ولا نهاية لحكمته)

ومنهم [أنطوني فلو] ذلك الفيلسوف والعالم الذي عاش فترة طويلة من حياته في الإلحاد، حتى أنه اشتهر بكونه فيلسوف الإلحاد، لكونه ظل ما يقارب ستين عاماً يدافع عن الفكر الإلحادي في جامعات أكسفورد وأبيردين وكيلي وريدينغ وفي كثيرمن الجامعات الأمريكيه والكنديه التي قام بها بزيارتها، مستخدما لذلك كل الوسائل من مناظرات وكتب ومقالات وغيرها، لكنه لم يجد في الأخير ملاذا إلا في الإيمان، فكتب كتابه الذي ينتقد فيه نفسه، وسماه [للكون إله]، وقد عبر عن سبب اختياره الإيمان، فقال: (لقد أثبتت أبحاث علماء الأحياء في مجال الحمض النووي الوراثي، مع التعقيدات شبه المستحيله المتعلقه بالترتيبات اللازمه لإيجاد الحياة أثبتت أنه لابد حتماً من وجود قوة خارقة وراءها).. وقال لي: (لقد أصبح من الصعوبه البالغه مجرد البدء في التفكير في إيجاد نظرية تنادي بالمذهب الطبيعي لعملية نمو أو تطور ذلك الكائن الحي المبني على مبدأ التوالد والتكاثر)

ومنهم [جورج ايرل دافيز] عالم الطبيعة، ورئيس قسم البحوث الذرية بالبحرية الأمريكية، والأخصائي في الإشعاع الشمسي والبصريات الهندسية والطبيعية، والذي لم يمنعه علمه من أن يصرح بإيمانه بالله، بل يكتب المقالات العلمية في الدعوة إليه، ومن أقواله في ذلك، والتي سجلها في بعض مقالاته: (تعددت الأسباب التي تدفع بالإنسان إلى إعادة النظر في أمور الدين، ولكننا نؤمن أنها ترجع جميعا إلى رغبة البشر رغبة صادقة في الوصول إلى الحقيقة)

ثم راح يفرق بين انتقاد بعض المفاهيم أو الممارسات الدينية وبين الإيمان بالله، فقال: (ينبغي أن نفرق في هذا المقام بين معارضة الدين أو الخروج عليه ويبين الإلحاد، وأن نعترف بأن من يخرج على بعض الأفكار التقليدية التي ينطوي عليها دين من الأديان، لكي يؤمن بوجود إله قوي كبير، لا يجوز أن نعده بسبب ذلك وحده ملحدا.. فمثل هذا الشخص قد يكون غير معتنق لدين من الأديان، ولكنه يؤمن بالله، وقد يكون إيمانه هذا بالله قائما على أساس متين)

ثم راح يفند تلك المقولة التي تجعل العلم حكرا على الملاحدة، فقال: (وليس معنى ذلك أننا ننكر وجود الإلحاد والملحدين بين المشتغلين بدراسة العلوم، إلا أن الاعتقاد الشائع بأن الإلحاد منتشر بين رجال العلوم أكثر من انتشاره بين غيرهم، لا يقوم على صحته دليل، بل إنه يتعارض مع ما نلاحظه فعلا من شيوع الإيمان بين جمهرة المشتغلين بالعلوم)

ومنهم الفيزيائي الشهير [راسل ستانارد] الذي عبر عن رفضه لأمثال تلك الطروحات التي لبست لباس العلم والفيزياء لتبتعد الله، وتلغي وجوده، ومن أقواله في ذلك: (إن فلسفة هاوكنج تحديدا ما أعارضه، فهي كما وصلتني مثال واضح على التعالم، فطرح أن العلم هو مصدر المعلومات الوحيد، وأننا لدينا فهم كامل لكل شيء هراء، بل هراء خطير أيضا، فهو يشعر العلماء بالكبر والغرور بشكل مبالغ فيه)

وقال عن [نظرية الأوتار]: (إنها نظرية تحتاج لمصادم هيدروني بحجم مجرة لاختبارها وهذا غير ممكن.. حسنا لو قلنا ـ طبقا للنظرية ـ إن الكون خلق نفسه، فمن أوجد النظرية؟ ومن أوجد القوانين الفيزيائية الخاصة بها؟.. ورغم ذلك فلا توجد لها معادلة فيزيائية حتى الآن.. أطلب منهم أن يكتبوا معادلة فيزيائية.. لن يفعلوا لانهم ببساطة لايمتلكونها)

ومنهم الفيزيائي الألماني الكبير، والحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1932.. وأحد مؤسسي فيزياء الكم، وصاحب أحد أهم مباديء الفيزياء الحديثة، مبدأ عدم اليقين، والقائل: (إنه نظام مبهر تحكمه قوة حكيمة قادرة، لو اختفت من الوجود لاجتاحت الجنس البشرى مصائب رهيبة أسوأ من الانفجارات النووية وحروب الإبادة)

ومنهم [توماس دافيدباركس] ذلك الأستاذ الألمعي في الكيمياء، والأخصائي في النظريات الكهربية والأشعة السينية.. والذي لم يمنعه علمه من أن يؤمن بالله، وينضم إلى الدعاة إليه.

ومنهم [وولز اوسكار لندبرغ] عالم الفسيولوجيا والكيمياء الحيوية، والقائل: (للعالم المشتغل بالبحوث العلمية ميزة على غيره، وإذا استطاع أن يستخدم هذه الميزة في إدراك الحقيقة حول وجود الله، فالمبادئ الأساسية التي تستند اليها الطريقة العلمية التي يجري بحوثه على مقتضاها هي ذاتها دليل على وجود الله)

 ومنهم [ليونارد سسكايند] (من مواليد 1940) أبو نظرية الأوتار الفائقة، وأستاذ الفيزياء النظرية بجامعة ستافورد، والذي كان في بداية أمره مُلحدا، لكن بعد أبحاثه الأخيرة أعترف أنه يستحيل أن ينشأ الكون إلا من خلال تصميم ذكي وتَرك الإلحاد جانبـا، وهو يدافع الآن بكل قوة عن ضرورة وجود إله، وقد كتب في ذلك كتابه [حرب الثقب الأسود: معركتي مع ستيفن هاوكنج من أجل جعل العالم أكثر أمانا مع ميكانيكا الكم]، والذي انتقد فيه بشدة طروحات ستيفن هاوكنج الإلحادية.

ومنهم [روبرت موريس بيج] (1853 ـ 1924 م) عالم الطبيعة، وأول من اكتشف الرادار في العالم سنة 1934، وسجل عشرات الأبحاث حوله.. والذي لم يمنعه علمه من أن يصرح بالإيمان بالله، بل يدعو إليه، ويبرهن عليه، ومن أقوال في ذلك: (ولابد لنا أن نسلم فوق ذلك بما يسلم به الكثيرون من أن قدرتنا على الملاحظة لا تستطيع أن تمتد لغير جزيء ضئيل نسبياً من الحقيقة الكلية.. فالإله الذي نسلم بوجوده لا ينتمي إلى عالم الماديات، ولا تستطيع حواسنا المحدودة أن تدركه، وعلى ذلك فمن العبث أن نحاول إثبات وجوده باستخدام العلوم الطبيعية لأنه يشغل دائرة غير دائرتها المحدودة الضيقة)

ومنهم [ألكسيس كاريل] (1873ـ1944)ذلك الطبيب الجراح، الذي حاز على جائزة نوبل في الطب عام 1912.. والذي لم يححبه علمه عن ربه، فقد كتب كثيرا عن الله وأهمية التواصل معه، ومن أقواله في ذلك: (لعل الصلاة هي أعظم طاقة مولدة للنشاط عرفت إلى يومنا هذا، وقد رأيت بوصفي طبيباً كثيراً من المرضى فشلت العقاقير في علاجهم فلما رفع الطب يديه عجزاً وتسليماً دخلت الصلاة فبرأتهم من عللهم)

وقال: (إن الصلاة كمعدن الراديوم مصدر للإشاعات ومولد للنشاط، وبالصلاة يسعى الناس إلى زيادة نشاطهم المحدود حين يخاطبون القوة التي يغنى نشاطها)

وقال: (إننا نربط أنفسنا حين نصلى بالقوة العظمى التي تهيمن على الكون ونسألها ضارعين أن تمنحنا قبسا منها نستعين به على معاناة الحياة بل أن القراءة وحدها كفيلة بأن تزيد قوتنا ونشاطنا ولن نجد أحدا يضرع إلى الله إلا عادت عليه الضراعة بأحسن النتائج)

وكان يقول في تواضع شديد، وهو الحائز على جائزة نوبل في العلوم: (لست فيلسوفاً، ولكنني رجل علم فقط، قضيت الشطر الأكبر من حياتي في المعمل أدرس الكائنات الحية، والشطر الباقي في العالم الفسيح أراقب بني الإنسان، وأحاول أن أفهمهم، ومع ذلك فإنني لا أدعي أنني أعالج أموراً خارج نطاق حقل الملاحظة العلمية)

هذه مجرد نماذج عن كبار العلماء الذين لم يحل علمهم بينهم وبين الإيمان، وذلك أكبر دليل على أنه لا علاقة بين العلم والإلحاد، وأن الإلحاد رغبة نفسية، لا نتيجة للأبحاث العلمية.

بل إننا نجد في العصر الحديث كبار المفكرين والفلاسفة والعلماء الذين لم يكتفوا بالإيمان المجرد، وإنما استطاعوا بعد البحث الطويل، والمرور على التيارات الفكرية المختلفة التعرف على الإسلام، والإيمان به، والإذعان له، والكتابة في الدعوة إليه.. وهم كثيرون جدا، وذلك دليل على ما يحمله الإسلام من مفاهيم الدين الصحيح التي تتناسب مع العقل والفطرة، وتحمل مشروعا للبشرية، يدل على كونه رسالة إلهية.

ومن هؤلاء([18]) الفيلسوف السويديِّ هوجان لارسون الذي أعلن عن إسلامِه في السويد مؤخرا، والفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي، والعالم والطبيب الفرنسي موريس بوكاي، والكاتب النمساوي محمد أسد، والدبلوماسي والسفير الألماني مراد هوفمان، والمغني الإنجليزي كات ستيفنس(يوسف إسلام)، والداعية الإسكتلندي عبد القادر الصوفي، والكاتبة الأمريكية مريم جميلة، والدبلوماسي الانكليزي غي إيتون، والمستشرق الانكليزي مارتن لنغر، والكاتبة الانكليزية عايشة بويلي، والكاتبة الاسترالية جميلة جونز، والأنتروبولوجي الألماني أحمد فون دينفر، وأستاذ الرياضيات الأمريكي جيفري لانغ، وغيرهم كثير..

وقد ذكرنا الكثير منهم، ومواقفهم من الإسلام في كتاب [قلوب مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم]، ويمكن للداعية الرجوع إليه لمعرفة مواقفهم ومواقف الكثير من الغربيين من الحضارة المادية التي أنشأها الفكر الملحد، والتي لم تستطع أن تلبي حاجات البشرية النفسية والروحية والعقلية.. بل كانت وسيلة للصراع بين الأمم، واستغلال المستكبرين للمستضعفين.

بالإضافة إلى ذلك نجد في سير حياتهم كيفية تعرفهم على الإسلام، وسر انجذابهم له، ونقدا عميقا للفكر المادي الإلحادي وللديانة المسيحية أو اليهودية، متفاعلين بعقول ناقدة ويقظة مع منتجات الحضارة الغربية وإشكالات الثقافة الأوروبية في مختلف الأبعاد الفلسفية والتاريخية والفكرية والسياسية.

فمن هؤلاء ـ مثلا ـ [روجيه غارودي] فيلسوف القرن العشرين بفرنسا، والذي مر بتحولات فكرية كثيرة إلى أن وصل إلى الإسلام، ([19]) فمنذ سنة 1933 انتمى للحزب الشيوعي الفرنسي معتقدا (أن الشيوعية كانت الاختيار الوحيد الذي يطرح بديلا للخروج من أزمة الرأسمالية. كما كانت أفضل جبهة تقاوم هتلر والنازية في هذه الفترة، ففي فرنسا ـ على سبيل المثال ـ كان معظم المشتغلين بالكتابة والفنون وأساتذة الجامعات، وحائزي جائزة نوبل: إما أعضاء في الحزب الشيوعي أو أصدقاء للشيوعيين. وذلك بسبب الحالة السيئة التي نشأت عن أزمة الرأسمالية وتيار المقاومة لنازية هتلر)([20])

وكان غارودي يبحث عن إيديولوجيا توفر السلام والأمن للبشرية، وتمنح الانسجام بين الأخلاق والسياسة، وبين الروح والمادة، وبين الفرد والمجتمع، وبين الثقافات الغربية وغير الغربية؛ أي أيديولوجيا عالمية تضم كل البشر.

كان يبحث عن دين يسمو فوق القومية والوطن واللغة والمستوى الاقتصادي للحياة، ويمنح الحياة الإنسانية معناها الحقيقي، وقد وجد غارودي في الإسلام النموذج لنوع من الحوار التوفيقي الذي كان مشغولا به طوال ثلاثين عاما.

ولذلك فإنه وفي سنة 1966 أصدر كتابه [ماركسية القرن العشرين]، مؤسسا بذلك موقفا نقديا من مسلمات الماركسية الثابتة، متهما الماركسية بالتحول إلى دين رسمي ذي طقوس وأتباع، ومبرزا أن هذه المقولة مخالفة لقول انجلز: (نظريتنا ليست ناموسا إلهيا، ناموسا يجب حفظه عن ظهر قلب وترديده بصورة آلية، بل هي دليل عمل)، كما انتقد فيه الفهم الخاطئ لمقولة: (الدين أفيون الشعوب)، فالادعاء بأن الدين في كل زمان ومكان يصرف الإنسان عن العمل والكفاح متناقض تناقضا صارخا مع الواقع التاريخي([21]).

وقد طرح غارودي في سياق مراجعاته للماركسية الجامدة، مقولة [لا دين أفيون للشعوب، ولا إلحاد وضعي]

 ولذلك رأى في تلك الفترة ـ وفي سياق نقده للماركسية ـ أن البديل الحقيقي هو إيمان مناضل وخلاق، لا يقصر الواقع على ما هو كائن فحسب، بل يضمنه أيضا جميع ممكنات مستقبل يبدو على الدوام مستحيلا في نظر من لا يملك قوة التأمل. فالإيمان يعني الأمل، مع ما يحمله من استكشاف الإمكانيات الكامنة وراء الواقع المباشر.

ويبرز ذلك غارودي بعمق وتفصيل أكثر في كتابه: [نحو حرب دينية] في سياقه مراجعته للماركسية، حيث اعتبر أن الإلحاد لم يكن مكوّنا ضروريا من مكونات الاشتراكية. كما أكد أن ماركس لم يقم بنقد فلسفي للدين، بل قام بنقد سياسي، مفسرا ذلك بقوله: (ففي نضاله من أجل الطبقات المستغلَّة والمضطهدة، اصطدم[ماركس] في أوروبا التي سيطرت عليها روح [الحلف المقدس] بين كبار رجال الدين والأمراء ضد كل حركة ديموقراطية أو اشتراكية، بدين يلعب، فعلا، دور أفيون الشعب)([22])

وبعد تلك التحولات الكثيرة التي مر بها، تحدث عن نفسه ملخصا رحلة حوالي ثمانين عاما من البحث الفكري والعمل النضالي في قضية [المحاكمة بالذات] والتي انتهت باتهامه بمعاداة السامية، ومما جاء فيها قوله ـ متوجها لقاضيه وللجمهور الحاضر في قاعة المحكمة ـ: (إنني أستاذ جامعي متقاعد، وكاتب ألفت 54 كتابا وترجمت كتبي إلى 29 لغة وقدمت عني 22 أطروحة جامعية، وقد قاومت النازية في أثناء الاحتلال، ونفيت طيلة 33 شهرا في الجزائر، وكنت عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، لكنني فصلت من الحزب عام 1970؛ لأنني قلت إن الاتحاد السوفيتي ليس بلدا اشتراكيا، كما عملت 14عاما كنائب في الجمعية الوطنية (البرلمان) ثم اعتنقت الإسلام)

وعندما نبحث في كتبه عن أسباب اعتناقه للإسلام بعد كل تلك الرحلة الطويلة من البحث نجد أنها أسباب فكرية بالدرجة الأولى، فالواقع الإسلامي لم يكن يشجع أبدا على الإسلام، ولكنه وعند عودته للمصادر المقدسة للمسلمين، وجد فيها كل ما يهفو إليه.

لقد وجد روجيه أن كل تلك المراحل الفكرية التي مر بها ابتداء من المادية الجدلية، والتفسيرات الأرسطية والهيجلية والماركسية للمجتمع وللاقتصاد والثقافة والفن وللكون بشكل أشمل، وانتهاء ببعض التجارب الدينية من البروتستانتية إلى الكاثوليكية، كانت مجرد طريق عبد له ليصل من خلاله إلى الإسلام.

وقد قال في بعض حواراته: (الخطيئة الكبرى في الحضارة الغربية أنها اعتمدت صيغة النمو المادي التراكمي.. نمو الإنتاج ونمو الاستهلاك كمعيار أوحد للتقدم وللسعادة وللعمل الإنساني ولكن ماذا بعد؟ ماذا بعد المزيد والمزيد من إنتاج السيارات والماكينات وأجهزة الكومبيوتر؟ ماذا بعد المزيد والمزيد من البنوك والأرباح المالية؟ ماذا بعد المزيد والمزيد من المدن والطرق والمصانع؟ إلى أين سنصل بعد ذلك.. وأين النمو في القيم والأخلاق والمعاملات والسعادة الحقيقية؟)([23])

وفي حوار آخر له مع مجلة الأمة لخص أسباب انجذابه للإسلام قائلا: (إذا حكمت على الأمور في ضوء تجربتي الشخصية فإنني أقول: إن ما كان يشغلني هو البحث عن النقطة التي يلتقي فيها الوجدان بالعقل أو الإبداع الفني والشعري بالعمل السياسي العقيدي، وقد مكنني الإسلام والحمد لله من بلوغ نقطة التوحيد بينهما ففي حين أن الأحداث في عالمنا تبدو عمياء متطاحنة وقائمة على النمو الكمي والعنف يروضنا القرآن الكريم على اعتبار الكون والبشرية وحدة واحدة يكتسب فيها الدور الذي يسهم به الإنسان معنى)([24])

وقال: (أحب أن أقول إن انتمائي للإسلام لم يأت بمحض الصدفة، بل جاء بعد رحلة عناء وبحث، ورحلة طويلة تخللتها منعطفات كثيرة، حتى وصلت إلى مرحلة اليقين الكامل، والخلود إلى العقيدة أو الديانة التي تمثل الاستقرار، والإسلام في نظري هو الاستقرار.. بدا لي الإسلام حامل إجابة على أسئلة حياتي)([25])

هذا مجرد نموذج عن مفكر مر بمراحل فكرية ودينية متعددة إلى أن وصل إلى الإسلام، ويوجد أمثاله الكثير من المفكرين والعلماء، والذين يمكن الاستفادة من طروحاتهم في التفريق بين الدين المزيف والدين الإلهي، لأن مشكلة الملاحدة هي جحودهم للإيمان بالله بسبب مواقفهم من التحريفات الدينية.

2 ـ الدين.. والعلم:

من الطروحات التي يرددها الملاحدة كثيرا في ردودهم على الإيمان بالله، وبيان عدم مصداقيته دعواهم التناقض بين الدين والعلم.. وهذا ـ مع كونه غير مرتبط بالإيمان بالله كما ذكرنا سابقا، لأن الدين قضية، والإيمان بالله قضية أخرى ـ صحيح من بعض الجهات، ولكنه ليس صحيحا من الجهات كلها.

ولذلك كان على الداعية أن يبين بعض مصداقيتهم في هذا الجانب، ولا يجادلهم فيه؛ فالحق أحق أن يتبع، بل إن اتفاقه معهم في هذا الجانب قد يكون مقدمة لتليينهم لمعرفة الحق والإذعان له.

ذلك أن هناك الكثير من رجال الدين الذين ربطوا بين الدين وبين بعض الخرافات، ثم طلبوا من العلماء أن يؤمنوا بها، وقد وقع ذلك في جميع الأديان بما فيها الإسلام نفسه..

ولذلك كان الموقف الصحيح هو مواجهة التحريفات، لا الرد على الدين نفسه.. والأولى أن يقوم أصحاب الدين نفسه بالمواجهة والرد، حتى لا يكون دينهم عقبة وحائلا دون الإيمان.

وسنذكر هنا بعض الأمثلة على ذلك من خلال الديانتين الكبيرتين: المسيحية والإسلام.

أ ـ المسيحية والعلم:

لا يمكننا أن ننكر الصراع بين المسيحية كدين أو كنيسة والعلم، فكلاهما يتبنى بعض المعتقدات التي تتناقض مع العلم، ولذلك كان ذلك الصراع سببا في ظهور الكثير من المدارس الإلحادية التي لم تستطع أن تمزج بين منتجات العلم القطعية، وبين ما في الكتاب المقدس، أو ما تتبناه الكنيسة من معارف وعلوم.

وسبب ذلك لا يعود للدين الإلهي نفسه، ذلك الدين النقي الصافي الذي جاء به المسيح عليه السلام، وإنما يعود لخطأين وقعت فيهما الكنسية:

أولهما: تحريف حقائق الوحي الإلهي وخلطها بكلام البشر، ولهذا نجد الكثير من الأسفار التي كتبها بشر عاديون، ومع ذلك توصف بالكتب المقدسة، وقد فصلنا الحديث عنها في كتاب [الكلمات المقدسة]

وثانيهما: فرض الوصاية على العلماء الذين يخالفونها في تلك المعتقدات التي تؤمن بها، وقد نشأ هذا عن ضيق صدر الكنيسة بما يخالف تعاليمها المختلطة، وإصرارها على التشبث بها، فكان الامتداد الطبيعي للطغيان الديني طغياناً فكرياً عاماً.

الخطأ الأول:

أما الخطأ الأول؛ فهو أنه كما تسربت الوثنيات إلى عقائد المسيحية، وتسربت طقوس الوثنية إلى شعائرها، تسربت الخرافات إلى علومها.. ولم تكتف بقبولها، بل راحت تحتكرها، وتعتبرها عقائد لازمة يحرم من جحدها.

فقد تبنت الكنيسة آراء أرسطو في الفلسفة والطب ونظرية العناصر الأربعة ونظرية بطليموس في أن الأرض مركز الكون.. وما أضاف إلى ذلك كله القديس أوغسطين وكليمان الإسكندري وتوما الاكويني.. واعتبرت هذا المزيج من الآراء البشرية أصولاً من أصول الدين المسيحي وعقائد مقدسة لا يصح أن يتطرق إليها الشك.

وقد كانت هذه العلوم المسيحية تشتمل على معلومات تفصيلية عن الكون.. تذكر بأن الله خلق العالم ابتداء من سنة 4004 ق.م، وتوج ذلك بخلق الإنسان في جنة عدن.. والعجيب أنها ظلت مصرة على هذا الرأي حتى مطلع القرن التاسع عشر، فقد طبع كتاب الأسقف (آشر) الذي يحمل هذه النظرية سنة 1779 م ([26]).

بالإضافة إلى هذا؛ فقد رأت الكنيسة أن الأرض يجب أن تكون مركز الكون الثابت لأن الأقنوم الثاني.. الذي هو المسيح.. تجسد فيها، وعليها تمت عملية الخلاص والفداء، وفوقها يتناول العشاء الرباني، وأضافوا إلى هذا ما فهموه من قول التوراة: (الأرض قائمة إلى الأبد، والشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق) (سفر الجامعة:1/ 5-6)

أما كروية الأرض وسكنى جانبها الآخر، فنفتها الكنيسة بحجة أن (من خطل الرأي أن يعتقد الإنسان بوجود أناس تعلو مواطئ أقدامهم على رؤوسهم وبوجود نباتات وأشجار تنمو ضاربة إلى أسفل، وقالت إنه لو صح هذا الزعم لوجب أن يمضي المسيح إلى سكان الوجه الآخر من الأرض ويموت مصلوباً هناك من أجل خلاصهم)([27])

أما تاريخ الطوفان فتختلف فيه تقاويم التوراة، لكنه على أقصى آرائها وقع بعد خلق آدم بـ (2262)سنة([28])، ومعنى ذلك أنه كان سنة 1742 ق.م.

ومن الطريف أن مجلساً كنسياً كان قد أعلن في بداية القرن العاشر للميلاد أن القرن الأخير من حياة العالم قد استهل، لأن الله قد جعل المدة بين إنزال ابنه ونهاية العلم ألف سنة فقط([29]).

هذه بعض معلوماتها التاريخية.. أما معلوماتها الطبية، فقد كانت أفضل وأنجح الوسائل العلاجية في نظرها إقامة الطقوس لطرد الشياطين التي تجلب المرض، ورسم إشارة لصليب ووضع صور العذراء والقديسين تحت رأس المريض ليشفي.

الخطأ الثاني:

وقد برز بعد احتكاك الكثير من الأوروبيين بمراكز الحضارة الإسلامية في الأندلس وصقلية وجنوب إيطالية، ونتجت عنه ثورة علمية في أوروبا، وهنا ثارت ثائرة رجال الكنيسة على الذين يتلقون علوم الكفار.. والذين لم يكونوا في نظرهم غير المسلمين..

فلذلك أعلنت حالة الطوارئ ضدهم، وشكلت محاكم التفتيش في كل مكان تتصيدهم وتذيقهم صنوف النكال.. وأصدرت منشورات بابوية جديدة تؤكد العقائد السابقة، وتلعن وتحرم مخالفيها.. وبذلك قامت المعركة بين الكنيسة والعلم، وأخذت تزداد سعاراً بمرور الأيام.

وقد كان من أول النظريات العلمية التي صادمت الكنيسة نظرية كوبرنيق (1543) الفلكية، فقبل هذه النظرية كانت الكنيسة المصدر الوحيد للمعرفة، وكانت فلسفتها تعتنق نظرية بطليموس التي تجعل الأرض مركز الكون، وتقول أن الأجرام السماوية كافة تدور حولها.

فلما ظهر كوبرنيق بنظريته القائلة بعكس ذلك كان جديراً بأن يقع في قبضة محكمة التفتيش، ولم ينج من ذلك لأنه كان قسيساً، بل لأن المنية أدركته بعد طبع كتابه بقليل، فلم تعط المحكمة فرصة لعقوبته، إلا أن الكنيسة حرمت كتابه (حركات الأجرام السماوية)، ومنعت تداوله وذكرت أن ما فيه هو وساوس شيطانية مغايرة لروح الإنجيل.

وقد ظن رجال الكنيسة أن أمر هذه النظرية قد انتهى، ولكن رجلاً آخر هو (جردانو برونو) بعث النظرية بعد وفاة صاحبها، فقبضت عليه محكمة التفتيش، وزجت به في السجن ست سنوات، فلما أصر على رأيه أحرقته سنة 1600م وذرت رماده في الهواء.

وبعد موته ببضع سنوات كان (جاليلو) قد توصل إلى صنع المرقب (التلسكوب)، فأيد تجريبياً ما نادى به أسلافه نظرياً، فكان ذلك مبرراً للقبض عليه ومحاكمته، وقضى عليه سبعة من الكرادلة بالسجن مدة من الزمان، وأمر بتلاوة مزامير الندم السبعة مرة كل أسبوع طوال ثلاث سنوات ([30])..

ولما خشي على حياته أن تنتهي بالطريق التي انتهى بها برونو أعلن ارتداده عن رأيه، وهو راكع على قدميه أمام رئيس المحكمة قائلاً: (أنا جاليلو.. وقد بلغت السبعين من عمري.. سجين راكع أمام فخامتك، والكتاب المقدس أمامي ألمسه بيدي، أرفض وألعن وأحتقر القول الإلحادي الخاطئ بدوران الأرض)

ولم يكتف بهذا التعهد.. بل أضاف إليه التعهد بتبليغ المحكمة عن كل ملحد يوسوس له الشيطان بتأييد هذا الزعم المضلل([31]).

لكن الكنيسة لم تستطع أن تستمر في نصرة آرائها بهذه الطريقة، ذلك أنه لم يكد القرن السابع عشر يستهل حتى كان لنظرية كوبرنيق وما أضاف إليها برونو وجاليلو آثار واسعة، ظلت راسخة في الفلسفة الأوروبية عامة، وذلك ما أحدث أثرا خطيرا في ثقة الجماهير بالكنيسة جعلتهم يشكون في سلامة معلوماتها، وهو أثر له أهميته القصوى.

لقد قدم ذلك الصراع إيحاءات فلسفية جديدة، هزت فكرة الثبات المطلق التي كانت مسيطرة على العقلية الأوربية وحطت كذلك من قيمة الإنسان ومكانته في الوجود.

والأخطر من ذلك كله هو ما حصل من ثورة العلماء على الكنيسة كما ثار العامة عليها.. وتولد من تلك الثورة جاهلية جديدة فصلت العلم عن المبادئ والمثل.

وكان في إمكان الكنيسة حينها أن تراجع أطروحاتها، وتميز الإلهي من البشري في دينها، وتبحث عن أي محاولة توفيق تحفظ للعلم حرمته، وتحفظ للدين قداسته، لكنها لم تفعل، بل لجأت إلى سلاح الإرهاب الذي تدربت على استعماله في الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش.

فقد كان القرن السابع عشر هو القرن الذهبي لمحاكم التفتيش؛ فقد قاسى العلماء أنواع الاضطهاد، واستخدمت ضدهم أساليب القمع الوحشية وظهرت الفهارس أو (القوائم البابوية) التي تحتوى على أسماء الكتب المحرمة، وكان وجود شيء من هذه الكتب في حوزة إنسان ذريعة لسوقه إلى محكمة التفتيش وتعريضه لأليم عقابها.

وقاومت الكنيسة كل محاولة للتجديد وإن كانت نافعة خيرة، فقد كفرت رئيس بلدية في ألمانيا لأنه اخترع غاز الاستصباح بحجة أن الله خلق الليل ليلاً والنهار نهاراً، وهو بمخترعه يريد تغيير مشيئة الخالق فيجعل الليل نهاراً.

واضطرب حبل الكنيسة بظهور الروح الجديدة اضطراباً واضحاً وألقت بكل ثقلها في معركة كانت في غنى عن دخولها أمام الناس، لا سيما المثقفون الذين انتهزوا الفرصة وخيل إليهم أن الأقدار قد لاقت أيهم مفتاحاً سحرياً يخلصهم من سجن الكنيسة وأغلالها ذلك هو مفتاح (العلم والتجربة)

وبدأت خطايا الكنيسة والمسيحية التي كانت تغطى بستار القداسة تفتضح.. وأصبحت للناس ـ وللعلماء على الأقل ـ الجرأة الكافية ليقولوا للكنيسة: لا.

وكان (سبينوزا) ذلك اليهودي المتحرر من هؤلاء.. بل لعله أعنفهم.. فقد طبق المنهج العقلي على الكتاب المقدس نفسه، ووضع الأسس التي قامت عليها (مدرسة النقد التاريخي) التي ترى أنه يجب أن تدرس الكتب الدينية على النمط نفسه الذي تدرس به الأسانيد التاريخية.. أى على أساس أنها تراث بشري، وليست وحياً إلهيا.

وقد استنتج سبينوزا ـ انطلاقا من تطبيق هذا المنهج ـ أن أسفار التوراة لم يكتبها موسى عليه السلام، مستدلاً بما جاء في سفر التثنية من ذكر موت موسى ورثائه، وقول كاتب السفر: (لم يأت نبي مثله من بعده)([32])

واستطاع أن يثبت أن التوراة قد عينت أماكن بأسماء لم (توضع لها إلا بعد موسى بقرون عديدة)([33])

وفي إنجلترا طور جيبون النقد التاريخي للمسيحية في كتابه (سقوط الإمبراطورية الرومانية واضمحلالها).. أما هليوم فقد ابتدع مذهب الشك المطلق الذي كان ثورة نفسية على الإيمان المطلق طوال القرون الماضية.

كما استطاع (باسكال) أن يوجه نقده إلى عقيدة الخطيئة قائلاً: (لا شيء يزحم العقل الإنساني بالألم كعقيدة الخطيئة الأصلية، وأنه ليبدو أبعد ما يكون عن العقل أن يعاقب إنسان من أجل خطيئة اقترفها أحد أسلافه منذ أربعة آلاف سنة)

أما (جون لوك)، فقد خطا خطوة أبعد من ديكارت بأن طالب بإخضاع الوحي للعقل عند التعارض قائلاً: (من استبعد العقل ليفسح للوحي مجالاً، فقد أطفأ نور كليهما وكان مثله كمثل من يقنع إنساناً بأن يفقأ عينيه ويستعيض عنهما بنور خافت يتلقاه بواسطة المرقب من نجم سحيق)

كما دعا إلى تطبيق مبدأ جديد على الحياة الأوربية آنذاك، وهو مبدأ التسامح الديني وإعطاء الحق لكل إنسان في أن يعتنق ما يشاء ويكفر بما يشاء من الأديان والمذاهب.

لكن كل تلك الأصوات ظلت خافتة أمام بطش محاكم التفتيش، وضغط المجتمع الذي كان يدين بالمسيحية ويراها جزءاً من كيانه.. ولذلك لم يحرقوا.. ولكن تراثهم مع ذلك تعرض للحرق والمصادرة كما تعرضوا شخصياً للإيذاء والمضايقة من قبل الكنيسة.. إلى أن تفجر البركان العلمي في كل مكان والخلافات الداخلية بين الطوائف المسيحية شغلتها عن إعطائهم ما يستحقون من الاهتمام.

كما أن النظريات الجديدة عن الكون في ذلك الوقت قد غمرت الأفكار الفلسفية، واستأثرت بالاهتمام البالغ من قبل الأوساط الدينية والعلمية على السواء.

وحينها تجاوز النقد حد الأدب ليفسح الأمر لإله العقل الذي خلف إله الكنيسة.. فظهر فولتير الذي كان أعدى أعداء الكنيسة آنذاك؛ فقد نقد الكنيسة نقدا لاذعا، وكان أول ما انتقده العقيدة المسيحية في التثليث وتجسيم الاله والصور المقدسة وأنحى باللائمة على بولس الذي طمس المسيحية وحرفها، ولذلك كان الإيمان بالمسيحية في نظره هو (الاعتقاد بأشياء مستحيلة أو بأشياء تستعصي على الفهم فالحية تتكلم والحمار يتحدث وحوائط أريحا تتساقط بعد سماعها صوت الأبواق، إن الإيمان على هذا النحو هو على ما يقول أرازم هو الجنون)

أما الخطيئة الأولى فيرفضها فولتير، ويعتبرها إهانة لله واتهاماً له بالبربرية والتناقض، وذلك للتجرؤ على القول بأنه خلق الأجيال البشرية وعذبها لأن أباهم الأول قد أكل فاكهة من حديقته([34]).

وقد انتقد فولتير الطقوس السبعة نقدا مريرا، وسخر من الكتاب المقدس سخرية لاذعة تتجلى في قوله تعليقا علي معلومات التوراة الجغرافية: (من الواضح أن الله لم يكن قويا في الجغرافيا).. وقوله عن صيام المسيحية (دواء للفقراء لا يتعاطاه الأغنياء)، ويري (أن الطقوس والشعائر والعبادات والاحتفالات الدينية جرائم محلية يعاقب عليها كل من يزاولها لأنها ضارة بالمجتمع خاصة إذا تمت في صورة أضاح وقرابين)

أما آراؤه السياسية، فقد عبر عنها بقوله: (إن التوحيد بين الدين والدولة لهو أبشع نظام لذلك يجب إلغاؤه وإقامة نظام آخر يخضع فيه رجال الدين لنظم الدولة ويخضع فيها الراهب للقاضي)

وقال: (إنه لا يمكن طاعة البشر باسم طاعة الله لابد من طاعة البشر باسم قوانين الدولة)([35])

وقد جزعت الكنيسة من هذه الانتقادات والآراء جزعا شديدا، ولعنت فولتير وأشياعه وكفرتهم وحرمت قراءة كتبهم.. وتعرض فولتير للمضايقة والاضطهاد من قبل رجال اللاهوت، حتى أنه قال مخاطبا إنسان ذلك العصر: (أنت طائر في قفص محاكم التفتيش.. لقد قصت محاكم التفتيش جناحيك)([36])

وقد نشأت عن هذا ردود فعلية سلبية نحو الدين عموما لا المسيحية وحدها، مع أن الدين ليس محصورا في المسيحية، ولا في الكنيسة، وقد كان في إمكان العقلاء أن ينظروا في الأديان ويدرسوها دراسة موضوعية ليبحثوا عن الحقيقة، ويسلموا لها.

لكنهم لم يفعلوا، بل استبدلوا إله الكنيسة بإله العقل؛ فصار العقل هو الإله الجديد لذلك العصر.. وصار المخبر هو الكنيسة.. وصار البشر هم القرابين التي تقدم لمحرقة كنيسة العلم.

وقد وصف برنتن ذلك العصر الذي ابتدأت فيه عبودية العقل المصارع لإله الكنيسة، فقال: (كان العقل للرجل العادي في عصر التنوير هو كلمة السر الكبرى لعالمه الجديد، العقل هو الذي يسوق الناس إلى فهم الطبيعة.. وهذه هي كلمة السر الثانية الكبرى.. وبفهمه للطبيعة يصوغ سلوكه طبقاً لها، وبذلك يتجنب المحاولات العابثة التي قام بها في ظل لأفكار المسيحية التقليدية الخاطئة، وما يخالفها في الأخلاق والسياسة ممالا يناقض الطبيعة)([37])

وبين أن السبب في هذا يعود إلى المسيحية التي طبعتها الكنيسة بطابعها الخاص، قال: (إن المسيحية التقليدية لم تعد قادرة على أن تمد المستنيرين بنظرية كونية فقد بدأ الناس يعرفون ما يكفي من الجيولوجيا لكي يبين أن تاريخ الخليقة الذي حدده الأسقف (آشر) بعام 4004 ق م وتاريخ قصة الطوفان بعيدا الاحتمال.. ولكن مبدأ التثليث في المسيحية مثلاً: إن الرياضة كانت ضد هذا المبدأ فإن أي نظام رياضي محترم لا يسمح بأن يكون الثلاثة ثلاثة وواحداً في آن واحد، أما عن المعجزات فلماذا توقفت؟ إذا أمكن إحياء الميت في القرن الأول، فلماذا لا يحيا في القرن الثامن عشر)([38])

وبعد تخلص الإنسان في هذا العصر من القيود التي كانت تربطه بالكنيسة، راح يتمرد عليها في كل شيء، وراح يطلق العقل من أغلاله، ولم يعد مقيداً بأغلال الثنائية الديكارتية، بل بدأ يبحث عن ذاته، ويسلك طريقه لكي يتصرف كما لو كان (إلها) بالفعل، وتعالت أصوات الباحثين والفلاسفة منادية بأن العقل هو الحكم الوحيد والعقل هو كل شيء وما عداه فوهم وخرافة، ابتداء بالوحي وانتهاء بالفداء والصلب والرهبانية.. فكلها أباطيل مضللة وعقائد مرذولة لأنها لا تتسق مع العقل.

ومع أن العقل والمنطق العقلي يقتضي وجود الله بل وجود كمالات الله إلا أن رد فعل العقلانيين على الكنيسة جعلهم ينفرون من الإله نفورا كليا، واستبدلوه بالطبيعة، التي حلت محل الإله، كما يقول (سول): (صار لزاماً على الذين نبذوا الإيمان بالله كلية أن يبحثوا عن بديل لذلك ووجدوه في الطبيعة)([39])

وكتب الفكر الغربي تسمي ذلك العصر عصر (تأليه الطبيعة)، أو عبادة الطبيعة، وليست هذه العبارات مجازاً، بل هي مستعملة على الحقيقة تماماً، فكل صفات الله التي عرفها الناس عن المسيحية نقلها فلاسفة الطبيعة إلى إلههم الجديد، مع فارق كبير بين الإلهين في نظرهم.

فإله الكنيسة حقود يعذب السلالة البشرية ويقتل ابنه لأن الإنسان الأول أكل فاكهة من حديقته.. وهو إله متعنت يضع القيود الاعتباطية على حرية الإنسان ويقيده بالالتزامات ويفرض عليه الرهبانية والخضوع المذل لممثليه على الأرض.

أما الطبيعة فإله جذاب رحب الصدر ليس له كنيس ولا التزامات ولا يستدعي طقوساً ولا صلوات، وكل ما يطالب به الإنسان أن يكون إنساناً طبيعياً يلبي مطالبه الطبيعية في وضوح وصراحة.

وميزة الإله الجديد أنه ليس له رجال دين ـ كما للكنيسة ـ يستعبدون الناس لأنفسهم.. ولا كتاب مقدس متناقض.. ولا أسرار علياً مقدسة.. بل له دعاة من أمثال روسو وفولتير وديدرو.. وله كتب علمية هي (دائرة المعارف) و(العقد الاجتماعي) و(روح القوانين)

والقانون الطبيعي يجعل الكون مترابطاً متناسقاً لا اضطراب فيه ولا خلل، وبالمقابل جعلت الطبيعة للإنسان قانوناً يكفل له السعادة التامة ولكن النظم الإنسانية والأديان طمست هذا القانون فشقي الإنسان وتعذب.

تلك هي المبادئ الأولى للمذهب الطبيعي الذي تبلور ليصبح ديناً إنسانياً عند (كومت) في القرن التاسع عشر، وعنه انبثقت الماديات المتعددة التي تفسر الكون تفسيراً آلياً حسب القوانين التي سميت (قوانين الطبيعة)

ولم يبدأ ذلك دفعة واحدة بطبيعة الحال.. فقد انفصلت الفلسفة عن الدين بادئ ذى بدء ونبذت البحث فيما وراء الطبيعة كما كانوا يطلقون على أمور الغيب المتعلقة بالله وخلقه لهذا الكون، والغاية من هذا الخلق، والوحى الربانى المتضمن للقيم الدينية التى ينبغى أن يتبعها الإنسان من أجل الخلاص فى الآخرة.

واتجهت الفلسفة إلى دراسة الطبيعة والكون المادى، والإنسان باعتباره كائنا موجودا فى الطبيعة، لا بوصفه كائنا قد خلقه الله لغاية معينة وهدف يؤديه.

وكان التقدم العلمى الذى حدث منذ بدء النهضة أحد العوامل الهامة التى ساعدت على اتجاه الفكر الأوربى ذلك الاتجاه من خلال المذهب العقلى والتجريبى.

وعلى سبيل المثال، فقد كانت اكتشافات نيوتن ونظرياته خطوة دافعة على طريق الإلحاد عن الكثير من أهل ذلك العصر، بحجة أن نيوتن اكتشف بعض ما سمى عندهم (قوانين الطبيعة) التى يجرى الكون المادى بمقتضاها.. وكشف عما يسمى عندهم (قانون السببية) أى القانون الذى يفسر ظواهر الطبيعة بردها إلى أسبابها الظاهرة، وقد كان هذا فى أوروبا ذريعة لنفى الأسباب غير الظاهرة وغير المحسوسة، أى نفى الأسباب الغيبية.

يقول برينتون: (إن السببية تهدم كل ما بنته الخرافات والإلهامات والمعتقدات الخاطئة فى هذا العالم)

ويقول: (الإله فى عرف نيوتن أشبه بصانع الساعة، ولكن صانع هذه الساعة الكونية – ونعنى بها الكون – لم يلبث أن شد على رباطها إلى الأبد، فبإمكانه أن يجعلها تعمل حتى الأبد، أما الرجال على هذه الأرض فقد صممهم الإله كأجزاء من آلته الضخمة هذه ليجروا عليها، وإنه ليبدو أن ليس ثمة داع أو فائدة من الصلاة إلى الإله صانع هذا الساعة الكونية الضخمة، الذى لا يستطيع إذا ما أراد التدخل فى شئون عمله)([40])

ويقول: (ولكن ثمة أناس ذهبوا إلى أبعد من ذلك، واعتبروا فكرة الإله فكرة شريرة، وخاصة إذا ما كان إله الكنيسة الكاثوليكية، وأطلقوا على أنفسهم بكل فخر اسم الملحدين، وهم يعتقدون أن ليس ثمة وجود لمسيح أو لإله المسيحية، ويقولون إن الكون ليس إلا مجموعة متحركة ذات نظام معين يمكن فهمه باللجوء إلى السببية المعتمدة على أساس العلوم الطبيعية)([41])

هكذا سار الاتجاه المادى المادى الملحد بخطوات حثيثة حتى جاء القرن التاسع عشر، فظهرت الفلسفة الوضعية التى تقول بسيادة الطبيعة على الدين والعقل، واعتبارها هى الأصل الذى ينبثق عنه كل شئ.. والذى يبعث الأفكار فى العقل البشرى، وكان من أهم فلاسفتها (أوجست كومت) و(فرباخ)

وقد ظهر بعد هؤلاء، ونتيجة لهم فلاسفة ومفكرون ماديون كثيرون؛ فقد ظهر ماركس فرعون الإلحاد ليبشر بالجدلية المادية.. والتفسير المادي للكون.. وظهر قبله (فيشته) و(هيجل) ليؤسسا لأقواله..

لقد جاء هذان بالتفكير الجدلى الذي يبحث عن تصور فلسفى يسمح بوجود المتناقضات فى الكون والحياة ويفسرها.. ذلك أن المنطق اليونانى القديم (الذى يسمى المنطق الصورى) ينفى وجود التناقض فى الكون والحياة، ويقيم تفكيره على أساس أن الشئ ونقيضه لا يمكن أن يجتمعا، فوجود أى شئ هو ذاته نفى قاطع لوجود نقيضه.

ولكن الفكر الأوروبى منذ عصر النهضة – وإن كان قد رجع إلى الفكر الإغريقى يستمد منه ـ كانت له التفاتات مختلفة عنه فى مجالات متعددة. حتى إذا كان النصف الثانى من القرن الثامن عشر الميلادى ـ عصر سيادة العقل فى الفكر الأوربى قام فلاسفة يشيرون إلى وجود التناقض فى الكون والحياة ويحاولون تفسيره، من أبرزهم (فيشته) و(هيجل)

فأما فيشته (1762 – 1814 م)، فقد استخدم مبدأ النقيض كى يدعم سيادة العقل كمصدر للمعرفة مقابل الدين والطبيعة.

وأما هيجل (1770 – 1831)، فيستخدم مبدأ النقيض لتأكيد قيمة العقل من جهة، ثم لدعم فكرة الألوهية من جديد، وتأكيد الوحى كمصدر أخير للمعرفة، وهو يعتبر الله عقلا([42]).

وهذا العقل المجرد يتمثل فى القانون والأخلاق، وفى الفن والدين والدولة والجماعة والفلسفة.. إذن فالعقل المجرد الذى يتحقق فى أى وحدة من هذه القيم العاملة المذكورة جامع للمتقابلين: جامع للفكرة فى العقل المطلق وهو الله، وللفكرة فى العقل المقيد وهو الطبيعة.. ذلك أنه ليس له إطلاق العقل المطلق ولا تحديد عقل الطبيعة، بل فيه إطلاق بالنسبة إلى الطبيعة وتقييد بالنسبة للعقل المطلق، ولذا يعتبر جامع الدعوى ومقابل الدعوى.

بالإضافة إلى هذين، فقد استلهم ماركس نظرية التطور.. فقد جاء دارون يؤله الطبيعة ويقول عنها إنها تخلق كل شئ ولا حد لقدرتها على الخلق.. ويؤكد أن الإنسان هو نهاية سلسلة التطور الحيوانية.. وأن التطور ذاته – الذى أنشأ الحياة المادية الميتة أول مرة، ثم تدرج بها من الكائن الوحيد الخلية إلى الإنسان – هو نتيجة أسباب مادية بحتة، وأنه يتم مستقلا عن إرادة الكائن الحى، وبصورة حتمية لا يملك الكائن الحى الخروج عليها ولا معارضتها ولا الوقوف فى طريقها.

ب ـ الإسلام والعلم:

يمكننا أن نقول بكثير من التحفظ أن الصراع الذي حصل بين المسيحية والعلم، وعلى المستويات المختلفة النظرية والواقعية، كما شرحنا ذلك في العنوان السابق، حصل مثله بين بعض الجهات في الإسلام وبين العلم، ولذلك ليس على الداعية أن يدافع عن المتهمين، أو يكذب الواقع، أو يبرئ ساحة المسلمين من أمثال تلك التهم.

وكيف يبرئهم، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه اتهمهم، وأخبر أن من أمته من سيسير مثل سيرهم، ففي الحديث المتفق على صحته:(لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال:(فمن؟)([43])

والفرق بين الإسلام والمسيحية في هذا، هو أن الإسلام ليس لديه كنيسة تتحدث باسمه، وإنما هناك مسلمون، ومدارس إسلامية مختلفة، بل متناقضة أحيانا، ولذلك كان على المحقق والباحث أن ينظر في مواقف تلك المدارس من العلم، ولا يصح أن يرميها جميعا بما وقع فيه بعضها.

ومن خلال استقراء واقع المدارس الإسلامية وموقفها من العلوم الكونية، ومنهج البحث فيها، نجد اتجاهين كبيرين:

الاتجاه الأول: وهو الاتجاه الذي ينطلق من المصادر المقدسة للإسلام من غير أن يخلطها بغيرها، وهو ما يسمى بالإسلام المحمدي الأصيل، وهو اتجاه يميز بين الفهم البشري للدين، وبين حقيقته.. فالدين لله، أما الفهم؛ فبشري، ويمكن مراجعته ورفضه، واستبداله بغيره.. وبناء على هذا لا يُضم للإسلام إلا القطعي من الدين، والذي وردت به المصادر المقدسة.

وهذا الاتجاه لا يتنافى مع العلم، ولا يتصارع معه، بل يقبله ويدعو إليه، ويقبل منتجاته جميعا إذا ما تحققت بالمصداقية العلمية، بل إنه فوق ذلك كله كان منتجا للمعرفة بجميع أنواعها.

الاتجاه الثاني: وهو الاتجاه الذي يخلط بين المصادر المقدسة، والفهم البشري لها، ويجمع بينها جميعا في بوتقة واحدة، وقد حصل لهذا الاتجاه ما حصل للكنيسة نفسها من تبني بعض الفهوم البشرية، أو الثقافات السائدة لدى بعض الشعوب، ليعطيها من القداسة ما لا تستحقه، وبناء على هذا حصل الإنكار من هذا الاتجاه للكثير من منتجات العلم، وإن كان لم يحصل له استبداد نحو أصحابها لعدم وجود سلطة زمنية لهؤلاء بخلاف الكنيسة.

وسنتحدث عن كلا الاتجاهين في العنوانين التاليين:

الاتجاه الأول:

وهو الاتجاه الذي يؤمن بأن الإسلام دين العلم والعقل والتجربة والمنطق.. وكل ما توصلت إليه البشرية من مناهج البحث عن الحقيقة([44]).. وهو يعتمدها جميعا، ولا ينكر عليها إلا أذا استعملت المغالطات، أو الخدع العلمية، ولذلك فإن إنكاره لنظرية التطور وغيرها من النظريات التي يستعملها الملاحدة، ينطلق من كونها لم تصل إلى مرحلة العلمية، بل هي مجرد افتراضات للهروب من الإيمان.

وهو ينطلق في ذلك من المصادر المقدسة التي تعتبر العلم ركنا من أركان الدين لا يقل عن الإيمان والشعائر التعبدية: فالتعرف على الله الذي هو جوهر الدين وأصله وغايته وموضوعه يحتاج إلى العلم، كما قال تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ((محمد:19)

ولهذا كان أول أمر من أوامر هذا الدين هو:{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } (العلق:1)، ثم كرر هذا الأمر في قوله:{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ } (العلق:3)

والقرآن يعتبر وظيفة الرسل هي وظيفة المعلمين:{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ } (آل عمران:164)

وأخبر أن كل الأنبياء جاءوا أقوامهم بالبينات، وهي العلوم الواضحات التي قويت أدلتها..{أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ } (ابراهيم:9)

بل إن القرآن فوق ذلك كله أخبر عن مزية الإنسان التي أهلته للخلافة في الأرض، وأهلته للتكريم الرباني، فقال يقص قصة بداية خلق الإنسان:{ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } (البقرة:31 ـ 33)

انطلاقا من هذا وردت النصوص الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحض على العلم والترغيب فيه ورفع مكانة أهله؛ فقد أخبر بأن العلم نوع من أنواع العبادة، بل هو من أفضلها، فقال: (أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع)([45])

وصرح بذلك فقال: (فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع)([46])، وقال: (قليل العلم خير من كثير العبادة، وكفىٰ بالمرء فقها إذا عبد الله، وكفىٰ بالمرء جهلا إذا أعجب برأيه)([47])، وقال: (ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء عماد وعماد هٰذا الدين الفقه)([48])

وقايس بين بعض النوافل وبين طلب العلم، فقال لأبي ذر، وقد رأى حرصه على النوافل: (يا أبا ذر لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتعلم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل به خير لك من أن تصلي ألف ركعة)([49])

وأخبر أن تعليم العلم لا يختلف عن الصدقات، فقال: (أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علما ثم يعلمه أخاه المسلم)([50])

ويروى أنه ذكر له رجلان: أحدهما عابد والآخر عالم، فقال: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم)، ثم قال: (إن الله وملائكته، وأهل السمٰوات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير)([51])

وطلب العلم لذلك دليل على خيرية العبد الطالب للعلم، بل دليل على اجتباء الله له، قال: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)([52])، وقال: (يا أيها الناس إنما العلم بالتعلم، والفقه بالتفقه، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، و{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28])([53])

وهذا الاجتباء هو الذي يؤهله للجنة ولهذا التكريم الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنه، ففي الحديث الذي ورد في فضل طالب العلم: (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السمٰوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)([54])

وقال: (ما من رجل تعلم كلمة، أو كلمتين، أو ثلاثا، أو أربعا، أو خمسا مما فرض الله عز وجل فيتعلمهن ويعلمهن إلا دخل الجنة)([55])

ويخبر عن بعض صور التكريم التي يقابل بها الملأ الأعلى أهل العلم، فعن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في المسجد متكىء على برد له أحمر، فقلت له: يا رسول الله إني جئت أطلب العلم، فقال: (مرحبا بطالب العلم إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها ثم يركب بعضهم بعضا حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب)([56])

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرفع درجة أهل إلى درجة الأنبياء، فيقول: (من جاءه أجله وهو يطلب العلم لقي الله ولم يكن بينه وبين النبيـين إلا درجة النبوة)([57])

أما الأجور المعدة لأهل العلم، فإنها أضعاف مضاعفة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من طلب علما فأدركه كتب الله له كفلين من الأجر، ومن طلب علما فلم يدركه كتب الله له كفلا من الأجر)([58])

ومن أكبر ميزات أجر العلم أن أجره غير منقطع، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا مات ابن آدم ٱنقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)([59])

وفي حديث آخر مفصل، قال محمد: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره وولدا صالحا تركه أو مصحفا ورثه، أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته)([60])

وقد ورد وصف مفصل لفضل العلم وفضل أهله، ففي الحديث: (تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة لانه معالم الحلال والحرام ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء والزين عند الأخلاء، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة قائمة تقتص آثارهم ويقتدىٰ بفعالهم، وينتهىٰ إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، ويستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلىٰ في الدنيا والآخرة، التفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء)([61]).

وقد كانت هذه النصوص وغيرها كثير هي السبب في ظهور أكبر نهضة علمية عرفتها البشرية، والتي تمثلت في الحضارة الإسلامية، والتي ولجت كل العلوم والمعارف، وساهمت في خدمة البشرية فيها.

فمنذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلك النصوص هرعت كل أمته تنهل من العلم صغارها وكبارها ورجالها ونساؤها.. حتى الشيوخ الكبار كانوا يحتضرون، وهم يطلبون العلم.

وقد فهم هذا الاتجاه، أن العلم الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشمل كل شيء، ولذلك انفتح على جميع الثقافات الأجنبية، واستفاد منها، وتعامل معها بإيجابية تامة.. يأخذ منها ما يراه مفيدا، ويرد ما لا يراه صالحا.. لعلم المسلمين أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها، فهو أحق بها.

ولذلك كان فقهاء المسلمين يقرؤون الفلسفة اليونانية والثقافة الهندية وجميع أنواع الثقافات، ولكنهم لا يتعاملون معها تعامل الخاضع الذليل.. بل يتعاملون تعامل الند للند.. ويناقشونها مناقشة موضوعية علمية.

وقد صحح أصحاب هذا الاتجاه أغلاط أرسطو وجالينوس وأفلاطون في الفلسفة والعلوم والكثير من أخطاء الفلسفة اليونانية، وأبطلوا صناعة التنجيم، وعللوا ذلك بأن اليونان أخذوه من غير برهان ولا قياس..

وأبان علماء المسلمون ضعف نظام بطليموس ونقط القصور فيه، وقد عكف (التباني) على دراسة بطليموس، وحقق مواقع كثير من النجوم، وصحح حركات القمر والكواكب السيارة، وخالف بطليموس في ثبات الأوج الشمسي.

وأنكر الغزالي ما قاله فلاسفة اليونان من أن بالسماء حيوانًا وأن له نفسًا، ونقد الأطباء المسلمون طب اليونان، ورفضوا الأخذ ببعض نظرات أبقراط وجالينوس، ومن طريق التجربة والاختبارات الشخصية، ورفض ابن النفيس قبول نظرية جالينوس عن الدور الذي تلعبه الرئتان في نقل الدم من تجويفة القلب الواحدة إلى الأخرى، وأعلن أنها خاطئة.

أما الخواجة نصير الدين الطوسي، فقد كان علامة في علوم كثيرة جدا؛ فله مؤلفات في علوم الأخلاق، والمنطق، والفلسفة، والكلام، والرياضيّات والنجوم، من أمثال: أخلاق ناصري، أوصاف‌ الأشراف، أساس الاقتباس، شرح الإشارات، تجريد الاعتقاد، جامع الحساب وكتابه المشهور بـ زيج الإيلخاني وتذكرة في علم الهيئة في مجال علم النجوم. كما أسس مرصد مراغة ومكتبتها التي توفر فيها أكثر من 400.000 كتاب.

الاتجاه الثاني:

وهو اتجاه يشبه ما قامت به الكنيسة، نتيجة تأثره بالفكر اليهودي، واعتماده على المصادر اليهودية في تفسير القرآن الكريم، وهذا الاتجاه لا يمكن إنكاره، أو التكتم عليه، وكيف يمكن ذلك، ومنتجاته في هذا المجال واضحة، ولعلها السبب الأكبر في صرف الناس عن الدين الإلهي.

ولذلك كان على الداعية المواجه للإلحاد أن يبادر بالإنكار على هذا الاتجاه، وقد قلت في مقدمة سلسلة [الإلحاد والدجل] أشير إلى هذا المعنى: (وقد رأينا أنه لا يمكن لأحد من الناس أن يواجه هذين النوعين من الإلحاد [التنويري والجديد] من دون أن يعترف بوجود الدجل الديني، فلا يمكن لمن يظل محتفظا بالخرافات والضلالات المتسربة للدين أن يواجه الحقائق العلمية والعقلية التي يدل عليها كل شيئا.. ولذلك كتبنا سلسلة [الدين.. والدجل] قبل أن نكتب هذه السلسلة الجديدة، لنحطم بذلك أكبر الأسس التي تقوم عليها البراهين الإلحادية، والمعتمدة على نقد التراث الديني، واستغلال أخطائه وضلالاته ودجله، ولكي لا نلتزم بكل ما يريد دعاة الإلحاد التنويري أو الجديد من إلزامنا به، فدين الله أعظم من أن يمثله البشر، وإنما يدل على نفسه بنفسه من خلال مصادره المقدسة)([62])

وبناء على هذا؛ فإن هذا الاتجاه الذي لا يختلف عما قامت به الكنيسة إلا في كونها لم يقم بإعدام العلماء، ولا حرقهم، اتجاه غريب عن الإسلام، ولا يمثل مصادره المقدسة، بل يمثل سلفه الذي يعود إليه، والذين يتشكل أكثرهم من اليهود، أو من الذين لم يستوعبوا الإسلام، وخلطوه بآرائهم وأهوائهم.

ومن الأمثلة على هذا الاتجاه مقبل بن هادي الوادعي([63])(توفي 1422 هـ)، وهو من كبار أعلام السلفية المعاصرين، وقد كتب في كتبه المختلفة الرد الشديد على المهتمين بالعلوم الكونية، والتي يطلق عليها تسميات مختلفة كعلوم الملاحدة، وغيرها.

ومن كتبه في هذا المجال ما كتبه ردا على التفسيرات العلمية لأسباب الزلازل، حيث ألف رسالة في ذلك بعنوان (إيضاح المقال في أسباب الزلزال والرد على الملاحدة الضلال)، وقد رد فيها بشدة على ما تقوم به مدارس المسلمين من تعليم تلاميذها علوم الكفار، فقال: (نحن نأسف لبعض الملاحدة المخذولين الذين منّ الله عليهم وجعلهم من ذوي اللسان العربي ثم لا يشكرون الله على هذه النعمة، ويتّبعون أناسًا كالأنعام بل هم أضل، ذاك كوبي، وذاك روسي، أعاجم لا يفهمون الإسلام على حقيقته ولا يفهمون قول الله ولا قول رسول الله k، ولعل بعضهم لم يبلغه الإسلام على حقيقته.. جدير بأبناء اليمن أن لا يودّعوا عقولهم لماركس ولينين ومن جرى مجراهم من أئمة الضلال، فأنتم أيها اليمنيون لكم مواقف طيّبة في الدفاع عن الإسلام في عهد رسول الله k وفي الفتوحات الإسلامية، ثم بعد هذا تلحقون بأنفسكم الخزي وتحرمون نعيم الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. أي خير تحرمونه أيها الملاحدة؟ وأي خطر تعرّضون له أنفسكم؟ إنّها النار التي وقودها الناس والحجارة، وهناك لا تنفع المكابرة ولا ينفعك ماركس ولينين، بل يكونان أمامك في النار)([64])

ومن تلاميذ مدرسته النجباء، المدعو أبو عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري، والذي ألف كتابا في الرد على الاستدلال بما ورد في العلوم الكونية في القضايا العقدية، سماه (الصبح الشارق على ضلالات عبد المجيد الزندني في كتابه توحيد الخالق)

والذي قرضه شيخه الوادعي بالإضافة لشيخ سلفي آخر هو أحمد بن يحيى النَّجمي، والذي قال في مقدمته للكتاب مبينا بعض الضلالات الواردة في كتاب [توحيد الخالق]: (.. ومنها استدلاله بأقوال الفلاسفة من اليهود والنصارى من فلكيين وطبائعيين وغيرهم على صدق القرآن وهل القرآن بحاجةٍ إلى شهادة هؤلاء الضلال؟!. ومنها تقريره أنَّ الأرض كوكبٌ من المجموعة الشمسية ثم انفصلت عنها وتبردت كما قرر ذلك سيد قطب في تفسيره، والله تعالى يقول: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [فصلت: 9] وصدِّق بعد ذلك من شئت.. ومنها زعمه أنَّ السماوات السبع كانت طبقةً واحدة وأنَّها فتقت فيما بعد، يفسر بذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } [الفاتحة: 30]، وقد ردَّ عليه الشيخ يحيى الحجوري جزاه الله خيرًا في هذه الفقرات، وغيرها ردًا مفحمًا بالأدلة القاطعة الساطعة من الكتاب وصحيح السنة، فجزاه الله خيرًا وبارك فيه وكثَّر الله من أمثاله الذابين عن الحق الناصرين للتوحيد الذائدين عن حياضه)([65])

ومن النماذج التي يمكن من خلالها التعرف على التراث السلفي، وموقفه من أبسط المعارف العلمية الحديثة ما ذكره الشيخ الحجوري من انتقادات لما ورد في كتاب توحيد الخالق حول سرعة الرياح، وأنها لو بلغت 200 ميل في الساعة لما أبقت شيئًا على وجه الأرض إلا دمرته([66])، فقد قال الشيخ ردا على هذه المعلومة البسيطة: (هذا القول ينطوي على لحن شديد في التوحيد فقوله: عن الريح لما أبقت شيئًا على وجه الأرض إلا دمرته. هذا غير صحيح لأن الريح مأمورة من الله لا يمكن أن تدمر شيئًا إلا بأمر ربِّها سبحانه، وقد وصف الله عز وجل ريح عاد بالعتو والشدة.. وعن ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، أن النبي k قال: (لا يَجِدُ عَبدٌ حَلاوَةَ الإيمَانِ حَتَّى يَعلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَم يَكُن لِيُخطِئَهُ، وَأَنَّ مَا أَخطَأَهُ لَم يَكُن لِيُصِيبَه)، فلو أن الله عز وجل أرسل الريح بِهذا القدر الذي ذكر أو أكثر ولم يرد تدمير الأرض ومن فيها لحفظهم منها كما جعل النار على إبراهيم عليه السلام بردًا وسلامًا، وكما نجى نوحًا عليه السلام ومن معه من الغرق وأمر الماء أن يغشى من سواهم على وجه الأرض)([67])

ومنها رده على هذه العبارة التي وردت في كتاب توحيد الخالق: (من الذي قضى بِهذه السنن والقوانين المنظمة الدقيقة)([68]) فمع بساطتها ووضوحها إلا أن الشيخ جعل منها قصة كبيرة، فقال ردا عليها: (قلت: اللفظ المشروع أن يُقال: من الذي قضى بالسنن والأحكام، أما لفظة القانون فليست موجودة في كتاب الله وسنة رسوله k الصحيحة فيما نعلم واستعمالها غير فصيح.. وذكر هذه اللفظة الشيخ بكر أبوزيد في)معجم المناهي اللفظية) فراجعها إن شئت، فعلم أنه لا يجوز أن نسمي أحكام الله عز وجل وأقداره قوانين، ونعرض عن اللفظ الشرعي: قضاء، قدر، حكم، إرادة، مشيئة. فإن تسمية هذه المسميات الشرعية قانونًا يعتبر تحريفًا للكلم عن مواضعه)([69])

ثم يبين أن اعتبار العلماء بالعلوم الحديثة علماء كون نوع من الاحتقار للسلف، فقال: (ألم تر أن هذا إزراء بجانب السلف وعلومهم غاية الإزراء وهو إطراء لليهود والنصارى والزنادقة إيما إطراء، لأنه إذا كان هؤلاء هم علماء الكون فلا حاجة لما عداهم من علماء الشريعة الإسلامية، وأنت لو قرأت تراجم جهابذة علوم الكتاب والسنة كلهم لا تكاد تجد أنه قيل في واحد منهم هو عالم الكون بل لو قرأت في مناقب الأنبياء ودلائل نبواتِهم لا تكاد تجد أن واحدًا منهم وصف بعالم الكون بل إن الملائكة الذين يقول الله عنهم: { فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} [النازعات: 5] لا تجد أنَّهم وصفوا بعلماء الكون، لكن الطبائعيين من أساتذة الزنداني يصفهم بذلك ولا يدري الجاهل أنه أشرك الملاحدة في شيء من خصوصيات رب العالمين)([70])

ثم رد اعتبار صاحب الكتاب الإسلام مبنيا على العقل، وأنه لا يطالب معتنقيه أبدًا بتجميد طاقاتِهم الفكرية، فقال: (وقول الزنداني: أن الإسلام مبني على العقل. هذا غير صحيح فالإسلام مبني على الكتاب والسنة لا على العقل.. ووظيفة العقل في هذه الأدلة فهمها وتعقلها، فإذا كان مفقودًا ولم يفهمها ولم يعقلها وصار صاحبه في حيز المجانين فهنا يصير غير مكلف، أما أن يقال إن من مفاخر الإسلام أنه مبني على العقل فباطل لما علمت من الأدلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد، بل هو دون ذلك بكثير فإن العامي يمكنه أن يصير عالمًا ولا يمكن للعاقل أن يصير نبيًا رسولاً)([71])، ومعنى ذلك أن العقل الصحيح يقبل النقل الصريح فهو متبع له يفهمه ويعمل به فعلاً أو تركًا)([72])

هذه نماذج عن مدرسة الوادعي السلفية، وموقفها من العلوم الكونية، ومن شاء المزيد، فيمكنه مطالعة مؤلفاتها الكثيرة، والمنتشرة في المواقع المختلفة، والتي يعتبرها السلفية ممثلا حقيقيا للإسلام نتيجة صراحتها وعدم استعمالها أي تقية أو دبلوماسية.

ومن النماذج على هذا الاتجاه كذلك الشيخ حمود بن عبد الله التويجري (1334 – 1413 هـ)، وهو من كبار السلفية المتأخرين بسبب إنتاجه الكثير، والذي أشاد به كبار السلفية كابن باز وغيره، وله كسلفه الكثير من كتب الردود على الجهات المختلفة، ومنها ردوده على أصحاب العلوم الكونية الحديثة.

ومن كتبه في هذا المجال كتابه (الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة)، والذي استعمل فيه كل السيوف السلفية للإجهاز على العلوم الحديثة.

ومن تلك الأدلة القاطعة التي حاول من خلالها أن يضرب هذه العلوم في مقاتلها نسبتها إلى الكفار والمشركين، يقول في ذلك: (وأول من قال إن الشمس هي المركز الثابت الذي تدور عليه السيارات من الكواكب وإن الأرض من جملة الكواكب السيارة التي تدور على الشمس هو فيثاغورس الفيلسوف اليوناني وكان زمانه قبل زمان المسيح بنحو من خمسمائة سنة. وقيل ستمائة. وذهب كبير الفلاسفة ومقدمهم بطليموس – وكان زمانه قبل المسيح بنحو مائة وخمسين سنة – إلى أن الأرض هي المركز الثابت وإن الشمس والقمر وسائر الكواكب تدور على الأرض. وأهل الهيئة القديمة يقولون بهذا القول وهو الحق الذي تدل عليه الآيات والأحاديث الصحيحة وأقوال المفسرين من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وأما قول فيثاغورس فكان مهجوراً نحو من ألف وثمانمائة سنة حتى ظهر الفلكي البولوني (كوبرنيك) في القرن العاشر من الهجرة فقرر رأي فيثاغورس وأيده بالأدلة الرياضية. ولما كان في أثناء القرن الثاني عشر من الهجرة ظهر هرشل الإنكليزي وأتباعه من فلاسفة الإفرنج أصحاب الرصد والزيج الجديد فنصروا قول فيثاغورس وردوا ما خالفه وشاع قولهم منذ زمانهم إلى زماننا هذا وتلقاه كثير من المسلمين بالقبول تقليداً لأعداء الله تعالى. وذلك بسبب سيطرة الإنجليز وبعض الدول الأوربية على كثير من بلاد الإسلام في آخر القرن الثالث عشر من الهجرة وأكثر القرن الرابع عشر. فامتزج أهل تلك البلاد بأعداء الله تعالى امتزاجاً تاماً، وظهر النشء منهم متثقفين بالثقافة الإفرنجية يحذون حذو أعداء الله تعالى في هيئاتهم وأنظمتهم وقوانينهم ويسارعون إلى قبول آرائهم وظنونهم وتخرصاتهم. ويتمسكون بها أعظم مما يتمسكون بنصوص الكتاب والسنة. وكثير منهم كانوا يسافرون إلى الجامعات الأوربية ويتروون من تعاليمها الآجنة المسمومة عللاً بعد نهل حتى فشت فيهم الزندقة والإلحاد والاستخفاف بشأن القرآن العظيم فكان كثير منهم يحملونه على ما يوافق آراء الإفرنج وأقوالهم الباطلة كما هو موجود في كثير من مصنفاتهم فأدخلوا بذلك على المسلمين شراً كثيراً فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)([73])

وقد أورد للدلالة على بطلان هذه العلوم الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وعقبها بفهم السلف الصالح لها، وتفسيرهم العلمي لما ورد فيها، ثم قال: (فهذا ما يسره الله تعالى من الآيات والأحاديث الدالة على أن الشمس تسير وتدور على الأرض وأن الأرض قارة ثابتة بخلاف ما يزعمه أهل الهيئة الجديدة من أن الشمس قارة ثابتة وأن الأرض تدور عليها. وحقيقة قولهم تكذيب الآيات والأحاديث التي ذكرنا واطراحها بالكلية وذلك هو الضلال البعيد. وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ } [العنكبوت: 68] وقول أهل الهيئة الجديدة في الشمس والأرض دائر بين افتراء الكذب والتكذيب بالحق)([74])

وهو يعتب بشدة على تدريس هذه العلوم الحديثة، فيقول: (ومن أعجب العجب أنه قد جعل في زماننا من الفنون المهمة التي تدرس في كثير من المدارس ويعتنى بها في كثير من الأقطار الإسلامية أكثر مما يعتنى بالعلوم الشرعية. وهذا مصداق ما جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك قال قال رسول الله k: (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل).. وقال الشعبي: (لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلا والجهل علماً)، رواه ابن أبي شيبة، وله حكم المرفوع لأنه إخبار عن أمر غيبي ومثله لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف، ومن أقبح الجهل وأظلم الظلم تكذيب الله تعالى وتكذيب رسوله k ومعارضة الآيات والأحاديث الصحيحة بأقوال أعداء الله تعالى وتخرصاتهم الكاذبة وآرائهم الفاسدة وتوهماتهم الخاطئة وتعلم ذلك وتعليمه)([75])

وقد لاحظ التويجري أنه مع الهجمة الشرسة التي شنتها صواعقه الشديدة على علم الهيئة الجديدة إلا أنها مع ذلك لم تؤثر تأثيرها المطلوب، فأعقبها بكتاب آخر سماه: (ذيـل الصواعق لمحـو الأباطيل والمخارق)، والذي رد به على الأستاذ محمد محمود الصواف في كتابه (المسلمون وعلم الفلك)

وقد بدأ رده عليه من العنوان نفسه، فقال: (قال الصواف: (المسلمون وعلم الفلك)، والجواب أن يقال إن هذا العنوان خطأ ظاهر لأن غالب ما في الرسالة من الكلام في الأرض والسموات والشمس والقمر والكواكب ليس من أقوال المسلمين وعلومهم، وإنما هو من تخرصات أهل الهيئة الجديدة وتوهماتهم، وأهل الهيئة الجديدة ليسوا من المسلمين، وإنما هم من فلاسفة الإفرنج، وهم كوبرنيك البولوني وأتباعه في القرن العاشر والقرن الحادي عشر من الهجرة، وهرشل الإنجليزي وأتباعه في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر من الهجرة، وغالب ما نقله الصواف عن الألوسي، فهو مما نقله الألوسي عن أهل الهيئة الجديدة كما صرح بذلك في مواضع كثيرة من كتابه الذي سماه (ما دل عليه أهل الهيئة الجديدة) وتخرصات أتباعهم فنسبة ذلك إلى المسلمين فرية عليهم، وتسمية الرسالة بهذا العنوان لا تطابق المسمى، وإنما المطابق له أن يقال (الإفرنج والتخرص في علم الفلك)([76])

ثم ذكر قول الصواف في مقدمة رسالته: (وحرصا مني على نشر العلم وبيان فضل علماء المسلمين الذين كان لهم الفضل الأكبر في تشجيع علم الفلك وبناء المراصد في مختلف البلدان رأيت أن أطبع هذا الرد في كتيب؛ ليطلع شبابنا على مفاخر أجدادهم وسبقهم للعالم في مختلف الميادين العلمية)([77])

ورد عليه بقوله على طريقة سلفه، فقال: (والجواب عن هذا من وجوه: أحدها أن يقال: ليس ما نشره الصواف في رسالته بعلم، وإنما هي تخرصات وظنون كاذبة أوحاها الشيطان إلى أوليائه من فلاسفة اليونان وأتباعهم من فلاسفة الإفرنج المتأخرين، فاغتر بها أتباعهم ومقلدوهم من جهلة المسلمين، وظنوها علما صحيحا، وهي في الحقيقة جهل صرف لا يروج إلا على جاهل لا يميز بين العلم والجهل.. الوجه الثاني: أن علماء المسلمين منـزهون عن تشجيع علم الفلك وبناء المراصد كما سيأتي بيان ذلك في الفصل الذي بعد هذا الفصل، وما زعمه الصواف ههنا فهو من الافتراء على علماء المسلمين.. الوجه الثالث: أن الذي نشره الصواف في رسالته كله من تخرصات فيثاغورس اليوناني وأتباعه من فلاسفة الإفرنج المتأخرين.. وهؤلاء كلهم من أعداء المسلمين، وليسوا من المسلمين فضلا عن أن يكونوا من أجداد المسلمين، كما توهمه الصواف، ومن زعم أن هؤلاء الفلاسفة من أجداد المسلمين فهو من أكذب الكاذبين.. الوجه الرابع: أن المفاخر كل المفاخر للذين حملوا علم الكتاب والسنة ونشروه في هذه الأمة وهم الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان، وأئمة العلم والهدى من بعدهم، فأما تخرصات أعداء الله وظنونهم الكاذبة فليست بمفاخر كما قد توهمه الصواف، وإنما هي معائب وجهالات وضلالات تزري بمن تعلق بها غاية الأزراء.. الوجه الخامس: أن بناء المراصد من أفعال المنجمين من اليونان والصائبين، ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من المنحرفين عن الدين من هذه الأمة، وما كان هكذا فليس فيه فضل البتة، وليس هو من المفاخر كما قد توهمه الصواف، وإنما هو من المثالب والمعائب واتباع غير سبيل المؤمنين) ([78])

ثم ذكر قول الصواف: (إن ما جمعه في رسالته فهو مما تركه العلماء الأعلام والخلفاء العظام)([79])

وأجاب على ذلك بقوله: (ليس هذا بصحيح، فإن الخلفاء العظام على الحقيقة هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ولم يؤثر عن أحد منهم أنه تكلم في علم الفلك بشيء فضلا عن القول بسكون الشمس ودوران الأرض عليها، وكذلك ما ذكره الصواف من الهذيان الكثير في الأرض والشمس والقمر والكواكب فإن هذا مما ينـزه عنه أحاد العقلاء فضلا عن الخلفاء الراشدين.. ولا عبرة بمن حاد عن منهاج هؤلاء الخلفاء الراشدين من الملوك كالمأمون، فإنه قد اعتنى بتعريب كتب الأوائل وعمل الأرصاد، ففتح بذلك على الأمة باب شر عريض، وقد ذكر السفاريني عن الصلاح الصفدي أنه قال: (حدثني من أثق به أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان يقول: ما أظن أن الله يغفل عن المأمون ولا بد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال العلوم الفلسفية بين أهلها)([80])

ثم أخذ يذكر بهستيرية ما فعله المأمون، وينقل لذلك ما ذكره سلفه من فتح أبواب الضلال، بسبب ترجمة العلوم اليونانية، فقال ـ ناقلا عن الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ـ مؤيدا له: (إن من البلاء أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف، وتقدم عقول الفلاسفة، ويعزل منقول اتباع الرسل ويماري في القرآن ويتبرم بالسنن والآثار وتقع في الحيرة. فالفرار قبل حلول الدمار وإياك ومضلات الأهواء ومحارات العقول، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم)([81])

ونقل عن المقريزي قوله في كتاب الخطط: (وقد كان المأمون لما شغف بالعلوم القديمة بعث إلى بلاد الروم من عَرَّبَ له كتب الفلاسفة، وأتاه بها في أعوام بضع عشرة ومائتين من الهجرة، فانتشرت مذاهب الفلاسفة في الناس، واشتهرت كتبهم بعامة الأمصار، وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها، وأكثروا من النظر فيها والتصفح لها، فانجرَّ على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة مالا يوصف من البلاء والمحنة في الدين، وعظم بالفلاسفة ضلال أهل البدع، وزادتهم كفرا إلى كفرهم)([82])

وعلق على ذلك بقوله: (وقد سار على منهاج المأمون في عمل الأرصاد كثير من الملوك المنحرفين مثل الحاكم العبيدي، وبعض بني بويه والسلاجقة، وهولاكو وتيمورلنك وأولغ بك. فهؤلاء خلفاء الصواف الذين تركوا له ولأشباهه من علم الفلك وعمل الأرصاد ما تركوا، ومع ما كانوا عليه من الاعتناء بالأرصاد وعلم الفلك فقد كانوا على مذهب أهل الهيئة القديمة في القول بسكون الأرض وجريان الشمس، ولم يذكر عن أحد منهم أنه قال بتعدد الشموس والأقمار، ولا بغير ذلك مما يهذو به أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم في أبعاد الكواكب ومقاديرها، وغير ذلك مما أودعه الصواف في رسالته، وزعم أنه مما تركه الخلفاء العظام، وهو بذلك قد افترى عليهم ونسب إليهم ما لم يؤثر عنهم، وإنما هو مأثور عن أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم)([83])

ثانيا ـ الإلحاد.. وحقوق الإنسان:

مثلما استثمر الإلحاد تلك المواقف السلبية التي وقفها بعض رجال الدين من العلم، ليلغي بها وجود الله، وليدعو من خلالها إلى الإلحاد نجده، وبنفس المنهج، يستثمر بعض الأخطاء التاريخية المرتبطة بالأديان ليجعلها وسيلة لذلك أيضا.

والمواجهة لهؤلاء تكون عبر مرحلتين:

أولاهما: نفي علاقة الاستبداد والظلم بدين الله الأصيل، وإثبات أن ما حصل من ذلك سلوكات بشرية، واستغلال خاطئ للدين، ولا علاقة له به.

ثانيهما: إثبات أن الإلحاد نفسه لا يحمل أي قيم أخلاقية تجعله يلتزم القيم التي تتطلبها حقوق الإنسان، ولذلك حوى حكمه من الظلم والاستعمار والاستبداد والتفرقة العنصرية عشرات بل مئات أضعاف ما وقع من الحكم الاستبدادي الناشئ عن الفهم الخاطئ للدين.

وسنشرح كلا الأمرين في العنوانين التاليين:

1 ـ موقف الدين من حقوق الإنسان:

عندما نطالع النصوص المقدسة في جميع الأديان، نجدها تخبر بوقوع التحريف في الأديان، وبتسلط رجال الدين وظلمهم، وتعاونهم مع المستبدين والظلمة، وفي نفس الوقت تبين أن ذلك ليس عاما، بل ستظل فئة من الناس تتمسك بالدين الأصيل، حتى تكون مثابة يهتدي بها المهتدون، وسفينة نجاة يركبونها حتى يهتدوا إلى دين الله الأصيل.

ولذلك كان على الداعية المواجه للإلحاد أن يقر بوجود الظلم الذي يلبس لباس الدين، بل يساهم في التحذير منه، وفي نفس الوقت يحمي الدين والإيمان من تبعة الظلمة، ويشرح الدين الأصيل الذي لا يمكن فهمه من دون تمييزه عن الدين المزيف.. وسنشرح ذلك باختصار في العنوانين التاليين:

أ ـ الدين الإصيل وحقوق الإنسان:

عندما نعود للمصادر المقدسة، ومن يمثلها من الأنبياء والأولياء، نجد كل القيم النبيلة الطاهرة التي لا يمكن تحققها من دون الإيمان، ذلك أنها تعتمد على التضحية والإيثار والوفاء وكل القيم النبيلة التي لا يستطيع الإلحاد فهمها ولا تفسيرها ولا تنفيذها.

وبناء على هذا نحاول أن نذكر هنا باختصار بعض القيم النبيلة التي يتشدق الملاحدة بأنهم دعاتها وأصحابها بينما هم أبعد الناس عنها، وهو ما وضعوه في ذلك الشعار الذي رفع إبان الثورة على الكنيسة، وهو [الحرية والأخوة والمساواة]، وسنرى في المطلب المتعلق بالإلحاد مدى صدق الملاحدة في تطبيق هذا الشعار.

الدين الأصيل والحرية:

عندما نعود للمصادر المقدسة للإسلام الأصيل باعتباره رسالة الله الخاتمة التي جمعت كل الرسائل السابقة وصححتها نجد مفهوما للحرية يختلف عن تلك المفاهيم التي يطرحها الملاحدة، والمبنية على إتاحة المجال للغرائز البهيمية لتعبث بالإنسان وكرامته وقيمه.

فمفهوم الحرية في الإسلام الأصيل تختلف عن ذلك تماما، ذلك مؤسس على أسس تخدم الفرد، وتخدم المجتمع وتقيم عمارة الأرض التي لا تستقيم إلا بالحرية المنضبطة بضوابط المسؤولية.

ولذلك فإن الحرية في الإسلام تنطلق من الخصائص التي عرف بها الإسلام الإنسان، وأولها العبودية لله، وهي تعني الانقياد التام والطاعة الكاملة لله؛ فهي التي تحرر الإنسان من كافة العبوديات والانقيادات والتبعات لأية جهة أخرى.

فالعبودية لله تعني أسمى أنواع الحرية التي لم يحلم بها الإنسان، ولم يتصورها أبداً، وهو يصارع ألوان العبوديات التي سلبت منه نعمة الحرية والحياة الآمنة والعيش الهانىء.

وهي تحرر الإنسان من كل القيود.. لا من قيود الظلم والامتهان والاستعباد والآلهة المزورة فحسب، وانما من قيود النفس وأهوائها الجامحة ونزعاتها الجنونية.

وذلك ما يتيح للانسان شق طريقه بشكل أفضل وأداء دوره بالصورة المطلوبة.

ولئن كانت الحرية في الحضارات الغربية تبدأ من التحرر لتنتهي إلى ألوان من العبودية والأغلال، فإن الحرية الرحيبة في الإسلام على العكس.. لأنها تبدأ من العبودية المخلصة لله تعالى لتنتهي إلى التحرر من كل اشكال العبودية المهينة([84]).

فالإسلام يأمر بالعبودية التي تتوجه لله وحده من دون أي وسائط.. ولذلك فإن هذه العبودية هي عين الحرية.. فهي تحرره من أي قيد فكري أو سياسي أواجتماعي أونفسي.. وغيرها من القيود التي تحاول فرضها عليه الافكار والعقائد والتقاليد والقوى التي لاتمت إلى الله بصلة، كما قال تعالى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران:64)

وانطلاقا من هذه العبودية الجميلة التي يعيشها الفرد المؤمن كما تعيشها الجماعة المؤمنة يتحرك المؤمن في الحياة طبقاً لمرضاة من توجه إليه بالعبودية.. فالمسلم مطالب بتحقيق مرضاة الله، والبحث عنها في التكاليف التي كلف بها..

وليس في هذا أي قيد للحرية، ذلك أن الطيب الذي ينهى مريضه عما يضره، أو يأمره بما ينفعه، ثم يفعل المريض ما طلبه منه طبيبه عن رضا تام.. وطواعية محبة.. فإن ذلك لا يمكن اعتباره قيدا.. فالطواعية تتنافى مع القيد.

وهكذا العبودية التي أمر بها الإسلام، والتي يقوم بها المؤمن، ففيها وصفان يزيلان عنها ما نتوهمه من قيود:

أما أولهما، فكونها لا يمكن أن تتحقق إلا بالرضى التام والطواعية التامة.. ولهذا يربط الإسلام بين العبادة والمحبة.. فالعبادة التزام من قلب ممتلئ بحب الله.. قلب يشعر أنه ليس في الوجود من هو أجدر من الله بأن يحب، والإسلام بمصادره المقدسة يعمق في المؤمنين هذه المحبة.. فهو يصف الله بأنه صاحب الفضل والإحسان، الذي خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا، وخلق له ما في الأرض جميعا، وأسبع عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وخلقه في أحسن تقويم، وصوره فأحسن صورته، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ورزقه من الطيبات، وعلمه البيان، واستخلفه في الأرض، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته.

فإذا امتلأ المؤمن بهذه المحبة مارس العبودية ـ بجميع أنواعها ـ برضا وتلذذ وطواعية..

وأما الثاني.. فهو أن هذه العبودية التي يمارسها المؤمن عن طواعية تامة لم يقصد منها إلا مصالحه.. والمصالح بالمفهوم الإسلامي تشمل مصالح الدنيا، ومصالح الآخرة، ولهذا نرى النصوص المقدسة تربط بين طاعة الله والمصالح..

أما الحرية التي يتصور الملاحدة أنهم جاءوا بها، وهي حرية الرأي، أو الديمقراطية الحديثة، فهي ليست سوى ديمقراطية المشاغبين.

ذلك أنه لو كان هناك معلم.. وكان له تلاميذ.. وكان أكثرهم مشاغبين لا علاقة لهم بالعلم، ولا اهتمام لهم به.. وراحوا يطالبونه بانتخابات تحدد لهم الدروس التي يقرؤونها، والمنهج الذي يدرسهم به.. فإن هذا الأسلوب لن يكون نافعا لهم، ولا مجديا معهم.. فهم سيرمون جميع الدروس في سلة المهملات.. وسيجعلون من المدرسة ملعبا لأهوائهم وشغبهم.

وهكذا هذه الديمقراطية المزيفة.. فهي تتيح للص والمجرم والقاتل والمنحرف من الأصوات ما تتيحه للمفكر والعالم والعبقري، وهي مع ذلك لا تتيح لهم إلا حرية محدودة في أطر رسمتها ([85]).. فالمتتبع لواقع حرية الرأي في الفكر الغربي يجدها قد قيدت بقيدين: أولهما سيطرة الاحتكارات الرأسمالية الكبرى على وسائل الإعلام، وقدرتها على توجيه الإعلام، والتحكم في مصادر الأخبار والمعلومات.. وثانيهما تلك القيود المثيرة التي تفرضها الدولة، بحجة عدم الاعتداء على حريات الآخرين، والمحافظة على الأمن الداخلي، والتي غالباً ما تستخدم كذريعة للحد من قدرة الأفراد على التعبير عن آرائهم.

أما الإسلام، فهو يكبت حرية الرأي الذي يريد أن يخرب المجتمع، أو يفتت وحدته، أو يحول وجهته عن الله الذي خلقه، أما الرأي الذي يكون نصحا أو نقدا بناء.. فإن الإسلام لا يكتفي باعتباره حقا.. بل يعتبره واجبا على الكل.. وهو لا يسميه رأيا.. بل يسميه نصيحة، ويشرع له من الأخلاق ما يضعه في قمة قمم الأدب.

وهكذا نرى الإسلام ينهى عن الإكراه في الدين، ولا يجيز لأحد أن يكره أحد على أي اعتقاد، وحتى المرتد([86])، فإن النصوص المقدسة للمسلمين لم تذكر قتل المرتدين.. فليس في القرآن الكريم آية واحدة تأمر بقتل المرتد.. بل إنا لا نجد فيه إلا التحذير من مصيره في الآخرة.

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)} [آل عمران: 90-91]، فهي واضحة في كونها لا تفرض أي عقوبة على المرتد إلا العقوبة الأخروية.

وقد مارس بعض اليهود هذا في عهد النبوة، كما ذكر القرآن:{ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)}(آل عمران)، ومع ذلك لم يقتل محمد واحدا منهم بسبب ذلك.

بل إن الإسلام لا يتوجه بالعقوبة إلا للمحارب المفسد الذي لا هدف له إلا تخريب المجتمع، وتفتيت وحدة المسلمين، وخرق صفوفهم.. أما المرتد الذي يحتفظ بردته لنفسه، ويحتفظ بكفره لنفسه، فلا يتدخل الإسلام في اختياره.. بل إن محمدا كان يرى المنافقين ويعلم أسماءهم.. ولم يقتل واحدا منهم.

الدين الأصيل والأخوة:

عند استقراء الأديان المختلفة لا نجد دينا أعطى الأخوة وكل العلاقات الإنسانية من القيم ما أعطاه الإسلام في نسخته الأصلية التي تعتمد بالدرجة الأولى على المصادر المقدسة ولا تخلط معها أي مصادر أخرى مبنية على الهوى، ومتأثرة بالبيئة والثقافات السائدة.

فقد اعتبر القرآن الكريم البشر جميعا إخوة، مهما اختلفت أعراقهم وألوانهم وأديانهم.وهذا ما لا نجده في أي دين من الأديان، ولا في شريعة من الشرائع السماوية أو الوضعية.. ولهذا نجده ينادي البشر بهذا الوصف:{ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (لأعراف:26).. { يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} (لأعراف:27)..:{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الاسراء:70)

بل إنه اعتبر الأنبياء الكرام إخوة لأعدائهم الذين كانوا يسومونهم الخسف فقد اعتبر قوم نوح إخوانا لنوح:{ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ} (الشعراء:106).. واعتبر قوم هود إخوانا لهود:{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ} (الشعراء:124).. واعتبر ثمود إخوانا لصالح:{ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ} (الشعراء:142)

وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول دبر كل صلاة: (اللهم ربنا ورب كل شئ ومليكه أنا شهيد أنك الله وحدك لا شريك لك.. اللهم ربنا ورب كل شئ ومليكه، أنا شهيد أن محمداً عبدك ورسولك.. اللهم ربنا ورب كل شئ ومليكه أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة)([87])

فقد اعتبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إقرار مبدأ (الأخوة) بعد الشهادة لله تعالى بالوحدانية، ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالعبودية والرسالة.

وبالإضافة إلى هذه الأخوة العامة، فإن القرآن الكريم يدعو إلى نوع آخر من الأخوة، وهي الأخوة الخاصة بين المسلمين، وأو تلك التي سماها [أخوة الدين]، كما قال تعالى:{ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (التوبة:11)، وقال:{ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} (الأحزاب:5)، وقال: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } (الحجرات:10)

فالإسلام يعتبر المسلمين جميعا ـ مهما تعددت أوطانهم وأعراقهم وألوانهم ـ أسرة واحدة لها أب روحي واحد هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. ولها دين واحد هو الإسلام.

وهذه مرتبة من مراتب العلاقات مرتبة ضرورية، ذلك أن الناس جميعا يمارسون في علاقاتهم هذا الأسلوب؛ فيفرقون بين إخوانهم وأصدقائهم وأقاربهم وأهل بلدهم وسائر الناس.. وهي لا تلغي غيرها من المراتب، كما لا تلغي الصداقة ولا القرابة غيرها من العلاقات.

وهذه الأخوة هي العلاقة الوحيدة التي تحكم بين المسلمين جميعا.. فليس في المسلمين أي عنصرية كتلك العنصرية التي تمتلئ بها شعوب الأرض.

وقد زخر التراث الإسلامي بجميل الأخلاق وعظيم الآداب التي طبعت علاقات المسلمين بعضهم ببعض.. والتي استوحت معانيها من نصوص القرآن ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قال معبرا عن أصل أصول ذلك: (: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)([88])

الدين الأصيل والمساواة:

عندما نقوم بعملية مسح علمية منهجية لكل الأديان السماوية والوضعية، لنبحث عن موقفها من المساواة بين البشر لا نجد دينا يحفل بذلك الكم الكبير من النصوص المقدسة حولها، فالإسلام يعتبر البشر جميعا عبادا لله.. وأفضلهم أقربهم لله، وأكثرهم نفعا لعباده([89]).

لقد نص القرآن على هذا في مواضع كثيرة.. فهو يرد على اليهود والمسيحيين الذين اعتبروا أنفسهم أبناء لله، فقال:{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } (المائدة:18)

وبين عدالة الجزاء الإلهي الذي يتعامل مع العباد بحسب أعمالهم لا بحسب أمانيهم، فقال:{ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً } (النساء:123)

وقد رسخ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسلوكه وهديه هذه المعاني.. حيث كان يصحبه العرب والعجم، والبيض والسود، والأحرار والرقيق، ولم يكن يميز أحدهم عن الآخر.

وقد ورد في الحديث: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: (يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على  عجمي ولا لعجمي على  عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } (الحجرات:13)، ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فليبلغ الشاهد الغائب)([90])

وفي حديث آخر، قال: (إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي ألا إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا فجعلت أكرمكم أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا فلان ابن فلان خير من فلان بن فلان فاليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم أين المتقون)([91])

وفي حديث آخر قال: (إن الله عز وجل أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس بنو آدم وآدم من تراب مؤمن تقي وفاجر شقي، لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها)([92])

وفي حديث آخر: (أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحدكم، كلكم بنو آدم ليس لأحد على أحد فضل الا بالدين أو تقوى وكفى بالرجل أن يكون بذيا فاحشا بخيلا)([93])

ولتعميق الإسلام لقيمة المساواة في نفوس المسلمين، قام ـ بمصادره المقدسة ـ بتربيتهم على التواضع لله، ولخلق الله..

فقد اعتبر القرآن الكريم الكبر الحجاب الأكبر بين العباد ومعرفة ربهم والاتصال به، فقال:{ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) (لأعراف:146)

بل أخبر أن المتكبرين لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، فقال:{ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ } (لأعراف:40)، وقال:{ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } (القصص:83)

وقد ربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أصحابه هذا الخلق العظيم.. فكان يحثهم عليه بكل الأساليب، ففي الحديث القدسي: (إن الله تعالى أوحى إلي أن توضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا ينبغي أحد على أحد)([94])

وفي حديث آخر: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد إلا رفعه الله)([95])

وفي حديث آخر: (طوبى لمن تواضع في غير منقصة، وذل في نفسه من غير مسألة)([96])

وفي حديث آخر: (من مات وهو برئ من الكبر والعلو والدين دخل الجنة)([97])

وفي حديث آخر: (من تواضع لأخيه المسلم رفعه الله، ومن ارتفع عليه وضعه الله)([98])، وفي رواية: (من تواضع تعظيما يحفظه الله، ومن تواضع خشية يرفعه الله)

أما العزة التي دعا إليها الإسلام، فليست كبرا، ويستحيل أن تكون كبرا، ذلك أنها امتلاء النفس تعظيما للحق الذي هداها الله إليه، فلا تتشوف لغيره، والمعتز بالحق هو الذي يسعى لإيصاله لغيره من غير أن يستعلي عليهم به.

لقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ فاني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك)([99])

وفي حديث آخر: (ألا أحدثكم حديث رجلين من بني إسرائيل؟ كان أحدهما يسرف على نفسه، وكان الآخر يراه بنو إسرائيل أنه أفضلهم في الدين والعلم والخلق، فذكر عنده صاحبه، فقال: لن يغفر الله له، فقال الله لملائكته: (ألم يعلم أني أرحم الراحمين؟ ألم يعلم أن رحمتي سبقت غضبي؟ فاني أوجبت لهذا الرحمة، وأوجبت على هذا العذاب، فذا تتألوا على الله)([100])

وفي حديث آخر: (قال رجل لا يغفر الله لفلان، فأوحى الله إلى نبي من الانبياء أنها خطيئة، فليستقبل العمل)([101])

وفي حديث آخر ورد ما هو أعظم من ذلك، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كان رجل يصلي، فلما سجد أتاه رجل فوطئ على رقبته، فقال الذي تحته: والله لا يغفر لك الله أبدا، فقال الله عزوجل: تألى عبدي أن لا أغفر لعبدي، فاني قد غفرت له)([102])

وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هؤلاء الذين زعموا لأنفسهم امتلاك خزائن الجنان (المتألين)([103])، فقال: (ويل للمتألين من أمتي، الذين يقولون: فلان في الجنة، وفلان في النار)([104])

بل أخبر عن هلاك هذا النوع من الناس، فقال: (إذا سمعت الرجل يقول: هلك الناس فهو أهلكهم)([105])، وقال: (إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم)([106])

ب ـ الدين المحرف وحقوق الإنسان:

ولا نقصد بالدين المحرف هنا المسيحية أو اليهودية أو غيرها من الديانات فقط، بل نقصد به الإسلام أيضا، فقد أصاب هذا الجانب فيه الكثير من التحريف، سواء من رجال الدين، أو من السلطات الزمنية التي حكمت طيلة التاريخ الإسلامي.

وقد نبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك، وأخبر أن هناك ظلما واستبدادا كثيرا سيصيب الأمة، وتنحرف به عن دينها، حتى لا يتحمل الدين تبعات ذلك الاستبداد والتحريف، بل أخبر أن ذلك سيتم في العصور الأولى منه، بل أشار القرآن الكريم إلى إمكانية أن يحصل ذلك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لا يتحمل دين الله الأصيل أي تبعات يقوم بها أتباعه، فقد قال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]

وأخبر أن ذلك سنة في المجتمعات جميعا، والتي تسيء خلافة الرسل، ويتحقق بسببها تحريف الدين، كما قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأعراف: 169]

وأشار في آية أخرى إلى بعض المظالم التي تحصل بسبب البغي وسوء فهم الدين، فقال:{ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } [البقرة: 253]

والآية الكريمة تشير إلى أنه كان في إمكان الله تعالى أن يمنع كل ذلك، ولكن تركه، لأنه أراد من خلقه أن يمارسوا تكاليفهم بكل حرية حتى يتميز الخبيث من الطيب، والمصلح من المفسد.

وهكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عما يحصل في أمته من انحرافات عن الدين الأصيل، وهي كثيرة جدا لا يمكن استيعابها هنا، وكلها تفيد أنه لا علاقة للدين بالمآسي التاريخية التي حصلت باسمه.. فالدين تمثله مصادره المقدسة، لا سلوكات أتباعه، وفهومهم له.

ومن النصوص الواردة في ذلك هذا التحذير الشديد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أن تترك الأمة للسياسة ورجالها المجال للتأثير عليها في دينها، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه ولستم بتاركيه، يمنعكم من ذلك المخافة والفقر، ألا وان رحى الايمان دائرة، وان رحى الا سلام دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث يدور، ألا وان السلطان والكتاب سيفترقان ألا فلا تفارقوا الكتاب، ألا انه سيكون عليكم أمراء ان أطعتموهم أضلوكم، وان عصيتموهم قتلوكم)، قالوا: فكيف نصنع يا رسول الله؟ قال: (كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم حملوا على الخشب ونشروا بالمناشير، موت في طاعة الله، خير من حياة في معصية الله)([107])

فهل يمكن اعتبار هذه الأوامر التي تدعو إلى التضحية في سبيل تحقيق العدالة والقيم الحضارية النبيلة أفيونا للشعوب؟

وقد أخبر في حديث آخر ما يبين قرب ذلك، فعن أبي سعيد قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال في خطبته: (ألا اني أوشك أن أدعى فأجيب، فيليكم عمال من بعدي يعملون بما تعملون ويعملون ما تعرفون، وطاعة أولئك طاعة، فتلبثون كذلك زمانا، ثم يليكم عمال من بعدهم يعملون بما لا تعملون، ويعملون بما لا تعرفون فمن قادهم، وناصحهم، فأولئك قد هلكوا، وأهلكوا خالطوهم بأجسادكم، وذايلوهم بأعمالكم، واشهدوا على المحسن أنه محسن وعلى المسئ أنه مسئ)([108])

وقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم خوفه على ما يحصل بعده من تسلط الأئمة الظلمة، ومن يعينهم من علماء السلاطين، ففي الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلون)([109])

 وقد نبه صلى الله عليه وآله وسلم الأمة إلى كيفية التعامل مع هؤلاء الأمراء المستبدين، فقال: (اسمعوا، إنه سيكون عليكم أمراء، فلا تعينوهم على ظلمهم، ولا تصدقوهم بكذبهم، فإنه من أعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم، فلن يرد علي الحوض)([110])

وبناء على هذا؛ فإن كل ما حصل في الواقع الديني من مآس تمس بحقوق الإنسان لا علاقة لها بالدين، وهي سلوك بشري مبني على الهوى، ولذلك لا يتحمل الدين الصحيح ذلك، لأنه تبرأ من أصحابها.

بل إن المتدين الحقيقي يجب عليه قبل الملحد أن ينكر ذلك، حتى يبقى دين الله صافيا سليما بعيدا عن تأثيرات متبعيه وأهوائهم.. ولذلك نرى القرآن الكريم يحمل حملة شديدة على هؤلاء، ويرد عليهم، ويعتبرهم أبعد الناس عن الدين، بل يشبههم بالحمير، كما قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [الجمعة: 5]

وشبه عالم الدين الذين يركن إلى هواه، ويفسر الدين بمزاجه بالكلب، قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ } [الأعراف: 175 – 177]

2 ـ موقف الإلحاد من حقوق الإنسان:

من المغالطات الكبرى التي يمارسها الملاحدة في هذا الجانب تصويرهم للمجتمع الملحد بكونه المجتمع الذي يمثل جميع القيم الحضارية التي حال الدين دون تحقيقها، ويستدلون لذلك بما وقع في التاريخ من انحرافات رجال الدين، والتي نقرهم فيها، بل ننكرها مثلما ينكرونها، بل إن المصادر المقدسة للأديان نفسها نبهت إليها وحذرت منها.

ونحن سنعاملهم هنا بنفس طريقتهم في تعاملهم مع الأديان، فقد أتيحت لهم فترة طويلة حكموا فيها البشرية، ولا يزالون يحكمونها، ورفعوا حينها الكثير من الشعارات، والتي توهموا أنهم جاءوا بها في مواجهة الدين الذي جاء بنقيضها.

ومن أهم تلك الشعارات، ذلك الشعار الذي رفع إبان الثورة على الكنيسة، وهو [الحرية والأخوة والمساواة]، وسنرى مدى تطبيقهم لهذه الثلاثية.

أ ـ الحرية والإلحاد:

لقد كان أول ما فعلته الثورة الفرنسية التي أعلنت الحرية هي أن بترت الإنسان عن الإنسان، لأنها تصورته قيدا يكبت حرية الإنسان.. وقد بدأت ذلك بتحريره من الله.. أو بعزل الله عن حياته.

ثم كان الانقلاب الصناعى([111]) الذى أتى على بقية ما كان من بنيان، فقد أحدث هذا الانقلاب تغيراً كاملاً فى صورة المجتمع فى كل شىء فيه، وكان عاملاً من أهم العوامل فى التركيز على (فردية) الإنسان..

وقد ذاق هؤلاء جميعاً فرديتهم المستقلة (المتحررة) من غير طريقها السوى، الذى كان يضمن لهم ـ مع الإحساس بالذاتية المتميزة ـ توازناً فى الإحساس بالحقوق والتبعات، والحرية والالتزام.

فسكان المدينة الجدد كانوا ـ رويداً رويداً ـ قوماً يتحللون من الدين والأخلاق والتقاليد، بتأثير الانتقال من الكبت العنيف فى الريف إلى (حرية) المدينة وبحبحتها، وبتأثير الانسلاخ التدريجى الدائم من الدين، وبتأثير التفسير الحيوانى للإنسان الذى بثته الداروينية فى النفوس؛ وبتأثير التفسير الجنسى للسلوك الذى بثه فرويد؛ وبتأثير وجود الشباب الفاره القوة بلا أسر تعصمه من الخطيئة، فيلجأ إلى الحل الرخيص الذى تقدمه المدينة فى صورة بغاء..

والمرأة ـ وهى تحس رويداً رويداً بفرديتها ـ كانت تستقى هذه الفردية على انحراف، فهى خارجة من حالة انعدام الكيان.. فى كل شىء.

فلما أحست بذاتيتها أخذت تناضل لتحطيم كل قيد.. لازماً أو غير لازم.. وأخذت بالذات تسعى إلى تحطيم الدين والأخلاق والتقاليد لأنها استخدمت ضدها فى معركة (التحرر).. استخدمها الرجل ليصدها عن منافسته، بينما كان هو فى واقع حياته متحللاً من الدين والأخلاق والتقاليد.

وحدث عند هذا انحلال مدمر شنيع؛ فقد تحطمت روابط المجتمع، وروابط الأسرة، وفسد كيان الرجل والمرأة كليهما.. فلم يعودا رجلاً وامرأة كما خلقهما الله.

أما الرجل ـ وقد فقد روابطه الاجتماعية وضعفت فى نفسه روابط الأسرة وروابط الرجولة ذاتها ـ فقد أصبح شيئاً أقرب إلى الآلة منه إلى الإنسان.. آلة منتجة، ولكنها لا تكاد تفكر أو تحس.. وإنما تعيش الحياة لحظة لحظة، بلا هدف شامل ولا وعى بإنسانية الإنسان.. ثم إذا فرغ من الإنتاج المادى الذى يكبت كيانه الحى ويطمس إشعاعه الروح فيه ـ بسبب الأسلوب الآلى الذى يؤدى به العمل ـ انطلق فى حيوانية هابطة يشبع دوافع الحيوان، وتتحول فى نظره إلى هذين الهدفين القريبين: إنتاج كالآلة.. وانطلاق كالحيوان.

ب ـ الأخوة والإلحاد:

لقد كان أول مظهر من مظاهر الإخاء الذي مارسه الإلحاد إبان الفتة الطويلة التي حكم فيها ابتداء من الثورة الفرنسية إلى اليوم هو الاستعمار والنهب والسيطرة على حقوق المستضعفين، ثم قتلهم بعد ذلك.

فلم يكتف تلاميذ الثورة الفرنسية النجباء بإعلان أخوتهم للعالم بهذا الأسلوب، وإنما ساروا إلى الأرض يقسمونها كما يحلو لهم، وكأنها تركة لأبيهم الذي مات، فهم يرثونها عنه.. أما أهل الأرض من البسطاء والمستضعفين، فلهم مصيران لا ثالث لهما: إما الموت.. وإما السخرة.

أما السخرة، فهي تلك الوظائف القاسية والمهينة التي قام بها أبناء الشعوب المستعمرة، وأما الموت.. فإن جرائم الإبادة التي نالت البشر في الفترة التي أعلنت فيها حقوق الإنسان، والأخوة الإنسانية لا تعدلها جرائم البشر في جميع فترات تاريخهم.

لقد بلغ عدد الذين أبادتهم بريطانيا العظمى من أجل إخضاع الصين لتاجها أكثر من عشرين مليون إنسان.

وكانت فرنسا تستعمر الجزائر رغم إرادة شعبها الذين قاوموا الاستعمار بعنف، ولم تستجب فرنسا لنداء الحرية المدوي في صفوف الشعب الجزائري، إلا بعد أن قتلت من ذلك الشعب المضطهد ما يقارب المليونين نسمة، وبصورة بشعة قاسية.

وفي أثناء حرب الجزائر طلب حكام فرنسا من القائد العام للجيش أن يحول أجمل مسجد في الجزائر إلى كنيسة، فوقع اختياره على مسجد الحي الأورلي في القشارة فتقدمت مجموعة من آلية الهندسة للسلاح الفرنسي إلى المسجد، وكان الوقت وقت صلاة المغرب، وكان المسجد غاصاً بالمصلين الذي قدر عددهم بـ(1400) مصلٍّ، فدخلوا عليهم وقتلوا فيهم إلى منتصف الليل، حيث أبادوهم جميعاً.

وقد أحصي عدد القنابل التي ألقاها الطيران الأميركي من سنة 1961 إلى سنة 1972م زهاء ستة ملايين وسبعمائة وسبعة وعشرين ألف طن من القنابل على منطقة الهند الصينية وحدها.

وألقت الطائرات الأميركية واحد وسبعين مليون لتراً، من المواد الكيمياوية السامة على منطقة في جنوب فيتنام توازي مساحة إيرلندا الشمالية.

أما ما فعله تلميذ نيتشة وغيره من الملاحدة [هتلر]، فهو لا يكاد يوصف أو يعبر عنه، والكثير للأسف يقصر مواقفه مع اليهود، وينسى مواقفه الأخطر مع الغجر([112])، فقد نال الغجر المستضعفين من الإبادة ما نالهم.. فقد وصفت إحدى منشورات اليونسكو ما حصل لهم، ومما جاء فيها من مآس([113]):

أن الدكتور هانز جلوبكه ـ أحد المساهمين في صياغة قوانين نورمبرج ـ عام 1936 ـ ذكر أن الدم الذي يجري في عروق الغجر (دم أجنبي). ثم صنَّفهم الأستاذ هانز ف. حينثر في فئة مستقلة تمثل مزيجاً عرْقياً غير محدَّد (إذ لم يستطع نفي أصلهم الآري). وبلغت الخصائص العرْقية لدى الغجر من الأهمية درجة أهلتها لأن تصلح موضوعاً لرسالة دكتوراه، ومما قالته إيفا جوستين مساعدة الدكتور ريتّر في قسم الأبحاث العِرقية بوزارة الصحة (عند مناقشة رسالتها) إن الدم الغجري (يُشكِّل خطراً بالغاً على صفاء الجنس الألماني)

ووجَّه طبيب يُدعَى الدكتور بورتشي مذكرة إلى هتلر يقترح فيها فرض الأشغال الشاقة على الغجر وتعقيمـهم بالجملة نظراً لأنهم (يُشكِّلون خطراً على نقاء دم الفلاحين الألمان)

وفي 14 ديسمبر عام 1936، صدر قرار أدى إلى تفاقم أوضاع الغجر، إذ وصمهم بأنهم (مجرمون معتادون على الإجرام)

وفي نهاية عام 1937 وخلال عام 1938 شُنت حملات اعتقال جماعية عديدة ضد الغجر، وخُصِّص لهم جناح في معتقل بوخنولد.

وفي عام 1938، أصدر هملر بنفسه أمراً بنقل مقر المركز الوطني لشئون الغجر إلى برلين.. وفي السنة نفسها اعتُقل ثلاثمائة غجري كان قد استقر بهم المقام في قرية مانفويرت حيث كانوا يملكون الحقول والكروم.

وقد أمر هملر بتصنيف الغجر في الفئات التالية: غجري صرف (Z)، وخلاسي يغلب عليه العرْق الغجري (ZM+)، وخلاسي يغلب عليه العرْق الآري (ZM-)، وخلاسي يتساوى فيه العرْقان الغجري والآري (ZM).

ويميِّز المؤرخ ح. بلِّنج في كتابه (ألمانيا وإبادة الجنس) بين أساليب مختلفة لإبادة الجنس تتمثل في الإبادة عن طريق إزالة القدرة على الإنجـاب واخـتطاف الأطفال، والإبادة عن طريق الزج في المعتقـلات، والإبادة عن طريق الإفناء.

وهذا مجرد مثال واحد عن بعض جرائم الإبادة التي تهدف إلى تنقية العرق.. أما جرائم الإبادة التي تهدف إلى نشر ديمقراطية الدماء.. فهي كثيرة جدا، تشهد عليها أفغانستان والعراق وفلسطين.. بل جميع عوالم المستضعفين.

وبعد كل هذه المآسي التي تدل عليها كل الوثائق التاريخية يأتي الملاحدة، وبناء على حوادث بسيطة قام بها المنحرفون عن الدين الأصيل، ليعتبروا الدين هو وسيلة العنف الكبرى، وأن الحل الذي يحمي البشرية من العنف هو الإلحاد.

ويذكر الملاحدة الجدد منهم خصوصا ([114]) أنه لولا الدين لما شهدنا هجمات 11 سبتمبر أو النزاع الفلسطيني الإسرائيلي أو مشاكل ايرلندا الشمالية أو أية نزاعات عنيفة بسبب كلمات في كتب مقدسة.. بل ولا حتى الدولة الإسلامية.

ويحاجج أكثر الملحدين البريطانيين شهرة [ريتشارد دوكنز] بأن الدين كان سبباً رئيسياً للعنف والحروب عبر التاريخ حيث قال في مذكراته التي كتبها عام 2013: (الدين هو العلامة الرئيسية والأخطر التي بموجبها نقسم أنفسنا إلى طرفين: نحن وهم)

وأضاف أنه لو ألغي الدين لأصبحت الفرصة أكبر بكثير لعالم بلا حروب، كما كنا لاحظنا انخفاضاً في منسوب الكراهية لأن الكثير منها يعود للطائفية كما في ايرلندا الشمالية والهند وباكستان على حد تعبيره.

لكن الدراسات الأكاديمية تدحض تلك النظرية التي تربط ما بين الحروب والدين؛ ففي بحث نشره معهد نيويورك وسيدني للاقتصاد والسلام تبين أنه عموماً لا توجد علاقة بين الدين والنزاعات في أي من الحروب التي اندلعت في 2013.. ومن بين خمسة وثلاثين نزاعا مسلحا خمسة فقط (14 بالمائة) كانت أسبابها المباشرة مرتبطة بالدين، في حين غاب العامل الديني تماماً في أربع عشرة حالة أخرى (40 بالمائة)، واشتركت جميع الحالات قيد الدراسة في تعدد مسبباتها، وكانت أكثر الأسباب شيوعاً هي ما تعلق بمعارضة الحكومة أو النظام الاقتصادي أو الايديولوجي أو السياسي أو الاجتماعي للدولة حيث برزت في ثلثي الحالات التي تمت دراستها.

كما نجد في موسوعة الحروب ـ وهي دراسة شاملة لكافة الحروب الألف وسبعمائة وست وثلاثين عبر تاريخ الإنسانية ـ أن الحروب الدينية في طبيعتها لم تتجاوز المئة وثلاثة وعشرين حرباً.. أي أقل من 7 بالمائة.

من ناحية أخرى أسفر تقرير معهد الاقتصاد والسلام عن نتيجة مفادها أن انحسار الدين في دولة ما لا يجعلها تلقائياً تتمتع بالسلم أكثر، ونسبة الملحدين في الدولة لا علاقة لها بمستوى السلم فيها، فالدول التي تعلو فيها نسبة الملحدين ـ بالأخص الدول الشيوعية أو التي كانت شيوعية مثل روسيا والتشيك ـ لم تنعم بالسلام.

وبحسب التقرير أيضاً كانت كوريا الشمالية ضمن لائحة الدول العشر الأقل سلاماً رغم أنها الأقل نسبة من حيث عدد السكان المنتمين إلى ديانة ما.

وقد فسر [جون وولف] سبب كون الدين بارزا في أغلب النزاعات، بأنه عندما يكون الواقع معقداً يتم توصيف الصراعات بأنها دينية كوصف مقتضب لها، ويضيف: (حتى عندما نرجع بالتاريخ إلى ما يعرف بالحروب الدينية في القرنين السادس عشر والسابع عشر فيما بعد حركة الإصلاح البروتستانتي في غرب وشمال أوروبا نجد أن العامل الديني كان مهماً، ولكن يتبين أنه كان هناك أيضاً تأُثير الأسر الحاكمة والسلطة والاقتصاد التي كان من شأنها تحريك الحروب)

ويختم جون بقوله: (لعلني أتفق مع الطرح القائل بأنه تم توريط الدين في معظم الحروب، لكن القول بأن الدين هو المسؤول عنها هو تحريف للأدلة)

وهكذا ذكرت الكاتبة الأسترالية المسلمة [ريتشل وودكوك] أن الانقسامات الدينية أصبحت واضحة أكثر في الحروب الحديثة. وتقول في كتابها [لفهم الإله]: (إن أهمية الدين قد تصاعدت اليوم بسبب العولمة التي تتحدى وتغير كل شيء، وأن الهوية الدينية لا تتأثر عندما تنهار التحالفات السياسية والقومية لا بل تزداد أهمية كما رأينا في يوغوسلافيا سابقاً في أوائل التسعينات عندما انقسم الصربيون والكرواتيون والبوسنيون إلى أورثودوكس وكاثوليك ومسلمين)

كما أشارت وودكوك إلى الديكتاتور صدام حسين الذي استخدم السلاح الكيماوي ضد الأكراد بينما ظهر على شاشات التلفاز وهو يصلي لله، وقالت في الكتاب: (للأسف يوفر الدين غطاء مناسباً ومحركاً قوياً لأصحاب النوايا السيئة. في الحقيقة يكون الدين مختلفاً تماماً عندما يمارسه المتعطشون للسلطة عما يبدو عليه عند الأتقياء والصالحين، وهذا يدل على نفسية الإنسان أكثر مما يدل على الدين. ولذلك نرى الكثير من النزاعات الإنسانية تحوم حول الدين)

وفي ايرلندا الشمالية نلاحظ أنه يتم توظيف الخطاب الديني من قبل الطرفين وبالأخص في حالة القس البروتستانتي [إيان بيزلي] الذي اعتبره البابا عدوا المسيح.

وقد ذكر [وولف] أنه قد تم تضخيم دور العوامل الدينية في النزاع الدائر في ايرلندا الشمالية (التوصيفات الشائعة هي كاثوليك وبروتستانت بدلاً من قومي واتحادي مما يساهم في خلط الأمور، وكان هناك الكثير مما يجري خلف الكواليس مما لم يتطرق له الإعلام من مصالحات وما إلى ذلك، لقد كان بيزلي شخصاً واضحاً ومؤثراً في طرف البروتستانت وبنى مواقفه على أسس دينية، لكني أعتقد أنه لم يكن ممثلاً جيداً لتلك الشريحة بشكل عام)

بالإضافة إلى ذلك، فقد أشارت الدراسات الكثيرة إلى الدور الإيجابي الذي يلعبه الدين في تحقيق السلام، وهي للأسف لا تنال التغطية المناسبة في الإعلام ـ بحسب معهد الاقتصاد والسلام ـ فقد وجد المعهد أن الانخراط في أي مجموعة ـ دينية أو رياضية مثلاً ـ من شأنه أن يقوي العلاقات بين المواطنين في الدولة، ويرتبط عادة بالمناطق التي تنعم بسلم أكثر. وقد عرف التاريخ أناساً متدينين جداً وهم من أشهر دعاة السلام مثل مارتن لوثر كينج جونيور والمهاتما غاندي والمطران ديزموند توتو.

ويذكر [جون وولف] ذلك، فيقول: (يجب علينا أن نتمعن في الحالات التي يعمل فيها الناس المتدينون بكد لإحلال السلام.. وهو جانب نادراً ما يحظى بالتغطية الإعلامية على عكس الجانب الآخر)

وبالنظر إلى الحروب الكبرى في المئة عام الأخيرة كالحرب العالمية الأولى والثانية والحرب الباردة وحرب فيتنام.. نرى بوضوح كيف يمكن للدوافع غير الدينية أن تكون مدمرة تماماً كالدوافع الدينية. مما يطرح السؤال عما إذا كان الإلحاد المتشدد مسؤولاً القدر بنفسه عن الدمار والعنف كما الدين.

وبحسب ما تقول [ريتشل وودكوك]، فإنه (لا يقع اللوم على الايديولوجية الدينية فقط في نشوب النزاعات، بل إن الإلحاد المفروض من قبل الدولة كان علامة فارقة في الأنظمة الفاشية في القرن العشرين كنظام ستالين وتيتو وماو تسي تونج وبول بوت وغيرهم.. مما نتج عنه مصرع ومعاناة الملايين، كما أعدم الملحدون عشرات الآلاف من الروس المسيحيين بسبب معتقداتهم بهدف إفراغ الدولة من الدين)

ج ـ المساواة والإلحاد:

لا يصطدم الإلحاد بشيء كما يصطدم بالمساواة، ذلك أنه يعتقد بنظرية التطور، ويعتقد معها بما يطلق عليه [الداروينية الاجتماعية]، وهي ذلك التبرير العلمي لكل أنواع العنصرية.

وهي نظرية تدعو إلى ممارسة كل أنواع التجبر والطغيان لإلغاء المستضعفين من الوجود حتى لا يبقى في العالم إلا الأقوياء.. فالبقاء لهم وحدهم.. ولذلك لهم أن ينتهبوا ثروات الفقراء المستضعفين.. ولهم أن يبيدوهم.. حتى لا يبقى في الأرض إلا الأصلح والأقوى.. وهو بالتأكيد ليس سوى (الإنسان الأبيض)، والأوروبي على وجه التحديد.

لقد كان هذا المعيار هو الذي فتح المجال للرأسمالية البشعة.. والتي تعني عدم تدخل الدولة في الأعمال والسوق التجارية نهائيًا، بل تترك الباب مفتوحًا للمنافسة، ومن يستطع التنافس يبقَى في الحلبة، ومن لا يجاري الأقوياء عليه مغادرة حلبة الصراع، فلا مكان للضعفاء! وليس الضعفاء إلا أولئك الذين لا يملكون من رأس المال ما يمكنهم من منافسة المليارديرات والمليونيرات.

وكان هذا المعيار هو الذي دعا إلى التخلص من دولة الرفاه.. وهي الدولة التي تقدم التعليم والتأمين الصحي ومعاشات التقاعد والمساعدة في تأمين السكن وغيرها مجانا للمستضعفين.. لأن ذلك سيترك لهم الفرصة البقاء مع استضعافهم.. وهذا مناف للقوانين التي وضعناها.

وكان هذا المعيار هو الذي دعا المستكبرين الأقوياء إلى استعمار الشعوب المستضعفة.. فتلك الشعوب لا تستحق الحياة.. لأن الحياة لا تكون إلا للأقوى.

ولم يتوقف تأثير تلك الأفكار على المجال الاقتصادي، والمآسي التي أحدثها.. بل راحت تستعمل كل الوسائل لإبادة المستضعفين، فقد كان الفلاسفة الماديون يؤمنون بتوريث الصفات.. أي أن الوراثة هي التي تلعب دورًا مهمًا في تحديد طبيعة الإنسان، والسمات الفردية له كالذكاء والهوية الشخصية.. وكانوا لذلك يعتقدون أن الجينات الوراثية تستطيع تفسير خصائص الشخصية البشرية وحل المشكلات الإنسانية سواء كانت اجتماعية أو سياسية.. وكانوا يكذبون كل مقولة تذكر أن البيئة هي التي تؤثر في سلوك الإنسان وسماته الشخصية([115])، وبناء على هذه الاعتقادات راحوا يدعون إلى ممارسة كل الوسائل حتى لا يبقى على الأرض إلا العناصر الصالحة القوية، والتي تجعل الإنسان أكثر تطورا ورقيا.

ولأجل تحقيق هذا قام الكثير من الباحثين في المجالات المختلفة ليميزوا بين العناصر الإنسانية الصالحة القوية، وبين العناصر التي لم تصل بعد إلى المرتبة الإنسانية.

ومن النتائج التي وصلوا إليها ما عبر عنه بعضهم بقوله: (إن للبالغين السود جماجم طويلة،وبشرة داكنة،وفكان بارزان بقوة إلى الامام، فى حين أن لدى البالغين البيض ولأطفال السود جماجم قصيرة،وبشرة فاتحة، وفكان صغيران، ومن ذلك فإن العرق الأبيض هو الأكثر رقيا وتطورا بإعتباره الأكثر احتفاظا بسمات الحدث)

وقال [هافلوك إيليس]: (قلما يكون أطفال العديد من الأعراق الإفريقية أقل ذكاءا من الطفل الاوروبي، ولكن فى الوقت الذي يكبر فيه الإفريقي يصبح غبيا وبليدا، ويحتفظ الاوروبي بالكثير من حيويته الطفولية)

وكانت التفرقة تجري بين البشر كالتفرقة بين الغنم هي الأساس لكل فكر مادي، فقد ميَّز [إرنست رينان] بين الآريين والساميين على أساس لغوي، ثم انتقل من الحديث عن اللغات السامية إلى الحديث عن الروح السامية والعبقرية السامية مقابل الروح الآرية والعبقرية الآرية التي هي أيضاً الروح الهيلينية أو النابعة منها ([116]).

ثم سادت الفكرة العضوية الخاصة بالفولك أو الشعب العضوي، ومفادها أن لكل أمة عبقريتها الخاصة بها ولكل فرد في هذه الأمة سمات أزلية يحملها عن طريق الوراثة، وانتهى الأمر إلى الحديث عن تفوُّق الآريين على (الساميين)، هذا العنصر الآسيوي المغروس في وسط أوربا، كما دار الحديث عن خطر الروح السامية على المجتمعات الآرية.. مما دفع إلى استعمال كل الوسائل لمحاربتهم.

وكان هذا النوع من العداء يستند إلى نظريات ذات ديباجات ومسوغات علمية عن الأعراق عامة، وعن السمات السلبية الافتراضية (الاقتصادية والثقافية) الثابتة والحتمية للشعوب التي يراد تصنيفها عرقيا.

وقد كانت هذه الداروينية الاجتماعية من أهم مصادر الفكر المادي الإلحادي الذي انتشر في العالم الغربي([117]).. وبناء عليه كان يتم تبرير إبادة الملايين في أفريقيا واستعبادهم في آسيا على أساس أن هذا جزء من عبء الرجل الأبيض ومهمته الحضارية؛ فهو يبيد الملايين ليؤسس مجتمعات متقدمة متحضرة!

وبمناسبة الحديث عن الرجل الأبيض.. فقد قسم الكونت جوبينو البشر إلى أعراق: أبيض (آري)، وأصفر، وأسود.. وذهب إلى أن الجنس الآري الأبيض هو مؤسس الحضارة، وأن السمات المتفوقة لهذا العرْق لايمكن الحفاظ عليها إلا عن طريق النقاء العنصري.. وأكد أن التيوتونيين هم أرقى العناصر الآرية لأنهم وحدهم الذين احتفظوا بنقائهم.


([1])  ومنها: العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة، سفر الحوالي، والعلمانيون والإسلام لمحمد قطب، وغيرها من الكتب.

([2])  وهم الإله، دوكنز، ترجمة بسام البغدادي، دط، دت، ص113.

([3])  علم الأديان مساهمة في التأسيس، ميشال، مسلان ، ترجمة: عزالدين عناية، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي، ومنشورات كلمة. ص: 143..

([4])  قلق في الحضارة، سيغموند فرويد، ترجمة، تحقيق: جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، ص 60.

([5])  مُلحدون محدثون ومعاصرون، د. رمسيس عوض، مؤسسة الإنتشار العربي ، 1998، ص 56.

([6])  من المراجع التي رجعنا إليها في هذا: كتاب [وقال الله]، تأليف الدكتور فريد أبو رحمة، ترجمة ميشال خوري، وهو في موقع [مقدمات ومعاجم] على هذا الرابط:

https://www.kalimatalhayat.com/outlines/300-and-god-said.html

([7])  Crowther, British Scientists of the Nineteenth Century, Routledge & Kegan Paul, London, 1962, .p. 138.

([8])   Thomson, W. Journal of the Victoria Institute, Vol. 124, p. 267..

([9])  Tiner, J.H. Johannes Kepler- Giant of Faith and Science, Mott Media, Milford (Michigan), 1977, pp. 195- 6

([10])  المرجع السابق.

([11])  More, L. T. The Life and Works of the Hounourable Robert Boyle, oxford University Press, Oxford, 1944, P. 171..

([12])  Tiner, J. H. Issac Newton- Inventor, Scientist, and Teacher, Mott Media, Milford (Michigan), 1975- inside front cover..

([13])  Boreham, F. W. A Handful of Stars: Tests that Moved Great Minds, Epworth Press, London, 1933, P. 180.

([14])  سفر العدد 23: 23.

([15])  Williams, E. L. and Mulfinger, G. Physiacal Science for Christian Schools, Bob Jones University Press, Greenville (South Carolina), 1974, P. 458.

([16])  Corbin, D. F. M. A Life of Matthew Fontain Moaury, USN & CSN, Sampson & Low & Co., 1888.

([17])  Tiner, J. H. Louis Pasteur- Fouder of Modern Medicine, Mott Media, Michigan (1990), p. 75..

([18])  انظر مقالا تحت عنوان: تحولات المفكرين نحو الإيمان.

([19])  انظر: شاهد من الغرب: ورقات تمهيدية لقراءة فكر جارودي، عبد العتاق مخلص، دار القرويين، الطبعة الأولى 2004.

([20])  صلاح عبد الرزاق، نقلا عن مصطفى حلمي، إسلام غارودي بين الحقيقة والافتراء، دار الدعوة، الطبعة الأولى، القاهرة، 1996. ص17.

([21])  روجي غارودي، ماركسية القرن العشرين، ص147.

([22])  روجيه غارودي، نحو حرب دينية: جدل العصر، ترجمة: صياح الجهيم، دار عطية للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، بيروت، 1997..

([23])  مجلة الدوحة ديسمبر 1982.

([24])  مجلة الأمة العدد 29السنة الثالثة ـ فيفري 1983.

([25])  غارودي، محاضرة حوار الحضارات، ألقاها في الاسكندرية يوم 21ـ03ـ1983. نقلا عن روجي غارودي، محمد عثمان الخشت(إعداد) لماذا أسلمت نصف قرن من البحث عن الحقيقة.

([26])  انظر معالم تاريخ الإنسانية: ج1 ص16.

([27])  قصة النزاع بين الدين والفلسفة: توفيق الطويل /205 وانظر كذلك تكوين العقل الحديث 3/348.

([28])  انظر: إظهار الحق:218.

([29])  انظر قصة الحضارة:14/ 379.

([30])  معالم تاريخ الإنسانية:1/1008.

([31])  قصة النزاع بين الدين والفلسفة: توفيق الطويل /205 وانظر كذلك تكوين العقل الحديث 3/348.

([32])  انظر: رسالة (الكلمات المقدسة) من سلسلة [حقائق ورقائق]

([33])  انظر: رسالة في اللاهوت والسياسة لسبينوزا، ترجمة: حسن حنفي.

([34])  سلسلة تراث الإنسانية ج 8 ص 78، 80.

([35])  وقد كان فولتير صرح ببعض التصريحات ضد الإسلام قبل أن يعرفه، ولكنه بعد معرفته أعلن توبته عن مواقفه من الإسلام، ومن محمد r  ولكن الأضواء لا تسلط إلا على أقواله الأولى، أما أقواله الأخيرة فقد طُمست، فهو يعترف بأنه كان ضحية الأفكار السائدة الخاطئة:( قد هدم محمد الضلال السائد في العالم لبلوغ الحقيقة، ولكن يبدو أنه يوجد دائماً من يعملون على استبقاء الباطل وحماية الخطأ)

ثم يقول في قاموسه الفلسفي:( أيها الأساقفة والرهبان والقسيسون إذا فُرض عليكم قانون يحرم عليكم الطعام والشراب طوال النهار في شهر الصيام.. إذا فرض عليكم الحج في صحراء محرقة.. إذا فُرض عليكم إعطاء 2,5 بالمائة من مالكم للفقراء.. إذا حُرِّم عليكم شرب الخمور ولعب الميسر.. إذا كنتم تتمتعون بزوجات تبلغ ثماني عشرة زوجة أحياناً، فجاء من يحذف أربع عشرة من هذا العدد، هل يمكنكم الإدعاء مخلصين بأن هذه الشريعة شريعة لذّات؟! )

ويقول:( لقد قام الرسول بأعظم دور يمكن لإنســان أن يقوم به على الأرض… إن أقل ما يقال عن محمد أنه قـــد جاء بكتاب وجاهد، والإسلام لم يتغير قط، أما أنتم ورجال دينكم فقد غيرتم دينكم عشرين مرة )

([36])  مقتطفات من سلسة قراءات إنسانية ج 8 ص 80 – 87.

([37])أفكار ورجال: 474، 476.

([38])أفكار ورجال: 476.

([39])  جورج سول: المذاهب الاقتصادية الكبرى:51.

([40])  منشأ الفكر الحديث ص 151.

([41])  منشأ الفكر الحديث ص 152.

([42])  عن الفكر الإسلامى الحديث ص 289 بتصرف.

([43])رواه البخاري 13 / 255 ، ومسلم رقم (2669).

([44]) تحدثنا عن هذا بتفصيل في كتاب (سلام للعالمين) من سلسلة [حقائق ورقائق].   

([45]) )  رواه الطبراني في معاجيمه الثلاثة.

([46]) )  الطبراني في الأوسط، والبزار بإسناد حسن.

([47]) )  الطبراني في الأوسط.

([48]) )  الدارقطني والبيهقي.

([49]) )  ابن ماجه بإسناد حسن.

([50]) )  رواه ابن ماجه بإسناد حسن.

([51]) )  الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

([52]) )  البخاري ومسلم وابن ماجه.

([53]) )  الطبراني في الكبير.

([54]) )  أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي.

([55]) )  أبو نعيم.

([56]) )  أحمد والطبراني بإسناد جيد واللفظ له، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد.

([57]) )  الطبراني في الأوسط.

([58]) )  الطبراني في الكبير.

([59]) )  مسلم وغيره.

([60]) )  ابن ماجه بإسناد حسن والبيهقي، ورواه ابن خزيمة في صحيحه مثله.

([61]) )  رواه ابن عبد البر في كتاب العلم قال المنذري: ورفعه غريب جدًّا.

([62])  ما قاله الملاحدة ولم يسجله التاريخ، ص7.

([63])  يعتبر من كبار علماء السلفية باليمن وأحد رواد الحديث، قام بالدعوة السلفية في اليمن، وأنشأ مدرسة علمية سلفية بدماج سماها بدار الحديث يفد إليها الطلاب من أنحاء اليمن، ومن بلدان أخرى، وتخرج على يديه شيوخ أنشئوا مدارس في عدد من مناطق اليمن.

([64])  إيضاح المقال في أسباب الزلزال والرد على الملاحدة الضلال (ص: 17)

([65])  الصبح الشارق، ص6.

([66])  توحيد الخالق، ص (41)

([67])  الصبح الشارق، ص48.

([68])  توحيد الخالق، ص (44)

([69])  الصبح الشارق، ص51.

([70])  الصبح الشارق، ص124.

([71])  درء تعارض العقل والنقل (ج1 ص78)

([72])  الصبح الشارق، ص124.

([73])  الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة (ص: 7)

([74])  الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة (ص: 44)

([75])  الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة (ص: 44)

([76])  ذيـل الصواعق، ص7.

([77])  المسلمون وعلم الفلك، ص11.

([78])  ذيـل الصواعق، ص10.

([79])  المسلمون وعلم الفلك، ص12.

([80])  ذيـل الصواعق، ص14.

([81])  ذيـل الصواعق، ص14.

([82])  ذيـل الصواعق، ص14.

([83])  ذيـل الصواعق، ص14.

([84])  الاضواء، العدد 2، مقالة للشهيد آية الله الصدر.

([85])  انظر: د. محمد مفتي، د. سامي الوكيل، الحرية السياسية الغربية وحق إبداء الرأي في التصور الإسلامي.

([86])  رددنا على هذه الشبهة في (عدالة للعالمين) من سلسلة [حقائق ورقائق].

([87])  رواه أحمد.

([88]) )  البخاري:1/10.

([89])  في الحديث سئل النبي r:( أي الناس أحب إلى الله؟) قال:( أنفع الناس للناس ) رواه الطبراني وغيره بألفاظ متقاربة، وهذا لفظ الطبراني، انظر: المقاصد الحسنة ص ( 200 – 201)

([90])  المعجم الكبير للطبراني.

([91])  رواه الطبراني في الأوسط والصغير والبيهقي مرفوعا وموقوفا وقال المحفوظ الموقوف.

([92])  أحمد.

([93])  أحمد.

([94])  رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه.

([95])  رواه مسلم والترمذي.

([96])  رواه مسلم والترمذي.

([97])  رواه الترمذي والنسائي وغيرهما.

([98])  رواه الطبراني.

([99])مسلم في صحيحه كتاب البر والصلة عن جندب باب النهي عن تقنيط الانسان من رحمة الله وبرقم (2621).

([100])أبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن أبي قتادة.

([101])الطبراني في الكبير عن جندب.

([102])الطبراني في الكبير.

([103]) معنى يتألى: يحلف والالية اليمين.

([104]) البخاري في التاريخ.

([105])مالك وأحمد ومسلم وأبو داود.

([106])أحمد ومسلم وأبو داود.

([107])  رواه احمد بن منيع برجال ثقات واسحاق، انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (5/ 228)

([108])  رواه الطبراني في الأوسط، انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (5/ 237)

([109])  رواه أحمد (1/42، رقم 293) ، قال الهيثمى في مجمع الزوائد: (5/239) : رجاله ثقات.

([110])  رواه أحمد (5/111، رقم 21111) ، وابن حبان من طريق أبى يعلى (1/518، رقم 284)

([111])  انظر كتب سيد قطب ومحمد قطب، خصوصا (مذاهب فكرية معاصرة).

([112])  ارتبطت الإبادة النازية بـ (اليهود) بحيث استقر في الأذهان أن النازيين لم يبيدوا سوى اليهود، وقد ساعد الإعلام الغربي والصهيوني على ترسيخ هذه الفكرة حتى أصبح دور الضحية حكراً على اليهود.. بل تطور الأمر إلى حد أنه إذا ما أراد باحث أن يبيِّن أن الإبادة النازية لم تكن مقصورة على اليهود، وإنما هي ظاهرة شاملة ممتدة تشمل الغجر والسلاف والبولنديين وغيرهم، فإنه يصبح هدفاً لهجوم شرس (انظر: الموسوعة اليهودية للمسيري)

([113])  نقلا عن الموسوعة اليهودية للمسيري.

([114])  استفدنا المادة العلمية الواردة هنا من مقال مترجم بعنوان: هل الدين مسبب حقيقي للحروب؟ وهل يخلو تاريخ الملحدين منها؟، موقع السوري الجديد، ترجمة ديمة الغزي.

([115])  ذكر ذلك بتفصيل السير فرانسيس غالتون في كتابه (العبقري الوراثي) عام 1869. و هو عالم بريطاني وأحد أقرباء تشارلز دارون..

([116])  هذه النصوص مقتبسة من [موسوعة اليهودية].

([117])  هذه النصوص مقتبسة من [موسوعة اليهودية].

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *