الإلحاد.. والتحرر النفسي

الإلحاد.. والتحرر النفسي

الظاهرة التي تجمع الكثير من الملاحدة، وخصوصا [الوجوديون] منهم هي تصورهم أن وجود الله يلغي وجودهم، ولذلك يضعون أنفسهم بين خيارين: إما الإيمان بالله.. وإما الإيمان بأنفسهم.. أو بعبارة أخرى: إما عبودية الله، أو عبودية الأهواء التي تمليها عليهم نفوسهم.

وقد عبر عن هذا المعنى كل الملاحدة، وخصوصا الوجوديون منهم، ومنهم [جان بول سارتر([1])] الذي استعمل كل الوسائل لبث مثل هذه الأفكار الخطيرة، والتي عبر عنها بقوله: (مرة واحدة شعرت بأن الله موجود حين كنت ألعب بعيدان الكبريت، وأحرقت سجادة صغيرة، وفيما كنت أخفي جرمي أبصرني الله فجأة.. لقد شعرت بنظراته داخل رأسي.. أحسُ أنني مرئي منه بشكل فظيع، وشعرت بأنني هدف حي للرماية، ولكن الإستنكار أنقذني، فقد اغتظت لفضوله المبتذل، لهذا رفضته وجدفت عليه فلم ينظر إليَّ أبدًا فيما بعد)([2])

وقال: (إذا انفجرت الحربة مرة أخرى في روح الإنسان، لم يبق للآلهة على هذا الإنسان أي سلطة)، وقال: (إذا كان الله موجودًا فالإنسان عدم)، وقال: (إن وجود الله يعطل وجودي أنا، فالأفضل أن لا يكون الله موجودًا حتى أوجد أنا).. وقلت كلاما كثيرا غير هذا لا أذكره الآن.

وقال في مسرحية [الشيطان والإله الطيب]: (لم يكن هناك غيري، لقد قررت وحدي الشر، ووحدي اخترعت الخير، أنا الذي عشت، أنا الذي أفعل المعجزات، أنا الذين أتهم نفسي، وأنا وحدي من أستطيع الغفران لنفسي، أنا الإنسان، إذا كان الله موجودًا فإن الإنسان هو العدم)([3])

ومثل سارتر نرى [فويرباخ] الذي قال: (إن نقطة التحول الكبرى في التاريخ ستكون في اللحظة التي سيعنى فيها الإنسان إن الإله الوحيد هو الإنسان نفسه)، وقال: (الإنسان الذي يؤمن بالله لا يؤمن بنفسه، فالله هو الإنسانية لا أكثر ولا أقل، والدين يجب أن يموت، فيقوم على أنقاضه عالم على مقاييس الإنسان، الذي يلزمه أن يكون إله نفسه)([4])

ومثلهما [إيتان بورن] الذي قال: (يجب ألا يكون الله، حتى يكون الإنسان)

ومثلهم جميعا [باكونين] الذي قال: (إذا كان الله موجودًا فلست بحر، أنا حر فالله إذا غير موجود)، وقال: (تتألف حرية الإنسان من مُجرد التالي: أن يُطيع قوانين الطبيعة لأنه أدركها بنفسه على هذا النحو، وليس لأنها فُرضت عليه بواسطة سلطة خارجية، بشرية أو إلهية، جماعية أو فردية)، وقال: (تتضمن فكرة الإله التخلي عن العقل والعدالة، إنها النفي الأكثر حسماً للحرية الإنسانية. وتنتهي بالضرورة إلى إستعباد الجنس البشري في كل من النظرية والتطبيق)([5])

وهذه الكلمات وغيرها كثير تعبر عن حقيقة الإلحاد، وكونه قائما عن رغبة نفسية، لا عن حجة عقلية.. فالملحد لا يلحد لكون أدلة الإيمان لم تقنعه، أو لكونه يحمل أدلة الإلحاد، وإنما لشعوره بأن للإيمان أثره الكبير على حياته وسلوكه وعلاقاته، ويرى أن وجود الله سيحد من وجوده، ولذلك يلجأ إلى إعدم الله حتى يظل موجودا.

وموقفهم هذا ليس خاصا بالله، بل بكل شيء، ذلك أن الأنانية التي يسمونها حرية هي المتحكمة في كل سلوكاته وعلاقاتهم، وقد ذكر سارتر في بعض كتبه أنه عندما توفي والده هنأ نفسه بموته، لشعوره بتحرره منه، وقد قال في ذلك: (لو كان أبي حيًا لكان تمدَّد عليَّ بملء قامته وسحقني، ولحسن حظي مات أبي عندما كنت صغيرًا.. إن موت جان باتسيت (والده) كان الحدث الأهم في حياتي، لقد أعاد إليَّ حريتي)([6])

وهكذا كان ينظر بعين الريبة للذين يبدون له مودتهم ومحبتهم، فقد كان يقول عنهم: (إننا منذ الآونة التي نشعر فيها بأن إنسانًا آخر ينظر إلينا، إنما نشعر أيضًا بأن الآخر يسلبنا عالمنا على نحو من الأنحاء، هذا العالم الذي كنا نمتلكه وحدنا حتى هذه اللحظة)، وقال: (إنني ابتداءً من الآونة التي أشعر فيها أن أحدًا ينظر إليّ، أشعر أنني سلبت عن طريق نظر الآخر الموجه إليّ وإلى العالم، إنّ العلاقة بيننا وبين الآخرين هي التي تخلق شقاءنا)

بل عبر عن ذلك بعبارة فجة غليظة؛ فقال: (إن الآخرين هم الجحيم)

من خلال هذه الاقتباسات يمكننا التعرف على نفسية الملحد، حتى نعرف كيف نناقشه؛ فأكثر الملاحدة لم يدرسوا علوما، ولا فلسفات، ولا علاقة لهم بالمنطق والجدل، وإنما هم أصحاب نفوس شهوانية، يتصورون أنهم ما خلقوا في الحياة إلا ليمارسوا ما تهفو إليه غرائزهم، ولذلك يقاومون كل من يتصورون أنه يقف دون حريتهم ورحية غرائزهم.

ولذلك نرى الوجودية ـ التي هم بنت الإلحاد وأمه ـ تتصور الوجود وجودا سخيفا بلا غاية.. وجودا في عالم لا معقول.. والإنسان فيه لا يعرف من أين أتى، ولا إلى أين هو ذاهب، فهو بمثابة لقيط في مكان موحش، هو الطبيعة، لا يجد حوله أبًا ولا أمًا، وليس له ما يعتمد عليه إلا نفسه، وكل ما يعرفه عن وجوده هو أنه محكوم ومُسيَّر([7]).

وترى الحياة كذلك كلها صراعا بين النفس والعالم، ذلك أنها تتوهم أن كل شيء يريد أن يسلب من الإنسان حريته، وقد قال سارتر في كتابه [الوجود والعدم]، والذي دعا فيه إلى الفلسفة الوجودية، مختصرا الوجود في كونه ليس سوى (صراع عبثي بين الحريات، فكل حرية تحاول أن تفني الأخرى، حتى تحتفظ باستقلالها السيادي)([8])

وقد طرح هذه الفكرة في [مسرحية الذباب] المشهورة، والتي مثلت كثيرا، وهي تهدف للثورة ضد الله، حتى يستطيع الإنسان أن يعيش حرًا، يفعل كل ما يريد بضمير مستريح، وقد ورد فيها هذا المشهد الذي يخاطب فيه [أوريست] الإله قائلة له: (أنت يا جوبتر ملك الآلهة.. ملك النجوم والحجر.. ملك أمواج البحر.. ولكنك لستَ ملك البشر.. فيرد جوبتر، وهو رمز في المسرحية لله: ألست ملكك أيها الدودة الوقحة؟ من خلقك إذًا؟.. فترد عليه أوريست: أنت. لكن ما كان عليك أن تخلقني حرًا.. فيقول جوبتر: منحتك الحرية لتخدمني.. فترد أوريست: لربما، إلا أنها انقلبت عليك، ولا نستطيع بعد شيئًا، لا أنت ولا أنا.. منذ أن خلقتني لم أعد ملكًا لك.. إنك حتى هذه الساعة كنتُ حجابًا على عيني وسدادًا من الشمع في أذني، خلقتني لأنفذ خططك.. وفجأة انقضت عليَّ الحرية وأتعبتني، وشعرت بنفسي وحيدًا كل الوحدة. ولم يبقَ شيء في السماء من خير أو شر، وما من أحد يلقي إليَّ أوامره.

***

بناء على هذا كله يحتاج الداعية المواجه للإرهاب إلى استعمال أساليب أخرى غير الأساليب التي شرحناها سابقا، وهي تعتمد أولا على تصحيح تصورات الملاحدة التي يحملونها عن الله، والتي سببها ـ في كثير من الأحيان ـ الأديان المنحرفة، ثم بيان مدى الخسارة التي يخسرونها في حال جحودهم لله، وعدم تسليمهم له، وأولهم نفوسهم التي أرادوا أن يلغوا الله من أجلها.

وبناء على هذا سنذكر في المبحثين التاليين ما يجنيه الملحد من خسائر سواء تعلقت بنفسه التي بين جنبيه، أو بمصيره الأبدي في مقابل ما يجنيه المؤمن من فوائد من ذلك الإيمان سواء لنفسه، أو لمصيره.

أولا ـ الإلحاد.. وخسارة الحقيقة الإنسانية:

وقد عبر عن هذا المعنى آيات قرآنية كثيرة، كقوله تعالى:{فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [الزمر: 15]، فالآية الكريمة تخبر عن قاعدة كونية كبرى، وهي أن الخاسرين الحقيقين هم من خسروا أنفسهم، وسبب خسارتهم لأنفسهم هو خسارتهم لله؛ فالله هو مصدر وجودهم، ومن خسر الله، فلن يبقى لوجوده أي قيمة.

ولذلك نرى الملاحدة يرون كل شيء مثل السراب، لا أهمية له، ولا غاية، ولا قيمة، ولا يروي من العطش، ولا يفيد شيئا.. كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: 39]؛ فهذه الآية الكريمة تصور بدقة حال هؤلاء الجاحدين من الملاحدة، فهم يلهثون وراء السراب الذي يتوهمونه ماء، فإذا وصلوا إليه لم يجدوه شيئا، وظلوا على عطشهم وفاقتهم وحاجتهم.. حينها فقط يعلمون أنه لا يمكن أن يروي ظمأهم إلا الله.. وحينذاك فقط يتحول المتواضع منهم إلى الله.. أما المتكبر، فيظل على هواه، ويمتلئ بالتشاؤم والحزن والألم لأنه لم يجد إلا السراب.

ولهذا نرى الكثير من الملاحدة أو اللاأدريين أو أولئك الذين كانوا لا يبالون بالإيمان بالله تحولوا إليه بعد أن عرفوا قيمة الإيمان بالله، وعدم وجود معنى للحياة من دونه.. ومنهم الفيلسوف الألماني الكبير مارتن هايدغر الذي كان يرى أنه لا يمكن البتّ في وجود الله أو عدم وجوده.. لكنه أنهى مساره الفلسفي بمقولته الشهيرة [إنه لا يُخلّصنا إلا إله]

ومنهم عبد الرحمن بدوي، الذي كتب عن [الوجودية] و[الزمن الوجودي]، بل وصفه بعضهم أنه [رائد الوجودية فى الوطن العربي]، لكنه وبعد تلك المسيرة الطويلة، ترك ذلك كله، وتوجه إلى الإيمان، وقد قال في حوارا جرى معه في آخر حياته: (أي عقل ناضج يفكر لا يثبت على حقيقة واحدة.. ولكنه يتساءل ويستفسر ويطرح أسئلته في كل وقت، ويجدد نشاطه باستمرار، ولهذا فأنا في الفترة الحالية أعيش مرحلة القرب من الله تعالى، والتخلي عن كل ما كتبت من قبل، من آراء تتصادم مع العقيدة والشريعة، ومع الادب الملتزم بالحق والخير والجمال)([9])

والأمثلة على ذلك أكثر من أن نعدها أو نحصيها.. فالوجودية ليست قاصرة على الفلاسفة ولا المفكرين، بل هي تعم كل إنسان باحث عن ذاته وحقيقته.. فمنهم من يصل إليها، ومنهم من يقترب منها، ومنهم من يضل عنها، ومنهم من ينحرف بها..

وبناء على هذا ظهرت الدعوات إلى الإيمان بأي شيء، أو الإيمان لأجل الإيمان، حتى يتخلص الإنسان من عقدة العبث، واللا غاية، التي تجعل الحياة لا قيمة لها.

ومن أمثلة ذلك ما طرحه [وليم جيمس] (1842ـ1910)، الفيلسوف البراغماتي المعروف، والذي وضع أربعة قواعد لفهم الحقيقة هي([10]):

القناعة والرضا: فمصداقية الفكرة أو القضية عنده تتحدد بمدى تحقيقها للرضا، وهي رهن بما يترتب عليها من إرضاء لحاجات الإنسان البسيطة والمعقدة.

الفائدة والنفع: فالفكرة عنده لا تكون ذات فائدة إلا بقدر ما تزودنا به من الشعور بالراحة والطمأنينة.

التحقق: فمطابقة القضايا في البحث العلمي عنده تحتاج الى مبدأ التحقق في تعزيز صحة تلك القضايا، ذلك أن صحتها ـ كما يرى ـ تكمن في النتائج العملية التي تنبثق عنها.

الاختيار: فالاعتقاد ـ كما يرى ـ يقودنا إلى الأدوات والمناهج المنتجة بالاختيار الذي يأتي نتيجة للخبرات السابقة للإنسان، ونجاحها يعتمد على ماتقدمه من فوائد كبيرة على المدى البعيد.

وبناء على هذا دعا في كتابه [إرادة الاعتقاد] إلى إرادة التسليم بمعتقدات قد لا يبررها العقل، ولكن تبررها المنافع العملية التي تنتج عنها، فهي لا تتضمن إيماناً اعتباطياً لا يميز بين الصحيح والفاسد من المعتقدات، بل تتضمن اختياراً حقيقياً ينشأ عن نتيجة لها خطرها.

وقد نص في كتابه ذلك إلى أن الإنسان لابد أن تكون له تجربة دينية، فهو بحاجة للسند الذي يقف لجواره ويشيع الراحة والسلام الداخلي في نفسه، وهو يحتاج لإله يدعم الخير ويحارب الشر.

ويرفض جيمس نظرية اللا أدريين لأنها ضعف وعجز عن اتخاذ القرار، ويرفض قولهم إننا لا يمكن أن نؤمن بشيء ما لم يكن عليه دليل حسي قاطع أو بينة منطقية كافية تتفق عليها العقول، حيث يجيبهم بأنه من حق الإنسان أن يؤمن، من حقه أن يعتقد بالله بسبب عاطفته، مع حقه أن يؤمن بوجود الله لانتفاء الدليل عند المخالف، مع حقه أن يؤمن لأي سبب كان بكل الفروض الدينية وبالأخلاق، لأن هذه الفروض حية وخلاقة ومفيدة.

ولم يحصر جيمس مذهبه هذا في الاعتقاد بوجود الله بل ألحق به مسألة الخلود والحياة ما بعد الموت، لأن مصالح كثيرة ترتبط بذلك.

بناء على هذا، سنحاول أن نذكر هنا بعض المعاني الطيبة التي يخسرها الملاحدة بسبب خسارتهم للإيمان بالله، وكلها مما يدل عليه الواقع، وأشارت إليه النصوص المقدسة، ونقتصر منها على ناحيتين:

1 ـ الإيمان.. وتحقيق السعادة:

تعتبر السعادة ـ بإقرار جميع فلاسفة الدنيا، بل جميع بشرها ـ هي الغاية القصوى التي يهدف إليها كل إنسان، وهي تتشكل من معان ومقتضيات كثيرة لا يمكن أن تتحقق بكاملها من دون الإيمان.

فأول مقتضياتها([11])، الأمان النفسي، فلا يمكن أن يسعد الإنسان ما لم يعش الأمان والسلام، وهما مرتبطان ارتباطا وثيقا بالإيمان بالله، كما قال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } [الأنعام: 82]

ومن مقتضياتها الحياة الطيبة المطمئنة الخالية من المنغصات النفسية والاضطرابات الروحية؛ ولهذا نجد روح المؤمن هادئة طيبة تعيش منسجمة مع ذاتها ومع محيطها، تحيطها السكينة والأمن، محصنة من عوادي النفس الإمارة بالسوء، كما قال تعالى: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [النحل:97]

ومن مقتضياتها السكون عند حلول المحن التي تطيش بالعقل، فالإيمان بالله وحده من يملك جميع أنواع التسلية والعزاء، وهو يورث هداية للنفس تخرجها من مصيبتها وتهديها للتعاطي الإيجابي مع هذه المصيبة، فتزيدها خيرا على خير، كما قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [التغابن: 11]

وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (عجبا لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)([12])

ومن مقتضياتها الشعور بالسكينة والأنس وراحة البال، وذلك ما يتحقق للمؤمن الذي يشعر أنه في حمى الله تعالى، ومن كان تحت رعاية الله وحفظه لا يضيع، كما قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 38]، وقال: { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } [الزمر:36] وقال: { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } [الطلاق: 3])

ومن مقتضياتها صلاح البال والقلب والعقل والنفس، ولا يتحقق ذلك إلا بالإيمان، ذلك أن كل هذه اللطائف لا تستقر إلا بالإيمان، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } [محمد: 2]، وإصلاح البال يجمع إصلاح الأمور كلها؛ لأن تصرفات الإنسان تأتي على حسب رأيه، فالتوحيد أصل صلاح بال المؤمن، ومنه تنبعث القوى المقاومة للأخطاء والأوهام التي تلبس بها أهل الشرك.

وقد ضرب الله تعالى مثلا يوضح حقيقة العلاقة بين الإيمان وحصول آثاره من راحة القلب وطمأنينة الصدر وطيب النفس وصلاح البال، فقال: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } [الزمر: 29]

ومن مقتضياتها ([13]) تحقيق البهجة والانشراح والتّفاؤل؛ ذلك أن المؤمن يعرف أنّ الحياة ذات هدف، وأنّ الهدف هو الخير والتكامل والسعادة، وهذا ما يجعله سعيدا مطمئنا، مثل ذلك الذي يعيش في بلد يعتبر قوانينه وأنظمته وتشكيلاته صحيحة وعادلة، ويؤمن أيضًا بصدق نيّة مدراء البلد الأصليّين، ولا بدّ أن يرى مجال السموّ والرقيّ مهيّئًا ولجميع الأفراد الآخرين، ويعتقد بأنّ الشّيء الوحيد الذي يمكن أن يؤدّي إلى تأخيره هو كسله وعدم تجربته هو وأمثاله من المكلّفين المسؤولين.

وفي رأي هذا الشّخص أنّ المسؤول عن التّأخير هو نفسه، لا أنظمة البلد وتشكيلاته، وكلّ نقصٍ موجود جاء من عدم قيامه هو وأمثاله بواجباتهم ومسؤوليّاتهم. وبالطّبع، فإنّ هذه الفكرة تحرّك فيه الغيرة، وتدفعه إلى الحركة بالتّفاؤل والأمل.

لكنّ الشّخص الذي لا إيمان له في عالم الوجود يشبه شخصًا يعيش في بلد يعتبر قوانين البلد وتشكيلاته ومؤسّساته فاسدة وظالمة، ولا بدّ له من قبولها، فباطن مثل هذا الشّخص مليء بالعقد والحقد، ولا يفكّر بإصلاح نفسه أبدًا، بل يفكّر أنّه لمّا كانت الأرض والسّماء على غير تمهيد، فسائر أنحاء الوجود ظلمٌ وجور وخطأ، وأيّ أثرٍ لصواب ذرّة مثلي؟! ومثل هذا الشّخص لا يلتذّ بالعالم أبدًا. والعالم بالنّسبة إليه كالسّجن الرّهيب، ولهذا يقول القرآن الكريم: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]

وقد عبر بديع الزمان النورسي عن هذا المعنى بواقعة قارن فيها بين الرؤية الإيمانية للوجود، والرؤية الملحدة، فقال: (لقد رأيت في واقعة خيالية أن هناك طودين شامخين متقابلين نصب على قمتيهما جسر عظيم مدهش، وتحته واد عميق سحيق، وأنا واقف على ذلك الجسر والدنيا يخيم عليها ظلام كثيف من كل جانب، فلا يكاد يرى منها شيء، فنظرت إلى يميني فوجدت مقبرة ضخمة تحت جنح ظلمات لا نهاية لها.. ثم نظرت إلى طرفي الأيسر فكأني وجدت أمواج ظلمات عاتية تتدافع فيها الدواهي المذهلة والفواجع العظيمة وكأنها تتأهب للانقضاض. ونظرت إلى أسفل الجسر فتراءت لعيني هوة عميقة لا قرار لها.. كنت لا أملك سوى مصباح يدوي خافت النور، أمام كل هذا الهدير العظيم من الظلمات، فاستخدمته فبدأ لي وضع رهيب، إذ رأيت أسوداً وضواري ووحوشاً وأشباحاً في كل مكان، حتى في نهايات وأطراف الجسر، فتمنيت أن لم أكن أملك هذا المصباح الذي كشف لي كل هذه المخلوقات المخيفة، إذ أنني أينما وجهت نور المصباح شهدت المخاطر المدهشة نفسها)([14])

وقد عبر بذلك المصباح الباهت الضعيف عن رؤيته الذاتية للأشياء، والتي أحالتها في عينيه إلى تلك الصور المفزعة، وهي نفس الرؤية التي يرى بها الملاحدة الأشياء.

ثم ذكر أنه بعد أن استشاط غيظا من مصباحه الضعيف، والتجأ إلى السراج المنير الذي تنكشف به الحقائق، وهو سراج الإيمان رأى أمورا مختلفة تماما؛ فقد (انقشعت تلك الظلمات، وانكشفت وزالت نهائياً، وامتلأ كل مكان وكل جهة بذلك النور وبدت حقيقة كل شيء ناصعة واضحة.. فوجدت أن ذلك الجسر المعلق الرهيب ما هو إلا شارع يمر من سهل منبسط، وتبينت أن تلك المقبرة الهائلة التي رأيتها على جهة اليمنى ليست إلا مجالس ذكر وتهليل وندوة كريمة لطيفة وخدمة جليلة وعبادة سامية تحت إمرة رجال نورانيين في جنائن خضر جميلة تشع بهجة ونوراً، وتبعث في القلب سعادة وسروراً.. أما تلك الأودية السحيقة والدواهي المدهشة والحوادث الغامضة التي رأيتها عن يساري، فلم تكن إلا جبالاً مشجرة خضراء تسر الناظرين، ووراءها مضيف عظيم ومروج رائعة ومتنزه رائع، نعم هكذا رأيت بخيالي، أما تلك المخلوقات المخيفة والوحوش الضارية التي شاهدتها فلم تكن إلا حيوانات أليفة أنيسة) ([15])

وبهذا صور النورسي في مثاله هذا حقائق الوجود التي تاه عنها كل ملاحدة الدنيا، فأمضوا حياتهم ممتلئين رعبا.. ناسين أنهم في فنادق الضيافة الإلهية.

وقد فسر بديع الزمان تلك الواقعة، فقال: (فذاكما الجبلان هما: بداية الحياة ومنتهاها، أي هما عالم الأرض وعالم البرزخ، وذلك الجسر هو طريق الحياة، والطريق الأيمن هو الماضي من الزمن، والطريق الأيسر هو المستقبل منه، أما المصباح اليدوي فهو أنانية الإنسان المعتدة بنفسها والمتباهية بما لديها من علم، والتي لا تصغي إلى الوحي السماوي. أما تلك الغيلان والوحوش الكاسرة فهي حوادث العالم العجيبة وموجوداته)([16])

وعلى هذا، فلا الزمان الماضي مقبرة كبيرة واسعة للأموات يسودها الصمت الرهيب، بل تاريخ مفعم بالحيوية والعبادة ونور الإيمان، ولا الموت عدم وفناء، بل بداية لحياة جديدة وعالم آخر، ولا تحمل تغيرات الطبيعة وثوراتها المدمرة الدمار والخراب للبشرية، بل أدوات طيعة بيد القدرة الإلهية يسوقها لحكم ومقاصد خيرة([17]).

في مقابل ذلك نرى الملاحدة ممتلئين بكل أنواع الضنك والتشاؤم، كما عبر عن ذلك [شوبنهاور] فيلسوف التشاؤم المعروف.. فقد قال: (حياة الإنسان كلها ليست إلا نضالا مستميتا من أجل البقاء على قيد الحياة مع يقينه الكامل بأنه سيهزم في النهاية).. وقال: (ينبغي أن ندمر في داخلنا، وبكل الأشكال الممكنة، إرادة الحياة، أو الرغبة في الحياة، أو حب الحياة).. وقال: (يُقال أن السماء تحاسبنا بعد الموت على ما فعلنا في الحياة الدنيا.. وأنا أظن أنه بإمكاننا أن نحاسبها أولًا عن المزحة الثقيلة للوجود الذي فُرض علينا من دون أن نعلم لماذا؟ وإلى أي هدف؟)

ومثله قال عالم الأعصاب، والمحلل النفسي النمساوي (فكتور فرنكل): (للكثير من الناس اليوم وسائل للحياة، غير أنهم يفتقدون معنى يعيشون لأجله)

وقد ضرب بديع الزمان النورسي مثالا جيدا قارن فيه بين الرؤية الإيمانية والإلحادية للحياة، وأثرها في تحقيق السعادة، فسربه قوله تعالى: { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} (البقرة:3)، فقال:(ان كنت تريد ان تعرف مدى ما في الايمان من سعادة ونعمة، ومدى ما فيه من لذة وراحة، فاستمع الى هذه الحكاية القصيرة)([18])

ثم ذكر أنه خرج رجلان في سياحة ذات يوم، من أجل الاستجمام والتجارة. فمضى احدهما وكان أنانياً شقياً الى جهة، ومضى الآخر وهو رباني سعيد الى جهة ثانية.

فالاناني المغرور الذي كان متشائماً لقي بلداً في غاية السوء والشؤم في نظره، جزاءاً وفاقاً على تشاؤمه، حتى انه كان يرى – أينما اتجه – عجزةً مساكين يصرخون ويولولون من ضربات ايدي رجال طغاة قساة ومن اعمالهم المدمّرة.

فرأى هذه الحالة المؤلمة الحزينة في كل ما يزوره من اماكن، حتى اتخذت المملكة كلها في نظره شكل دار مأتم عام. فلم يجد لنفسه علاجاً لحاله المؤلم المظلم غير السُكر، فرمى نفسه في نشوته لكيلا يشعر بحاله، إذ صار كل واحد من اهل هذه المملكة يتراءى له عدواً يتربص به، واجنبياً يتنكر له، فظل في عذاب وجداني مؤلم لما يرى فيما حوله من جنائز مرعبة ويتامى يبكون بكاءاً يائساً مريراً.

أمّا الآخر الرجل الربّاني العابد لله، والباحث عن الحق، فقد كان ذا أخلاق حسنة بحيث لقي في رحلته مملكة طيّبة هي في نظره في منتهى الروعة والجمال.

فهذا الرجل الصالح يرى في المملكة التي دخلها احتفالات رائعة ومهرجانات بارعة قائمة على قدم وساق. وفي كل طرف سـروراً، وفي كل زاويـة حبـوراً، وفي كل مكان محاريب ذكر. حتى لقد صار يرى كل فرد من أفراد هذه المملكة صديقاً صدوقاً وقريباً حبيباً له. ثم يرى ان المملكة كلها تعلن – في حفل التسريح العام – هتافات الفرح بصيحة مصحوبة بكلمات الشكر والثناء. ويسمع فيهم أيضاً أصوات الجوقة الموسيقية وهي تقدم ألحانها الحماسية مقترنة بالتكبيرات العالية والتهليلات الحارة بسعادة واعتزاز للذين يساقون الى الخدمة والجندية.

فبينما كان ذلك الرجل الاول المتشائم منشغلاً بألمه وآلام الناس كلهم.. كان الثاني السعيد المتفائل مسروراً مع سرور الناس كلهم فرحاً مع فرحهم. فضلاً عن انه غنم لنفسه تجارة حسنة مباركة فشكر ربه وحمده.

ولدى عودته الى أهله، يلقى ذلك الرجل فيسأل عنه، وعن أخباره، فيعلم كل شئ عن حاله فيقول له:(يا هذا لقد جننتَ! فان ما في باطنك من الشؤم انعكس على ظاهرك بحيث أصبحتَ تتوهم أن كل ابتسامة صراخ ودموع، وأن كل تسريح واجازة نهب وسلب. عُد الى رشدك، وطهّر قلبك.. لعل هذا الغشاء النكد ينزاح عن عينيك. وعسى أن تبصر الحقيقة على وجهها الأبلج. فإن صاحب هذه المملكة ومالكها وهو في منتهى درجات العدل والمرحمة والربوبية والاقتدار والتنظيم المبدع والرفق.. وان مملكة بمثل هذه الدرجة من الرقي والسمو مما تريك من آثار بأم عينيك… لا يمكن أن تكون بمثل ما تريه أوهامك من صور)

وبعد ذلك بدأ هذا الشقي يراجع نفسه ويرجع الى صوابه رويداً رويداً، ويفكر بعقله ويقول متندماً:(نعم لقد اصابني جنون لكثرة تعاطي الخمر.. ليرضَ الله عنك؛ فلقد انقذتني من جحيم الشقاء)

ثم يفسر المعاني الجليلة التي يحملها هذا المثال، فيقول:(فيا نفسي! اعلمي ان الرجل الاول هو الكافر أو الفاسق الغافل فهذه الدنيا في نظره بمثابة مأتم عام، وجميع الاحيـاء ايتام يبكون تألماً من ضــربات الزوال وصفعات الفراق.. أما الانسان والحيوان فمخلوقات سائبة بلا راع ولا مالك، تتمزق بمخالب الأجل وتعتصر بمعصرته..وأما الموجودات الضخام ـ كالجبال والبحار ـ فهي في حكم الجنائز الهامدة والنعوش الرهيبة.. وامثال هذه الأوهام المدهشة المؤلمة الناشئة من كفر الانسان وضلالته تذيق صاحبها عذاباً معنوياً مريراً.

أما الرجل الثاني، فهو المؤمن الذي يعرف خالقه حق المعرفة ويؤمن به، فالدنيا في نظره دار ذكر رحماني، وساحة تعليم وتدريب البشر والحيوان، وميدان ابتلاء واختبار الانس والجان.. أما الوفيات كافة ـ من حيوان وانسان ـ فهي اعفاء من الوظائف، وانهاء من الخدمات، فالذين أنهوا وظائف حياتهم، يودّعون هذه الدار الفانية وهم مسرورون معنوياً، حيث انهم ينقلون الى عالم آخر غير ذي قلق، خال من اوضار المادة واوصاب الزمان والمكان وصروف الدهر وطوارق الحدثان، لينفسح المجال واسعاً لموظفين جدد يأتون للسعي في مهامهم.. اما المواليد كافة ـ من حيوان وانسان ـ فهي سَوقة تجنيد عسكرية، وتسلُّم سلاح، وتسنّم وظائف وواجبات، فكل كائن انما هو موظف وجندي مسرور، ومأمور مستقيم راضٍ قانع…وأما الاصوات المنبعثة والاصداء المرتدة من ارجاء الدنيا فهي إما ذكر وتسبيح لتسنم الوظائف والشروع فيها، أو شكر وتهليل ايذاناً بالانتهاء منها، أو أنغام صادرة من شوق العمل وفرحته..

فالموجودات كلها ـ في نظر هذا المؤمن ـ خدام مؤنسون، وموظفون أخلاّء، وكتبٌ حلوة لسيده الكريم ومالكه الرحيم.. وهكذا يتجلى من ايمانه كثير جداً من أمثال هذه الحقائق التي هي في غاية اللطف والسمو واللذة والذوق)

2 ـ الإيمان.. والتحقق بالحقيقة الإنسانية:

ذلك أن الملاحدة يتصورون الإنسان بصور ممتلئة بالتشويه، فيقتصرون منه على مقتضيات جسده دون مقتضيات روحه، وبذلك يحولونه إلى مجرد بهيمة ترتع وتمرح، ولا هدف لها، ولا غاية.. وبذلك قد يسعد جسدها، ولكن روحها تظل ممتلئة بالشقاء، في مقابل ذلك نرى المؤمن يعيش بجميع لطائفه ومكوناتها، ويعطيها جميعها ما تتطلبه من حقوق.

ذلك أنه يؤمن أن حقيقته ليست في جسده، وإنما في روحه؛ فالروح هي سبب التكريم الذي حصل له كما قال تعالى: { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَO (الحجر:29)

وعدم معرفتنا بحقيقة الروح لا يعني عدم وجودها، ولا يعني عدم الإمكانية الاستفادة من الطاقات المتاحة لها؛ فقد ظلت البشرية في دهورها جميعا تأكل الفواكه والخضر واللحوم، وهي لا تعرف عناصرها ومركباتها، ومع ذلك ظلت تستفيد منها، بل لا تستطيع أن تعيش من دونها.. وظلت منذ سالف الدهور متثاقلة إلى الأرض منجذبة إليها مع أنها لا تعلم قوانين الجاذبية.. وظلت منذ سالف الدهور والأحقاب تستفيد من الآلات التي جهزت بها من القلب والمعدة والرئتين وغيرها.. من غير أن تعلم من تفاصيل ذلك شيئا.

ولذلك؛ فإن المؤمن لا ينكر الروح لعدم قدرته على رؤيتها أو التعرف عليها، ذلك أنه عندما لا تكون له الوسائل الكافية التي يبحث بها عن الحقائق والماهيات يكتفي بالاستفادة منها وبالاعتراف بها دون أن يحاول بعقله المحدود أو بوسائله المحدودة تخيلها؛ فنحن لا نرى إلا الألوان والأحجام والأشكال.. فلذلك لا نستطيع أن نرى ما لم تكن له من هذه الجسوم ما تستطيع مداركنا البسيطة أن تدركه.. ولذلك من العبث أن نبحث فيه.. ولهذا قطع الله عنا الجدل الذي يمكن أن نقع فيه إذا ما أردنا أن نبحث عن حقيقة الروح([19])، فقال:{ وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاًO (الاسراء:85)

ولذلك أمرنا بدل البحث عن الماهية أن نستثمر الطاقات الكبرى التي تتمتع بها أرواحنا في أداء الأمانة التي كلفنا بها، قال تعالى:{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاًO (الأحزاب:72)

وبناء على هذا ورد في النصوص المقدسة وفي التراث العلمي الإسلامي بيان طاقات الروح، وقدراتها، وكيفية الاستفادة منها، وكيفية تحقيق السعادة لها، وهو ما يستحيل أن نجد مثله عند الملاحدة الذي قصروا الوجود الإنسان على صورته البهيمية المغالية في الحس والكثافة.

وحتى نرى الفرق الكبير بين الرؤية الإيمانية المكرمة للإنسان، ولحقيقته العظيمة، وبين الرؤية المادية الإلحادية القاصرة نذكر بعض ما ذكره علماء النفس المسلمين في هذا الجانب، وهو محل اتفاق بينهم وبين جميع المؤمنين حتى من غير المسلمين، فقد ذكروا أن الوجود الدنيوي للإنسان يتطلب وسائل خاصة يتمكن بها الإنسان من السكن على هذه الأرض، كما يتطلب رائد الفضاء لباس خاصا يتناسب مع جو القمر، أو أي جو يريد أن يتعامل معه.

واللباس الذي يتناسب مع هذه الأرض، هو هذا الجسد الترابي، وخصائصه هي نفس خصائص المكونات الحية الموجودة على هذه الأرض، فلذلك صار يفتقر إلى ما يحفظه، وما يدفع عنه الهلاك.

وهذا الحفظ والتعهد يتطلب أعضاء تجلب الغذاء وغيره، وأعضاء تدفع عن النفس الهلاك.

وكل هذه الأعضاء التي سلح بها بدن الإنسان هي الوسائل الأساسية لتحقيق متطلبات الوجود من الغذاء والدفاع، بل ليس هناك جزء من جسد الإنسان لا يقوم بهذا الأمر.

ومع أن أكثر هذه الأعضاء يقوم بهذه الوظائف تلقائيا إلا أن أصل الغذاء والدفاع ركب في الجهاز الإرادي للإنسان فتنة وابتلاء.

فركب في الإنسان جهاز الشهوة الدافع إلى الغذاء والحفاظ على النسل.. كما ركب فيه جهاز الغضب الدافع إلى الحمية والحفاظ على الوجود.. وهذان الجهازان ينتظم تحتهما كل ما تتطلبه النفس من غرائز الوجود، وهما المستعملان لأعضاء البدن في تحقيق متطلبات هذه الغرائز.

 قال الغزالي يشرح ضرورة هذه الغرائز:(فافتقر لأجل جلب الغذاء إلى جندين: باطن، وهو الشهوة. وظاهر، وهو اليد والأعضاء الجالبة للغذاء، فخلق في القلب من الشهوات ما احتاج إليه، وخلقت الأعضاء التي هي آلات الشهوات فافتقر لأجل دفع المهلكات إلى جندين: باطن، وهو الغضب الذي به يدفع المهلكات وينتقم من الأعداء. وظاهر، وهو اليد والرجل اللتين بهما يعمل بمقتضى الغضب، وكل ذلك بأمور خارجة؛ فالجوارح من البدن كالأسلحة وغيرها)([20])

والأمر إلى هذا المحل تتفق فيه النفس البشرية مع النفس الحيوانية، وليس هناك أي خصوصية للإنسان في هذه الجوانب، وليس هناك أي مجال للمدح أو الذم لما يتعلق بمتطلبات هذه الغرائز.

وإنما يبدأ التكليف، وينشأ المدح والذم من غريزة أخرى لها علاقة بهذه الغرائز من جهة، ولها علاقة بسر وجود الإنسان من جهة أخرى، فهي بين بين، وعلى أساس هذه الغريزة تتحدد علاقة الإنسان بنفسه.

وهذه الغريزة هي غريزة الإدراك المزودة بأدوات التعرف على العالم الذي نزلت روح الإنسان إليه.

قال الغزالي مبينا وجه الحاجة إلى هذه الغريزة وعلاقتها بما سبقها من غرائز:(ثم المحتاج إلى الغذاء ما لم يعرف الغذاء لم تنفعه شهوة الغذاء وإلفه، فافتقر للمعرفة إلى جندين: باطن، وهو إدراك السمع والبصر والشم واللمس والذوق، وظاهر، وهو العين والأذن والأنف وغيرها)

وزود بالإضافة إلى هذه الحواس بوسائل التعامل مع المعلومات والمدركات، ويمكن إدراكها بسهوله (فإنّ الإنسان بعد رؤية الشيء يغمض عينه فيدرك صورته في نفسه وهو الخيال، ثم تبقى تلك الصورة معه بسبب شيء يحفظه وهو الجند الحافظ، ثم يتفكر فيما حفظه فيركب بعض ذلك إلى البعض، ثم يتذكر ما قد نسيه ويعود إليه، ثم يجمع جملة معاني المحسوسات في خياله بالحس المشترك بـين المحسوسات؛ ففي الباطن حس مشترك وتخيل وتفكر وتذكر وحفظ)

فهذه هي الغرائز التي يحفظ بها الإنسان وجوده على هذه الأرض ـ والتي ذكرها علماء المسلمين بناء على دراستهم التحليلية للإنسان([21]) ـ وربما استفادوا في ذلك من غيرهم.. ولا حرج عليهم في ذلك.

والفرق بين الرؤية الإيمانية والرؤية الإلحادية لهذه الغرائز، هي أن الرؤية الإلحادية تعتبرها أصلا وهدفا وغاية، بينما الرؤية الإيمانية تراها مجرد وسائل لحفظ الوجود الإنساني على الأرض، أما الغاية فأكبر بكثير.

وقد ضرب الغزالي مثالا عن حقيقة الإنسان ـ التي هي روحه وسر وجوده ـ وعلاقته ببدنه بملك في مدينته ومملكته، فالبدن مملكة النفس وعالمها ومستقرها ومدينتها، والجوارح وقواها بمنزلة الصناع والعملة، والقوة العقلية المفكرة كالمشير الناصح والوزير العاقل، والشهوة كالعبد يجلب الطعام إلى المدينة، والغضب والحمية كالحرس والشرطة.

أما العبد الجالب للطعام، والذي يمثل الشهوة، فهو كذاب ماكر مخادع، يتمثل بصورة الناصح، وهو في علاقة عداء تام مع الوزير الناصح حتى لا يخلو من منازعته ومعارضته ساعة.

فإذا كان الوالي في مملكته مستغنياً في تدبـيراته بوزيره معرضاً عن إشارة هذا العبد الخبـيث، أدبه صاحب شرطته، وساسه لوزيره وجعله مؤتمراً له مسلطاً من جهته على هذا العبد الخبـيث وأتباعه وأنصاره، حتى يصير العبد مسوساً لا سائساً، ومأموراً مدبَراً لا أميراً مدبِراً.

وفي هذه الحالة يستقيم أمر البلد، وينتظم العدل بسببه.

وهكذا النفس متى استعانت بالعقل، وأدبت بحمية الغضب، وسلطتها على الشهوة، واستعانت بإحداهما على الأخرى تارة بأن تقلل مرتبة الغضب وغلوائه بمخالفة الشهوة واستدراجها، وتارة بقمع الشهوة وقهرها بتسليط الغضب والحمية عليها وتقبـيح مقتضياتها، اعتدلت قواها وحسنت أخلاقها.

وينطبق على من هذا حاله مع نفسه قوله تعالى فيمن لم يخضع لغرائزه:{ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)} (النازعات)

أما إن كان خلاف ذلك، وأصبح الحكم في الإنسان هواه وغرائزه، فإنه ينطبق عليه حينها قوله تعالى:{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)}(الجاثية)

وهذا المثل ينطبق تماما على هذا المثل القرآني الجليل، قال تعالى:{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)} (الأعراف).. فقد اعتبر الله من خضع لغرائزه لتسيره كما تشاء كلبا.. أو لا يختلف عن الكلب..

وكذلك هؤلاء الذين يقولون للناس: (إن هذه هي غرائزكم.. فلا تكبتوها..) هم في الحقيقة يرمونهم كل مرة في هاوية من البهيمية يصعب عليهم الخروج منها، لأن النفس إذا تعودت شيئا أدمنت عليه.. فإذا أدمنت بان لها أنه الأصل.. ثم يأتي هؤلاء المحللون ليضموه إلى غرائز الإنسان.

ولذلك نرى المدمنين على المخدرات كيف يشق عليهم تركها.. ولو خيروا بين تلبية غريزة الطعام وغريزة الأفيون لاختاروا الأفيون.. فهل نترك لهؤلاء المحللين المجال ليفرضوا على الإنسان صاحب الفطرة الأصلية ما يقع فيه ضحايا الغرائز الشاذة؟

وهذه النظرة تجعل المسلم يشعر بأنه صاحب إرادة.. فلذلك لا يستسلم لغرائزه.. وإنما يهذبها لتستقيم مع الفطرة السليمة..

وقد ذكر القرآن الكريم أصناف الناس، وتعاملهم مع غرائزهم.. فذكر الغافلين عن أنفسهم الذين توحد الأنا فيهم بالنفس، فلم يدركوا من وظائف وجودهم غير إرضاء الشهوات والغرائز التي وضعت في الأصل لخدمة المطية التي تحملهم، قال تعالى:{ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَO (الحشر:19)

والفاسق هو الخارج عن حقيقته المستغرق في شهواته الغافل عن وظيفة وجوده، والآية تنبه إلى أن سر فسوقه هو نسيانه وغفلته عن الله، وفي ذلك إشارة إلى أن معرفة الله هي الأساس والمنطلق الذي ينطلق منه من يريد أن يترقى عن حجاب النفس.

وقد سمى القرآن الكريم هذه النفس بالنفس الأمارة بالسوء، قال تعالى:{ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء)(يوسف: من الآية53)

وهي نفس مطمئنة من جهة اطمئنان صاحبها لما هو فيه، فلا تحدثه نفسه بملامة أو عتاب، فهو راض عن حاله، قد كفى الشيطان هم الوسوسة، وكفى نفسه هموم الصراع، فنفسه مستقرة مطمئنة، والقلب مغلف مطبوع.

وفي مقابل هذه النفس نفس أخرى، وهي كذلك نفس مطمئنة، لأنها استسلمت بعد جموحها، وذلت بعد كبريائها، فصاحبها في راحة منها، والشيطان لا يجد مجالا ليدخل إليها، وقد عبر القرآن الكريم عنها بالنفس المطمئنة، فقال تعالى:{ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي ( (الفجر:29 ـ 30)

وهذه هي نفوس الخلاصة من عباد الله من الأنبياء والأولياء والصالحين، وهي المرحلة الأخيرة التي تنتهي إليها المجاهدات، وهي المرحلة الأولى التي تبدأ منها المواهب.

ومثل هذه النفس كالتربة الطيبة التي هذبت وصفيت وأصلحت، ثم بذرت فيها البذور الطيبة، ولا يبقى لها إلا المطر الذي ينزل عليها، فتبسق أشجارها وتطيب ثمارها.

وبين هاتين النفسين ما يسميه القرآن الكريم بالنفس اللوامة، قال تعالى:{ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِO (القيامة:2)

وهذه النفس هي التي تتعامل مع صاحبها، أو يتعامل معها صاحبها كما يتعامل مع شخص أجنبي، فهو يلومها ويعاتبها، وقد يضطر لمعاقبتها ومجاهدتها.

وقد ذكر بديع الزمان النورسي مثالا مقربا لهذا، فذكر أنه كان في الحرب العالمية الأولى، جنديان اثنان: أحدهما مدرَّب على مهمته مجدّ في واجبه، والآخر جاهل بوظيفته متّبعٌ هواه.

فكان الأول يهتم الاهتمام كله باوامر التدريب وشؤون الجهاد، ولم يكن يفكر قط بلوازم معاشه وأرزاقه، لإدراكه أن رعاية شؤونه وتزويده بالعتاد، بل حتى مداواته اذا مرض إنما هو من واجب الدولة، وأما واجبه هو فالتدّرب على امور الجهاد ليس إلاّ.

وهو مع هذا لا يمتنع من ان يقوم بشؤون التجهيز وبعض الأعمال التي تتطلبها حياته وفي هذه الاثناء لو سُئل: ماذا تفعل؟ لقال: إنما اقوم ببعض واجبات الدولة تطوّعاً، ولا يجيب: انني اسعى لأجل كسب لوازم العيش.

أما الجندي الآخر، وهو الجاهل بواجباته فلم يكن يبالي بالتدريب ولا يهتم بالحرب، بل كان يقول: ذلك من واجب الدولة، وما لي أنا؟! فيشغل نفسه بامور معيشته ويلهث وراء الاستزادة منها.

قال النورسي معقبا على هذا المثال شارحا له:(أمّا الجنديان الاثنان؛ فأحدهما هو العارف بالله والعامل بالفرائض والمجتنب الكبائر، وهو ذلك المسلم التقي الذي يجاهد نفسه والشيطان خشية الوقوع في الخطايا والذنوب.. وأما الآخر: فهو الفاسق الخاسر الذي يلهث وراء هموم العيش لحد إتهام الرزاق الحقيقي، ولا يبالي في سبيل الحصول على لقمة العيش أن تفوته الفرائض وتتعرض له المعاصي.. وأما تلك التدريبات والتعليمات، فهي العبادة وفي مقدمتها الصلاة.. وأما تلك الحرب فهي مجاهدة الانسان نفسه وهواه، واجتنابه الخطايا ودنايا الأخلاق، ومقاومته شياطين الجن والأنس، إنقاذاً لقلبه وروحه معاً من الهلاك الأبدي والخسران المبين)

ثانيا ـ الإلحاد.. وخسارة المصير الأبدي:

لا يتألم الملاحدة لشيء كآلامهم لما تذكره الأديان من البعث بعد الموت، وبدء نشأة وحياة أخرى جديدة، تتوفر فيها من الكمالات ما لا يتوفر في هذه الحياة الدنيا، وذلك لسببين:

أولهما: أن المؤمنين يجدون عزاء كبيرا في هذا الاعتقاد الذي لا يوفره الإلحاد؛ فالملحد لا يرى إلا الحياة الدنيا، ولذلك لا يرى للحياة معنى، بل يظل متألما متشائما، ممتلئا بالكدورة وإن حاول أن يغطي ذلك ببعض المسكنات والمخدرات الكاذبة.

وثانيهما: أن العلم مهما ارتقى، والكشوفات مهما دقت، فإنها لا يمكن أبدا أن تعتبر ما يذكره المؤمنون كذبا مطلقا، بل يبقى هناك نسبة للقول بصحته، وفي ذلك آلام كبيرة للملاحدة، لأنهم حينها سيخسرون كل شيء.

وسنحاول أن نفصل في كلا المعنيين وموقف الملاحدة والمؤمنين منهما في العنوانين التاليين:

1 ـ الإيمان.. وسلوى المصير الأبدي:

لا يتألم الملاحدة لشيء كما يتألمون لذلك التفاؤل والفرح والاستبشار بالمستقبل الذي يجده المؤمنون بالآخرة؛ فهم يتحملون كل عناء وفاقة بصبر عظيم، بل بفرح عظيم، لكونهم يعلمون أن تلك الحال لن تدوم، وأنهم سيعوضون عنها في الآخرة بالعوض الحسن، ولذلك لا ينظرون للموت بتلك النظرة التشاؤمية، وإنما ينظرون إليه باعتباره محطة ضرورية للدخول في عالم السعادة الأبدية.

والملحد لا يستطيع أن يوفر لنفسه هذا العزاء العظيم، فلذلك يحاول أن يبحث عن عزاءت أخرى بديلة، ومن أمثلتها ذلك الذي ورد في حوار بين [دانييل دينيت]([22])، و[ريتشارد دوكنز] عام 2008، في سلسلة مقابلات أجراها البيولوجي التطوري لحساب القناة البريطانية الرابعة، وكانت تحمل عنوان [عبقرية تشارلز داروين]([23])، فحينما طلب دوكنز من دينيت أن يخبره بتجربته التي أوشك فيها على الموت؛ وبعد حوار جرى بينهما حول الموضوع، ذكر [دانييل دينيت] أنه مجرد حيوان متطور جاء من العدم مصادفة، ثم رجع إلى العدم الذي أتى منه إلى الأبد.

وعندما سئل عن السبيل إلى الجمع بين التطورية الداروينية المادية الإلحادية وبين إعطاء معنى أسمى لحياة الإنسان ومماته، ذكر أن الطريقة المثلى تأتي على أربع خطوات أساسية كما يلي: (أولاً ـ يتصور الإنسان احتمالية وجوده الضئيلة جدّاً.. ثانياً: يتصور الزمن التطوري المديد.. ثالثاً ـ يتصور عدد الكائنات الحية الهائلة وعدد أنواعها في الكون.. رابعا: يتصور حجم وعمر الكون نفسه!)([24])

فالعزاء الذي يراه الملاحدة، والذي نجده في مواقعهم الكثيرة أنه حال تعرّض الملحد إلى أي مصيبة فإن زعماء الإلحاد يفتونه أن باستطاعته أن يحصل على السلوان من تذكره أولاً أنه محظوظ جدّاً لوجوده أصلاً على قيد الحياة على الرغم من أن احتمالية وجوده تعد ضئيلة جدّاً، ثم عليه أن يُلهي نفسه بالتفكر في أن وجوده على شكله الحالي احتاج إلى مليارات السنوات من التطور التدريجي البطيء الذي تسبب في النهاية في وجوده ووجود باقي الأحياء؛ وهذا أمر ينبغي أن يُنسي الملحد حزنه على ما يبدو، وأخيراً على الملحد أن يعرف حجمه الحقيقي مقارنة بباقي الكون، وأنه جزء صغير لا يُذكر من عالم حي كبير، وعليه أيضاً أن يتذكر أن هناك مجرات تبعد عنه مسافات تُقدّر بمليارات السنوات الضوئية تقع داخل كون يتجاوز عمره الثلاثة عشر بليون سنة، والمعنى: تفكر في جمال الكون لتنسى همك.

ومن أمثلة العزاءات التي يعتمدها الملاحدة، ويتصورون أنها يمكن أن تعوضهم عن عزاءات المؤمن، ما ذكره بعضهم في مقال له بعنوان [الإلحاد ومعنى الحياة]([25])، فقد قدم الملحد صاحب المقال لذلك بقوله: (إن إحدى أكبر الإعتقادات الخاطئة وأكثرها شيوعا حولنا ـ معشر الملحدين ـ هي الافتراض بأننا نفتقر، أو ليس لدينا أي احترام لقيمة الحياة، سواء أكانت حياة البشر أو الكائنات الأخرى. ولأننا نؤمن بأن الحياة قد نشأت بسبب صدفة عشوائية تولدت من توافر مجموعة مقومات في الطبيعة كانت ملائمة لانبثاق الجيل الأول من الكائنات أحادية الخلية، فإن هذا يُفسّر من قبل الآخرين على أنه اعتراف من الملحدين بأنه لا معنى ولا مغزى للحياة وأنها مجرّدة من أية قيمة، وأنه لا يمكننا نحن الملحدين أن نكتسب أي متعة أو رضا أو سعادة أو شعور بالإنجاز المتأتي من كينونة الحياة كما يفعل الدينيون، وأننا لا نبالي بمعاناة وألم الآخرين، لأنه في نهاية الأمر سيصبح الجميع طعاما تقتات عليه الديدان والبكتريا)

ثم راح يرد على هذا المعنى، لا باعترافه بالحقيقة التي يدل عليها كل شيء، وأولها عقله الذي يفكر به، والذي يجعل من اليوم الآخر ضرورة كبرى، لا يمكن أن يكون للحياة معنى من دونها، بدل ذلك راح يقول: (نعم، الحياة على هذا الكوكب مصادفة محظوظة، مثلها مثل عدد لا يحصى من المصادفات الأخرى المشابهة التي تولد عنها نشوء الحياة في أماكن أخرى من هذا الكون الشاسع. ليس وراء هذه المصادفة أي معنى أو مغزى خاص أو استثنائي – ولماذا يجب أن يكون؟ فالحياة على كوكب الأرض محصورة بداخل ما يعرف بالمحيط الحيوي الذي يمتد من أعلى نقطة في الغلاف الجوي، على ارتفاع 20 كم فوق سطح البحر، وحتى أعمق نقطة في خندق ماريانا في غرب المحيط الهادي، وهذا المحيط الحيوي في نهاية الأمر ما هو إلا قشرة كروية رقيقة جدا تغطي سطح الكوكب، وذات سمك صغير جدا (31 كم) مقارنة مع نصف قطر الكوكب (6378 كم)! ثم يأتي كوكب الأرض نفسه الذي يشكل، بكل ما عليه، جزءا صغيرا للغاية من المجموعة الشمسية، حيث يمكن مقارنته بحبّـة ذرة موجودة على بعد 82 مترا من مركز ساحة دائرية نصف قطرها حوالي 4 كم! والمجموعة الشمسية نفسها ما هي إلى نقطة ضئيلة للغاية على طرف إحدى الأذرع الخارجية لمجرّتنا الحلزونية، والتي هي بدورها واحدة من بلايين وبلايين المجرات الموجودة في الكون. في ضوء كل هذا، ما الذي يعطينا الحق في اعتبار أنفسنا حالة خاصة وأصحاب أهمية مركزية في الكون، لدرجة الإعتقاد أن الحياة على هذا الكوكب لا يمكن إلا أن يكون لها مغزى أو معنى أو هدف أسمى، كما تدّعي الأديان؟)

وبعد هذا التحقير للإنسان وحياته والأرض التي يسكن فيها، باعتبارها جزءا بسيطا من الكون، وأنها لذلك لا تستحق أي نوع من أنواع العناية، راح يذكر البدائل التي يتعزى بها الملاحدة؛ فقال: (رغم هذا فإنني أعتبر الحياة (رغم عبثيتها) مقدّسة جدا. فنحن الملحدين على يقين بأننا نحظى بفرصة واحدة فقط للحياة – فرصة واحدة لا غير. فلا حياة أخرى ولا بعث أرواح ولا جنة ولا نار وما إلى ذلك. الحياة مباراة من جولة واحدة، لذا فمن المؤسف جدا أن يبعثرها المرء أو يضيعها سدى.. لذا، فلإعطاء هذه القدسية حقها الكامل، على المرء أن يستغل فترة وعيه الوجيزة جدا ككائن حي إلى أبعد الحدود. ثقـّف نفسك وعلـّمها، عزيزي القارئ، ليتسنى لك رؤية عجائب هذا الكون لما هي عليه فعلا، بمنأى عن ضباب الفكر الديني. إسبح في المحيط الهندي.. راقب غروب الشمس في وادي رم.. دغدغ رضيعا.. تسلق شجرة أو جبل.. تعلـّم حرفة يدوية كالنجارة أو الفخارة.. إشتر منظارا ودليل فضاء وفلك للمبتدئين وتمعن في أعماق الكون وابحث عن كواكبه ومجراته.. كن سببا لتحسين حياة غيرك من الناس الأقل حظا واكتسب من عملك هذا المتعة والرضا، فهناك الكثير من البشر الذين يعيشون في ظروف من السوء لا توصف، ويكسبون في أسبوع ما قد تكسبه أنت في ساعة (هذا إن كانوا يكسبون شيئا أصلا).. تبرع بالدم بين الحين والآخر إن كانت صحتك تسمح.. إدعم ميتما أو داراً للعجزة.. إلخ)

هذا هو العزاء الذي ذكره هذا الملحد، وذكره قبله وبعده الكثير من الملاحدة، وهو لا يختلف عن تلك المسكنات والمخدرات التي يهرب بها صاحبها عن الحقيقة المرة التي يعيشها.

وللاستدلال لهذه المسكنات الكاذبة راح يشبه الحياة ببناء تمثال ثلج، أو قلعة من الرمال على الشاطئ، فهذه الأشياء ـ كما يعبر ـ (كالحياة نفسها، زائلة بدون شك تذيبها الشمس أو يمحيها المد.. هي أشياء ليس لها غاية أو هدف أسمى، وبعد زوالها لا يتبقى أي أثر يدل على وجودها الذي دام ساعات أو أيام قليلة.. إلا أننا نبني تماثيلا ثلجية أو قلاعا رملية لأننا، دينيين كنا أم ملحدين، نعيش في هذا المكان الصغير جدا من الكون وفي هذا المقطع الزمني القصير جدا من عمره. في ضوء حياتنا الفانية القصيرة جدا نسبيا، نستطيع كبشر أن نتمتع معظم الوقت بهذه الحياة بالقيام بأعمال لا معنى لها لمجرد كونها ممتعة. فمن الممتع بناء تمثال ثلج أو قلعة رملية، أو تسلق جبل، أو مشاهدة الغروب، أو رمي قطعة حجر مسطحة ومشاهدتها تتقافز على سطح الماء، أو تطيير طائرة ورقية، أو الخروج في رحلة إلى الطبيعة أو الريف للتنزه أو ركوب الدراجات. هذه الأعمال، بطبيعتها، ليس لها معنى أو غاية أو هدف أسمى في انتظار أن يُحرز أو يتم تحقيقه – بل هي أعمال تكتسب معناها وقيمتها مما تعنيه لنا ومن تأثيرها المباشر علينا. أنا لست قلقا جدا حول مستقبل سيأتي بعد خمسين بليون سنة. ما يهمني هو مستقبل البشرية الآن – مستقبل الأجيال الحالية والتي ستأتي بعدها. هذا هو جوهر معنى الحياة الفانية، وهذا هو بالتحديد السبب الذي يجعلني، كملحد، مكترثا ومهتما جدا بهذه الحياة ومستعدا أن أبذل أقصى جهدي للإستفادة البناءة من هذه الفرصة التي تمنحها الحياة لي)

وهذا العزاء الذي ذكره هذا الملحد لا يمكن أبدا أن ينسجم مع كل الناس، بل هو خاص فقط بطبقة محدودة من أصحاب الأموال الذين يمكنهم أن يمارسوا ما يشتهون حتى يشعروا بالعزاء، أما أولئك المستضعفين الفقراء، والذين تشكل الحياة عبئا كبيرا عليهم؛ فإن تلك العزاءات لن تفعل لهم شيئا، فالحياة عندهم مجموعة آلام.. ولذلك لا يستطيع الإلحاد أن ينقذهم من آلامهم.. بل الوحيد الذي ينقذهم من آلامهم هو الإيمان.

ولهذا نجد الملاحدة، ولأتفه الأسباب ينهارون، وينتحرون، لأن الحياة عندهم لا معنى لها، ولذلك لا معنى لتحمل العذاب فيها.

ومن أنواع العزاء التي ذكرها بعض فلاسفة الملاحدة([26]) فكرة: بقاء الأنواع، حيث يذكر [ديدرو] أن الفرد يموت، ولكن الأنواع لا نهاية لها.

أما الفيلسوف الملحد الفرنسي [لامتريه] (1709ـ1751)؛ فقد ربط القضية بالموت، ولذلك اقترح دعوى أن القلق من الموت لا ينشأ إلا من العقائد الدينية، لما في الآخرة من عقاب، ومن ثم فإنه يرى أن إلغاء هذه الفكرة ـ الدين ـ من شأنه أن يلغي القلق.

ومثلهما [هولباخ] (1723ـ1789) الذي أشاد بالرؤية الأبيقورية للموت بأنه لا يخضع للتجربة، ومن ثَمَّ فإنه لا ينبغي أن يمثل أهمية للبشر، فرأى هولباخ أن المذكور في الأديان عن عواقب الموت لا يمثل قلقًا.

ومثلهم [إتيان دي سينانكور] (1770ـ1846) الذي اعتبر أن الحل الوحيد لمشكلة الموت هو شفاء البشر من مرض الرغبة في الخلود؛ وبناء على ذلك، فإن المرء يمكنه أن يقمع هذا الخوف من خلال استغلال جميع طاقته دفعة واحدة في حياته الحاضرة.

ومثلهم [ماركيزدي ساد] (1740ـ1814) الذي دعا إلى رفض الرغبة في الخلود، بل وازدرائها، والاستغراق الكامل في الشهوانية، وإلحاق المعاناة ـ وحتى الموت ـ بالآخرين، باعتبارها وسيلة لإطفاء الخوف من الموت، وهو الاتجاه المعروف بالإلحاد الأيروسي.

وهو يمثل العزاء الأكبر لأكثر الملاحدة، ولعل أحسن تعبير عنه، ما ورد في محاورة تخيلية مشهورة كتبها [ماركيزدي ساد] بين راهب يدعو محتضرًا للتوبة، وهذا المحتضر الذي يتحدث دي ساد بلسانه يشرح للراهب فلسفته في الحياة: (الطبيعة شكلت روحي وتصرفاتي نتيجة لذلك، بكل ما فيها من رغبات واحتياجات خاصة، فهي تحتاج الرذائل بقدر ما تحتاج الفضائل، والطبيعة أثارت فيّ الشر، وقالت لي أن أفعل ذلك، كما أرادت مني أعمل صالحًا، أنا فقط أفعل كما تأمرني)

وكان المحتضَر معِدًّا لوليمة شهوانية خاصة للحظة موته، ولم يكتف بذلك حتى وجه الدعوة للراهب للاشتراك معه في الانغماس: (يا صديقي، الشهوانية ـ الحسية ـ تعني الكثير بالنسبة لي أكثر من أي شيء آخر، إنني أعبدها طوال حياتي، وكانت رغبتي في وضع حد لها في صدري. نهايتي اقتربت، ولكن هناك ست نساء جميلات في الغرفة المجاورة، إنني أحتفظ بهن خصيصًا لأجل هذه اللحظة، لماذا لا تشاركني في هذه الوليمة؟، لماذا لا تتخذني قدوة، وتبني على تجربتي بدلاً من خرافات المغالطات الفارغة؟ إن السماح لهن بالمداعبة تساعدك على نسيان نفاق إيمانك لبعض الوقت)([27])

هذه بعض النماذج التي حاول الملاحدة أن يكذبوا بها على أنفسهم، ولكن الحقيقة هي ما عبر عنه [كلود أدريان هيلفيتوس] (1715ـ1771)، و[دنيسديدرو] (1713ـ1784) بذكرهما أن النتائج المترتبة على الإلحاد تتسق مع الاكتئاب، وذلك لافتقار الملاحدة لأي عزاء.

في مقابل ذلك نرى المؤمنين ممتلئين بكل أنواع العزاء.. حتى أنهم يستقبلون الموت بفرح عظيم، وذلك لعلمهم بما ينتظرهم عند الله تعالى، كما قال تعالى: { يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27 – 30]

وسنسوق هنا نموذجا عن ذلك، وهو ما ذكره بديع الزمان النورسي ردا على ملاحدة عصره الذين كانوا ينكرون اليوم الآخر، ويسخرون من المؤمنين بسبب ذلك ([28]).

فقد ذكر بديع الزمان كيف خرج بنور الإيمان من كل الأفكار المشؤومة التي تعتري الملاحدة، فقال: (ذات يوم من الايام الأخيرة للخريف، صعدت الى قمـّة قلعة انقرة، التي اصابها الكبر والبلى اكثر مني، فتمثـلـّت تلك القلعة امامي كأنها حوادث تأريـخية متحجرة، واعتراني حزن شديد واسى عميق من شيب السنة في موسم الـخريف، ومن شيبي انا، ومن هرم القلعة، ومن هرم البشرية ومن شيخوخة الدولة العثمانية العلية، ومن وفاة سلطنة الـخلافة، ومن شيخوخة الدنيا)

فهذه الآلام الكثيرة التي قد نبصر مثلها، والتي تملأ النفس أسفا وحزنا، دعت بديع الزمان للبحث عن ترياق يعالج به هذه الكآبة، قال:(فاضطرتني تلك الـحالة الى النظر من ذروة تلك القلعة الـمرتفعة الى اودية الـماضي وشواهق الـمستقبل، أنقب عن نور، وابـحث عن رجاء وعزاء ينير ما كنت أحسّ به من أكثف الظلمات التي غشيت روحي هناك وهي غارقة في ليل هذا الهرم الـمتداخل الـمحيط)

وهذا العزاء الذي بحث عنه بديع الزمان يبحث عنه كل إنسان شعر أو لم يشعر، ولكن يختلفون فقط في الجهة التي يولون لها وجوههم للبحث عن هذا العزاء، وكانت الجهة الأولى التي قصدها بديع الزمان هي الجهة التي يولي لها الملاحدة وجوههم، وهي الجهة البعيدة عن الحقائق الإيمانية، وهي بجهاتها الست لا تزيد القلب إلا غما وهما، قال بديع الزمان:(فـحينما نظرت الى اليـمين الذي هو الـماضي باحثاً عن نور ورجاء، بدت لي تلك الـجهة من بعيد على هيئة مقبرة كبرى لأبي واجدادي والنوع الانساني، فأوحشتني بدلاً من ان تسلـّيني)

أما اليسار الذي هو الـمستقبل:(فتراءى لي على صورة مقبرة كبرى مظلمة لي ولأمثالي وللجيل القابل، فأدهشني عوضا من ان يؤنسني)

أما الأمام وهو الزمن الـحاضر (فبدا ذلك اليوم لنظري الـحسير ونظرتي التأريـخية على شكل نعش لـجنازة جسمي الـمضطرب كالـمذبوح بين الـموت والـحياة)

أما القمة التي تمثل قمة شـجرة العمر (فرأيت أن على تلك الشجرة ثـمرة واحدة فقط، وهي تنظر اليّ، تلك هي جنازتي)

أما الأسفل الذي يمثل جذور شجرة العمر (فرأيت ان التراب الذي هناك ما هو الاّ رميم عظامي، وتراب مبدأ خلقتي قد اختلطا معاً وامتزجا، وهما يُداسان تـحت الاقدام، فأضافا الى دائي داء من دون ان يـمنحاني دواءً)

أما الخلف الذي يمثل عمر الدنيا (فرأيت ان هذه الدنيا الفانية الزائلة تتدحرج في اودية العبث وتنحدر في ظلمات العدم، فسكبتْ هذه النظرة السمَّ على جروحي بدلاً من ان تواسيها بالـمرهم والعلاج الشافي)

فهذه الجهات الست، والتي يتصور الملاحدة أنها تمثل الحقائق المطلقة، والتي يعزون أنفسهم بأنه لا محيد عنها، ولا مخرج منها، ثم يهربون لأي شيء، يتكفل الإيمان بمداواتها، قال النورسي يحكي عن تجربته الإيمانية:(وفيما كنت مضطرباً وسط الـجهات الست تتولى عليّ منها صنوف الوحشة والدهشة واليأس والظلمة، اذ بأنوار الإيـمان الـمتألقة في وجه القرآن الـمعجز البيان، تـمدني وتضيء تلك الـجهات الست وتنورها بانوار باهرة ساطعة ما لو تضاعف ما انتابني من صنوف الوحشة وانواع الظلمات مائة مرة، لكانت تلك الانوار كافية ووافية لإحاطتها)

وقد كان أثر أنوار الإيمان عظيما:(فبدّلت تلك الانوار السلسلة الطويلة من الوحشة الى سلوان ورجاء، وحولـّت كل الـمخاوف الى انس القلب، وامل الروح الواحدة تلو الاخرى)

فالقرآن الذي هو قبس الإيمان (مزق تلك الصورة الرهيبة للماضي وهي كالـمقبرة الكبرى، وحوّلـها الى مـجلس منوّر أنوس والى ملتقى الاحباب، وأظهر ذلك بعين اليقين وحق اليقين)

أما المستقبل الذي كان يمثل قبرا واسعا كبيرا، فإنه استحال بالنظرة القرآنية (مـجلس ضيافة رحـمانية أعدّت في قصور السعادة الـخالدة)

أما تابوت الزمن الحاضر، فقد صوره القرآن الكريم (متجرا أخرويا، ودار ضيافة رائعة للرحـمن)

أما الثمرة الوحيدة التي هي فوق شـجرة العمر على شكل نعش وجنازة، فإنها بالقرآن لم تبق كذلك، (وانـما هي انطلاق لروحي – التي هي أهل للـحياة الابدية ومرشحة للسعادة الابدية – من وكرها القديـم إلى حيث آفاق النـجوم للسياحة والارتياد)

حتى تلك الصور المريعة التي كانت الغفلة تصور بها (عظامي ورميمها وتراب بداية خلقتي ) لم تبق (عظاماً حقيرة فانية تداس تـحت الاقدام، وإنما ذلك التراب باب للرحـمة، وستار لسرادق الـجنة)

أما أحوال الدنيا واوضاعها الـمنهارة في ظلمات العدم التي نبصرها بنظر الغفلة، فإنها لم تبق كذلك بنور القرآن الكريم (بل انها نوع من رسائل ربانية ومكاتيب صمدانية، وصحائف نقوش للاسـماء السبحانية قد أتّمت مهامها، وأفادت معانيها، واخلفت عنها نتائجها في الوجود، فأعلمني الإيـمان بذلك ماهية الدنيا علم اليقين)

أما القبر، فلم يبق قبرا، بل هو بنظر القرآن الكريم (باب لعالـم النور) ومثله ذلك الطريق الـمؤدي الى الابد، فإن لم يبق (طريقاً مـمتداً ومنتهياً بالظلمات والعدم، بل انه سبيل سوي الى عالـم النور، وعالـم الوجود وعالـم السعادة الـخالدة)

وهكذا بددت النظرة القرآنية كل الأوهام التي سربتها الغفلة، وأصبح ما كان يتصور داء عين الدواء، يقول النورسي:(وهكذا اصبحت هذه الاحوال دواء لدائي، ومرهماً له، حيث قد بدت واضحة جلية فأقنعتني قناعة تامة)

وهكذا عاش الرجل سعيدا، مع أنه أمضى أكثر حياته منفيا مسجونا يدس له السم كل مرة، بل يحرم كل أسباب الحياة، لكن الإيمان جعله يستهين بذلك كله.

2 ـ الإيمان.. وإمكانية المصير الأبدي:

وهذه المعضلة الثانية التي يتألم لها الملاحدة دون أن يستطيعوا التصريح بذلك، ذلك أنه لا يمكن لمن يحترم عقله وعلمه ونفسه أن يجزم بعدم إمكانية شيء اتفقت عليه عقول أكثر الخلق من الفلاسفة والمفكرين ورجال الدين.. بل لا يكاد يوجد شعب من الشعوب إلا وهو يعتقد هذا الاعتقاد.

ولهذا نرى في الحوارات بين المؤمنين والملاحدة هذا الجانب الذي عبر عنه أبو العلاء المعري بقوله:

زعم المنجم والطبيب كلاهما

  لا تبعث الأجساد قلت: إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر

  أو صح قولي فالخسار عليكما

أو ما عبر عنه بعضهم، بقوله: (قال الملحد للمؤمن: ما موقفك اذا مت ولم تجد الله! فرد المؤمن: لن يكون اسوأ من موقفك اذا مت ووجدت النار!)

أو ما عبر عنه مصطفى محمود في حواره مع صديقه الملحد، والذي ذكر أنه قال له ساخرا: (ماذا يكون الحال لو اخطأت حساباتك، وانتهيت بعد عمر طويل إلى موت وتراب ليس بعده شيء؟)، فأجابه مصطفى محمود بقوله: (لن أكون قد خسرت شيئا.. ولكنكم أنتم سوف تخسرون كثيرا لو أصابت حساباتي وصدقت توقعاتي.. وإنها لصادقة.. سوف تكون مفاجئة هائلة يا صاحبي)([29])

 أو ما عبر عنه ـ قبل ذلك كله ـ الإمام الصادق ع مع بعض الملاحدة، حيث قال مخاطبا له: (إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء وهو على ما يقولون، يعني المؤمنين، فقد سلموا وعطبتم وإن يكن الأمر على ما تقولون وليس كما تقولون فقد استويتم وهم)، فقيل له: وأي شي‏ء نقول وأي شي‏ء يقولون ما قولي وقولهم إلا واحد؟ فقال: (وكيف يكون قولك وقولهم واحدا، وهم يقولون إن لهم معادا وثوابا وعقابا ويدينون بأن في السماء إلها وأنها عمران، وأنتم تزعمون أن السماء خراب ليس فيها أحد…)([30])

وقد صاغ هذا المعنى [بليز باسكال([31])] في رهانه المعروف، والذي يمكن صياغته على الشكل التالي([32]):

1- إن آمنتَ بالله وكان الله موجوداً، فسيكون جزاؤك الخلود في الجنة، وهذا ربح لامحدود.

2- إن لم تؤمن بالله وكان الله موجوداً، فسيكون جزاؤك الخلود في جهنم، وهذه خسارة لامحدودة.

3- إن آمنتَ بالله وكان الله غير موجود، فلن تُجزى على ذلك، وهذه خسارة محدودة.

4- إن لم تؤمن بالله وكان الله غير موجود، فلن تُعاقب لكنك ستكون قد عشت حياتك، وهذا ربح محدود.

ولتقريب هذا الرهان، نذكر هذا المثال التقريبي، وهو لو فرضنا وجود حلبة سباق للخيول، وشاهدنا الحصان الأبيض هو الفائز في كافة المسابقات الماضية، ولنفرضها مائة سباق، ووجدنا الحصان الأسود هو الخاسر في كل المسابقات الماضية، بل لو وجدنا الحصان الأبيض فاز في 99 بالمائة من المسابقات الماضية والحصان الأسود فاز في 1 بالمائة منها.

فمن الواضح ان العاقل يراهن على الحصان الأبيض، على الرغم من أنه يحتمل عقلاً أن يكون هو الحصان الرابح هذه المرة، ولكن العقلاء بالإجماع يرون من السفاهة أن يراهن على الحصان الخاسر دائماً أو في 99 بالمائة من الموارد أو حتى في 90 بالمائة منها.. ويرون من الحكمة والمنطق أن تكون المراهنة على الحصان الفائز دائماً أو غالباً.

ولذلك، فإن العقل وإن احتمل العكس لكن العقلاء بما هم عقلاء يلغون احتمال الخلاف، ويعتبرون الحجة في اقتفاء أثر التجارب الناجحة السابقة.

وهكذا تماماً رهان المؤمنين على وجود الخالق، وإن كان بصيغة أخرى، فإننا إن راهنا على وجوده ووجود الثواب والعقاب، وكان موجوداً كان الثواب العظيم بما لا يتناهى شدةً ومدةً وعِدةً، وإذا راهنا على عدم وجوده وعدم الجنة والنار وكان موجوداً كانت الخسارة هائلة مذهلة، وفي المقابل لو لم يكن موجوداً، فإن الكافر غاية الأمر أنه سيربح حياته المحدودة، مع العلم أن المؤمن هو الرابح حتى في هذه الحياة إذ يتجنب السرقة والغش وغير ذلك، فيزداد مكانةً ومصداقيةً لدى الناس كما سيحظى بالصحة والسلامة وغير ذلك.

فأي الرهانين يختاره العقلاء.. هل رهان الربح اللامتناهي، أو رهان الربح المحدود جداً؟

بل إن ذلك الربح المحدود الذي يتوهمه الملاحدة، ينال المؤمنون أكثر منه، كما ذكرنا في العنوان السابق، ونضيف إليه أن الإنسان إذا آمن بالله تعالى وبالمعاد والثواب والعقاب ولم يكن الله تعالى ـ فرضاً ـ موجوداً فإن المؤمن مع كونه لا يخسر شيئاً، ولا يربح المنكر شيئاً إلا أننا عندما نرى المؤمنين الملتزمين نراهم أسعد حالاً من غيرهم من الكفرة العصاة؛ وذلك لأن المحرمات إنما حرمت لمفاسد واقعية وأضرار حقيقية فيها؛ فالمؤمن المتدين يتجنب شرب الخمر وأكل لحم الخنزير والزنا مثلاً وغير المؤمن لا يرى سبباً لتجنبها، وقد ثبت في العلم أن الخمرة تضر العقل والبدن، وتتسبب في الكثير من الأمراض الخطرة، وكذلك لحم الخنزير، كما أن الزنا يهدم المجمعات ويتسبب في مجموعة من أخطر الأمراض كالسفلس والسيلان وغيرهما.. وبذلك فإن المؤمن يتجنب كل تلك الآثار الخطيرة للمعاصي، ويربح بذلك، بخلاف الملحد الذي لا يجد من يردعه عنها، ولذلك يخسر بسببها.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الاستقراء والتجربة يدلان على أن المؤمن الملتزم أسعد من غيره في أسرته ومجتمعه، ذلك أن الصدق والوفاء النزاهة وحب الأهل والوطن ومواساة الجار والقريب والبعيد والصلاة والصوم وغيرها مما أمر به الشارع الأقدس كلها عوامل سعادة وسلام وتقدم ورفاه وأمن وطمأنينة.

فإذا قيل بأنه يوجد في المؤمنين الكثير من الفقراء والمرضى، يقال كذلك بأن في الكفار الكثير من الفقراء والمرضى.. فكما في الكفار أغنياء وفقراء وعلماء وجهال فكذلك في المؤمنين، وإنما الكلام هو في أن المؤمن من حيث إيمانه والتزامه بتجنب المعاصي وبفعل الطاعات رابحٌ، عكس الكافر من حيث كفره وعصيانه، وأقل ما في الأمر أن المؤمن لأطمئنانه بالآخرة والجنة والثواب العظيم، أقدر على تحمل المصائب والنوازل من الكافر ولذلك تراه ـ على حسب درجات إيمانه ـ يمتلك الهدوء النفسي والطمأنينة والسكينة إذ يرى كل ذلك بعين الله، عكس الكافر الذي لا يؤمن بالله، كما أن الكافر إذا تعرض أبوه أو أخوه أو ابنه لحادث مؤلم أودى بحياته، فانه لا سلوان له ولا مستند يتكأ عليه إذ يراه قد تحوَّل إلى عدمٍ محض، أما المؤمن فإنه يرى حبيبه قد انتقل إلى عالم أرحب وأوسع وأجمل وأفضل فَلِئن حزن عليه ساعة أو أياماً اطمأن بعظيم لطف الله تعالى ساعات وأسابيع.

ومع وضوح كل هذا وقوته إلا أن الملاحدة حاولوا ـ كعادتهم ـ الالتفات عليه بصنوف من المغالطات:

منها قول بعضهم: (يفترض الرهان أن الإله الحقيقي هو بصورة الإله الإبراهيمي الذي يجازي أتباعه، ويمكننا هنا تخيل أن الإله الحقيقي هو عكس ذلك تماماً: فقد يقوم على سبيل السخرية بزج بالمؤمنين به في الجحيم وبجزاء غير المؤمنين به بالجنة، أو قد يكون الإله الحقيقي هو إله الفكرة المالثيسية والتي تقول بأن الآلهة تأكل أرواح المؤمنين بعد موتهم)

وقال: (الرهان المعاكس إحدى الطرق التي نرد بها على الرهان تكون بافتراض إله آخر في محل إله باسكال، الإله الآخر يعاقب هؤلاء الذين يؤمنون بوجوده من دون دليل ويجزي من سواهم)

وقال: (لاحظ أن هذه الفرضية لا تفترض مسبقاً أن الإنجيل أو القرآن أو ما شابههم من الكتب المقدسة ليست من مصدر إلهي، فقد يكون الإله قد أنزلهم بالضبط لاختبار مدى سذاجة البشر)

وقد تصور هؤلاء الملاحدة أنهم بهذه الافتراضات يحصلون على الربح في كلا الحالتين سواء كان الله موجوداً أو لا، بينما يخسر المؤمنون في الحالتين أيضا.

وقال آخر: (يفترض المؤمنون بطرحهم لهذا الرهان أنه في صورة ملاقاة إله ما بعد الموت سيكون بلا شك هو إلههم الواحد، فإما العدم أو الله الذي يؤمنون به وهم بذلك يجعلون الرهان مقتصرا على إحتمالين فقط بينما تعرض لنا الميثولوجيا آلاف الالهة والديانات التي تعد أتباع الآلهة والمعتقدات الأخرى بالجحيم والعذاب الأبدي ! فلنفترض إذا وجود 3999 الهة مقترحة واحتمالا واحدا في عدم وجود الهة، احتمال أن يكون اعتقاد المؤمن صحيحا هو 1/4000 مساو لإحتمال أن يكون الملحد على حق للنجاة من الجحيم يملك المؤمن نسبة 2/4000 أي في أن يكون إلهه موجودا أو عدم وجود آلهة بينما يملك الملحد نسبة 1/4000 للنجاة من العقاب)

والجواب على هذا من وجهين:

الوجه الأول: أن احتمال أن يعاقب الله (المفترض) عباده الذين يؤمنون به، ويثيب المنكرين له والمعارضين بالجنة، هو صفر لدى العقلاء، وهو وإن كان احتمالاً عقلياً إلا انه ليس بعقلائي أبداً، بل لا تجد عاقلاً في حياته العملية ينساق مع مثل هذا الاحتمال الهش.

فهل يمكن أن نجد عاقلاً يرى أن الجندي في الجيش إذا أطاع الضابط، أو الموظف في الشركة إذا أطاع المدير والتزم بأوامره ونفذ التعليمات كلها كما طلبت منه، فإنه من المحتمل أن يعاقبه المسؤول أشد العقاب ويسجنه ويعذبه، على سبيل السخرية مثلاً، وأنه إذا عصى المدير ودمر شركته وممتلكاته، أو خالف قرارات الجيش وأفسد خططه العسكرية فإنه حينئذٍ سيقرِّبُه إليه أكثر وسوف يمنحه ترقية كبرى في الشركة أو الجيش.

إن هذا الاحتمال وإن كان عقلاً ممكناً، لكنه عقلائياً صفر، وهل يلتزم هذا الفيلسوف بمقتضى كلامه؟ فمثلاً إذا وجد هذا الفيلسوف شرطي المرور يأمره بالوقوف عند الإشارة الحمراء فهل يعصيه ويعارضه متذرِّعاً بأنه من يدري: فلعلني إذا عصيته أعطاني هدية رائعة، أما إذا أطعته ووقفت عند الإشارة ضربني بالهراوة الغليظة على أمّ راسي وقادني إلى السجن المظلم وفي أشد أنواع التعذيب.

ونقول لهؤلاء: تصوروا أن هنالك غابة تقع في وسط بلدتين (أ وب) وأن فيها عصابة من الأشرار يعتدون على كل من يمرّ عبرها، ويسلبونه كافة أمواله، ثم يقتلونه شر قتلة، وأن هناك طريقاً آخر للوصول إلى البلدة (ب)، وهو طريق آمن، فهل تجد عاقلاً يعكس الرهان ويقول: سأسلك طريق الغابة إذ من المحتمل أن هؤلاء الأشرار إذا رأوني يحتضونني ويكرموني ثم يهبونني كل أموالهم؟ ومن المحتمل أنني إذا سلكت الطريق الآمن أن تهاجمني الشرطة (المعروفة بالنزاهة) وتسلبني حتى ثيابي ثم تقتلني شر قتلة؟

من البديهي ان العقلاء يراهنون على خيار الطريق الآمن، وإن احتمل عقلاً أن يتحول الشرطة الأخيار (وهم تحت رقابة صارمة) فجأة إلى أشرار، وأنهم يَعُدُّون من يسلك طريق الغابة الخطر لمجرد ذلك الاحتمال العقلي الواهي (أن الأشرار فجأة يتحولون إلى أخيار عشاق له ويكرمونه) من السفهاء بل من أكثر السفهاء سفاهة ويرون تفكيره أشد الأفكار تفاهةً!

الوجه الثاني: وهو أن كل برهان إنما يتكفل البرهنة على ما هو في حدود مقتضاه ولا يتكفل الأكثر من ذلك، فهذا البرهان الذي ذكره الإمام الصادق وبعده المعري والغزالي وباسكال وغيرهم، إنما يتكفل أصل احتمال وجود إله خالق للكون، وأن البناء عليه هو الأسلم الأفضل بلا شك، وهو على تقدير التنزّل، والخطاب فيه موجه لمن يشك في وجوده تعالى، ولا يطمئن للأدلة كبرهان إبطال الدور والتسلسل فرضاً، فنقول له حينئذٍ: لكن هذا الرهان هو الرهان الرابح وذاك الرهان هو الخاسر مثلما ذكرنا سابقا، ولكنه ـ بصيغته الحالية ـ لا يتكفل الأكثر من ذلك، أي لا يتكفل بمجرده إثبات عدم وجود شريك للباري وعدم التثليث مثلاً، إلا إذا جرى تطويره، كما لا يتكفل إثبات ان الله مجرد مثلاً.. بل ذلك يحتاج إلى تتميم أو ضمائم من أدلة أخرى، وذلك ككافة الحقائق التي تفتقر إلى إقامة العديد من البراهين على أصل وجودها تارة ثم على تفاصيل حقائقها، وبذلك تندفع بعض الإشكالات الأخرى على هذا البرهان، ولا حاجة للإطالة باستعراضها مع الأجوبة عليها.

ونحب أن ننبه في الأخير إلى أن رهان باسكال لا يعني الإيمان الحقيقي، ولكنه نافع للمتحيرين كمقدمة للبحث العقلي، وكمخلص للدوافع النفسية التي تدعو للإلحاد، وقد ذكر بعض المتحيرين كيف استفاد منه للوصول إلى الإيمان الحقيقي، فذكر أنه كان في مرحلة من مراحل حياته مؤمنا بوجود الله، لا عن اقتناع عقلي ولكن لأن الإيمان ـ في نظره ـ مناسب له، وملائم للطمأنينة التي يرجو تحقيقها في حياته، ويفتقر إليها الملحد في معيشته المضطربة المتحيرة.. وقد عبر عن هذا بقوله: أنا مؤمن لأن الإيمان يلائمني! ثم ما زال الرجل مستمرا في رحلته الإيمانية، متنقلا من الإشارات الوجدانية إلى البراهين العقلية، حتى تحول إلى الإيمان الحقيقي.

وعلى الداعية للإيمان بعد هذا أن تتوفر لديه الأدلة العقلية الكثيرة الدالة على وجود اليوم الآخر، وقد تكفلت المصادر المقدسة بالإشارة إلى الكثير منها.

فمنها أن قدرة الله تعالى التي أخرجت هذا العالم بهذه الصورة لا تعجز عن أن تنشئه من جديد، وبصور أخرى لا نهاية لها، فقدرة الله لا تحد، كما قال تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) } [يس: 78 – 83]

وقال في آية أخرى: {فَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15]

وقد ضرب الله تعالى لنا الأمثلة المقربة لذلك ببعض مظاهر الحياة التي نرى عودتها بعد الموت، كما قال تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5]، فمن قدر على خلق الإنسان في أطوار متعددة لا يعجز عن إعادته مرة أخرى، بل إن الإعادة أهون من البدء في حكم العقل.

بالإضافة إلى ذلك، فإنه ليس هناك ما ينفيه العقل من شأن البعث والجزاء، إذ العقل لا ينفي إلا ما كان من قبيل المستحيل كاجتماع الضدين، أو التقاء النقيضين، والبعث والجزاء ليسا من ذلك في شيء.

بالإضافة إلى ذلك؛ فإن وجود الحياة الدنيا وما فيها من نعيم وشقاء، شاهد على وجود حياة أخرى في عالم آخر يوجد فيها من العدل والخير والكمال، والسعادة والشقاء ما هو أعظم وأفضل بكثير، بحيث أن هذه الحياة وما فيها من سعادة وشقاء لا تمثل من تلك الحياة إلا ما تمثل صورة قصر من القصور الضخمة، أو حديقة من الحدائق الغناء على قطعة ورق صغيرة([33]).

وقد طرح بديع الزمان النورسي في [رسالة الحشر] الكثير من التساؤلات التي تهدي العاقل لا محالة إلى الإيمان باليوم الآخر نقتصر منها على ما يلي:

أمن الممكن لـمَن له شأن الربوبية وسلطنة الالوهية، فأوجد كوناً بديعاً كهذا الكون؛ لغايات سامية ولمقاصد جليلة، إظهاراً لكماله،ثم لا يكون لديه ثواب للمؤمنين الذين قابلوا تلك الغايات والمقاصد بالايمان والعبودية، ولا يعاقِب أهل الضلالة الذين قابلوا تلك المقاصد بالرفض والاستخفاف..؟!

أمن الممكن لربّ هذا العالم ومالكه الذي أظهر بآثاره كرماً بلا نهاية، ورحمة بلا نهاية، وعزة بلا نهاية، وغيرة بلا نهاية، ان لا يقدّر مثوبة تليق بكرمه ورحمته للمحسنين، ولا يقرر عقوبة تناسب عزته وغيرته للمسيئين؟.. فلو أنعم الانسان النظر في سير الحوادث ابتداءً من أضعف كائن حيّ وأشده عجزاً وانتهاءً بأقوى كائن، لوجد ان كل كائن يأتيه رزقه رغداً من كل مكان، بل يَمنح سبحانه أضعفَهم وأشدّهم عجزاً ألطف الارزاق وأحسنها، ويسعف كل مريض بما يداويه.. وهكذا يجد كل ذي حاجة حاجته من حيث لا يحتسب.. فهذه الضيافة الفاخرة الكريمة، والاغداق المستمر، والكرم السامي، تدلّنا بداهة، ان يداً كريمة خالدة هي التي تعمل وتدير الامور.

ما دام رب هذا العالم ومدبّره له هذا الكرم الواسع، وهذه الرحمة التي لا منتهى لها، وله الجلال والعزة المطلقان، وان العزة والجلال المطلقين يقتضيان تأديب المستخفين، والكرم الواسع المطلق يتطلب اِكراماً غير متناه، والرحمة التي وسعت كل شئ تستدعي احساناً يليق بها، بينما لا يتحقق من كل ذلك في هذه الدنيا الفانية والعمر القصير الا جزء ضئيل جداً هو كقطرة من بحر.

فلابد ان تكون هناك دار سعادة تليق بذلك الكرم العميم، وتنسجم مع تلك الرحمة الواسعة.. والا يلزم جحود هذه الرحمة المشهودة، بما هو كانكار وجود الشمس التي يملأ نورُها النهارَ، لأن الزوال الذي لا رجعة بعده يستلزم انتفاء حقيقة الرحمة من الوجود، بتبديله الشفقة مصيبةً، والمحبة حرقةً، والنعمة نقمةً واللذة ألماً، والعقل المحمود عضواً مشؤوماً.

وعليه فلابد من دار جزاء تناسب ذلك الجلال والعزة وتنسجم معها. لأنه غالباً ما يظل الظالمُ في عزته، والمظلومُ في ذلته وخنوعه، ثم يرحلان على حالهما بلا عقاب ولا ثواب.

فالأمر اذن ليس اِهمالاً قط، وِان اُمهلَت الى محكمة كبرى، فالقضية لم تُهمل ولن تُهمل، بل قد تُعَجّل العقوبة في الدنيا. فانزال العذاب في القرون الغابرة بأقوام عصت وتمردت يبين لنا ان الانسان ليس متروكاً زمامه، يسرح وفق ما يملى عليه هواه، بل هو معرّض دائماً لصفعات ذي العزة والجلال.

أمن الممكن لخالق ذي جلال أظهر سلطان ربوبيته بتدبير قانون الوجود ابتداء من الذرات وانتهاء بالمجرات، بغاية الحكمة والنظام وبمنتهى العدالة والميزان.. ان لا يعامل بالاحسان من احتموا بتلك الربوبية وانقادوا لتلك الحكمة والعدالة، وان لا يجازي اولئك الذين عصوا بكفرهم وطغيانهم تلك الحكمة والعدالة؟.

بينما الانسان لا يلقى ما يستحقه من الثواب أو العقاب في هذه الحياة الفانية على وجه يليق بتلك الحكمة وتلك العدالة الا نادراً، بل يؤخر، اذ يرحل اغلب أهل الضلالة دون ان يلقوا عقابهم، ويذهب اكثر اهل الهداية دون أن ينالوا ثوابهم.. فلابد ان تناط القضية بمحكمة عادلة، وبلقاءٍ آيل الى سعادة عظمى.

نعم، انه لواضح ان الذي يتصرف في هذا الكون انما يتصرف فيه بحكمة مطلقة. فأتطلب برهاناً على هذا؟.. فانظر الى رعايته سبحانه للمصالح والفوائد في كل شئ!.. ألا ترى ان اعضاء الانسان جميعاً سواء العظام منها أو العروق وحتى خلاياه الجسمية وكل جزء منه ومكان، قد روعيت فيه فوائد وحكم شتى، بل ان في اعضاء جسمه من الفوائد والإسرار بقدر ما تنتجه الشجرة الواحدة من الثمار، مما يدل على ان يد حكمة مطلقة تدير الامور. فضلاً عن التناسق البديع في صنعة كل شئ والانتظام الكامل فيها اللذان يدلان على ان الامور تؤدى بحكمة مطلقة.

إلى آخر ما ذكره في الرسائل من خطابات وبراهين توجه لأصحاب العقول السليمة، التي تحاول التعرف على حقيقة الوجود كما هو في الواقع، لا كما ترغب.


([1])  جان بول سارتر (1905 -1980) فيلسوف وروائي وكاتب مسرحي كاتب سيناريو وناقد أدبي وناشط سياسي فرنسي.. من مؤلفاته: الوجود والعدم (1943) والكتاب المختصر الوجودية مذهب إنسانى (1945) أو نقد العقل الجدلي (1960) وأيضا النصوص الأدبية في مجموعة القصص القصيرة مثل الحائط أو رواياته مثل الغثيان (1938) والثلاثية طرق الحرية (1945). كتب سارتر أيضا في المسرح مثل الذباب (1943) والغرفة المغلقة (1944) والعاهرة الفاضلة (1946) والشيطان والله الصالح (1951) ومساجين ألتونا (1959)، وغيرها.

([2])  نقلا عن: القس أنجيلوس جرجس، وجود الله وصور الإلحاد 85.

([3])  الشيطان والإله الطيب ص 131.

([4])  انظر: رحلة في قلب الإلحاد.

([5])  انظر هذه النصوص وغيرها كثير في كتاب [ما قاله الملاحدة ولم يسجله التاريخ]

([6])  الإلحاد.. نشأته وتطوُّره ج 1 ص 169.

([7])  دراسات في علم اللاهوت، القمص بولس عطية بسليوس،  ص 265، 266.

([8])  ملحدوث محدثون ومعاصرون، د. رمسيس عوض،  ص 71.

([9])  انظر مقالا بعنوان: في آخر حوار معه الدكتور عبدالرحمن بدوي، نعم.. عدت إلى الإسلام بعد اغتراب ستين عاماً، أجرى الحوار: صلاح حسن رشيد، مجلة الحرس الوطني.

([10])  انظر: مقالا مهما حول الموضوع بعنوان: سيكولوجية الدين عند وليم جيمس، منتهى عبد جاسم، نشره موقع: الحوار المتمدن، العدد: 3352 – 2011 / 5 / 1.. وانظر: البراغماتية، والعقل والدين، لوليم جيمس، والعقل الامريكي يفكر، لشوقي جلال، وقصة الفلسفة الحديثة، لزكي نجيب محمود واحمد امين، ودراسات في الفلسفة المعاصرة، لزكريا إبراهيم.

([11])  انظر: أثر الإيمان بالله تعالى في تحقيق الأمن النفسي، د. عبدالرحمن بن معلا اللويحق.

([12])  رواه مسلم (8/227)

([13])  انظر: التوحيد والعدل في فكر الشهيد مرتضى مطهري، جمعية المعارف الإسلامية الثقافيّة، مركز نون للتأليف والترجمة..

([14])  الكلمات، النورسي،  ص 350.

([15])  الكلمات، النورسي،  ص 351.

([16])  الكلمات، النورسي،  ص 351.

([17])  انظر: الأمثال في رسائل النور، د. الشفيع الماحي أحمد.

([18]) الكلمات، الكلمة الثانية.

([19]) هذا هو السر الذي عزا إليه المحققون من العارفين سر عدم إمكان معرفة الجماهير للروح، وقد تحدث الغزالي عن ذلك  عند ذكره للأسرار التي يختص بها المقربون ولا يشاركهم الأكثرون في علمها ويمتنعون عن إفشائها إليهم، فقال القسم الأول: أن يكون الشيء في نفسه دقيقاً تكل أكثر الأفهام عن دركه فيختص بدركه الخواص وعليهم أن لا يفشوه إلى غير أهله فيصير ذلك فتنة عليهم حيث تقصر أفهامهم عن الدرك. وإخفاء سر الروح وكف رسول الله a عن بيانه من هذا القسم فإن حقيقته بما تكل الأفهام عن دركه وتقصر الأوهام عن تصور كنهه. ولا تظنن أن ذلك لم يكن مكشوفاً لرسول الله a فإن من لم يعرف الروح فكأنه لم يعرف نفسه ومن لم يعرف نفسه فكيف يعرف ربه سبحانه؟ ولا يبعد أن يكون ذلك مكشوفاً لبعض الأولياء والعلماء وإن لم يكونوا أنبياء ولكنهم يتأدبون بآداب الشرع فيسكتون عما سكت عنه بل في صفات الله عز وجل من الخفايا ما تقصر أفهام الجماهير عن دركه ولم يذكر رسول الله a منها إلا الظواهر للأفهام من العلم والقدرة وغيرهما حتى فهمها الخلق بنوع مناسبة توهموها إلى علمهم وقدرتهم إذ كان لهم من الأوصاف ما يسمى علماً وقدرة فيتوهمون ذلك بنوع مقايسة. ولو ذكر من صفاته ما ليس للخلق مما يناسبه بعض المناسبة شيء لم يفهموه)( انظر: الإحياء: 1/100)

([20]) الإحياء:3/5.

([21]) وضع مكدوغل 14 غريزة، أضاف إليها غرائز أخرى، ومن أهمها غريزة المقاتلة، البحث عن الطعام، التملك، الجنس، الابوة، الراحة، النوم، وقد كان مكدوغل يعبر عن هذه الغرائز بالغرائز الفطرية. إلا أن آراءه هذه لقيت بعض النقد، ومن أهم ما وجه اليها من نقد:

1. تنافي اتجاه الغرائز الفطرية مع الاتجاه العلمي للبحث، وكونها خارجة عن إطار السيطرة والتحكم، اذ أن الغريزة من الأمور الانفعالية.

2. التشكيك في عدد الغرائز المطروحة (بين 14 و36) ويصل العدد، في رأي وليم جيمس، الى مئة غريزة.

3. يرى علماء الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع أن الاختلاف، في سلوك الإنسان، يعود إلى الاختلاف في الثقافة بين مجتمع وآخر، فتنتفي بعض الغرائز عند بعض المجتمعات، كغريزة المقاتلة، مثلا، إذ أن بعض المجتمعات، كالهنود الحمر، في كندا، يتنازلون عن الممتلكات تعبيرا عن الفوز بالمعركة، كان تحدي الانسان لدافع التملك دليل على الفوز.

([22])  هو فيلسوف أمريكي يؤمن بالتوافق بين الإرادة الحرة والحتمية، وهو من أركان الإلحاد الأربعة، وأقلهم شهرة وصيتاً، وصاحب كتاب [الدين كظاهرة طبيعية] الذي نشره في العام 2006 والذي حاول فيه (كما هو واضح من اسمه) أن يشرح نشأة ووجود الدين على أسس علمية وفلسفية.. وقد حقق كتابه هذا حوالي نصف رقم المبيعات الذي حققه كتاب سام هاريس [نهاية الإيمان]

([23])  المقابلة موجودة على حساب مؤسسة دوكنز(Richard Dawkins Foundation for Reason & Science) على اليوتيوب.

([24])  من كتاب نظرة خلف الستار : بائعو التشكيك تحت المجهر – سامي أحمد الزين – مركز دلائل – الطبعة الأولى 1437هـ/2016م).

([25])  انظر: الإلحاد ومعنى الحياة، ليث البرزنجي، الحوار المتمدن-العدد: 1164 – 2005 / 4 / 11 – 11:15 .

([26])  نقلا عن: الأسس اللا عملية في الإلحاد.. (معنى الحياة) نموذجًا، عمرو بسيوني، موقع الباحث عن الحقيقة.

([27])  Alister McGrath , THE TWILIGHT OF ATHEISM , 34ـ35..

([28])  انظر النص بطوله في : اللمعات/ 351.

([29])  حوار مع صديقي الملحد.

         ([30])  الكافي، ج1 ص74..

([31])  بليز باسكال (19 يونيو 1623، 19 أغسطس 1662)، فيزيائي ورياضي وفيلسوف فرنسي اشتهر بتجاربه على السوائل في مجال الفيزياء، وبأعماله الخاصة بنظرية الاحتمالات في الرياضيات هو من اخترع الآلة الحاسبة. استطاع باسكال أن يسهم في إيجاد أسلوب جديد في النثر الفرنسي بمجموعته الرسائل الريفية..

([32])  استفدنا أكثر ما ذكرناه حول هذا الرهان من مقال مهم بعنوان: الصراط المستقيم في الحجج والبراهين: رهان باسكال، آية الله السيد مرتضى الشيرازي، شبكة النبأ.

([33])  انظر في ذلك مقالا بعنوان: الأدلة العقلية على إثبات اليوم الآخر والبعث والحساب والجزاء.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *