الآيات الباهرة

الآيات الباهرة

في تلك اللحظات، جاءني رجل على أريكته العجيبة المتحركة، واقترب مني، وقال: كما أن الصنعة تحتاج إلى صانع.. والتصميم إلى مصمم.. والإبداع إلى مبدع.. والنظام إلى منظم.. فإن الآية تحتاج إلى عليم قدير لطيف له من الكمال ما يعجز العقل عن معرفته.. فهلم بنا إلى روضة [الآيات الباهرة]، لتسمع من رفاقي في الإيمان كيف رحلوا إلى الله عن طريق النظر في آياته الباهرة، ومعجزاته الخارقة.

قلت: أراك تريد أن تأخذني إلى أقوام الأنبياء الذين عاينوا المعجزات، ورأو الآيات الباهرات، مثل ناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة المسيح؟

قال: وهل الآيات والمعجزات خاصة بذلك؟

قلت: هذا ما نعرفه.. ولذلك نرى من ملاحدة قومنا من يطلبون المعجزات الحسية الخارقة ليؤمنوا.. فيتوقف المؤمنون عن جوابهم، لأن ذلك يرتبط بالرسل، وليس بآحاد الناس.

قال: لو أنكم قرأتم القرآن الكريم لعرفتم أن الآيات والمعجزات مبثوثة في كل شيء، وان اسم الله موضوع في كل مسمى، بل لا مسمى من دونه.

قلت: أنت تذكرني بقول أبي العتاهية:

وفي كل شيء له آية

  تدل على أنه واحد

قال: وأذكرك قبله بقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، وغيرها من الآيات الكثيرة التي تدعو إلى النظر في الآيات المبثوثة في الكون.. فكل آية منها دليل قائم بذاته على الله.

قلت: لقد ذكرتني بعلم من أعلامنا المعاصرين([1]) صاغ هذا النوع من الأدلة صياغة منطقية، فقال: (والحجة القرآنية هذه يمكن وضعها في هذا الشكل المنطقي، كأن نقول مخاطبين الملحد: أنت تعلم من نفسك أنك حادث وجدت بعد أن لم تكن.. فإما أن تكون قد وجدت من العدم أو أن شيئاً أوجدك.. من المستحيل أن توجد من العدم.. إذن فقد أوجدك شيء.. هذا الموجد إما أن يكون نفسك أو أن يكون غيرك.. من المستحيل أن تكون أنت الذي أوجدت نفسك.. إذن لابد أن يكون شيء غيرك هو الذي أوجدك.. هذا الغير إما أن يكون مثلك في حاجته إلى من يوجده أو لا يكون..لا يمكن أن يكون مثلك؛ إذ ما قيل عنك سيقال عنه أيضاً.. لابد إذن أن يكون خالقاً بنفسه غير مفتقر إلى من يوجده؛ وهذا هو الله تعالى)

قال: صدق في ذلك.. فكل شيء خلقه الله آية دالة عليه.. وهلم بنا إلى أصحابنا ليحدثوك عن آيات الله في خلقه، وكيف أنقذتهم من جحيم الإلحاد، وقذفت بهم في جنان الإيمان؟

سرت معه بين تلك الجنات، كما طلب مني، إلى أن رأيت روضة لا يمكن وصف جمالها، فقد كانت معجزة بكل ما في الكلمة من معنى، حتى أن اللغة لا تسمح بوصف ما فيها.

برهان الكون:

ما إن وصلنا، واستقر بنا المجلس في تلك الروضة البديعة، وسلمت على ذلك الجمع المنور بنور الإيمان، وسلموا علي، حتى قال أحدهم مخاطبا رسولهم الذي جاء بي إليهم: فلتبدأ أنت يا صاحب النفس الطاهرة، والعقل السليم لتحدثنا عن رحلتك إلى الله، وكيف تمت، وكيف خرجت من سجون الملاحدة وجحيمهم، لتنال فضل الله بالدخول إلى روضات جنات المؤمنين؟

قال: لا أزال أذكر تلك الأيام جيدا، حينها كنت أصيح في كل حين في وجوه المؤمنين: إن كان لإلهكم وجود فليرنا نفسه، أو ليعلن عنها، أو ليظهر آية من الآيات حتى لو كانت بسيطة.. فلا يمكن أن نؤمن بشيء من غير أن يظهر نفسه.

وكنت أضيف إلى هذه الكلمات الكثير من التصرفات التهريجية التي أتحدى بهم المؤمنين، فأضع ورقة صغيرة على الطاولة، وأقول لهم: أنتم تزعمون أن إلهكم قادر على كل شيء.. ما دام كذلك، فليظهر نفسه برفع هذه الورقة، ولو مترا واحدا.. بل حتى سنتمتر.. أو ملمتر.

ثم أمكث مدة أنتظر.. وبعدها أقول لهم: هل رأيتم عجز إلهكم؟.. إنه لا يستطيع رفع ورقة مع أننا أعطيناه وقتا كافيا لفعل ذلك.

ثم أطلب من صبي من الصبيان أن يحمل الورقة، ويرفعها، ثم أقول: ها أنتم رأيتم بأم أعينكم أن هذا الصبي الصغير أقوى من إله المؤمنين.

وكان المؤمنون عندما يسمعون هذا يتألمون، ولا يجدون ما يقولون، وإن كانوا في قرارة قلوبهم يتمنون لو أن الله حقق المعجزة، ورفع الورقة.. أما غيرهم، فكانوا يضحكون ويصفرون ويرقصون ويتصورون أنني قد وضعت حجرا في أفواه المؤمنين بتلك اللعب التي ألعبها.

لكني في قرارة نفسي لم أكن مقتنعا بما أقول، فالله ليس ملزما أن يستجيب لأمثالي من الساخرين، ولو أنه فعل ذلك لأصبح الكل يطالبه بما يشاء، ولتغير نظام المجتمع، بل نظام الكون لأن هناك من لا يقنع برفع الورقة، فيطالبه بأن يغيب الشمس، أو يحول الليل نهارا والنهار ليلا.. أو يقتل فلانا.. أو يحيي ميتا.. وهكذا يصبح الكل يتدلل على الله، ويطالبه بالمعجزات ليمن عليه بعد ذلك بالإيمان.. وكأن الله مفتقر لخلقه حتى يؤمنوا به.

وعندما أعود إلى بيتي، ويعود إلي الكثير من عقلي أدرك أنني لم أكن أمارس احتجاجات عقلية، بل كنت أمارس مغالطات تهريجية لا علاقة لها بالمنطق، ولا بالعقل.

بل إنني كنت أشعر أنني لم أكن أغالط إلا نفسي، فأين الإلحاد، وأين المنطق؟.. وهل يمكن أن يكون الملحد منطقيا أو عقلانيا؟.. وكيف يكون كذلك، وهو لا يؤمن إلا بالمادة، والمادي لا يمكنه أن يؤمن بقوانين المنطق، لأنه يعتقد بأن كل شيء في الوجود مادة فقط.. وقوانين المنطق ليست مادية.. ولهذا فإن قوانين المنطق لا يمكن أن تتواجد في العالم الإلحادي.. وبالرغم من ذلك، فإن المُلحد يناقض نفسه حين يستخدمها..

إنه في ذلك يشبه الشخص الذي يذكر أنه لا يؤمن بالهواء، وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يعيش من دون هواء.. هكذا هو الملحد بالضبط، هو ينكر السيارة التي يركبها، ويجحد العقل الذي يستعمله، ويغفل عن الحقيقة التي يستند إليها وجوده.

***

أذكر أني التقيت بعد نهاية بعض تلك التهريجات قسا مسيحيا، فقلت له ساخرا: هل تؤمن بأن المسيح مشى على الماء؟

فقال لي: أجل.. وأنت هل تؤمن بأن الماء وجد هكذا وحده من لا شيء؟

قلت: أجل.. أنا أؤمن بذلك.

قال: فلماذا تنكر علي معجزة أنت تؤمن بما هو أخطر منها.. فإن قلت لي: أثبت لي بأن المسيح مشى على الماء.. فإني سأقول لك أنا أيضا: أخرج لي لترا أو قطرة من الماء من لاشي..

ثم قال لي: أنا أؤمن بإله خالق يستطيع أن يُعطل أو يعّلق قوانين الطبيعة التي خلقها، ويمارس ما شاء فيها من المعجزات، لأنه لا شيء يعجزه.. وقد دلني الدليل العقلي على ذلك.. ذلك أنه أثبت لي قدرته بكل هذه الآيات المعجزات التي أراها.. وبذلك فأنا لا أقفز على عقلي، ولا أؤمن بالخرافة.. لأني ما دمت مؤمنا بأن الله خالق كل شيء في الكون، فليس من الغرابة أن أؤمن بأنه ليس مقيدا بقوانين الكون الذي خلقه هو، ووضعها هو.. وبذلك فإن الله ما دام خلق الماء، فإنه بالتأكيد يستطيع أن يجعل في أي شخص شاء القدرة على أن يمشي عليه.

***

ثم قال لي، وهو يبتسم([2]): أنتم أيضا تؤمنون بالمعجزات التي تنسبونها للصدفة والطبيعة.. بل إن معجزاتكم أخطر من معجزاتنا، لأننا ننسب معجزاتنا لعاقل عليم خبير، وأنتم تنسبون معجزاتكم لطبيعة عمياء بكماء صماء لا عقل لها.. ونحن ننسبها لإله مريد يعرف ماذا يفعل.. وأنتم تنسبونها لطبيعة عشوائية لا تعرف شيئا.

ثم قال لي بعد أن صمت أمامه، فلم أجد ما أقول له: أخبر أصدقاءك التطوريين الذين يذكرون أن النجوم والكواكب تشكلت عندما ضغطت أجزاء من المادة والغاز ضغطا تلقائيًا أنهم ينتهكون قانون العالم [بويل] عن الغازات، والذي يصرح بأن الغازات لا يمكن ضغطها بدون آليات داخلية.. فما هي الآليات التي تدخلت هنا؟

لم أجد ما أجيبه به، فقال: لا شيء.. إنهم يذكرون أنها حدثت بنفسها.. أي أن كل ذلك حصل معجزة.. وهم يعتقدون بأن الكائنات البيولوجية تستطيع أن تنتج نسلا عالي التعقيد بواسطة الانتقاء الطبيعي.. مع أن هذا ليس علما، بل إنه يدخل في نطاق المعجزات.

ثم سكت قليلا، وقال: أخبرهم أن لديهم من المعجزات في ديانتهم التطورية ما يفوق ما لدينا من معجزات.. لأن كل ما نؤمن به ليس خوارق، وإنما هي حقائق لأنها مستندة لقدير على كل شيء، والقادر على كل شيء لا يعجزه شيء.

***

التقيت بعده رجلا من المسلمين، رحت أسخر منه قائلا: أليس في كتابكم المقدس هذه الآية: { قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69]

فقال: أجل.. هي فيه.. ونحن نعتقد بموجبها، وموجب غيرها من الآيات أن النار لا تحرق إلا بإرادة الله، فإذا شاء الله لها أن تحرق أحرقت، وإن لم يشأ لم تفعل.. ونعتقد فوق ذلك أن الماء مائع بمشيئة الله، فإذا شاء الله له أن يكون صلبا صار صلبا.. لقد ذكر كتابنا المقدس ذلك، فقال: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ } [الشعراء: 63]

قلت: ألا ترى أنك بهذه الاعتقادات لم تبق إنسانا عصريا ولا علميا، بل عدت إلى القرون البدائية الممتلئة بالجهل والخرافة؟

قال: لا تقل هذا، فالجهل والخرافة موجودة في كل العصور، ولا علاقة لها بعصر دون عصر.. وما دمت مؤمنا بأن هناك إلها خالقا لهذا الكون، فإني لا أستطيع أن أفرض عليه ما يفعل.. لأن علمي لم يبلغ مبلغ علمه، ولا قدرتي بلغت مبلغ قدرته.. فلذلك كان العلم والعقل يقتضي مني أن أسلم له.. مثلما أسلم جسدي للطبيب الخبير، ومثلما أسلم كل أموري للخبراء الذين أثق فيهم من دون أن أجادلهم.

لقد ذكر ربي ذلك في رسائله التي خاطبنا بها عندما أراد أن يقنعنا بوجود البعث والحياة بعد الموت.. فقد قال: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) } [يس: 78 – 83]

فهذه الآيات الكريمة تثبت أن صاحب القدرة المطلقة يمكن أن يفعل ما يشاء، {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [البقرة: 117]

قلت: أرى أن دينكم حول عقولكم إلى سلة للمهملات لا يمكن أن ينفع فيها منطق ولا عقل.

قال: لا بأس سأسلم لك جدلا بأني أعتقد بالخرافات.. وتعال لنقيس خرافاتي وخرافاتك.. فهل تراهنني على ذلك؟

قلت: بماذا؟

قال: بما شئت.. وبما أنك لا تؤمن إلا بالمادة.. فحدد المبلغ الذي تشاء لأراهنك عليه، وحكم بيننا من تشاء من الناس.

لم أدر ما أجيبه به، لأني أعلم مدى ضحالة المنطق الذي أفكر به.. فقلت: دعنا من هذا، وأثبت لي ما نقول، فنحن نتحاور لا نتقامر.

قال: أحسنت في هذا.. واعذرني لأني استعملت الأسلوب الذي يستعمله أصحابك لأني ظننتك مثلهم.. وما دمت قد قلت هذا، فلا شك أنك أعقل منهم بكثير.

قلت: هات التحدي الذي أردت أن تتحداني به.

قال: أرأيت إن رأينا آلة عظيمة تستطيع أن تقوم بوظائف كثيرة.. فذكرت لك أن صاحبها الذي اخترعها والعارف بتفاصيلها يمكنه أن يعطلها متى شاء، بل يمكنه إذا أجرى عليها بعض التعديلات التي لا نراها أن يحولها إلى أداة لوظائف أخرى.. هل أكون في ذلك مخطئا أو خرافيا؟

قلت: لا.. لن تكون كذلك.. فمصمم الآلة أدرى بتفاصيلها.. ولذلك هو يحتفط من معارفها وتقنياتها ما لم يبثه لسائر الناس.

قال: فإذا ما قال شخص: إن ذلك مستحيل.. وإن صاحبها لا يستطيع ذلك.

قلت: من السهل الرد عليه.. فما علينا إلا أن نطلب من صاحبها أن يدله على بعض التفاصيل التي لم يرها غيره.

قال: فطبق هذا على صنعة الله.. فنحن نؤمن بأن الله هو الذي صمم آلة هذا الكون العظيم بكل تفاصيلها.. ولذلك ـ باعتبار علمه وقدرته بتفاصيلها ـ يمكن أن يفعل ما يشاء، مما نعقله ومما لا نعقله.. لأن عقولنا لن ترقى لمبلغ علمه.

قلت: أصدقك في هذا لو كنت أؤمن بإله.. وأنا لا أؤمن بإله.

قال: في ذلك الحين أنت أشد خرافة من الذي اعترف بصاحب الصنعة، وأنكر قدرته على تغييرها.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لأنك تؤمن بالكون.. وتؤمن بحدوثه.. وأنه كان وقت من الأوقات لا يوجد زمان ولامكان.. ثم فجأة وجد المكان والزمان، ووجد هذا الكون العظيم.. ووجدت الحياة بتفاصيلها من لا شيء.

قلت: أجل أنا أؤمن بهذا.. وهو منطقي وبديهي.

قال: إن هذا يشبه من يعتبر تلك الآلة التي ذكرناها ليس لها صانع، وإنما جاءت لوحدها من دون أن يكون لها مصمم أو صانع أو عليم أو قدير.

***

التقيت بعده آخر، وكان عالما في الفيزياء النظرية، ويرأس كلية الرياضيات في إحدى الجامعات الكندية، وكان من الحائزين على إحدى الجوائز العالمية في مجال تخصصه، قال لي، وهو يعاتبني([3]): ألا ترى أنك تسرف في السخرية من المؤمنين، فلو أنك أبدلت أسلوبك ذلك بأسلوب أكثر علمية وعقلانية؟

قلت: لا ينفع معهم إلا ذلك.. فما ترجو ممن يؤمن بالخرافات والأباطيل.. وهل تريدني أن أسكت عمن يملأ عقول البشر بالضلالات والأوهام؟

قال: لا بأس.. لك أن تفعل ذلك.. ولكن عليك أيضا أن تعممه على جميع من ينشر الخرافات.. وليس على أهل الأديان وحدهم.. هكذا يقتضي المنطق والعلم.

قلت: ما تقصد؟

قال: أقصد كل من يؤمن بخرافة.. أو آمن بها في وقت من الأوقات حتى لو نسب للعلم وللبحث العلمي.

قلت: أجل.. فالكثير من رجال الدين ينسبون أنفسهم للعلم من غير أن يكون لهم حظ فيه.

قال: من رجال الدين وغيرهم.. ما تقول في نيوتن وأعلام الفيزياء التقليدية؟

قلت: لا شك أنهم من كبار العلماء، وهم الذين خلصوا البشرية من كثير من الأوهام التي سببها الدين.

قال: ألا ترى أن النظام الذي جاء به نيوتن ومن معه للكون لم يعد له مبرر، فالمادة فى رأى نيوتن مكونة من جسيمات كبيرة وصلبة ومتحركة وغير قابلة للاختراق وذات أحجام وأشكال مختلفة.. أما خواص المادة فيعدد منها نيوتن التمدد والصلابة واللااختراقية والقصور الذاتي.. وأما طبيعة هذه الجسيمات وخواصها، فهي عنده ثابتة إلى الأبد.. والذرة عنده أصغر جسيم يمكن تصوره.. أما الزمان والمكان فكلاهما فى تصور نيوتن حقيقتان مطلقتان.. أى أنهما سيظلان موجوديين حتى لو فنيت كل الأشياء المادية فى الكون.. وهو يعتبر المكان مطلقا بطبيعته ذاتها ودون علاقة بأى شىء خارج عنه، ويظل متماثلا وغير متحرك.. ويعتبر الزمان مطلقا.. ويعتبر التغيرات التى تطرأ على الاشياء المادية قاصرة على مختلف عمليات انفصال هذه الجسيمات الثابتة وعلى عمليات اتحادها وحركاتها الجديدة..

قلت: أجل.. كل ما ذكرته من ذلك صحيح.

قال: فهل يعتبر الفيزيائيون المحدثون ما ذكره نيوتن حقيقة أم خرافة؟

لم أدر ما أجيبه، فقال: لا بأس.. سأطرح السؤال عليك بطريقة أكثر تهذيبا، ومراعاة للمشاعر، فأنا أعلم قيمة نيوتن وزملائه عندكم.. أخبرني لو أن باحثا في مخبر من المخابر الفيزيائية لم يدرس إلا فيزياء نيوتن ولا يؤمن بها، هل يمكن قبوله في هذه المخابر؟

قلت: مع أن نظام نيوتن لقي نجاحاً في العديد من المجالات، ولاسيما في مجالي الفيزياء والكيمياء، وأحرز تقدماً بفضل جهود علماء من أمثال فاراداي وكلفن وهيرشل ومئات غيرهم، وتمت له الغلبة بشرحه ظواهر الحركة والحرارة والضوء والكهرباء، إلا أن نظامه يعتبر في الوقت الحالي عتيقا وبدائيا.. فالعلم تطور كثيرا في هذا المجال.. ولذلك دخلت معلومات نيوتن في إطار التاريخ، وخرجت من إطار العلوم.

قال: كيف ذلك؟

قلت: لقد حصل في القرن العشرين فتوحات علمية جديدة باهرة، ولكنها للأسف لم تكمل فيزياء نيوتن، بل أطاحت بها.. فقد هدم أينشتاين في عام 1905 ركنين أساسيين من أركان النظام القديم.. ذلك أن نظرية النسبية الخاصة قادت علم الفيزياء إلى التخلى إلى الأبد عن فكرتي المكان المطلق والزمان المطلق.. حيث أثبت أينشتاين أن علاقات المكان والزمان وقوانين الحركة لايمكن تعريفها إلا بوصفها الموقف الشخصي للمراقب ولظروفه المادية.. أما السمات الأخرى لنظرية النسبية الخاصة، كتكافؤ المادة والطاقة، فهي في الواقع نتائج مترتبة على محورية المراقب.. وبفضل النسبية الخاصة أضحى المراقب فجأة جزءا أساسياً من عالم الفيزياء، ولم يعد في مقدور الباحث العلمي أن يعتبر نفسه متفرجاً حيادياً كما في نظام نيوتن.

قلت: هل هذا ما حصل فقط؟

قال: لا.. لم يحصل هذا فقط.. بل حدثت ثورة متشابهة في فيزياء الجسيمات.. فقد أثبت ايرنست رزرفورد عام 1911 أن الذرة تتكون من نواة متناهية الصغر يحيط بها حشد من الإلكترونيات.. وحاول الفيزيائيون أن يفسروا تركيب الذرة استناداً إلى فيزياء نيوتن، غير أن كل محاولة من محاولاتهم كانت تسفر عن تناقضات تبعث على الإحباط.. وأخيراً أدى هذا الفشل إلى التخلى كلياً عن نظام نيوتن على المستوى الذري وإلى التعجيل بتطوير ميكانيكا الكم في العشرينات من هذا القرن على أيدي علماء من أمثال نيلزبور وفيرنرهابزنلبلاغ.. وبمجيء ميكانيكا الكم تضاعفت أهمية دور المراقب في النظرية الفيزيائية.

قال: فأنت بقولك هذا أثبت أن نظرية النسبية وميكانيكا الكم تمثلان خروجا مشتركاً بينهما على تفسير نيوتن بإدخالهما العقل في المعادلة.

قلت: أجل.. فقد أكدت الفيزياء في القرن العشرين تدريجياً على أن الفكر يقوم بدور جوهري في الكون.

قال: ألا ترى أن الأمر أصبح مثيرا.. وأن العلم أصبح متجها أكثر للإله؟

قلت: كيف ذلك؟

قال: أن يصدر التأكيد على دور العقل في علم الفيزياء محير.. ذلك أنه إن قدر للمادة وللمذاهب المادية أن يصادفوا نجاحاً في أي مكان، فإن أول نجاح يمكنهم توقعه هو في مجال دراسة المادة ذاتها.. أي في علم الفيزياء.. والتي أضافت إلى المادة والقوانين الطبيعية العقل، والذي أصبح عنصرا فعالا بعد أن لم يكن شيئا مذكورا في النظرية القديمة.

***

لم أجد ما أجيبه به، فقد كان كلامه في غاية الدقة والمنطقية.. لكني مع ذلك لم أستسلم، بل رحت أمعن في كبريائي، ورحت أتبع أولئك الذين امتلأوا كبرا على الحقائق، فراحوا يفرضون المحال، ويتعلقون بخرافات جديدة، لا لشيء إلا لإثبات عدم حاجة الكون لإله.

لقد ذهبت إليهم لينقذوني من أسئلة المؤمنين المحيرة.. فراحوا يطرحون علي جيلا جديدا من الحيل سموه بأسماء متعددة منها([4]) [الأكوان المتعددة]، و[نظرية الأوتار]، و[النظرية (إم)]، وراحوا يطلبون مني أن أبشر بها..

أذكر جيدا أنني سمعت حينها وينبرغ يقول لزميله دوكينز: (إذا اكتشفت أن هذا الكون المدهش معد فعلياً بعناية، فأعتقد أنه ليس أمامك ساعتها إلا أحد احتمالين، إما خالق عظيم، وإما أكوان متعددة)

وبما أنه لم يكن من السهل علينا تقبل الخالق العظيم، فقد رحنا نبشر بكل بلاهة بالأكوان المتعددة، على الرغم من أنه كان من المستحيل إثبات وجودها علميا، وفوق ذلك إثبات نشأتها ومصدر قوانينها وثوابتها الفيزيائية.

لقد قال لنا حينها صديقنا الفيزيائي [ليونارد سوسكايند]: (إن الثابت الكوني من الرهبة بمكان بحيث أنه يصير بهذا المقدار الذي لا يسمح بتدمير النجوم والكواكب والذرات، لكن ما هذه القوة الغامضة والعجيبة التي استطاعت أن تحسب هذا الموقف المعقد للغاية؟ إن قوانين الفيزياء متوازنة على حافة سكين حاد للغاية، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يطرح أسئلة كبيرة)

وقد حاول صديقنا الآخر [البروفيسور لورنس كراوس] أن يعطينا بدائل أخرى، حيث ذكر في كتابه [كون من لاشيء] إمكانية انبثاق الكون المادي من العدم من تلقاء نفسه.. ولم يلتفت إلى أنه حاول خداع قرائه بأن (اللاشيء) هو (العدم) نفسه.. لأن اللاشيء مقبول في اللغة، لكنه مغالطة كبيرة في الفيزياء.. فحسب فيزياء الكم لا يوجد فراغ، أي ليس هناك شيء هو عدم محض.. فالعدم هو نقيض الوجود أصلا، ولا يمكن للعدم أن يوجد، وقياس طاقة الفراغ في زمن محدد يجب أن يحوي قدرا ما من الطاقة حتى لو كان للجسيمات الافتراضية التي تظهر وتختفي، وهو ما يسمى بالقدر الأدنى من الطاقة الممكنة، فلا يمكن إذن أن يوجد هذا العدم المحض ليكون هو أصل الكون.

لكني مع ذلك كله أعجبتني فرضية الأكوان المتعددة، فرحت أبشر بها، وكأنها حقيقة مطلقة، بل كأنها وحي تنزل علينا لينقذنا من براهين المؤمنين.

***

لقد كنت أقول في محاضراتي الممتلئة بالتهريج والعبث: إن دقة ضبط الكون التي يستند إليها المؤمنون في نفي الصدفة والعشوائية لا مبرر لها تحت ستار العلم الجديد.. فقد ذكر أعلامنا المعاصرون الكبار من أمثال ستيفن وينبرج، وستيفن هوكينج، وغيرهما أن هذا الضبط المدهش يمكن أن يكون له تفسير إذا افترضنا أن هناك أوتارا تهتز في الوجود ينتج عنها معا أكوان مثل الفقاعات.. أي أكوان متعددة.. وبعدد مهول جدا.. وبتوليفات من القوانين والثوابت العشوائية المغايرة لكوننا..ولذلك من المستغرب أن يكون كوننا هو الوحيد الذي ظهر منها بهذا التوليف الذي سمح له بأن يكون كما هو الآن بما فيه ظهور الحياة وظهور الإنسان.

كنت أقول هذا.. ثم أضع بين أيديهم أرقاما وصورا وجداول كثيرة.. أنا نفسي لم أكن أفهمها.. ولكني كنت أفعل ذلك حتى أجعلهم يعتنقون ما أريد من أفكار، فقد اكتشفت أن الغموض والتعمية هي الطريقة الوحيدة لنشر الفكر الإلحادي.

أذكر أنني بعد انتهائي من بعض محاضراتي في هذه النظريات التي كنت أمليها على أصحابي كما تملى الكلمات الإلهية المقدسة التقيت بعض المؤمنين، ولست أدري من أي دين كان، قال لي: هلا شرحت لي ما كنت تقوله، لأني أريد أن أسألك عن بعض ما خطر بالي نحوه.. ولا تخف.. فأنا لست من المؤمنين.. أنا ملحد مثلك.. ومن مؤسسة إلحادية كبرى تابعة لدوكينز.

قلت: مرحبا بك.. في الحقيقة أصبح هذا النوع من الطروحات الجديدة هو موضة العصر، ولذلك أنصحكم بتعلم كل ما يرتبط به للقضاء التام على كل شبهات المؤمنين.

قال: فعلمني من ذلك ما ينفعني.

قلت: هناك اقتراحات كثيرة تتعلق بالكيفية التي قد تكون تكاثرت بها هذه الأكوان، وبالأمكنة التي قد تشغلها.. منها مثلا أنها قد تكون موجـودة في بقاع من الفضاء بعيدة جدا عن موقعنا، وهذا ما توصـل إليه نموذج التضخم الشواشي الذي أنجزه (كوت) و(لنـد) وآخرون([5]).. ومنها أنها قد تكون نشأت في عصور مختلفة من الزمن، وهذا ما نصَّ عليه نموذج الكون الدوري الــــذي اقتــرحـــــه (ســـتاينهـــارت) و(تـوروك).. وقــــد تكــــون فـي فــضــــائنــــا نفســـه، ولكــــن فـي فـــــرع مخـتـــلـــــف مــــن دالـة الموجة الكمومية، وهـذا ما دافـع عنـــه (دوتش)([6]).. وربّما لا يكون لها موقع لكونها منفصلة كليا عن زمكاننا، وهذا ما اقترحه (تكمارك) و(سكيام)([7])..

ومهما يكن فالخلاف بينها بسيط، وهي مجرد اقتراحات، ونحن لا يهمنا منها إلا استخدامها في مواجهة المؤمنين.. لأنها لم توضع إلا لذلك.

قال: فهلا وضحت لي نموذجا منها أبشر به، مثلما تفعل أنت.

قلت: أجل.. لك ذلك ما دمت من تلاميذ دوكينز، فهو صديقنا الغالي الذي لا نستطيع أن نرفض له ولا لتلاميذه طلبا.. اسمعني جيدا.. إن أكثر الخيارات قبولا على نطاق واسع هو نموذج التضخم الشواشي، وفكرته هي أن الفضاء بمعناه الواسع، هو خلاء يتمدد إلى الأبد، ويرافق هذا التمدد آثار كمومية تولد باستمرار أكواناً جديدة.. مثله مثل الطفل الذي يذر فقاقيع الصابون في الهواء.

ويعود هذا المفهوم إلى الثمانينات من القرن العشرين، وقد درسه الفيزيائيون بالتفصيل، معتمدين على أشمل نظرياتهم في الطبيعة: نظرية الأوتار.. حيث تسمح هذه النظرية بأن تبدو الفقاقيع مختلفة جدا بعضها عن بعض.. وفي الحقيقة، لا تبدأ كل منها حياتها بتوزع عشوائي للمادة فحسب، بل أيضا بأنواع عشوائية من المادة..

أنت ترى أن عالمنا يحتوي على جسيمات مثل الإلكترونات والكواركات، وهي تتفاعل فيما بينها بتأثير قوى مثل القوة الكهرطيسية.. وهذا لا يستدعي أن تكون الأكوان الأخرى بنفس الشكل، فقد تكون لها أنواع مختلفة من الجسيمات والقوى.. أي أن هناك قوانين فيزيائية أخرى هي التي تحكمها.. وقد أطلق العلماء على المجموعة الكاملة من القوانين المحلية باسم المشهد الطبيعي.. وهو مشهد ضخم يضمن وجود قدر هائل من الأكوان المتنوعة.

قال: فهمت هذا، وشكرا جزيلا..

قلت: انتظر.. لا زلت تحتاج إلى بعض التفاصيل المهمة.

قال: أنا في الاستماع فهلم بها.

قلت: حين يحدق الفلكيون في الكون، فإن مدى رؤيتهم تمتد مسافة 42 بليون سنة ضوئية تقريبا، وهو مدى أفق رؤيتنا الذي يمثل المسافة التي قطعها الضوء منذ الانفجار الأعظم.. ويمثل أيضا مقدار تمدد حجم الكون منذ حدوث هذا الانفجار.. وبافتراض أن الفضاء لا يتوقف عند هذا الحد، وأنه قد يكون لامتناهيا في الكبر، يطرح الكوسمولوجيون تخمينات علمية لما قد تكون عليه بقية الفضاء.. وأقرب فرضية تخطر بالبال هي أن حجم فضائنا يمثل عينة من الكون كلّه، والكائنات الغريبة عنا والبعيدة، ترى حجوما مختلفة، لكنها جميعا تبدو أساسا متشابهة، ماعدا تغيرات عشوائية في توزع المادة.. وهذه المناطق جميعها، المرئية منها وغير المرئية، تكوّن نمطا أساسيا لكون متعدد.

ويذهب كوسمولوجيون آخرون شوطا أبعد إذ يتصورون أن الأشياء البعيدة جدا عنا تظهر بمظهر مختلف تماما عما نراه، وربما يكون جوارنا إحدى فقاقيع عديدة عائمة في خلفية خاوية، وتختلف القوانين الفيزيائية من فقاعة إلى أخرى، وهذا يؤدي إلى تنوع من النتائج يكاد لا يمكن إدراكه.. وقد تكون الفقاقيع الأخرى مستحيلة الرصد، ولو من حيث المبدأ.

وكثير من الفيزيائيين الذين يتحدثون عن الكون المتعدد، وبخاصة المدافعين عن مشهد الأوتار، لا يهتمون بالأكوان المتوازية في حد ذاتها؛ فالاعتراضات على الكون المتعدد كمفهوم أمر غير ذي بال بالنسبة إليهم. فنظرياتهم تحيا أو تموت بناء على اتساقها الداخلي وعلى التجارب المختبرية المأمولة؛ وهم يقبلون بوجود كون متعدد كإطار في نظرياتهم غير مهتمين بكيفية نشوئه لأن هذا الموضوع يعني الكوسمولوجيين.

أراد أن ينصرف، فقلت له: انتظر.. لا زال هناك المزيد من الشرح.

قلت ذلك، ورحت أشرح من غير أن يأذن لي بالكلام.. ولكني رحت أفعل لأني كنت أتصور أني كلما أكثرت من ذكر هذه المعاني كلما تقررت في نفسي، وزادت قناعتي بها.. قلت له: هناك اختلافات كبيرة بين الفلكيين والفزيائيين في هيئة الكون الرصود.. هل هو كروي الشكل (تحدبه إيجابي) أو زائدي (تحدبه سلبي) أو منبسط (غير محدب).. وبصورة عامة لا تتنبأ سيناريوهات الكون المتعدد بكروية الكون، لأن الكرة منغلقة على نفسها، وبالتالي فحجمها منته.. ولسوء الحظ، فهذا الاختبار ليس دقيقا، فالكون الموجود وراء أفقنا قد يكون له شكل مختلف عن ذاك الموجود في الجزء المرصود؛ وأكثر من ذلك، لا تستثني جميع نظريات الكون المتعدد هندسة كروية.. وهناك اختبار أفضل هو طبولوجيا الكون: فهل يلتف الكون حول نفسه مثل كعكة، أو مثل قطعة الحلوى الشهيرة على شكل عقدة؟ فإذا كان كذلك، فسيكون حجمه منتهيا، الذي قد يستبعد قَطْعا معظم نماذج التضخم، وبوجه خاص، سيناريوهات الكون المتعدد المبنية على التضخم الشواشي. قد يولد أشكالا تتكرر في السماء، مثل الدوائـر العملاقة في إشعاع الخلفية الكوني الميكروي الموجة.. وقد بحث الراصدون عنها ولكنهم فشلوا في العثور على أي من هذه الأشكال. لا يمكن اعتبار هذه النتيجة اللاغية في مصلحة الكون المتعدد.

وأخيرا، قد يستطيع الفيزيائيون إثبات أو دحض بعض النظــريات التي تتنبــأ بوجــود كــون متعدد.. وربمـــا يعثــرون على دليــــل رصـــــدي يدحــض النمــاذج الشــواشــية للتضــخم، أو يكتشفون تناقضا رياضياتيا أو تجربيا يجبرهم على هجر مشهد نظرية الأوتار، وسيقوض هذا السيناريو عندئذ أغلب الدوافع لدعم فكرة الكون المتعدد، مع أنه ربما لا يلغي هذا المفهوم برمته.

كنت أقول هذا بثقة عظيمة، وكأنني عاينت تلك الأكوان المتعددة غير المحدودة، ورأيت تفاصيلها، مع أن ذلك لم يكن سوى مخارج للهروب من الله.. فلم يكن القصد هو البحث عن الكون وتفاصيله، وإنما كان الهروب من الله.. ولو إلى الخرافة.

لأن النظريات القديمة كانت ملاذا آمنا للملحدين بسبب قولها بالكون المستقر والأزلي، لكن عندما ثبت علميا استحالة أزلية الكون وقع الملاحدة في حرج كبير، فراحوا يرسمون سيناريوهات مختلفة ليجادلوا بها المؤمنين.

بقيت مدة طويلة أحدث من ذكر لي أنه تلميذ لدوكينز.. وقد رأيت أني كلما ازدادت حماستي في الشرح، كلما اصفر لونه، وتغيرت ملامحه إلى أن سقط بين يدي مغمى عليه، فأسرعت به إلى المستشفى، فلما أفاق اقتربت منه، فراح يصيح: أبعدوه عني.. أبعدوه عني.. إنه يكاد يصيبني بالجنون.. إن عقلي لا يطيق سماعه.

***

أسرع الممرضون إلي يخرجونني من عنده.. ولم ألتق به بعد ذلك إلا في مدرسة [الكون المؤمن]، وهي المدرسة التي التجأت إليها في مرحلة متقدمة من عمري بعد أن رأيت أن خرافات الملاحدة حول الكون لا يقبلها إلا المجانين.. ورأيت أن إرجاع أمر نشأة الكون وما بث فيه من تصميم عجيب إلى إله قدير حكيم لطيف خبير أعلم وأعقل بكثير.

ومنذ ذلك الحين تغيرت نظرتي للكون تماما، فقد أصبحت أراه بصورة جميلة جدا، ولم ينف هذا في عقلي وجود عوالم متعددة، ولكن الفرق بين العوالم الجديدة التي صرت أؤمن بها، والأكوان المتعددة التي لقنني إياها أصحابي هو أن أكوانهم المتعددة عشوائية، أما العوالم التي صرت أؤمن بها، فهي عوالم في منتهى العقل والحكمة والنظام، لأن مصممها عالم وحكيم ومنزه عن العبث.

برهان الحياة:

بعد أن أنهى الرجل الأول حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن حدثكم صديقي وأخي عن [برهان الكون]، وكيف خرج به من ظلمات الجهل والغواية إلى نور الإيمان والهداية.. فاسمعوا حديثي عن برهان من براهين الآيات الباهرة، أطلقت عليه اسم [برهان الحياة].. وهو برهان يدل على الله من كل الوجوه، وبكل المقدمات، وبجميع اللغات..

وأحب أن أصرح لكم بأني لم أصل إلى هذا البرهان إلا بعد عناء شديد، فقد شكلت المدارس ووسائل الإعلام والمنابر الثقافية عقلي تشكيلا جديدا مخالفا للفطرة، بحيث أصبح لا يسمح بمرور الحقائق الإيمانية، حتى لو كانت في قمة العقلانية والعلمية.

ولهذا كان من العصي علي تقبل كل أولئك الذين أرسلهم الله لي لهدايتي وتقويم عقلي، ولكن الله تداركني في الأخير، فوفر لي من الزلازل ما أعاد لعقلي وعيه وفطرته وطهارته.. وقد كان ذلك مقدمة للإيمان.. فلا يمكن للإيمان أن يحل في عقل مشوش، ولا في قلب مدنس بدنس الأهواء.

في بداية أمري([8]) كنت أعتقد أن يد العلم والمعرفة قد أزالت جميع الحجب عن عالم المجهولات للبشرية، ولم تدع بقعة ظلماء في عالم الكون إلاّ أضاءتها بنور العلم.

ولهذا رحت أصرخ مخاطبا جميع المؤمنين: ما حاجتكم لله بعد أن اكتُشفت الخفايا المكنونة في الطبيعة، وما وراء الطبيعة.. إنّنا كنا نحتاج إلى الله عندما كنّا نجهل العلل والحوادث، أمّا اليوم، وبفضل العلم وتقدّمه، فقد اكتشفنا تلك العلل، واطلعنا عليها سواء ما كان منها في السماء، أو ما كان في الأرض.

وكنت أضرب المثل لهم بالعوامل الذي كانت تسبّب الأمراض.. والعوامل المسببة للزلزال والمطر وغيرهما، ثم أقول لهم: أرأيتم ها قد حل العلم كل المعضلات.. وعرف كل العلل والأسباب.. وعلم بكل العلل المجهولة التي كنتم تنسبونها إلى الله.. فما حاجتكم إلى الله بعد هذا؟

وكان الكثير منهم يسكتون.. وكان بعضهم يذكر لي مقولات العلماء الذين كانوا أكثر تواضعا مع مكانتهم العلمية، فيذكرون لي رد أنشتاين على من سأله ـ بعد كشفه عن أسرار الذرّة ـ عن نسبة معلوماته إلى مجهولاته؟ فأجاب وهو واقف بجانب سُلّم قصير في مكتبته، قائلاً: (إنّ النسبة تشابه نسبة هذا السُّلّم إلى فضاء العالم اللامتناهي)

ويذكرون لي قول [والتر اوسكار لندربرج]: (إنّ العلوم البشرية لا زالت في مراحلها الإبتدائية، إذ في الوقت الذي يقيس الإنسان حجمه مع حجم الأجرام السماويّة، والمسافات بين النجوم، يجد نفسه جرماً صغيراً، ونسبته هذه تافهةً للغاية كما هو واضح)

ويذكرون لي قول [يول كلارنس ابرسولد]، وهو المتخصّص في الفيزياء الذريّة والفيزياء الحياتية وخاصية الإشعاعات النيوترونية والإيزوتوبية: (كنت أعتقد في السابق أنّ العلم يوماً ما سوف يكتشف كلّ شيء، ولكن كلّما تقدّمت في دراستي، وأخذت استعرض الكائنات من الذرة إلى الأجرام، ومن الميكروب إلى الإنسان، أيقنت أنّ هناك الكثير الذي لا يزال في عالم المجهولات.. إنّ العلماء باستطاعتهم دراسة كيفية وكمّية الأجسام، ولكن يستحيل عليهم أن يبيّنوا علّة وجودها وعلّة خاصيتها)

ويذكرون لي قول العالم الطبيعي [ايروينج ويليام نبلوج]: (إنّ العلم يسعى لإتمام فرضياته كي يقترب من الحقائق، ولكنّه يبدو كلّما حاول الاقتراب من الحقائق ازداد عنها بعداً.. إنّ إدراكنا من هذا العالم يتمّ بواسطة حواسّنا الناقصة، وأدواتنا غير الدقيقة وغير الحسّاسة.. لا يستطيع العلم أن يحدّثنا عن جسم صغير جداً (الذرة)، والتي يصعب رؤيتها حتى بالمجهر، من أين أتت، ولا يستطيع أيضاً أن يعيّن على أي قانون أو صدفة ترغم الذرات على أن تجتمع مع بعضها البعض كي ينشأ منها جسم حي)

لكني كنت أصم أذني عما ذكروه، وأقول لهم: ومن أدراكم أن هؤلاء قالوا هذا الكلام.. وحتى لو قالوه، فالعبرة بالعلم لا بالرجال.. والحقائق تثبت بذاتها لا بمن يمثلها.

***

ولهذا كنت أصف لهم ما قال العلم في نشأة الحياة، وأنه لا ضرورة لوجود خالق ولا مصمم ولا صانع.. فالحياة كلها تطور بعضها من بعض.. ولذلك لا حاجة لعوامل غيبية لتفسير تنوعها.

أذكر جيدا أن بعضهم سألني في بعض المجالس عن الثدييات البحرية، وكيف نشأت، فرحت أصف ذلك، كما لقنني أساتذتي، وكأنني شاهد عيان لما حصل بدقة، فقلت لهم، وأنا واثق تماما مما أقول: لقد تطورت قبل 60 مليون سنة.. حيث غامرت بعض الثدييـات، ونزلت إلى المـــاء بحثا عن الطعـام.. وهناك، ومع الوقت، بدأت تختفي الأرجل الخلفية، ثم ما لبثت الأرجل الأماميـة أن تحولت إلى زعـانف، وتغير شكل الأنف، واختفى الشعر وتحول إلى جلد.

قال لي آخر، وكأنه عند حكواتي، وليس عند عالم: فما أصل الثدييـات؟

أجبت بسرعة: أصلها يعود للزواحف.. وقصة ذلك كما حكاها لنا العلماء المتخصصون هي أنه في فترة من الفترات شرعت بعض الزواحف في تطوير أُسلوب للحفاظ على حرارة جسمها، حيث تحولت القشور إلى فرو.. حينها حدث بالصدفة أن بعض صغـار الزواحف بدأت تلعق عرق الأُم لتلطيف جسمها، وبدأت بعض الغُدد في إفراز عرق أكثر كثافة، ثم تحول هذا العرق في النهـاية إلى لبن.

قال لي آخر: هل صحيح أن أصل الحوت البحري يرجع إلى الدببة؟

قلت: أجل.. لقد ذكر داروين ذلك في الطبعة الأولى من كتابه العظيم (أصل الأنواع)، حيث قال ـ تعليقا على مشاهدة صديقه (هرني) للدب الأسود يعوم لساعات في أمريكا الشمالية فاتحا فمه ليصطاد الحشرات مثلما يفعل الحوت ـ: (أنا لا أجد أي صعوبة في تخيل نوع من الدببة وبمزيد من السلوكيات البحرية في حياتها ومزيد من اتساع فمها ومع الانتخاب الطبيعي أن تصبح يوما ما مخلوقا في حجم الحوت الضخم)([9])

***

كان الجميع يستمتع بحديثي، وكنت أتصور أن استمتاعهم كان بسبب دقته العلمية، واكتشفت بعد ذلك أنه كان بسبب استغراقه في الخيال الذي يناسب الحكواتيين أكثر من مناسبته للعلماء والباحثين..

قال لي حينها بعضهم: ما الحاجة لكل هذا.. وما الفائدة التي ترجى منها، فسواء كانت الثدييات البحرية خلقت ابتداء، أو تطورت من غيرها، فإنها تبقى دائما ثدييات بحرية.

قلت له بقوة: أنت لا تعلم ما تقول.. إننا أمام احتمالين لا ثالث لهما.. فإما أن نقول بأن الكائنـات الحية على وجه الأرض جاءت فجـأة.. وهذا يدعم النظرة الإيمان التي تقول بالخلق المباشر.. وإما أن نذكر بأنها تطورت من بعضها البعض، وبذلك لا يجد المؤمنون مبررا لافتراض وجود الخالق.. ولا يوجد بديل ثالث..

***

لكن الحظوظ لم تكن دائما في صالحي.. فقد كنت أحيانا أصطدم ببعض أصحاب العقول الذين لا أتمكن من إقناعهم.. فلذلك أرميهم بعدم فهم هذه النظرية، وأذكر أن عقولهم لم تتطور بعد لفهمها.. فقد صار مقياسي لتواصل التطور في عالم الإنسان هو الموقف من هذه النظرية.

من أولئك الذين رميتهم بهذا عالم من علماء الفيزيولوجيا تركني أتحدث وقتا طويلا إلى أن تصورت أني أقنعته إقناعا تاما، لكني بعد أن أنهيت حديثي قال لي([10]): يكفيك لحظة تأمل في خلية واحدة من خلايا الإنسان لتكف عن كل هذه الدعاوى التي تطلقها.. خلية فقط.. لا أطالب بأكثر من ذلك.. مع العلم أن عدد الخلايا في الجسم البشري يزيد على مئة ألف ألف مليون، أي مئة ألف بليون، أو مئة ترليون خلية.

تظاهرت بالسكون والهدوء، وقلت: هيا هات ما عندك.. لكن إياك أن تسرب خرافات المتدينين.. فالعلم لا يقبل الخرافة.

قال: أنا عالم مختص في هذا المجال، وقد كنت أقول بقولك.. لكني عندما رحت أتأمل الخلية الإنسانية وجدت شيئا عجيبا جعلني أرمي كل تلك التصورات التي كنت أتصورها بالخرافة والدجل.. لقد رأيت أن كل خلية في الإنسان تشبه المصنع، وبما أن كل مصنع به مدير، ومشرف، وأرضية، وقسم للتسوق والاستقبال، وعمال لهم دور في تصنيع منتجات المصنع، وقسم لتعبئة المنتجات وتهيئتها، وحراس أمن، ومولد للطاقة.. فقد رأيت أن الخلية الإنسانية تتوفر فيها كل هذه المقومات.

ففيها النواة، وهي كالمدير للخلية، تتحكم في جميع أنشطة الخلية، وصفات البروتين الذي سوف يصنع.. وفي الخلية السيتوبلازم، وهو كالأرضية للخلية، تسبح فيه عضيات الخلية.. وفي الخلية غشاء خلوي، وهو يشبه قسم التسوق والاستقبال؛ حيث إن أي جسم يحاول دخول الخلية عليه أن يبرز هويته، وينظم مرور المواد عبر الخلية، وما الذي يدخل، وما الذي يخرج.. وفي الخلية الريبوسومات، وهي تشبه العمال، حيث لها الدور في تصنيع البروتينات.. وفي الخلية الشبكة الإندوبلازمية، وهي مكان عمل الريبوسومات.. وفي الخلية جهاز جولجي، وهو يشبه قسم التعبئة والتهيئة والتغليف؛ فهو يقوم بإعداد وتهيئة البروتين للاستعمال أو التصدير.. وفي الخلية الأجسام الحالة، وهي تشبه رجال الأمن؛ حيث تهاجم كل جسم يحاول الإضرار بالخلية.. وفي الخلية الميتوكوندريا، وهي كمولدات الطاقة.

التفت إلي، وقال: انظر.. هذه خلية واحدة.. وفيها كل هذا.. إنها مصنع متكامل، وكل شيء فيها يجري بنظام ودقة.. فهل سمعت أن عاقلا يمكن أن يقبل بوجود ملايير ملايير المصانع هكذا صدفة دون وجود مصدر وراءها.. هل رأيت مصنعا واحدا بهذا الشكل في حياتك تشكل صدفة؟.. بل هل رأيت أي مصنع مهما كان حقيرا صنع صدفة؟

لم أجد بما أجيبه، فقال: هل يمكن أن يوجد جهاز دقيق الحجم، معقد التركيب، محكم الوظائف بلا موجد؟.. ما حكم ما يقول هذا عند العقلاء؟.. وأيهما أعظم في الحكم: هذا الجهاز الدقيق أم هذه الخلية الحية، دقيقة الحجم، معقدة التركيب، محكمة الوظائف؟

 وهي بالإضافة إلى ذلك كله تنمو وتتكاثر وتتنفس وتتغذى، وتقوم بعمليات حيوية تعجز عن محاكاتها أكبر المصانع في العالم.. والأعجب من ذلك كله أن المواد الميتة خارج الخلية كالكربوهيدرات والبروتينات عندما تعبر غشاء الخلية، ويسمح لها بالاندماج مع مكونات الخلية وعضياتها تتحول من مواد ميتة لا حياة فيها إلى عضيات حية تتغذى وتتنفس.

***

قال ذلك، ثم أخذ يصيح في الحضور الذين كانوا يستمعون لحوارنا: إني أسأل أي شخص منكم هل رأى في حياته أجزاء ساعة تجمعت، ثم تحولت إلى ساعة في غاية الروعة والدقة.. ثم أخذت تعمل دون الحاجة لمجمع ومركب ومحرك عالم حكيم.. هل تقبل عقولكم هذا؟

صاحوا جميعا: لا يمكن ذلك.. فذلك مستحيل.. بل هو معجزة.

قال: والخلية الحية أعظم وأعقد بكثير من الساعة؛ فهي حية ذاتية الحركة، تستجيب للمؤثرات، وتنمو تتكاثر، وتنتج طاقة تخرج فضلاتها.

قال ذلك، ثم راح يسألهم: إني أسأل أي شخص منكم.. هل رأى في حياته أجزاء سيارة تجمعت، وكونت سيارة في غاية الروعة والدقة، والسيارة تعمل دون الحاجة لمجمع ومركب ومحرك عالم حكيم.. هل تقبل عقولكم هذا؟

صاحوا جميعا: لا يمكن ذلك.. فذلك مستحيل.. بل هو معجزة.

قال: والخلية الحية أعظم وأعقد بكثير من السيارة؛ فهي حية ذاتية الحركة، تستجيب للمؤثرات، تنمو تتكاثر، تنتج طاقة تخرج فضلاتها.

ثم قال: إني أسأل أي فنان فيكم رأى لوحة فنية ممتلئة بالجمال.. هل يمكنه أن يذكر أنها هكذا رسمت صدفة دون رسام مبدع رسمها؟

قالوا: ذلك مستحيل.

قال: فكيف إذا كانت هذه الصورة مجسمة.. هل يمكن أن تنشأ هكذا صدفة دون تدخل كائن مريد مبدعظ.. فكيف بهذا الكون الشاسع المليء بالمناظر الخلابة، والكائنات العجيبة المدهشة؟

***

لم يكن ذلك العالم وحده من وقف في وجهي أثناء بثي لأطروحاتي الإلحادية، بل كان منهم الكثير.. أذكر منهم ذلك الذي راح يقول لي: أنت لا تزال تأخذ علمك من جهة واحدة فقط.. والعلم يحتاج منا إلى البحث أكثر، ومن كل المصادر.. فالحقيقة أعظم من أن يحتكرها أحد من الناس.

قلت: فهل تعرف من العلماء من يخالفني..

ورحت أؤكد على كلمة العلماء، وأقول: لا أريد خرافيين ولا متدينين.. بل علماء.. علماء حقيقيين.. أي يعرفون المنهج التجريبي لا المنهج الميتافيزيقي.

قال: أنا أعرف [جوناثان ويلز]، وهو عالم أحياء أمريكي أنهى الدّراسات العليا والدكتوراه في جامعتي يالي وكاليفورنيا.. فهو متخصص، وليس مجرد هـاوِ.. وقد سافر على متن سفينة، وظل يراقب مناقير البط مثله مثل داروين، وقد قال معبرا عن اكتشافاته في هذه الجانب: (من النّادر للغاية أن يتم اطلاع المجتمع كله بما يقوم به العلماء المتخصصون من تفسيرات علمية تتعلق بالإبهام والغموض العميقين بخصوص أصل الانسان، وبديلا عن ذلك نتلقى مجرد خبر عن آخر نظرية لهذا الشخص أو ذاك ولا ينقلون لنا الحقيقة التي لم يستطيعوا هم أيضاً فهمها بخصوص هذا الموضوع.. فيتم الترويج للنظرية وتزيبها بشكل دقيق، وبالاستعانة ببعض الرسوم والصور المتخَيَّلة لإنسان الكهف أو لجد الانسان بوضع كثير من الماكياج عليها والواضح أن أحداً من قبل لم ينسج خيالاً واسعا إلى هذا الحد بخصوص جزئية بسيطة إلى هذا القدر في أى فرع من فروع العلم المختلفة)([11])

قال ذلك، ثم راح يعقب عليه، وهو يلتفت لي بقوله: انظر إنه يصرح أن الداروينية خيـال علمي.. ولست أنا الذي قلت هذا، بل هو عالم البيولوجيا الأمريكي جوناثان ويلز..

وهو ليس وحده في هذا.. بل قال قبله ريتشاد ليكي، وهو أحد علماء الباليوأنثروبولوجيا، الذي يبحث في أصول الإنسان القديم: (لو أنكم جئتم برجل علم ذكي ماهر من فرع مختلف من فروع العلم، وأطلعتموه على ما لدينا من دلائل غير كافية فإنه سيقول لكم وبكل تأكيد: انسوا هذا الموضوع، فليس لديكم دعامة أو سند كاف للاستمرار فيه، فالدلائل لدينـا غير كافية إطلاقا)([12])

 وقال: (لقد أصبحت الفكرة التي تقول بأن تاريخ تطور الكائنات الحياة عبارة عن مسألة أو قضية استكشافية أصبحت مجرد خرافة.. فلو كان بهذا الشكل ووجدنا حفريات كثيرة لكائنات شبيهة بالإنسان لكان من الضروري أن تتحول حكاية التطور إلى شكل أكثر وضوحاً، غير أنّ الحقيقة هي أنه عندما كان يحدث شيء كان يحدث شيء آخر على النقيض تماما من الأول)

لم أجد بما أجيبه، فقال: ألم تلاحظ أنك لا تزال متخلفا عن أبناء جيلك؟

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألم تر أنه بدءا من أوائل التسعينـات بدأ الإستهزاء بالتطوريين في الأوسـاط العلمية حتى أن هنري جي، وهو المحرر العلمي في مجلة الطبيعة، قال: (إنّ عملية أخذ مجموعة من الحفريات، والقول بأنها تعكس وجود سلسلة قرابة هي في الواقع ليست فرضية علمية يمكن إخضاعها للاختبار، وكل ما في الأمر أنها مجرد حكاية أو حدوته من أحاجي منتصف الليل المسلية التي قد تكون مُوَجِّهَةً أو مُرْشِدَةً للانسان في كثير من الأحيان إلا أنها ومع ذلك لا تستند لأيّ أساس علمي)

وهكذا قال ميلفورد ولبوف من جامعة ميتشجان، وآلان ثورن من جامعة كانبيرا، حيث ذكرا أن (الإنسان منتصب القامة ليس إلا تصنيفا خياليا لا وجود له، وأن الحفريات التي أدمجت في هذا التصنيف هي عبارة عن الإنسان العاقل من أعراق مختلفة)

بل إن كثيرا من علماء الغرب أصبحوا يرددون قائلين: (نحن في حاجة ماسة وعاجلة إلى عدم الدفع بالعلم إلى دائرة الخرافة)، فما الذي يستفيده العلم من معرفة درجات القرابة بين الحيوانات المختلفة.. وهل تحول العلماء إلى علماء أنساب؟

قال ذلك، ثم نظر إلي بعطف وحنان، وقال: لا يسعني في نهاية حديثي معك إلا أن أبدي لك عن مقدار عطفي وشفقتي لحالتك.. وأذكر لك ما قاله [جريج كيربي] لبعض المبشرين بهذه النظرية: (لو أنكم قضيتم حياتكم كلها في جمع العظام والقطع الصغيرة من الجمجمة والذقن، فإنكم ستشعرون برغبة ملحة في أن تبالغوا في أهمية هذا القطع الصغيرة التي قمتم بجمعها)

ثم أضاف قائلا: الدلائل العلمية كلها تقف ضد التطور.. العلم نفسه يقف ضد التطور.. وما دامت هذه النظرية قد انهارت فليس لك من حل إلا الإيمان بالخالق المبدع.. وصدقني لن تجد في حياتك ما هو ألذ من الإيمان.. لعقلك وقلبك وكل لطائفك.

***

لكني مع ذلك كله لم أكن أستسلم أبدا، بل كنت أحتال بصنوف من الحيل على كل مؤمن.. من ذلك مثلا أني كنت أقول لهم: هل يزول اعتقادكم بالله، عند استطاعة الإنسان خلق كائن حيّ؟

طبعا كان العوام يسلمون لي، ويتصورون أن الأمر قد تحقق بالفعل، وأن هناك بشرا أو حيوانات قد تم خلقها في المخابر والمعامل، لكن الباحثين المتحررين كانوا يصطدمون معي، وكان بعضهم يسخر مني، وكان بعضهم يتعامل معي بهدوء، ويجيب عن أطروحتي بلغة علمية في قمة العقل والحكمة.

ومنهم ذلك الذي راح يخاطبني بهدوء بقوله: أنت تذكرني بقول بعضهم: (إنّني أستطيع أن أخلق لكم إنسانا من الماء والهواء وبعض المواد الكيمياوية)

قلت، وقد امتلأت حماسة لذكره لهذا: أجل.. فهو رجل من أصحابنا.. أرأيتم ثقة العلماء بعلومهم، وبأنفسهم.

قال: لكنه غفل عن أنّ مصنوعه هذا لا يختلف عن أي تمثال غير ذي روح، فهو يعتقد بأنّه يكفي لخلق الإنسان أن تجتمع بعض العناصر، وتخلط مع بعضها البعض.. ولكن كل ذلك لم يتم مع مرور فترة طويلة على تصريحه ذلك.. فالعلماء إلى الوقت الحاضر لم يستطيعوا أن يوجدوا خليّة حية واحدة في المختبر.

قلت: دعنا من الواقع الحالي.. لكن المستقبل مليئ بالمبشرات.. فيمكن للبشر في المستقبل أن يخلقوا خليّة حيّة في أُنبوبة الاختبار.

قال: لا بأس.. فلنسلم بذلك.. ولكن بشرط أن لا يستخدموا المواد الأولية الموجودة في الطبيعة.. لأنهم إذا فعلوا ذلك لن يكون دورهم سوى التجميع والتركيب لا الصناعة البحتة.. وبذلك لا يحق لهم أن يزعموا أن الاختراع اختراعهم، لأن المواد الأوليّة وحقيقتها وكيفية نشوئها خارجة عن علمهم، ولعلّ أسرار الحياة كامنة فيها، ولعلها تكون هي منبعا للحركة، وما عَملُ الإنسان إلاّ توفير الظروف المناسبة لنموّها وحيويّتها.

قلت: ما تعني بذلك؟

قال: لو قدر أن يستخدم الإنسان الكهرباء، وبعضا من المواد الكيمياوية لإنشاء موجود حي، فإنّ حقيقة الكهرباء لا تزال بعيدة عن إدراك العقل البشري، وبعد افتراض وجود الكائن الحي، يبقى أن نعلم كيف تستطيع أن تكون هي المولدة للحركة والإحساس في الكائن الجديد.. كما أنّ هناك بعض القوى في جسم الإنسان لا تزال معقّدة وغير مفهومة في معظم الأقسام.. وبذلك فإنا لا نستطيع القول بأنّ الإنسان قادر على خلق خليّة حيّة، وإعطاء الروح إلى الجماد.. بل إننا نقول إنّ الإنسان قد وفّر المقدّمات والشروط اللازمة لها، دون معرفة بالمقوّمات، وأُعطيت الحياة من قبل قوى غيبية وعوامل مجهولة.

ثم سكت قليلا، وقال: أجبني.. ألا تستدل بصنع الإنسان لهذا الكائن الحي ـ في حال قدرته عليه ـ على نبوغه وعقله وذكائه؟

قلت: بلى.. وذلك مما ينفي وجود الله.

قال: لا.. ذلك ليس دليلا.. بل إنه دليل على أن الله خلق إنسانا ذكيا وعبقريا استطاع أن يفعل ما فعل.

ثم قال لي: إذا كان البشر جميعا، وبكل معاملهم ومخابهم لم يستطيعوا أن ينشئوا خلية واحدة من العدم.. فكيف بهذا العالم الرحب والكون الواسع؟

***

لكن كل ذلك الصرح الذي أسسته لنفسي، وكل تلك الحصون التي تحصنت بها راحت تتهاوى واحدا واحدا إلى أن سقطت في الأخير، وكانت آخر لبنة سقطت منها بيد بعض المؤمنين الذي راح يسألني قائلا([13]): هل ترى العلم أكثر عقلانية من الإيمان؟

قلت: أجل.. لقد ذكر أستاذنا الكبير [ريتشرد دوكنز] في كتابه المقدس[وهم الإله] أن الإيمان الديني غير عقلاني.. وأنه عملية عدم التفكير.. وهي عملية شريرة، لأنها لا تتطلب أي تبرير، ولا حجج.. بل هي تفرض نفسها على العقول فرضا.

قال لي: كيف ذلك؟

قلت: مثلا إذا أردنا أن نعرف أن الماء مكون من ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين، استطعنا أن نثبت ذلك في المخابر، وبالبراهين العلمية.

قال: أنا لا أختلف معك في هذا.. ولا يوجد من يختلف معك في هذا الأمر.. ونحن نتفق مع دوكنز والملحدين أن العلم يعطي أدلة واضحة وموثوقة ودقيقة على أسئلة مهمة كثيرة.. ولكن، ماذا بخصوص هذا السؤال: ما معنى الحياة؟.. هذا سؤال مهم وجوهري.. هل يستطيع العلم على أن يجيب عليه؟ حسب دوكنز والملحدين، العلم لا يكشف عن معنى الحياة، ولهذا؟ لا يوجد معنى للحياة؟ فهل هذا صحيح؟

لم أجد بما أجيبه، فراح يقول: لقد سمعت من أحد علماء جامعة أكسفورد، وهو [بيتر براين مدوَّر]، وهو حائز على جائزة نوبل في الطب قوله: (العلم هو أكثر طريقة ناجحة للحصول على المعرفة، ولكن يجب التفريق بين الأسئلة الميتافيزيقية، التي يجب أن يُجاب عليها بواسطة الدين والميتافيزيقيا، وبين الأسئلة التي طبيعتها تختص بالكون المادي والتي لا يوجد حدود للعلم لمعرفتها)

ولهذا إن أردت أن تبحث عن سر الحياة، وسر الكون، فابحث عن الدين الحقيقي الذي يدلك على ذلك.. أما في المناهج التجريبية التي نستعملها في العلم فلن تجد فيها أي تفسير لذلك.. وحال من يبحث في العلم عن هذا مثل حال من يريد أن يسمع بعينيه أو يتكلم بأذنيه.

عندما قال لي هذا، لم أجد إلا أن أبذل جهدا كبيرا في البحث عن الدين الحقيقي، والحمد لله، فقد يسر الله لي فوجدته، ووجدت الأستاذ الذي لقنني إياه، وقد وجدت عنده الكثير من الأساتذة الذين ملأوا عقلي بأمثال تلك الأوهام التي قضيت جزءا طويلا من عمري أدافع عنها، وأبشر بها.

برهان الوعي:

بعد أن أنهى الرجل الثاني حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن حدثكم صديقي وأخي عن [برهان الحياة]، وكيف خرج به من ظلمات الجهل والغواية إلى نور الإيمان والهداية.. فاسمعوا حديثي عن برهان من براهين الآيات الباهرة، أطلقت عليه اسم [برهان الوعي].. وهو برهان يدل على الله من كل الوجوه، وبكل المقدمات، وبجميع اللغات..

فالله برحمته لم يخلق الكون كمادة فحسب، وإنما أضاف إليه الحياة.. ثم أضاف إلى الحياة أهم عنصر فيها، وهو الوعي والعقل.. وذلك من أكبر الآيات الباهرة التي لا يمكن لأحد من العقلاء أن يجادل في حاجتها إلى قوة خارجية تتصف بكل أنواع الكمال تكون مصدرا لها.. فيستحيل على العقل الأصغر أن لا يكون مصدره عقلا أكبر.. ففاقد الشيء لا يعطيه.

ولذلك كان ديدني مع أصدقائي وأساتذتي من الملاحدة استعمال كل الحيل لتفسير العقل والوعي تفسيرا ماديا بيولوجيا بعيد عن كل مصدر خارجي.

وقد استعملنا لذلك حيلا كثيرة([14]).. منها تعريف العقل بكونه ليس سوى تفاعلات بين جسيمات مادية، مثله مثل الماء سائل الذي تنزلق جزيئاته بجانب بعضها بعضا بقليل من الإحتكاك.. ومثله مثل المطاط المتمغط بسبب مرونة جزيئاته.. ومثله مثل الماس شديد الصلابة بسبب كون كون ذرات الكربون الموجودة فيه متراصة على هيئة شعرية محكمة النسج.. وبذلك فإن نفس القوانين لابد أن تنطبق على العقل.

وقد اجتمعت حينها مع مجموعة من الأصدقاء مع عالم الأحياء [توماس هـ. هكسلي]، فقال لي: إن الأفكار التي أعبر عنها بالنطق، وأفكاركم فيما يتعلق بها، إنما هي عبارة عن تغيرات جزيئية.. ولذلك فخير طريقة للبحث في العقل هي إظهار كيفية انبثاق العقل من المادة.

قال له أحدنا: ولكن النتائج المستتبعة لهذه الرؤية هي أن العقل البشري سيصبح خاضعا للحتمية الطبيعية.. وبذلك لا تبقى له حرية الاختيار والتفكير.. لأن المادة لا تتصرف إلا بضرورة ميكانيكية.

فرد عليه بقوله: ذلك هو الواقع.. ونحن لا نصف إلا الواقع.. فالحتمية هي قانون الكون جميعا، ولا يصح أن نخرج أي شيء من دائرتها، لا الفسيولوجيا، ولا الكيمياء، ولا الفيزياء.. ولا أي شيء آخر.. وبما أن العقل أحد هذه الأشياء، فلا يصح إخراجه أيضا.. وإلا وقعنا في التناقض، ولم نستطع رد التساؤلات التي يسألها المؤمنون عن مصدر العقل.

حينذاك أصابتني حماسة قوية، هي حماسة الشباب، فرحت أقول باندفاع: أجل ما تقوله صحيح..فالتغيرات المادية هي التي تسبب الأفكار، لا العكس.

حينها ألقى صديقنا [و.ك كليفورد]، عالم الرياضيات المعروف معادلته التي عبر عنها بقوله: (إذا قال أحد أن الإرادة تؤثر في المادة فقوله ليس كاذباً فحسب، وإنما هو هراء)

أعجب صديقنا هكسلي بهذا التجاوب الذي أبديناه لفكرته، فراح يفسر لنا العلاقة بين العقل والجسد بقوله: (يبدو أن الوعي متصل بآليات الجسم كنتيجة ثانوية لعمل الجسم، لا أكثر، وأن ليس له أي قدرة كانت على تعديل عمل الجسم مثلما يلازم صفير البخار حركة القاطرة دونما تأثيرعلى آليتها)

حينها قلت بحماسة: أجل.. لك الحق في ذلك.. وحينها سنصطاد عصفوين بحجر واحد.. أما الأول فهو الرد على المؤمنين الذين يذكرون افتقار العقل الأصغر إلى العقل الأكبر.. ونرد كذلك على دعواهم بالآخرة والحياة بعد الموت.. فلاشيء في الإنسان يمكن أن يبقى بعد الموت.. لأنه إذا كان التفكير والإرادة نشاطين من أنشطة الدماغ، فليس هناك سبب يجعلنا نفترض أن هذين النشاطين يمكن أن يستمرا بعد فناء الدماغ.. وإذا كان كل جزء من أجزاء الإنسان مادة، فلابد من أن يكون كل جزء منه عرضه للفناء.. فلاخلود إلا للمادة.

***

كانت هذه آراؤنا ودعاوانا العريضة التي خرجنا نتيه بها على الناس، وكأننا اكتشفنا الحقيقة التي غفل عنها جميع عقلاء العالم على مدار التاريخ.. لكنا كنا نقف محتارين عندما يطلب منا توضيحات حول كيفية انبثاق العقل من المادة..

وكان الكثير منا للتهرب من هذه المسألة يذكر أن المستقبل سيأتي بالجواب.. أذكر أنه في عام 1886 كتب هكسلي يقول: (وهكذا سيوسع علم وظائف الأعضاء في المستقبل شيئا فشيئا من عالم المادة وقوانينها إلى أن يصبح مساويا في امتداده نطاق المعرفة والشعور والعمل)

لكن نبوءة صديقنا هكسلي لم تتحقق، فعندما قدم القرن العشرون بكشوفه الكثيرة في عالم وظائف الأعضاء، لم يأت بأي دليل يساند تلك النظرة المادية.. بل إنه أتى فوق ذلك بما يضادها تماما، وبما يثبت للعقل دوره المميز الذي حاولنا تغييبه في وسط المادة.

***

أذكر حينها أني ذهبت إلى زميل لي كان في بداية أمره مثلي تلميذا لهكسلي، وتلميذا لرؤيتنا المادية، كان اسمه [السير تشارلز سرنغتون]، وقد كان بحق مؤسس فسيولوجيا الأعصاب الحديثة.. ذهبت إليه أستفسر منه عن الجديد الذي جاءت به كشوفه، ومدى الخدمات التي قدمتها لنبوءة أستاذنا، فقال لي: يؤسفني أن أقول أنه، ونتيجة بحوثي الرائدة في الجهاز العصبي والدماغ وصلت إلى أنه (ظهر فرق جذري بين الحياة والعقل، فالحياة مسألة كيمياء وفيزياء، أما العقل فهو يستعصي على الكيمياء والفيزياء)

قلت: ما تقصد؟

قال: قد نفسر الحياة بكونها التغذية الذاتية، واستقلاب الخلايا والنمو.. وحينها يمكن التعبير عن أن هذه الظواهر تتم بواسطة قوانين الفيزياء والكيمياء.. لكن أنشطة العقل لا يمكن أبدا أن تخضع لآليات الفيزياء والكيمياء.

***

تركته، وأنا أحاول كل جهدي أن أنسى ما ذكره.. ثم ذهبت إلى صديق آخر هو [السير جون اكلس]، وهو متخصص في الأعصاب، فحكيت له ما قال تشارلز، فقال لي: (التجارب التي تنم عن الوعي تختلف في نوعها كل الاختلاف عما يحدث في آلية الأعصاب.. ومع ذلك فإن مايحدث في آلية الأعصاب شرط ضروري للتجربة.. وإن كان هذا شرطاً غير كاف)

قلت: ما تعني بذلك؟

قال: سأضرب لك مثالا يوضح لك هذا.. عندما يرى أحدنا شجرة.. فإن أشعة الشمس المنعكسة من الشجرة تدخل في بؤبؤ عينه، وتمر من خلال العدسة التي تركز صورة مقلوبة ومصغرة للشجرة على شبكة العين، فتحدث فيها تغيرات فيزيائية وكيميائية..

قلت:أراك تريد أن تفسر عملية الإبصار كما فسرها أساتذتنا.

قال: لا.. فهذه العملية لا تفسر عملية الإبصار.. لأن الإنسان حتى لو كان فاقد الوعي، فإننا يمكن تركيز تلك الصورة على شبكية عينيه.. وهي بذلك ستحدث نفس التغيرات الفيزيائية والكيمائية.. ومع ذلك لايبصر شيئا.

قلت: فكيف تفسر عملية الإبصار إذن؟

قال: إذا أردنا أن نفسر الإبصار فنحن بحاجة إلى أكثر من ذلك كثيراً.. فالشبكية، وهي صفحة من المستقبلات شديدة التراص (عشرة ملايين مخروط ومائة مليون قضيب)، تبدأ، حين ينشطها الضوء المنبعث من الشجرة بإرسال نبضات الى العصب البصري الذي ينقلها بدوره إلى قشرة الدماغ البصرية..

قلت: هذا جيد.. وهو متوافق مع رؤيتنا المادية.

قال: أجل.. كل شيء إلى الآن قابل لأن يفسر بلغة الفيزياء والكيمياء.. ولكن المشكلة تكمن في مكان اللون الأخضر وسائر الألوان من كل هذا.. فالدماغ نفسه رمادي اللون أبيضه.. فكيف يستطيع أن يتلقى لونا جديداً دون أن يفقد لونه السابق؟.. وكيف يستطيع أن يبصر الضوء إذا كان دماغه مغلقاً ومعزولاً تماما عن أي ضوء؟..

ابتسم، وقال: لو أننا عند الرؤية ـ على حسب تفسيراتنا التي تلقيناها من أساتذتنا ـ أحسسنا بأزيز من الكهرباء في أدمغتنا لكان ذلك مقبولا ومعقولا.. لكن أن يكون الأمر بتلك الصورة، فنرى الألوان والأشكال والحركات والضوء.. وبأبعادها الثلاثة.. فإن هذا من العسير على أي عاقل أن يتصور كون سببه يعود إلى المواد الكيميائية والكهرباء.

قلت: فما سر الإبصار.. أو الإدراك الحسي في تصورك؟

قال: أليس صحيحاً أن أكثر تجاربنا شيوعاً تقبل دون أي تقدير لما تنطوي عليه من غموض هائل؟.. ألسنا لا نزال كالأطفال في نظرتنا إلى مانقبله من تجاربنا المتعلقة بالحياة الواعية، فلا نتريث إلا نادراً للتفكير في أعجوبة التجربة الواعية أو لتقديرها؟

لم أدر ما أقول له، فراح يقول: البصر، مثلا، يعطينا في كل لحظة صورة ثلاثية الأبعاد لعالم خارجي.. ولا يكتفي بذلك، بل يركب في هذه الصورة من سمات الالتماع والتلون ما لاوجود له إلا في الإبصار الناشيء عن نشاط الدماغ.. ونحن بالطبع ندرك الآن النظائر المادية لهذه التجارب المتولدة من الإدراك الحسي كحدة المصدر المشع والطول الموجي للإشعاع المنبعث، ومع ذلك فعمليات الإدراك ذاتها تنشأ بطريقة مجهولة تماما عن المعلومات المنقولة بالرموز من شبكية العين إلى الدماغ.

قلت له، وقد أعجبتني أطروحاته من الوجهة العلمية، وإن لم ترضني من الوجهة الفلسفية: كيف ذلك؟

قال: إن كل عملية إدراك حسي تتكون من ثلاث مراحل: المنبه الأصلي لعضو الحس.. والنبضات العصبية المرسلة إلى الدماغ.. ونمط النشاط العصبي المثار في الدماغ.

قلت: هلا وضحت لي هذا أكثر.

قال: سأبسط لك ذلك.. إن عالم الإحساس ـ حسبما وصلت إليه أبحاثي وأبحاث كثيرة جديدة ـ أنه يحتاج ـ كما ذكر أساتذتنا ـ إلى الفيزياء والكيمياء.. ولكنه ليس مقصوراً عليهما..

قلت: هلا ضربت لي مثالا يوضح هذا.

قال: من المؤكد أن وجود كتاب ما يتوقف على عناصر الورق والصمغ والحبر التي يتكون منها، ومن دونها لايمكن أن يوجد الكتاب.. ومع ذلك، فالكتاب لايٌفهم فهماً كافياً بمجرد إجراء تحليل كيميائي للحبر ولألياف الورق.. وحتى لو عرفنا طبيعة كل جزء من جزيئات الورق والحبرمعرفة كاملة، فذلك لايكشف لنا شيئا عن محتوى الكتاب.. ذلك أن محتوى الكتاب يشكل نظاماً أسمى يتجاوز عالم الفيزياء والكيمياء.. وبذلك فإن أحاسيسنا تتوقف على أعضاء الجسم، ولكن لايمكن حصرها في الخواص الفيزيائية والكيميائية للمادة.

***

لست أدري كيف أخذت هذه المعلومات، وعدت إلى صديقي [السير تشارلز سرنغتون]، وذكرتها له، فقال لي، وهو يبتسم: وأخيرا عدت إلي..

قلت: أنت لا تزال صديقي.. وحتى لو اختلفت معك، فهذا لا يفسد المودة بيننا.

قال: لاشك انك جئتني من عند صديقنا [السير جون اكلس]

قلت: كيف عرفت ذلك؟

قال: كل من ذهب إليه يعود إلي، ليتأكد مما ذكره.. خشية على معارفه المادية من أن تنهار هكذا بسهولة.

قلت: فهل يمكنك إنقاذها؟

قال: ولماذا أنقذها.. والبراهين كلها ترفضها.. لقد أصبحت متيقنا تماما أن النشاط الفسيولوجى والكيميائى للدماغ أمر ضروري للإحساس متزامن معه، ولكنه ليس الإحساس بعينه.. فالمادة وحدها لا تستطيع أن تفسر الإدراك الحسى.

نعم يمكن لأساتذتنا القدامى أن يتحدثوا عن الموجات الضوئية، والتغيرات الكيميائية، والنبضات الكهربائية فى الأعصاب، ونشاط خلايا المخ.. أما الحديث عن عمليات الإبصار والشم والذوق والسمع واللمس ذاتها، فليس لهم الحق في الحديث عنه، لأنه ليس مجالهم.

ثم أضاف يقول، وهو يتأمل الأفق البعيد: إن الإدراك الحسى حقيقة.. ولكنه ليس مادة، ولا هو من خواص المادة.. وليس فى مقدور المادة أن تفسره.. ولهذا، فإن وجودنا مؤلف من عنصرين جوهريين: الجسم والعقل.. أو المادة والوعي.

***

بعد أن انهارت أول لبنات القصر المادي الذي كانت تسكن فيه أفكاري حول العقل والوعي.. رحت أستعمل كل أنواع الحيل لتغطية ما وصل إليه البحث العلمي في ذلك المجال.. والذي يوجب بالضرورة وجود الإله.

وللقيام بذلك رحت أستنجد ببعض الأذكياء من أصحابي في أن يجد لنا نموذجا خاليا من الإله مثلما وجد هوكينغ في الكون، ومثلما وجد دوكينز في الحياة.. فقال لي: الأمر أخطر مما ذكر صديقانا.. فالعقل لا يقتصر على المدارك الحسية.. ولذلك فإن عجزنا عن تفسير المدارك الحسية تفسيرا ماديا، يجعلنا نعجز أكثر عن تفسير الملكات العقلية الأخرى.

قلت: ما تعني.. هل ترى أنه من المستحيل أن نجد نموذجا ماديا يفسر الرؤية والسمع وغيرها من المدارك الحسية؟

قال: ليت الأمر كان قاصرا على ذلك.. وإلا استطعنا أن نحتال عليها بصنوف الحيل.. الأمر أخطر بكثير.. فكلمة [إدراك] لا تقتصر على المدارك الحسية فحسب، بل تعنى فوق ذلك المعرفة.. وتعني الوعى.. وبهذا المعنى فإن أي نشاط ينطوى على معرفة أو إدراك هو من أنشطة العقل المدرك التي تبدأ بالإدراك الحسى والحواس الخارجية.. وتنتهي بغيرها من المدارك الكثيرة التي هي أكثر تطورا من المدارك الحسية.

قلت: ما تعني بهذا؟

قال: نعم إن المدارك الحسية هى الأساس الأول لكل المعارف الإنسانية ومصدرها، ومن دونها لا يكون لدى الذاكرة أى شىء تتذكره، ولا للخيال أى شيء يتصوره، ولا للوعي أى شىء يفهمه.. ولكنها مع ذلك ليست المدارك الوحيدة.

ذلك أننا نجد تحت تصرفنا مجموعة كبيرة من ملكات الإحساس الداخلى.. فنحن نملك القدرة على الإحساس لا بالبياض وبحلاوة الطعم فحسب، بل على إدراك الفارق بينهما، فالعين تدرك البياض، ولا تدرك الحلاوة.. واللسان يدرك الحلاوة، ولا يدرك البياض.. فلا اللسان، ولا العين يستطيعان التمييز بين البياض والحلاوة، لأن أيا منهما لا يدرك الاثنين معا.

وهكذا نرى الفرق بين ارتفاع الصوت، وارتفاع الحرارة.. ذلك لأن أى ملكة قادرة على مقارنة شيئين لا بد لها من أن تعرفهما كليهما.. وما من حاسة خارجية تستطيع أن تؤدى هذه المهمة تبعا لذلك.. وهذا يقتضي أن تكون فينا حاسة داخلية تستطيع أن تدرك جميع الصفات التى تدركها الحواس الخارجية، وأن تميز بينهما.

***

بعد أن انهارت لبنة أخرى من لبنات أفكاري المادية حول العقل والوعي.. رحت أستنجد بصديق آخر كان أكثر ذكاء منه، لكني لم أكن معه إلا كالمستجير من الرمضاء بالنار، فقد قابل إلحاحي الشديد في أن نسرع بإيجاد حل قبل أن يعود الإيمان بالله من جديد مستغلا هذه الثغرة الخطيرة، ثغرة العقل، ببرودة قائلا: ليس الأمر قاصرا على ذلك فقط.. الأمر أخطر من أن تتصور.. فنحن لا نملك تلك الأدوات فقط.. والتي لا يمكن تفسيرها تفسيرا ماديا، وإنما نملك أيضا القدرة على أن نستدعى أمورا لم تعد حاضرة.

قلت: ما تعني بذلك؟

قال: من عمليات العقل الكبرى التي لا يمكن تفسيرها تفسيرا ماديا بالإضافة إلى ما سبق عملية التذكر.. ففي الإدراكات السابقة يكون الشىء حاضرا بالفعل.. ولكن الشىء الذى نتذكره ليس كذلك.. إذ أن إدراكنا الحسى الأصلى قد زال على نحو ما، ولكنه مع ذلك بقي تحت تصرفنا.. فالذاكرة لا تستحضر التجربة الماضية فحسب، بل تستحضرها بوصفها حدثا ماضيا، وتستطيع ترتيبها من حيث صلتها بتجارب أخرى ماضية.. بل إن الأدعى الى الدهشة هو قدرتنا على أن نجعل أنفسنا نتذكر الشىء المنسى.

قلت: ولكن الذاكرة تخوننا أحيانا، فلا نستطيع أن نتذكر اسم شخص ما.. ألا يشكل هذا مدخلا لتحويل الذاكرة إلى كيان مادي؟

قال: لا.. لا يمكن ذلك.. فنحن نستطيع فى الغالب أن نحمل أنفسنا على تذكر أي شيء بالتركيز على أمور أخرى مرتبطة بذلك الشيء الذي نسيناه.

سكت قليلا، ثم قال: عجائب العقل لا تتوقف على ذلك.. فهاك الخيال، وهو ملكة حسية داخلية أخرى نستطيع بواسطتها أن نتصور لا الأشياء المدركة بالحواس فحسب، بل الأشياء التى لا تدركها هذه الحواس، كجبل من ذهب، أو فيل بحجم البرغوث.. فالخيال، بخلاف الذاكرة، يستخدم المعلومات الواردة من الحواس الخارجية الخمس بحرية، وبطريقة إبداعية.

***

بعد أن انهارت لبنة أخرى من لبنات أفكاري المادية حول العقل والوعي.. رحت أستنجد بصديق آخر كان أكثر ذكاء من الجميع، فقال لي، وهو يبتسم: أضف إلى ما ذكره زملائي من قدرات العقل العجيبة التي لا يمكن تفسيرها تفسيرا ماديا [الفهم] أو ما نطلق عليه بلغتنا (understanding)

قلت: ما تعني؟

قال: قدرة العقل على معرفة ماهيه الأشياء وعللها.. وهو ما لا يمكن لحواسنا ولا لخيالنا أن يدركه.. بل يحتاج إلى قوة أخرى هي قوة الفهم.. وهي قوة من المستحيل أن نفسرها تفسيرا ماديا.. مع العلم أنها القوة التي تطورت بها العلوم والفنون والفلسفات ولولاها لم تكن حضارة ولا أي شيء آخر.

أردت أن أذهب، فقال لي: توقف.. فهناك قدرة أخرى تحتاج إلى معرفتها ليتهدم كل بنيان العقل المادي الذي تحاول إنقاذه.

قلت: هل هناك شيء آخر تريد أن تضيفه إلى هذا؟

قال: أجل.. هناك الإرادة.. فالإرادة تختار وفقا لما يراه العقل.. ولاشك أنك تؤمن بأن لك إرادة.. ولولا أن لك إرادة لما رحت تدور بيننا لتبحث عن حل للمشكلة التي وقع فيها عقلك.

***

لم أجد ما أجيبه به إلا أني ذهبت إلى صديق لي يدعى [ويلدربنفيلد]، ذلك الذي يلقبه الناس [أعظم كندي حي]، وقد كان جراحا كبيرا للأعصاب والأدمغة، وقد سمعت أنه قام بما يربو على ألف عملية لمريض فى حالة الوعى، وسمعت أن له ملاحظات مهمة في هذا المجال تفوق فى قوتها وكمالها كل ما سبقها من ملاحظات غير مباشرة مستفادة من بحوث أجريت على حيوانات، أو من عمليات جراحية أجريت على أدمغة أشخاص مبنجين.

وقد سمعت أن له الفضل فى إدماج مباحث الأعصاب وفسيولوجيا الأعصاب وجراحة الأعصاب، وأنه نشر كل ذلك في كتابه المسمى (لغز العقل)

عندما دخلت إليه عيادته، وحكيت له ما جرى لي، قال لي، وهو يبتسم: سأذكر لك حادثة وقعت لي.. لقد اكتشفت بمحض الصدفة أن تنبيه مناطق معينه فى الدماغ بالكهرباء تنبيها خفيفا يحدث استرجاعا فجائيا للذاكرة عند المريض الواعى.. وقد ساورتني حينها الشكوك، ثم أخذتني الدهشه عندما لامس الالكترود قشرة مخ مريضة.. حيث تذكرت المريضة سماعها لآلات موسيقية تعزف لحنا من الألحان.. فرحت أعيد تنبيه الموضع نفسه ثلاثين مرة محاولا تضليلها.. لكنها لم تضلل، وكلما أعدت تنبيه الموضع كانت المريضة تسمع اللحن من جديد، وكان اللحن يبدأ فى المكان نفسه، ويستمر من اللازمة إلى مقطع الأغنية وعندما دندنت، مصاحبة الموسيقا، وكان ايقاعها يسير بالسرعة المتوقعة له.

صحت فرحا: وأخيرا حللت المشكلة يا صديقي.. ها قد أثبت العلم أن الذاكرة ليست سوى كيان مادي موجود في الدماغ.

ابتسم، وقال: هناك شيء لم تنتبه له يا صديقي.. وقد انتبه له كل المرضى الذي كانوا يحسون بالدهشة لتذكر الماضى بمثل تلك التفاصيل الحية.. فقد كانوا ينسبون لي أنني أنا الجراح هو المسؤول عن تنبيه الذاكرة التى ما كانت تتاح لولاي.. هل فهمت ما أعني، أم تريد أن أوضح لك أكثر؟

قلت: هلا وضحت لي أكثر.

قال: لقد اكتشفت نتيجة مراقبة مئات المرضى إلى أن عقل المريض الذى يراقب الموقف بمثل هذه العزلة لا بد من أن يكون شيئا آخر يختلف كليا عن فعل الأعصاب اللاإرادية.. ومع أن مضمون الوعى يتوقف إلى حد كبير على النشاط المادي، فالإدراك نفسه لا يتوقف على ذلك.

لقد استطعت بهذه الطريقة أن أرسم خريطة كاملة تبين مناطق الدماغ المسؤولة عن النطق والحركة وجميع الحواس الداخلية والخارجية غير أنني لم أستطع تحديد موقع العقل أو الإرادة فى أى جزء من الدماغ.. فالدماغ هو مقر الإحساس والذاكرة والعواطف والقدرة على الحركة، ولكنه فيما يبدو ليس مقر العقل أو الإرادة.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لأني لم أجد فى قشرة الدماغ أى مكان يستطيع التنبيه الكهربائى فيه أن يجعل المريض يعتقد أو يقرر شيئا.. فالالكترود يستطيع أن يثير الأحاسيس والذكريات غير أنه لا يقدر أن يجعل المريض يصطنع القياس المنطقى، أو يحل مسائل فى الجبر، بل إنه لا يستطيع أن يحدث فى الذهن أبسط عناصر الفكر المنطقى.. والالكترود يستطيع أن يجعل جسم المريض يتحرك، ولكنه لا يستطيع أن يجعله يريد تحريكه.. إنه لا يستطيع أن يكره الإرادة فواضح إذا أن العقل البشرى والإرادة البشرية ليس لهم أعضاء جسدية.

***

بعد أن انهارت كل الأسس التي قامت عليها تصوراتي للعقل، لم أجد إلا أن أخضع لأحكامه، وإلى اعتباره كيانا موجودا محترما، ومختلفا تماما عن المادة.

لكن هداية الله لي في هذا الجانب لم تتوقف على ذلك.. بل هداني إلى ما هو أعظم من ذلك.. وهو هدايتي إليه، لأخرج من جحيم الإلحاد وضلالاته إلى جنة الإيمان وأنواره.

وقد كانت بداية ذلك حوارا حضرته في حديقة من حدائق الحرية، حيث وجدت رجلا مسلما يلتف حوله بعض الناس يسألونه، قال له أحدهم: لماذا لا نرى الله جهرةً، وهل يمكن تصوّر موجود لا يرى بالعين المجردة؟!.. ولماذا لم نر أثراً من الخالق في المختبرات، إنّنا لم نشاهد في عالمنا هذا سوى المادة؟

فقال الرجل المؤمن بهدوء([15]): إنكم بتصوراتكم هذه ترون أن الكون بما فيه من كائنات لا يتجاوز المادة.. وترون أن كلّ الموجودات لابد لها من لون وشكل.. ولابد أن تحدّد بزمان أو مكان.. وترون أنه لو فرض أن يكون هناك موجودٌ، ولم يتصف بالصفات المذكورة فهو إلى العدم أقرب منه إلى الوجود.

قالوا: أجل.. نحن نقول ذلك.. وكل العقلاء يقولون ذلك.

قال: فاسمحوا لي أن أسألكم ما دمتم قد ذكرتم هذا.. وما دمتم ذكرتم أنكم أصحاب علم وعقل.. هل استطعتم بعقولكم الجبّارة أن تسيروا في كلّ أرجاء هذا الكون الواسع لتكتشفوا أنّ كلّ ما في هذا الكون مادة وليس إلا المادة.. وهل انتهى علمكم إلى أنّ كلّ موجود لا بد له من بعد زماني أو مكاني، أو أنّه لابد أن يتّصف بلون أو شكل؟

سكت الجميع، فقال: أظن أنكم.. بل نحن جميعا قد بالغنا كثيرا في تصور قدراتنا على استكناه أسرار الوجود.. فالإنسان بما أحرزه من تقدّم في العلوم الطبيعيّة لا يزال عاجزاً عن فهم وإدراك أبسط المواضيع في علم الأحياء، وهي الخلايا وما تشتمل عليه من صفات وعناصر.. فكيف يستطيع أن ينفي كلّ موجود عدا المادة والطاقة؟

وما دام الأمر كذلك، فكيف يتطلع إلى التعرف على ذاته وحقيقته التي لا يمكن إدراكها مطلقا.. لأن ذات الله تختلف عن خلقه.. ونحن لا نعرف من ذوات الأشياء إلا ما له علاقة بنا.

قالوا: فكيف نعرف الله إذن ما دامت عقولنا قاصرة عن معرفته؟

قال: هي قاصرة عن تصوره.. لأن التصور خيال.. والخيال ابن للمدركات الحسية، ويستحيل على الله أن يخضع للمدركات، لأنه حينئذ سيكون من جنسها.

قالوا: فما المجال المسموح لعقولنا به إذن؟

قال: إذا تتبعنا الحقائق المطلقة وجدناها لا تقتصر على المادّيات فقط.. بل إن الوجود أوسع بكثير من كل تصوراتنا المحدودة.. نعم باستطاعتنا إدراك الألوان والأوزان بحواسنا هذه، أو بمساعدة المجهر.. لكن هناك أشياء كثيرة لا نستطيع أن نشاهدها أو نلمسها أو أن نحسّ بها بحواسّنا هذه، سواء أكانت مجردة أو مجهزة.. بل أنّ العقل يعترف بوجودها قطعاً دون تردّد.. وعن طريق الأدلّة والبراهين العقلية يُؤمن بوجودها في عالم الغيب.

قالوا: فهلا ضربت لنا مثالا على ذلك.

قال: هذه عقولكم أمامكم.. هل يمكن لأي طبيب أو باحث أو مخبر أن يدلكم على مكانها.. نعم هم يعرفون آثارها على وعيكم وتفكيركم، لكنهم لم يشاهدوا العقل أبدا، ولم يلمسوه، ولم يروا لونه.. وإن كنتم لا تصدقونني.. فها هو ذا أمامكم فاسألوه.

ثم التفت إلي، وقال: ها هو أمامكم فقد عمل كل جهده، وبذل كل ما في وسعه ليرى عقله، ويرى المحل الذي يوجد فيه، والشكل الذي يكون عليه.. لكنه في الأخير استسلم، وعرف أن أمره أعظم من أن يحبس في سجون المادة.

***

أصابني إرباك عندما قال هذا، فلم أكن أعرفه، ولم يكن يعرفني.. ولم تكن بيننا أي علاقة لا من قريب ولا من بعيد..

عندما انتهى من حديثه ذهبت إليه، واكتشفت عنده من أسرار العقول ما لم يدركه كل العلماء الذين أدركتهم والتقيتهم، والعجيب أني وجدتهم جميعا ضيوفا عنده، وتلاميذ يدرسون على يديه.

برهان المشاعر:

بعد أن أنهى الرجل الثالث حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن حدثكم صديقي وأخي عن [برهان الوعي]، وكيف خرج به من ظلمات الجهل والغواية إلى نور الإيمان والهداية.. فاسمعوا حديثي عن برهان من براهين الآيات الباهرة، أطلقت عليه اسم [برهان المشاعر].. وهو برهان يدل على الله من كل الوجوه، وبكل المقدمات، وبجميع اللغات..

فالله برحمته لم يخلق الكون مادة فحسب، وإنما أضاف إليه الحياة.. ثم أضاف إلى الحياة أهم عنصر فيها، وهو الوعي والعقل.. ثم أضاف إلى الوعي والعقل أهم عنصر فيها، وهو المشاعر والأحاسيس والعواطف والمواجيد.. وذلك من أكبر الآيات الباهرة التي لا يمكن لأحد من العقلاء أن يجادل في حاجتها إلى قوة خارجية تتصف بكل أنواع الكمال تكون مصدرا لها جميعا..

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع من الآيات في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} [النجم: 43]، فالضحك والبكاء تعبيران حسيان عن الكثير من المشاعر الإنسانية، ومن العجيب أن هذه الآية تليت بقوله تعالى: { وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} [النجم: 44 – 48]، وهي التي تشير إلى برهان الحياة.. وتليت بقوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} [النجم: 49]، وهي التي تشير إلى برهان الكون.

وقد بدأ اهتمامي بهذه المشاعر بأنواعها المختلفة في وقت مبكر حيث كنت لا أزال مرتبطا بالحس، ومتوهما أن الحس هو مصدر كل شيء، فلذلك كنت أرى([16]) العواطف ليست سوى ملكات حسية وناشئة عنها.. وكنت أقول لصاحبي الذي جاء يحاورني في ذلك: انظر إلى الغضب.. فهو لا يثيره إلا الإحساس بالضرر أو الإهانة.. والخوف لا يحركه إلا تخيل وقوع شر يتهددنا فى المستقبل.. والحزن لا يسببه إلا الإحساس بألم حاضر أو تذكر ألم مضى زمانه.. ولهذا فإن العواطف يطلق عليها أحيانا كثيرة اسم [الأحاسيس]

وكان محاوري يقول لي: قد يكون بعض ما تقوله صحيح.. ولكن العواطف أكبر من ذلك، ومجالها أرحب، وتعبيراتها أعم.. وهي بذاتها ليست أفعالا تندرج تحت الإدراك الحسى.. فالخوف لا يدل على مجرد الإحساس بشىء ما، وإنما يدل على موقف أو رد فعل إزاء ذلك الشىء.. والعاطفة ليست عملية الإبصار، ولكنها رد الفعل إزاء الشىء المبصر، والذى يجعلنا نميل إليه أو يدفعنا بعيدا عنه.

وكان ينظر إلى تصوراتي المادية عن الإنسان وكل ما يرتبط به من عواطف أحاسيس، ويقول لي بحنان ورحمة: انظر جيدا.. فلو كان الإنسان مجرد كائن مادي، كما تزعم لكان من المعقول أن تتخذ أشياء مادية أبسط، كالآلات، نماذج للسلوك البشري.. فلكل آلة دافعة تشغلها، كالبخار أو الكهرباء أو الاحتراق الداخلي..

وحينها أقول له، وكأني وجدت الحل الذي يزيل المشكلة من أساسها: ما دمت ذكرت هذا، فإن أهم عنصر في الإنسان هو قوته الدافعة.. وليس تلك القوى إلا القوى المادية الموجودة في الآلة الإنسانية، والتي تتخذ شكل غرائز وانفعالات.. وعند التأمل فيها نجد أنها مصدر جميع الأعمال التي يقوم بها الإنسان.

عندما أقول له هذا يرد علي بغضب: ما دام الإنسان كائنا ماديا، كما تذكر، فأين العقل؟

وحينها أرد عليه بكل تبجح وكبرياء: العقل لا يملك زمام الأمر، لأنه ليس سوى نتاج ثانوي للمادة..

هذا ما كنت أقوله لصاحبي المؤمن الذي كان يذكرني كل حين بحقيقة الإنسان، لينطلق منها إلى الله.. لكني كنت أقطع عليه الطريق من أولها.. فلا أعترف بالإنسان.. ولا أراه إلا مجموعة تفاعلات كيميائية، مثله مثل أي شيء آخر في الكون.

***

وقد كان يعينني في موقفي هذا، أو يلقنني إياه الكثير من أساتذتي الذين راحوا يحللون النفس الإنسانية ليبحثوا عن دوافعها بحثا ماديا بحتا.. والبداية كانت مع أستاذ من أساتذة التطور الذي راح يفسر لي الإنسان، وجميع أحاسيسه ومشاعره بقوله([17]): في البدء.. وبعدما بردت الأرض وتكونت بحارها وجبالها وسهولها وغلافها الجوى واستعدت لاستقبال الحياة عليها، وذلك بعد تعرضها خلال ملايين السنين للتطور من حال إلى حال.. كان أول ظهور للحياة على الأرض فوق سطح الماء والمحيطات والمستنقعات وعلى شواطئ المسطحات المائية التى تكونت عندها مادة الطين، حيث اختلط الماء بالتراب.. ومن عفن الطين المنتن نشأت أبسط وأصغر أنواع الحياة التى نراها ممثلة في بعض أنواع البكتيريا وبعض الكائنات وحيدة الخلية التى لم تتميز بعد على أنها نبات أو حيوان.. ومن هذا الأصل المشترك لجميع الكائنات نبت فرعان من الخلايا المجهرية ـ أى التى لا ترى إلا بواسطة المجاهر المكبرة ـ تولد من أحدهما النبات، ومن الآخر الحيوان.

ثم ذكر لي تفاصيل كثيرة بعدها، وكأنه رآها بأم عينيه، قصها علي كما يقص الحكواتي قصصه وحكاياته.. وعندما سألته عن محل العواطف الإنسانية من كل ذلك، قال لي: إنها الغريزة.. فالغريزة هي التفسير العلمي لكل تلك العواطف التي تراها، والسلوكيات الناشئة عنها.. إنها التفسير الصحيح لقابلية الحيوان للقيام بسلوك معين منذ الولادة.

قلت: أنت تتحدث عن الحيوان.. وأنا أسألك عن الإنسان.

ضحك بصوت عال، وقال: وهل الإنسان سوى حيوان أكثر تطورا.

قلت: فكيف اكتسبت الحيوانات هذه الغريزة؟.. وكيف كان ظهور أول سلوك غريزي لديها؟.. وكيف تم انتقال هذه الغريزة كابراً عن كابر؟

سكت قليلا، وكأنه يتأمل سؤالي، ثم قال: إن شئت الحقيقة.. هناك أجوبة كثيرة عن هذا.. ولكنها تكاد تكون أسئلة هي الأخرى، لا أجوبة.. فكل سؤال منها سيستدعي منك أسئلة أخرى.. ولو بقينا هنا إلى آخر الدهر مع مثل هذه الأسئلة، فلن نخرج أبدا.

ثم أضاف: ربما تكون الغرائز مجرد جينات موجودة لدى الحيوانات، تظهر على شكل أنماط سلوكية.

قلت: وهل تؤمن بهذا؟

قال: لقد ذكرت لك أن هذا نفسه سيحتاج إلى أسئلة جديدة، بل أسئلة كثيرة.. أولها ستقول لي: لو كانت الكائنات الحية مبرمجة على أن تسلك هذا السلوك المعين فمن الذي برمج هذا السلوك؟.. أنا أعلم أنه لا يوجد أي برنامج مبرمج من تلقاء نفسه.. وأنه لا بد لكل برنامج من مبرمج.

قلت: نعم.. كنت سأسألك هذه الأسئلة.. فما الإجابة التي أعددتها لها؟

قال: لقد وفر أصحابنا العناء على أنفسهم.. فذكروا إجابة ربما ستستدعي منك أسئلة أخرى.

قلت: فما قالوا؟

قال: هم يقولون.. أو بالأحرى نحن نقول بأن الطبيعة الأم ـ التي تتشكل من البحيرات والجبال والأشجار والظواهر المختلفة ـ لها القدرة على الخلق، إنها بديل علمي منطقي عن الخالق..

قلت: إن الطبيعة كيان متعدد الأنواع.. فأي نوع منها لديه القدرة على إكساب الحيوانات المختلفة أنماطها السلوكية المختلفة؟

قال: كنت أعلم أنك ستسأل هذا السؤال.

قلت: لست أنا وحدي الذي يسأله.. بل عقلك أيضا يسأله، أنا أشعر أن عقلك يحتاج إلى إجابة منطقية على هذا السؤال.. إن الطبيعة تتألف من الحجر والتراب والأشجار والنباتات.. فمن من هذه العناصر تكون له القدرة على إكساب الكائنات الحية هذا السلوك المبرمج؟.. أي جزء من الطبيعة لديه القدرة والعقل على فعل ذلك؟

هل ترى أنه يمكن للإنسان العاقل أن يقول، وهو يرى لوحة زيتية جميلة:(ما أحلى الأصباغ التي رسمت هذه اللوحة)؟.. بلا شك فإن كلامه لن يكون منطقيا.. إذن فإن ادعاء كون المخلوق خالقاً للأشياء هو بلا شك ادعاء غير منطقي..

حينها غضب الأستاذ، وقال لي: أرى أن صاحبك المؤمن قد أثر فيك.. فاختر لنفسك أحد الخيارين.. إما أن تسير في طريق الدين وما فيه من خرافات وأباطيل.. وإما أن تسير في طريق العلم.. وحينها لابد أن تؤمن بكل الحقائق التي ذكرتها لك..

***

كان لتلك الدروس والحوارات التي أجريها مع أساتذتي تأثيرها الكبير على شخصيتي، حيث وجدتني بعد أن وضعت بين تلك الخيارات المحدودة أقنع نفسي رغما عنها بما يقولون.. بل وجدتني أنقلب إنسانا آخر.. بل وجدت نفسي قد انسلخت من إنسانيتي، لأرتدي كل مرة حلة من حلل البهائم والسباع.. فمرة أصير خنزيرا أرتع من لذات الدنيا.. ومرة كنت أسير في الشوارع كما تسير الأسود مكشرة عن أنيابها.. ومرة كنت ـ وتحت الضغوط الشديدة ـ أتحول إلى فرد من عائلة الخنافس والجعلان..

وهكذا انتقلت من حيوان إلى حيوان.. وقد وجدت الكثير من الأساتذة يستغلون حالي في ذلك أبشع استغلال..

وكان منهم كارل ماركس الذي اعتبر الكفاح من أجل البقاء بين الكائنات العضوية مع الكفاح من أجل السيطرة السياسية بين الطبقات الاجتماعية.. واعتمد كُتّاب وباحثون آخرون على فكرة الانتخاب الطبيعي لكي يبرروا مفهوم تطور العنصر الإنساني الراقي للجنس البشري.

واستخدم بعض الدارسين الذين عرفوا باسم الداروينيين الاجتماعيين أفكارداروين لتأييد الفكرة التي تقول بأن على الناس في أي مجتمع، وعلى الجماعات أن تتنافس على البقاء حيثما كانت.

بل إن الاستعمار ـ وبدلاً من أن يشعر بتأنيب الضمير ـ صار يشعر، بل يعتقد من خلال هذه النظرية أنه يقوم برسالة حضارية عندما يزيل مواريث الأمم والبنى التحتية لها ومجتمعها المدني القائم بها والحرف والصناعات الخاصة بها، ويعتبر نفسه أنه يمدنها.. حتى أن ماركس اعتبر غزو فرنسا للجزائر من التمدن وإزالة الرجعية والتخلف وتحدث بنفس هذا المنطق عن الهند..

***

وهكذا أرسلني هؤلاء الأساتذة إلى فرويد الذي انحرف بي عن إنسانيتي انحرافا خطيرا، ظللت تحت أسره دهرا طويلا من الزمان.. لقد بدأ فعمق في نفسي الهوة التي كانت تتوسع بيني وبين كل القيم الإنسانية..

أذكر أنه في أول لقاء لي معه، رأيته يقرأ خطابا أرسله له أحد الأطباء الأمريكيين الشبان يلومه فيه على عدم إيمانه، ويسرد له في خطابه قصة مؤثرة عن كيفية رجوعه للإيمان بعد شك في وجود الله، وأن ذلك الرجوع جاء نتيجة لتأثره بوفاة مريضة عجوز بريئة ملامح الوجه؛ كما ذكر هذا الطبيب الشاب في خطابه لفرويد أنه بعد شكه في الله دخل في أزمة نفسية انتهت بسماع صوت من داخل نفسه مازال يحثه على الرجوع لإيمانه حتى رجع له يقينه بوجود الله.

لقد ضحك فرويد حينها، ثم رد عليه يقول:(إن الله لم يسمعني صوتا داخليا كالذي أسمعك إياه.. وإذا تباطأ الله في هذا الأمر رغم علمه بكبر سني، فإنه سوف لا يكون الخطأ خطئي لو بقيت إلى نهاية حياتي على اعتقادي الحالي)

ولم يكتف بذلك، بل راح يحلل خطاب الطبيب نفسيا وينشر ذلك كله في مقال بعنوان: A religious Experience.. في ذلك المقال يهوي فرويد بأحاسيس الرجل الإنسانية التي تجلت في ألمه لرؤية وجه السيدة الوقورة الميتة إلى حضيض التفسير الجنسي والعقدة الأوديبية بأسلوب متهافت ومنطق غريب.

ومما جاء في ذلك المقال:(إن رؤية جسد المرأة الميتة الذي ربما كان عاريا أو كان في طريقه لأن يتعرى من الملابس قد ذكَّر هذا الشاب الطبيب بأمه (لا شعوريا) وقد أثارت فيه هذه الذكرى شوقا لوالدته نبع من عقدته الأوديبية.. وهذا الشعور سرعان ما أثار فيه البغض والغضب على والده.. وبمــا أن أفكاره عن والده وعن الله لم تنفصل بعد بما فيه الكفاية، فإن رغبته في تحطيم والده على المستوى اللاشعوري قد ظهر شعوريا في شكل شكه في وجود الله، وإنه لمن المعلوم لدينا أن الطفل يعتبر ما يفعل والده لأمــه في صلته الجنسية بها نوعا من سوء المعاملة والقسوة)

سألته حينها متعجبا من هذا الموقف، وقلت: أهذا هو مصدر العقيدة في الله؟

رد علي بثقة عظيمة: أجل لقد وقفنا من خلال التحليل النفسي على هذا الرباط الوثيق بين عقدة الوالدية.. عقدة أوديب.. وبين نشوة الإيمان بالله لدى الأفراد بما لا يدع مجالا للشك في أن الإله ما هو إلا صورة بديلة عن الأب.

ثم أضاف معقبا بطريقته التمثيلية التي كانت تجذبني بشدة في ذلك الوقت: إنه الصورة المكبرة عن تلك التي يكونها الطفل عن أبيه في طفولته كمصدر للحب والحماية والرعاية، فالتدين وثيق الصلة بالحاجة الدائمة للإنسان الطفل للحماية والمساعدة.

وكان يقول لي بعدها كل حين:(إن التحليل النفسي يمثل المرحلة الأخيرة من الثورة العلمية التي مازالت تعري للبشرية هذاءاتها المتمثلة في الدين)

وكان يقول لي ـ وهو يفسر نزعة التدين ـ:(إن هذه الاعتقادات التي تعرض في الدروس الدينية لا تنبع من الخبرات البشرية المتراكمة، وليست هي نتاجا للتفكير المستقيم إنما هي نوع من الهذاءات؛ بل هي إشباع لأقدم وأقوى وأشد رغبات الجنس البشري إلحاحا..إن الإحساس بالتهديد والخوف والشعور بعدم الأمان لدى طفل لا يقدر على مواجهة ظروف الحياة أيقظ لديــــه الحاجة إلى الحماية والحب في الوقت نفسه، وهو الأمر الذي يتولاه الأب عادة.. ثم إن عجز الإنسان البدائي على مواجهة قوى الطبيعة وقلة حيلتة جعلته في حاجة إلى حماية دائمة من هذه الأخطار التي تتهدد حياته فتعلق بـ (أب) أكبر في هذه المرة، إنه الله.. لقد وجدت مشاعر القلق التي تنتاب الإنسان أمام عجزه على مواجهة أخطار الحياة هذه حلها في الدين في ظل الحماية الإلهية والتعاليم السماوية التي سنت القوانين الأخلاقية التي تنتظم العالم وتلبي حاجة الإنسان إلى العدل الأخروي الذي قلما تحقق في عالم الناس، وما يتبع ذلك من الإيمان بالحساب والإيمان بحياة أخرى هي في الحقيقة امتداد لحياة قلما استطاع الإنسان أن يشبع فيها كل رغباته)

هذا موقفه من الدين، وتفسيره له، وعندما سألته عن تفسيره للعواطف والمشاعر التي أعيشها كإنسان، قال لي: كل هذه الأشياء ليست إلا تعبيرا عن الدوافع الغريزيّة لدى الإنسان..

وعندما سألته عن الدين، قال لي: الدين يستقي أصوله من رغبتنا إلى الرعاية السماوية التي نتصورها في صورة الأب الحنون الذي يحل محل الأب الحقيقي، لأن هذا لا يلبث أن يخيب آمالنا كلما شببنا عن الطوق، وبلغنا مبلغ الرجولة.

وعندما سألته عن الأخلاق، قال لي: ما الأخلاق إلا قواعد أوجدها الإنسان لتكون كالحاجز تصد غرائزه التي لو انطلقت من زمامها لجعلت النظام الاجتماعي أمراً مستحيلاً.

وعندما سألته عن الفن، قال لي: أما الفن فقيمته إنما تنبثق من حاجة الإنسان إلى أن يبتدع أنواعاً من الوهم تقيه من النظر إلى الأشياء كما هي في حقيقتها مما لا يسهل على الإنسان أن يحتمله.

ثم رفع يديه إلى السماء، وكأنه يخاطب نفسه، وقال: هذا هو التسامي.. فالأنا ـ التي هي المسيطر على الحركات الإرادية ـ تتقبل الدافع الغريزي وتتسامى به، وذلك بأن تحيله من صورته التي هو عليها أو من وضعه إلى وضع آخر ذي قيمة.

ثم أضاف يقول بقوة: إن المنبهات القوية الصادرة عن المصادر الجنسية المختلفة تنصرف وتستخدم في ميادين أخرى بحيث تؤدي الميول التي كانت خطرة في البداية إلى زيادة القدرات والنشاط النفسي زيادة ملحوظة.. تلك إحدى مصادر الإنتاج الفني، وإن تحليل شخصية الأفراد ذوي المواهب الفنية ليدلنا على العلاقات المتغيرة القائمة بين الخلق الفني والانحراف والعصاب، بقدر ما كان التسامي كاملاً أم ناقصاً.. وإن الجانب الأكبر لما نسميه الطبع مركب من مادة المنبهات الجنسية ومؤلف من ميول ثبتت منذ الطفولة أو اكتسبت عن طريق التسامي أبنية الغاية منها كبت الاتجاهات المنحرفة التي استحال استخدامها.

كان في القاعة التي نجلس فيها لوحة كبيرة من رسم (ليوناردو دافنشي)، أشار إليها، وقال: هذه اللوحة دليل لما أقول.. لقد درست هذه اللوحة دراسة متمعنة.. بل درست جميع الجبل الذي كان سطحه (ليوناردو دافنشي)، وسميت تلك الدراسة (ليوناردو دافنشي دراسة نفسية جنسية لذكريات طفولية)

لقد قمت في ذلك البحث العميق بتحليل شخصية دافنشي تحليلاً نفسياً متكئاً على ملاحظة وجدتها في إحدى أوراق الرسام العظيم.. وهي رؤيا طفولية، فقد روى أنه يذكر عندما كان في المهد أنه رأى نسراً ينزل عليه ويفتح له فمه ويضربه بذيله على شفتيه عدة مرات.

وفي ضوء هذه الرؤيا اكتشفت سر ذلك البطء الذي اشتهر به دافنشي، وهو ينجز أعماله العظيمة، واكتشفت سر تنقلاته الكثيرة، وسر غموض ابتسامة (الجوكندا).. لقد اكتشفت أنه كان ضحية انحراف جنسي على مستوى اللاوعي، تأثرت به حياته، وتأثر به فنه.

أخرج كتبا كثيرة.. وراح يحللها جميعا بمقاييسه التي وضعها، ثم قال: هكذا وجدت جميع المبدعين.. هم جميعا عصابيون، كثيرو الانطواء، على صدام دائم مع الواقع الذي لا يسمح لهم بإظهار دوافعهم الغريزية.. ولذلك يلجؤون لإشباعها إلى عالم الوهم حيث يجدون بديلاً عن الإرضاء المباشر لرغباتهم، ويستعينون للوصول إلى تحويل مطالبهم اللاواقعية إلى غايات قابلة للتحقيق من الوجهة الروحية على الأقل بما يمكن تسميته بالقدرة على التسامي.. وهذه إحدى آليات الدفاع التي تعفيهم من القصاص أو المرض، لكنها ـ مع ذلك ـ تجعلهم رهائن عالم وهمي لن يطول الأمد به حتى يصبح مرضاً عصابيا.

***

بهذه الصورة الباهتة الحقيرة اختصر لي أستاذي فرويد الإنسان ومشاعره وعواطفه.. فكل سلوك عنده ناتج عن تلك الدوافع الغريزية التي يمتلئ بها اللاشعور.. ومهمة المحلل النفسي منحصره في أن يكشف دلالات هذه الرموز الجنسية التي يستحيل فيها الإبداع إلى استراتيجية من الدعارة المقنعة، والهوس الجنسي المراوغ ؛ لأن كل قائم في صورة إنما يرمز إلى عضو الذكورة، وأن كل تجويف يعني أعضاء المرأة التناسلية، وأن العمود أو التمثال المنحوت لجسم إنسان منتصب لم يكن في الأصل غير رمز لعضو التناسل، وأن الجزء الداخلي من المبني يرمز إلى رحم المرأة.. وهكذا.

وهكذا بقيت أتردد على أساتذة مختلفين كل منهم يفسر لي حقيقة الإنسان وعواطفه تفسيرا مختلفا، وبثقة عظيمة، كان منهم رجل يقال له (إدلر).. لقد جاءني في اللحظات التي بدأ الشك فيها يتسرب إلي من رؤى فرويد، وقال لي، وهو يهمس في أذني: أتدري.. لقد كان سيدنا فرويد مخطئا خطأ شديدا في إرجاعه السلوك الإنساني إلى الجنس.. لا.. ليس الأمر كما يقول.. لقد بحثت وحللت.. فوجدت أن الموجه للسلوك الإنساني أمر أخطر بكثير من تلك النزوات الحقيرة الموقوتة..

نظرت إليه، والفرحة تملأ أسارير وجهي، وقلت: فما الذي اكتشفت؟

قال: الشعور بالنقص..

قلت: الشعور بالنقص !؟.. ما تقصد؟

قال: لقد رأيت أن كل نشاط يمكن تفسيره بهذه القوة الدافعة.. قوة الشعور بالنقص.. لقد رأيت أنه قوة الدفع الأولى للسلوك.. لقد كتبت في ذلك كتابا أثبت فيه هذا.

ناولني كتابا كان بيده، وقال: هذا هو الكتاب.. لقد سميته.. (فهم الطبيعة البشرية).. اسمع ما أقول فيه: (إن كل طفل وهو يقف بمفرده أعزل عن معونة الآخرين لا يلبث أن يشعر إن عاجلاً، أو آجلاً بعجزه عن معالجة شؤون العالم الواقعي، وهذا الشعور بالعجز هو القوة الدافعة ونقطة الارتكاز الأولى التي يبدأ منها جهاد الإنسان، وهو يقرر الهدف الأقصى لوجوده)

أغلق الكتاب، ثم نظر إلي، وقال: الطفل حين يولد، يكون بحاجة إلى نوع من الرعاية والاهتمام، وهي رعاية سرعان ما تستحيل في نظر الطفل إلى نوع من التسلط على نفسيته؛ لأنها تشعره بعجزه، الأمر الذي يولِّد لديه شعوراً بالنقص، مما يفضي به إلى أن يبني لنفسه عالماً من الخيال يكون فيه سيداً مطاعاً، ويسعى إلى تقديم نفسه للآخرين على أنه مركز القوة، وسيد القرار.

قلت: أنت تقلد أستاذنا فرويد في تركيزه في تحليله للسلوك الإنساني على سنوات الطفولة الأولى؟

قال: نعم.. لقد اكتشفت أنها الموجّه للسلوك في المستقبل، لأن الأساليب التي يتخذها الطفل للتعويض عن شعوره بالنقص تقرر طبيعة الهدف الذي يوجه نشاطه خلال حياته كلها.

قلت: ولكن.. هل أمكنك تفسير كل النشاط الإنساني بهذا الدافع؟

قال: أجل.. لقد وجدت أن كل النشاط الإنساني تعبير عن هذا الشعور.. فقط الناس يختلفون في طبيعة النقص، وطريقة التعبير عنه وتعويضه.. وقد وجدت أن هذا التعويض لا يتم إلا على أنقاض الآخرين من خلال قوة الإرادة، وفرضها على الجماعة، والتسلط على المجتمع، فلا يمكن أن تتحقق الأهداف من دون الكفاح، والاقتحام..

قلت: ألا يمكن تحقيق الأهداف عن طريق الألفة والتعاون مع المجتمع..

ضحك ضحكة عالية، وقال: لا.. لا يمكن للفرد النجاح في مساعيه، وهو يحمل هذه القيم.. إن النجاح لا يعني عندي إلا شيئا واحدا.. هو الحيلولة بين الآخرين وبين تحقيق أهدافهم.

قلت: إن هذا يجر إلى الصراع؟

قال: لا يمكن للحياة أن تستقيم بلا صراع.. أليست المادية الجدلية عند لينين، والمادية التاريخية عند ماركس صراع على مطالب الإنسان في هذه الحياة؟

قلت: بلى..

قال: لا يمكن لنظرية من النظريات أن تنجح، وهي تستظل بظل السلام.

***

لم يطل مكثي معه طويلا، فقد جاءني رجل يسمى (يونج) الذي راح يقنعني باللاشعور الجمعي.. والذي اعتبره رواسب نفسية لتجارب ابتدائية لا شعورية، لا تحصى، شارك فيها الأسلاف في عصور بدائية، وقد ورثت في أنسجة الدماغ، بطريقة ما، فهي – إذن – نماذج أساسية قديمة لتجربة إنسانية مركزية.

سألته حينها: الوعي الإنساني عندك إذن ليس مقصوراً على علاقة الطفل بوالديه كما ذكر فرويد؟

قال: أجل.. الوعي الإنساني عندي.. أنا يونج.. إنما يتشكل في ظلال مخزون ثقافي موروث يمتد حتى تجربة الإنسان البدائي مع الكائنات والأشياء، وقوام هذا المخزون هو ما أسميه بـ (اللاشعور الجمعي) أو (الأنماط العُليا)

قلت: الأنماط العليا!؟

قال: أجل.. وهي تتشكل من تلك الأساطير التي يحركها نداء اللاوعي، فتبدو في أحلام الأفراد ورؤى الفنانين العرافين، كي تعيد التوازن النفسي للعصر.

قلت: فمحور نظريتك ينطلق من الأنماط العليا إذن؟

قال: أجل.. ولها عندي.. أنا يونج.. مرتبتان:

أما المرتبة الأولى، فقد أسميتها (الأنماط العليا الشخصية) كنمط الظل، والقِران المقدس والأنيما، وهذه تبرز في شكل شخصي فترى مباشرة.. فالإنسان يلتقي أولاً مع ظله أو مع وجهه الذي يخفيه بواسطة الشخصية، ويلتقي بوالديه اللذين يشكلان له نمط القِران المقدس، ويواجه أحوال اللاشعور، وهي الأنيما أو النفس.

أما المرتبة الثانية، فقد أسميتها (أنماط التحول)، كنمط الأم، ونمط الطفل، ونمط البنت.. فنمط الأم يحمل صورة الأم الطبيعية، والأم الأرض، والأم الروح، ونمط الطفل يحمل صورة الطفل الإله أو الطفل البطل، ونمط البنت يحمل صورة العذراء، والأنثى المجهولة، والأنثى الخرافية، والأنثى الأضحية.

وعلى هذا تكون هذه الأنماط الشخصية، وأنماط التحول ميراثاً إنسانياً انبثق من تصور الإنسان البدائي للكون، وهو ما يسمى بالأساطير.

قلت: أراك تعطي مصداقية كبرى للأساطير مع أنه لا دليل عليها.

لست أدري كيف غضب غضبا شديدا، وقال: لا.. ليست الأساطير كما تزعم.. إن الأساطير هي تاريخ البشرية الأولى.. نعم تنوسيت ملامحه الدقيقة، وأضفى الخيال الإنساني عليه جواً فضفاضاً.. لكنه يظل مع ذلك هو تاريخ الإنسانية الأول.

قلت: وما تقول في الأساطير التي تؤرخ للآلهة؟

قال: لقد ذكرت لك أن العقل الإنساني أضفى خيالا على الحقائق التاريخية التي تحملها الأساطير، فلذلك، فإن الأساطير المرتبطة بالآلهة ليست في الحقيقة إلا تأريخا لعصر الأبطال، حين كان الإنسان يعجب بالقوة والجبروت، والبطولة في شتى ألوانها المادية والمعنوية، ويتطور هذا الإعجاب عند الأجيال إلى نزعة من التقديس تتلاشى معها حيناً بعد حين الحدود الفاصلة بين المحدود المطلق، وبين حقائق الواقع الإنساني، وخفايا الوجود الغيبي، فتصل إلى حد عبادة الآباء، ثم تصل إلى تناسي هذه الأبوة، ودخولها في مرحلة تالية.

قلت: سلمت لك بهذا.. فما تقول في عبقرية الإبداع الفني.. هل تراها كامنة في هذه الصور الأسطورية؟

قال: أجل.. فالصور الأسطورية هي التي تشكل قاسماً مشتركاً بين الناس.. إنها هي التي تطلق قوى المخيلة للمبدع.. ومن هنا كانت الروائع في الأعمال الفنية خالدة ولا وطن لها.. ذلك لأنها إنما تنبع من اللاشعور الجمعي، حيث ينبسط التاريخ وتلتقي الأجيال، فإذا غاص الفنان إلى هذه الأعماق فقد بلغ قلب الإنسانية، وإذا عرض على الناس قبساً من هذا المنبع العظيم عرفوا أنه منهم ولهم.

قلت: لقد ذكر لي فرويد أن الإبداع يعتمد على التسامي..

قاطعني، وقال: أخطأ فرويد.. الإبداع لا يعتمد على التسامي.. بل يعتمد على الإسقاط.

قلت: ما الإسقاط؟

قال: هو العملية النفسية التي يحول بها الفنان تلك المشاهد الغريبة التي تطلع عليه من أعماقه اللاشعورية إلى موضوعات خارجية يمكن أن يتأملها الأغيار.

قلت: كيف يتم هذا الإسقاط؟

قال: هذا الإسقاط لا يتم إلا من خلال الرمز الناتج عن إطلاع المبدع حدسياً على اللاشعور الجمعي، ولهذا كان إبداع الرمز أعظم وظائف اللاشعور؛ لأنه أفضل صيغة ممكنة للتعبير عن حقيقة مجهولة نسبياً.

***

بعد أن حدثني أستاذي (يونج) بتلك الأحاديث، بل أقنعني بها، لم يعد لي من هم في حياتي إلا البحث في الأساطير والخرافات القديمة لأحاول أن أجد من خلالها حقيقتي..

كان البحث مضنيا.. وكان فك الرموز أكثر صعوبة.. وفوق ذلك لم يكن لي من الدلائل ما يقنعني بصحة أي من التحليلات الكثيرة المتناقضة.

في غمرة تلك الجهود الشاقة جاءني رجل يقال له (واطسون).. شيخ (المدرسة السلوكية)، وقال لي: دعك من فرويد.. وهلم إلى نيوتن.. فمن استطاع أن يفسر الكون هو الوحيد المخول بأن يفسر الإنسان، لأنه الوحيد الذي يمكن أن يفهم الإنسان.

قلت: نيوتن يفهم الآلة.. لا الإنسان؟

قال: ليس الإنسان سوى آلة.. لا تختلف عن أي آلة..

قلت: والعقل.. والمشاعر.. والعواطف!؟

ضحك ضحكة هستيرية، وقال: وهل رأيتها؟

قلت: الكل يذكر العقل.. ويذكر الشعور.. بل ويذكر اللاشعور..

قال: ما الإنسان إلا ما تراه من جسمه.. أما ما تسميه الشعور فلا يعدو أن يكون حصيلة ثانوية لعمليات جسمية، يصاحبها أحياناً، وإن كان ذلك يحدث بصورة عرضية.

سكت قليلا، ثم استأنف يقول: لست وحدي الذي يقول هذا.. حتى ماركس.. ذلك الأحمق الشيوعي كان يقول:(في الإنتاج الاجتماعي الذي يزاوله الناس تراهم يقيمون علاقات محددة لا غنى عنها، وهي مستقلة عن إرادتهم، وعلاقات الإنتاج تطابق مرحلة محدودة من تطور قواهم المادية في الإنتاج، والمجموع الكلي لهذه العلاقات يؤلف البناء الاقتصادي للمجتمع، وهو الأساس الحقيقي الذي تقوم عليه النظم القانونية والسياسية والتي تطابقها أشكال محدودة من الوعي الاجتماعي. فأسلوب الإنتاج في الحياة المادية هو الذي يعين الصفة العامة للعمليات الاجتماعية والسياسية والمعنوية في الحياة. ليس شعور الناس هو الذي يعين وجودهم، بل إن وجودهم هو الذي يعين مشاعرهم)

قلت: ولكنك بنزع العقل من الإنسان لن تبقي له أي شيء؟

قال: بل أعيده إلى ذاته.. فمن الخطر ومن الخطأ أن يظل الإنسان يبحث في الأساطير عن ذاته.. بينما ذاته أمامه يستطيع أن يشرحها كما يشاء.

قال ذلك، ثم نظر إلي ليتأمل تأثير كلامه علي، ثم قال: لقد ظلت المادية تعاني ضعفاً منذ أن كانت تفتقد هذه الحلقة أي منذ كان الميكانزم العصبي مجهولاً، واستغل المثاليون هذا الضعف، واستفاد منه الرجعيون لنشر الجهل وتشويش الفكر وخلق أساطير عن الطبيعة البشرية..

قال ذلك، ثم نظر إلي، فوجدني لا أزال لا أنبس ببنت شفة، فقال: تعال معي.. لا يمكن أن تقتنع قبل أن ترى بعينك.. فليس الخبر كالعيان.

قلت: إلى أين تريد أن تأخذني؟

قال: ألست تبحث عن الإنسان؟.. تعال أريك الإنسان.

سرت معه في كثير من المتاهات إلى أن وصلنا حجرة سمعنا فيها صياح كلب.. فالتصقت به، وقلت: أنا أخاف من الكلاب.. هيا بنا نبتعد عنها.

قال: لن تفهم الإنسان حتى تفهم الكلاب.. تعال معي.

دخلنا حجرة استقبلنا فيها رجل اسمه (بافلوف).. لم يطل به ترحيبه لنا.. بل قادنا إلى حيث يوجد الكلب الذي أفزعني نباحه.. ثم قرع جرسا، فإذا بالكلب يسيل لعابه بقوة.. قال لنا بافلوف: انظروا.. لقد عودت هذا الكلب على أن لا أقدم له الطعام إلا بعد أن أقرع الجرس.. انظروا تأثير ذلك عليه.. صار الجرس عنده مثيرا.. لقد استطعت أن أستبدل رائحة الطعام بصوت الجرس.

التفت إلى صاحبي، وقلت: لقد أخبرتني أنك ستدلني على الإنسان.. فأين هو الإنسان؟

أشار إلى الكلب، وقال: هذا هو الإنسان.

قلت: هذا كلب.. وليس إنسانا.

ضحك مع صاحبه بافلوف ضحكة عالية، ثم قال: نعم.. هناك فروق بينهما.. لكن مع ذلك نستطيع أن ندرس الإنسان من خلال دراستنا للكلب.. بل للحشرات..

قلت: ما الجامع بينهما؟

قال: ألم يفسر نيوتن جميع حركات الكون من خلال تفاحة؟.. فكذلك نحن يمكننا أن نفسر كل الظواهر السلوكية للإنسان من خلال الظواهر السلوكية للكلاب.

قالا لي هذا.. ثم سارا بي في متاهات كثيرة.. ومدة طويلة من الزمان صرت أرى فيها نفسي كما أرى أي آلة.. وقد عذبتني هذه الرؤية كثيرا..

***

بعد كل تلك الجولات الطويلة التي أخذت جزءا كبيرا من عمري، وتهت فيها عن نفسي وحقيقتي بسبب غفلتي عن ربي جاءني المدد الإلهي الذي خلصني من كل تلك الأوهام والخرافات التي لبست ثياب العلم.. وكان أول ذلك معرفتي لربي، فربي هو الذي عرفني بنفسي وحقيقتي وما وهبني من الكمال، وما أفاض علي من التكريم.

وقد وجدت أن كل ما قام به أساتذتي من تحريفات للحقيقة الإنسانية ليس سوى نوع من الهروب من الله.. وعندما هربوا من الله لم يجدوا إلا السراب.

***

ما أنهى صاحبنا حديثه حتى انتشرت أنوار لطيفة على تلك الروضة الجميلة التي اجتمع فيها كل أولئك العلماء المنورين بنور الإيمان، وقد سرى أريج تلك الأنوار إلى كل لطائفي، فصرت أرى عظمة الله، وهي تتجلى بكل بهاء وجمال في كل آية من آياته.

لقد رأيتها جميعا تدعونا بلسان حالها ومقالها إلى الرحلة إلى الله.. فالله ما أرنا بديع آياته إلا لنهتدي إليه، ونطرق بابه، ونتعرف عليه.. ونمتلئ بالمشاعر الجميلة، ونحن في صحبته.


([1]) أقصد محمد أبو القاسم حاج حمد (1941-2004م)، فقد دعا في كتبه إلى الاهتمام بهذا النوع من الأدلة، فقال: (هذه الحجة القرآنية – التي أسميناها دليل الآيات – يمكن وضعها هي الأخرى في صيغة من الصيغ المنطقية العقلية المعروفة، وذلك أن الحجج المنطقية ليست محصورة في الاستنباط، أو ما كان يسميه علماؤنا بقياس الشمول، بل هنالك حجج أخرى منطقية عقلية صحيحة يستعملها الناس في علومهم بل في حياتهم اليومية، وإن لم يصوغها الصياغات المنطقية)

([2]) انظر مقالا بعنوان: الإلحاد: أساطير وخرافات.

([3]) النص مقبس بتصرف من كتاب [العلم في منظوره الجديد] لروبرت م.أغروس وجورج ن. ستانسيو، ترجمة كمال خالايلي، والذي طبعته سلسلة عالم المعرفة، ورقمه في السلسلة (134).. وهو يتحدث عن التطورات التي وقعت في العلم الحديث، وعن النتائج الفلسفية والدينية المترتبة عليها. وأثبت المؤلفان أن العلم الحديث يقرر وجود الله، وأن للكون بداية وينفي بصورة قاطعة أزلية الكون. وفي الكتاب شرح مفصل وواضح لكثير من النظريات العلمية التي لها تعلق بقضية الدين نفياً أو إثباتا من الملاحدة وغيرهم..

([4]) سنناقش هذه المسائل في الجزء الخاص بذلك، وهو [الإلحاد.. والكون]

([5]) انظـر: (الكون التضخمي المتجدد ذاتيا)، مجلة العلوم، العددان 8/9 (1995)،ص24.

([6]) انظــر: (الفيزياء الكمومية للسفر في الزمن)،مجلة العلوم، العددان 11/12 (1996)،ص42.

([7]) انظر: (أكوان متكافئة)،مجلة العلوم، العددان 11/12 (2003)،ص4.

([8]) انظر: مصدر الوجود بين العلم والفلسفة: الشيخ جعفر السبحاني..

([9])   الطبعة الأولى من أصل الأنواع،  ص 184.. وقد حذفها بعد ذلك استجابة لطلب أصحابه.

([10]) انظر: كواشف زيوف للشيخ عبدالرحمن حبنكة الميداني.

([11]) أيقونات التطور: لم يكون معظم ما ندرسه عن التطور خاطئاً، جوناثان ويلز، ص 225 ملخصاً..

([12]) انظر: المصادر الموثقة لهذا النص وغيره في كتاب: الرد على الملحدين العرب: د. هيثم طلعت علي سرور..

([13]) انظر مقالا بعنوان: الإلحاد: أساطير وخرافات.

([14]) انظر الفرق بين النظرة القديمة والجديدة نحو العقل في كتاب [العلم في منظوره الجديد] لروبرت م.أغروس وجورج ن. ستانسيو، ترجمة كمال خالايلي.

([15]) انظر: مصدر الوجود بين العلم والفلسفة: الشيخ جعفر السبحاني..

([16]) انظر: العلم في منظوره الجديد، لروبرت م.أغروس وجورج ن. ستانسيو، ترجمة كمال خالايلي.

([17]) نقلنا هنا بتصرف كبير بعض ما ذكرناه في رسالة [سلام للعالمين]، فصل [الأنا]، من سلسلة [حقائق ورقائق]

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *