خامسا ـ العدل

خامسا ـ العدل

قام الحكيم الخامس بين الصفين، وقال: أجيبوني يا من لا تزالون تحملون سيوفكم.. أليس العدل من الأسس التي يقوم عليها هذا الدين؟

قال أحدهم: بلى.. وهل في ذلك شك؟.. فقد أمرنا الله تعالى بالعدل، فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90]

قال آخر: بل إن الله تعالى أمرنا ألا نراعي في تحقيق العدالة أحدا مهما كان، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء:135]

قال آخر: بل إن الله تعالى اعتبر العدل من وظائف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه واجب عليه العمل به، مثلما هو واجب علينا، قال تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [الشورى:15]

قال آخر: وقد اعتبر الله تعالى العدل من القيم الكبرى التي يفرق بها بين السائرين على الصراط المستقيم وغيرهم من الضالين والمنحرفين عنه، فقال: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل:76]

قال الحكيم: بورك في حفظكم للقرآن الكريم.. فأخبروني بعد هذا.. ألم يكن ما فعلته قريش من حرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وإخراجهم من ديارهم ظلما وجورا؟

قال رجل من القوم: وهل في ذلك شك؟.. لقد مارست قريش كل أنواع الأذى والظلم والجور مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.. وقد أخبر الله تعالى عن ذلك، فقال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ } [الحج: 39، 40]

قال الحكيم: أخبروني بعد هذا.. ألم تكن قريش تعتقد أنها على الدين الحق.. وأن دينها هو دين إبراهيم عليه السلام.. وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذين انحرف عنهم؟

قالوا: بلى.. ذلك صحيح.. ولكن ذلك لم يكن يغني عنها شيئا.. فهي على الدين الباطل.. وليس على الدين الحق.. أم أنك تريد أن تقنعنا أنها على الدين الحق؟

قال الحكيم: معاذ الله أن أقول ذلك.. فأنا مسلم مثلكم.. ولكني باحث عن العدل.. وأتساءل بيني وبين نفسي: إذا كانت قريش تؤمن بدين، وتقتنع به اقتناعا تاما، ثم رأت أن من بينها من خرج عن هذا الدين وارتد عنه.. ألا يحق لها، وهي تدعي أنها على ملة إبراهيم عليه السلام، أن تقيم عليه حكم الردة الذي يقيمه بعضكم على بعض؟

سل الكثير من الرجال سيوفهم غاضبين، وقالوا: ما تقول؟

قال الحكيم: اسمعوني جيدا.. لقد أخبر الله تعالى أن قريشا ظلمت المؤمنين بإخراجهم من ديارهم واستعمال كل الوسائل لإذيتهم.. فلم اعتبرهم ظالمين.. هل لكونهم كفرة، أم لكونهم منعوا المؤمنين من حرية التدين بأي دين شاءوا؟

قال رجل من القوم: بل اعتبرهم ظالمين لكونهم منعوا المؤمنين من حرية التدين بأي دين شاءوا.

قال الحكيم: فأنتم مثلهم في هذا إذن.. بل أنتم أبشع منهم لأنكم جميعا على دين واحد، وإنما اختلفتم في بعض القضايا فقط.. ومع ذلك لم يستطع بعضكم تحمل بعض.

قال رجل من القوم: ولكن ما تقول في الآيات الني وردت في المرتدين؟

قال الحكيم: اقرأها بعقلك وسمعك.. وأخبرني هل تجد فيها سيوفا أو رماحا؟

قال الرجل: ولكن الله تعالى أخبر عن العقوبات المشددة على المرتدين، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } [آل عمران: 90، 91]

ابتسم الحكيم، وقال: فهل طبقتم ما ورد في هذه الآية الكريمة من عقوبات بخصوص من تختلفون معهم، وتحكمون بردتهم؟

سكت الرجل، فقال الحكيم: ما لك سكت؟.. أم أنك ترى أن العقوبة المذكورة أعظم من أن يستطيع أحد من الناس تطبيقها..

ثم التفت للجميع، وقال: أنا أتحدى الآن أي شخص فيكم يحمل السلاح أو لا يحمله أن يأتيني بآية قرآنية واحدة تحض على قتال من نختلف معهم في شؤون الدين والعقائد.

إن كل الآيات الكريمة التي وردت في الردة تحصر العقوبة في الآخرة، وليس في الدنيا.

قام رجل من القوم، وقال: فما تقول في الآيات الني تأمر بالقتال والجهاد.. أم أنها منسوخة عندك؟

قال الحكيم: كل القرآن محكم.. ويستحيل أن يأمرنا الله بأن نعبده بما ينهانا عن تنفيذه.. فإن شئت فاقرأ لي منها ما تراه لأخضع له([1])..

قال الرجل: فقد قال تعالى في سور البقرة: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)} [البقرة: 190 – 194]

قال الحكيم: الآيات واضحة جدا.. وهي صريحة بأنه لا يجوز قتال المشرك لشركه، ولا الكافر لكفره، وإنما يقاتل المشرك والكافر لعداوته ومحاربته المسلمين، كما يشرع قتال الكافر إذا اضطهد المسلمين وأراد فتنتهم عن دينهم..

قال الرجل: فقد قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)} [البقرة: 216 – 218]

قال الحكيم: الآيات واضحة في دلالتها.. وهي إخبار بسبب مشروعية الجهاد، وهو وجود كفار معتدين أخرجوا المسلمين من ديارهم.

قال الرجل: فما تقول في قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)} [الأنفال: 38 – 40]

قال الحكيم: هذه الآيات آيا ت سلام لا حرب، فهي تأمر بقتال المشركين الذين يضطهدون من أسلم منهم ليردوهم عن دينهم عن طريق الإكراه، والأحاديث والسير متواترة في الدلالة على هذا المعنى.

قال الرجل: فلم عبرت عنهم بكونهم كفارا، ولم تعير عنهم بكونهم معتدين؟

قال الحكيم: لتبين أن كفرهم وعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر هو السبب في ذلك الطغيان والعدوان الذي يمارسونه على المستضعفين.. وهناك آيا ت كثيرة تدل على هذا.. والقرآن يفسر بعضه بعضا.

قال الرجل: فما تقول في قوله تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) } [الأنفال: 55 – 61]

قال الحكيم: هذه الآيات الكريمة واضحة في الدلالة على أن الجهاد لا يشرع إلا في حق أولئك المعتدين من الكفار الذين ينقضون عهودهم، وليس بعد النقض إلا القتال.. وما تواتر من السيرة يدل على ذلك.

قال الرجل: فما تقول في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3)} [الممتحنة: 1 – 3]

 قال الحكيم: هذه الآيات الكريمة ذكرت الأسباب الموجبة لقتال الكفار، وهي محاربة من أراد إخراج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من ديارهم، ومن استعدادهم لقتال المسلمين إذا ثقفوهم في أي مكان، فهم أعداء صرحاء، ومحاربون أصليون، وقتالهم ليس من ياب القتال على الدين والعقيدة، وإنما لمحاربتهم.

قال الرجل: فما تقول في قؤله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)} [الممتحنة: 8، 9]

قال الحكيم: هذه الآيات من أصرح الآيات الني تذكر أسباب مشروعية الجهاد، وأنه فقط في حق الذين يقاتلون المسلمين على دينهم ليردوهم عنه، ويخرجونهم من دارهم، أو في حق الذين يظاهرون المشركين ويساعدونهم على هذه الأمور.. بل الآيات تأمر بالبر والإحسان للمشركين والكفار الذين لم يظاهروا عليهم عدوا ولم يحاربوهم ولم يخرجوهم من ديارهم.

قال الرجل: فما تقول في قوله تعالى: { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا } [النساء: 74-75]

قال الحكيم: هذه الآيات واضحة في الدلالة على أن من أسباب تشريع الجهاد محاربة الاضطهاد الديني.. فكفار قريش أو غيرهم إذا اضطهدوا المسلمين دينيا، فالواجب نصرة المستضعفين الذين يجدون أقسى أنواع العذاب لأنهم اختاروا الإيمان يالإسلام ديناً.. وهناك آيات قرآنية أخرى تبين أن الجهاد يجب أن يكون ضد كل مضطهد حق الذين يضطهدون اليهود والنصاى.

قال الرجل: فما تقول في قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 16]، فهذه الآية واضحة في الدلالة على مشروعية الإكراه الديني، ومبادأة الآخرين بالقتال لإدخالهم في الإسلام.

قال الحكيم: لا.. ليس كما فهمت.. فالقرآن لا يضرب بعضه بعضا.. فلا يجوز أن تتناقض هذه الآية مع الآيات الكثيرة الأخرى التي تنهى عن الإكراه في الدين، أو تلك الآيات التي تعلل الجهاد بعلل وجود المحاربين أو المضطهدين غيرهم دينيا.

قال الرجل: فما تقول في تعليل غاية الجهاد بالإسلام، فقد قال تعالى: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16]؟

قال الحكيم: ليس كما فهمت.. وإلا تناقض القرآن بعضه مع بعض.. وإنما المرد بالإسلام هنا ـ كما هو معهود في اللغة العربية ـ (الإنقياد).. أي: أو ينقادون.

وهذه الآية تشبه الآية التي تتحدث عن الأعراب {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 14]، أي: استسلمنا وانقدنا إلى نظام الدولة العادلة، فإن الإيمان يعني القناعة الداخلية، أما الإسلام فكل من دخل تحت نظام الدولة العادلة، والتزم نظامها فيدخل في مسمى الإسلام بالمعنى العام الذي هو (الانقياد)

قال الرجل: فما تقول في آية السيف، وهي قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 5]، وهي الآية الني ذكر سلفنا أنها نسخت كل آيات الرحمة والحكمة والإحسان في القرآن الكريم.

قال الحكيم: اقرأ الآيات من بداية سورة التوبة، وتدبر فيها وستراها منسجمة مع القرآن جميعا.. فالآيات تتحدث عن نوع خاص من المشركين كانوا محاربين، ثم ناكثي عهود، ثم منافقين يتربصون الفرص، ويظاهرون على المؤمنين.

قال الرجل: ها أنت تفسر القرآن بحوادث تاريخية تحصرها فيها.. فما الفرق بين هذا وبين ما يفعله النسخ؟

قال الحكيم: لا. أنا استعنت بالتاريخ..ولم أفسر القرآن به.. فالقرآن كلام الله.. وحقائقه تدل على سنن الله في خلقه.. وهي تنطبق على المجتمعات جميعا.

قال الرجل: فكيف توجه ما ذكرت من تخصيصات؟

قال الحكيم: هي لا تحتاج لي لأوجهها.. فالقرآن غني بنفسه.. والتخصيص الذي ذكرته موجود في ا لآيات نفسها، فالله تعالى يقول في بداية السورة: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [التوبة: 1].. فالآيات تتحدث عن نوع خاص، وليست من الآيات الني تسن قانونا عاما كقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } [البقرة: 190]

بالإضافة إلى هذا فإن السياق الذي وردت فيه ما تسميها بآية السيف تدل على الأمر بإجارة المستجيرين من المشركين المحاربين حتى يسمعوا كلام لله، ثم يتم إيصالهم إلى مأمنهم، بمعنى أن يصلوا إلى قومهم المشركين المحاربين، وهذا ظاهر أنه لا دلالة فيه على الإكراه في الدين، وإنما كان سبب القتال هو المحاربة والعداوة من أنوع خاصة من المشركين، وليس الموضوع مسألة إكرإه على الدين، وإلا فكيف يجار المشرك، ثم تتم حمايته إلى أن يبلغ مأمنه، فلو كان الكفر سبب القتال لما كانت هذه الإجار والحماية.

بالإضافة إلى هذا فإن في الآيات استثناء للذين عاهدهم المسلمون عند المسجد الحرام، فأمر الله عز وجل بالاستقامة لهم على العهود وتحريم نقضها، وهذا يدل على أن الآيات نزلت في محاربين وناقضي عهود ومتآمرين على الدولة النبوية..

ألقى رجل من المحاربين سيفه، وقال: الحمد لله لقد فتح الله علي بسبب قولك هذا ما كان محجوبا عني من سماحة الإسلام وسلامه ورحمته.. لقدكنت أتصور أن القرآن جميعا نسخ بتلك الآية.. ولكني الآن أراها بمنظار آخر.

واسمحوا لي إخواني ممن حملت عليكم سيفي، أو حملتم سيوفكم علي أن أشرح لكم بمثال ما فتح الله علي من فهمها.

إن مثل ذلك مثل مدير مدرسة جمع المشاغبين من الطلاب في المرحلة المتوسطة، والمشاغبين في المرحلة الثانوية، ثم أمر المدير أحد المعلمين أن يستدعي أولياء أمور (طلاب المرحلة المتوسطة)، وأن يخصم الدرجات على (طلاب المرحلة الثانوية)، فإن المراد هنا هو خصم درجات طلاب المرحلة الثانوية (المشاغبين) واستدعاء أولياء الطلاب المشاغبين من المرحلة المتوسطة، وليس خصم درجات كل طلاب الثانوية ولا استدعاء كل أولياء أمور طلاب المتوسطة، فكيف إذا أضاف المدير بالتنصيص على أن من لم يشاغب من طلاب المرحلتين لا يناله خصم درجة ولا استدعاء ولي أمر، وفي سورة التوبة قد أتى الاستثناء واضحا، وهو قوله تعالى: { إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4]

قال رجل من القوم: فما تقول في قوله تعالى في نفس السياق: { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [التوبة: 5]، فالآية تشير إلى أن إخلاء سبيل المشركين والكف عنهم لن يتم إلا بالتوبة وإقامة الصلاة إيتاء الزكاة.. أليس في ذلك إكراها؟

قال الحكيم: لا.. وإلا ضرب القرآن بعضه بعضا.. مرد الآية الكريمة هو وصف لمآل هؤلاء بأن من ترك محاربة المسلمين وامتنع عن معاداتهم سيصبح في آخر الأمر مقيماً للصلاة ومؤدياً للزكاة وأخاً لبقية المسلمين، كما قال تعالى في آية أخرى في سورة الممتحنة: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: 7]

فهذه المودة لن تكون إلا بعد توبتهم بإقامتهم الصلاة وإيتائهم الزكاة وهذا ما حصل لأكثر القبائل حول مكة والمدينة إذ أصبحوا أخوة للمسلمين الأوائل.

قام رجل من القوم، وقال: أرك تستدل بالقرآن.. وتنسى الحديث.. ألا تعرف بأن السنة تفسر القرآن؟

قال الحكيم: بلى.. السنة تبين القرن.. ولا تتناقض معه.

قال الرجل: وأحاديث الردة.. أنسيتها.. أم أنك من القرآنيين النين لا يؤمنؤن بالسنة؟

قال الحكيم: أنا من الذين ينسجمون مع القرآن والسنة.. ولا يضربون القرآن بالسنة.. وعلى هذا الميزان رحت أبحث عن كل ا لأحاديث الواردة في الموضوع، فوجدتها على صنفين: صنف يتفق مع المراد القرآني. وهذا على العين والرأس.. لأنه يطبق ما ورد في القرآن الكريم من معان.. وصنف يتناقض مع القرآن.. وقد رميت به عرض الحائط..

أشهر رجل سيفه، وصاح: من أنت حتى ترمي بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غرض الحائط؟

قال الحكيم: فهات الحديث الذي تعتمدون عليه في قتال من يخالفكم.

قال الرجل: الحديث الذي هو أشهر من نار على علم.. والذي نحفظه كما نحفظ القرآن، وهو (من بدل دينه فاقتلوه)

قال الحكيم: أليس من رواة هذا الحديث عكرمة مولى ابن عباس؟

قال الرجل: أجل.. وهو من ثقاة المحدثين.

قال الحكيم: فهل انفرد به دون تلاميذ ابن عباس جميعا؟

قال الرجل: أجل.. وليس هناك من ضرر في ذلك.

قال الحكيم: بلى.. فيه ضرر.. فانفراد عكرمة بهذا الحديث عن ابن عباس دون بقية تلاميذه الأكثر اختصاصاً به كسعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وغيرهم من دواعي التوقف في قبول هذا الحديث.. بالإضافة إلى ذلك فإن تلاميذ ابن عباس المتفق على ثقتهم يعدون بالعشرات ولم يرووه عنه رغم أهمية الحديث واختصاره وسهولة حفظه، ورغم ارتباطه بحد من الحدود الخطيرة.. فكيف يجهل عشرات الرواة عن ابن عباس هذا الحديث، ويجهل هذا الحديث الصحابة والتابعون، ويعلمها تابعي واحد هو نفسه محل إشكال واختلاف؟

قال الرجل: لا أسلم لك في هذا.. فالثقة مهما روى فهو صادق.. ولا يهم أن يروي الآخرون ما روى، أو يتكاسلوا عن روايته.

قال الحكيم: لا بأس.. فحدثني عن عكرمة.. أليس هو من الخوارج الذين حاربوا الإمام عليا.. وهذا الحديث فيه تجريح خطير للإمام علي.

قال الرجل: حتى لو كان من الخوارج، فالعبرة بصدقه، لا بكونه خارجيا أو مبتدعا.

قال الحكيم: لا بأس.. فهل اتفق كل علمائكم على توثيقه؟

لم يجد الرجل ما يجيب به، فقال الحكيم: لا بأس.. أظن أن ذاكرتك خانتك حول كلام المحدثين عنه.. أو أن حرصك على صحة الحديث جعلك لا تنقب عن رواته وتدقق فيهم.

رمى الرجل بسيفه، وقال: صدقت.. لقد كنت أعرف جيدا ما قيل في عكرمة.. ولكن لحرصي على صحة الحديث لم أكن أهتم بذلك.. لقد رويت بسندي عن ابن عمر أنه قال لنافع: لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس..

وفي ذلك أكبر تجريح له.. فالذي جرحه ليس البخاري ولا يحي بن معين، بل هو ابن عمر نفسه.. وهو من الصحابة.. وهو يعرفه.. وهو أدرى الناس به.. ولكن لحبنا للحديث غفلنا عن ذلك كله وتغافلنا عنه.

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد رويت بسندي عن جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد، قال: دخلت على علي بن عبد الله بن عباس وعكرمة مقيد، فقلت: ما لهذا؟ قال: إنه يكذب على أبي ([2]).

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقتما.. وقد قال ابن حجر عنه: (وفد عكرمة على نجدة الحروري فأقام عنده تسعة أشهر، ثم رجع إلى ابن عباس فسلم عليه، فقال: قد جاء الخبيث قال: فكان يحدث برأي نجدة، وكان يعني نجدة أول من أحدث رأي الصفرية وقال الجوزجاني قلت لأحمد بن حنبل أكان عكرمة إباضيا فقال: يقال: إنه كان صفرياً، وقال أبو طالب عن أحمد كان يرى رأي الخوارج الصفرية، وقال يحيى بن معين كان ينتحل مذهب الصفرية ولأجل هذا تركه مالك، وقال مصعب الزبيري كان يرى رأي الخوارج)([3])

قال رجل من القوم: لا بأس.. فلنسلم لك بأن هذا الحديث قد يكون ضعيفا أو حتى مكذوبا وموضوعا.. لكن ما تقول في الحديث الآخر: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث..)، فقد ذكر من تلك الثلاث: (التارك لدينه المفارق للجماعة)([4])

قال الحكيم: أليس من العجيب أن يروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديث يتضمن هذه الحدود الخطيرة.. أو هذه القوانين الجنائية الكثيرة.. ثم لا يرويه إلا الآحاد من الناس عن الآحاد منهم.

قال الرجل: أتقصد رد حديث الآحاد؟

قال الحكيم: أنا لا أقصد رده مطلقا.. ولكن أستغرب أن تسن الدولة قانونا خطيرا، ثم لا يسمع به إلا محام واحد، أو قاض واحدا.. أليس هذا عجيبا؟

قال الرجل: وضح قصدك.. فنحن لا نفهمك..ونخاف أن تكون من الذين ينكرون السنة.

قال الحكيم: معاذ الله أن أنكر السنة، أو أتجرأ على ذلك.. ومعاذ الله أن أقبل أي كذبة تنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باسم السنة..

قال الرجل: فما تقصد بقولك ذلك؟

قال الحكيم: ألستم تزعمون أن السلف كانوا أكثر الناس حرصا على أحكام الدين وتبليغها؟

قال الرجل: بلى.. وكل تراثهم يشهد بذلك.

قال الحكيم: أفلا يصيبك العجب أن ترى أحاديث تتعلق بفروع بسيطة من أمور العبادات التي لا دماء فيها ولا أموال، ومع ذلك تروى بالروايات الكثيرة المتواترة، ثم نجد مثل هذه الرواية يرويها الآحاد.. فلا يرويها من الصحابة إلا ابن مسعود.. ثم تتوقف من بعده على راو واحد هو سليمان بن مهران الأعمش.

قال الرجل: أراك تومئ للطعن في الصحابة.. وفي ابن مسعود.

قال الحكيم: معاذ الله أن أفعل ذلك.. فابن مسعود من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولا أتهم صدقه، ولا عدالته.. ولكني أتهم ذلك الذي يتوقف الحديث عليه.. أليس هو متهم عندكم، وعند محدثيكم؟

قال الرجل: أتقصد سليمان بن مهران الأعمش؟

قال الحكيم: أجل.. ألم يتهمه حفاظكم بالتدليس.. ألم يقل فيه الحافظ العلائي: (مشهورٌ بالتدليس، مكثرٌ منه)([5]).. والمشكلة الكبرى في تدليسه أنه كان يدلس عن الضعفاء، وقد يدلّس تدليس تسوية.. وقد قال فيه ابن المبارك: (إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق والأعمش لكم).. وقال المغيرة: (أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعيمشكم هذا).. وقال أحمد بن حنبل: (منصور أثبت أهل الكوفة، ففي حديث الأعمش اضطراب كثير).. وقال ابن المديني: (الأعمش كان كثير الوهم في أحاديث هؤلاء الضعفاء).. وقال سليمان الشاذكوني: (من أراد التديّن بالحديث، فلا يأخذ عن الأعمش ولا عن قتادة، إلا ما قالا: سمعناه)([6])

رمى الرجل سيفه، وقال: بورك فيك.. وأضيف إلى ما ذكرت بأن سائر الرواة الذين رووا الحديث كلهم متكلم فيهم، ومتهمون.. فأبو بكر بن أبى شبية قال عنه الحاكم: ليس بالمتين، وقال عنه أبو بكر بن أبى داود: ضعيف، وقال عنه ابن حيان: ربما أخطأ.

وأبو عمر النخعى كان قاضياً للدولة العباسية، ومن الفقهاء المتعاونين معها، وقد قال عنه أبو زرعه: (ساء حفظه بعد ما استقضى، أى بعد أن تولى القضاء)، أي أنه فقد الثقة فيه بعد أن اختارته الدولة قاضياً.. وقال عنه داود بن رشيد: حفص بن غيث كثير الغلط.. وقال عنه ابن عماد: كان عسراً فى الحديث جداً، وقال عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال عنه أبى: أنه أخطأ.. وقال ابن حيان عن أحد مروياته فى الحديث: لم يحدث بهذا الحديث أحد إلا حفص بن غياث كأنه وهم فيه.. أى انفرد بحديث لم يقله أحد غيره، ولأنه غير ثقة فقد اتهمه ابن حيان بالوهم.

أما أبو معاوية الضرير، فقد قال عنه الحاكم أنه احتج به الشيخان أى مسلم والبخارى وقد اشتهر عنه الغلو.. وقال عنه ابن معين: أبو معاوية أحاديث مناكير، وقال عنه العجلى: أنه ثقة ويرى الإرجاء، أى مدحه بأنه ثقة ولكن اتهمه أنه من المرجئة، وتلك تهمه تعيب الراوى وقال عنه يعقوب بن شيبة: أنه ثقة وربما دلس، وكان يرى الإرجاء.. أى أنه مدحه ثم اتهمه بالتدليس وبأنه من المرجئة.. وقال عنه أبو داود: كان مرجئاً. وقال عنه أبو معاوية البجلى: فيه جهالة.

قام رجل من القوم يصيح: ما بالكم يا قوم ترفضون سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمثال هذه الخدع والحيل.. أهانت عليكم سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهذه الدرجة؟

قال الحكيم: نحن لم نستهن بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما رحنا ندافع عنها، ونقدم المتواتر منها على الآحاد.. والصحيح على الضعيف..

قال الرجل: فهل هناك أحاديث متواترة تنسخ ذينك الحديثين؟

قال الحكيم: أجل.. وقد وردت في الصحاح، وهي متواترة، وأنت تعلم أن المتواتر مقدم على الآحاد.. وهي تدل على خلاف ما ذكرت.

قال الرجل: ما هي.. أنا قرأت كتب السنن جميعا.. ولم أرها.

قال الحكيم: منها (لا نكره أحداً على دين، فقد تبين الرشد من الغي..)، ومنها (لكم أيها الكفار دينكم ولنا ديننا لا نكرهكم على ديننا ولا تكرهوننا على دينكم..)، ومنها (لا يقتل رجل على دينه وإنما على حربه..)، ومنها (من بدل دينه فله نار جهنم خالداً فيها..)، ومنها (من ارتد على وجهه وترك دينه سيعاقبه الله بنار أعدها للكافرين..)، ومنها (من ترك دينه فسيغني الله عنه..)، ومنها (لا يحل لامريء يؤمن بالله أن يقعد مع من يستهزيء بآيات الله، فليجتنب مجلسهم..)

غضب الرجل غضبا شديدا وأشهر سيفه، وراح يقول: أنت كذاب وضاع حلال الدم.. فلا توجد أحاديث بهذه الألفاظ.

قال الحكيم: أنشدك بالله.. أريت لو أن هناك أحاديث متواترة بتلك الألفاظ أكنت ترجحها على حديث القتل؟

قال الرجل: أجل.. فالمتواتر مقدم على الآحاد.

قال الحكيم: فتلك الأحاديث هي نفس ما ورد في القرآن.. وهو متواتر.. ويستحيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يخالف كلام ربه.

قال الرجل: هذه حجة ضعيفة.. نحن نريد أحاديث رواها الثقاة.

قال الحكيم: لا بأس.. لك ذلك.. لقد بحثت في ذلك.. فأنا أعلم أن بعضكم لا يقتنع بالقرآن الكريم إن خالف معتقده، لكنه يقتنع بحديث حسن الإسناد، أو صححه ابن حجر أو الألباني.. وقد جمعت في ذلك هذا المجموع، والذي سميته (حرية الاعتقاد في القرآن الكريم والسنة النبوية)([7]).. وتجدون فيه التفاصيل الكثيرة.

وقد وجدت أن ا لأحاديث المقررة لحرية الاعتقاد والمتفقة مع القرآن الكريم تنقسم إلى أربع مجموعات..

قالوا: فحدثنا عن المجموعة الأولى منها.

قال: هي تلك الأحاديث التي تذكر عرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أرسله الله به على القبائل، فهي جميعا تؤكد على حرية الاعتقاد لجميع الناس سواء من كان منهم من أهل الكتاب أو من غيرهم.. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الأحاديث لم يكن يطلب منهم إلا النصرة لإبلاغ الرسالة وحمايته.. وهو طلب لمنع الاضطهاد الديني وإتاحة حرية الدعوة، ولو تحققت هذه الحرية في مكة لما طلب أحداً لحمايته من الاضطهاد والمنع من تبليغ ما أمره الله بتبليغه.

بل إن حوار النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع تلك القبائل ـ كما تنص الروايات الكثيرة ـ لا يلزمها بالإيمان بالرسالة، وإنما يدعوها إلى ذلك، فمن أبى لم يكرهه على الإيمان.

قام رجل من القوم، وقال: إن مثل تلك الأحاديث قد نجدها في كتب السيرة.. وهي مما لا يعني شيئا في الاستدلال الفقهي..

قال الحكيم: كلا، فهذه الأحاديث لها أهمية كبرى، لأن العرض على القبائل يعكس الصورة الأدق للسنة النبوية أكثر من الأحاديث الفردية، وكذلك المعاهدات والمواثيق، فهذه يشارك فيها كثير من الناس، وهي أولى بالتطبيق من أحاديث الآحاد، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يخلف وعداً ولا ينقض ميثاقاً، وهو عندما يعرض نفسه على القبائل كان يكرر أنه يريد إبلاغ رسالة الله فقط، دون إكراه لأحد على دين، ولو نصرته قبيلة ثم تبين لها اختلاف وعده لهم بألا يكره أحداً لكان هذا مدخلاً للشك في النبوة.

قال الرجل: ما دام الأمر كما ترى بهذا الوضوح، فلم لم يشتهر.. ولم خالفه المسلمون على مدار التاريخ؟

قرأ الحكيم قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1]، ثم قال: أراكم تريدون أن تقدموا المسلمين على سيد المسلمين.. وتقدموا ما ورثتموه من آراء على ما وردكم عن نبيكم.

قال الرجل: معاذ الله أن نفعل ذلك.. وإنما أستفسر عن سر ذلك.

قال الحكيم: أنتم تعلمون أن السلطان قد زاغ عن القرآن، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولم يكن من مصلحة الحكام أن تظهر أمثال تلك النصوص التي تعكر عليهم صفو حبهم للتوسع..

قال الرجل: ألا ترى أن ذلك كان مصلحة للإسلام والمسلمين.. فقد اتسعت أرضهم، ودخل الناس من بلاد كثيرة إلى الإسلام.

قال الحكيم: ولو أنهم نشروا ـ بدل ذلك ـ تعاليم السماحة والسلام، وانتشروا بالحكمة والموعظة الحسنة.. لدخل في الإسلام طواعية أكثر مما دخل فيه تحت الحروب الطاحنة، بل إن التاريخ يشهد أن عدد المسلمين الذين اعتنقوا الإسلام عبر الدعوة والتجارة أكثر بكثير من عدد المسلمين الداخلين بالفتوح.

قام رجل آخر، وقال: إلى الآن نسمع جعجعة ولا نرى طحينا.. أين هذه الأحاديث التي تدعي وجودها.. أم أنك لفقتها من عندك لتتلاعب بعقولنا وعواطفنا، وتهز نيران الغيرة على الدين من قلوبنا.

قال الحكيم: من تلك الروايات ما حدث به عروة بن الزبير قال: لما أفسد الله عز وجل صحيفة مكرهم خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، فعاشوا وخالطوا الناس ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه ويقول: (لا أكره منكم أحدا على شيء؛ من رضي الذي أدعوه إليه قبله، ومن كرهه لم أكرهه، إنما أريد أن تحوزوني مما يراد بي من القتل، فتحوزوني حتى أبلغ رسالات ربي ويقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء)، فلم يقبله أحد منهم، ولا أتى على أحد من تلك القبائل إلا قالوا: قوم الرجل أعلم به أفترى رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه؟)([8])

قال الرجل: وعينا هذا.. لكن ما وجه دلالتها على ما تدعونا إليه؟

قال الحكيم: إنها واضحة جدا في الدلالة على ما دعوتكم إليه، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يوجب على من ينصره الإسلام، ولم يشترط عليه الإيمان ولم يعزله عن الجماعة، ولم يفرض عليه جزية، ولم يخصه بمعاملة تنتقص منه، وإنما اشترط أن يكون تحت السقف العام في نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنعه من أعدائه حتى يبلغ رسالة ربه، ولا يعقل أن نظن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو وافقته قبيلة على ذلك، ثم أسلم الناس ولم تسلم تلك القبيلة أنه سيأمر باستئصالها، فهذا التصور المهين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يقول به أو يتصوره أعداؤه ومحاربوه، فكيف يتصوره حملة سنته وناشرو سيرته وفضله وأخلاقه؟

رمى رجل من القوم سيفه، وقال: صدقت.. وقد حدثني من أثق به عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرض نفسه في كل سنة على القبائل من العرب أن يؤووه إلى قومهم حتى يبلغ كلام الله عز وجل ورسالاته ولهم الجنة)([9])

رمى آخر سيفه، وقال: صدقت.. وقد حدثني من أثق به عن كعب بن مالك قال: (أقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث سنين من نبوته مستخفيا ثم أعلن في الرابعة، فدعا عشر سنين يوافي الموسم يتبع الحاج في منازلهم بعكاظ ومجنة وذي المجاز، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالة ربه عز وجل ولهم الجنة فلا يجد أحدا ينصره، حتى إنه يسأل عن القبائل ومنازلهم، قبيلة قبيلة، حتى انتهى إلى بني عامر بن صعصعة فلم يلق من أحد من الأذى قط ما لقي منهم حتى خرج من عندهم وإنهم ليرمونه من ورائه..)([10])

فهذا الحديث يقوى الحديثين السابقين.. وسنده قوي، ودلالته واضحة لا يمكن الجدال فيها.. لكن عقولنا المغلولة بأغلال الكبر جعلتنا لا نلتفت لذلك.

رمى آخر سيفه، وقال: صدقت.. وقد حدثني من أثق به عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرض نفسه على الناس بالموقف يقول: ألا رجل يعرضني على قومه؟ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي، قال: فأتاه رجل من همدان فقال: ممن أنت؟ قال: من همدان، قال: فعند قومك منعة؟ قال: نعم، فذهب الرجل ثم إنه خشي أن يخفره قومه فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أذهب فأعرض على قومي ثم آتيك فذهب وجاءت وفود الأنصار في رجب..)([11])

فهذا الحديث واضح الدلالة في أن مهمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقتصر على البلاغ، وحماية هذا البلاغ بقتال المحارب له والمعتدي على بيضة الدولة الناشئة بكل مواطنيها مسلمين ويهود ومنافقين وكفار.

رمى آخر سيفه، وقال: صدقت.. وقد حدثني من أثق به عن جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم ومجنة وعكاظ ومنازلهم من منى، يقول: (من يؤويني، من ينصرني، حتى أبلغ رسالات ربي فله الجنة؟) فلا يجد أحدا ينصره ولا يؤويه)([12])

وهذا الحديث يبين أن سبب العرض هو أن قريشاً اضطهدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنعته من دعوة الناس، وهذا يدل على أن الهجرة كانت لهذا السبب، وليس التهيؤ للقتال، ولو لم تضطهد قريش المسلمين، ومنعهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عرض الإسلام لما هاجر.

قام رجل من القوم، وهو مسلط سيفه، وقال: قد علمنا هذا.. لكنه غير كاف لإقناعنا بما تقول.. فهات المجموعة الثانية من الأحاديث التي تزعم أنها تؤيدك.

قال الحكيم: هي الأحاديث التي رويت في بيعة العقبة مع الأنصار.. وهي بيعة على أساسيات الدين، ومنها: أن نقول الحق أينما كنا لا نخشى في الله لومة لائم، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن من ارتد عن هذه البيعة ونكث فأمره إلى الله، وليس هناك أمر بقتله ولا إكراهه على الدين.

رمى رجل بسيفه، وقال: صدقت.. ولي إجازة بأسانيدها الكثيرة.. بل أجمع عليها أهل المغازي والسير وأهل الحديث، وكلها تذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بايع الأنصار ثلاث بيعات، وكانت الأولى والثانية غير ملزمتين، وإنما هما بيعتان على الإسلام، كأي مجموعة تسلم وتتلقى أوامر الدين الجديد، أما البيعة الثالثة فهي ملزمة وهي تستوجب قتال المحاربين للدعوة الجديدة، وهجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والوعد بحمايته.. وكانت هذه البيعة بمكة قبل الهجرة بسنة، وقد رويت من طرق عن كثير من الصحابة ممن شهدها منهم عبادة بن الصامت وجابر بن عبد الله، وغيرهم.. وليس في هذه الأحاديث جميعا دعوة لقتل المرتد، أو قتل الناس لأجل دينهم.

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. فكل ما في تلك البيعة هو الدعوة لتكوين جماعة تحمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليبلغ رسالته إلى الناس، والتعاون بين أفراد تلك الجماعة على العدل ومحاربة الظلم إما بالسيف وإما الكلمة، وعلى التعاون والتكاتف فيما بينهم، ورضا الجميع مسبقاً بإيثار الوافدين الفقراء بشيء من الممتلكات الخاصة حتى يغني الله الجميع.

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد كان الصحابة يستدلون بتلك البيعة في شؤونهم جميعا، ومن ذلك ما روي أن عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة، في العُسر واليُسر، والمنْشَط، والمكْرَه وعلى أثَرَةٍ علينا، وعلى ألا نُنازع الأمر أهْلَهُ، وعلى أن نقول بالحق أينما كُنّا لا نخافُ في الله لَوْمَةَ لائم.وفي رواية بمعناه، وفيه (ولا نُنازع الأمر أهله)، قال: (إلا أن تَرَوْا كُفرًا بَواحًا، عندكم فيه من الله برهان)([13])

قام رجل من القوم، وهو مسلط سيفه، وقال: قد علمنا هذا.. لكنه غير كاف لإقناعنا بما تقول.. فهات المجموعة الثالثة من الأحاديث التي تزعم أنها تؤيدك.

قال الحكيم: هي الأحاديث التي وثقت لأعظم وثيقة حقوقية بامتياز، وهي الوثيقة المسماة [وثيقة المدينة]، وليس فيها دعوة إلى الإسلام، ولا إكراه عليه، بل فيها أن المسلمين ومن تحالف معهم كاليهود أمة واحدة دون الناس.

رمى رجل بسيفه، وقال: صدقت.. فقد كانت تلك الوثيقة بمثابة دستور للمسلمين، وكان المسلمون فيها في منتهى قوتهم، ومع ذلك لم تتضمن أي عقوبة تتعلق بالمخالف، ولا المرتد.

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد رويتها بالأسانيد الكثيرة.. وهي تتشكل من نحو خمسين بنداً، وليس فيها أي بند يصادر حرية الاعتقاد.. بل ليس فيها سوى الدعوة إلى التكاتف والتحالف ضد كل ظالم ومحارب.. وهي تمتلئ بالدعوة إلى العدل والبر وذم الظلم ووجوب التعاون لاستئصاله.

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. فبنود الوثيقة كلها تدعو إلى نصرة العدل.. وليس نصرة دين على آخر ولا قوم على آخرين.. نعم فيها الترغيب في الإسلام والدعوة إليه، ولكن ليس فيها الإكراه عليه ولا اشتراطه للانضمام إلى الوثيقة.

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. فبنود الوثيقة أوثق من كل الأحاديث التي يروونها في منع التعددية داخل الصف الإسلامي ومحاربة حرية الفكر، فالوثيقة تستوعب اليهود وهم أكثر الناس عداوة للذين آمنوا، وكانوا في المدينة أقلية وكان في المستطاع أن يخرجهم المسلمون من أي اتفاقية، لكن لم يفعل ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم والدليل على استطاعة المسلمين فعل ذلك أنه عند خيانتهم أخرجهم بسهولة من المدينة وأجلاهم، فليسوا ممن يخاف جانبهم حتى يتنازل لهم المسلمون عن أمور لا تحق لهم.

قام رجل من القوم، وهو مسلط سيفه، وقال: قد علمنا هذا.. لكنه غير كاف لإقناعنا بما تقول.. فهات المجموعة الرابعة من الأحاديث التي تزعم أنها تؤيدك.

قال الحكيم: هي أحاديث كثيرة عن مرتدين في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ومع ذلك لم يطبق عليهم الحد الذي ادعيتموه.. وذلك أكبر دليل على عدم صحة حديث عكرمة في قتل المرتد.

قال الرجل: هذه دعوى.. فما دليلها.

قال الحكيم: إن شئتم أوردتم لكم أربعة أدلة على ذلك.

قال الرجل: فهات الدليل الأول.

قال الحكيم: هو ما روي في الصحاح التي تعتمدونها عن جابر قال: جاء أعرابيّ إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فبايعه على الإسلام، فجاء من الغد محموما – وفي رواية: فأصاب الأعرابيَّ وَعَك بالمدينة – فقال: أقِلْني بيعتي، فأبى، ثم جاءه، فقال: أقلني بيعتي، فأبى، فخرج الأعرابيُّ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما المدينة كالكير، تنفي خَبَثَها ويَنصَع طَيِّبُها)([14])

فمع أن هذا الرجل طلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يرتد، وينقض بيعته التي كانت على الإسلام، ومع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقره على هذا، لكنه أيضاً لم يأمر أحداً بإرجاعه واستتابته وقتله إن لم يتب في نفس الوقت الذي نرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمر باللحوق بتلك المرأة التي تحمل كتاباً من حاطب بن أبي بلتعة، ويأمر باللحوق ببعض أصحاب الجنايات كالعرنيين.. وهذا يدل على أن الردة ليست جناية يتابع عليها المرتد ويستتاب، وإنما اكتفى بذم ذلك الرجل وهذا حق.

قال الرجل: وعيت هذا.. فهات الدليل الثاني.

قال الحكيم: هو ما روي في الصحاح التي تعتمدونها عن أنس قال: كان رجل نصرانيا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فعاد نصرانيا، فكان يقول: (ما يدري محمد إلا ما كتبت له)، فأماته الله، فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له فأعمقوا فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم)([15])

فهذا الحديث يفيد بأنه لم يعاقب، مع أنه ليس ذا شوكة، فليس هو من اليهود، ولا من الأنصار، ولا من قريش، بل هو رجل نصراني، ارتد بمحض إرادته ولم يستتبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يأمر بقتله، وإنما مات حتف أنفه، وهو يفيد أيضا بأن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقتل ابن أبي السرح – الذي له قصة مماثلة- إنما كان الأمر بقتله على أمر زائد في المحاربة وهو اللحوق بالمشركين ومناصرتهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فالقضية فيها خيانة عظمى، ومع ذلك فقد قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشفاعة فيه ولم يقتله.

قال الرجل: وعيت هذا.. فهات الدليل الثالث.

قال الحكيم: هو ما روي في الحديث المتواتر عن ردة عبيد الله بن جحش، وكان من المهاجرين إلى الحبشة، وكان النجاشي قد أسلم، وهو ملك الحبشة، فلم يأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم باستتابته، ولا قتله ولا أهدر دمه، علماً بأن النجاشي قد أرسل بعض مسلمي الحبشة لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووصل أوائلهم قبل الهجرة ومنهم ابن النجاشي نفسه.

قال الرجل: وعيت هذا.. فهات الدليل الرابع.

قال الحكيم: هو ما روي في الحديث عن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث عليا مبعثا فقال له: امض ولا تلتفت – أي لا تدع شيئا مما آمرك به – قال: يا رسول الله كيف أصنع بهم؟ قال: (إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، فإن قاتلوك فلا تقاتلهم حتى يقتلوا منكم قتيلا، فإن قتلوا منكم قتيلا فلا تقاتلوهم حتى تريهم إياه، ثم تقول لهم: هل لكم إلى أن تقولوا لا إله إلا الله؟ فإن قالوا نعم فقل، لهم: هل لكم أن تصلوا؟ فإن قالوا نعم فقل لهم: هل لكم أن تخرجوا من أموالكم الصدقة؟ فإن قالوا نعم فلا تبغ منهم غير ذلك، والله لأن يهدى الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت)([16])

وموضع الشاهد في الحديث واضح، وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعث السرايا لأمرين إما لمحاربة محاربين، أو للدعوة إلى الله، ولا يبعثها لقتال مشركين ابتداءً.

وهذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينهى عن القتال في سرايا الدعوة حتى يقتل المشركون من المسلمين رجلاً، ثم بعد ذلك يتم عرض الإسلام عليهم، وإهدار ما اقترفوه من دم المسلم، فإن قبلوا يتم إهدار دمه، وإن أبوا قوتلوا على هذا الظلم والعدوان لا على إدخالهم للإسلام.

رمى رجل من القوم سيفه، وقال: صدقت.. فهذه الأحاديث صحيحة وصريحة، وكنت أقرؤها دائما، وأتعجب كيف سار تاريخ المسلمين على خلافها.

قال الحكيم: لا تتعجب، فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن انحراف الأمة عن دينها بسبب تسلط الطواغيت عليها، وإعانة رجال الدين لهم..

قال الرجل: صدقت.. وقد تعجبت لكثرة ذكر الفقهاء لما يسمونه استتابة، مع أني لم أر في ذلك حديثا واحدا..

قال الحكيم: صدقت.. فـ (الاستتابة الإكراهية) لا وجود لها في الدين، والإكراه في الاستتابة اخترعها من اخترعها لتكون مقدمة للقتل، ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكره أحداً على الاستتابة وقد سجل القرآن الكريم هذا، كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء:60-65]

قال الرجل: صدقت.. فهذه الآيات الكريمة صريحة في أن التوبة كانت تعرض عليهم، وينصحون بها بعد نطقهم بالكفر، لكنهم يصدون ويأبون، فأين كلام الفقهاء الكثير جداً (يستتاب فإن تاب وإلا قتل)؟

رمى آخر سيفه، وقال: صدقت.. وقد كان المنافقون يجاهرون بنفاقهم ويعاندون في الرد على الله ورسوله إلا أنهم مع ذلك لم يفصلوا عن الجماعة، ولم تعلن عليهم الحرب، ولم تبح دماءهم..

لقد ذكر الله تعالى ذلك، فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 5 – 8]

وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 61]

رمى آخر سيفه، وقال: لقد وردت آيات كثيرة في هذا المعنى.. ومنها قوله تعالى:{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [التوبة: 67، 68]

فهاتان الآيتان الكريمتان تشيران إلى أن المنافقين وقفوا على شفا الخيانة العظمى، لكن لأنهم لم ينفذوا وعدهم لليهود لم يقاتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم واكتفى بفضح الله لهم ورده عليهم وكشف أسرارهم.. وهذه الآيات لو نزلت على فقهائنا لأبادوا نصف المسلمين بدعوى الردة، فكيف وحركة النفاق هذه استمرت إلى آخر النبوة، تتجدد مع الأيام، يتوب القليل ويستمر الأكثرون، وينضم إليهم من انضم، حتى ذكر ابن عباس وغيره أن النفاق في آخر عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أكثر من أوله، ولو كانت هناك استتابات وقتل لمن يتفوه بمثل الكلام الكفري السابق لما بقي من المنافقين من يجرؤ على مثل هذه الأقوال والأعمال.

رمى آخر سيفه، وقال: لقد ذكرني حديثكم هذا ببعض مشايخنا الذي كان يردد كل حين هذه العبارة [يستتاب، فإن تاب وإلا قتل]، وعندما سألناه عن سر ترديده لها بعد كل حكم شرعي، ذكر لنا أن شيخه فيها هو ابن تيمية.. ثم ذكر لنا أنه جمعها في مصنف خصها به، ثم راح يقرأ لنا منها أمثال هذه الفتاوى: (من قال لرجل: توكلت عليك أو أنت حسبي أو أنا في حسبك.. يستتاب فإن تاب وإلا قتل.. من اعتقد أن أحدا من أولياء الله يكون مع محمد كما كان الخضر مع موسى، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.. الرجل البالغ إذا امتنع من صلاة واحدة من الصلوات الخمس أو ترك بعض فرائضها المتفق عليها فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل.. من لم يقل أن الله فوق سبع سمواته فهو كافر به حلال الدم يستتاب فإن تاب والا ضربت عنقه، وألقى على بعض المزابل.. من قال القرآن محدث فهو عندى جهمى يستتاب فإن تاب والا ضربت عنقه.. من قال إن أحدا من الصحابة أو التابعين أو تابعى التابعين قاتل مع الكفار فهذا ضال غاو بل كافر يجب ان يستتاب من ذلك فإن تاب وإلا قتل.. من اعتقد صحة مجموع هذه الأحاديث فإنه كافر يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل.. من جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة كالخبز واللحم والنكاح فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب والا قتل.. إن اضمر ذلك (يعني تحريم اللحم أو الخبز أو النكاح) كان زنديقا منافقا لا يستتاب عند أكثر العلماء، بل يقتل بلا استتابة إذا ظهر ذلك منه.. من لم يلتزم هذا الشرع أو طعن فيه أو جوز لأحد الخروج عنه فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل.. من ادعى ان له طريقا إلى الله يوصله إلى رضوان الله وكرامته وثوابه غير الشريعة التى بعث الله بها رسوله فإنه أيضا كافر يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.. أكل الحيات والعقارب حرام باجماع المسلمين فمن أكلها مستحلا لذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل.. من قال القرآن مخلوق وانه يستتاب فإن تاب والا قتل.. من قال ان الله لم يكلم موسى تكليما يستتاب فإن تاب والا يقتل.. من ظن أن التكبير من القرآن فإنه يستتاب فإن تاب والا قتل.. من أخر الصلاة لصناعة أو صيد أو خدمة أستاذ أو غير ذلك حتى تغيب الشمس وجبت عقوبته بل يجب قتله عند جمهور العلماء بعد أن يستتاب.. من قال إنه يجب على المسافر أن يصوم شهر رمضان وكلاهما ضلال مخالف لاجماع المسلمين يستتاب قائله فإن تاب وإلا قتل)([17])

هذه مجرد أمثلة عن فتاواه الكثيرة المملوءة بالحقد والكراهية، والبعيدة عن القيم القرآنية.. وللأسف فقد كانت هي زادنا الذي كان مشايخنا يزودوننا به، فلذلك امتلأنا بكل أصناف العداوة والبغضاء.


([1]) انظر هذه الآيات وغيرها كثير مع توجيهها كتاب (حرية الاعتقاد في القرآن الكريم والسنة النبوية للثيخ حسن بن فرحان المالكي)

([2]) انظر: وفيات الأعيان 1: 320، وتهذيب التهذيب 7: 238 وسير أعلام النبلاء للذهبي 5: 22.

([3]) مقدمة فتح الباري 425.

([4]) رواه البخاري ومسلم.

([5]) جامع التحصيل (1\ 188).

([6]) الخطيب، الكفاية (ص364)، ميزان الاعتدال (3\ 316)

([7]) وهو للشيخ حسن بن فرحان المالكي، وهو من أهم ما كتب في الموضوع، وقد حاولنا أن نلخص الكثير من الفوائد والاستنباطات منه هنا.

([8]) أبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة (ج 1 / ص 258)

([9]) دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (ج 1 / ص 254).

([10]) دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (ج 1 / ص 255)

([11]) دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (ج 1 / ص 253).

([12]) المستدرك على الصحيحين للحاكم (ج 10 / ص 34).

([13]) رواه البخاري ومسلم.

([14]) رواه البخاري ومسلم.

([15]) رواه البخاري ومسلم.

([16]) السير الكبير للفقيه الحنفي الشيباني (189هـ) (ج 1 / ص 78)، و مغازي الواقدي (ج 1 / ص 1079)

([17]) هذه نصوص لفتاوى في مواضع متفرقة من كتب ابن تيمية، وخصوصا مجموع الفتاوى.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *