حرص.. واعتراض

حرص.. واعتراض

من الملاحظات المهمة التي يلاحظها من يقرأ التراث السلفي الخاص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام رؤيته لذلك التعلق الشديد ـ من طرف الأنبياء كما يصورهم السلفية ـ بالحياة والحرص عليها، بل والاعتراض على الله إن أرسل إليهم ملك الموت.

وهذه الملاحظة تبدو من خلال رواياتهم الكثيرة، سواء تلك التي يسمونها صحيحة صحة مطلقة، يبدعون جاحدها، ويتهمونه بتهمهم المعروفة.. أو كانت من رواياتهم المختلف فيها.. ولكنهم على العموم يقبلونها، لأنهم يعتبرون مصدرها مصدرا سنيا سلفيا.

وهذه الملاحظة وحدها كافية للدلالة على العلاقة بين التصور اليهودي والتصور السلفي للنبوة، لأن الله تعالى أخبرنا عن المقياس الذي نقيس به عقل اليهود.. أو عقل كل محب للحياة معرض عن الله، فقال ـ مخاطبا اليهود ـ: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 94] وقال: {قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الجمعة: 6]

وهذا اختبار موجه لعوام الناس من اليهود الذين تصوروا أن لهم الدار الآخرة خالصة من دون الناس، أو أنهم أولياء لله من دون الأمم، مثلما يقول السلفيون تماما، ولذلك طلب الله تعالى منهم تصديقا لدعواهم أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين حقيقة في إيمانهم.. لأن من يؤمن بأن له دار السعادة الأبدية، وأنه فيها في محل الرضوان الذي لا ينقطع، وأنه في هذه الحياة الدنيا كالأسير والمسجون مقارنة بسعة الدار الآخرة.. لا محالة يطلب الدار الآخرة، ويلتمس كل السبل الصالحة للرحيل إليها.

لكن الله تعالى الخبير بنفوس اليهود، وتعلقهم بالحياة، وحرصهم عليها، أخبر أنهم لن يتمنوا ذلك: { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95)} [البقرة: 95]

بل أعطى قاعدة يميز بها كل يهودي، بل كل مشرك، بل كل بعيد عن الدين الحق، وهي الحرص على الحياة، كما قال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } [البقرة: 96]

ولهذا فإن القرآن الكريم يجعل من علامات المؤمنين العاديين تلك التضحيات العظمى في سبيل الله، وذلك الشوق العظيم للقاء الله، قال تعالى: { مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) } [العنكبوت: 5، 6]

ولهذا، فإن المؤمن لا يخاف إلا الله، حتى لو اجتمع عليه العالمون، قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]

وقد ذكر القرآن الكريم قصة السحرة الذين بمجرد إيمانهم بموسى عليه السلام تشكلت فيهم هذه القوة العظمى التي حررتهم تحريرا تاما من الخوف من الموت، إلى الدرجة التي صاحوا فيها في وجه فرعون قائلين: {لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى} [طه: 72 – 75]

وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ـ كما يصورهم القرآن الكريم ـ أول من اتصف بهذه الصفات، بل أول من أعطى المثل الأعلى فيها، لأن أرواحهم كانت معلقة بربهم، لا تهيم في غيره، ولا تطلب سواه، ولذلك كانت حركاتهم كلها لله..

ولذلك أيضا لم يبالوا بكل أولئك المستكبرين الذين وقفوا في وجه دعوتهم، بل صرخوا فيهم كما صرخ إبراهيم عليه السلام بكل قوة: {أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 80، 81]

بل إن القرآن الكريم ذكر لنا مثالا عن تضحية الأنبياء، واستسلامهم لأمر الله في حياتهم ومماتهم، عندما ذكر لنا قصة إبراهيم عليه السلام، وإقدامه على ذبح ابنه إسماعيل لمجرد رؤيا رآها علم أنها وحي لله، ولم يكن موقف ابنه النبي بأقل من موقفه.. لأنه ـ ومباشرة بعد طرح الأمر عليه، ومن غير تردد ولا تفكير ـ طلب من أبيه أن ينفذ أمر الله، قال تعالى: { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } [الصافات: 99 – 107]

فهل يمكن لمن هذا حاله أن يكون فيه ذرة حرص على حياة، أو ذرة اعتراض على الله بسبب تقدير الموت عليه؟

هذه هي الرؤية القرآنية، وهي نفسها الرؤية السلفية المرتبطة بغير الأنبياء من الصحابة أو غيرهم، فهم يذكرون تفانيهم وتضحياتهم وحرصهم على الموت في سبيل الله، وينشدون ـ أثناء ذكرهم لفضائل الصحابة ـ بحماسة قول عمير بن الحمام في غزوة بدر، والتي قتل فيها شهيدا:

ركضاً إلى الله بغير زاد غير التقى وعمل المعاد

والصبر في الله على الجهاد وكل زاد عرضة النفاد

إلا التقى والبر والرشاد

وينشدون معها قول عبد الله بن رواحة الذي قال وهو في خضم المعركة يسأل ربه الشهادة:

ولكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرع تفرغ الزبدا

وطعنة بيدي حران مجهزة من رمحه تقطع الأحشاء والكبدا

حتى يقال إذا مروا على جسدي يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا

وهكذا ما رووه عن بعضهم قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد، لطلب سعد بن الربيع، وقال: إن رأيته فأقره مني السلام، وقل له: كيف تجدك؟ قال: فأصبته وهو في آخر رمق، وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنّي السلام، وقل له: إن سعد بن الرّبيع يقول: جزاك الله تعالى عنّا خير ما جزى نبيّا عن أمّته، وقل له: أني أجد ريح الجنّة، وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم: إن سعد بن الرّبيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمومنكم عين تطرف، ثم لم يبرح أن مات، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبره ([1]).

ويروون أنه حينما أتى بلالا الموت، قالت زوجته: وا حزناه، فكشف الغطاء عن وجهه و هو في سكرات الموت، وقال: لا تقولي واحزناه، و قولي وا فرحاه، ثم قال: غدا نلقى الأحبة..محمدا و صحبه([2]).

وهكذا نجد رواياتهم الكثيرة التي تملأ القلوب بمحبة أولياء الله الذين جعل الله موقفهم من الموت مقياسا لصدقهم وإيمانهم وولايتهم.

ونحن لا ننكر عليهم هذا، بل نحبذه فيهم، بل نشاركهم فيه، لكن المشكلة أن هؤلاء الذين يقولون هذا هم أنفسهم الذين يتهمون أنبياء الله بالحرص على الحياة.. فهل هان أنبياء الله إلى هذه الدرجة؟ وهل يكون سعد وبلال وعمير بن الحمام وعبد الله بن رواحة أكثر إيمانا من آدم وإبراهيم وموسى وإدريس وغيرهم من الأنبياء الذين جعلوا من صفاتهم الحرص على الحياة، والخوف من الموت؟

لكن العقل السلفي الأسير للرواية والقصة والخرافة يتقبل كل ذلك بلا كيف.. وكيف لا يتقبل ذلك في مخلوق، وقد تقبله في صفات خالقه..

بناء على هذا سنحاول هنا أن نذكر بعض النماذج عن مواقف السلفية من أنبياء الله، كل نموذج يمثل نبيا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم آدم وإدريس وإبراهيم وموسى.

آدم عليه السلام:

الصورة القرآنية لآدم عليه السلام تبدأ من ذكر استخلاف الله له، وإعطائه المقومات التي تعينه على ذلك الاستخلاف، وأهمها ذلك العلم العظيم الذي لا نزال إلى الآن نجهل حقيقته، وهو [علم أسماء كل شيء]، والذي نص عليه قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 31 – 33]

وجناية السلفية على هذه الكرامة العظيمة التي وهبت لآدم عليه السلام، وبينت فضله أمام الملائكة عليهم السلام اختصرها السلفية في (الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.. حتى الفسوة والفسية)([3])، وكأن آدم عليه السلام رزق من الذاكرة القوية ما استطاع أن يحفظ به أسماء الأشياء، بينما عجزت الملائكة عن ذلك.

ثم كانت جنايتهم عليه بعد ذلك عندما صوروه في الجنة منشغلا بأكله وشربه ولهوه عن ربه سبحانه وتعالى.

ثم جنوا عليه بعد ذلك حينما صوروا دوافعه الإجرامية للأكل من الشجرة التي نهي عنها من غير محاولة لتأويل ما ورد عنه في ذلك ليتناسب مع جلاله وكرامته واصطفاء الله له.

ثم جنوا عليه في الأرض حينما صوروه بصورة الساعي إلى شؤونه الخاصة بعيدا عن ربه، وكأنه جاء في الدنيا لأجل أن يعيش، لا لأجل أن يؤدي وظيفة الخلافة التي كلف بها.

وكانت آخر جناية جنوها عليه هي اتهامه بالحرص على الحياة بعد أن عاش ألف سنة كاملة.. وقد رووا في ذلك الروايات الكثيرة.. والتي تعاملوا معها جميعا، وكأنها حقائق قطعية مقدسة لا يصح نقدها، ولا الكلام فيها.

ومن تلك الروايات ما رووه عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أول من جحد آدم عليه السلام قالها ثلاث مرات، إن الله لما خلقه مسح ظهره فأخرج ذريته فعرضهم عليه فرأى فيهم رجلا يزهر فقال: أى رب من هذا؟ قال ابنك داود قال: كم عمره؟ قال: ستون، قال: أى رب زد فى عمره، قال: لا إلا أن تزيده أنت من عمرك، فزاده أربعين سنة من عمره فكتب الله عليه كتابا وأشهد عليه الملائكة، فلما أراد أن يقبض روحه، قال: بقى من أجلى أربعون فقيل له: إنك جعلته لابنك داود قال: فجحد، قال: فأخرج الله عز وجل الكتاب وأقام عليه البينة فأتمها لداود، عليه السلام، مائة سنة وأتمها لآدم عليه السلام عمره ألف سنة)([4])

وفي رواية عن أبي هريرة يرفعها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، اتفق السلفيون على صحتها: (لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلا فأعجبه وبيص مابين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ قال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود، قال: رب وكم جعلت عمره؟ قال ستين سنة، قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة. فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت، قال: أو لم يبق من عمرى أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته)([5])

وهذه الرواية العجيبة تصور آدم عليه السلام بهذه الصورة الحقيرة التي لا تتناسب مع عامة الناس، فكيف بنبي كريم علمه الله أسماء كل شيء، ورضيه خليفة، وأسجد له ملائكته، ومع ذلك، وبعد أن نزل من الجنة، وتألم بآلام الأرض يصورونه وكأنه حريص على البقاء مدة أطول.

ومن الملاحظات الجديرة بالانتباه في الرواية زيادة على تشويهها لآدم عليه السلام هو ما يبدو فيها من علامات اليهودية.. فالروايات بطرقها المختلفة تنص على أنه عندما عرضت ذريته جميعا عليه، بما فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لم يشد انتباهه إلا لداود عليه السلام لأنه كان مميزا بكثرة نوره.. والنور يعني القرب والكمال.. وهم بذلك يصورون داود عليه السلام بأنه الأقرب والأكمل.. وهو موقف اليهود الذي لا زالوا يؤمنون به، فهم يعتبرون داود هو مثلهم الأعلى، بل يعتبرونه أكثر من موسى، لأن الهدف عندهم هو الملك، وقد تحقق في داود، ولم يتحقق في موسى عليهم السلام جميعا.

والسلفية ـ من دون وعي ـ يروون كثيرا أمثال هذه الروايات التي عليها مثل هذا الطابع، والتي تتنافى مع ما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة من كون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو أكرم الخلق على الله، كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 81، 82]

ومن تلك الروايات ما رووه عن ابن عباس قال: (كنت في حلقة في المسجد نتذاكر فضائل الأنبياء أيهم أفضل، فذكرنا نوحا وطول عبادته ربه، وذكرنا إبراهيم خليل الرحمن، وذكرنا موسى مكلم الله، وذكرنا عيسى بن مريم، وذكرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (ما تذكرون بينكم؟)، قلنا: يا رسول الله، ذكرنا فضائل الأنبياء أيهم أفضل، فذكرنا نوحا وطول عبادته ربه، وذكرنا إبراهيم خليل الرحمن، وذكرنا موسى مكلم الله، وذكرنا عيسى بن مريم، وذكرناك يا رسول الله، قال: (فمن فضلتم؟)، فقلنا: فضلناك يا رسول الله، بعثك الله إلى الناس كافة، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأنت خاتم الأنبياء. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما ينبغي أن يكون أحد خيرا من يحيى بن زكريا)، قلنا: يا رسول الله، وكيف ذاك؟ قال: (ألم تسمعوا كيف نعته في القرآن {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)} [مريم: 12 – 15] { مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39] لم يعمل سيئة ولم يهم بها)([6])

ورووا عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من أحد من ولد آدم إلا قد أخطأ، أو هم بخطيئة ليس يحيى بن زكريا)([7])

ورووا عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله: (لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يحيى بن زكريا، ما هم بخطيئة، ولا عملها) ([8])

ورووا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كل بني آدم يلقى الله يوم القيامة بذنب، وقد يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه، إلا يحيى بن زكريا، فإنه كان { سَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39]. وأهوى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: (ذكره مثل هذه القذاة)([9])

وغيرها من الروايات المسيئة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمسيئة معه ليحي عليه السلام.. والتي لا شك في كونها أثرا من آثار اليهود التي دخلت إلى الإسلام، لتحوله إلى المشروع الشيطاني، كما حولت اليهودية.

إدريس عليه السلام:

وهو من الأنبياء الكرام الذين أمرنا بذكرهم، من دون أن تذكر تفاصيل ترتبط بحياتهم على الأرض، كما قال تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء: 85، 86]، وقال{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا } [مريم: 56، 57]

وكان الأجدى بالعقل السلفي أن يكتفي بهذا، وأن يمتلئ روحانية عندما يذكرهذا الجندي المجهول من جنود الله، والذي ذكر الله صديقيته وصبره وعلو مكانته.. وهذه وحدها تكفي أولي الألباب لمعرفة قيمته وكرامته عند الله، وكونه أهلا لأن يقتدى به.. لأن صديقيته وصبره هما الجناحان اللذان طار بهما إلى ذلك المكان العلي.

لكن العقل السلفي يرفض مثل هذا الطرح، لأنه لا يتناسب مع مزاجه الذي يميل إلى القصص والحكايات والأساطير.

وليته عندما فكر في أن يضع الأساطير حاول أن يلطفها بحيث لا تتناقض مع ما ذكره الله تعالى من الصديقية والصبر.. لكنه لا يهتم لذلك.. ولذلك فإن الصورة السلفية لهذا النبي الكريم متناقضة تماما مع الصورة القرآنية.

وسنورد الرواية كما فسروا ـ أو شوهوا ـ بها قوله تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا } [مريم: 57]، والرواية رواها هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعبا، وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله -عز وجل-لإدريس: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا } [مريم: 57]، فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن يزداد عملا، فأتاه خليل له من الملائكة فقال: إن الله أوحى إلي كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت، فليؤخرني حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه، حتى صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاهم ملك الموت منحدرا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو ذا على ظهري. قال ملك الموت: فالعجب! بعثت وقيل لي: اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة، وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا } [مريم: 57])([10])

وقد ذكر في رواية أخرى الأعمال التي كان يعملها، والتي كان يرغب في أن تستمر حياته لأجل القيام بها، وهي ما روي عن ابن عباس أنه قال: (إن إدريس كان خياطا، فكان لا يغرز إبرة إلا قال: (سبحان الله)، فكان يمسي حين يمسي، وليس في الأرض أحد أفضل عملا منه)([11])

ولسنا ندري هل هذا وصف لنبي كريم ارتقى في المقامات العالية من العرفان والتحقق، بالإضافة إلى ما كلف به من وظائف خطيرة، أم هو وصف لإنسان عادي بسيط، لا يستحق كل ذلك الثناء العظيم الذي وصفه به القرآن الكريم، والذي أمرنا من خلاله بذكره.

بالإضافة إلى هذا فإن الولاية التي تشكل الركن الأساسي في النبوة تقتضي تسليم الوجه لله، تسليما مطلقا ينتفي معه كل اختيار، وقد نقل ابن القيم ـ وهو من أعلام السلفية ـ هذا المعنى عن أولياء هذه الأمة، فنقل عن بعضهم قوله: (التوكل هو انطراح القلب بين يدي الرب، كانطراح الميت بين يدي الغاسل بقلبه كيف يشاء. وهو ترك الاختيار، والاسترسال مع مجاري الأقدار)، ونقل عن آخر قوله: (هو ترك تدبير النفس، والانخلاع من الحول والقوة. وإنما يقوى العبد على التوكل إذا علم أن الحق سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه)([12])

فهل يمكن أن يكون هؤلاء الأولياء الذين نقل ابن القيم كلامهم وأقرهم عليه أعرف بالله من أنبياء الله؟

إبراهيم عليه السلام:

يعتبر القرآن الكريم إبراهيم عليه السلام نموذجا مثاليا للرجل الأمة، أو الرجل الذي يشكل بمفرده أمة كاملة من القيم، كما قال تعالى في وصفه: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [النحل: 120]

فهو أمة بروحانيته العميقة التي أهلته لأن يكون خليلا لله { وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125]

وهو أمة بقنوته وخشوعه وتوحيده الخالص لله، كما قال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [آل عمران: 67]، وقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } [التوبة: 114]، وقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} [هود: 75]

وهو أمة بوقوفة تلك المواقف النبيلة في الدعوة إلى الله مع كل من لقيه ابتداء من أقاربه وقومه، كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 74]

وانتهاء بالملك المستبد الظالم، الذي ناظره بكل رباطة جأش، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258]

ولذلك، تعرض للتهديد الشديد من أقاربه وقومه، فواجهه بكل قوة قائلا: { أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 80، 81]

ولم يقف قومه عند تهديده، بل راحوا يجمعون الحطب الكثير، وراحوا يرمونه فيه، ولم يكن يبالي بكل الحطب الذي يجمع له، ولا بتلك النيران التي أوقدت من أجله، قال تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ } [الأنبياء: 51 – 70]

ومع ذلك كله لم يتزحزح قيد أنملة، بل ظل ثابتا.. حتى وهو في النار لم يغب ربه عنه لحظة واحدة.. فقد كان مستغرقا فيما يستغرق فيه الأنبياء من توجه للملأ الأعلى.

هذه بعض صورة إبراهيم عليه السلام كما يصورها القرآن الكريم، لكن المصادر السلفية تغير على هذه الصورة، فتنحرف بها انحرافا شديدا..

إذ تجعله جبانا أمام الموت، ليس لديه ذلك الإيمان العظيم الذي واجه به قومه أو الملك أو النار.. وليس لديه ذلك اليقين العظيم الذي جعله يقدم ابنه قربانا لله..

بل جعلته ضحية لتلك المخاوف التي تعتري البسطاء عندما يعلمون بقرب الموت منهم.. وقد صوروا في ذلك مشهدا سينمائيا غريبا أدى دور البطولة فيه ملك الموت، ليحاول من خلاله أن يقنع إبراهيم عليه السلام بضرورة الموت.

ونص السيناريو الذي حكى ذلك المشهد كما أخرجه الطبري وغيره، يذكر أن إبراهيم عليه السلام عندما بلغ من العمر مائتي سنة، وقيل ابن مائة وخمس وسبعين سنة، جاءة ملك الموت..

ولنستمع الحكاية من السدي، فهو أبرع في التصوير، فقد قال: (كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس، ويضيفهم، فبينا هو يطعم الناس إذا هو بشيخ كبير يمشي في الحره، فبعث إليه بحمار، فركبه حتى إذا أتاه أطعمه، فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها فاه، فيدخلها عينه وأذنه ثم يدخلها فاه، فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره، وكان إبراهيم قد سأل ربه عز وجل ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت، فقال للشيخ حين رأى من حاله ما رأى: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال: يا إبراهيم، الكبر، قال: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم سنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتان، فإذا بلغت ذلك صرت مثلك! قال: نعم، قال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روحه، وكان ملك الموت)([13])

وهكذا تصور الرواية الكيفية التي احتال بها ملك الموت على إبراهيم عليه السلام ليقنعه بلقاء ربه..

ولم يكتف السلفية بهذه الرواية الدالة على حرص إبراهيم عليه السلام على الحياة، بل رووا رواية أخرى أعظم خطرا، تصور إبراهيم عليه السلام، وهو يضحي بزوجته في سبيل نجاته.. وهو فعل لا يقدم عليه حتى عوام الناس.. بل حتى ذكور بعض الحيوانات تضحي بنفسها في سبيل نجاة إناثها.

والمشكلة في هذه الرواية عند السلفية هو حرمة نقدها أو الحديث عنها لأن راويها أبو هريرة، ومخرجها البخاري ومسلم..

وسنسرد الرواية، ونرى هل يمكن أن ينتقدها العقل السليم المغذى بالرؤية القرآنية، أم أن هذا العقل يمكن أن يسلم لها؟

ونص الرواية كما رواها أبو هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لم يكذب ابراهيم عليه السلام غير ثلاث: ثنتين في ذات الله، قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]، وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وبينا هو يسير في أرض جبار من الجبابرة، إذ نزل منزلا، فأتى الجبار رجل فقال: إن في أرضك رجلا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه، فجاء فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: هي أختي، قال: اذهب فأرسل بها إلي، فانطلق إلى سارة، فقال: إن هذا الجبار قد سألني عنك، فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، فإنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك، قال: فانطلق بها وقام ابراهيم عليه السلام يصلي قال: فلما دخلت عليه فرآها أهوى إليها وذهب يتناولها، فأخذ أخذا شديدا، فقال: ادعي الله ولا أضرك، فدعت له فأرسل فأهوى إليها، فذهب يتناولها، فاخذ أخذ شديدا، فقال: ادعى الله ولا أضرك، فدعت له فأرسل، ثم فعل ذلك الثالثة، فأخذ، فذكر مثل المرتين فأرسل قال: فدعا أدنى حجابه فقال: إنك لم تأتني بإنسان، ولكنك أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر، فأخرجت وأعطيت هاجر، فأقبلت بها، فلما أحس إبراهيم بمجيئها انفتل من صلاته، فقال: مهيم! فقالت: كفى الله كيد الفاجر الكافر! وأخدم هاجر)([14])

وقد اجتهد السلفية في نصرة هذه الرواية، والدفاع عن كل حرف من حروفها، ومن المرافعات التي يذكرها السلفية في هذا المقام ما قاله ابن حجر العسقلاني، فقد قال: (وأما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة؛ فلكونه قال قولا يعتقده السامع كذبا، لكنه إذا حقق لم يكن كذبا؛ لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين، فليس بكذب محض، وقوله (هذه أختي) يعتذر عنه بأن مراده أنها أخته في الإسلام، قال ابن عقيل: دلالة العقل بتصرف ظاهر إطلاق الكذب على إبراهيم، وذلك أن العقل قطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقا به؛ ليعلم صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه، وإنما أطلق عليه ذلك لكونه بصورة الكذب عند السامع، وعلى تقديره فلم يصدر ذلك من إبراهيم عليه السلام – يعني إطلاق الكذب على ذلك – إلا في حال شدة الخوف لعلو مقامه، وإلا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يجوز، وقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعا لأعظمهما، وأما تسميته إياها كذبات فلا يريد أنها تذم، فإن الكذب وإن كان قبيحا مخلا لكنه قد يحسن في مواضع وهذا منها)([15])

ونحن نوافق ابن حجر في كون إبراهيم عليه السلام يستحيل أن يكذب، وما قاله من سقمه ونحو ذلك معاريض أراد منها أن يستدرج قومه لدعوتهم إلى الله كما استدرج الملك، وكما استدرج عبدة الكواكب.. وذلك كله لا حرج فيه، ولا يعتبر كذبا بحال من الأحوال.

لكن المشكلة ليس في ذلك.. المشكلة فيما أطلقوا عليه الكذبة الأخيرة.. فتلك ليست كذبة فقط.. بل هي دياثة وجبن وتصرف لا يليق بنبي كريم.. بل لا يليق بإنسان عادي بسيط.

فهل يمكن أن يقبل أي رجل في الدنيا أن يترك امرأته عند الجبارين من دون أن يدافع عنها؟ ثم كيف تنظر المرأة بعد ذلك لزوجها الذي فرط فيها من أجل نفسه أحوج ما تكون إليه؟ ثم ما الذي جعل إبراهيم عليه السلام يذهب إلى ذلك المكان الذي يعلم أنه ستأخذ منه زوجته قهرا؟

ثم كيف نطبق هذه السنة الإبراهيمية في حياتنا لأن الله تعالى أمرنا بأن نتبع ملته، ونسير سيرته، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [البقرة: 130]، وقال: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [آل عمران: 95]

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه مكلف باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، كما قال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123]

فكيف نحيي هذه السنة الإبراهيمية العظيمة كما يتصور السلفية؟

هذه هي قيمة الأنبياء عند السلفية، وهذا هو تصورهم لهم، وتدنيسهم لتلك القداسة التي بناها القرآن الكريم لهم.

موسى عليه السلام:

يمثل موسى عليه السلام في القرآن الكريم مثل الرجل المؤمن القوي الأمين الذي أعده الله منذ صباه الباكر لنصرة المستضعفين وتخليصهم من نير المستكبرين.

ولذلك كان يملك كل مقومات الشجاعة من شبابه الباكر.. وقد ذكر القرآن الكريم موقفا من تلك المواقف الشجاعة التي أقدم فيها موسى عليه السلام على نصرة المستضعفين، ولو على حساب مصالحه ومكانته في بيت فرعون، قال تعالى: { وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ } [القصص: 15 – 19]

وهذه الآيات الكريمة توضح جوانب مهمة في شخصية موسى عليه السلام تجتمع جميعا في إيمانه العظيم، وقوته في نصرة الحق، وعدم مهادنته لأي جهة من الجهات.

ولعل ذلك من أسباب اختياره لهذه الوظيفة العظيمة.. وقد دل على ذلك الواقع الذي عاشه.. حيث أنه واجه فرعون بكل قوة.. ثم عندما أدركهم فرعون، وخاف قومه، لم يخف ولم يتزعزع، لأنه كان يملك مع قوته إيمانه العظيم، قال تعالى: { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الشعراء: 61، 62]

هذه هي الرؤية القرآنية لموسى عليه السلام وإيمانه وقوته وإخلاصه وروحانيته.. لكن الرؤية السلفية تختلف عن هذه الرؤية تماما بما ترويه من حكايات وأساطير تجعله جبانا أمام الموت، حريصا على الحياة.. لا فرق بينه وبين قومه في ذلك.

وقبل أن نذكر الرواية التي تصور خوف موسى عليه السلام من الموت، نذكر هذه الرواية التي تصور حادثة وفاة هارون عليه السلام، الذي لم يكن يختلف عن موسى عليه السلام في أي صفة من صفات الكمال.

والرواية كما رووها عن عن عبد الله بن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقول: (ثم إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى، أني متوف هارون، فأت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل، فإذا هما بشجرة لم ير مثلها، وإذا هما ببيت مبني، وإذا هما فيه بسرير عليه فرش، وإذا فيه ريح طيبة، فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه، فقال: يا موسى إني لأحب أن أنام على هذا السرير، قال له موسى: فنم عليه، قال: إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي، قال له موسى: لا ترهب أنا أكفيك رب هذا البيت فنم، قال: يا موسى بل نم معي، فإن جاء رب البيت غضب علي وعليك جميعا، فلما ناما أخذ هارون الموت، فلما وجد حسه قال: يا موسى خدعتني، فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير إلى السماء، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل، وليس معه هارون قالوا: فان موسى قتل هارون وحسده لحب بني إسرائيل له، وكان هارون أكف عنهم وألين لهم من موسى، وكان في موسى بعض الغلظ عليهم، فلما بلغه ذلك قال لهم: ويحكم! كان أخي، أفترونني أقتله! فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله فنزل بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه ثم إن موسى بينما هو يمشي ويوشع فتاه إذا أقبلت ريح سوداء، فلما نظر إليها يوشع ظن أنها الساعة والتزم موسى، وقال: تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبي الله، فاستل موسى من تحت القميص وترك القميص في يد يوشع، فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل، وقالوا: قتلت نبي الله! قال: لا والله ما قتلته، ولكنه استل مني، فلم يصدقوه وأرادوا قتله قال: فإذا لم تصدقوني فأخروني ثلاثة أيام، فدعا الله فأتي كل رجل ممن كان يحرسه في المنام، فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى، وأنا قد رفعناه إلينا، فتركوه ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى إلا مات، ولم يشهد الفتح)([16])

هذه الأسطورة تصور أنبياء الله الكرام، وهم خائفون وجلون من الموت إلى الدرجة التي فاقوا فيها أدنى العوام من الناس.

لكنا مع ذلك لا نركز عليها كثيرا، لأنه ليس من رواتها أبو هريرة، وليس من مخرجيها البخاري ومسلم.. ولذلك سنذكر ما رواه أبو هريرة، وما خرجه الشيخان، فهم أصحاب الثقة المطلقة التي لا يصح أن يشك فيها أحد.

والرواية التي رواها أبو هريرة وأخرجها الشيخان ونسبوها جميعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي: (أرسل ملك الموت إلى موسى، فلما جاءه صكه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله إليه عينه، فقال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت يده من شعرة سنة، قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر)([17])

وقد لقي هذا الحديث ـ مع التشويهات العظيمة التي يحملها في حق الأنبياء والملائكة عليهم السلام ـ اهتماما كبيرا من لدن السلفية في القديم والحديث، حتى أنهم رووا عن أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه أنهما سئلا عن هذا الحديث في جملة من أحاديث الصفات، فقال أحمد: كل هذا صحيح، وقال إسحاق: (هذا صحيح ولا يدفعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي)([18])

بل إن الحافظ عبد الغني المقدسي جعل الإيمان بما في هذا الحديث من عقائد أهل السنة، فمن أنكره خرج عنهم مذؤوما مدحورا، فقال: (.. ونؤمن بأن ملك الموت أرسل إلى موسى – عليه السلام – فصكه ففقأ عينه، كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا ينكره إلا ضال مبتدع أو ضعيف الرأي)([19])

وقد برروا كل ما ورد فيه حرفا حرفا..

فبرروا تمثل ملك الموت في صورة بشر، بأنه أمر غير مستغرب ولا ممتنع؛ فقد دلت نصوص القرآن والسنة على ظهور الملائكة في صورة البشر بما يخفي حالهم على الأنبياء – فضلا عن عموم الناس – ولا يلزم من ذلك خروج الملك عن ملكيته، وفقء موسى لعين الصورة البشرية التي تمثل فيها ملك الموت رد فعل طبيعي يتصف بالشرعية مع رجل غريب اقتحم بيته بغير إذنه يطلب روحه.

وبرروا كراهية موسى عليه السلام للموت بأنه أمر جبلي فطر الله الناس عليه، لأن الله سمى الموت في القرآن مصيبة وبلاء.

وبرروا لطم موسى – عليه السلام – لملك الموت بأنه ليس اعتراضا من موسى على قضاء الله؛ بل لأن ملك الموت قد أتى موسى عليه السلام في صورة بشرية، ولم يعرفه فلطمه لأنه رآه آدميا قد دخل داره بغير إذنه يريد نفسه، فدافع موسى عن نفسه مدافعة أدت إلى فقء عين ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دارغيره بدون إذنه.

قال ابن حبان: (كان مجيء ملك الموت إلى موسى على غير الصورة التي كان يعرفه موسى – عليه السلام – عليها، وكان موسى غيورا، فرأى في داره رجلا لم يعرفه، فشال يده فلطمه، فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصورة التي يتصور بها، لا الصورة التي خلقه الله عليها… ولـما كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، أو الناظر إلى بيته بغير أمره، أنه لا جناح على فاعله، ولا حرج على مرتكبه، للأخبار الجمة الواردة فيه… كان جائزا اتفاق الشريعة بشريعة موسى، بإسقاط الحرج عمن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحا له، ولا حرج عليه في فعله، فلما رجع ملك الموت إلى ربه، وأخبره بما كان من موسى فيه، أمره ثانيا بأمر آخر، هو أمر اختبار وابتلاء، فلما علم موسى كليم الله أنه ملك الموت، وأنه جاءه بالرسالة من عند الله، طابت نفسه بالموت، ولم يستمهل، وقال: الآن، فلو عرف موسى في المرة الأولى أنه ملك الموت، لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به)([20])

بل إنهم ـ ولأهمية المسألة عندهم ـ بنوا الكثير من العقائد على هذا الحديث، حتى أن بعضهم ـ وهو السلفي الكبير محمد بن أحمد العلوي ـ ألف في ذلك كتابا بعنوان [توضيح طرق الرشاد لحسم مادة الإلحاد في حديث صك الرسول المكلم موسى عليه السلام للملك الموكل بقبض أرواح العباد]

وقد حاول فيه أن يبين أن الملاك الذي فقأ موسى عليه السلام هو ملاك الموت، وأن عينه فقئت حقيقة، ولولا أن الله ردها عليه لبقي أعور.. يقول في ذلك: (إن ملك الموت جاء في صورة يمكن فقء البشر لعينها، والمعهود في مجيء الملك للبشر هو مجيئه له على صورة البشر، كما قال تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا } [مريم: 17]، وكما أفادته النصوص القرآنية التي ذكر فيها مجيء الملائكة لإبراهيم وللوط وداود، وكذا نصوص الأحاديث التي ذكر فيها مجيء جبريل – عليه السلام – لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وبه تبين أن فقأ العين هنا هو على ظاهره، وأنه وقع في الصورة البشرية التي جاء ملك الموت عليها، وهو ممكن غير متعذر إلا في الصورة الملكية الأصلية النورانية البعيدة عن ذلك، إذ لم يعهد مجيء الملائكة للبشر فيها. أما رؤية نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لجبريل على صورته الأصلية في السماء مرة، وبين السماء والأرض أخرى، فهي خارجة عن مجيء الملك الذي عليه مدار الحديث هنا، وبمجموع هذا الذي قررناه يكون قد حل استشكال صك موسى لعين الملك، وحصول فقء عين الملك من أثره)([21])

ثم فسر دوافع موسى عليه السلام لفقء عين ملك الموت، فقال: (وعلى هذا فإن موسى لما رأى رجلا لا يعرفه قد دخل عليه بغتة، وقال ما قال، حمله حب الحياة على الاستعجال بدفعه، ولولا شدة حب الحياة لتأنى وقال: من أنت وما شأنك؟ ونحو ذلك، ووقوع الصكة وتأثيرها كان على ذاك الجسد العارض، ولم ينل الملك بأس. فأما قوله في القصة: (فرد الله عليه عينه)، فحاصله: أن الله تعالى أعاد تمثيل الملك في ذاك الجسد المادي سليما، حتى إذا رآه موسى قد عاد سليما مع قرب الوقت، عرف لأول وهلة خطأه أول مرة)([22])

أما مسألة القصاص بين موسى عليه السلام وملك الموت، وكيف لم يطلب الملاك القصاص من موسى عليه السلام، فقد أجابوا عليها بقولهم: (ومن قال: إن الله لم يقتص لملك الموت من موسى، فهذا دليل على جهله، ومن أخبره أن بين الملائكة وبين الآدميين قصاص؟! ومن قال: إن ملك الموت طلب القصاص من موسى، فلم يقاصصه الله منه، وقد أخبرنا الله تعالى أن موسى قتل نفسا، ولم يقاصص الله منه لقتله!)([23])

أما القول بأن العين التي فقأها موسى عليه السلام  (إنما هي تمثيل وتخييل، لا حقيقة لها؛ لأن ما تنتقل الملائكة إليه من الصور ليس على الحقائق، وإنما هو تمثيل وتخييل، فالجواب عنه: أن هذا يقتضي أن كل صورة رآها الأنبياء من الملائكة فإنما هي مجرد تمثيل وتخييل لا حقيقة لها، وهذا باطل، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد رأى جبريل على صورته التي خلق عليها سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض)([24])

والعجب من العقل السلفي الذي يورد أمثال هذه الروايات، ويدافع عنها جميعا، ثم هو نفسه يروي روايات أخرى تناقضها، ثم يأمر عقول الناس بأن تستسلم لها جميعا من غير كيف.

ومن تلك الروايات التي تكفي وحدها للرد عليهم ما رواه الشيخان عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو صحيح يقول: إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده في الجنة، ثم يحيا أو يخير. فلما اشتكى وحضره القبض، ورأسه على فخذ عائشة، غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت، ثم قال: اللهم في الرفيق الأعلى. فقلت: إذا لا يجاورنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا، وهو صحيح)([25])

وفي رواية قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة. وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة، فسمعته يقول: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، فعلمت أنه خير) ([26])

ونكتفي بهذا الرد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تلك التحريفات والتشويهات التي أثارها السلفية باسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهو منها براء.


([1]) الحاكم في المستدرك 3/ 201.

([2]) ابن أبي الدنيا في المحتضرين(294)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه (10/475)

([3]) تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 223)

([4]) أحمد 1/251 (2270)

([5]) الترمذي (3076). قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2683) وأخرجه الحاكم في  المستدرك  2 / 325 وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([6]) رواه البزار والطبراني، انظر:مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (8/ 209)

([7]) أحمد [1/ 254، 292]، وأبو يعلى [4/ 418]، برقم [2544] والحاكم في المستدرك [2/ 591]، والحديث سكت عنه الحاكم وقال الذهبي: إسناده جيد.

([8]) رواه البزار، انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (8/ 209)

([9]) رواه الطبراني في الأوسط، انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (8/ 209)

([10]) تفسير الطبري (16/72)، وتفسير ابن كثير (5/ 240).

([11]) تفسير ابن كثير (5/ 241).

([12]) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 115).

([13]) تاريخ الطبري، (1/ 312)

([14]) رواه البخاري 6 / 277 – 280، ومسلم رقم (2371)، وأبو داود رقم (2212)، والترمذي رقم (3165)، وأحمد (2/403) والنسائي في فضائل الصحابة (268)

([15]) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، (6/ 451)

([16]) تاريخ الطبري، (1/ 432)

([17]) أحمد (2/269). والبخاري (2/113) وفي (4/191) ومسلم (7/99) والنسائي (4/118)

([18]) انظر: الشريعة، أبو بكر الآجري، (2/ 94). التمهيد، (7/ 147، 148).

([19]) أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، ص533..

([20]) صحيح ابن حبان (14/ 112)..

([21]) توضيح طرق الرشاد، ص196 بتصرف.

([22]) الأنوار الكاشفة، ص215..

([23]) أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، ص538.

([24]) أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، ص538.

([25]) رواه البخاري 8 / 15 ومسلم رقم (2444) أحمد (6/274)

([26]) رواه البخاري 8 / 15 ومسلم رقم (2444) أحمد (6/274)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *