تكاليف.. وابتلاءات

تكاليف.. وابتلاءات

من أهم النواحي التي يصور بها القرآن الكريم أنبياء الله، بل يكاد يكون كل التركيز عليها، هو المهام التي كلفوا بها من دعوة الخلق إلى الله، وبذل كل أنواع الجهود في سبيل تحقيق ذلك.

كما أعطى القرآن الكريم نموذجا مفصلا على ذلك بنوح عليه السلام، الذي قضى ذلك العمر الطويل مع قومه، لا هم له إلا دعوتهم مستعملا كل الوسائل في ذلك.. لا يكل ولا يمل، ولا يبالي بما يلاقيه قومه به من أنواع السخرية.

وقد ذكر القرآن الكريم تلك الجهود الذي بذلها نوح عليه السلام، ومثله كل الرسل عليهم الصلاة والسلام في صورة تقرير أو مناجاه رفعها نوح إلى ربه سبحانه وتعالى، وكأنه يعتذر إليه من تلك القسوة التي ووجه بها، والتي حالت بينه وبين النجاح في تحقيق ما طلب منه.

قال تعالى ـ حاكيا على لسانه ما قام به من جهود ـ: {رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} [نوح: 5 – 9]

ثم ذكر المعاني الجليلة التي كان يدعوهم إليها، وهي قاصرة على العبودية الخالصة لله، الخالية من كل غرض، قال تعالى ـ حاكيا على لسانه ـ: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} [نوح: 10 – 20]

وبعد كل تلك السنوات الطويلة، وبعد أن بذلك كل تلك الجهود، وبعد أن أخبره ربه سبحانه وتعالى بأنهم لن يؤمنوا، كما قال تعالى: { وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [هود: 36]

حينها فقط طلب من الله تعالى أن يريح الأرض منهم، لينشأ بدلهم قوم يعبدونه ولا يشركون به شيئا، قال تعالى ـ حاكيا عن نوح عليه السلام ـ:{رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا } [نوح: 26 – 28]

هذا نموذج يذكره القرآن الكريم، ويذكر أمثاله عن هود وصالح وإبراهيم وكل الأنبياء عليهم السلام الذين لا نعرف في القرآن الكريم من تفاصيل حياتهم إلا تلك الجهود العظيمة التي قاموا بها في الدعوة إلى الله متجردين من كل غرض، فكلهم كان يردد ما كان يردده هود عليه السلام: { يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [هود: 51]

هذه هي الرؤية القرآنية لتكاليف الأنبياء، والابتلاءات العظيمة التي ابتلوا بها في طريق الدعوة إلى الله، وأداء دورهم الرسالي.

لكن المدرسة السلفية ـ بسبب انحرافها إلى التصوير اليهودي ـ للأنبياء عليهم السلام، تحرف هذه الصورة المقدسة تحريفا شديدا، فتحول الأنبياء عليهم السلام إلى أقزام مقارنة بتلك الصورة القرآنية الجميلة.

وسنذكر هنا أربعة نماذج على ذلك، هي: إبراهيم، ويعقوب، وأيوب، وسليمان عليهم الصلاة والسلام.

إبراهيم عليه السلام:

مع أن القراءة القرآنية لحياة إبراهيم عليه السلام ترينا شخصا لا يكل ولا يمل وهو يدعو إلى الله كل من لقيه ابتداءه من أقاربه الأدنين، وانتهاء بالملك إلا أن الرؤية السلفية تجعله يتقاعد عن هذه المهام العظيمة التي قضى حياته من أجلها، ركونا إلى الدنيا.

ومن الروايات التي أوردوها في هذا في تفسير قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا } [النساء: 55] عن السدي، أن ابراهيم عليه السلام احتاج- وقد كان له صديق يعطيه ويأتيه- فقالت له ساره: لو أتيت خلتك فأصبت لنا منه طعاما! فركب حمارا له، ثم أتاه، فلما أتاه تغيب منه، واستحيا إبراهيم أن يرجع إلى أهله خائبا، فمر على بطحاء، فملأ منها خرجه، ثم أرسل الحمار إلى أهله، فأقبل الحمار وعليه حنطة جيده، ونام ابراهيم عليه السلام فاستيقظ، وجاء إلى أهله، فوجد سارة قد جعلت له طعاما، فقالت: ألا تأكل؟ فقال: وهل من شيء؟ فقالت: نعم من الحنطة التي جئت بها من عند خليلك، فقال: صدقت، من عند خليلي جئت بها، فزرعها فنبتت له، وزكا زرعه وهلكت زروع الناس، فكان أصل ماله منها، فكان الناس يأتونه فيسألونه فيقول: من قال: لا إله إلا الله فليدخل فليأخذ، فمنهم من قال فاخذ، ومنهم من أبى فرجع، وذلك قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا } [النساء: 55] فلما كثر مال إبراهيم ومواشيه احتاج إلى السعة في المسكن والمرعى، وكان مسكنه ما بين قرية مدين- فيما قيل- والحجاز إلى أرض الشام، وكان ابن أخيه لوط نازلا معه، فقاسم ماله لوطا، فأعطى لوطا شطره فيما قيل، وخيره مسكنا يسكنه ومنزلا ينزله غير المنزل الذي هو به نازل، فاختار لوط ناحية الأردن فصار إليها، وأقام إبراهيم عليه السلام بمكانه، فصار ذلك فيما قيل سببا لآثاره بمكة وإسكانه إياها إسماعيل، وكان ربما دخل أمصار الشام)([1])

وهكذا تصور الرواية إبراهيم عليه السلام منشغلا بماله بعد أن كثر لديه، وبعد أن أعطى جزءا منه للوط عليه السلام.

والخطر ليس في هذا التقاعد الذي منحوه لإبراهيم عليه السلام فقط، وإنما في ذلك المنهج الغريب الذي صوروه يدعو إلى الله به.. وهو الدعاء بالقمح والشعير، فقد ذكروا في الرواية أن الناس كانوا يأتونه بعد أن اغتنى، فيسألونه فيقول: من قال: لا إله إلا الله فليدخل فليأخذ، فمنهم من قال فاخذ، ومنهم من أبى فرجع.. وكأن الدعوة إلى الله مختصرة في كلمة تقال، وليس في حياة تغير تغيرا تماما.

ومثل هذا الاختزال أيضا لذلك المنهج الدعوي العظيم الذي مارسه إبراهيم السلام، والذي أمرنا بالاقتداء به فيه، ذلك التفسير العجيب لقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } [البقرة: 124]، وهي الآية الكريمة التي تشهد لإبراهيم عليه السلام بالوفاء بجميع ما تتطلبه الدعوة إلى الله من جهود، كما شهد له قوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37]

فقد اختصروا الابتلاء بالكلمات التي تعني كل أنواع البلاء التي تعرض لها ابتداء بالنفي، وانتهاء بالحرق، في هذا التفسير الذي يروونه عن أئمتهم.

فقد رووا عن ابن عباس، أنه قال: (ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد. في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء)([2])

ورووا عن قتادة قال: (ابتلاه بالختان، وحلق العانة، وغسل القبل والدبر، والسواك، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط) قال أبو هلال: ونسيت خصلة([3]).

ورووا عن أبي الخلد قال: (ابتلي إبراهيم بعشرة أشياء، هن في الإنسان: سنة: الاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، ونتف الإبط، وقلم الأظفار، وغسل البراجم، والختان، وحلق العانة، وغسل الدبر والفرج) ([4])

بل ذكروا في الرواية التي يرفعونها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اختصار الكلمات في بعض الأذكار، فقد رووا عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37]، لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } [الروم: 17] حتى يختم الآية)([5])

أو في بعض الركعات، كما رووا عن عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37]، قال، أتدرون ماوفى؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وفي عمل يومه، أربع ركعات في النهار)([6])

أما الإمامة التي هي مرتبطة عظيمة في الدين، تشمل جميع مناحي الحياة، فقد اختصروها في الإمامة في الحج([7])، وكأن رسالة إبراهيم عليه السلام كلها مختصرة في أن يقص شاربه ويقلم أظافره، وينتف إبطه، ثم يقوم بعد ذلك بإمامة الناس بالحج.

يعقوب عليه السلام:

وهو من الأنبياء العظام الذي بشر الله بهم نبيه إبراهيم عليه السلام، وهو الذي ذكر قصته مع يوسف عليه السلام، وذكر كذلك وصيته لأبنائه في حال احتضاره كما قال تعالى: { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 133]، وهذا يدل على حرصه الشديد وإلى آخر لحظة من حياته على الدعوة إلى الله.

وكل ما ورد عنه يدل على معرفته بالله، كما قال تعالى حكاية عنه: { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [يوسف: 86]، وقال: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يوسف: 96]

لكن سلف السلفية استعملوا كل ما لديهم من مواريث الحقدة على الأنبياء، ليشوهوا هذا النبي الكريم ابتداء من ميلاده، وانتهاء بوفاته.. بل يشوهون معه النبوة، فيجعلوها أمرا هامشيا سهلا، يمكن لأي محتال أن يحصل عليه.

فمن الروايات التي يوردونها في قصته ما رووه عن السدي، قال: تزوج إسحاق امرأة فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضعهما اقتتل الغلامان في بطنها، فأراد يعقوب أن يخرج قبل عيص، فقال عيص: والله لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي ولأقتلنها، فتأخر يعقوب، وخرج عيص قبله، وأخذ يعقوب بعقب عيص، فخرج فسمي عيصا لأنه عصى، فخرج قبل يعقوب، وسمي يعقوب لأنه خرج آخذا بعقب عيص، وكان يعقوب أكبرهما في البطن، ولكن عيصا خرج قبله، وكبر الغلامان، فكان عيص أحبهما إلى أبيه، وكان يعقوب أحبهما إلى أمه، وكان عيص صاحب صيد، فلما كبر إسحاق، وعمي، قال لعيص: يا بني أطعمني لحم صيد واقترب مني أدع لك بدعاء دعا لي به أبي، وكان عيص رجلا أشعر، وكان يعقوب رجلا أجرد، فخرج عيص يطلب الصيد، وسمعت أمه الكلام فقالت ليعقوب: يا بني، اذهب إلى الغنم فاذبح منها شاة ثم اشوه، والبس جلده وقدمه إلى أبيك، وقل له: أنا ابنك عيص، ففعل ذلك يعقوب، فلما جاء قال: يا أبتاه كل، قال: من أنت؟ قال: أنا ابنك عيص، قال: فمسه، فقال: المس مس عيص، والريح ريح يعقوب، قالت أمه: هو ابنك عيص فادع له، قال: قدم طعامك، فقدمه فأكل منه، ثم قال: ادن مني، فدنا منه، فدعا له أن يجعل في ذريته الأنبياء والملوك، وقام يعقوب، وجاء عيص فقال: قد جئتك بالصيد الذي أمرتني به، فقال: يا بني قد سبقك أخوك يعقوب، فغضب عيص وقال: والله لأقتلنه، قال: يا بني قد بقيت لك دعوة، فهلم أدع لك بها، فدعا له فقال: تكون ذريتك عددا كثيرا كالتراب ولا يملكهم أحد غيرهم، وقالت أم يعقوب ليعقوب: الحق بخالك فكن عنده خشية أن يقتلك عيص، فانطلق إلى خاله، فكان يسري بالليل ويكمن بالنهار، ولذلك سمي إسرائيل، وهو سري الله، فأتى خاله وقال عيص: أما إذ غلبتني على الدعوى فلا تغلبني على القبر، أن أدفن عند آبائي: إبراهيم وإسحاق، فقال: لئن فعلت لتدفنن معه. ثم ان يعقوب ع هوى ابنة خاله- وكانت له ابنتان- فخطب إلى أبيهما الصغرى منهما، فأنكحها إياه على أن يرعى غنمه إلى أجل مسمى، فلما انقضى الأجل زف إليه أختها ليا، قال يعقوب: إنما أردت راحيل، فقال له خاله: إنا لا ينكح فينا الصغير قبل الكبير، ولكن ارع لنا أيضا وأنكحها، ففعل فلما انقضى الأجل زوجه راحيل أيضا، فجمع يعقوب بينهما، فذلك قول الله: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23]، يقول: جمع يعقوب بين ليا وراحيل، فحملت ليا فولدت يهوذا، وروبيل، وشمعون وولدت راحيل يوسف، وبنيامين، وماتت راحيل في نفاسها ببنيامين، يقول: من وجع النفاس الذى ماتت فيه. وقطع خال يعقوب ليعقوب قطيعا من الغنم، فأراد الرجوع إلى بيت المقدس، فلما ارتحلوا لم يكن له نفقة، فقالت امرأة يعقوب ليوسف: خذ من أصنام أبي لعلنا نستنفق منه فأخذ، وكان الغلامان في حجر يعقوب، فأحبهما وعطف عليهما ليتمهما من أمهما، وكان أحب الخلق اليه يوسف عليه السلام، فلما قدموا أرض الشام، قال يعقوب لراع من الرعاة: إن أتاكم أحد يسألكم: من أنتم؟ فقولوا: نحن ليعقوب عبد عيص، فلقيهم عيص فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن ليعقوب عبد عيص، فكف عيص عن يعقوب، ونزل يعقوب بالشام، فكان همه يوسف وأخوه، فحسده إخوته لما رأوا من حب أبيه له)([8])

هذه هي القصة التي يوردونها عن يعقوب عليه السلام، وهي لا تختلف كثيرا عن مثيلتها في كتب اليهود، وذلك دليل على ما ذكرنا من أن السلفية تمثل الاختراق اليهودي للإسلام.. أو هي النسخة اليهودية من الإسلام.

أيوب عليه السلام:

وهو من الأنبياء الذين وصفهم القرآن الكريم بالصبر على أنواع البلاء، وجعلهم مثالا يقتدى به في ذلك، قال تعالى:{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 83، 84]، وقال: { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 41، 44]

هذا كل ما ورد في القرآن الكريم عنه، والذي ركز فيه على المعارف الإيمانية لأيوب عليه السلام من ذكره لرحمة ربه، والتجائه إليه، ونحو ذلك.

لكن سلف السلفية راحوا يحولون من هذا البلاء قصة طويلة.. وكأن ما ذكر في القرآن الكريم لم يشف غليلهم، فراحوا للأساطير يشفون بها غليلهم.

ومن القصص التي فسروا بها تلك الآيات الكريمة ما رووه عن عبد الرحمن بن جبير، قال: (لما ابتلي نبي الله أيوب عليه السلام بماله وولده وجسده، وطرح في مزبلة، جعلت امرأته تخرج تكسب عليه ما تطعمه، فحسده الشيطان على ذلك، وكان يأتي أصحاب الخبز والشوي الذين كانوا يتصدقون عليها، فيقول: اطردوا هذه المرأة التي تغشاكم، فإنها تعالج صاحبها وتلمسه بيدها، فالناس يتقذرون طعامكم من أجل أنها تأتيكم وتغشاكم على ذلك; وكان يلقاها إذا خرجت كالمحزون لما لقي أيوب، فيقول: لج صاحبك، فأبى إلا ما أتى، فوالله لو تكلم بكلمة واحدة لكشف عنه كل ضر، ولرجع إليه ماله وولده، فتجيء، فتخبر أيوب، فيقول لها: لقيك عدو الله فلقنك هذا الكلام، ويلك، إنما مثلك كمثل المرأة الزانية إذا جاء صديقها بشيء قبلته وأدخلته، وإن لم يأتها بشيء طردته، وأغلقت بابها عنه! لما أعطانا الله المال والولد آمنا به، وإذا قبض الذي له منا نكفر به، ونبدل فيره! إن أقامني الله من مرضي هذا لأجلدنك مئة، قال: فلذلك قال الله: { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ } [ص: 44])([9])

وخطورة هذه الرواية ليس في صورة البلاء الذي صورت لأيوب عليه السلام فقط، بحيث طرح في المزابل لأجل المرض الذي حل به، وإنما خطورتها في تلك الرعونة والقسوة التي صوروا بها أيوب عليه السلام، وهو يخاطب زوجته التي نصحته أن يدعو الله، فأجابها بذلك الفحش الذي ننزه أنبياء الله عنه.

ومن الروايات التي رووها في هذا ما رووه عن الحسن، قال: (لقد مكث أيوب عليه السلام مطروحا على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا، ما يسأل الله عز وجل أن يكشف ما به.. فما على وجه الأرض أكرم على الله من أيوب، فيزعمون أن بعض الناس، لو كان لرب هذا فيه حاجة ما صنع به هذا! فعند ذلك دعا)([10])

وخطورة هذه الرواية أيضا في تصويرهم لأيوب عليه السلام، وكرامته على الله بسبب عدم دعائه، وهذا يتناقض مع ما ذكر في القرآن الكريم من كثرة دعوات الأنبياء لله تعالى..

بل إن الله تعالى ذكر قصة أيوب في سورة الأنبياء من هذا الباب باب الدعاء والتضرع إلى الله.. ولم يحدد القرآن أي زمن لذلك.. ومن المجازفة تحديد الزمن.

ثم ما هو الدرس التربوي الذي يريدون من خلال حكاية قول الحسن أن يوجهوه للأمة هل هو ترك دعاء الله حتي ينالوا المكانة من الله؟ وهل هذا يتناسب مع ما ورد في النصوص المقدسة من حب الله لدعاء عباده وتضرعهم له؟

ومن الروايات الخطيرة في هذا ما رووه عن وهب بن منبه ـ مع إقرار ابن تيمية لهذه الرواية ـ أن أيوب لم يقل تلك الكلمة التي ذكرها القرآن الكريم عنه، وإنما قال بدلها: ( رب لأي شيء خلقتني ليتني إذ كرهتني لم تخلقني يا ليتني قد عرفت الذنب الذي أذنبت، والعمل الذي عملت، فصرفت به وجهك الكريم عني لو كنت أمتني فألحقتني بآبائي الكرام، فالموت كان أجمل بي ألم أكن للغريب دارا وللمسكين قرارا ولليتيم وليا وللأرملة قيما، إلهي أنا عبدك إن أحسنت فالمن لك وإن أسأت فبيدك عقوبتي، وجعلتني للبلاء عرضا وللفتنة نصبا وقد وقع علي بلاء لو سلطته على جبل لضعف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي وإن قضاءك هو الذي أذلني وإن سلطانك هو الذي أسقمني وأنحل جسمي، ولو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بملء فمي بما كان ينبغي للعبد أن يحاج عن نفسه لرجوت أن يعافيني عند ذلك مما بي ولكنه ألقاني وتعالى عني فهو يراني ولا أراه ويسمعني ولا أسمعه فلا نظر إلي فيرحمني ولا دنا مني ولا أدناني فأدلي بعذري وأتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي)([11])

وخطورة هذه الكلمات ليس في مخالفتها للقرآن الكريم فقط، وإنما لتصويرها أن أيوب عليه السلام يتعامل مع ربه بتلك الشدة، بل يتهم رحمته، ويطلب منه أن يدنو منه حتى يخاصم عن نفسه.. ولست أدري من يخاصم؟

وهم يروون أن الله تعالى أجابه بخلاف ما ذكره القرآن الكريم: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]، وإنما أجابه بنزوله على الغمام وخطابه له، قال وهبه بن منبه: (فلما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب أليم، ثم نودي يا أيوب إن الله عز وجل يقول: ها أنا قد دنوت منك ولم أزل منك قريبا ثم فأدل بعذرك وتكلم ببراءتك وخاصم عن نفسك واشدد إزارك، وقم مقام جبار يخاصم جبار إن استطعت، فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار مثلي ولا شبه لي لقد منتك نفسك يا أيوب أمرا ما تبلغه بمثل قوتك أين أنت مني يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها هل كنت معي تمد بأطرافها وهل علمت بأي مقدار قدرتها أم على أي شيء وضعت أكنافها أبطاعتك حمل الماء الأرض أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاء أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا محفوظافي الهواء..)([12]) إلى آخر ما ذكره.

والعجيب أن ابن تيمية استدل بهذه القصة على دنو الله من خلقه، فقال: (..وقد جاء أيضاً من حديث وهب بن منبه وغيره من الاسرائيليات قربه من أيوب عليه السلام وغيره من الأنبياء عليهم السلام. ولفظه الذي ساقه البغوى أنه أظله غمام ثم نودى يا أيوب أنا الله، يقول أنا قد دنوت منك أنزل منك قريبا)([13])

وهذا أكبر رد على من يصور ابن تيمية بصورة الورع الذي ينفي الإسرائيليات، وكيف ينفيها، وهو يدعو إلى قراءة القرآن من خلالها.. وكيف ينفيها وكل البنيان العقدي الوثني الذي دافع عنه مؤسس عليها؟

بل إن السلفية لم يكتفوا بهذا، فراحوا يصورون أيوب عليه السلام بصورة الحريص على الدنيا، المتكالب على متاعها، فقد رفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله ـ في حديث اجتمع على روايته البخاري ومسلم وغيرهما ـ: (بينما أيوب عليه الصلاة والسلام يغتسل عريانا، خر عليه جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، قال: فناداه ربه عز وجل: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك؛ قال: بلى. يارب ولكن لا غنى بي عن بركاتك)([14])

ولست أدري ما جدوى أن يصور النبي عريانا، ثم يصور حرصه على الذهب، وكلاهما تصويران يحرص اليهود على وصف الأنبياء بهما.

والمشكلة في الحديث فوق هذا أن أيوب عليه السلام، وبعد أن سقط عليه جراد الذهب وهو عريان أخذ يحثي بثوبه؟

لكن لأن الحديث موجه للعقل السلفي.. فلا حرج أن يقبل كل شيء خاصة إذا كان مخرج الرواية البخاري ومسلم.

في مقابل هذه الصورة السلفية عن أيوب عليه السلام، وسبب بلائه، وكيف تعامل معه، نرى المدرسة التنزيهية تنحى منحى مختلفا تماما، فهي تقرأ أيوب كما تقرأ جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من خلال الصورة القرآنية، ومن خلال العصمة المطلقة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

وقد أورد الشريف المرتضى الشبهة التي يتعلق بها المخطئة حول أيوب عليه السلام، فقال: (فإن قيل: فما قولكم في الأمراض والمحن التي لحقت أيوب عليه السلام أوليس قد نطق القرآن بأنها كانت جزاء على ذنب في قوله: {مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41]، والعذاب لا يكون إلا جزاء كالعقاب والآلام الواقعة على سبيل الامتحان لا تسمى عذابا ولا عقابا، أوليس قد روى جميع المفسرين أن الله تعالى إنما عاقبه بذلك البلاء لتركه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقصته مشهورة يطول شرحها؟)([15])

ثم أجاب على هذه الشبهة بقوله: (أما ظاهر القرآن فليس يدل على أن أيوب عليه السلام عوقب بما نزل به من المضار، وليس في ظاهره شئ مما ظنه السائل، لأنه تعالى قال: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } [ص: 41] والنصب هو التعب.. والتعب هو المضرة التي لا تختص بالعقاب، وقد تكون على سبيل الامتحان والاختبار. وأما العذاب فهو أيضا يجري مجرى المضار التي يختص إطلاق ذكرها بجهة دون جهة. ولهذا يقال للظالم والمبتدئ بالظلم أنه معذب ومضر ومؤلم، وربما قيل معاقب على سبيل المجاز. وليست لفظة العذاب بجارية مجرى لفظة العقاب، لأن لفظة العقاب يقتضي ظاهرها الجزاء لأنها من التعقيب والمعاقبة، ولفظة العذاب ليست كذلك. فأما إضافته ذلك إلى الشيطان، وإنما ابتلاه به فله وجه صحيح، لأنه لم يضف المرض والسقم إلى الشيطان، وإنما أضاف إليه ما كان يستضر به من وسوسته ويتعب به من تذكيره له ما كان فيه من النعم والعافية والرخاء، ودعائه له إلى التضجر والتبرم مما هو عليه، ولأنه كان أيضا يوسوس إلى قومه بأن يستقذروه ويتجنبوه ويستخفوه لما كان عليه من الأمراض) ([16])

ثم ذكر تلك الصورة البشعة التي لفقها مفسرو السلفية عنه، فقال: (فأما ما روي في هذا الباب عن جملة جهلة المفسرين فمما لا يلتفت إلى مثله، لأن هؤلاء لا يزالون يضيفون إلى ربهم تعالى وإلى رسله عليهم السلام كل قبيح ومنكر، ويقذفونهم بكل عظيم. وفي روايتهم هذه السخيفة ما إذا تأمله المتأمل علم أنه موضوع الباطل مصنوع، لأنهم رووا أن الله تعالى سلط إبليس على مال أيوب عليه السلام وغنمه وأهله، فلما أهلكهم ودمر عليهم ورأى من صبره عليه السلام وتماسكه، قال إبليس لربه يا رب إن أيوب قد علم أنك ستخلف عليه ماله وولده فسلطني على جسده، فقال تعالى قد سلطتك على جسده كله إلا قلبه وبصره، قال فأتاه فنفخه من لدن قرنه على قدمه فصار قرحة واحدة، فقذف على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا تختلف الدواب على جسده، إلى شرح طويل نصون كتابنا عن ذكر تفصيله، فمن يقبل عقله هذا الجهل والكفر كيف يوثق بروايته، ومن لا يعلم أن الله تعالى لا يسلط إبليس على خلقه، وأن إبليس لا يقدر على أن يقرح الأجساد ولا يفعل الأمراض كيف يعتمد روايته؟)([17])

ثم فسر سبب البلاء بحسب ما يليق بحقهم من العصمة، فقال: (فأما هذه الأمراض العظيمة النازلة بأيوب عليه السلام فلم تكن إلا اختبارا وامتحانا وتعريضا للثواب بالصبر عليها والعوض العظيم النفيس في مقابلتها، وهذه سنة الله تعالى في أصفيائه وأوليائه عليهم السلام. فقد روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال وقد سئل أي الناس أشد بلاء فقال: (الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل من الناس)، فنظهر من صبره عليه السلام على محنته وتماسكه ما صار به إلى الآن مثلا، حتى روي أنه كان في خلال ذلك كله صابرا شاكرا محتسبا ناطقا بما له فيه المنفعة والفايدة، وأنه ما سمعت له شكوى ولا تفوه بتضجر ولا تبرم، فعوضه الله تعالى مع نعيم الآخرة العظيم الدائم أن رد عليه ماله وأهله وضاعف عددهم في قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 84] وفي سورة ص {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [ص: 43]، ثم مسح ما به من العلل وشفاه وعافاه وأمره على ما وردت به الرواية، بأن أركض برجلك الأرض فظهرت له عين فاغتسل منها فتساقط ما كان على جسده من الداء. قال الله تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42] ) ([18])

ثم رد على سلف السلفية في ادعائهم لتلك الأمراض المنفرة التي أصابت عليه السلام، والتي جعلت محل استقذار من قومه، فقال: (فإن قيل، أفتصححون ما روي أن الجذام أصابه حتى تساقطت أعضاؤه؟ قلنا: إن العمل المستقذرة التي ينفر من رآها وتوحشه كالبرص والجذام فلا يجوز شئ منها على الأنبياء عليهم السلام.. لأن النفور ليس بواقف على الأمور القبيحة، بل قد يكون من الحسن والقبيح معا. وليس ينكر أن يكون أمراض أيوب عليه السلام وأوجاعه. ومحنته في جسمه ثم في أهله وماله بلغت مبلغا عظيما يزيد في الغم والألم على ما ينال المجذوم، وليس ننكر تزايد الألم فيه عليه السلام، وإنما ننكر ما اقتضى التنفير)([19])

وهذا هو الفهم السليم للنبوة والأنبياء.. لأن الأنبياء كلفوا بأدوارهم التربوية والدعوية مع أقوامهم ولهذا يستحيل عليهم أي آفة أو مرض أو علة تجعل الناس ينفرون منهم.

هذه مقارنة بسيطة بين الرؤية القرآنية ومن يمثلها من مدرسة آل بيت النبوة الذين يبدعهم السلفية، وبين الرؤية السلفية التي تأخذ دينها ومواقفها من كتب اليهود ورجال اليهود.

مع العلم أن الشريف المرتضى صاحب تلك الجواهر في عصمة الأنبياء وفي الرد على الدسائس الإسرائيلية عاش بين (355 هـ – 436 هـ)، أي لم يكن بعيدا عن الوقت الذي كان فيه الطبري وغيره من أعلام التفسير الذين يستند إليهم السلفية.

سليمان عليه السلام:

مع كثرة التشويهات التي أصاب بها السلفية جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا أن سليمان عليه السلام كان أكثرهم حظا منها، حتى أنهم ـ كما ذكرنا سابقا ـ صوروه ملكا أكثر من تصويره نبينا، وصوروه زير نساء أكثر مما صوروه عابدا زاهدا.

وبما أن غرضنا في هذا الفصل هو إخلاء السلفية للنبوة والرسالة من معناها الحقيقي، وهو ذلك الدور الذي كلف به النبي لهداية قومه، فإنا سنتحدث هنا عن ذلك التشويه لهذا الدور من خلال قصة منهج من مناهج الدعوة ذكر القرآن الكريم ممارسة سليمان عليه السلام له، لكن السلفية حولوه من منهج دعوة إلى أسطورة.. بل إلى قصة غرامية.. ليضيفوا لنساء سليمان الألف امرأة أخرى.

وتبدأ الآيات الكريمة التي حرفوها بتفسيرهم لها بحكاية الهدهد عن ملكة سبأ التي وجدها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، كما قال تعالى: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } [النمل: 23 – 26]

فالهدهد لم يذكر جمال الملكة، ولا أصلها ولا فصلها كما ذكر السلفية، وإنما اهتم لدينها ونوع الإله الذي تعبده، وقد استنكر ـ وهو هدهد ـ ذلك أيما استنكار، فلذلك راح يشكوهم لسليمان عليه السلام.

وبما أن وظيفة سليمان عليه السلام هي الدعوة إلى الله، فقد أرسل إليهم يدعوهم إلى الحضور عنده، ليبلغهم دعوة ربه، كما قال تعالى: {قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) } [النمل: 27 – 32]

وكان لذكاء ملكة سبأ دوره في ذهابها إلى سليمان عليه السلام.. وكان سليمان عليه السلام يعرف المدخل الذي يدخل به إليها وإلى قومها.

فقد رأى حبهم للترف.. بدليل أنه كان لها عرش عظيم.. فلذلك راح يبين لهم أنهم بإسلامهم وجوههم لله لن يفقدوا ذلك النعيم الذي كانوا يعيشونه.

ولذلك فإن ذكر الله تعالى ما أظهر لسليمان عليه السلام لملكة سبأ من مظاهر الملك الذي أعطاه الله له لم يكن غرضه منه الفخر عليها، وإنما كان غرضه تعريفها بالله، لأنها انشغلت بالعرش العظيم الذي كان لها عن الله، فلذلك كان أول ما لاقاها به سليمان عليه السلام هو عرشها الذي حجبها عن الله، وعن التسليم له، قال تعالى:{ فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ }(النمل:42)

فلما قالت ذلك، وفي غمرة انبهارها بما رأت أخبرها سليمان عليه السلام بأنه مع هذا الملك كان مسلما لله، فلم يحجب به عن الله، فقال تعالى على لسانه:{ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ)

فلما رأى سليمان عليه السلام حاجتها إلى المزيد من الأدلة، أحضرها إلى الصرح الممرد من القوارير، وقد كان من الجمال بحيث لا يساوي عرشها الذي شغلها عن الله شيئا بجانبه، وحينذاك لم تملك إلا أن تسلم لله، قال تعالى:{ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (النمل:44)

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى حين ذكر ذكاء ملكة سبأ الذي استطاعت به أن تميز به الملوك من المؤمنين، فقد أرسلت بهدية قيمة لسليمان عليه السلام لتختبر موقفه من المال، قال تعالى على لسانها:{ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } (النمل:35)

لكن سليمان عليه السلام نظر إلى ما أعطاه الله من الإيمان والفضل فوجده أعظم بكثير من أن ينحجب بهديتهم، فقال:{ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } (النمل:36)

ولعله لأجل هذا ورد في القرآن الكريم ذلك الطلب الغريب من سليمان عليه السلام والذي أساء السلفية فهمه، وشوهوه بسببه أيما تشويه، وهو طلبه من ربه سبحانه وتعالى أن يعطيه ملكا لم يعطه أحدا من عباده، كما نص على ذلك قوله تعالى: { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ص: 35]

مع أن سليمان عليه السلام ـ بحسب ما يدل عليه النص القرآني ـ ما طلب ذلك الملك، وبتلك الصورة التي لا ينازعه فيها أحد إلا ليكون حجة على من شغله ملكه عن الله، وكأن سليمان عليه السلام يقول لربه:( يارب هب لي من الملك ما تشاء.. بل هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي أن يحصل عليه.. فإن هذا الملك مهما كان عظيما.. وذلك الفضل مهما كان وفيرا لن يحجباني عنك، ولن يبعدا قلبي عن الرغبة فيك.. فإني لا أرى الأشياء مهما كثرت إلا منك.. ولا أرى نفسي إلا بك.. فكيف أحجب بهداياك الواصلة إلي.. أم كيف أنشغل بفضلك عنك؟)

وقد أشار الشريف المرتضى في رده على المخطئة ما وصموا به نبي الله سليمان عليه السلام في هذا الجانب إلى قريب من هذا المعنى الذي ذكرناه، فقال: (قد ثبت أن الأنبياء عليهم السلام لا يسألون إلا ما يؤذن لهم في مسألته، لا سيما إذا كانت المسألة ظاهرة يعرفها قومهم. وجائز أن يكون الله تعالى أعلم سليمان عليه السلام أنه إن سأل ملكا لا يكون لغيره كان أصلح له في الدين والاستكثار من الطاعات، وأعلمه أن غيره لو سأل ذلك لم يجب إليه من حيث لا صلاح له فيه. ولو أن أحدنا صرح في دعائه بهذا الشرط حتى يقول اللهم اجعلني أيسر أهل زماني وارزقني مالا يساويني فيه غيري إذا علمت أن ذلك أصلح لي وأنه أدعى إلى ما تريده مني، لكان هذا الدعاء منه حسنا جميلا وهو غير منسوب به إلى بخل ولا شح. وليس يمتنع أن يسأل النبي هذه المسألة من غير إذن إذا لم يكن شرط ذلك بحضرة قومه، بعد أن يكون هذا الشرط مرادا فيها، وإن لم يكن منطوقا به)([20])

ثم ذكر وجها آخر أكثر دلالة، فقال: (ووجه آخر: وهو أن يكون عليه السلام إنما التمس أن يكون ملكه آية لنبوته ليتبين بها عن غيره ممن ليس نبيا. وقوله {لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: 35] أراد به لا ينبغي لأحد غيري ممن أتى مبعوث إليه، ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة من النبيين عليه السلام. ونظير ذلك أنك تقول للرجل أنا أطيعك ثم لا أطيع أحدا بعدك، تريد ولا أطيع أحدا سواك. ولا تريد بلفظة بعد المستقبل، وهذا وجه قريب)([21])

ثم ذكر وجها ثالثا محتملا، فقال: (وقد ذكر أيضا في هذه الآية ومما لا يذكر فيها مما يحتمله الكلام أن يكون عليه السلام إنما سأل ملك الآخرة وثواب الجنة التي لا يناله المستحق إلا بعد انقطاع التكليف وزوال المحنة، فمعنى قوله لا ينبغي لأحد من بعدي أي لا يستحقه بعد وصولي إليه أحد من حيث لا يصح أن يعمل ما يستحق به لانقطاع التكليف. ويقوي هذا الجواب قوله: { رَبِّ اغْفِرْ لِي} [ص: 35] وهو من أحكام الآخرة. وليس لأحد أن يقول إن ظاهر الكلام بخلاف ما تأولتم، لأن لفظة بعدي لا يفهم منها بعد وصولي إلى الثواب. وذلك أن الظاهر غير مانع من التأويل الذي ذكرناه، ولا مناف له. لأنه لا بد من أن تعلق لفظة بعدي بشئ من أحواله المتعلقة به، وإذا علقناها بوصوله إلى الملك كان ذلك في الفايدة ومطابقة الكلام كغيره مما يذكر في هذا الباب. ألا ترى أنا إذا حملنا لفظة بعدي على نبوتي أو بعد مسألتي أو ملكي، كان ذلك كله في حصول الفائدة به، يجري مجرى أن تحملها إلى بعد وصولي إلى الملك. فإن ذلك مما يقال فيه أيضا بعدي. ألا ترى أن القائل يقول دخلت الدار بعدي ووصلت إلى كذا وكذا بعدي، وإنما يريد بعد دخولي وبعد وصولي وهذا واضح بحمد الله)([22])

هذا هو تفسير القائلين بالعصمة المطلقة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام لقصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ.. أما السلفية، فقد راحوا برواياتهم يفسرون الآيات الكريمة تفسيرا مختلفا تماما، حيث جعلوا من هدف سليمان عليه السلام، بل من هدف تلك الآيات الكريمة التي حكت عنه، أن يتزوج من تلك الملكة، ويظهر لها سلطانه وسطوته، ويفتخر عليها بذلك.

وتبدأ حكاية السلفية مع ملكة سبأ من تعريفهم بها، فقد ذكروا أنها بلقيس بنت شراحيل.. وقد ذكر الثقاة منهم أنه ولدها أربعون ملكا، آخرهم أبوها.. وكان أحد أبويها من الجن([23])..

والسلفية يذمونها ذما شديدا، ويذمون معها أهل اليمن بسبب توليتهم لامرأة، وقد رووا عن سلفهم الصالح خالد بن صفوان أنه قال واصفا أهل اليمن: (هم من بين دابغ جلد، وسايس قرد، وحائك برد، ملكتهم امرأة، ودل عليم هدهد وغرقتهم فأرة)([24])

وقد استطاع السلفية ـ بالإضافة إلى هذا ـ الاطلاع على الهدية التي أرسلتها، فقد ذكرت مصادرهم الموثوقة أنها كانت مائة غلام، ومائة جارية.. وقيل أنها أرسلت إليه مائتي غلام ومائتي جارية، وكان بعضهم يشبه البعض في الصورة والصوت والهيئة، وقالت للرسول: قل له: ليميز بين الغلمان والجواري([25]).

وقد استطاع السلفية أن يجدوا حلا لهذا اللغز المحير الذي أوقعته فيه ملكة سبأ، فقد رووا أنه أنه أمرهم بالجلوس ودعا بالغلمان والجواري بأن يتوضئوا، فمن صب الماء على بطن ساعده قال: هي جارية، ومن صب الماء على ظهر ساعده قال: هو غلام..

وذكر آخرون منهم أنه جعل من بدأ بالمرفق في الغسل غلاما، ومن بدأ بالزند في الغسل جارية.. وذكر آخرون أنه جعل من أغرف الأناء غلاما، ومن صب على يده جارية.

أما قصة القصر الممرد من قوارير، فقد ذكروا أن سليمان عليه السلام جعل تحته تماثيل من الحيتان والضفادع، وكان الواحد إذا رآه ظنه ماء.. وقد أمر سليمان – عليه السلام – أن يوضع سريره في وسط الصرح، ثم دعا بلقيس إلى مجلسه، فلما وصلت إلى الصرح ونظرت ظنت أنه ماء، فكشفت عن ساقيها لتدخل في الماء، فصاح سليمان: { إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ } [النمل: 44]

أما سبب تكلفه لبنائه أو لصناعته، فقد ذكروا أنه قيل لسليمان عليه السلام أن على رجليها شعرا كثيرا.. أخبرته الجن بذلك.. فأراد أن يتأكد، فوجدوا الأمر كما ذكروا.

ولهذا ذكروا أن سليمان عليه السلام قال للشياطين: ما الذي يذهب الشعر؟ فاتخذوا النورة، وهو أول من اتخذ الحمام والنورة.

أما سبب استقدامها لقصره.. فهو واضح.. فقد أراد أن يتزوج بها، ولذلك قصد أن ينظر إلى ساقيها([26]).

هذا هو التشويه السلفي لقصص الأنبياء في القرآن الكريم.. ليتحول الأنبياء من دعاة إلى الله، ومضحين بكل ما يملكون في سبيل ذلك إلى طلاب دنيا، وترف، ونساء.


([1]) تاريخ الطبري (1/ 308)

([2]) تفسير الطبري (2/ 9)، ورواه الحاكم 2: 266، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.ورواه عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه.

([3]) تفسير الطبري (2/ 9)

([4]) تفسير الطبري (2/ 10)

([5]) رواه أحمد في المسند: 15688 ج 3 ص 439.

([6]) تفسير الطبري (2/ 16).

([7]) تفسير الطبري (2/ 10)

([8]) تاريخ الطبري (1/ 319)

([9]) تفسير الطبري (21/ 212).

([10]) تاريخ الطبري (1/ 322).

([11]) تفسير البغوي – إحياء التراث (3/ 306).

([12]) تفسير البغوي (3/ 303).

([13]) كتب ورسائل ابن تيمية في العقيدة 5/464.

([14]) أحمد 2/314 (8144). والبخاري 1/78 (278). النسائي 1/200

([15]) تنزيه الأنبياء، ص90.

([16]) تنزيه الأنبياء، ص90.

([17]) تنزيه الأنبياء، ص90.

([18]) تنزيه الأنبياء، ص90.

([19]) تنزيه الأنبياء، ص90.

([20]) تنزيه الأنبياء، ص140.

([21]) تنزيه الأنبياء، ص140.

([22]) تنزيه الأنبياء، ص141.

([23]) تفسير السمعاني (4/ 89)

([24]) تفسير السمعاني (4/ 90)

([25]) تفسير السمعاني (4/ 96)

([26]) تفسير السمعاني (4/ 102)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *