الكفر.. والشرك

الكفر.. والشرك

من المسائل الكبرى التي وقع فيها الخلاف في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مسألة عصمتهم من الوقوع في الكفر والشرك..

وهي مسألة انقسمت فيها الأمة إلى قسمين كبيرين: قسم تمثله المدرسة السلفية، وخصوصا ابن تيمية وتلاميذه، فهم يرون أن الأنبياء ـ قبل نزول الوحي عليهم ـ على دين أقوامهم، أي أنهم كفار مشركون يمارسون كل الطقوس التي يمارسها قومهم.. إلا أنبياء بني إسرائيل طبعا الذين ينزههم السلفية عن هذا باعتبارهم ولدوا في بيئة موحدة.

أما القسم الثاني: فهو من ينزه الأنبياء عن هذا، ويعتبر مجرد القول به سوء فهم للنبوة، وحطا من قدرها، وتدنيسا لها.. وقد قال بهذا كل الأمة بمذاهبها وطوائفها المختلفة، ما عدا السلفية وخصوصا أتباع ابن تيمية منهم.

وأساس المشكلة التي أوقعت المدرسة السلفية في هذا الخطأ الكبير هو تغليبهم لبشرية النبي على نبوته، والتي نتج عنها توهمهم أن النبي ليس سوى إنسان عادي، وقع عليه اختيار الله في مرحلة من عمره ليكلف بأداء مهام معينة.. ولا تميز له عن الناس في هذا الجانب، كما لا تميز له عنهم في الجوانب الأخرى.

ثم يذكرون أن ذلك الاختيار مشيئة إلهية محضة، لا علاقة لها بدين النبي، ولا خلقه.. ولهذا أجازوا على النبي أن يكون قبل نبوته كافرا ومشركا، وعاصيا بمختلف أنواع المعاصي كبائرها وصغائرها.

وهم لا يكتفون بذكر الجواز فقط، بل يضمون إليه ما يخلخل تلك المكانة السامية التي يشعر بها المؤمنون عندما يتحدثون عن الأنبياء أو يسمعون عنهم.

والمبرر السلفي لهذا معروف، وهم أنهم يخافون أن يمس جناب التوحيد، أو لأنهم يرون أن تعظيم النبي تحقير لربه، وتقديس الرسول تدنيس لمرسله.. وكل ذلك نشأ عن تصوراتهم الوثنية لله سبحانه وتعالى.

وقد غاب عن هذه المدرسة، مع ادعائها الرجوع للقرآن الكريم، آيات كثيرة لو أنهم تأملوها بعيدا عن وساوس كعب الأحبار ووهب بن منبه وتلك الروايات التي حشوا بها عقولهم، لوصلوا إلى حقيقة كمالات النبوة من دون أي جهد.. بل وصلوا إلى المنبع الصافي الذي لا كدر فيه.

وأول تلك الآيات، وأكثرها صراحة ووضوحا قوله تعالى على لسان المسيح عليه السلام: { إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا } [مريم: 30 – 33]

فهذه الآيات الكريمة تنص على أن المسيح عليه السلام، وهو ـ في مرحلة المهد ـ يخير أن الله تعالى جعله نبيا، ولم يقل: (سيجعلني نبيا)، أي أنه كان نبيا وهو في مهده.. ويخبر كذلك أنه جعل مباركا في كل محل، ولم يقل: (سيجعلني مباركا)

وهذا ليس خاصا بالمسيح عليه السلام، بل هو عام لكل الأنبياء، لأن الله تعالى عندما ذكر خصوصية المسيح في هذا الجانب ذكر كلامه في المهد، لا نبوته في المهد، قال تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} [المائدة: 110]، وقال: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46]

بل ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل: يا رسول الله، متى كتبت نبيا؟ قال: (وآدم عليه السلام بين الروح والجسد)([1])

وقد أقر ابن تيمية نظريا بهذا الحديث، وإن لم يؤمن به عمليا، كما سنرى، فقد قال في (مجموع الفتاوى): (وهذا هو معنى الحديث الذي رواه أحمد في مسنده عن ميسرة الفجر قال: قلت يا رسول الله متى كنت نبيا؟.. قال: ( وآدم بين الروح والجسد)، هكذا لفظ الحديث الصحيح. وأما ما يرويه هؤلاء الجهال: كابن عربي في الفصوص وغيره من جهال العامة (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين كنت نبيا وآدم لا ماء ولا طين)، فهذا لا أصل له ولم يروه أحد من أهل العلم الصادقين ولا هو في شيء من كتب العلم المعتمدة بهذا اللفظ)([2])

بالإضافة إلى هذا، فقد أخبر الله تعالى أن له من عباده من أطلق عليهم لقب المخلصين ـ بفتح الخاء ـ وهم الطاهرون الذين لا يتمكن الشيطان بأي حال من الأحوال أن يصل إليهم، قال تعالى يذكر ذلك اليوم الذي بدأ فيه تاريخ البشرية: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 39 – 42]

فهذه الآية الكريمة تبين أن من عباد الله جواهر مقدسة بطبيعتها لا يمكن للشيطان أن يصل إليها بحال من الأحوال، ولذلك هي عارفة بربها بالفطرة.. بل هي ـ كما يقول العرفاء ـ تولد وهي مجتازة لكل المهامه والفيافي التي يقطعها السالكون، لأن آخر مقام في الولاية هو أول مقام في النبوة، كما قال الغزالي: (وانفتاح هذا الباب من سر القلب إلى عالم الملكوت يسمى معرفة وولاية ويسمى صاحبه وليا وعارفا، وهي مبادي مقامات الأنبياء، وآخر مقامات الأولياء أول مقامات الأنبياء)([3])

ومشكلة المدرسة السلفية أنها ـ مثل الشيطان تماما ـ لا تؤمن بهذا النوع من الناس، لأنها تشعر أن الإيمان بهم نوع من السجود والخضوع.. وهي تملك من الكبر ما يحول بينها وبين ذلك.

ولو أنها تدبرت الأمر من بابه لعلمت أنها كلما عظمت الرسول عظمت المرسل، وكلما وقرت الرسول وقرت المرسل.. لأن الرسول ليس سوى مرآة لتجلي الحق، أو هو مظهر يعرف الحق من خلاله، ومن احتقر المظهر احتقر بالضرورة مُظهره.

ولهذا اتفق العارفون من تلاميذ القرآن الكريم ابتداء من بيت أهل النبوة إلى آخر تلميذ من تلاميذهم على هذا المعنى السامي للنبوة..

يقول الشيخ الصدوق عند ذكره موقف أهل بيت النبوة من هذه المسألة الخطيرة: (اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة عليهم السلام أنهم معصومون مطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا، ولا يعصون ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.. واعتقادنا فيهم أنهم معصومون موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهم وأواخرها، لا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا عصيان ولا جهل) ([4])

ويقول العلاّمة الطباطبائي: (إنّ الله سبحانه خلق بعض عباده على استقامة الفطرة، واعتدال الخلقة، فنشأوا من بادئ الأمر بأذهان وقّادة، وإدراكات صحيحة ونفوس طاهرة، وقلوب سليمة، فنالوا بمجرّد صفاء الفطرة وسلامة النفس من نعمة الإخلاص ما ناله غيرهم بالاجتهاد والكسب بل أعلى وأرقى لطهارة داخلهم من التلوّث بألواث الموانع والمزاحمات، والظاهر أنّ هؤلاء هم المخلصون ( بالفتح ) لله في مصطلح القرآن، وهم الأنبياء والأئمّة، وقد نصّ القرآن بأنّ الله اجتباهم، أي جمعهم لنفسه وأخلصهم لحضرته، قال تعالى: {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 87])([5])

وإلى هذا المعنى أشار العارفون من هذه الأمة الذين اتفقوا على العصمة المطلقة للنبي في كل أحواله، وفي كل سنوات عمره.

يقول الشيخ أحمد السرهندي: (النبوة: هي عبارة عن القرب الإلهي الذي ليس فيه شائبة الظلية، وعروجه ناظر ومتوجه إلى الحق، ونزوله إلى الخلق وهذا القرب نصيب الأنبياء [ عليهم السلام ] بالأصالة) ([6])

ويقول الشيخ نجم الدين داية الرازي: (مقام الأنبياء هو غاية شرف الإنسانية، والأفق الأعلى منه، فلم يبق له الارتقاء عن هذا المقام بسعيه وجهده، بل ينحط إليه الأمور الإلهية والجذبات الربانية وحياً أو إلهاماً) ([7])

ويقول الشيخ عبد القادر الجيلاني: (النبوة: هي نور من أنوار العزة، مختومة بطابع روح القدس، قوتها فعالة بالقدرة، ومعناها متسع بالبهجة، وظاهرها مؤيد بأفعال الله تعالى الخارقة للعادة المستمرة، وباطنها مقرون بالوحي) ([8])

وهكذا نص كل العارفين المحققين..

وقريبا منهم نص المتكلمون الذين اتفقوا جميعا على اختلاف قراءاتهم العقدية على عدم جواز الكفر على الأنبياء مطلقا، كما عبر على ذلك القاضي عبد الجبّار شيخ المعتزلة في عصره، حيث ذكر أنّه (يجب أن يكون النبي منزّهاً عمّا يقتضى خروجه من ولاية الله تعالى إلى عداوته قبل النبوّة وبعدها، كما يجب أن يكون منزّهاً من كذب أو كتمان أو سهو أو غلط إلى غير ذلك، ومن حقّه أن لا يقع منه ما ينفر منه عن القبول منه أو يصرف من السكون إليه أو عن النظر في علمه، نحو الكذب على كل حال، والتورية والتعمية في ما يؤدّيه، والصغائر المستخفة)([9])

وقال التفتازاني في شرح العقائد النسفية: (إنّهم [أي الأنبياء] معصومون عن الكفر قبل الوحي وبعده بالإجماع، وكذا مَن تعمّد الكبائر عند الجمهور خلافاً للحشوية، وأمّا سهواً، فجوّزه الأكثرون. وأمّا الصغائر، فيجوز عمداً عند الجمهور، خلافاً للجبّائي وأتباعه، ويجوز سهواً بالاتفاق إلاّ ما يدل على الخسّة)([10])

وقال الفاضل القوشجي: (إنّ المعاصي إمّا أن تكون منافيةً لما تقتضيه المعجزة، كالكذب في ما يتعلّق بالتبليغ أو لا، والثاني إمّا أن يكون كفراً أو معصية ؛ وهي إمّا أن تكون كبيرة كالقتل والزنا، أو صغيره منفّرة كسرقة لقمة والتطفيف بحبّة، أو غير منفّرة ككذبة وشتمة ؛ وكل ذلك إمّا عمداً أو سهواً، أو بعد البعثة أو قبلها)([11])

وقال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى نقلا عن القاضي عياض: (وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة فللناس فيه خلاف، والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شيء من ذلك. وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا، ونشأتهم على التوحيد والإيمان، بل على إشراق أنوار المعارف ونفحات ألطاف السعادة، ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم حقق ذلك، كما عرف من حال موسى وعيسى ويحيى وسليمان وغيرهم عليهم السلام. قال الله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } [مريم: 12] قال المفسرون: أعطي يحيى العلم بكتاب الله في حال صباه. قال معمر: كان ابن سنتين أو ثلاث، فقال له الصبيان: لم لا تلعب! فقال: أللعب خلقت! وقيل في قوله: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ } [آل عمران: 39] صدق يحيى بعيسى وهو ابن ثلاث سنين، فشهد له أنه كلمة الله وروحه وقيل: صدقه وهو في بطن أمه، فكانت أم يحيى تقول لمريم إني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك تحية له. وقد نص الله على كلام عيسى لأمه عند ولادتها إياه بقوله: {أَلَّا تَحْزَنِي} [مريم: 24] على قراءة من قرأ من تحتها.. وقال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } [الأنبياء: 79]،وقد ذكر من حكم سليمان وهو صبي يلعب في قصة المرجومة وفي قصة الصبي ما اقتدى به أبوه داود. وحكى الطبري أن عمره كان حين أوتي الملك اثني عشر عاما. وكذلك قصة موسى مع فرعون وأخذه بلحيته وهو طفل. وقال المفسرون في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء: 51] أي هديناه صغيرا، قاله مجاهد وغيره. وقال ابن عطاء: اصطفاه قبل إبداء خلقه)([12])

إلى أن قال متحدثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وقوله في قصة بحيرا حين استحلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم باللات والعزى، إذ لقيه بالشام في سفرته مع عمه أبي طالب وهو صبي، ورأى فيه علامات النبوة فأخبره بذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا تسألني بهما، فوالله ما أبغضت شيئاً قط بغضهما. فقال له بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه؟ فقال: سل عما بدا لك. وكذلك المعروف من سيرته صلى الله عليه وآله وسلم وتوفيق الله له أنه كان قبل نبوته يخالف المشركين في وقوفهم بمزدلفة في الحج، وكان يقف هو بعرفة؛ لأنه كان موقف إبراهيم عليه السلام) ([13])

وقد نصوا على أنه لم يقل أحد من المذاهب بجواز الكفر على الأنبياء إلا فرقة من الخوارج هي الأزارقة الذين رووا عنهم تجويز الكفر على الأنبياء، مع العلم أن مرادهم من الكفر هو المعصية، لأجل اعتقادهم أنّ كل معصية كفر، يقول بعض الباحثين: (أجمعوا على امتناع الكفر عليهم إلاّ الفضيلية من الخوارج فإنّهم جوّزوا صدور الذنب عنهم، وكل ذنب عندهم كفر، فلزمهم جواز الكفر عليهم)([14])

وهكذا نرى أن الفئة الوحيدة التي تقول بجواز كفر الأنبياء ووقوعه منهم، وتجاهر به هي فئة السلفية، أو بالأحرى تلاميذ ابن تيمية ـ خصوصا ـ من السلفية، لأن هناك من أعلام السلف من خالفهم في بعض ذلك.

وكما أن منهج السلفية في القضايا العقدية هو الرجوع للنصوص المتشابهة، واعتبارها أصلا، ثم تأويل المحكمات على أساسها، فقد اعتبروا قوله تعالى عن شعيب عليه السلام: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا َ} [الأعراف: 88] أصلا، مثلما اعتبروا مقولة فرعون أصلا في القول بالجهة لله تعالى.

وكان في إمكان ابن تيمية أن يفسر هذه الآية الكريمة بحسب أقوال السلف الذين يرجع إليهم كل حين، ويعتبر أقوالهم سنة، والخروج عنها بدعة.

كان في إمكان ابن تيمية أن يفسرها بحسب قول الطبري الذي يحث على الرجوع إليه دوما، فقد قال في تفسير قوله تعالى: (قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا َ): (يعنون: إلا أن تعودوا في ديننا الذي نحن عليه من عبادة الأصنام. وأدخلت في قوله: (لتعودن) لام، وهو في معنى شرط، كأنه جواب لليمين، وإنما معنى الكلام: لنخرجنكم من أرضنا، أو تعودون في ملتنا. ومعنى (أو) ههنا معنى (إلا) أو معنى حتى كما يقال في الكلام: لأضربنك أو تقر لي، فمن العرب من يجعل ما بعد (أو) في مثل هذا الموضع عطفاً على ما قبله، إن كان ما قبله جزماً جزموه، وإن كان نصباً نصبوه، وإن كان فيه (لام) جعلوا فيه (لاما)، إذ كانت (أو) حرف نسق. ومنهم من ينصب (ما) بعد (أو) بكل حال، ليعلم بنصبه أنه عن الأول منقطع عما قبله، كما قال امرؤ القيس: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه… وأيقن أنا لاحقان بقيصرا… فقلت له: لا تبك عينك إنما… نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا. فنصب (نموت فنعذرا) وقد رفع (نحاول)، لأنه أراد معنى: إلا أن نموت، أو حتى نموت، ومنه قول الآخر: لا أستطيع نزوعاً عن مودتها… أو يصنع الحب بي غير الذي صنعا)([15])

ومثله أبو المظفر السمعاني، الذي يعتبر من أعلام السلفية، كما قال الذهبي عنه، فقد قال في ترجمته: (وله الأمالي في الحديث تعصب لأهل الحديث والسنة والجماعة، وكان شوكا في أعين المخالفين وحجة لأهل السنة)([16])، ومع ذلك، فقد قال في تفسير الآية: (فإن قيل: كيف يصح لفظ العود من شعيب، ولم يكن على ملتهم قط؟ قيل: معناه: إن صرنا في ملتكم. وعاد بمعنى صار وكان، كما قال الشاعر: لئن كانت الأيام أحسن مرة… إلي فقد عادت لهن ذنوب. أي: كانت لهن ذنوب)([17])

ومثله قال البغوي الذي أشاد بسنيته ابن تيمية: (العود: قد يكون بمعنى الرجوع.. وقد يكون بمعنى المصير إليه ابتداء. ومنه قوله سبحانه وتعالى في قصة شعيب صلى الله عليه وسلم: { أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا َ} قال قوم: معناه: لتصيرن إلى ملتنا، لأن شعيباً لم يكن قط في الكفر. وقيل: الخطاب مع أصحاب شعيب الذين دخلوا في دينه واتبعوه بعد ما كانوا كفاراً)([18])

وقال: (فإن قيل: كيف يخرجونهم من النور إلى الظلمات، وهم كفار لم يكونوا في نور قط؟ قيل: هم اليهود وكانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يبعث لما يجدون في كتبهم من نعمته، فلما بعث كفروا به، وقيل: هو على العموم في حق جميع الكفار، وقالوا: منعهم إياهم من الدخول فيه: إخراج، كما يقول الرجل لأبيه: أخرجتني من مالك. ولم يكن فيه، كما قال الله تعالى إخباراً عن يوسف عليه السلام: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [يوسف: 37] ولم يكن قط في ملتهم)([19])

وقال في موضع آخر: (فإن قيل: ما معنى قوله: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا } [الأعراف: 89]، ولم يكن شعيب قط على ملتهم، حتى يصح قولهم: ترجع إلى ملتنا؟ قيل: معناه: أو لتدخلن في ملتنا، فقال: وما كان لنا أن ندخل فيها. وقيل: معناه: إن صرنا في ملتكم. ومعنى عاد: صار. وقيل: أراد به قوم شعيب، لأنهم كانوا كفاراً فآمنوا، فأجاب شعيب عنهم) ([20])

بل صرح بذلك بتصريح ليس فوقه تصريح، فقال: (وأهل الأصول على أن الأنبياء عليهم السلام، كانوا مؤمنين قبل الوحي، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم، ولم يتبين له شرائع دينه) ([21])

لكن ابن تيمية كعادته في الانتقاء يأخذ ممن يسميهم السلف ما يتناسب مع مذهبه.. ومذهبه هنا هو الحط من قيمة الرسل.. ولذلك اختار أن يفسر تلك الآيات الكريمة تفسيرا متناسبا مع تصوره للنبوة.

وبما أن تفسيره للآية عجيب لم يسبق إليه، فقد فصل فيه في كتابه المعنون بهذا العنوان الطويل [تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير فيها القول الصواب بل لايوجد فيها الا ما هو خطأ]، وهو مطبوع ومحقق([22]).

وقد قدم لتفسير الآيات الكريمة بقوله: (هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ فيها، ومنها قوله: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88] الآية وما في معناها)([23])

ثم راح يبرز قدراته الاستنباطية في هذا الجانب، فقال: (التحقيق: أن الله سبحانه إنما يصطفي لرسالته من كان خيار قومه حتى في النسب كما في حديث هرقل. ومن نشأ بين قوم مشركين جهال لم يكن عليه نقص إذا كان على مثل دينهم إذا كان معروفا بالصدق والأمانة وفعل ما يعرفون وجوبه وترك ما يعرفون قبحه، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، فلم يكن هؤلاء مستوجبين العذاب، وليس في هذا ما ينفر عن القبول منهم؛ ولهذا لم يذكره أحد من المشركين قادحا. وقد اتفقوا على جواز بعثة رسول لا يعرف ما جاءت به الرسل قبله من النبوة والشرائع، وأن من لم يقر بذلك بعد الرسالة فهو كافر، والرسل قبل الوحي لا تعلمه فضلا عن أن تقر به.. قال تعالى: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ} [غافر: 15]) ([24])

ومثلما دافع عن المعصية، وكونها كمال في حق الأنبياء، راح يدافع عن كفرهم، مبينا أن ذلك أيضا كمال في حقهم، فقال: (والرسول الذي ينشأ بين أهل الكفر الذين لا نبوة لهم يكون أكمل من غيره من جهة تأييد الله له بالعلم والهدى وبالنصر والقهر كما كان نوح وإبراهيم)([25])

وقال:(وكذلك من قال: إنه لا يبعث نبياً إلا من كان مؤمناً قبل النبوة. فإن هؤلاء توهموا أن الذنوب تكون نقصاً، وإن تاب التائب منها. وهذا منشأ غلطهم، فمن ظن أن صاحب الذنوب مع التوبة النصوح يكون ناقصاً؛ فهو غالط غلطاً عظيماً، فإن الذم والعقاب الذي يلحق أهل الذنوب لا يلحق التائب منه شيء أصلاً؛ لكن إن قدم التوبة لم يلحقه شيء، وإن أخر التوبة فقد يلحقه ما بين الذنوب والتوبة من الذم والعقاب ما يناسب حاله. والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه كانوا لا يؤخرون التوبة؛ بل يسارعون إليها ويسابقون إليها؛ لا يؤخرون، ولا يصرون على الذنب، بل هم معصومون من ذلك، ومن أخر ذلك زمناً قليلاً، كفر الله ذلك بما يبتليه به، كما فعل بذي النون صلى الله عليه وآله وسلم هذا على المشهور أن إلقاءه كان بعد النبوة؛ وأما من قال: إن إلقاءه كان قبل النبوة. فلا يحتاج إلى هذا. والتائب من الكفر والذنوب، قد يكون أفضل ممن لم يقع في الكفر والذنوب؛ وإذا كان قد يكون أفضل فالأفضل أحق بالنبوة ممن ليس مثله في الفضيلة، وقد أخبر الله عن إخوة يوسف بما أخبر من ذنوبهم، وهم الأسباط الذين نبأهم الله تعالى)([26])

وهكذا نرى ابن تيمية يعتبر إخوة يوسف هم الأسباط مخالفا بذلك جماهير العلماء، ومن خلال موقفه هذا نرى تصوره للنبوة.. فإخوة يوسف الذين يمثلون الحقد والظلم بأبشع صوره إلى الدرجة التي تركوا فيها أباهم كل تلك السنين الطوال لا يخبرونه عما فعلوه بأخيهم.. ومع ذلك لا يرى ابن تيمية ضيرا في أن يكونوا من الأنبياء.

وقال في موضع آخر: (فالمؤمنون يستغفرون مما كانوا تاركيه قبل الإسلام من توحيد الله وعبادته، وإن كان ذلك لم يأتهم به رسول بعد كما تقدم. والرسول يستغفر من ترك ما كان تاركه، كما قال فيه: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى: 52] وإن كان ذلك لم يكن عليه عقاب)([27])

وقال في موضع آخر: (وأما قولهم: إن شعيباً والرسل ما كانوا في ملتهم قط. وهي ملة الكفر، فهذا فيه نزاع مشهور. وبكل حال، فهذا خبر يحتاج إلى دليل سمعي أو عقلي، وليس في أدلة الكتاب والسنة والإجماع ما يخبر بذلك، وأما العقل: ففيه نزاع. والذي عليه نظار أهل السنة: أنه ليس في العقل ما يمنع ذلك.. وأما تحقيق القول فيه: فالله سبحانه إنما يصطفي لرسالته من كان من خيار قومه.. ومن نشأ بين قوم مشركين جهال، لم يكن عليه منهم نقص ولا بغض ولا غضاضة، إذا كان على مثل دينهم، إذا كان عندهم معروفاً بالصدق والأمانة وفعل ما يعرفون وجوبه واجتناب ما يعرفون قبحه.. فلم يكن هؤلاء مستوجبين العذاب قبل الرسالة، وإن كان لا هو ولا هم يعرفون ما أرسل به. وفرق بين من يرتكب ما علم قبحه، وبين من يفعل ما لم يعرف، فإن هذا الثاني لا يذمونه، ولا يعيبون عليه، ولا يكون فعله مما هم عليه منفراً عنه بخلاف الأول)([28])

وما ذهب إليه ابن تيمية هو ما ذهب إليه خلفه من بعده، فقد صار هذا القول هو المشهور عندهم،وكيف لا يكون مشهورا، وابن تيمية يقول به.

ومن أمثلة ذلك ما قاله صالح آل الشيخ في شرحه للطحاوية، المسمى بـ (إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل)، فقد قال فيه: (القسم الثاني، من جهة الذنوب: الذنوب أقسام: فمنها الكفر وجائز في حق الأنبياء والرسل أنْ يكونوا على غير التوحيد قبل الرسالة والنبوة.. والثاني من جهة الذنوب، فالذنوب قسمان كبائر وصغائر: والكبائر جائزة فيما قبل النبوة، ممنوعة فيما بعد النبوة والرسالة؛ فليس في الرسل من اقترف كبيرة بعد النبوة والرسالة أو تَقَحَّمَها عليهم الصلاة والسلام بخلاف من أجاز ذلك من أهل البدع)([29])

وسئل هذا السؤال: (أشكل عليَّ قولك: النبي قد يكون على غير التوحيد قبل الرسالة؟)، فأجاب بقوله: (نعم النبي قد يكون على غير ذلك، فيصطفيه الله – عز وجل – وينبهه؛ يعني ما فيه مشكل في ذلك، قد يكون غافلا)([30])

وابن تيمية ومن معه من السلفية لم يستثنوا أحدا من هذا ـ كما ذكرنا ـ إلا أنبياء بني إسرائيل.. أما غيرهم فلم يستثنونهم.. حتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يستثنوه من ذلك الحكم الخطير.. وبذلك قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندهم ما يقرب من ثلثي عمره على الشرك والضلالة.

ولصعوبة طرح مثل هذه المسائل، فإن ابن تيمية يحتال لها بصنوف الحيل، ليفهم مراده من غير تصريح مباشر منه، ومن الأمثلة على ذلك أنه يردد كثيرا حديثا يدل بظاهره على أن زيدا بن عمرو بن نفيل عم عمر بن الخطاب كان أكثر ورعا عن الشرك وأسبابه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روى في (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) وغيره من كتبه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، وذلك قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوحي، فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سفرة في لحم. فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: (إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه)([31])

بل ويضيف إليها كل الروايات التي ورد بها الحديث ليؤكد المعنى، فيقول: (وفي رواية له: وإن زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض الكلأ، ثم أنتم تذبحونها على غير اسم الله؟!) إنكارا لذلك وإعظاما له) ([32])

بل إنه في كتابه (الفتاوى الكبرى) يدافع عن وقوع الشرك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد البعثة، فقد قال: (وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التي يحصل بها مقصود النبوة والرسالة؛ فإن النبي هو المنبئ عن الله، والرسول هو الذي أرسله الله تعالى، وكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين.. ولكن هل يصدر ما يستدركه الله فينسخ ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته؟ هذا فيه قولان. والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك. والذين منعوا ذلك من المتأخرين طعنوا فيما ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، وقالوا: إن هذا لم يثبت، ومن علم أنه ثبت: قال هذا ألقاه الشيطان في مسامعهم ولم يلفظ به الرسول. ولكن السؤال وارد على هذا التقدير أيضا. وقالوا في قوله: {إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] هو حديث النفس. وأما الذين قرروا ما نقل عن السلف فقالوا هذا منقول نقلا ثابتا لا يمكن القدح فيه والقرآن يدل عليه بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)} [الحج: 52 – 54] فقالوا الآثار في تفسير هذه الآية معروفة ثابتة في كتب التفسير، والحديث، والقرآن يوافق ذلك فإن نسخ الله لما يلقي الشيطان وإحكامه آياته إنما يكون لرفع ما وقع في آياته، وتمييز الحق من الباطل حتى لا تختلط آياته بغيرها. وجعل ما ألقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم إنما يكون إذا كان ذلك ظاهرا يسمعه الناس لا باطنا في النفس والفتنة التي تحصل بهذا النوع من النسخ من جنس الفتنة التي تحصل بالنوع الآخر من النسخ)([33])

وهكذا نرى ابن تيمية يعتبر نطق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالشرك قول السلف وأنه السنة، بل إنه يراه من كمال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن أدلة صدقه، فيقول معقبا على كلامه السابق: (وهذا النوع أدل على صدق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبعده عن الهوى من ذلك النوع، فإنه إذا كان يأمر بأمر ثم يأمر بخلافه وكلاهما من عند الله وهو مصدق في ذلك، فإذا قال عن نفسه إن الثاني هو الذي من عند الله وهو الناسخ وإن ذلك المرفوع الذي نسخه الله ليس كذلك كان أدل على اعتماده للصدق وقوله الحق)([34])

وهذا الذي قال به ابن تيمية في حق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتبعه عليه أتباعه من السلفية ـ يخالف ما عليه الحنابلة، بل يخالف ما عليه الإمام أحمد نفسه الذي يعتبره ابن تيمية ناصرا للسنة وإماما لها، وقد قال الحافظ ابن رجب ـ وهو من أئمة الحنابلة، بل من السلفية المعتبرين ـ في كتابه (لطائف المعارف): (وقد استدل الإمام أحمد رضي الله عنه بحديث (إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإن آدم عليه السلام لمنجدل في طينت).. على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يزل على التوحيد مذ نشأ وردَّ بذلك على من زعم غير ذلك. قال الحافظ: بل يستدل بذلك على أنه صلى الله عليه وآله وسلم ولد نبياً، فإن نبوته وجبت له من حين أخذ الميثاق، حيث استخرج من صُلب آدم فكان نبياً من حينئذ، لكن كانت مدة خروجه إلى الدنيا متأخرة عن ذلك، وذلك لا يمنع كونه نبياً قبل خروجه كمن يولى ولاية ويؤمر بالتصرف فيها في زمن مستقبل فحكم الولاية ثابت له من حين ولايته وإن كان تصرفه متأخراً إلى حين مجيء الوقت)([35])

ثم نقل عن حنبل قوله: (قلت لأبي عبد الله – يعني الإمام أحمد -: من زعم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان على دين قومه قبل أن يبعث؟ قال: هذا قول سوء، ينبغي لصاحب هذه المقالة أن يحذر كلامه ولا يجالس. قلت: إن جارنا الناقد أبا العباس يقول هذه المقالة. قال: قاتله الله، وأي شيء أبقى إذا زعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان على دين قومه وهم يعبدون الأصنام؟ قال الله تعالى مخبراً عن عيسى عليه السلام: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6]. ثم قال الإمام أحمد: ماذا يحدث الناس من الكلام، هؤلاء أصحاب الكلام من أحب الكلام لم يفلح، سبحان الله لهذا القول، واحتج الإمام أحمد برؤيا أمه النور عند ولادته حتى أضاءت له قصور الشام، قال: وليس ذلك عندما ولدت رأت ذلك. وقيل: وقبل أن يبعث كان طاهراً مطهراً من الأوثان، ثم قال الإمام أحمد: احذروا الكلام فإن أصحاب الكلام لا يؤول أمرهم إلى خير. أخرجه أبو بكر عبد العزيز في كتاب السنة) ([36])

ثم عقب ابن رجب على قول أحمد بقوله: (ومراد الإمام أحمد الاستدلال بتقديم البشارة بنبوته من الأنبياء من قبل خروجه إلى الدنيا وولادته، وهذا هو الذي يدل عليه حديث العرباض. انتهى كلام الحافظ ابن رجب ملخصاً. وقد صرح فيه بنص الإمام أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد على الإسلام) ([37])

وهكذا نرى الفرق الكبير بين رؤية إمام الحنابلة الإمام أحمد ورؤية ابن تيمية، بل إن السلفية لو صدقوا مع أنفسهم، وطبقوا مقولة الإمام أحمد مع ابن تيمية كما يطبقونها مع الجهمية لزال عنهم الكثير من ذلك التعصب والكبرياء التي نشأت فيهم بسبب غرقهم في محيط ابن تيمية أو في ساحله، كما يذكر عائض القرني.

بالإضافة إلى هذا نرى السلفية يروون في رواياتهم ما يبين أن آدم عليه السلام وقع في الشرك بعد نزوله للأرض، {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف: 189، 190]

فقد ذكروا في تفسيرها أن المراد بالنفس الواحدة: نفس آدم عليه السلام، وبقوله: { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} حواء، ورووا في ذلك حديثا مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لما حملت حواء، طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث، فسمته، فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره)([38])

بل رووا في ذلك حديثا آخر مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيه: (خدعهما مرتين، خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض)([39])

والعجيب أن رجلا مثل الألوسي، ومع كونه من الصوفية، ولكن نتيجة اختلاطه مع أهل الحديث، وتعظيمه لهم، أو مهادنته لهم، وقع فيما وقعوا فيه من الإساءة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقد قال في تفسيره: (وهذه الآية عندي من المشكلات، وللعلماء فيها كلام طويل، ونزاع عريض، وما ذكرناه، هو الذي يشير إليه الجبائي، وهو مما لا بأس به بعد إغضاء العين عن مخالفته للمرويات.. وقد يقال: أخرج ابن جرير عن الحبر: أن الآية نزلت في تسمية آدم، وحواء ولديهما بعبد الحارث، ومثل ذلك لا يكاد يقال من قبل الرأي، وهو ظاهر في كون الخبر تفسيرا للآية.. وأنت قد علمت أنه إذا صح الحديث فهو مذهبي، وأراه قد صح، ولذلك أحجم كميت قلمي عن الجري، في ميدان التأويل، كما جرى غيره والله تعالى الموفق للصواب)([40])

ولست أدري ـ وهو العالم المحقق ـ كيف يأخذ عقيدة من حديث ورد بالآحاد، وفيه ما فيه من آثار الإسرائيليات.

ولو أنه طبق مذهب أهل الحديث الذين تأثر بهم، وقرأ ما قال ابن كثير فيه، لعدل عن ذلك الورع البارد، فقد قال ابن كثير بعد إيراده للحديث: (كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا، فهودوا ونصروا، وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن، رحمه الله، أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لما عدل عنه هو ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب، من آمن منهم، مثل: كعب أو وهب بن منبه وغيرهما)([41])

ومثل تفسير السلفية لتلك الآية الكريمة نجد تفسيرهم لما قصه القرآن الكريم من قصة إبراهيم عليه السلام مع الكواكب، فمع كونها واضحة في أنها أسلوب من الأساليب التي كان يمارسها إبراهيم عليه السلام مع قومه لدعوتهم.. مثلما ذكر القرآن الكريم ذلك في قصته مع عبدة الأوثان، كما قال تعالى: { قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66)} [الأنبياء: 59 – 66]

لكن كثيرا من السلفية فهموا منها أن إبراهيم عليه السلام كان من عبدة الكواكب، ومن بينهم الطبري الذي حكى أقوال الذين فسروا الآيات الكريمة وفق القول بعصمة الأنبياء عن الكفر، فقال: (وأنكر قوم من غير أهل الرواية هذا القول الذي روي عن ابن عباس وعمن روي عنه، من أن إبراهيم قال للكوكب أو للقمر:هذا ربي، وقالوا: غير جائز أن يكون لله نبيٌّ ابتعثه بالرسالة، أتى عليه وقتٌ من الأوقات وهو بالغٌ إلا وهو لله موحدٌ، وبه عارف، ومن كل ما يعبد من دونه برئ. قالوا: ولو جاز أن يكون قد أتى عليه بعض الأوقات وهو به كافر، لم يجز أن يختصه بالرسالة، لأنه لا معنى فيه إلا وفي غيره من أهل الكفر به مثله، وليس بين الله وبين أحد من خلقه مناسبة، فيحابيه باختصاصه بالكرامة. قالوا: وإنما أكرم من أكرم منهم لفضله في نفسه، فأثابه لاستحقاقه الثوابَ بما أثابه من الكرامة. وزعموا أن خبرَ الله عن قيل إبراهيم عند رؤيته الكوكب أو القمر أو الشمس: هذا ربي، لم يكن لجهله بأن ذلك غير جائز أن يكون ربّه، وإنما قال ذلك على وجه الإنكار منه أن يكون ذلك ربه، وعلى العيب لقومه في عبادتهم الأصنام، إذْ كان الكوكبُ والقمرُ والشمسُ أضوأ وأحسنَ وأبهجَ من الأصنام، ولم تكن مع ذلك معبودة، وكانت آفلةً زائلة غير دائمة، والأصنام التي [هي] دونها في الحسن وأصغرَ منها في الجسم، أحقُّ أن لا تكون معبودة)([42])

ثم علق على هذا القول وغيره بقوله: (وفي خبر الله تعالى عن قيل إبراهيم حين أفل القمر: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} [الأنعام: 77]، الدليلُ على خطأ هذه الأقوال التي قالها هؤلاء القوم، وأنّ الصوابَ من القول في ذلك، الإقرارُ بخبر الله تعالى الذي أخبر به عنه، والإعراض عما عداه) ([43])

وهكذا فسروا قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [البقرة: 260]

فقد رووا أن إبراهيم عليه السلام حصل له شك في قدرة الله على إحياء الموتى، ولهذا أراد أن يتأكد، وقد رجح الطبري هذا كما رجحه الكثير من السلفية، بناء على حديث يرفعونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيه: (نحن أحق بالشك من إبراهيم، قال: رب أرني كيف تحيي الموتى، قال أولم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)([44])

بل إنهم يذكرون في هذا أمرا عمليا خطيرا، وهو أن الشك لا يؤثر في الإيمان، ولذلك يعتبرون أن حكاية الله لشك إبراهيم عليه السلام وعدم عقوبته عليه أرجى آية في القرآن الكريم، وقد رووا في ذلك عن سعيد بن المسيب، قال: اتعد عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو أن يجتمعا. قال: ونحن يومئذ شببة، فقال أحدهما لصاحبه: أي آية في كتاب الله أرجى لهذه الأمة؟ فقال عبد الله بن عمرو: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، فقال ابن عباس: أما إن كنت تقول: إنها، وإن أرجى منها لهذه الأمة قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } [البقرة: 260] ([45])

وقد رجح الطبري هذا القول، فقال تعقيبا على الروايات التي أوردها في ذلك: (وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم، قال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال أولم تؤمن؟)، وأن تكون مسألته ربه ما سأله أن يريه من إحياء الموتى لعارض من الشيطان عرض في قلبه، كالذي ذكرنا عن ابن زيد آنفا: من أن إبراهيم لما رأى الحوت الذي بعضه في البر وبعضه في البحر، قد تعاوره دواب البر ودواب البحر وطير الهواء، ألقى الشيطان في نفسه فقال: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فسأل إبراهيم حينئذ ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، ليعاين ذلك عيانا، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أن يلقي في قلبه مثل الذي ألقي فيه عند رؤيته ما رأى من ذلك. فقال له ربه: (أولم تؤمن)؟ يقول: أولم تصدق يا إبراهيم بأني على ذلك قادر؟ قال: بلى يا رب! لكن سألتك أن تريني ذلك ليطمئن قلبي، فلا يقدر الشيطان أن يلقي في قلبي مثل الذي فعل عند رؤيتي هذا الحوت)([46])

وبهذا أعطى السلفية المبرر لكل من يطلب الشواهد الحسية ليؤمن، كما فعل بنو إسرائيل عندما طلبوا أن يروا الله جهرة..

وهكذا يقال في بعض الآيات التي وردت في حق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كقوله تعالى: { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 6، 7]، وقوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52]، وقوله: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} [القصص: 86]

فهذه الآيات الكريمة، والتي يستعملها السلفية للتهوين من أمر النبوة، لا تدل على مقصودهم.. ولو في ظاهر ألفاظها.. ولكنهم ـ كما ذكرنا ـ يعتبرون الرواية عن سلفهم هي الأصل الذي يفهم على ضوئه القرآن الكريم، فالقرآن ـ عند السلفية ـ لا يصح فهمه إلا برؤية السلف.. وقد عرفنا من هم سلفهم.

أما القائلون بعصمة الأنبياء، فقد طبقوا على الآيات الكريمة غيرها من الآيات، واستخرجوا منها لآلئ من المعرفة تليق بأولئك الجواهر المقدسة.

ومن أحسن ما قيل في ذلك ما ذكره العلامة الكبير جعفر السبحاني في قوله تعالى: { وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7]، فقد ذكر من خلال تحليله لمعنى الضلالة في القرآن الكريم أنها تنقسم إلى قسمين:

قسم: تكون الضلالة فيه وصفاً وجودياً، وحالة واقعية كامنة في النفس، توجب منقصتها وظلمتها، كالكافر والمشرك والفاسق، والضلالة في هاتيك الأفراد صفة وجودية تكمن في نفوسهم، وتتزايد حسب استمرار الإنسان في الكفر والشرك والعصيان والتجرّي على المولى سبحانه، قال الله سبحانه: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } [آل عمران: 178]، فإنّ لازدياد الإثم بالجوارح تأثيراً في زيادة الكفر، وقد وصف سبحانه بعض الأعمال بأنّها زيادة في الكفر، قال سبحانه: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} [التوبة: 37]

وقسم منه: تكون الضلالة فيه أمراً عدمياً، بمعنى كون النفس فاقدة للرشاد غير مالكة له، وعندئذ يكون الإنسان ضالاً بمعنى أنّه غير واجد للهداية من عند نفسه، وفي الوقت نفسه لا تكمن فيه صفة وجودية مثل ما تكمن في نفس المشرك والعاصي، وهذا كالطفل الذي أشرف على التمييز وكاد أن يعرف الخير من الشر، والصلاح من الفساد، والسعادة من الشقاء، فهو آنذاك ضال، لكن بالمعنى الثاني، أي غير واجد للنور الذي يهتدي به في سبيل الحياة، لا ضال بالمعنى الأوّل بمعنى كينونة ظلمة الكفر والفسق في روحه.

ثم علق على هذا التقسيم بقوله: (إذا عرفت ذلك، فاعلم: أنّه لو كان المراد من الضال في الآية، ما يخالف الهداية والرشاد، فهي تهدف إلى القسم الثاني منه لا الأوّل: بشهادة أنّ الآية بصدد توصيف النعم التي أفاضها الله سبحانه على نبيّه يوم افتقد أباه ثمّ أُمّه فصار يتيماً لا ملجأ له ولا مأوى، فآواه وأكرمه، بجدّه عبد المطلب ثم بعمّه أبي طالب، وكان ضالاً في هذه الفترة من عمره، فهداه إلى أسباب السعادة وعرّفه وسائل الشقاء)([47])

ثم ذكر البعد العرفاني لهذا المعنى، والذي على أساسه تفهم أمثال هذه النصوص، فقال: (والالتزام بالضلالة بهذا المعنى لازم القول بالتوحيد الإفعالي، فإنّ كل ممكن كما لا يملك وجوده وحياته، لا يملك فعله ولا هدايته ولا رشده إلاّ عن طريق ربّه سبحانه، وإنّما يفاض عليه كل شيء منه، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15]، فكما أنّ وجوده مفاض من الله سبحانه، فهكذا كل ما يوصف به من جمال وكمال فهو من فيوض رحمته الواسعة، والاعتقاد بالهداية الذاتية، وغناء الممكن بعد وجوده عن هدايته سبحانه يناقض التوحيد الإفعالي الذي شرحناه في موسوعة مفاهيم القرآن) ([48])

وما ذكره العلامة السبحاني هو ما دلت عليه النصوص القرآنية الكثيرة التي تذكر كل حين بأن الهداية مكتسبة من الله سبحانه وتعالى، من غير فرق بين الإنسان وغيره، كما قال سبحانه: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } [طه: 50] وقال: { الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 2، 3]، وقال: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ } [الأعراف: 43]، وقال: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50] وغيرها من الآيات الكريمة.

وبذلك فإن الآية على هذا الفهم العرفاني (تهدف إلى بيان النعم التي أنعمها سبحانه على حبيبه منذ صباه فآواه بعد ما صار يتيماً لا مأوى له ولا ملجأ، وأفاض عليه الهداية بعدما كان فاقداً لها حسب ذاتها، وأمّا تحديد زمن هذه الإفاضة فيعود إلى أوليات حياته وأيّام صباه بقرينة ذكره بعد الإيواء الذي تحقّق بعد اليتم، وتمّ بجدّه عبد المطلب فوقع في كفالته إلى ثماني سنين ويؤيّد ذلك قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: ( ولقد قرن الله به (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره)([49])

بناء على هذا الفهم التوحيدي العرفاني يمكن تفسير كل الآيات المشكلة على خلاف الطريقة التي فسر بها ابن تيمية ومن تبعه من السلف.

وبذلك يمكن أيضا الجمع بين النصوص التي تدل على أن كل نبي يولد وهو متصف بوصف النبوة، وإنما يؤخر تنفيذها أو يؤخر الإرسال وتكاليفه إلى الأجل الذي يراه الله مناسبا.


([1]) أحمد 4/66 (16740) و5/379 (23599)، وقال في (مجمع الزوائد: 8/ 223): رواه أحمد والطبراني، ورجاله رجال الصحيح.

([2]) مجموع الفتاوى (2/ 147)

([3]) إحياء علوم الدين (3/ 382).

([4]) الإعتقادات (لـ الصدوق)، ص36.

([5]) الميزان: 11/177).

([6]) الشيخ أحمد السرهندي – مكتوبات الإمام الرباني – ج 1 ص 361.

([7]) الشيخ نجم الدين داية الرازي– مخطوطة منار السائرين ومطار الطائرين – ص 27

([8]) الشيخ علي بن يوسف الشطنوفي – مخطوطة بهجة الإسرار ومعدن الأنوار – ص 88.

([9]) المغني: 15/279.

([10]) العقائد النسفية: 171.

([11]) شرح التجريد: 464.

([12]) تفسير القرطبي (16/ 55).

([13]) تفسير القرطبي (16/ 55).

([14]) اللوامع الإلهية: 170.

([15]) تفسير الطبري (16/539-540).

([16]) سير أعلام النبلاء ج19/ص116.

([17]) تفسير السمعاني (2/198).

([18]) شرح السنة (1/49).

([19]) تفسير البغوي (1/351).

([20]) تفسير البغوي (3/257-258).

([21]) تفسير البغوي (7/201)

([22]) حققه عبد العزيز بن محمد الخليفة، وطبع في مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى – 1417 هـ، وأصل الكتاب رسالة نال بها الباحث درجة الماجستير في القرآن وعلومه من كلية أصول الدين – جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض.

([23]) مجموع الفتاوى (15/ 30)

([24]) مجموع الفتاوى (15/ 30)

([25]) مجموع الفتاوى (15/ 31)

([26]) مجموع الفتاوى 10/309-210).

([27]) مجموع الفتاوى 11/690).

([28]) تفسير آيات أشكلت 1/178-193).

([29]) إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل، ص: 84.

([30]) إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل (ص: 86.

([31]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 63)

([32]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 63)

([33]) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/ 256)

([34]) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/ 257).

([35]) لطائف المعارف لابن رجب (ص: 82)

([36]) لطائف المعارف لابن رجب (ص: 82)

([37]) لطائف المعارف لابن رجب (ص: 82)

([38]) أحمد 5 / 11، والحاكم 2 / 545 وصححه، ووافقه الذهبي، والطبري رقم (15513)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

([39]) تفسير القرطبي: ج 7 ص 338..

([40]) تفسير الآلوسي: ج 9 ص 139، 142..

([41]) تفسير ابن كثير ت سلامة (3/ 527).

([42]) تفسير الطبري (11/ 481)

([43]) تفسير الطبري (11/ 485)

([44])رواه البخاري (4/ 179، 6/ 39) ومسلم (ص/ 133، 1839) وابن ماجة (ح/ 4026) وأحمد (2/ 326)

([45]) تفسير الطبري (5/ 489).

([46]) تفسير الطبري (5/ 491)

([47]) عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، ص273.

([48]) عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، ص273.

([49]) نهج البلاغة: الخطبة 178، والتي تسمّى بالقاصعة، وانظر: عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، ص274.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *